الظلام يسود المكان، القمر لم يكن يضيء ولكنه توارى خلف الغيوم، ليسود الظلام أكثر. تقف لمار حائرة تتفحص المكان بجهد وترقب. صوت علا لفتاة صارخاً: "مامااااا." فما أن همت بالذهاب إليها حتى آتاها صوت من الخلف يأن بتعب: "ماما."
وقفت حائرة تتلفت هنا وهناك. كلاب سوداء تركض خلف فتاة تتعثر في ركضها إلى أن سقطت ولم تستطع النهوض. اقتربت الكلاب منها، لتتسع عين لمار بنغزة شديدة في القلب. همت أن تتجه نحوها ليأتي شاب وينتشلها وتختفي الفتاة.
صوت متاوهاً جاءها، فلم يكن سوى وعد. أبصرت أشخاصاً يعذبونها دون رحمة لتذرف عيناها الدمع. همت إليها، لتتسمر مكانها على صوت استغاثة من أسماء وأطفال كثر. اختلطت الأصوات ببعضها لتسد أذنيها وهي تجثو صارخة بثقل دون تحمل، بعبرات من الأسى.
انتفضت بفزع من نومها وهي تلهث وتحدق في الفراغ. كان جسدها يرتعش وتتصبب عرقاً. تتنفس بصوت عالٍ وشديد كأن الأكسجين قد تسرب دون عودة. دارت عيناها بالغرفة لتتنهد بارتياح وهي تهدأ من روعها. تجرعت كوباً من الماء كان بجانبها. انشغل فكرها بالحلم فأخذت تفكر واحتد بها التفكير. نهضت لتصلي لعل الله يلهمها الطريق الصحيح وينقذ بناتها. ولكن من تلك الفتاة التي لم تتعرف عليها؟ هل شخص قريب؟ أجل، فهي تشعر بذلك.
تململت أسماء على الفراش وهي تفرك عينيها. أيقظها من أحلامها الوردية التي قابع بها حذيفة على صوت هاتفها. جذبتها وهي تفتح تلك الرسائل بكسل شديد. رأت مضمونها تهديد صريح: إما القتل، أو أن تكون معهم، ولديها وقت لليل فقط. دارت بها الدنيا وضنى قلبها الألم والحيرة. انسابت دموعها تهوي دون هوادة. بما ورطت نفسها؟
يا لها من ورطة جعلتها محطمة القلب، كاسفة البال، شظايا روحها لا تلتئم. ضمت نفسها بذراعيها محاولة منها استمداد الأمان من نفسها. يا ليتها تعود للنوم حيث أمانها قابع هناك ليس به سواه. يا ليت النوم يجفيها مرة أخرى لعلها تنسى كل ما تمر به. يا ليتها لم تفق لكانت الآن معه.
أدركت نفسها لتنهض لتتوضأ وتصلي وتتضرع لربها أن يكون معها، أن يدلها للطريق الصحيح حتى لا تضله، وأن ينيره لها. ثم ما لبثت أن ظلت تقرأ في كتاب الله بيقين وثقة وراحة أن الله معها، فلما الخوف؟ ورب الكون موجود، وليس الله بظالم لأحد. يا الله، هل سخرها الله لتكتشف ما يدور ويتم في هذه المشفى؟
لا سيما أنها منذ الصغر تسعى لأن تنهي دراستها وتصبح طبيبة وتعمل مع والديها في مشفاهما الخاص. ولكن فجأة دون سابق إنذار بعد تخرجها آبت ذلك وأثرت على العمل في مشفى آخر. هل كانت مجرد سبب؟ لذا عليها الآن أن تخبر أحداً بما رأته ولا تحمل هماً لشيء ليحصل ما يحصل، هي لا تعبئ بكل ذلك. نهضت على عجل تضع حجابها بعشوائية وتأخذ هاتفها وتتجه للأسفل سائلة عن خالتها. فقدت الأمل حينما لم تجدها، فماذا عليها أن تفعل الآن؟
جلست على أقرب مقعد بقلب أضناه الهم وتنفست بتثاقل. لحظات وكان يهبط الدرج حذيفة وهو يعدل من ساعة يده. ليطالعها محياها تجلس بهم، واضعة يدها على خدها كأن جل هموم العالم بفؤادها. فاقترب متلهفاً وتساءل بمودة: "أنتِ كويسة؟ لم تسمعه، لم تشعر به، لم تنتبه لوجوده حتى، كأنها في وادٍ آخر. لوح بيده بقلق أمام وجهها وهو يهتف: "أسماااااء، فينك؟ دا أنتِ مش هنا خالص."
رفعت رأسها لتطالع عيناه القلقتين. عيناها الدامعتان أكدت شكوكه أن هناك أمراً. فجلس على حافة الطاولة مقابلها وهتف بقلق: "أسماء، احكي لي، في أي، إيه اللي حصل يوم المستشفى؟ قولي لي، ممكن أقدر أساعدك. احكي في إيه؟ نظرت لعينه بتمعن وحيرة من أمرها، ولا هناك سبيل إلا إليه. ولكن ماذا؟ هل ستخبر حذيفة الذي لا يعبئ بشيء، لا يحمل هماً ولا مسؤولية، المستهتر؟ وماذا سيفعل وهو لا هم له سوى الفتيات فقط؟
إنه يبدو أحياناً كطفل صغير. فهل تثق به؟ أجل، إنها تثق به وتطمئن له، إنه أمانها. ولكن ماذا عليه أن يفعل؟ ولكن عليها التحدث لتفرغ كل ما تخزنه من هم بـ جعبتها. انسابت دموعها بصمت تام. لينتفض هو بدوره هامساً في لوعة: "دا باين كدا إنه موضوع كبير، أول مرة أشوفك بالحالة دي." وهم ناهضاً وهو يستعجلها: "قومي نخرج واحكي لي كل حاجة، وإن شاء الله خير."
علت شهقاتها وارتجاف جسدها ليزيد قلقه من كل ذاك الرعب والهلع بعينيها. ألتفت حوله ليدرك أن لا أحد يراها بتلك الحالة والضعف. فأسماء قوية وستظل قوية أمام الجميع. قال لينبهها: "أسماء، بلاش حد يشوفك بالحالة دي، امشي معايا." لم تستطع الكلام، فاكتفت بمؤاماة بسيطة من رأسها وصارت معه بعدما كفكفت دموعها، ربما تجد معه الحل ويشاركها قلقها ويجعلها تسير بالطريق الصحيح ولا تنزوي.
استقلا السيارة وانطلق لأحد المطاعم وقصت عليه كل شيء. أصطدم من كل ما تفوهت به، ليسارع أخذ الحذر والتفكير فيما عليه فعله، والأهم حمايتها. فبأعين متسعة يتجلى بها القلق قال بلهفة بعدما ظل يفكر لدقائق: "خالتوا لمار." تطلعت به بلهفة وأمل، سرعان ما حل مكانهم اليأس. ليسرع قائلاً بلهفة: "يا بنتي، مالك؟ خالتوا لمار هي اللي هتحل كل ده." هزت رأسها نفياً بقلق: "لا، هخاف يأذوها لو حصلها حاجة، مش هستحمل." أغمضت عينيها بوقدة في
فؤادها وتنهدت بقهر قائلة: "خلاص، أنا هعمل اللي هما عايزينه." لم يعقب، وإنما أسقمه جاذباً إياها من معصمها، صائحاً وهو يضع الحساب على الطاولة: "قومي معايا بسرعة، يلا." صاحت به قائلة وهي تسير على عجل معه: "استنى بس، هنروح فين؟ "هتعرفي دلوقتي،" قالها وهو يفتح باب سيارته، "اركبي يلا." صعدت كما طلب وانطلق هو بها ملتمساً حيث عمل لمار. لم يمد إلا دقائق ولاحظ حذيفة من المرآة سيارات تتبعه. حملق بهما بذهول وخطف نظرة سريعة لـ
أسماء وقال: "أسماء يا حبيبتي، لو متنا دلوقتي اعرفي إني بحبك هااا." قطبت حاجبيها بعدم فهم وهمست: "بتقول إيه؟ دقق النظر فرأى رجلاً يخرج جذعه من نافذة السيارة وبيده سلاح مصوباً نحوهما. فهمس ضاحكاً: "هنموت يا حزينة، يا اللي مدخلتش دنيا، يا حذيفة، يا عمرك اللي جري بدري، ياااا اختي." اتسعت عيناهما على أخرهما وهي تقول بصدمة وعدم فهم في آن واحد: "أنا مش فاهمة حاجة، هنموت إزاي يعني؟ أشار لها قائلاً: "بصي ياااختي، وراكِ كدا!
فما أن همت أن تلتفت وصرخة بصوت عالٍ عندما تناهى لمسامعه صوت الطلق الناري. تعالت ضحكات حذيفة وهو يمد يده على رأسها لينزلها للأسفل وهو يقول: "عرفتي يا ختي هنموت إزاي؟ وربنا ما أنا ميت غير لما أتجوزك." بخوف ضمت ذاتها وأخذت دموعها تنفجر بغزارة وهي تقول بشهقات: "هو دا وقت تضحك." "يا ستي خلينا نموت واحنا مبسوطين." دقائق وكان هناك سيارات آتية من أمامهم، وكان من ضمنهم أنس وبلال. ابتسم حذيفة قائلاً بمرح: "أي دا؟
شكلنا مش هنموت النهارده. الأخ أنس وبلال جم." توغل الأمل قلبها ووقف حذيفة بالسيارة على إشارة من بلال ليترجل منها مندفعاً لأسماء وأخذها سريعاً إلى سيارة بلال الذي صاح بهم: "امشي يا بني بيهم دلوقتي." آبى حذيفة تركهم بتاتاً ولم يستطع بلال ثنيه، فرحلت أسماء وتبقى هما. استطاعوا إصابة بعض الرجال، أما الباقين فلم يصمدوا طويلاً وانسحبوا.
ترجلت أسماء من السيارة مندفعة نحو مجلس لمار التي تلقفتها بين ذراعيها تهدئها بحنان. أما هي فزاد بكاؤها وشهقاتها خوفاً وهي تضمها. أجلستها لمار وناولتها ماء لتهدأ. هدأت بعد قليل، فنظرت لـ لمار متسائلة: "هو أنتِ عرفتي إزاي؟ طبطبت لمار على ظهرها: "سيبك من كل ده دلوقتي، رني على الرقم اللي بيكلموكِ منه واسألهم إنك محافظة على كلامك بأن محدش يعرف حاجة، فـ ليه حاولوا يقتلوكِ؟ بجنون هزت أسماء رأسها برفض:
"لا يا خالتوا، لا، مستحيل." بهدوء تام قالت لمار وهي تناو لها الهاتف: "أنا جنبك ومستحيل حاجة تحصلك وأنا موجودة. أمسكي يلا واتصلي." أزاحت دموعها ومسكت بكفها الآخر بين راحتيها. توغل الأمان قلب أسماء ووضعت الهاتف على أذنها منتظرة الرد، وجاءها صوتاً رجولياً حاد يقول وهو يجز على أسنانه: "هربتي بس هتروحي مننا فين؟ رجالي هتجيبك بردوا وأهلك هيدفعوا التمن."
ارتعد جسدها لتشير لها لمار بعينيها أن تكمل. وفي أثناء ذلك، دلفوا الشباب للداخل. ازدرت أسماء ريقها الجاف كصحراء خاوية وهمست بهدوء: "انتوا اللي خلفتوا بالوعد وحاولتوا تقتلوني، وطالما كدا الفيديو اللي معايا هوريه لخالتي، وانت أكيد سامع بـ لمار الشرقاوي؟ ابتسمت لها لمار مشجعة. فهمس الرجل بشك: "يعني انتِ مبلغتيش؟ أمال طلعتي ليه من البيت؟ أغمضت أسماء عيونها وقالت بهدوء: "واحدة وخطيبها خارجين هيبقي ليه؟
ما أنا لازم أتعامل عادي عشان محدش يشك. بس انتوا هتجبروني أعمل حاجة تاني وهوديكم في داهية؟ "لا لا، بصي نتقابل في موعدنا المحدد ونتفق تمام." أغلقت أسماء باكية لتربت لمار على كتفها هامسة: "يا بنتي أنا موجودة معاكِ، متخافيش. سيبى الأمور عليا." وقف حذيفة عن كثب منها قائلاً بمرح: "لينا عمر جديد، أنا جعان، أكلوني." انفجرت أسماء ضاحكة، أما لمار فضربته على كتفه قائلة لـ أسماء: "هتتجوزيه إزاي دا لو عايزة تخلعي؟ شاوري بس أنتِ."
وقف بلال محدقاً بها، واقفاً أمامها يولي ظهره لـ أسماء: "إيه يا خالتوا، تخلع دي؟ ما صدقت البت وافقت." ظلوا يتحدثون وغفلوا عن ذاك الواقف خلفها، لا تحيد عيناه عنها، يتمنى لو يأخذها لحضنه ليخبرها أنه هنا لن يمسها سوء، فكيف يسمح بذلك؟
وإن أصابها سوء أصابه أضعاف. ابتلع غصة قاتلة بقلبه وتلك الندوب أضنت روحه. فرحل من المكان محاولاً إشغال ذاته، لكن لا مهرب، فلا غيرها مستقر بذهنه. سكنت وتملكت وأبت الرحيل وتركته بمنتصف الطريق تائهاً وحيداً. فأين السبيل إليها وكيف ينساها؟ فهل للجسد حياة دون روح؟
تراجعت للخلف مستندة بظهرها على مقعد مكتبها، متنهدة في إرهاق جلي، من كثرة ما بذلت من مجهود بالمحكمة ومن ثم في الذهاب لأخذ خديجة التي اشتاقتها حد الجنون والفقد أضنى فؤادها. وها هي تستريح من تعب اليوم، لتغمض عينيها متمنية قليلاً من الراحة. وتذكرت ذاك اللقاء الذي جمعها لدقائق مع عمرو حينما كان يهبط الدرج بخديجة وابتسامته تلك أذابت قلبها، ولكنه تعامل معها كأنها غريبة لا يعرفها، إذ أنه لم يلقي عليها السلام حتى. ما أغربه من رجل!
لوهلة ظنت أنها لا تعرفه وغريباً عنها، لما بلحظة يتبدل حاله من حالٍ لحال؟ سرعان ما تذكرت ذاك اليوم المشؤوم الذي أفقدها حياتها وجنتها، جعلها محطمة القلب، روحها ما زالت مغادرة، حتى ضحكتها أبت العودة. دمعت عيناها وذاك المشهد كأنها تراه للتو، وهو مع فتاة أخرى. انقسم قلبها وتلك الجروح انفتحت أكثر مما كانت. فتحت عينيها متنهدة وهي تكفكف دموعها. جفت دموعها، ولكن كيف لها أن تخمد وقدة فؤادها وشظايا روحها؟
هزعت نفسها وهي تنتفض من مكانها حينما تذكرت تأخر خديجة التي نزلت لتبتاع شيئاً. وضعت يدها على قلبها حيث تلك النغزة التي تملكتها فجأة وأسرعت بطلب السكرتارية طالبة منها أن تذهب وترى ها. لم يمد طويلاً وجاءت نعمة راكضة، لتنتفض ورد مكانها ما إن لمحت تعابير وجهها القلقة، لتهتف نعمة وهي تلهث بفزع: "خديجة! وأخذت تلتقط أنفاسها. وقع قلبها من صدرها وتجلى الخوف بعينيها وهي تقول: "مالها خديجة؟ بنتي فين يا نعمة؟
تقهقرت نعمة للخلف واستندت على الجدار قائلة بتلعثم: "خديجة مش موجودة في أي مكان! صمت عم المكان تحاول استيعاب تلك الجملة التي يأبى روعها تصديقها بتاتاً. وانتبهت لذاتها لتهمس بجنون وهي تدفع نعمة من أمامها وتركض كالمجنونة للأسفل: "يعني إيه بنتي مش موجودة؟ أنتِ اتجننتي؟ أوعي من قدامي، هتكون فين؟ أكيد هنا."
خرج الجميع على صوتها. سرعان ما شاركوها البحث عن خديجة، تلك الطفلة المحبوبة لقلب الجميع. دارت بكل ركن وزاوية بالشركة في البحث عنها دون فائدة والجميع معها. وأخيراً سارت بالطريق تبحث عنها، تشبه امرأة قد فقدت عقلها وتسير دون وجهة. جثت على ركبتيها ما إن فقدت الأمل، صارخة بصوت عالٍ رج الأرض رجاً لصراخ روحها المذبوحة: "خديجه". بكت في قهر، بكاء يدمي القلب. لتقترب نعمة هامسة بشفقة على حالها وهي تربت على كتفها:
"متقلقيش، هترجع دلوقتي، دي روحها فيكِ يعني هتكون فين؟ أكيد هترجع؟ صرخة عالية: "آآآآآه! " كل ما صدر منها، لتضم نعمة رأسها لصدرها ويتدفق الدمع من عينيها بغزارة لحالها وقلقها. "والله هترجع إن شاء الله، أكيد هي هنا أو هنا، ادعيلها." همست ورد بوهن وهي تحاول الثبات وقد أثارها الدوار والوهن، وظلت تغلق وتفتح بعينيها وهي تهمس: "يا رب، يا من لا تضيع عنده وديعة، استودعتك بنتي، استودعتك بنتي يارب، ياررررب."
سواد حالك عم المكان وأغشى عينيها، ولكن كان يحيطه وجه خديجة الباسم متلالئاً. وسقطت رأسها بين ذراعي نعمة التي صرخت بدورها. ليتجمهر الناس حولها لينقلوا جسدها المسجى عند باب شركتها الصغيرة والجميع يغلفه الحزن والبكاء. رمشت بوهن ما إن لامس وجهها تناثرات الماء التي تنثرها نعمة بقلق بالغ، ففتحت عينيها بهزل تبحث وسط الوجوه عن حياتها الضائعة. انتفضت مسرعة وهي تقول: "بنتي فين؟ خديجة فين؟
تمسكت بها نعمة تحاول مساندتها قدر الإمكان، إلا أنها أبعدت يدها واتجهت تترنح من أثر الدوار لتستقل سيارة أجرة. إن قفزت لذهنها تلك الفكرة: أيمكن أن تكون ذهبت عند لمار أو والدها؟ ولكن منذ متى تذهب وحدها؟ بلا، إنها ذهبت، إنها بخير، بخير، وبخير. كانت ترددها مراراً وتكراراً تحاول إقناع واطمئنان ذاتها وقذف تلك الأفكار السيئة عرض الحائط. جاءها اتصال من رقم غير مسجل لترد بلهفة: "الوو، خديجة."
اتسعت عينيها وفغر فاهها، وقع قلبها طريحاً وذبحت روحها ما إن تناهى لمسامعها صوت رجلاً يقول بصوت أجش غليظ: "اسمعيني كويس، مفيش داعي تدوري على بنتك أبداً، وكمان أنسيها، اعتبريها في عداد الموتى. إلا... وصمت. لتصرخ هي بانهيار وهي تمسك الهاتف: "بنتي معملتش حاجة، سيبها، موتني بس سيبها، حرام عليك، حسبي الله ونعم الوكيل، اياك تأذيها، أقسم بالله أشرب من دمك بنفسي."
صوت ضحكاته الساخرة أرعد جسدها لترتجف وتتدفق الدموع من عينيها كأنها أمطار غزيرة أو فيضان. همس بسخط: "هقفل، بس أي كلمة أو بلاغ عن اختطاف بنتك وقتها اقري عليها الفاتحة. هسيبك دلوقتي ولينا مكالمة تاني أقولك فيها اللي عاوزاه." كانت كمن حقاً فقد روحه، كأن الدم قد تسرب من أوردتها بوجهها الشاحب وعينيها الحمراوين من أثر البكاء وروحها التي تصرخ بلا هوادة ودون انقطاع. فكيف تداوي شظايا روحها وإرجاع قلبها لمكانه؟
صوت السائق الذي صاح بها وهو يركن دليل على وصولهما لتعطيه الأجرة وتترجل بآلية تكاد قدماها أن تحملاها بجهد عظيم منها. دارت عيناها بالمكان بتيه وأخيراً تمالكت ذاتها ودلفت للداخل تسير بؤيدة، لا ترى أمامها بذات الغشاوة المكبّلة عينيها بالدموع لتنصدم بأحد وكادت بالسقوط ليتلقفها بين ذراعيه ناظراً لها بزعر وقال وهو يعدلها برفق: "ورد، مالك؟ في إيه؟ خديجة كويسة، مالك؟ شكلك تعبانة، تعالي."
لم تعقب، وإنما سارت كما أجلسها. أهداها كوباً من العصير الذي أسرع لجلبه. ووقفت تالا وهالة وسمر وعائشة ومكة بقلق بالغ لا يدرون ما يجري. كانت تتطلع بالمكان بصمت على أمل أن تظهر ابنتها أو يأتيها صوتها لتطمئن قليلاً فقط، إنها فلذة كبدها ومن ذا قد يشعر بفؤادها الذبيح؟ الذي يأن ويصرخ في آن واحد. عنوة عنها جعلها تشرب العصير بقلق لحالتها المزرية وهمس وهو يتمعن بها: "فين خديجة؟ خديجة؟ هل ستكون هناك خديجة؟
هل ستعود لأحضانها لتؤنسها وحدتها وتشاركها ضحكاتها وحزنها؟ أين هي يا ترى وماذا يفعلون بها؟ أكيد أنها تموت رعباً الآن. همست هالة بقلق وهي تضع يدها على كتفها لتنتبه لها: "مالك يا ورد؟ فيكِ إيه؟ تطلعت بها بتيه وازدردت ريقها قائلة بثبات عجيب: "أنا تمام، مفيش حاجة، وخديجة تمام مع نعمة، بس كنت قريبة منكم هنا فـ قولت أجي بس." همس عمرو بشك: "متأكدة؟ أنتِ كويسة بجد؟ اكتفت بمؤاماة من رأسها، ليهمس هو بنفسه:
"ولكن ذاك القلب ليس بخير، إنه يميتني حياً بذاك الشعور القاتل. أشعر أن تلك الحياة تحولت لجحيم لا معنى لي بها. لماذا أنا لست بخير؟ استأذنت ورد مغادرة بعد جهد عظيم بعدما تركوها، لتتجه لأحد تستطلع رقم الهاتف الذي أكد لها أن هذا الرقم غير موجود نهائياً. جاءها اتصال من نعمة تحسها على القدوم بأسرع ما يمكن. فتوجهت على عجل متمنية أن ترى خديجة، ولكن خاب ظنها. ما إن رأت نعمة التي ركضت تجاهها صائحة:
"تعالي، لازم تشوفي الفيديو دا."
وجذبتها من يدها لداخل السوبر ماركت الذي ما إن علم صاحبه باختفاء خديجة، تلك الصغيرة التي كانت تأتيه وتجعله يضحك من قلبه، فقد كان رجلاً كبيراً بالعمر على حد ما. ها هو يكبلة الحزن والقهر. شرع في تشغيل الحاسوب لـ ورد الذي رأت امرأة تتصنع الوقوع لتسرع خديجة إليها بقلق تحاول أن تفعل أي شيء، إلا أنها وضعت فمها بمنديل ليغمى عليها وحملتها على كتفها كأنها نائمة وهي تتلفت حولها، وقد كانت سيارة عن كثب منها جداً. استقلت واندفعت مسرعة.
"خلف السوبر ماركت برواق ضيق يفصل ما بين السوبر والشركة." هتف الرجل العجوز بقهر: "سامحيني يا بنتي، يا رتني كنت طلعت ووقفت لحد ما أتأكد إنها وصلتك." وطأطأ رأسه أسفاً لتهز ورد رأسها نفياً وهي تهمس بتيه: "لا، أنت مالكش ذنب، دا كله ذنبي أنا." ربتت نعمة على كتفها بحزن، وهي تبكي بصمت. فأستطرد الرجل هامساً: "دا دليل تروحي بيه القسم عشان يحاولوا يلاقوها، وهترجع والله هترجع يا بنتي، اطمنتي، بنتك في رعاية الله."
ابتسمت ورد ببريق الأمل بعينيها، ليسود الصمت وهي منشغلة الفكر، إلا أن تذكرت تلك القضية وذلك الرجل بالأخص الذي هددها "أحمد محمد". حملقت بصدمة وهي تندفع للخارج مسرعة، ركضاً تصطدم في كل من يقابلها وهي لا ترى أمامها من شدة خوفها واضطرابها. دفعت ورد الباب للخلف، وخلفها يصيح مدير أعمال ذاك الرجل يحاول إيقافها، لينتفض أحمد مزهولاً من دخولها وحالتها المزرية تلك. "فين بنتي؟ عملت فيها إيه؟
قالتها وهي تهجم عليه تمسكه من قميصه بقسوة وعنف، وأعين لا تبشر بخير تكاد تحرقه مكانه. قطب حاجبيه بتعجب، دون محاولة منه أن يبعد يدها أو يدافع عن نفسه. أشار لمدير أعماله بالمغادرة لينصاع لأمره ويخرج، غالقاً الباب خلفه. عاود نظره إليها ورق قلبه لحالتها تلك ودموعها وهمس دون فهم: "بنت مين؟ وفين إزاي يعني؟ وتقصدي إيه بـ عملت فيها إيه؟ بجد أنا مش فاهم حاجة؟! ضغطت بعنف جاذبه من قميصه وأظافرها طالت رقبته لتجرحه وهي تصرخ بجنون:
"يعني إيه مش فاهم حاجة؟ ليه بنتي عملتلك إيه؟ إيه ذنبها طيب؟ ليه تحرق قلبي كدا حرام عليك." عن ماذا تتحدث؟ هو لا يدري ولم كل تلك التهم؟ فأمسك يدها بغضب شع من عينيه ودفعهم بعيداً وهو يصرخ بها: "أنتِ مجنونة يا ست أنتِ! بنت مين وعملت إيه؟ همت بالصراخ ليرفع سبابته بوجهها محذراً: "كلمة زيادة واقسم بربي أرميكي من الشركة، كفاية إهانة بقا وأنا سكتلك، كفاية بجد لحد هنا." تدفق الدمع من عينيها وهي تحدق به صارخة وعادت لمسكه
مرة أخرى من مقدمة قميصه: "كفاية كفاية إيه؟ فين بنتي يا مجرم! أنت هددتني آه بس إلا بنتي." أنزلت يديها عنه منكسرة مقهورة تشعر أن روحها تنسحب ببطء شديد ولا تدري كيف تنقذ ذاتها ولا بمن تستغيث: "رجع لي بنتي، دي كل اللي ليا في الدنيا، هسيب القضية ولو عايز أسيب شغلي كله هسيبه صدقني، أنا مكنتش أعرف إنك هتنفذ تهديدك وتاخد بنتي مني، رجع لي، قولي هي فين وطمن قلبي."
ساد الصمت فجأة إلا من شهقاتها. أما هو حاول أن يستوعب ما قالته، خاطف؟ ومن أبنتها؟ ألهذه الدرجة تظن به سوءً؟ أهذه هي حقاً الفتاة الشجاعة العنيدة حادة الطبع التي لا يكسرها أحد ولا يهزمها ولا يهمها أحد؟ يا الله! من ذاك الزمان. بهدوء شديد همس بإنتباه: "خطف؟ خطف إيه؟ أنا يوم ما هددتك كان مجرد كلام، ممكن أوقع شغلك أخسرك، لكن خطف أنا مستحيل أعمل كدا."
دارت الدنيا بها وهي لا تسمع ما يقوله، هي في عالم آخر تائهه خائفة. همست بصوت موجوع من صميم القلب بهدوء: "عشان خاطري رجعلي بنتي، صدقني هي مش ذنبها حاجة، طب موتني أو أقتلني بس بنتي لا، الله يخليك رجعها لي، رجع لي روحي." قالت تلك الجملة وهي تنكب لتلثم يده، ليبعد هو يده بذهول وهو يقول بتأثر: "والله العظيم ما أعرف بنتك فين، أحلفلك بـ إيه إن يوم تهديدي كان كلام بس لقلقي على أخويا."
صرخة بكل ما أوتيت من قوة وهي تجثو على ركبتيها لينزل هو بمستواها بدموع. رفعت رأسها متطلعة به هامسة وهي تقاوم الإغماء وترمش بعينيها: "أنا عايزة خديجة، عايزة بنتي، آآآه يا بنتي أنتِ فين." بحنان همس بدموع: "طب احكي لي كل اللي حصل بالتفصيل، بإذن الله هنلاقي حل وهنرجعها، خلي ثقتك في الله." تطلعت به هامسة بوهن: "يا ررررررب."
وارتخت رأسها على صدره ليصرخ باسمها وهو يحملها رافعاً إياها بين ذراعيه. لم يستطع أن يحملها فقد تثور عليه مرة أخرى، فنادى بصوتاً عالٍ لمدير أعماله وأرسل لأخته التي جاءت فوراً وساندتها على الأريكة. همت بإن تستفسر عن مجيئها، لكن نظرة واحدة منه كانت كفيلة بإسكاتها ويسرع بإحضار الطبيب، وعاد هو جالساً بجوارها قلقاً وهو منشغل الفكر بأبنتها.
لم يمد طويلاً وجاء الطبيب ليفحصها مؤكداً له أنها بخير، فقط ضغط واطئ وحالة انهيار وتحتاج لراحة. علق لها محاليل وأهداه الورق المدون بها العلاج وغادر، ليظل هو بجانبها قلقاً ساعات وساعات تمر دون أن تفيق، كأنها استسلمت لأحلامها، لعل بها ابنتها؟ هي تفتح عينيها ببطء هامسة: "خديجة؟ فتحت عينيها تستطلع المكان، إلا أن أبصرته لتنتفض فزعاً جالسة وهي تتطلع حولها وبه: "إيه اللي حصل؟ "أغمي عليكِ وجبت لك دكتور ولازمك راحة تامة وإلا."
لم يكمل باقي جملته لتقاطعه هي قائلة بحسرة وخوف: "راحة؟ هي فين الراحة وبنتي مش قدام عيني؟ ابتسم بهدوء قائلاً: "لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً." "لازم ترتاحي عشان تفكري هتعملي إيه وترجعي بنتك وأنا معاكِ وبإذن الله هنلقيها، لازم تصبري وتحمدي ربنا، وإن شاء الله هترجع، أبشري. حالياً تعالي أوصلك البيت تستريحي." معه حق، يجب أن تفكر جيداً لتصل للحل المناسب وتدرك ما عليها فعله. لكن ما يسير شكها؟ هل هو حقاً صادق ذاك الرجل؟
أم هو فقط يحاول تشتيتها؟ ماذا لو هو الخاطف حقاً؟ فهل تثق به؟ انتبهت من شرودها على قوله: "أكيد بتفكري، ياترى تثقي فيا ولا لا؟ نظرة له بصدمة ليبتسم مكملاً: "أنا مش قاتل قتلة، مش طفلة صغيرة الأذيها، موصلتش لكدا ولا عمري أفكر كدا، فـ اطمني رجاءً وثقي فيا بس."
اكتفت بـ إيماءة بسيطة من رأسها وتساندت على نفسها لتغادر، ليصر هو على توصيلها حتى تصل بأمان وتخضع هي لإصراره بعدما طمأنها أن تعامله كـ سائق أجرة. قد استقلت معه السيارة. كان الطريق طويلاً باهتاً على قلبها، موحشاً للغاية، كان يخيم الصمت عليهم إلا من نحيبها وذاك الألم الذي يعصر قلبها. فهي هادئة، لكن بداخلها صراع مخيف. فاقت من شرودها على إيقاف السيارة ليستدير هو لها متسائلاً باهتمام: "ممكن تقولي كل اللي حصل بالتفصيل؟
نظرت له لثوانٍ قبل أن تقص عليه جل ما حصل بصوت نمى عن ألماً دفين. أحتد غضبه وهو ينظر أمامه ما إن ألقت على مسامعه ما حصل. كانت تجلس بالخلف، أما هو أمام عجلة القيادة. طال صمته لتستحثه قائلة بقلق من معالم وجهه التي تبدلت: "مالك؟ في حاجة؟ أنت قدرت تعرف حاجة؟ لاحت له ذكرى خديجة حينما رآها، لقد رآها مرة واحدة وكم أحبها حقاً، فهي بريئة وطيبة للغاية، لديها روح مرحة ورجاحة عقل لطيفة.
همس بألم وهو يستند بمرفقه على النافذة متطلعاً من خلفها: "ادعي بس إن يكونوا اللي خطفوها بس عايزين فلوس، دي حاجة أمرها سهل." كلماته كخنجر غرس بفؤادها وأسهم اخترقت قلبها وتمتمت بخوف وهي تذدرد ريقها: "تقصد إيه؟ تعلقت عيناها به تترقب ما سيقول بخوف، ليقول بحدة أرعدتها وهو يلكم عجلة القيادة: "يعني ادعي ميكونوش من اللي بيسرقوا الأعضاء، فهمتي؟ بكاء حاد بحرقة وشهقات من قلب يحترق كان كل ما سمعه منها ليشعر بمدى قسوة كلماته.
بهدوء هتف: "متبكيش، إن شاء الله خير، هخلي رجالة تبحث عنها في كل مكان، أنا هتصرف، بس دلوقتي اطلعي استريحي." ترجلت من سيارته دون كلمة مندفعة للأعلى تسبقها دموعها الحارقة، فما إن وطأت قدماها الشقة وشعرت بجفاء غريب بها، كأنها هي الأخرى قد فقدت حياتها!
صرخت وهي تسد أذنيها وتغمض عينيها بعنف وتسقط أرضاً حينما تناهى لمسامعها صوت خديجة، كلماتها وضحكاتها وصوتها، جلجلتها في البيت التي كانت تعطيه الحياة، وأخيراً رؤيتها أمامها بابتسامة تنير وتشرق وجهها. فأخذت في البكاء عالياً ونهضت لتصلي وتبكي وتبث شجواها للرحمن الرحيم. كان بكاؤها حقاً مؤلم إذ أنه يعصر فؤادها الموقد به ناراً لا تخمد، قلق وخوف ووجع يتملك بأوصالها ومستحوذ فؤادها.
رفعت كفيها أمام وجهها متضرعة وهي تدعي خالقها بعجز تام وتضرع وخشوع وتبث له ما بجعبتها. صدقة! قفزت تلك الكلمة بذهنها. كما هي حقاً تستحق ما يجري لها. كيف لها أن تنسى أمراً كهذا؟ كيف؟ لقد أخذ عملها جل وقتها لتتناسى صدقتها الشهرية، لا سيما أنها تعيل إحدى العائلات الفقيرة والتي منهم من يحتاج لأدوية. يا الله كيف نسيت ذلك؟ يارررب..
كفكفت دموعها وهي تنهض على عجل جاذبة حقيبتها مسرعة بطريقها لتخرج "صدقة"، ولكن أكثرت تلك المرة بجل ما تملك إلا ما يخص العمل. وكم كانت فرحتها وهي ترى تلك البسمة على وجوه المرء والأطفال.
ابتسمت مطمئنة رافعة نظرها للرحمن تطلب منه العفو، فقد حقاً تأخرت كثيراً عن تلك العائلة ولولا حضورها لكانت ماتت تلك العجوز لعدم تناولها الدواء، لتسرع ورد بإحضاره وبمجيء ما يلزمهم وتعطيهم ما يحتاجون من مال، طالبة منهم الدعاء لابنتها أن تعود سالمة. أخذت وقتاً وهي تدور هنا وهناك على مستشفيات ودار أيتام وجمعيات متبرعة، فما سيلزمها المال؟ هل ستأخذه معها عند موتها؟ هل سينفعها عملها؟
لا، لن ينفعها سوى صدقة جارية تنير قبرها المظلم. اطمأنت وهدأت واستراحت وعادت للبيت ناظرة به، ماذا سينفعها هو أيضاً؟ كيف وكيف استطاعت أن تنسى؟ كيف ظلت تستغفر وها هي تستودع ابنتها لرب العالمين مطمئنة أنه سيحفظها لها، فقد استودعتها عند الأحد الصمد سيردها أكيد، ذاك اختبار ستتحمله، لا بأس، سيزول حتماً.
بغرفة ما يضيئها ضوء خافت ليس بها أساس سوى كم مقعداً وأغلبهم لا يستحق الاستعمال للكسور، الغبرة تعم المكان كأنها لم تنظف منذ شهور، يتخلل زواياها العناكب. كانت مجسية خديجة على أحد المقاعد بإهمال بجوارها رجل بعمر الثلاثين فما فوق يجلس عاقداً ذراعيه، يشع الغضب والإجرام من وجهه، وعلى الأرض يجلس آخر بذات عمره. تململت خديجة وفتحت عينيها وهمت بالاعتدال جالسة فتنفزع لمرأى ذاك الرجل لتبحلق به قائلة: "عمو أنت مين؟
جالت عيناها المكان لتعاود النظر به، هاتفة وهي ترفع كتفيها: "وأنا فين؟ فين ماما وبابا وخالتوا لمار؟ نظر لها والشرر يتطاير من عينيه وبيده اليمنى هبط بها بعنف على المقعد الذي يجاورها محاولة منه لإخافتها وصاح بصوت عالٍ يتغلفه الحدة والسخط: "بقولك إيه؟ كلام كتير مش عايز، متصدعنيش دماغي وضيعلي البرشمتين اللي يلا ضاربهم، فاهمة؟
ظن أنه سيرعبها، سيبث لقلبها الرعب، ستبكي وتنزوي بأحد الأركان، إلا أن خاب ظنه عندما مالت بجذعها نحوه متفرسة النظر به قائلة بنبرة غير خائفة: "لاااااا، أنا مش فاهمة، ودلوقتي تقولي فين ماما؟ جز على أسنانه قائلاً من بينهم وهو يضغط على ذراعها بقسوة: "بت، متعصبنيش، مش طفلة زيك تعلي صوتها عليا." أزاحت يده بعنف طفولي وهي تتتمعن النظر به: "لا، مش هوطي صوتي، أنا فين؟
"مخطوفة وهتموتي قريب على أيديا، خافي وكشي بقا ومسمعش صوت أمك ده ولا تصدعيني؟ رمقته خديجة بغضب قائلة: "أنا مش بخاف غير من ربنا عز وجل، ماما قالت لي كدا وأنا مش خايفة منك، أنت اللي لازم تخاف مش أنا." لوت فمها بطريقة طفولية وهي تعقد ذراعيها، لا تحيد عيناها عنه. تعالت صوت ضحكاته الساخرة وهو يقترب يواجهها بوجهه قائلاً بغضب: "أنا اللي أخاف؟ وأخاف ليه بقا؟ وأخاف من مين؟ منك أنتِ؟ قاطعته مستغفرة بصوت عالٍ وهي تصيح:
"هو انت جاهل يا عمو؟ كبح غضبه بصعوبة لـ تستطرد هي قائلة: "تخاف من ربنا مش مني أنا." قالتها وهي تشير لذاتها وأردفت قائلة: "ماما دايماً بتقولي إن في يوم للحساب وهنتحاسب على أعمالنا كلها، لو أعمالك كويسة انت هتدخل الجنة، لو لأ يبقي النار، ربنا يصرفها عنا يا عمو، طب أنت تعرف إن إحنا لو بس اتلسعنا بنتألم، فـ إزاي النار؟
وهي دايمة وكمان إن لله وإن إليه راجعون، أرواحنا دي أمانة، متى شاء الله أخذها، ماما قالت لي كدا عشان كدا أنت خاف من ربنا مش من حد تاني." حدق بها مزهولاً وأخذ يقلب بكلماتها بقلبه وعقله. أما الآخر فما زادته إلا قسوة ليقف صائحاً بصوت أرعبها حقاً: "اسكتي خالص وتكتمي وصوتك دا ميطلعش نهائي، بدال والله أحبسك في أوضة ضلمة لوحدك." ضمت خديجة قدميها إلى صدرها بخوف، ليس من كلماته وأنما لنظراته لوجهه لشكلِهِ.
فنظرت له وهمست بصوت مسموع: "خالتوا لمار دلوقتي تيجي وهتموتكم كلكم." كز على أسنانه قائلاً وهو يتوجه نحوها صارخاً: "أنتِ إيه مبتسمعيش؟ بقولك متصدعناش، ولمار مين دي كمان؟ تيجي بس وهيبقي آخر يوم ليها زيك كدا، هتموتي وهتدفني هنا." وقفت خديجة على المقعد وهي تقول: "مش هموت غير لما ربنا يأذن ومش هسكت، وأنا مش خايفة منك." "وأنا هخليكِ تخافي."
قالها وهو يرفع يده ليصفعها، لتغطي خديجة وجهها بكفيها وهي تشهق. ولكن لم تشعر بشيء لتزيح أصابعها مستطلعة الأمر، فتجد الآخر ممسكاً بيده من قبضة من فولاذ وهو يقف أمامها يوليها ظهره، يقف بوجه الآخر. هدأ الشاب وجلس جميعهم. فجأة صوت بكاء زال الصمت، فلم تكن إلا هي. ليشير لها الرجال الجالس بجانبها بتأفف: "شكلك هتخلينا نستعمل معاكِ طريقة مش هتحبيها خالص، بتبكي ليه؟
حد جه جنبك ولا انتِ اللي من لما قعدتي بتدينا حكم ومواعظ لقلوب مش قلوب أصلاً عشان نفهم." صمتت ملياً قبل أن تقول: "أنا عايزة أتوضأ أصلي." حدق الرجل بها مزهولاً، أتلك الطفلة تصلي؟ ربما، ولكن لماذا تصر أن تصلي وهي مخطوفة هكذا؟ ألا تخشى أصلاتها أهم؟ ربما لا يهم. أشار لها بيده على المرحاض: "الحمام اهو، روحي اتوضئي." تبهرج وجهها وهي تنهض بلهفة متوجهة للوضوء. بينما صاح الآخر بزميله: "انت إزاي سبتها تقوم... قاطعه قائلاً:
"دي طفلة، طفلة، مستحيل تعرف تهرب، ولحد الباشا ما ييجي ويقولنا نعمل إيه، نسيبها وبلاش وجع دماغ، إحنا في غنى عنه." قالها وهو يشير لرأسه. ثوانٍ وخرجت خديجة لتسأله عن القبلة وتصلي. كانت خاشعة، صوتها عذب، تلت ما تحفظ من آيات العذاب كأنها تعطي لهم دون وعي إشارة ما. أنهت صلاتها وقالت أذكارها ونهضت لتعود الجلوس حيث كانت وتطلعت به قائلة ببراءة: "عمو،" نظر لها لتردف قائلة، "ممكن تحكي لي قصة من الصحابة؟ "من إيه؟
قالها دون فهم وهو يعقد حاجبيه. لتضرب هي جبينها بيأس قائلة بحسرة: "أنت مش هتعرف،" "ويـا بحماس قالت،" "يبقى أحكيلك أنا وأمري لله." صمتت قليلاً وتسألت ببراءة: "عمو، هو انت ليه مصلتش؟ نظر لها دون أن ينبث بكلمة، لا يدري ما يقوله، أيخبرها أنه أبعد ما يكون عن الصلاة؟ ليهمس أخيراً ما إن لوحت بيدها أمام وجهه: "مبصليش؟ شهقت خديجة وهي تضع كفها على فمها بصدمة وتحلق به لتهتف قائلة:
"حرام يا عمو، أنت كبير وهتتحاسب، طب تعرف إننا لما نموت إن هنتسأل عن الصلاة أول حاجة." صمتت وهو يتطلع بها فقط، لتقول بتذكر: "أنت اسمك إيه؟ "صابر." همس بها بتلقائية وهو يتحدث بأريحية معها. حرقت خديجة ذراعيه قائلة ببراءة: "صابر، الله اسمك حلو يا عمو، جاي من الصبر، لو شلنا الألف هتكون صبر، أنت عيالك مخطوفين زيي؟ حدق قائلاً بزعر: "بعد الشر على عيالي، ربنا يحفظهم." نكست خديجة رأسها هاتفة بتمني:
"أسأل الله أن يحفظهم لك ويكونوا ذرية صالحة لك." ثم صمتت كأنها تتذكر شيئاً ما. ليقول هو بتعجب: "أنتِ جايبة الكلام دا كله منين؟ دا انتِ رغاية." هزت رأسها نفياً: "أنا مش رغاية خالص، جايبة الكلام منين، من ماما، ودلوقتي بس عشان هستغفر." "هتعملي إيه؟ قالها بحدة، لتهمس هي بخفوت: "وطي صوتك عشان الغول ده ميسمعناش." قطب حاجبيه متسائلاً بغباء: "مين الغول ده؟ أشارت بيدها لصديقه بتذمر ونظرة له قائلة: "أنا هستغفر فـ متتكلمش تاني."
ظلت خديجة تستغفر وهو يرمقها بذهول وتعجب في آن واحد والآخر يدخن سيجار.
ملقاة على أرض صلبة، شاحبة الوجه كشحوب الموتى، جسدها هش للغاية، تنتفض من شدة البرد القارص لها، كم يوم دون طعام وشراب، تشعر بروحها تنسحب ببطء، ومع ذلك تبدو قوية. إن دلف إليها أحد، كانت قلقة وأضنى قلبها السهد، هناك غصة تخنقها من ذاك الحلم الذي رأتها فيه، تري فتاة تناديها مستنجدة بها تطلب احتوائها، صوت خديجة أيضاً، أسماء، ولكن صوت آخر لا تعلم هويته بعد.
تناهى لمسامعها صهيل جواد يرج الأرض رجاً وصوت يزأر ويصرخ كـ هزيم الرعد، ضجة وحركات غير اعتيادية، قتال يدور بالخارج، ولكن ما الذي يحصل بالخارج؟
استندت على الحائط وهي تنهض مقتربة من الباب تحاول بجهد فتحه. تراجعت للخلف ما إن انفتح بعنف ليطالعها شاب ملثم فوق جواد أسود اللون. لم يكن هناك وقت لتحديقها به، لذا ودون كلمة انكفأ عليها يحملها لتجلس أمامه وهو يحاول تفادي إطلاق النار. انطلق الجواد بهم، ولكن كان الظلام لا يجعلهم يرون حتى أصابع أيديهم، لذا ضل الطريق. أحس أخيراً ببطء حركة جواده ليتلمسه فيعلم أنه قد أصيب.
فأنزلها دون كلمة وسحبها ركضاً خلفه. وقفت حينما تعثرت بأحد الأحجار لتسقط مستندة على كفيها وتهمس بوهن: "كفاية، مش قادرة، مش هقدر أكمل."
نظر بالمكان يحاول إيجاد مكان مناسب لجلوسهم قليلاً، لذا ساندها على الوقوف وسار بها قليلاً نحو صخرة كبيرة ليسندها عليها. وبحث عن بعض الأخشاب ليشعل بها النار، ولحسن حظه قد وجد مما أدى ليرها جيداً، منهكة متعبة شاحبة، يحيط عينيها هالات سوداء، هناك آثار لجروح أيضاً. جز على أسنانه يحاول كبح غضبه وهو يقبض راحته. عم الهدوء المكان، قاطعته هي قائلة باهتمام: "أنت مين؟ وليه أنقذتني؟ نظر قليلاً دون كلام ليهمس بتوتر وهو يحاول
قدر الإمكان لإخراج صوته: "أنا مين؟ فاعل خير، ليه أنقذتك؟ لأني مبحبش أشوف مظلوم بيعاني." اعتدلت بحلستها للأمام ناظرة بتمعن به وقالت: "امممم، تمام. على العموم شكراً." هز رأسه فقط وشاح بوجهه عنها قائلاً: "تقدري نكمل دلوقتي؟ رياح شديدة وعاصفة هلت، هي من أجابت عنها لتنطفئ النار فوراً ويزداد الجو برودة، لتهمس هي برضى: "الحمد لله، حفظك يارب."
كانت الريح قوية تقلع كل ما يقابلها، لذا اضطر بالاقتراب منها جالساً أمامها بعرضه كحاجز لتلك الرياح والأتربة. ضمت ذراعيها على نفسها وهي تحاول الصمود. ليمسك هو كفها بين راحته بحنو قائلاً: "قومي بسرعة." أومأت برأسها وهي تنهض منصاعة له، وذاك الأمان يتغلل بفؤادها تدريجياً. سار بها قليلاً حتى انزوى إلى مكان يشبه الكهف، فجلسا بصمت تام حتى غلبها النوم بعدما جافاها الليالي التي كانت بقبضتهم. أيمكن هذا بسبب ذاك الأمان؟
ربما، لما لا، إنه شعور مميز، الأمان، الراحة، الاطمئنان، السكينة. فغطت بالنوم براحة حتى سمع غطيطها ليبتسم حامداً ربه. خلف المشفى تقف السيارة بجانبًا مظلم بعيداً عن الأعين، إذ أنه مكان خالٍ أيضاً نسبيًا. تضم لمار بحنو أسماء تحثها على الذهاب تطمئنها. "أنزلي وتكلمي معاهم بهدوء واحنا هنقتحم." رفعت أسماء رأسها بدموع وهزت رأسها رفضاً: "لا، مستحيل أروح." ضمت لمار وجهها وازاحت دمعها قائلة بهدوء: "هتخافي ومامتك جنبك؟
هل لو في واحد في المية خطورة على حياتك أنا هخاطر بيكِ؟ أنا جنبك." تدخل حذيفة وهو يستدير لهم بجذعه قائلاً: "إيه يا حجة؟ جنبها جنبها، هو أنا كيس جوافة قاعد؟ نظر لأسماء قائلاً بصدق وهو ينظر بعمق عينيها: "أنتِ بتثقي فيا؟ لم ترد ليعيد هو سائلاً بحدة: "بتثقي ولا لا؟ جاوبيني؟ هزت رأسها بالإيجاب ليبتسم قائلاً بحنو: "أسماء القوية هتنقذ الأطفال والناس دي وأنا جنبك هفديكِ بروحي، فـ اطمني يلا!
كفكفت دموعها مبتسمة ليترجل هو فاتحاً الباب لها. لتهبط تكلم معها يبث لها الأمان ويمدها بالشجاعة التي زادتها ثقة بنفسها ومضت ناحية المشفى. ليتملك القلق بلال وحذيفة والجميع. سرعان ما أهدت لهم لمار إشارة بالتحرك داخل المشفى وأخذ أماكن قريبة منها. دلفت أسماء لهم ليقفوا مرحبين بها كأنهم قد وجدوا غنيمة. فزين لهم أن تعمل معهم وهكذا عمتها وأخوها وأقاربها يكونوا تحت رهن إشارتهم. جلست ليتكلم أحداً منهم قائلاً:
"مبسوط إنك عرفتي تختاري صح، هتلعبي بالفلوس لعب ولا مين شاف ولا مين دري، إحنا بس بناخد ياما كلية أو كبد بمعني أثناء أي عملية بنسرق عضو." ظلت أسماء تجريهم بالحديث، كانت تستلقي السمع له لمار حينما وضعت جهاز تنصت بحيبتها دون علمها حتى لا تخاف. دقائق وكانت الغرفة يحيطها الشرطة من كل جانب. ودارت حرب كانت مدفونة، نصر لمار. ولكن على حين غرة انتشل أحد الرجال سلاح وجذب أسماء من عنقها موجهاً فوهة السلاح برأسها.
وقال بصوت أجش صارم: "ارموا أسلحتكم يلا وتحركوا على جنب." جز حذيفة على أسنانه بغضب والقلق ينهش قلبه وهو يراه يخرج بها طالعاً بظهره. فجأة انقض بلال عليه من الخلف محرراً أسماء ويهجم عليه بغل وكل ما يسيطر عليه دموعها وأمسكه لها. أبعده أنس من فوقه لينتبه لذاته وهو يسبه بأفظع الألفاظ ويقترب منها دون وعي قائلاً بلهفة: "أنتِ كويسة؟ هو عملك حاجة؟ يا حبيبتي؟
تعلقت الأعين به بذهول وخاصةً أسماء التي تمنت أن ما رأته بعينيه ليس سوء وهم. فنظرت له بصمت. انتبه لذاته وأحس الآن بما قاله ليتنحنح بحرج قائلاً بوجع: "أنت بمقام أختي عشان كدا." ابتسمت أسماء له شاكرة، بينما عينا حذيفة تكاد تحرقه. أما لمار فدخلت بحرب مع ذاتها تمنت أن ما أحسته الآن كذبة. ابتعد بلال ما كاد أن يستدير ليرى ذاك الرجل أمسك بالسلاح نحوها ليركض واقفاً أمامها وتأتيه الرصاصة بقدمه لتتلقفه هي وهي تقع معه أرضاً.
ياترى من الذي خطف خديجة؟ أهو أحمد محمد أم تلك الجماعة التي وقعت معها أسماء؟ من الذي أنقذ وعد؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!