تسمرت روح في مكانها وقد تجمد الدم في عروقها عندما التقت عيناها بوجهه. وجه لم تعتقد أنها ستراه من جديد. خرجت شهقتها مكسورة وبالكاد نطقت: "إنت... مستحيل.. انت أي ال جابك أهنيه وعايز مني أي عاد." دخل الغرفة ببطء والابتسامة الباردة ترتسم على شفتيه، تلك الابتسامة التي طالما كرهتها. كان طويلا عريض المنكبين، عيناه سوداوان كغياهب الليل. تقدم منها خطوة ثم أخرى، حتى بات على بعد أنفاس منها وابتسم قائلا بصوت خفيض مشبع بالحقد:
"مش مستحيل ولا حاجة... انتي ال جولتيلي بنفسك إنك بتؤمني إن الدنيا صغيرة... أهي لمتنا تاني يا روح." ارتعشت شفتيها وهي تهمس: "انت... كريم... انت عايز مني أي عاد." ضحك ضحكة قصيرة كأنها صفعة ثم قال بتهكم: "ايوه كريم... كريم ال كان خطيبك ال فضحتيه جدام الناس، وجولتي عليه خاين وميستاهلش كلمة راجل... ال لطختي سمعته وشوهتي صورته...
والنهاردة أنا جاي أربيكي من اول وجديد واوريكي أنا راجل ازاي. انتي كنتي تطولي أصلا أخطب واحدة زيك.. دا مكنتوش لاجين تاكلو ولا تلبسوا.. بجا واحدة زيك تعمل فيا أنا أكده." ارتدت إلى الخلف وهي تصيح بانفعال: "ابعد عني... إنت مالك بيا.. أنا بكرهك... بحتقرك فاهم؟! مش ناسية إنك خونتني ودايما كنت تعايرني وبعتني من غير ما يرمشلك جفن... انت بالنسبالي ميت."
تلقت روح كلماتها لكنه لم يتراجع، بل اقترب فجأة كأن شيطانه قد استيقظ فيه، ورفع يده بعنف ليكمش ذراعها ثم جذبها إلى السرير الخشبي المهترئ ودفعها بعنف عليه. صوته يعلو كأن كل جنونه قد انفجر دفعة واحدة وهتف: "أنا هعلمك... هفرجك أنا ممكن أعمل فيكي إي... ال تجرسني وتكسرني جدام الناس مينفعش أسيبها تعيش مرتاحة." صرخت روح وهي تحاول أن تتخلص من قبضته، لكنه أمسك بحبل كان ملقى في أحد أركان الغرفة.
وقبل أن تتمكن من الهرب كانت يداه توثقان يديها إلى قوائم السرير، وعيناها تمتلئان بالذهول والرعب. حاولت أن تتكلم، أن تستجدي، أن تقاوم، لكن كلماتها خرجت كأنها تنهار من بين شفتيها: "كريم... إنت بتعمل إي؟! إنت اتجننت؟! سيبني... بالله عليك سيبني! لكنه لم يسمع. كان قد أُغشي على عقله والظلمة التي سكنت قلبه جعلته لا يرى سوى الانتقام... لا يسمع سوى صدى إهانته القديمة ولا يشعر إلا بالرغبة في التمزيق.
وهي مربوطة اليدين، وفي مكان آخر في زاوية المكتب المظلم، جلس رائف خلف مكتبه الكبير ويداه تعتصران رأسه بين كفيه. الأضواء الخافتة تعكس على وجهه ملامح الإرهاق والضيق، بينما الساعة تشير إلى اقتراب منتصف الليل. دخلت فريدة بخطوات مترددة ووقفت عند الباب قائلة بنبرة خافتة: "يا بشمهندس رائف… أنا خلصت كل اللي طلبته… والوقت اتأخر ممكن أمشي." رفع رائف رأسه ببطء ونظر إليها بنظرة حادة كأنها أيقظته من كابوس، ثم
قال ببرود مشوب بالاحتقار: "أنا لسه موجود… يبجى انتي تفضلي موجودة." تلعثمت فريدة قليلا قبل أن تقول بخوف: "بس أنا اتأخرت جوى وأهلي هيقلقوا عليا… لازم أمشي بسرعه." وقف رائف من مكانه فجأة واقترب منها بخطوات غاضبة، لكن قبل أن ينبس بكلمة واحدة، دفع الباب بقوة وظهرت أميرة واقفة بثقة الطفولة الممزوجة بالعناد: "رائف... واحشتني." تراجع رائف قليلا ونظر إليها مندهشا قبل أن يعقد حاجبيه قائلا:
"يا بنتي ميصحش كده… وبطلي الهبل ال بتعمليه دا. انتي جاية أهنيه لوحدك في الوقت ده إزاي... إزاي أصلا تخرجي دلوجتي." تنهدت أميرة بضيق وهتفت: "بدور على كاسر… تليفونه مقفول ومش لاجياه في أي مكان.. جولي أخويا فين." ثم التفتت إلى فريدة وقالت: "اعمليلي نسكافيه لو سمحتي." نظرت فريدة إلى أميرة بضيق قبل أن تحول نظرتها المتأففة نحو رائف، فهز رأسه بإشارة باردة تدل على الأمر لا الطلب. فاضطرت إلى الخروج. جلس رائف على طرف
المكتب وقال بصوت منخفض: "وهو انتي طول الوقت ماشية ورا كاسر كده؟ ما تتعلمي تعيشي من غيره شوية." أميرة بضيق: "هو أخويا… ومقدرش أعمل أي حاجة من غيره.. لازم يبقى قدام عيوني أكده دايما." لم يرد واكتفى بالنظر بعيدا إلى أن عادت فريدة تحمل كوب النسكافيه الساخن ووضعته أمام أميرة على المكتب. فأخذته أميرة دون أن تشكرها وارتشفت رشفة واحدة… ثم عبست فورا ورددت: "هو إي ده.... فيه سكر كتير جوي. أنا عاملة دايت."
وفجأة قذفت بالكوب على فريدة فارتد النسكافيه المغلي على يدها. صرخت فريدة وهي تتراجع وقد احمرت يدها من الألم. فنهض رائف فجأة واندفع نحوها بقلق واضح وأمسك يدها برفق: "فريدة... إيدك… وريني أكده. سخن عليكي.. تعالي نروح للحكيم." سحبت فريدة يدها بسرعة ونظرت له بعينين دامعتين: "دي حاجة بسيطة… شكرا." ثم خرجت من الغرفة بسرعة. وقف رائف لحظات يراقب الباب المغلق، ثم نظر لأميرة بعينين تشتعلان بالغضب، وقال:
"يلا… جومي أهوصلك… كفاية دوشة وفضايح لحد أكده." نهضت أميرة دون رد. وبعد فترة، كانت روح ممددة على السرير الخشبي مقيدة بحبال خشنة غليظة تركت أثرها على معصميها. الهواء في الغرفة ثقيل والرعب يخيم على كل زاوية. صوت خطوات يقترب ببطء قاتل، ومع كل خطوة كانت أنفاسها تتسارع أكثر. فدخل رجل غريب الملامح واقترب منها وعيناه تلمعان بنوايا لا يحمد عقباها. مد يده نحوها فصرخت بكل ما تبقى في صدرها من قوة:
"ابعد عني بالله عليك متقربش مني … سيبني يا بني آدم انت. عايز مني أي عاد." كانت تتلوى وتحاول الفكاك، تبكي وتصرخ وتناشد، لكن لا فائدة. فقرب أكثر وهم بلمسها... وفجأة انفتح الباب بقوة ليهتز معه الهواء واندفع كاسر إلى الداخل كإعصار هائج لا يرى أمامه إلا وحشا. وردد: "إنت بتعمل إي عاد." صرخ به وهو يهوي على الرجل بقبضة من نار وظل يضربه حتى سقط الرجل أرضا بلا حراك. ثم ركض نحو روح وفك قيودها وهو يردد: "انتي كويسة.. حد لمسك...
جولي لي." وقفت روح في صدمة وعيناها معلقتان به غير مصدقة أنه أمامها... وقبل أن تنطق بكلمة أخرى انطلق صوت تكة معدنية... ورجل آخر خرج من العتمة يصوب مسدسه نحو كاسر. فصرخت روح بكل ما فيها، وبلا أي تفكير أو تردد، ألقت بجسدها أمامه لتتلقى الرصاصة في صدرها بدلاً منه... ودوى صوت الطلقة ثم تبعه صوت ارتطام جسدها بالأرض. فاقترب منها كاسر وحملها وخرج بسرعه. وفي صباح يوم جديد، داخل أروقة المستشفى...
وقف كاسر أمام نافذة زجاجية تطل على حديقة المستشفى الصغيرة، ساكنا كأنه حجر يراقب حركة الناس بلا تركيز. حتى اقترب منه رائف بهدوء وعقد ذراعيه أمام صدره وهو يسأله باستغراب: "بس انت مجولتشلي… إزاي عرفت إنها هناك؟ كنت رايح فين عاد." استدار كاسر ببطء وغمغم بصوت خفيض فيه بعض الحدة: "كنت شايف تصرفاتها غريبة… وشاكك إنها ناوية تعمل حاجة في رحمة… فـ بدأت أراقبها… لحد ما شوفتها وحسيت إن فيه حاجة غلط." ضحك رائف بسخرية بسيطة وقال:
"يعني رايح تنقذ ضحيتك؟ وهي ال أنقذتك… سبحان مغير الأحوال." وقبل أن يرد كاسر انطلقت خطوات سريعة نحوهما وظهرت أميرة تركض بعفويتها المعهودة لترتمي في حضن كاسر وهي تردد بلهفة: "كاسر… يا أخويا... إنت كويس. أنا قلبي كان هيوجف من الخوف عليك." ضمها كاسر برفق وقال بابتسامة باهتة: "أنا بخير يا أميرة… جهزي نفسك علشان رحمة هتخرج من المستشفى النهاردة، والدكتور وافق خلاص." اتسعت عينا أميرة بدهشة وهتفت: "بجد؟!
طب الحمد لله… وفين البنت ال بسببها كان ممكن يوحصلك حاجة... ال أنقذتها ومش عارف ليه أصلا والله." ثم اندفعت أميرة بخطوات غاضبة نحو الغرفة التي ترقد فيها روح ودخلتها دون استئذان. كانت روح جالسة على طرف السرير ويدها مربوطة بشاش أبيض ووجهها شاحب من الألم، لكنها كانت متماسكة. فأشارت أميرة نحوها بإصبعها وهتفت بسخرية لاذعة: "انتي بجد عندك وش تقعدي أهنيه... أخويا كان هيموت بسبب حاجة زيك ملهاش لازمة." نهضت روح فجأة ودفعتها
بعنف وصرخت في وجهها: "ابعدي عني... انتي مين أصلا؟! وفاكرة نفسك إيه علشان تكلميني بالشكل دا." أميرة بعصبية: "أنا أخت كاسر.. ال كان هيموت بسببك." روح بحده: "وأنا ال أنقذت حياته! فلو سمحتي… لمي لسانك بدل ما أقوم أربيكي من أول وجديد. أنا مش ناقصة وجع دماغ." وفجأة دخل كاسر ووقف بينهما ورفع صوته بغضب: "كفاية! أميرة يلا مع رائف… روحي شوفي رحمة وخليكي بعيدة عن أي دوشة تانية.. أنا مش ناقص وجع قلب. يلا."
سحبه رائف بلطف وهو يومئ برأسه لروح بهدوء وخرج الاثنان من الغرفة. فتقدم كاسر ببطء نحو روح ونظر إليها نظرة ناعمة لم يعتدها ثم قال بصوت صادق: "أنا آسف… وشكرا… علشان أنقذتيني." رفعت روح حاجبيها وقالت بنبرة باردة: "وأنا بشكرك علشان برضه أنقذت حياتي." ابتسم بخفة وقال: "رحمة هتخرج من أهنيه النهاردة… والحكيم قال لازم يكون معاها حد يرعاها وهي بتحبك… وطلبتك بالاسم...
أنا مستعد أدفعلك أي مبلغ… بس لو توافقي تبجي المرافقة بتاعتها." سكتت روح للحظة، لكن قلبها كان يرقص من الفرحة… فرصة دخلت من باب القدر بل من نافذة الانتقام. فهذه هي اللحظة التي انتظرتها ورددت في نفسها: "أخيرا… هدخل بيت كاسر برجلي وهاخد كل حاجة... وأردهاله واحدة بواحدة." استفاقت على صوته وهو يسألها: "سرحتي في إيه عاد." هزت رأسها سريعا وردت بابتسامة هادئة: "لأ… مفيش… أنا موافقة." ابتسم كاسر بخفة وقال:
"تمام… خليكي جاهزة. العربية هتكون مستنياكي بعد الضهر." وغادر الغرفة. أما روح… فجلست على طرف السرير وحدقة عينيها تلمع بنار دفينة وهمست في داخلها: "اللعب ابتدى يا كاسر… وهنشوف مين فينا ال هيوجع التاني أكتر." ظلت روح جالسة على السرير تحاول تهدئة أنفاسها، لكن عقلها لم يكن ساكنا… كان يحفر في أدق التفاصيل. وفجأة شهقت كأن أحدهم ضربها على صدرها: "المحفظة."
ثم تذكرت… في تلك الغرفة المهجورة وقبل أن تغلق عيناها من الألم… كانت هناك محفظة مرمية على الأرض… محفظة فرات. فـ عقدت حاجبيها ورفعت رأسها في ذهول وهي تتمتم: "إزاي… إزاي محفظة فرات تكون في مكان ليه علاقة بكريم. كريم... أنا لازم أعرف المكان دا بتاع مين… ولازم دلوقتي." نهضت بسرعة وخرجت من المستشفى دون أن تلتفت وراءها و خطواتها كانت سريعة كأن الأرض تشتعل تحت قدميها.
وبعد ساعة تقريبا وقفت في أحد الشوارع الجانبية الهادئة تقابل شابا يبدو عليه الذكاء يحمل بيده بعض الأوراق. فـ نظرت له بعينين تشتعلان بالقلق وسألته مباشرة: "ها؟ عرفت المكان مكتوب باسم مين." فتح الشاب الورقة ثم رفع نظره إليها وقال بنبرة ثابتة: "أيوه… عرفت المكان متسجل باسم واحد اسمه رائف... رائف السباعي." تجمدت روح في مكانها وعيناها تتسعان ببطء: "رائف… رائف السباعي." انسحبت الدماء من وجهها وضاعت ملامحها بين الذهول.
وفجأة ارتعبت عندما وجدت أمامها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!