في الغرفة التي يسودها الظلام الدامس، يتسلل ضوء خفيف للغاية من الفتحات بين الأخشاب المتراصة. الباب مغلق بإحكام، ويقف خلفه عدد من الشباب ذوي جلباب صعيدي، ممسكين بأسلحتهم كأنها أغلى ما لديهم. كانت متأذية بطريقة بشعة، رأسها ما زال ينزف بالدماء، ملقاة على وجهها. وهناك من يتألم لأجلها، فهي تتأذى وهم يشعرون بذلك.
سعلت بوهن وهي ترمش بعينيها، تحاول فتح جفونها. فتحتهم ببطء ورفعت وجهها تتفحص الغرفة، وهي تستند على كف يدها. اعتدلت جالسة وهي تترنح. زحفت للخلف وألقت بظهرها مستندة على الجدار بتعب، وهمست بوهن وصوت ضعيف: مياه. مياه. تأوهت بألم وهي تمسك برأسها، وهمست وفؤادها يضناه التعب: عايزة أشرب. ضربت يديها بالحائط ففتح الباب وطل منه رجل ذو شارب كثيف في لحيته، وقال بصوت أجش: خير يا حرمة، جاية بتولولي ليه؟
مهتعرفيش تسكتي، أياك توجعي دماغنا لحد ما نخلص منك. جحدته بنظرة قاتلة وهي تتنفس عالياً، وقالت بجمود: امشي جبلي مياه. همس وهو يكرمش وجهه: خدام عند أبوكِ، أياك أنا؟ أنتِ مخطوفة، مخطوفة، أيه مهفهميهاش دي؟ أبوها؟ هل نطق ذاك الرجل وذاك اللسان والدها؟ وقفت متسانده على ذاتها، ووقفت عن كثب منه، وبعزم أمسكته من ياقة جلبابه، قائلة بصوت عالٍ وأعين حمراء: أبويا، بتقول أبوكِ أنت؟ اتجننت؟ اسم بابا أياك تجيبه على لسانك القذر ده.
دفعته بعنف ليسقط على الأرض، وأمسكت رأسها صائحة به: امشي هاتلي أشرب ومشوفش وشك قدامي تاني. أغلقت الباب ودلفت للداخل تتنهد بصعوبة. سمعت صوت أقدام، فرفعت نظرها على الباب حتى بدا ذاك الرجل الذي ضربته ليلاً، يرمقها بنظرات ساخطة. فابتسمت بسخرية وهي تشير له قائلة: أيه رأيك في العلقة اللي أديتهالك؟ وكمان البنات قدرت أخرجهم. جاي ليه؟ مش خايف؟ ولا نفسك تاخد علقة تاني. واستضحكت عالياً. ولج للداخل بسخط ووقف عن كثب منها، قائلاً
وهو يجثو أمامها: أيوا صوح، أنجذتي البنات. بس جوليلي، هتنجذي إزاي البنات اللي خلاص سافروا لبلاد بره دلوج؟ احتل الغضب ملامحها، وبدت كوحش ثائر وهي تدحرج بنظرات نارية. أكمل هو: كمان صفقات الآثار والمخدرات والسلاح، هتعملي إيه وأنتِ محبوسة؟ بس أطمنك، كل شيء هيتم قدام عينك. أمال أحنا أهل الكرم كله إزاي؟ هتجدي حدنا من غير أكل ولا مياه لحد ما تطلع روحك لخالقها. ابتسمت له بسخرية ليتابع هو مشيراً لرجاله: طلعوها.
وخرج مغادراً. ليقترب رجلان ممسكان بيدها. حاولت أن تبعدهم ولكن لم تستطع، فذاك الجرح والدم التي خسرته للتو جعلها هشة، ولكن قلبها ما زال جامداً لا يخشى شيئاً. كبلوا يديها وسحبوها للخارج تحت مقاومتها. وقفوا أمام زعيمهم الذي هتف وهو يشير على حرف الجبل وأحدى الصخريات كبيرة الحجم، حيث الشمس المحرقة ولهيبها تتكبد السماء، ترسل أشعتها الملتهبة التي تلهب الأجساد: اربطوها هناك لحد ما الشمس تصهرها، تأكل جسمها، ومحدش يجرب منها.
دفعوها هنالك وأجلسوها عنوة، ظهرها للصخرة الحارقة، وأحكموا قيدها، وابتعدوا ركضاً من شدة الشمس. وتركوهما عرضة لها، تكوي الشمس الحارقة جسدها. أما الرجال، فكانوا يشاهدوها بإستمتاع. فقدوا النخوة وحلت مكانها القسوة. أصبحت قلوبهم صماء كالحجارة أو أشد. تحسس جرحه التي سببتها له بالليل، ليهمس بغضب لأحد رجاله: امسك العصاية دي، وتروح تضربها زي ما عملت فيا.
ابتسم الشاب بخبث وجذب العصا واندفع نحوها. نظر لها متأهباً ليطرحها بالعصا، بينما نظرتها كانت ثابتة، مبتسمة بإستماتة. فكانت منشغلة الفكر بماذا عليها أن تفعل لإنقاذ هؤلاء البنات. نظر لها الشاب مذهولاً وهمس: وااه، أنتِ مخايفش ولا إيه؟ ابتسمت بسخرية وأشارت برأسها أن يقترب. فأقترب، لترفع رأسها لوجهه وتبصق عليه وتدفعه بقدمها، وصاحت: غلطك إنك مربطش رجلي، مش وعد اللي تضعف، والشمس دي أطمن، أنا وهي صحاب، فمستحيل تأذيني.
كانت تهتف بثبات عكس ما تشعر به من ألم. "رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ" أصبحت منعزلة، متفردة بغرفتها، كاسفة البال، لا تجف دموع عيناها، جالسة على فراشها تضم قدميها إلى صدرها. يصرخ فؤادها ولا تدري أين السبيل لنجدتها، فزهدت من هذه الحياة. تناجي ربها بقلبها، فهي منعقدة اللسان.
دلف ياسين مبتسماً وهو يحمل صينية إفطار لها بعدما أخذها من والدته عنوة عنها. أضناه قلبه القلق واندفع نحوها بهلع، وتساءل قائلاً: أسماء، شوفي مين اتكرم وجابلك الأكل. وضع الصينية جانباً، وهو متعجباً من حاله، ولكن كله يهون لأجل أخته تلك ولأجل ضحكتها. قبل رأسها، ممسداً على ظهرها، وهتف بحنان وبصوت هادئ. لأول مرة يحادثها بتلك اللهجة، فالطالما كان الجميع يهابه ويهاب حديثه: أسماء، مالك فيكِ إيه؟ حد عملك حاجة؟ حد ضايقك؟
ظل نظرها ثابتاً بالفراغ. فجذب كفت يدها بين راحتيه. فرفعت رأسها به كأنها تنتبه لتوها له. فهمس وهو يتمعن النظر في عينيها: أنا أخوكِ، سندك واحتوائك. لو كان حد ضايقك في كلمة، أنتِ بس شاوريلي عليه، أخليه يندم على اليوم اللي لمحك فيه. حتى ابتسم لها قائلاً بصدق عندما لاحظ دموعاً عالقة بجفونها: أوعي عمرك تبكي بعيد عن حضن أخوكِ، أمانك وقوتك في الدنيا وسندك. أنتِ بتتأذي حتى لو من شوكة صغيرة، بس أخوكِ ظلك بيتألم.
ضم وجهها بكلتا يديه، وظلت نظراتها تائهة. وقال بصدق: أنا عارف إني دايماً قاسي وصارم معاكم كلكم، وبعاملكم بجفاء أحياناً، ودايماً بزعق وعصبي، بس يوم ما يتعلق الأمر بدموع أختي، أنا أهد الدنيا كلها. ألقت ذاتها بين ذراعيه، تتمسك بيدها الصغيرتين بجاكتة، وبكت بصوت عالٍ كما لم تبكِ من قبل. "هل سمعت يوماً عن بكاء القلب؟ بكاء غريب من نوعه يجعلك تبدو جيداً، وبداخلك صراخ وبكاء ليس له حدود. أجربته يوماً؟
بكاء يجعلك تهوي هوياً بقاع الجحيم. كصمت القبور هو، إلا من دموعك التي تنساب بغزارة وبلا توقف، يليها بكاء القلب بوجعه. وأنت أنت ثابت كالجبال الراسية بإستماتة، صوتك يخرج كما لو أنه ليس بك شيء، فكيف ذلك؟ كيف لها أن تكون هكذا؟ مهما بلغ الألم منتهاه، كأنها لا تشعر به، كيف يصبح جزءاً منها، كيف تتعايش معه؟
كيف لعيونها من كثرة دموعها أصبح الدمع يهوي منها بغزارة دون أن يشعر أحد، مهما استرق النظر والسمع. وكيف لقلبها أن يصرخ ويبكي دون صوت؟ كيف؟ وها هي تبث كل شجواها لأخيها، لذاك الأمان والسند الذي يضمها بعينيه ليحفها بالأمان وسط جفونه. ها هو ظلها يعانقها بدفء ليبث لها الحنان والسكينة." ظل يضمها وهي تبكي. كم لم تزورها الدموع يوماً، حتى تسأل بهدوء: قولي بس مالك، في إيه؟ شايلة هم الدنيا ليه لوحدك؟
شاركيه معايا، وتأكدي أني هنا ومش هسمح لأي حاجة تأذيكِ. علا نحيبها وهي تهتف بكلمات متقطعة: أنا خايفة. رددتها عدة مرات. قاطعها ياسين حينما لم يفهم حرفاً من تلك الأحرف المتقطعة، قبلها من جبهتها بعمق وهو ضامم وجهه بين راحتيه، وهمس: يلا، أهدي كدا وصلي على حبيبك. قالها وهو يزيح دموعها. فصلت على رسولها وهي تهدأ شيئاً فشيئاً. جذب صينية الطعام على قدميه وهو يقول بحسم: يلا عشان تأكلي وتفهمني في أي، لأني نازل الصعيد عشان وعد.
اتسعت عيناها وتجلت بهما الصدمة وهي تقول: وعد؟ مالها وعد؟ هي كويسة؟ حصلها حاجة؟ هز رأسه بالنفي قائلاً: هتكون كويسة، متقلقيش. "ودلوقتي كلي من إيدي يلا." همس بها بعدما قرب من فمها بلقمة. فتناولتها من يده بإبتسامة ظل يأكلها بحنان، حتى صدح صوت عالٍ ينادي عليه: ياااااسين. حَدَّق ياسين بذهول وفرحة تسري بروعة، وهمس وهو ينهض بإبتسامة بدت نواجزه: بلاااااال.
ركض للخارج على عجل، ووراءه أسماء. وقف أعلى الدرج بمنتصفه، فرأى بلال تضمه لمار بحنان أم. رفع بلال رأسه مبتسماً: وحشني يا ياسيييين، عامل إيه يا عم؟ هبط ياسين الدرج بإستماتة ويديه بجيب بنطاله. وقف أمامه قائلاً ببرود زائف: وأنت موحشتنيش نهائياً. زم بلال شفتيه ورفع إحدى حاجبيه وقال: يا جدع، طب احلف كدا؟ ابتسم ياسين ليضمه بلال بهمجية وحب.
توالت عليه السلامات من الجميع، بينما كان بصره زاغاً هنا وهناك، تشتاق عيناه لترتوي. فأين هي يا ترى؟ لقد أضناه روعة الشوق وتشتاق الروح لضمه، والقلب لينير. فقد كان منشغلاً الذهن بها، باحثاً بعينيه عنها. عن أسماءه بلا لنقل سماءه التي تنير دربه، فأين السبيل إليها؟ ها هي تطل عليه من أعلى الدرج، ولقد أضناه قلبه رؤيتها هكذا. ما ذاك السواد الذي يحيط عينيها السوداوين؟ ما ذاك الوهن؟ لماذا أثر الدموع تلك على وجنتيها؟
ها هي تهبط الدرج لترج قلبه رجاً. فابتسم بحياء، ابتسامة ذات وميضٍ ساحر. رفع كفه بخصلات شعره يحاول أن يتحاشاها، فقربها يزيد من خفقان قلبه ونفسه. ها هو يفيق على صوتها الذي أذاب قلبه وترنم به: يا بني، أنت مالك؟ بقولك عامل إيه من أولها كدا سرحان. ابتسم بحياء، فاتسعت ابتسامته شيئاً فشيئاً، وقال بعشق: أنا بخير الحمد لله. أنتِ طمنيني عنك، عاملة إيه؟ كان يتحاشى النظر إليها، فيكفيه صوتها الذي يهلكه.
تجمهر الجميع حول بلال يرحبون به، فقد جاء لتوه من إحدى المهمات. بغضب صاحت لمار ليتراجعوا: بس كله يبعد عن بلال حالاً. تراجع الجميع بخوف، ما عدا ياسين الذي وقف بثبات وبرود. لتقطب لمار حاجبيها متسائلة وهي تقف عن كثب منه: قلت الكل يرجع، كله رجع إلا أنت؟ هتف ياسين ببرود وثقة في النفس: أنتِ علمتينا منسمعش كلام حد ونعمل أي حاجة بس نكون احنا عايزينها، ولا إيه؟ ابتسمت لمار بفخر وانكفأت على أذنه هامسة: ماشي يا ياسين.
غمز لها مبتسماً، لتستدير هي كلياً لبلال الذي كان يسترق السمع لهم، وهمس مستسلماً ما إن استدارت له: وربنا أبداً مش مستغني عن نفسي، هتقولي ابعد، أمشي، أموت، هعمل. علت ضحكات الجميع بمرح، ليهتف ياسين وهو يضربه على منكبه: يا جبان. ابتسم بلال ضاحكاً وهتف: لا يا عم، أنا بس مش مستغني عن نفسي. ضمت يده بين راحتها وأخذته ليجلس، وجلست بجانبه عن كثب وهمست بحنان أم: طمني عنك، عامل إيه؟
همس بلال مبتسماً، بينما قلبه يشتاق ليرتوي من رؤيتها، فهمس بصوت مختنق: الحمد لله بخير، كله تمام. نهض بعد دقائق قائلاً بإبتسامة: هروح عشان أسلم على ماما. بحسم جذبته لمار ليعاود الجلوس بجانبها وقالت: والله ماهسيبك غير لما تأكل معايا. همست هالة بمرح: دا أنا عاملة البشاميل اللي بتحبه. ابتسم منصاعاً لهما، لتهمس عائشة بمرح: ألحق أرن على الإسعاف قبل ما نأكل. ضربتها هالة بخفة على ظهرها هامسة وهي تغادر:
بس يا ماما، والله لأوريكِ. حدقت عائشة بمرح: وجه اللي يدافع عني، يخليك ليا يا رب يا بلال. جاءت خديجة ركضاً من فوق، تتحدث مع بلال، وابتعدت لمار وقتما جاءها اتصال. أنهته وعادت لتركض لها خديجة قائلة بزعر: ألحقي، ألحقي. همست لمار وهي تحملها: الحق إيه؟ مالك يا ديجا؟ همست ديجا وهي تشاور لبلال: بلال. همست لمار وهي تنظر لبلال الذي يكتم ضحكته. ديجا ببراءة: قالي على حاجة! همست لمار ضاحكة: قالك إيه الواد ده؟
أكتفت ديجا على أذنها هامسة بصوت يكاد يكون مسموع: بيقولي هاتي بوسة يا قمر. ووضعت يدها على فمها وهي محدقة العينين. فعلت لمار المثل وذات الصدمة وهي تقول ضاحكة: قليل الأدب ده، قالك كده؟ هزت ديجا رأسها بالإيجاب: آه. لتقول لمار بغضب مصطنع وهي تتركها: والله لأوريه، الواد ده عاوز يتربي. نظرت له ديجا ضاحكة: أحسن، تستاهل، وهقول لبابا يضربك. نهض بلال متصنع الخوف، بينما صرخت لمار به: تعال هنا. اندفع نحوها، لتشير لمار لـ ديجا:
خدي حقك يا بت، يلا. ركض بلال وديجا خلفه لينفجر الجميع ضاحكاً. ظل يركض ولم تستطع مسكه، إلا أن اصطدم بعمرو الذي رحب به وضمه بفرحة. وفجأة صاحت ديجا: يا بابا، اضربه. نظر لها عمرو متسائلاً: اضربه؟ ليه بس يا ديجا؟ وانكفأ هامساً لبلال: ولا عملت إيه؟ جاء بلال أن يجيبه لتصح ديجا: لا، عيب، مش هقولك. رفع عمرو حاجبه هامساً بدهشة: عيب؟ مسك بلال من ياقة قميصه صائحاً: ولا عملت إيه لبنتي؟ تحرر بلال من يده قائلاً:
يا عم، مقولتش حاجة. بنتك اللي حلوة، أعمل إيه يعني؟ نظر له عمرو بغضب، فركض بلال من أمامه. جثى على قدميه أمام ابنته وتساءل وهو يضم وجهها: قلك إيه الواد ده؟ صاحت ديجا بسخط: مش خليته يمشي. وعقدت ذراعيها وشاحت وجهها عنه. ليهمس هو بحنو: دا أنا مش هخلي حتة سليمة فيه. ماله بس، عمل إيه؟ صمتت ديجا ملياً بتفكير وهمست: بيقولي هاتي بوسة يا قمر، مش عيب يقولي كده؟ نظر لها عمرو غير مستوعب، لينفجر ضاحكاً رغماً عنه.
لتضرب ديجا الأرض بقدمها وهي تتجه لياسين صائحة: يا ياسين... فانفجر ياسين ضاحكاً، وما إن اقتربت منه متذمرة حتى انحنى قليلاً هامساً لها: ما تجيبي بوسة. اتسعت عينا ديجا وغطت وجهها بيديها وهي تصرخ عالياً وتركض من أمامه، ليقهقه هو عالياً. "اعرفكم ببلال. بلال من فريق وعد، وياسين ابن المرأة التي تعمل لدى لمار، وله أخت، ووالده متوفي. يعشق أسماء من صغره، ولكن لا أحد يعلم بذلك."
"رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ" ضاقت بها الدنيا، واكتظ فؤادها بالهموم. أصبح الهم جاثماً بروعها، يجعلها كاسفة البال، أزق قلبها وليس له مخرج أو طريق. تحتاج فقط لقلب يشاركها الهم والحزن، ولكن من يشعر بها؟ لما تشعر بالوحدة بعدد جل الناس حولها؟ ما ذاك الألم الذي يأكل بفؤادها دون رحمة؟ صوت ذاك الرجل بذهنها لا يفارقها.
كانت تسير بالحديقة لا تدري لأين تسوقها قدمها، تائهة هي، غريبة عن نفسها. "السلام عليكم." قالها قائل من خلفها، لتستدير مبتسمة لبلال قائلة: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. ابتسم بلال وهو يضع يديه بجيب بنطاله وهتف متردداً متوتراً: بصراحة، أنا كنت بس خارج كدا أتمشى شوية، فـ لقيتك، فقولت يع... قاطعته أسماء قائلة بدون تعبير: لا لا، متبررش. مفيش حاجة. أخبارك إيه؟ والمهمة نجحت بخير؟ ابتسم قائلاً بحياء:
آه الحمد لله، كله تمام. ساد الصمت لدقائق، وبحيرة رفع رأسه هامساً متسائلاً: أنتِ كويسة؟ هزت رأسها وهي تغض بصرها: الحمد لله كويسة. "مش واضح نهائي إنك كويسة، مصدومة وشايلة هم، والظاهر كدا واقعة في مصيبة مش عارفة تعملي فيها إيه؟ همس بها بلال بثقة وثبات. لترفع هي نظرها بصدمة غير متوقعة. هل هي كتاب مفتوح له؟ كيف شعر وفهم ما يدور بها؟ صدمتها تلك أكدت شكوكه، ليبتسم بثقة قائلاً بصدق بكلمات ينطق بها فؤاده قبل لسانه:
متأكد إن في حاجة، ومتأكد بردوا أني جنبك لو احتجتي لأي مساعدة. ابتسمت بسكينة وأمل يتسلل رويداً رويداً بمهجتها. رآها حذيفة واقفة معه، فأحرقت الغيرة فؤاده وأوقدت النيران بمهجته. قبض راحت يده بسخط وبسطها وهو يندفع إليهم، تطلق عينه شرارة الغضب. هي له، له وحده. يغير إن رأى أحداً غيره ابتسامتها، وتضني الغيرة قلبه. فكيف له أن يتحمل رؤيتها واقفة مع غيره؟ أخفى بمهارة غيرته وعصبيته ووقف عن كثب منهم قائلاً:
بلال، طمني عنك، عامل إيه؟ ابتسم بلال وصافحه قائلاً: بخير الحمد لله، وأنت؟ ليهتف حذيفة له ونظره لأسماء: بخير الحمد لله. مش هتقولنا مبروك؟ أنا وأسماء اتخطبنا.
صدمة جعلته جاثماً في مكانه، هزت نفسه، واتسعت عينيه وتجلت بهما الصدمة وسكن الحزن بهما. تعلق بصره بها، واكتظ قلبه الألم، ألم لا مثيل له، وجع سكن روعه. ما أحوجه الآن للصراخ. كابد على أن يبتسم في حين قلبه يضج بالأننين الصامت. ابتسم بأعين تلمع بها الدمع، وجاهد دمعة كادت بالنزول، وكابد ليبدو صوته طبيعياً، وابتسم من بين صرخات فؤاده قائلاً: بجد؟ ألف مليون مبروك، يتمم لكم على خير. زاغ بصره بتوهان كما تيه قلبه وهمس:
طب، طب، أستأذن أنا. لازم أروح الجهاز. سلام. كلمات متقطعة مجلجلة همس بها وهو يتراجع بتوهان، ليستدير مسرعاً حيث مسكنه. فما أن ولج، جلس على فراشه واضعاً رأسه بين يديه. لهيب استحوذ ثنايا فؤاده وتملك به. ما الذي سمعه لتوه؟ هل هو بحلم أم كابوس؟ أم أن الحياة أصبحت مقبرة فجأة؟ لا يدري، ولكن كل ما يضني فؤاده، هل ستصبح لغيره؟ هل سترتدي الأبيض لغيره؟ كم تخيلها به؟ كم حلم بها وصنع أحلاماً وبيوتاً ليسكنوها سوياً؟
كيف تهدمت بغمضة عين؟ هل ستكون ملكاً لرجل غيره؟ يضمها متى شاء، وتصبح أماً لأولاده؟ وهو هل لا يمكنه بعد اليوم النظر لها أو التفكير بها؟ ما بها الحياة؟ لماذا يشعر بأنه توفي وليس بعائش؟ ما ذاك الألم الذي يضني قلبه؟ لماذا لا يمكنه الصراخ؟ لعله يرتاح قليلاً وتخمد تلك النيران قليلاً قليلاً فقط لا غير، فإنها فوق احتماله. ما ذاك المرار؟ إنه مرارة الألم، مرار ذي مذاق صعب، أصبح جاثماً بقلبه. ما بها مهجته؟ هل هربت من أوردته؟
فكانت هي مهجته، فكيف يعيش بعد اليوم؟ لأول مرة منذ وفاة والده، تهطل دموعه كأنها براكين منفجرة، وصراخ بصوت تنطلق عبراته من وجع قد انقسم لأشلاء. يريد الجبر والثبات والتحمل والصبر. "يا ررررررررب." نطق بها بصوت يبعث الألم لمن يسمعه، وهوت دموعه تهوي هوياً دون وجع، وما زالت النيران مشتعلة بقلبه. بإثناء ذلك، ما زالوا أسماء وحذيفة واقفين سوياً. غمغم حذيفة قائلاً: مش عايزك تقفي مع حد. تنحنحت أسماء قائلة بتعجب: ليه؟
غير مجرى الحديث هامساً: مقولتليش بردوا مالك؟ أنا هبقى جوزك قريب، يعني المفروض تشاركيني كل حاجة ومتخبيش؟ خفق قلبها برعب يسري بإوصالها، وتذكرت كل ما حصل كأنه قد حدث لتوها. فتاهت الكلمات بتوهان غريب، بدا في عينيها. رن هاتفه مقاطعاً ذاك الصمت الذي ساد، ليجذبه مجيباً وهو يقول بتوتر شديد: هرد على التليفون وجاي. ادخلي أنتِ دلوقتي. هل كانت تنتظر أن يؤذن لها بالدخول؟
لتركض للداخل تحتمي بغرفتها. ليرن هاتفها، فارتعشت بفمها مفتوحاً بخوف. لم تجب، وظل يرن وجسدها يرتعد. إلى أن وصل إشعار رسالة، لتسرع بفتحها وقرأتها. وضعت يدها على فمها بصدمة واتسعت عينيها وانسابت دموعها، فقد كان محتواها: "متنسيش يا قمر، قدامك لحد بكرة بس، بكرة بالليل تكوني مكان ما شفتينا. وإياكِ بأي غدر، هتندمي صدقيني هندمك. متنسيش يا حلوة." بينما بالأسفل صاح حذيفة على الهاتف:
اسكتي بقا، هخلاص هقابلك، بس قسماً بالله أي حد هيعرف، هندمك. صمت قليلاً وهتف: تمام، تمام، خلاص جاي. وأغلق الهاتف بوجهها. "رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ" ذهب ياسين لمكتبه، بعدما حادث أنس الذي أصبح زفافه قريباً.
ومضى لمكتبه منكباً على بعض الملفات. انتهى بعد مدة ليست بطويلة، وتنهد براحة وهو يرجع رأسه للخلف، لتداهمه الذكريات فجأة. ذكريات لها أثر جاثم بالقلب. على قدر السعادة التي يشعر بها ما إن يتذكر، بقدر وجع قلبه القابع بين ثناياه. أجل، لا يلقاها ولا يراها، ولن يراها. يظنه نسيها، ولكن كيف له أن ينساها؟ وهي التي تحيا بفؤاده وروحه ونبضه، هي حياة قلبه.
هبط الدرج بغضب شديد ما إن تناهى لمسامعه صوت بكائها، تاركاً التدريب مع خالته لأجلها، ويقسم أنه لن يرحم من كان سبباً في بكاء صغيرته. دنا منها وساندها على النهوض، وظل ممسكاً بيدها وهتف بلين: مالك بتعيطي ليه؟ حد كلمك؟ هزت رأسها نفياً وهي تبكي وهمست من بين دموعها: كل اللي يشوفني يعيب عليا ويعيرني، أنا ذنبي إيه بس؟ قبض يده بغضب وربت على منكبها هامساً: مين اللي قالك كده؟ هزت رأسها نفياً وهي تشهق باكية وقالت: لاا يا ياسين.
أزاح دمعاتها بحنان وهو يقول: طب ممكن متعيطيش تاني؟ عشان دموعك دي بتوجعني. هزت رأسها ببراءة قائلة: حاضر. ثم استطردت قائلة: عثمان بيضربني. ضغط على يدها قائلاً بغيرة: هو كلمك ووقف معاكِ؟ هزت رأسها بخوف، ليستدير منادياً بصوت عالٍ لعثمان ولكمه بقوة، وتمت مشاجرة بينهما. فاق لواقعه بإبتسامة ألم، بشوق أضنى قلبه. يكابد طول الوقت ليبدو أنه قد نساها، لكن ما لا يعرفوه، كيف لروح أن تنسى ساكنيها؟
قست عليه الحياة حينما انتزعتها منه، لا سيما أنها كانت تحيي قلبه. حملها بين ذراعيه رضيعة، فأصبحت ضحكتها الملائكية ترفرف قلبه وتشرحه، ولكن لماذا انتزعها الموت منه وأخذها دون رجعة؟ ليس هي فقط، بل بدون رحمة انتزعوا معها قلبه وروحه، وهو فـ هو ليس حياً، إنه يموت في اليوم أكثر من مائة مرة. صورتها لا تفارق ذهنه. يا الله، ماذا كانت لتفعل به أكثر من ذلك لو هي حية ترزق؟ ابتسم هامساً بصدق من فؤاده: وحشتيني. صمت لدقائق وأكمل:
وحشتي يا ياسين، يا قلب ياسين. اااه لو أنك موجودة، كان زماني متجوزك وعايشين مع بعض في بيتنا اللي حلمت بيه دايماً. وحشتيني. الله يرحمك يا حتة من قلبي. الحمد لله. ابتسم بحزن يسكن وجهه وعينيه التائه المتعبه المشتاقة لحد الجنون. مشتاقة لرؤيتها، لضمه، تحيي مهجة قلبه وتعيده للحياة. لضمه فقط، أو لمسكة يد إلى وجودها ويكفي.
فتح الدرج بلهفة وشوق، والتقط بعض الغوايش المنكسرة وتأملهم بنظرات عاشقة. يكاد يأكلهم بعينيه، يتلامسهم برفق ويضمهم لقلبه. ثم لاحت له ذكرى غالية جداً. ولجت من الخارج بضجر برفقة وعد، لتصيح فجأة بحزن: غوايشي اتكسروا، وهما دول اللي كنت بحبهم. أعمل إيه دلوقتي؟ صمتت وعد ملياً بتفكير، ونظرت لها قائلة: متزعليش، بكره هجبلك غيرهم. جلست محتجة وهي تقول باستنكار: أنا عايزة زيهم، مش عايزة غيرهم.
تنهد ياسين بثقل لحزنها، وخرج مسرعاً ليجلب لها ما يسعدها بعدما أصر على والده بالذهاب معها. عاد ليلاً بعد بحث دام لساعات، وها أخيراً يأتي لها بمثل ما أرادت. دلف باحثاً بعينيه عنها، وما إن وقعت عيناه عليها جذبها قائلاً من يدها: تعالى معايا دقيقة. نظرت له لمار مستفسرة: على فين؟ مش هتخرجوا. ابتسم لها قائلاً بصدق: خمس دقايق، مش هنتأخر، ومتقلقيش عليها طول ما هي معايا. ابتسمت لمار ليجذب هو يد فاطمة.
لم تعقب وسارت بجانبه، فهو أكثر أحد بأبناء عمامها تثق به. تعلقا باقي الفتيات بياسين، ولكنه أبى أن يأخذ غيرها بحسم. سارا بهلعاً من الليل على مرأى من النجوم، متشابكي الأيدي بحنان، بصمتاً تام. قاطعته هي قائلة ببراءة: عاوزة آيس كريم.
أومأ برأسه موافقاً، ووقف أمام المحل الذي كان قريباً وجلب لها آيس كريم، لتتناوله منه بفرحة لا مثيل لها. أمسك يدها ووقفا قريباً من الباب. وقف أمامها ممسكاً بكفت يدها بين راحته، ويده الأخرى ممسكة بعلبة فضية اللون. وهمس قائلاً وهو يفتحها ويجذب منها الغوايش: جبتلك غوايش بدل اللي اتكسروا وزيهم بالظبط. همست بفرحة عارمة وهي تقفز: بجد ولا أنت بتضحك عليا؟ ابتسم بسمة رجولية وهو يقول: لا بجد. أنا إمتى كدبت عليكِ يعني؟
وأمسك كفت يدها ليلبسهم لها، فتتحسسهم هي بفرحة لتتأكد أنهما مثل الذي اتكسروا قبلاً. ابتسمت بفرحة وهي تهمس ببراءة: الله، دول زي اللي اتكسروا بجد. أنا بحبك يا ياسين وبحب الغوايش دول أوي، مش هشيلهم أبداً أبداً. ابتسم لها بحنان. ولكن فجأة، وقفت سيارة سوداء اللون، ليترجل منها رجال ذوو قامة طويلة وجسد عريض. جذبها ياسين خلف ظهره وهو يدفع بالرجال، ولكنهم دفعوه بعيداً ليسقط أرضاً على رأسه.
فاق ياسين على صوت طرقات الباب. فجاهد لكلا تنحدر دموعه وهو يأذن للطارق بالدخول. دلف العسكري مؤدياً التحية باحترام ووقار، وقال: أحمد بيه، طالب حضرتك. أومأ ياسين وهو يشير له ليغادر. العسكري ويتنهد ياسين بثقل، وانتصب مندفعاً لأحمد، ليقابله عثمان أيضاً متجهاً إليه. "رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ"
الهدوء يغطي المكان بأكمله. صوت أنفاسها المتقطعة بوهن تصاحبها نظرات باحثة، متحيرة، خافتة بانحاء الغرفة. أصوات أقدام خافتة تقترب منها. لا تدري ما تفعله، إلى متى ستظل بهذا المكان؟ فاقت آلام جسدها تحملها، فمن الذي سينقذها من هنا؟ وبتلك الدوامة، فاقت على صوت خافت أمام باب غرفتها. تحركت وعد زاحفة متحاملة على آلامها، كثب الباب، تسترق السمع ليأتيها صوت خافت متسائلاً: أنت عايز تشوفها؟ جاءها صوت معتاد لمسامعها يهمس بخفوت:
أنت اتجننت؟ أشوف مين؟ خلص عليها في أقرب وقت. هدوء ساد بعد ذلك. حاولت تذكر ذلك الصوت، لم تستطع تذكره، فالصوت كان خافتاً للغاية. من يريد قتلها؟ هي لا تخشى الموت، بل ترجوه. أن تصبح شهيدة وتحلق روحها إلى الرحمن بجانب الصحابة ونبيها، هي ترجوه ليأتي لتستقبله بترحب شديد وفرحة غامرة تهز جوانبها. يا ليته يأتي، لتموت به فخر، أن تموت لإنقاذ الكثير. ولكن من ذلك؟ لا بد أنه رحيم، يريد قتلها لكي لا تكون عائقاً أمامه.
كسى الألم وجهها وضنى قلبها الوجع. أغمضت عينيها باستسلام، تاركة الأمور للرحمن. تذكرت بتلك اللحظة والدتها، ماذا لو أنها ماتت؟ هل تتحمل والدتها صدمة أخرى؟ ألا يكفيها عذاب؟ كم تشتاق لرؤيتها الآن. تذكرت الجميع، فابتسمت بخفوت شديد. شعرت بحركات ودربكة بالخارج، فنظرت من بين الأخشاب المتراصة بفتحة صغيرة للغاية، فوجدت ناس كثيرة وتسليم صناديق ينقلوها فوق عربيات النقل، فغامت عيناها بالغضب الشديد.
ونهضت متسانده وهي تحاول بكل ما أوتيت من قوة فتح الباب. ليفتحه آتٍ من خلفه، ونظر لها بشماتة صائحاً: وعدتكِ بإنك هتشوفي صفقاتنا، وأهو أوفيت بوعدنا. بحركة مباغتة منها مدت يدها لعنقه لتلفه وهي تنتشل منه السلاح، موجهة فوهته لرأسه، وقالت وهي تشد من خنقه بذراعها القابض عليه: أياك تتحرك، هفجر المسدس في رأسك، ولا يرفلي جفن. أومأ برأسه ورفع ذراعيه للأعلى، فدفعته للخارج، ليقف كل الرجال عن العمل ناظرين إليها.
هتفت بصوت كهزيم الرعد: كله يسيب اللي في إيده حالاً، وإلا اقروا الفاتحة على روحه. قهقهات عالية ساخرة أتت من خلفها، وقال قائل من وراءها: لاه، بجد؟ متخيلة إننا عشانه هنجف كل حاجة. رصاصة واحدة كانت كفيلة للذي بين يديها يسقط غارقاً في دمائه. ليقف قاسم أمامها قائلاً: إيه يا بشمهندسة؟ يا ترى رحيم لما يعرف كذبك، عينيه هيعمل إيه؟ أنتِ هتموتي قبل ما يدري، متجلجيش.
كانت نظراتها له كفيلة لتحرقه وتسري الخوف بروعه. وهم عدداً من الرجال مقيدين يديها عنوة عنها، وباشروا عملهم على مرأى منها، بينما تجلس هي كبركان يستعد للانفجار بأي لحظة. "رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ" ضاق صدرها وللآن لا تدري ما عليها فعله. تخشى أن تخبر أحداً، فـينفذوا تهديدهم. بمن تطلب العون؟
هل بلال أم حذيفة أم والدها أم خالتها؟ أم هل تذهب غداً وتسلم له الفيديو وتسكت عن كل ما رأته وتلازم الصمت؟ وأن لم تتحدث، كيف لضميرها أن يجعله صامتاً؟ ولكن ضميرها أقل وجعاً من وجع الفقد. حسناً، عليها غداً أن تذهب إليهم وتعطيهم وعداً أنها لن تؤذيهم، لعلها لا يؤذونهم أو يؤذون عائلتها. صدح رنين هاتفها لتنتفض وهي تنظر بنظرات مرتجفة لتقرأ اسم المتصل "حذيفة". ها هو الأمان يتسرب إليها شيئاً فشيئاً. لماذا يرن ليلاً؟ ولما؟
آبت أن تجيب ليأتيها رسالة منه، كان محتواها: "ممكن تنزلي دقيقة، واطلعي على طول." ترددت حائرة، لتتخذ أخيراً قرارها بالنزول. خرجت من غرفتها لتقابل مكة التي تخصرت أمامها بسخط قائلة: وبعدين يعني معاكِ، مش راضية تقعدي معانا ليه؟ هااا؟ قولي يلا. ابتسمت لها بخفوت وهمست بوهن: هاجي أقعد معاكم، بس حالياً عايزة أبقى لوحدي شوية. ابتسمت مكة قائلة بحب:
حبيبتي، أهم حاجة راحتك. شكلك تعبانة، ارتاحي. ولو عاوزتي أي حاجة، أنا موجودة. وهعرف مالك بردوا، بس لما تتحسني شوية. ابتسمت أسماء بحب. لتستطرد مكة سائلة: رايحة فين كدا؟ هزت أسماء منكبيها قائلة: هشوف حذيفة، وأنتِ نازلة ليه؟ ابتسمت مكة وهي تتوجه للنزول: هنزل أعمل ليا وللبنات كم سندوتش وعصير كدا، وطلع، وهعمل حسابك، أوك. ابتسمت أسماء بمرح: أوك. اندفعت للخارج على عجل، ودنت منه هاتفه بغيظ: بترن ليه؟ وعايزني ليه دلوقتي؟
لم يعقب، وإنما أخرج يده من خلف ظهره بعلبة مغلفة مدها لها هامساً بإبتسامة: دي ليكِ. نقلت أنظارها بينهما وهمست بتعجب: إيه هو اللي ليا؟ أشار بعينيه للعلبة هامساً: شوفي بنفسك. احتجت قائلة بضجر: لا مش هشوف. ابتسم رافعاً حاجبه وأعاد يده قائلاً: والله أنتِ اللي خسرانة، براحتك بقا! أما آكل البيتزا دي لوحدي. وتصنع السير لتتسع عينيها بحماس وهي تصيح: استنى استنى، بتقول بيتزا؟ لا لا خلاص، تعالى.
ابتسم بإنتصار وهو يعود أدراجه لها ووقف أمامها كاتماً ضحكته: عايزة إيه؟ مش قولتي مش عاوزة. لمعة عينيها ببراءة وهي تقول: لا عايزة، هات بقا. بمداعبة أشار لها: تدفعي كام؟ زمت شفتيها قائلة: يا ررربي، هتجيب ولا أطلع؟ نظر لها بدهشة متسائلاً: أجيب ولا تطلعي؟ يعني كمان بتتأمري! بغيظ قال وهو يمد يده به: امسكِ يا ستي، مش عاوز منك حاجة، أهو. تناولتها منه بحماس، ليبتسم بحب قائلاً: بالهناء والشفاء ليكِ، وهتلاقي شوكولاتة كمان.
ابتسمت بامتنان قائلة: شكراً. قطب حاجبيه متسائلاً: شكراً؟ شكراً على إيه بس؟ افهم، أنتِ بنت عمي وخطيبتي وهتبقي مراتي وأم عيالي وحبيبتي وأمي. تورّدت وجنتيها بحياء وابتسمت قائلة بجدية: أنت أكلت؟ كبت ضحكته قائلاً بمشاكسة ما إن أحس أنه استطاع إخراجها من حالتها الكامنة بداخلها ولو قليلاً: لا مأكلتش، أصل ماما الفترة دي معرفش مالها وبطلت تهتم بقا ونسياني، فـ آكل إزاي؟ حاولت كتم ضحكتها فلم تستطع، لتهمس قائلة:
لا بصراحة، معهاش حق. ماما دي أخص عليها. همس مشاكساً: طب إيه؟ همست ببراءة وهي تتجه للمرجوحة خاصتها: هديك حتة، بس متمتّمعش، حتة صغيرة خالص، تمام كدا؟ وقف عن كثب منها، لتمد هي يدها بقطعة قائلة بتحذير: دي وبس. نظر لها بدهشة: إيه البخل ده. همت بأكل القطعة هي وهي تقول: عنك ما تاخد. ليلحق بها منتشلاً إياها من يدها صائحاً: عندك، استني، هاتي. نظر لبعضهما وانفجرا ضاحكين بمحبة وشوق، ليتوهها ببعضهما.
بينما على الجانب الآخر، يوجد هنالك من يتقطع قلبه وينزف ألماً حينما شاهدهما هكذا، ولكنه تمنى لها السعادة من صميم قلبه. هل سينساها يوماً ما؟ كيف؟ كيف وهي مهجته؟ فهل للإنسان أن يحيا دون دم، دون قلب، روح، نبض؟ فـ هي قلبه، وهو النبض. كم ذلك الألم صعب، صعب للغاية، فإنه يراها بكل الوجوه. أصبح قالبه فارغاً إلا منها. يحرقها الشوق كنارٍ أوقدت به، يشتاق إليها وإذا أمامه، فكيف؟ كيف يعبر نسيانها؟ كيف يهدأ نيران قلبه؟
يا ليته فقط يخبرها أنه يحبها، بل يعشقها، أنها حياته. هل للإنسان أن يعيش دون حياة؟ وإذا أشرقت الشمس وكبدت السماء وانتشرت بالأرض، لن تشرق قلبه أبداً، فـ هناك ظلمة كظلام القبور. تنهد بثقل اكتظ به قلبه وزفر، رافعاً بصره للسماء يناجي مولاه:
ألطف بقلبي العاشق يا الله، فقلبي قد عشثها دون حسبان للجروح والألم. جبرك يا رحمن، فمن غيرك استعين بك. ألطف بقلبي الذي أحرقه الشوق لرؤيتها، عن ضمها وطمئنة قلبه. أخرجها من فؤادي، لعلي أرتاح قليلاً، فإني أشعر أن تلك الحياة قاسية للغاية، وفراقها قد قسم قلبي. أفرج شجون قلبي ليلاً نهاراً، يا الله، أدعوك أن تكون لي، والحمد لله، فقد رضيت، ولكن عذاب قلبي، من لي غيرك يداويه؟ إنها ستغيب ولن تعود، ولكن كيف تغيب عن قلبي؟
نظر لهما نظرات دامعة وعاد راجئاً للداخل. "رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُون" دلف عثمان من الخارج على عجلة حتى يجهز نفسه للسفر. فجأة ظهرت أمامه مكة تصرخ برعب شديد وهي تقفز هنا وهناك. كاد أن يجن وهو ينظر لها أينما ركضت، فكاد أن يحول عينيه. أمسكها من ذراعيها صائحاً بصوت عالٍ: بس، في إيه؟
صمتت قليلاً وخفق قلبها حينما تقابلت أعينهما. دقائق قليلة وعادت الصراخ مرة أخرى بصوت عالٍ كاد أن يفقده سمعه. فتركها ساداً أذنيه بأذنه وبأعين يتطاير منها الشرار، صاح: قلت بس، وإلا قسماً بالله أديك قلماً يفوقك. أنهى جملته وهو شارعاً يديه عن كثب من وجنتها، لتنظر ليده برعب وانعقد لسانها واتسعت عينيها ليتجلّى بهما الرعب، وازدرات ريقه هامسة: لا لا لا، أنا سكت أهووو. ومن ثم وضعت كفها على فمها. لينزل يده قائلاً بسخط: في إيه؟
إيه كل الصراخ ده؟ تمركز بصرها على نقطة ما، اتسعت العينان وصاحت وهي تقفز فوق ظهره: فار، فار، فار، فار، عاااااااااااا. صدمة سكنت وجهه بذهول لتلك الطفلة، ولكن كيف كبرت وما زال عقلها صغيراً؟ من ماذا هي خائفة؟ من فأر؟ سحقاً لتلك البلهاء! التي أفقدته ثباته، وهيبته ووقاره. أنزلها برفق من على ظهره، لتصيح هي بخوف وهي تقفز أمامه، قدماها غير ثابتتين: اقتله طيب، اقتله بدل ما ياكلني. نظر لها بتعجب سائلاً: مين اللي يأكلك؟ الفار؟
أغمض عينيه يحاول الثبات قدر الإمكان، ثم انفجر ضاحكاً لأول مرة من عمق فؤاده. احتد بها الغيظ وقالت وهي تضرب قدمها بالأرض: ادخل موته وهات لي الأكل اللي جوه. نظر لها ببرود ليثير غيظها وتخطاها قائلاً: وأنا مالي؟ لحقت به لتمسك ذراعه كطفلة صغيرة قائلة: لا لا لا، وربنا مهسيبك غير لما لما تموته وتجيب لي الأكل اللي جوه. حاول نزع يده إلا أنها تشبثت به بقوة وهي لا تكف عن الكلام.
لـ يقرر أخيراً تجنب ثرثرتها اللامتناهية ويفعل لها ما تريد. دلف للداخل، بينما تبقت هي تترقب خروجه بخوف شديد. ذهب لبعض الوقت وخرج حاملاً بيده السندوتشات، لتقترب هي على عجل ما إن رأته وقالت بتساؤل: هااا، ماتتت؟ قتلته صح؟ قالتها وهي تصفق بيديها. لهث من شدة ما بذل من مجهود شاق للعثور على الفأر، ومد يده لها بالصينية، فبفرحة كمن انتصر بالحرب، تناولتها منه مهللة بفرحة تهز جوانبها. استدارت قائلة وعيناها على السندوتشات: شكراً.
ما كادت أن تخطي حتى قفز الفأر من الصينية على وجهها، لتصرخ وتترك الصينية من يدها مصدرة صوتاً عالٍ وتراجعت برجفة. في حين ذلك، اتصدمت به، ليختل توازنه ويقعا سوياً أرضاً. كانت مازالت تصرخ وهي مغمضة العينين: الفار يا عثمان، الفار على وشي، شيله، شيله. لم يستطع مقاومة ضحكاته، لينفجر ضاحكاً ويظل قلبه يتأملها بعشق. تنبهت أنها مازالت واقعة فوقه، ولكن لماذا هو هادئ لذا الحد؟
التفت برأسه له فوجدته يحدق بها بنظرات أول مرة تراها، فـ تنحنحت بخجل وركضت لغرفتها. يا ترى من سينقذ وعد؟ ما الذي سيحدث مع أسماء وماذا ستفعل؟ ومن سيكون الضحية؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!