سرى الخوف بمهجتها واستحوذ ثنايا فؤادها. لم تكن تدري ما عليها فعله. يجب أن يتم حساب هؤلاء الجزارين. ما زال جسدها يرتعد من شدة الخوف ومنظر الطفل أمام عينيها لا يغيب بتاتاً. ضمت قدميها لصدرها واحتضنتهم بذراعيها ودفنت رأسها بهما وأجهشت بالبكاء عالياً بصوتاً مكتوم، كأنها تخشى أن يكون أحداً منهما يستمع صوتها. تمددت مكانها ونامت بوضع الجنين، بللت الوسادة من كثرة الدموع التي تنهمر بغزارة.
صرخة عالية شقت هدوء الليل الساكن بضجة كبيرة، لينتفض الجميع من نومه بقلق بالغ. كان الأقرب إليها حذيفة، حيث كان يقبع أسفل شرفتها ينهشه القلق على تلك الحالة التي تركها بها. فما أن تناهى لمسامعه صوت صراخها الذي أقسم أنه من فؤادها وروحها، كمن رأى شبحاً، فأسرع ركضاً يلحقه قلبه وروحه إليها. فتح الباب بلهفة فوقف متسمراً وهو يراها تجلس تنتفض مكانها وتصرخ بهستيريا وهي تقول: "سيبوه، يا خالتوا أنا خايفة". بخطوات وئيدة
دنا منها وهو يقول بزهول: "أسماء يا حبيبتي مالك فيكِ إيه؟ طب أنا هجيبلك خالتوا حاضر بس اهدي." ما أن هم بالأقتراب منها حتى دفعته بقسوة ليرتد للخلف. تجمع من بالبيت آتون ركضاً بقلق ينهش أفئدتهم ليشهقوا بفزع ما أن أبصروا حالة أسماء تلك. نجح حذيفة بتقييد يديها وهو يضمها قائلاً: "هشششش أهدي مفيش أي حاجة والله أنا جنبك." تشبثت بملابسه باكية أكثر، وهتفت من بين بكاءها وهي مغلقة الجفون:
"قتلوه يا حذيفة قتلوه قتلوه من غير رحمة قتلوه يا رب قتلوه وفتحه بطنه." شهقت باكية وهي تصرخ بجنون. لم يستطع حذيفة السيطرة عليها. كانت قد آتت لمار لتوها من الخارج، فما أن تناهى لمسامعها صراخ أسماء حتى ركضت بلهفة لغرفتها فولجت كالأعصار وهي تهتف بوجل: "في إيه كلكم كويسين؟ صمت الجميع، أعينهم معلقة على أسماء، يبكون. نظرت لهم بتوجس وقالت: "انتوا مالكم مش بتنطقوا ليه؟
كانت تخشى أن تنظر لما ينظرون، كأنها سترى ما يقتلها، يقتل فؤادها وذاك الجزء الذي به تلك السعادة قابعة. "خالتوا لمار! " هتفت بها أسماء ببكاء يمزق القلب. أستدارت لمار بوئيدة، فهالها منظر أسماء التي فتحت لها ذراعيها، لتسرع لمار على عجل، وينهض حذيفة متنحياً جانباً. جذبتها لمار لأحضانها بينما تعلقت بها أسماء كالطفل الصغير. أعتصرتها لمار بداخلها، وأشارت للجميع بحدة هاتفة: "بره كله يطلع بره يلا."
نظرت لخديجة بأعين لامعة بفرحة وأشارت لها بيدها الأخرى: "تعالي يا ديجا." ابتسمت ديجا من وسط بكاءها وهي تركض لحضن "لمار" هي الأخرى. خرجا الجميع وأغلقت حبيبة الباب خلفها. ربتت لمار على ظهر أسماء وهي تقرأ قرآن، بينما أمسكت ديجا يدها بحنان وبكت لبكاءها. خرجا الجميع بحزن وبكاء. همست عائشة لمكة: "هي مالها طيب أول مرة أشوفها بالحالة دي." أجهشت حبيبة بالبكاء وهي تجلس على الدرج، لتربت هالة على منكبها بمواساة.
دلف ياسين من الخارج مع عثمان، بدا عليهما التعب والأرهاق جلياً. همس عثمان بتذكر وهو ينفجر ضاحكاً: "أنا فجأة لقيت الواد طالع يجري من عندك قولت أباااا أنت أكيد موته." ضحك ياسين وهو يقول بتذكر: "أديته علقة موت وطلع يجري كأنه شاف عفريت." صمتا الاثنان بصدمة وهما يريا الجميع يبكون، فتجلى بأعينهما القلق وهتف ياسين متسائلاً باهتمام: "في إيه في حاجة حصلت." تنقلا النظر فيما بينهما، وها أخيراً تقص لهما هالة كل شيء.
ليصعدا الدرج ركضاً يأخذا الدرجة درجتين بلهفة. طرقا الباب وولجوا بقلق، وجودها قد غفت ولمار بجانبها هي وديجا. همس ياسين وهو يقترب ليقبلها من رأسها: "في إيه يا خالتوا مالها أسماء؟ هتفت لمار بهدوء باسمه: "مفيش حاجة خير إن شاء الله. روحوا ناموا هي بس كانت في عمليات انهارده والمريض مات يلا روحوا ناموا." أومآ إيجاباً وخرجا من الغرفة. أغلق ياسين الباب خلفه وهمس بغموض: "حاسس أن عمته بتكدب. مش هو دا اللي حصل أكيد في حاجة."
وضع عثمان يديه بجذعه وهو يقول بتأييد: "معاك بردوا أكيد في حاجة. بس دلوقتي تعال نشوف حذيفة فين خلينا معاه الفترة دي." أومآ ياسين برأسه وأتجه للفتيات ليسألوا عنه، فهمست مكة وهي تنظر لياسين: "أنا شفته نازل الجنينة." همست عائشة تشاكس عثمان بمرح وهي تقف بجانبه: "أنت يا بني مينفعش كدا." قطب حاجبيه قائلاً بهدوء: "مينفعش إيه؟ ابتسمت بخفة قائلة: "يبقي القمر ده كله قدامي يعني أعمل إيه، لا وكمان كل يوم بيحلو." وأردفت قائلة:
"يا عم جننتوا البنات صحباتي." ثم همست وهي تغمز له: "ما تتجوزني يا قمر أنت وتكسب فيا ثواب." اشتعلت الغيرة بـ مكة وكادت أن تحرق عائشة وشعرت بالضيق يقيدها. جذبها ياسين من مؤخرة رأسها قائلاً بصوت رجولي حاد نمى عن غضبه: "بتقولي إيه سمعيني؟ أدارت ريقها الجاف وهي تقول بخوف: "يا بنات هو أنا ليه حاسة بإن في جاموسة رافعني من وراء." فقد كان ياسين رافعها بيد واحدة. انفجرا الفتيات ضحكاً مكتوماً وهم يترحموا عليها، حتى تصنعت
البكاء وهي تشهق قائلة: "يا ربي أمنا الغولة هتأكلني." ثم تابعت بغناء: "حاسة إني طايرة في الهواء، يا رحيم يا رحيم وهتعلق من كفيا أسترها يارب معايا أو ممكن ينفخ فيا أطير والقي نفسي عند ام اربعين." كاد عثمان أن يسقط أرضاً من فرط الضحك والفتيات، بينما تهجم وجه ياسين وهو يقول بحده ويهزها وهو ما زال ممسك بها من مؤخرة رأسها: "بتقولي إيه يابت أنتِ؟ ضحكت ببطء وخوف وهي تهمس بدهشة:
"يا لهوووي دا نزلي يبقي هيعمل مني ملوخية ويديها للوحوش اللي معاه في السجن." جذبها من يدها لتنظر له وهمس بصوتاً أجش: "أنتِ اتجننتي إيه عقلك طار." رفعت كتفيها بإستهانة قائلة: "أنا أعرف بقا راح فين... " صمتت ملياً بتفكير وقالت وهي تقفز بفرحة كمن وصل لكنز خفي: "عرفت أقولك طار فين." همس ياسين بزهول وعدم فهم: "هو مين؟ أنحنت لأذنه هامسة: "عقلي." همست بها فركضت مسرعة من أمامه وصاحت: "راح عند امك يا اخويا يعني هيكون راح فين."
حدق ياسين عينه بصدمة. فتفتحت باب غرفتها تطل برأسها منه وأخرجت لسانها هامسة: "هربت منك ومعرفتش تلحقني." كاد أن يذهب إليها ولكنها أغلقت الباب بسرعة. انفجرا من رأى كل ذلك ضحكاً، بينما همست مكة بغيظ: "يضحك مع الكل ويشوفني أنا يركبه مية عفريت، يكونش أنا بحضر عفريت وأنا مش دريانة ولا إيه؟ عامل زي الهضبه كدا واللي يشوفوه يخاف وعليه صوت أعوذ بالله منه." "سامعك على فكرة." همس بها عثمان واختفى، مع ياسين. لتحدق هي عيناها بصدمة.
بحثا بعيناهما عن حذيفة إلا أن رآه تراه يموت قلقاً الآن. جلسا جواره بصمت لثوانٍ وهمس ياسين مربتاً على منكبه: "أنت كويس يا حذيفة؟ هز حذيفة رأسه وهو يضع يديه خلف رأسه ويرجع برأسه للخلف: "لا أنا مش كويس مش كويس نهائي ولا هبقى كويس طالما أنا شايفها كدا بتوجع قلبي بحس بنار قايدة مش عايزة تهدأ ومش عارف ازاي أطفيها ولا أنقذ نفسي وأخرج." تنهد عثمان بوجع وهو يرفع يده خلف ظهره ويقربه منه:
"هتبقي كويسة وهتتقوي بيك طالما أنت جنبها هتعدي وكله هيعدي طالما أيديكم في أيدين بعض مستحيل أي عاصفة مهما تكون أن تبعدكم." ابتسم ياسين بخفة هامساً: "أنت يا عم عملت في البت إيه؟ وبجدية تابع، احكيلي كل اللي حصل." انعدل ياسين شارعاً بروي لهم ما حصل كله. *** بمنزل رحيم دب البيت بالقلق والخوف. زرعت الحجة صفية الدار ذهاباً وإياباً وهي تقلب كفيها ذات اليمين وذات الشمال وهمست:
"لا إله إلا الله يعني هتكون راحت وين البت عاد، يا وجع جلبي عليكِ يا وعد يا بتي." بكت غادة كما لم تبكِ من قبل وقالت: "مخبراش مخبراش يا أمي مين ليه يد يخطفها، كانت واقفه أهنا فجأة تختفي أكيد يا حبيبتي يا وعد عودي." ولج رحيم من الخارج ملقياً السلام، فهبت غادة واقفة بأمل، لتتسائل والدته بقلق: "طمني يا ولدي عرفت وينها."
هز رحيم رأسه بيأس، وبصمت تام صعد لغرفته. جلس على حافة الفراش واضعاً رأسه بكلتا يديه، وطيفها بمخيلته. ولاحت لها كل لحظة جمعتهما سوياً، أول لقاء ومن ثم كل لقاء، كأنها تربعت بقلبه لتصبح مالكته الوحيدة، كأن قلبه هذا ليس له بلا لها. أيا قلب ما بگ ذهبت لغريبة دون استئذان.
أنشغل ذهنه فأين يمكن أن يجدها، ومن له يد بأذيتها، لكنه لم يتوصل لحل. سأل رقية وأخبرته أنها لا تدري وتركها قلقة هي الأخرى. كأن الدنيا تضيق بما رحبت، كأن قلبه يضيق يضيق من كثرة الهموم وكأنها هموم العالم بأكمله. تنهد بقلق وهو يهتف داعياً: "احفظها يا رب أنت اللي عالم هي فين وبيعملوا فيها إيه فـ أحفظها وابعتلها ولاد الحلال وفتح لي بصري عشان أرجعها وأنقذها قبل ما يحصلها حاجة يا رب."
أغمض عينه لدقائق يحاول أن يصل لحلاً. وقف زارعاً الغرفة ذهاباً وإياباً بقلق. ضاقت به الغرفة والحياة بقدر اتساعها فخرج صافقاً الباب خلفه. توجه لـ غرفة والده، طرق طرقات خفيفة على الباب ليأتيه صوت والده يأذن له، ففتح الباب وطل منه وهمس بابتسامة: "صاحي يا حج! أشار له والده بيده: "تعال يا ولدي هم جنبي." قالها وهو يشير له بيده على طرف الفراش بجانبه. تقدم رحيم ولثم كفت يده بعمق وحب وجلس بجانبه. ربت والده على فخذه قائلاً:
"شايل الدنيا فوق رأسك ليه يا ولدي؟ ضايع ومش لاقي روحك كأنها فارقتك من سنين! عايش وأتاريك مش عايش! الدنيا ضاقت بيك ومفيهاش ولا حد كأنك في أرض صحراء، جافة لا فيها حياة ولا أي شيئ مالك يا ولد صفوان جولي." تنهد رحيم مبتسماً وقال: "ولا حاجة يا بوي مفيش أنا زين." "مش زين يا ولد صفوان جلبك مغادرك بلي رجعه ومبجاش ليك خلاص وجعت 'وقعت' روحك بين نارين ومنك مش داري بروحك تعمل إيه." ثم استطرد قائلاً بإستماتة:
"أنت حبيتها مش كِده." نظر له رحيم بصدمة وتلعثم قائلاً وهو يتحاشى النظر له: "حبيت مين بس يا بوي كنك كبرت وخرفت." ضرب والده بيده على ظهره قائلاً: "مخرفتتش يا ولدي، السنين اللي عشقتها دي اتعلمت فيها حاجات كتير أنت عاشجان يا ولد صفوان عاشجان." ابتسم والده بسخرية هاتفاً:
"كنه الزمن ناوي يلعب بيك يا ولدي، متنساش أنك خاطب بت عمك، فكر يا ولدي وحكم قلبك، أنت داخل على أيام صعبة جوي مليانة عذاب وشوق وروحك اللي مفرقاك دي شوفلك حل فيها، الدنيا لازمك توجعنا يبجي قلبك رايد حد والدنيا تحكم عليك بحد ربك يسهلها يا ولدي اتوكل عليه وهتفرج هتفرج وروحك هترجعلك مفيش غيرك سكنها وأمانها يعني هتروح وين فـ طمن قلبك." سعل بشدة، لينهض رحيم بقلق ليسند ظهره للمسند قائلاً: "أنت بخير يا بوي."
ربت على منكبه قائلاً: "بخير يا ولدي بس هملني أريح شوي." أومآ رحيم برأسه، وهم بفتح الباب ليقف على مناداة والده له: "رحيم" أستدار رحيم ببسمة ليواري بها قلقه وارتباكه الذي لم يعهده قبلاً وقال بهدوء يعكس تلك العاصفة بداخله: "تؤمرني بـ حاجة يا بوي." هتف والده من بين سعاله: "هتلاقيها وهترجعها يا ولدي هترجع مسكنها، رحيم اللي بيعمل أي شئ عشان السلام يعم هيقدر يرجع روحه فكر يا ولدي فكر بس يلا هملني وخد الباب في يدك."
ابتسم رحيم متنهداً وخرج مغلقاً الباب وراءه، ها قد دلف تلك الغرفة بهموم لا حصى لها والآن خرج منها مرتاح الباب مطمئناً راضياً بأمل ملأ جوانبه وكيانه ومهجته، لا سيما أن والده الوحيد الذي يفهمه فـ يدري كيف يداوي قلبه الجريح وأن أبتسم وبدا بأحسن حال. ***
بغرفة على الجبل يسودها الظلام الحالك كأنها ليلة شديدة الظلام تواري بها القمر خلف الغيوم. كانت وعد مقيدة اليدين والساقين، وهناك ربطة على عينيها وفمها. بغضب هادر أخذت تهمهم بصوتاً مكتوم. صوت فتح الباب جعلها تصمت كلياً، تسترق السمع جيداً. تحركت بعنف دليل على غضبها المشتعل بداخلها. شعرت بيدين تفك عينيها فما أن شال المجهول الربطة حتى أغمضت عينيها من شدة الضوء الذي اخترقهما. وفك ربطة فمها وبصوتاً أجش قال:
"بجى أنتِ اللي خايفين منك وعاملين لك ألف حساب 'ترقع بأصابعه بوجهها قائلاً بفخر' أها إني دجايق جبتك تحت رجلي يا بت أدهم اسماعيل والشرقاوي بيقولوا أمك محدش يجدر عليها والكل يترعب منها بس يا ترى هتجدر تنقذك من يدي." فتحت عينيها ما أن أعتادت على الضوء ورمقته بنظرة مشتعلة بلون أحمر قاتم وزفرت بصوتاً مسموع قائلة:
"قالوا لك عني أه بس اللي نسوا يقولوه أني بنت لمار نمر الداخليه واللي الكل أول ما بيشوفها يكش وبنت أدهم اللي الكل بيعمله ألف حساب وإذ دي ماما ودا بابا فـ ما بالك ببنتهم، أظن نسوا يقولوا لك يا قاسم أني مبرحمش أي حد بياذي أي بريء." تعالت قهقهاته الساخرة بصوتاً عال وقال وهو يصفق بيديه: "بس أنا أهو قدرت أجيبك بدجايق جولك إيه بجى." ارتفعت ضحكاته باستهزاء وهتفت بإستماتة:
"لو مكنتش عايزة أجي وأوصلك مكنتش قدرت تطولني ولا تلمح طيفي." أهتز قلبه بخوف من نظراتها الشرسة تلك وقولها وهتف بجمود بنبرة متحشرجة: "هتفضلي هنا هدوجك العذاب ألوان من غير أكل أو شرب لحد ما تموتي وهتفرج عليكِ وكمان صفجاتنا هعملها جدام عينيك." وخرج صافقاً الباب خلفه. ظلت وعد تتنفس مراراً وتكراراً تحاول بشتى الطرق أن تخرج تلك النار التي بقلبها والغضب الذي يشتعل. ***
دلف يوسف لغرفته بإرهاق جلي على وجهه من كثرة ما بذل من مجهود طوال اليوم. أغلق الباب وهالة حالة حبيبة المنكبة على الفراش تبكي بوجع. خلع جاكته وهو يلقي به جانباً وأسرع بعجل ليجلس بجانبها وقال وهو يضع كفه على منكبها بقلق: "حبيبتي مالك في إيه؟ حد من العيال جراله حاجة؟ رفع ذقنها إليه وأشار بعينه هامساً: "مالك إيه كل العياط دا كله؟ شهقت قائلة من بين دموعها بصوتاً مختنق: "أسماء" اتسعت عينيه وتجلى بهما القلق وهتف تلقائياً:
"مالها هي كويسة حصلها حاجة؟ هزت رأسها وبدموع قالت: "معرفش مالها كانت غريبة وبتعيط وتصرخ بس لمار دلوقتي معاها." أطمأن يوسف وضم رأسها لصدره وهمس: "يا حبيبتي مفيش حاجة طول ما لمار معاها هي في أمان لمار هتخاف عليها يمكن أكتر مننا فـ أطمني." طوقته وشدته من ضمتها له بعشق، وأبتعدت عنه متذكرة: "حبيبي قوم غير هدومك دي." ضم وجهها بين يديه بحنان ولثم جبينها بقبلة عميقة وما أن هم بتقبيل وجنتها حتى انتفضت بزعر واقفة وهي تصيح:
"إلا صح يا يوسف يا حبيبي يا موز أنت." حدد عينيه قائلاً بزهول: "موز؟! تقدمت لتمسكه من قميصه ليقف وصاحت: "بقى بتخوني مع الممرضات في المستشفى وتيجي هنا تعمل نفسك بتحبني." أغمض جفنيه عدة مرات وهتف بصدمة: "بخونك؟ مع الممرضات كمان؟! دفعته بحدة من صدره فـ لم يتزحزح فـ ظلت تدفعه من صدره وهي تصيح: "بتخوني يا يوسف بعد السنين دي كلها؟ يا خاين يا غشاش! أمسك يدها وهو يقول بحزم: "أنتِ اتجننتي ولا إيه؟
أخونك إيه بس هو أنا قادر آخد نفسي من المستشفى عشان أخونك بطلي هبل بقا وارحمني مش كل يوم نكد دي مبقتش عيشة." ترقرق الدمع بعينيها. ليضيق صدره بغضب من ذاته، أغمض عينه ليهدأ من روعه وهمس وهو يضع يديه بجانبيه: "يا حبيبتي أخونك إيه بس؟ هو أنا عيني شايفة غيرك؟ عقد ذراعيها وهي توليه ظهرها. ابتسم بمكر وهو يقترب ليضمها بذراعيه ظهرها لـ صدره وهمس بأذنها: "متزعليش يا حبيبي." ظلت كما حالها جامدة الملامح إلا أن همس ليغيظها:
"في بنوتة جميلة كدا مجنناني في المستشفى حواليا طول الوقت، وبصراحة كده البت قمر يعني فـ إيه رأيك أتجوزها؟ اتسعت عيناها وتجلى بهما الصدمة واستدارت لوجهه قائلة بجنون: "بنوته؟ مين دي وتتجوزها دا أنت يومك مش معدي انهارده نهارك أزرق." دندن وهو يرمقها ببرود تام ويخلع ساعته يضع على الكومود ويتجه للخزانة مخرجاً ما يريدته، تركها تثرثر كما تشاء دون أي اهتمام يذكر، وتوجه للمرحاض لتقف أمامه قائلة بغضب وهي تمسكه بقوة من ذراعيه:
"يوسف بطل برودك ده عشان مستفز ومين دي ان شاء الله." رفع يديه ليزيح يديها ويتجه للمرحاض ببرود تام ويتركها مزهولة. جلست على حرف الفراش تهز قدميها بغيظ. خرج يوسف وجذعه عاري، فوقفت بعصبية مقتربة منه وقالت بصياح: "بقا كدا يا يوسف.... همس مقاطعاً لها بابتسامة ساحرة: "قلب يوسف." قالها وهو يقترب منها بمشاكسة، وهي تتراجع للخلف حتى اصطدم ظهرها بالحائط، أذردت ريقها بتوتر حينما حاصرها بين ذراعيه، لتقول بتلعثم:
"يوسف يا حبيبي مالك؟ أشار لها قائلاً: "أنا اتكلمت؟ همست بغيظ طفولي: "لا بس خونتني يا خاين." بهدوء همس: "طب خونتك امتى بس وأنتِ معايا في المستشفى ومعايا في البيت يعني حتى لو عايز أخون وأشوفلي واحدة كدا أو كدا مش هعرف." دفعته بصدره قائلة بعصبية: "يعني عايز تخوني؟ روح روح يلا روح مش هقولك لا، روح يلا أهو الباب مفتوح وشوف بنات كتير يلا." ضحك ساخراً وهو يقول: "يعني أروح؟ أشاحت وجهها بعيداً عنه: "هو أنا ماسكاك يعني."
أدار ذقنها له وتتمعن النظر بعينيها وهمس: "يعني حتى بعد السنين دي كلها وعيالك اللي خلاص هيتجوزوه لسه طفلة، دا أنا مش بحس أنهم عيالي قدك، بحسك بنتي الصغيرة اللي مقدرش تعدي عليا ثانية من غيرها ومن غير شقاوتها أما عيالك دول عادي يغيبوه، فـ قوليلي دلوقتي عيني هتشوف غيرك إزاي؟ وأنتِ لوحدك ساكنة فيهم." أبتهجت نفسها وتمايلت فرحاً وفركت أصابعها بتوتر وقالت: "بجد." طوقها بذراعيه غامزاً لها: "ما تيجي نجيب أخ للعيال." رفعت
ذراعيها تحاوط عنقه وهمست: "لا يا حبيبي مينفعش عيالك بقوا قدك خلاص." أشار لها بدهشة لتؤمأ برأسها له قائلة: "تعرف بغير عليك ليه؟ أشار لها متنبهاً بكل حواسه لتتابع وهي تقبله من خديه: "علشان أنا حبيبي وجوزي وابو عيالي موز أوي." حدد بصدمة وهو يقول: "مز بردوا يا بنتي جايبة الكلمة دي منين؟ زمت شفتيها هامسة: "قال وحشة يعني يا بني والله أنت مز بخاف وحدة تخطفك مني." ابتعدت عنه مازحة وهي تقول: "يا مز يا قمر أنت... *** أبتعدت
خديجة تحادث والدتها قائلة: "عاملة إيه يا ماما أنتِ كويسة؟ قالت ورد مطمئنة: "أنا بخير يا روحي أنتِ طمنيني عنك عاملة إيه؟ هزت خديجة رأسها وهي تقول: "أنا بخير الحمد لله... قالت جملتها وهي تجلس على الفراش حيث يتمدد عمرو بجانبها، منكباً على حاسوبه على قدميه منشغلاً بعمله. تابعت ورد قائلة: "كل اللي عندك عاملين إيه، وأستردت قولها قائلة: متتعبيش خالتوا لمار يا ديجا ماشي." همست ديجا بطاعة: "الحمد لله. حاضر يا ماما."
وبتذكر قالت: "ماما أنتِ هتنامي دلوقتي؟ أجابتها ورد بنفي: "لا يا قلبي قوليلي عايزة تقولي حاجة." "آه عايزة... " همست بها ورد وهي تهلل بفرحة. انشرح صدرها وهي تهمس بشغف: "ماما ممكن توصفلي النبي صلى الله عليه وسلم زي ما قالت أم معبد؟ أغمضت ورد عينيها بسكينة واستمتاع وحب وقالت: "عيوني...
" وتابعت هاتفة بفرحة تهز قلبها "قالت أم معبد تصف النبي عليه الصلاة والسلام فـ قالت رجل ظاهر الوضاءة أبلج الوجه حسن الخلق لم تعبه ثجلة، ولم تزر به صعلة، وسيم قسيم في عينيه دعج، وفي أشفاره وطف وفي صوته صحل، وفي عنقه سطع وفي لحيته كثاثة، أزج أقرن، إن صمت فعليه، وإن تكلم سما وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاه من بعيد، وأحسنه وأحلاه من قريب حلوا المنطق فصل لا نزر ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن ربعه لا يائس من طول ولا تقتحمه عين من صقر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظراً، وأحسنهم قدراً، له رفقاء يحفون به، إن قال أنصتوا لقوله وإن أمر تبادروا إلى أمره محفود محشود لا عابس ولا منفذ."
صمتت خديجة بعد ذلك وهتفت: "بس كدا دا حديث أم معبد." أشرق وجهه ديجا وقالت باسمه: "اشرحهولي يا ماما.." انتبه عمرو بكل حواسه وجوارحه ليسترق السمع مع خديجة بينما اردفت ورد قائلة براحة:
"مر الرسول صلى الله عليه وسلم وجماعة من أصحابه بخيمتها يطلبون الماء وبعدما غادروا وصفته لجوزها وتعني بكلماتها أنه صلي الله عليه وسلم كان جميل حسن المنظر سواء عن قرب أو بعد. أبيض الوجه وضئ، ليس له بطن، ولا صلع بل شعره من مقدمة رأسه، الجمال في وجهه في كل عضو، شديد سواد العين وواسع العينين، طويل شعر الجفن، في صوته بحة وخشونة، طويل العنق، شديد بياض العينين وسوادهما، أسود الجفون اكحلهم، طويل الحاجبين، متوسط حجم الجسم، معظماً مكرماً من أصحابه يلتفون حوله، غير عابس الوجه.."
صمتت خديجة هامسة بفرحة: "بكره تحكيلي تاني؟ ابتسمت ورد مؤكدة: "بكره وكل يوم واللي أنتِ تؤمري بيه ياروح الروح يلا هقفل ماشي خلي بالك من نفسك." أومأت خديجة بابتسامة: "حاضر... همت ورد أن تغلق الهاتف، ولكن خفق قلبها بجنون، وحلقت روحها بغير تصديق كأنها لا تصدق أنها تحلق الآن، فما أن تناهى صوت عمرو لآذنيها حتى شعرت أن لسانها قد انعقد واتسعت الحياة ببهجة واتسع فؤادها وأضاء. "عاملة إيه انتِ تمام"
أذردت ريقها بتوتر كأنها لأول مرة تحادثه وهتفت بهدوء على قدر استطاعتها: "الحمد لله بخير أنت عامل إيه." أستند برأسه للخلف ويده الأخرى خلفها وبابتسامة قال: "أنا بخير طول ما أنتِ بخير... وبسؤال همس: نفسيتك بقيت تمام؟ أقولك طمنيني عن نفسك ويومك وكل حاجة وبتأكلي كويس ولا لا." صمتت ورد تحاول تجميع الكلمات وبتلعثم وتوتر همست بصوتا رقيق: "الحمد لله أحسن بـ كتير، عادي مش بعمل يعني من المحكمة للمكتب للبيت بس وانت بتعمل إيه؟
أخذهم الحديث طويلاً فـ لم يدروا بالوقت وظلوا يتحدثون بفرحة ها هي تتسلل خفية لأفئدتهم. *** دَلفت لمار لـ غرفتها بتعب وإرهاق شديد أقبل عليها أدهم واقفاً أمامها قائلاً: "عايزك في موضوع كدا." بتعب همست لمار: "أدهم خليه لـ بكرة أنا النهارده والله تعبانة وعايزة أنام ساعة." بصوتاً عال وعصبية هتف أدهم بجنون:
"أيووه عندي وأنا عايزة تنامي دي مبقتش عيشة دي هو أنا اتجوزتك عشان ليل نهار في الشغل ولما أكون عايز أقعد معاكِ تقولي أنام." بهدوء هتفت لمار تحاول تهدئته: "حبيبي أهدا اتكلم أنا سمعاك أهووو أقول." ابتسم بسخرية قائلاً: "لا يا شيخة متشكرين عن خدماتك اتفضلي روحي نامي." أمسكت لمار وجهه بين كفيه رغماً عنه وقالت بهدوء: "أدهم إيه معصبك كدا؟ ما أنت عارف شغلنا إزاي ما أنت كمان بتبقى مشغول زيي فـ في إيه مالك إيه معصبك؟
أكيد في حاجة قولي يا حبيبي مالك؟ ضمه أدهم بقوة كأنه طفلاً صغير وهي والدته وهمس بصوتاً مختنق: "معرفش مالي حاسس كأن في فـ قلبي نار قلقان وخايف حاسس أني في حاجة وحشة هتحصل لـ وعد." صمتت لمار ممسدة على ظهره بحنان تحاول مدارات قلقها هي الأخرى وهمست بحنان: "حبيبي والله هتكون كويسة متقلقش، متنساش هي بنت مين؟
دي بنت أدهم ولمار يعني محدش يقدر عليها. فـ اطمن ربنا هيحفظها لينا ومش هيأذينا فيها أبداً لا هي ولا عائشة إن شاء الله." أبتعد أدهم ناظراً لـ عينيها وهمس بأسف وندم: "أنا لمار متزعليش مش عارف كلمتك كدا ا.... قاطعته لمار واضعة أصابعها على فمه تمنعه من الحديث وهمست: "لا يا حبيبي أنا مراتك من غيري هيستحملك وقت عصبيتك غيري يعني؟ تركته وتوجهت للمرآة تخلع ساعة يدها، بينما همس هو وهو يضع يديه بجانبيه:
"شكلي كدا آخر ما أزهق هروح أشوف وحدة تانية وبدل! توقفت لمار عما كانت تفعله، ورمقته بنظرة قاتلة من المرآة ليذرد ريقه بخوف وهو ينظر للحائط يحادثه قائلاً: "بس يا عم تخون مين أنت اتجننت؟ بقا في حد يسيب القمر ده." تعالت ضحكات لمار هاتفة: "يكملك بعلقك يا حبيبي يا رب، عالم مبتجيش غير بـ العين الحمراء." بعصبية مصطنعة صاح أدهم: "لا بقا بقولك إيه مش أنا الـ..... "الـ. إيه؟ " همست بها لمار بغضب. فـ ابتسم هو قائلاً:
"هو يا بت أنتِ حد كلمك؟ أنا بكلم حبيبتي مالك أنتِ؟ ببرود توجهت لمار لتبديل ملابسها ليغمغم هو قائلاً: "يا كسوفك يا أدهم. أدتك استمارة ستة." *** تململت أسماء على الفراش، فخيل لها أنها كانت بكابوس بشع لـ علها تنسى جل ما مرت به، ولكن كيف تنسى ومنظر الطفل يصول ويجول بمخيلتها لا يفارقها. جالت عيناها الغرفة وأنسابت دموعها بوجع يعصر فؤادها. نهضت متسانده على نفسها لتتوضأ. توضأت وصلت وبكت على مصلاها كما لم تبكِ قبلاً.
أضنى الوجع بفؤادها، وأخذت تبث شكواها لـ رب العالمين فـ هو المطلع على القلوب لعل الضحى يشرق فؤادها وينيره لعل! ... ظلت كاسفة البال، منعزلة متفردة بذاتها متراقبة بخوف شديد تفكر. طرقات خفيفة متتالية جعلتها تنتفض رافعة بصرها إليه بترقب كأن من سيدخل من ذاك الباب أحد الرجال الذين كانوا هناك لـ يقتلها. أنفتح الباب وطلت منه خديجة هامسة بمرح: "القمر صاحي ولا لا؟ خطت للداخل لتظهر من خلفها عائشة هامسة ويديها خلف
ظهرها تتمايل شمال ويمين: "يا قمر يا كلك سحر 'وبصوت جادي أجش قالت' ندخل ولا لا؟ ضحكت أسماء ضحكة صافية من منبع الفؤاد ونهضت وهي تتطوى السجادة. ووقفت على صوت مكة، بعدما ظهرت من خلف عائشة. "يا حرام شو عملتي فينا" ودلفت خطوة. لتظهر سمر مترقعة بأصابعه متمايلة بخفة هامسة: "متل الورق طيرتينا." طل حذيفة بمظهر ساحر وهو ممسك بوردة بيده ودندن قائلاً بصدق من صميم قلبه: "بدي الدنى عيشها معك يوجعني اللي بيوجعك.."
اصطف الفتيات بجانب بعضهن، وتقدم هو ووقف عن كثب منها مقدماً لها الوردة ببسمة أذابت فؤادها وهمس: "عندك خبر شو حلوة أنتِ يا روحي أنتِ... أبتهجت نفسها ورقص قلبها فرحاً فـ هي سعادتها أمامها، لعلها تدوم يا ليت تدوم. هل ستدوم أم أنها لدقائق قليلة. خرجا الفتيات بينما تسللت خديجة عن كثب منهم. همست أسماء لأغاظته وهي تعقد ذراعيها: "قايل بقا كدا لـ كام وحدة غيري؟ حدد بزهول وقال فوراً غيرتها المحببة لقلبه:
"كتيررررر كتير جداً متعديش يعني! تهجم ملامحها وهي تتخصر صائحة: "يا سلام؟ طب يلا روح لهم بقا، وقول لهم كلام حلو وتجوزهم كمان." عقد حاجبيه متسائلاً: "أتجوزهم كلهم؟ بجد ينفع يعني الكل وأنتِ كمان من ضمنهم هاا قولتي إيه؟ غمغمت بغيظ وأشارت له على الباب: "حذيفة أطلع بره حالا." قهقه عالياً وقال وهو يغمز لها ويشير لـ قلبه:
"والله بهزر مفيش غيرك هنا أصلاً ومن يوم ما فتحتي بصري وهديتي قلبي للنور قطعت كل علاقتي وعايز أبدا معاكِ من جديد، أفضلِ معايا لحد ما أتغير أكتر وأبقى أحسن خدي بأيدي للطريق المستقيم هااا قولتي إيه 'نظرة له بحيرة وتردد'
ليكمل بنظرات صادقة: عايزك تثقي فيا بس وتصدقيني وتتأكدي إني مش هكدب عليكِ تاني أبداً، ولما كنت عازمك والبنت اللي سلمت عليا دي 'نظرة له بسخط ليكمل هو مازحاً' إيه إيه متتعصبيش متغضبيش اسمعيني، أنا قطعت علاقتي بيها بس هي اللي كانت بترن وبتلحقني بس كدا." أرضاها قوله فابتسمت بسمة مشرقة صافية من الفؤاد. فأبتسم هو الآخر لعيناها التي ضحكت ووجهها الذي تورّد بإشراق كأنه إشراقة شمس. غمزة خديجة لـ أسماء وأشارت لـ حذيفة قائلة:
"لا يا أسما مش تصدقيه أنا سمعته وهو بيكلم حد وبيقول يا حبيبتي يا حياتي يا روحي وهنتقابل." ضيقة أسماء وجهها بينما حلت الصدمة ملامحه. وقالت أسماء غاضبة: "بقا كدا بتكدب عليا يعني مش هتجوزك روح شوف وحدة تتجوزك غيري." نظر حذيفة لـ خديجة بغضباً مصطنع وقال: "بقا كدا يا فصعونة أنتِ؟ زمت خديجة شفتيها وهي تقول: "أسماء بصي بيقول عني إيه."
نظر حذيفة لـ خديجة بغضباً وركض خلفها وركضت هي أمامه صائحة بإسم لمار. انفجرت أسماء ضحكاً ولكنها لم تدم إذ أن صدح رنين هاتفها. لتتجه إليه ببسمة ما زالت تزين ثغرها كان رقماً غير مسجل ولكنها أجابت باسترخاء: "السلام عليكم مين؟ جاءها صوتاً رجولي أجش: "أهلاً بدكتورتنا القمر، ليه منورتيش المستشفى انهارده ولا حبيب القلب نساكِ موعدك. كويس أنه طلع عشان نتكلم برواق." أرتجف جسدها وبرعشة تفحصت عيناها الغرفة وارتعدت ثنايا فؤادها.
ليتابع قوله بسخط: "فوقي لنفسك وأعرفي أنتِ وقعتي مع مين، واعرفي أن في ثانية ممكن تخسري كل عيلتك، أخوكِ ياسين وخالتك وجوز خالتك امم قولهم هيموتوا قنبلة صغيرة كدا وتقضي على الكل ومحدش يعرف مين السبب 'وبصوتا مرتفع أكمل' الفيديو اللي معاكِ لو حد عرف بيه أو شافه يبقي ودعي الكل عندك حلين ملهمش تالت، يا أما تكوني شريكة معانا والفيديو تجيبيه لينا يا أما تودعي عيلتك كلها 'بصوتاً منخفض نسبياً تابع'
-خدي إجازة لحد ما تهدي وتفكري براحتك وهنستناكِ مكانك موجود معانا بس اياكِ يا حلوة الفيديو يشوفه حد متنسيش كلامي حطيه حلقة في ودنك باي يا سكر... هوت هوياً دموعها كشلالاً ووقع الهاتف من يدها ارتعد جسدها وجثت على الأرض بإنهيار. ***
بمنزل رحيم كان قد جن جنونه من كثرة البحث دون جدوي. ترك عمله وكل شئ ولا هم له سواها. كان القلق يحطمه كلياً أصبح عصبياً يخشى أن يصيبها شئ نارا تكوي فؤادها لا يمكنه الانتظار فقد أرهقه للغاية. يريد أن يطمئن قلبه، لا يدري أين يلقاها، أشتاق لها حد الهوس. وكاد أن يموت من كثرة اشتياقه. تتهيئ عينيه على رؤياها في كل لحظة ولكنها لا تأتي يظل نظره ثابتاً على الباب يريدها أن تطل عليه. أستمع لصوت جلبه بالخارج، وصوت غفيره
يصرخ بأحدهم وهو يركض خلفه: "ميصحش كِده يا بيه اصبر يا بيه." هم بإمساكه إلا أن دفعه بقسوة كادت بأسقاطه أرضاً، ليصيح رحيم بسخط: "أنت اتجننت ولا إيه كيف تمد يدك على واحد من رجالتى وكمان في بيتي شكلك أتهبلت عاد؟ أقترب مراد بغضب ووقف أمامه صائحاً وهو ينظر لـ عينه: "فين وعد عملت فيها إيه؟ ضيق رحيم عينيه وهتف بزهول: "وعد وأنت تجرب لها ولا مين أنت عاد؟ ابتسم مراد بسخرية قائلاً وهو يدفعه من كتفه:
"لا يا خفيف أنت تجاوب وبس وملكش دعوة أقرب لها إيه ودلوقتي فين.... أبتلع باقي جملته عندما جز رحيم على أسنانه وأمسك معصم يده يكاد يكسره وهو يهدر به: "والله لولا أنك ضيف حدنا لكنت وريتك جيمتك وازاي تمد يدك عليا وعلي جابر ولكن لـ حسن حظك مهجردرش أعملك أيتها حاجة الضيف ليه كرمه وأمشي دلوج من جدامي عشان مأجبش أجلك." نظر له مراد صائحاً بتهديد: "هتندم على كلامك ده، ولو وعد رجعتش أعتبر نفسك ميت سلام بس رجع لك." ***
عند وعد كانت حبيسة تلك الغرفة المظلمة تمكث مكانها لا تتحرك بقيد أنملة وبهزأ من الليل شعرت بقدوم أحد فتأهبت منتبه بكل حواسها للقادم، فولج شاباً يسير خلفه شابين كـ حرساً له. تقدم وجلس عن كُثب منها ولمس ذقنها محركه يميناً ويساراً يتمعن النظر بوجهها الذي يرمقه بسخط وأستماتة وقال بنظرات دنيئة: "سمعت عنك كتير جوي بس مكنتش متخيلك بالجمال ده كله." نظر من أعلاها لأخمص قدمها بنظرات دنيئة بشعة وقال وهو يبتلع ريقه:
"هقضي مع البنت اللي جوه شوية وقت أجيلك يا جميل أنت." بصقت وعد بوجهه صائحة بصوتاً كهزيم الرعد: "بتحلم فوق لنفسك مش أنا لكلب زيك يقرب مني، أنا أكسر لك إيدك وأنهيك من على وش الأرض أنت والكلاب اللي معاك." ابتسم بهدوء قائلاً وهو يمسح وجهه بكفه: "يعجبني السرش أنا، نظر للرجال قائلاً: يلا روحوا أنتوا للبنات اللي في الأوضة التانية وقضوا الليل عشان طويل، واستدار برأسه لـ وعد هامساً: وأنت يا جميل جيلك؟
"متتعبش نفسك أنا اللي هجيلك." همست بها وعد بغموض. ليقول وهو يغلق الباب خلفه: "يعجبني المطيع أنا...
أخذ صدرها بالدق بغضباً، وظلت تلهث كمن كان يركض لأميال. حاولت فك قيدها، تفحصت الغرفة بعينيها فـ لم تجد أي شيئاً قد يساعدها بالأستخلاص منه، ظلت تحرك ذراعيها فـ بمهارة وثوانٍ استطاعت التحرر، وتحرر ساقيها. دلكت يديها بألم من موضع الحبال، وثبتت على عجل، ووقفت خلف الباب تقرع عليه بعنف، فـ لم يمد دقائق وهرع أحد الرجال فاتحاً الباب لتنقض عليه من الخلف بكل ما أوتيت من قوة ضاربته بعنقه. ألتفت لها وهو ممسك برأسه يترنح. كاد أن يلكمها فـ بلحظة لوت ذراعه خلفه وألقته أرضاً، وبكوعها هوت على معدته لينعدل صارخاً ويسقط أرضاً، لم يستمع احد فقد كانوا منشغلون بمتاعهم، أنهم أناس قد نسوا الله والجنه وهل يحق لهم أن يصنفوا للبشر؟
فإنهم حيوانات بشرية... تنفست الصعداء وهي تقف تلتقط أنفاسها من ذاك الأسر. ألتقطت أحد العصيان التي ابصرتها، وتوجهت من تلك الغرف المنصوبة بالخشب. نظرت من فتحتها إلا أن وجدته ذاك الرجل الذي كان قد خرج لتوه من عندها. صوت صراخ فتاة مستنجدة بأحدهم وها هي تلبي النداء قرعت على الباب بجنون، وتوارت خلف الحائط متأهبة بالعصي. إلا انه فتح الباب صائحاً: "مش قلت مش عاوز إزعاج يا بأف منك ليه إيه الدنيا هتخر....
لم يكمل كلامه إلا أن وعد هوت على رأسه بالعصايه وهي تقول: "وعدتك هجيلك ووفيت." لكمته على وجهه امسكت باصابعه التى كانت ممسكة بوجهه وكسرتهما دون رحمة وظلت ترتوي منه وهي تزأر زئير الأسد. صراخه جعل كل الرجال يحاصروها تباعاً. صاحت هي بالفتاة التى كانت متشبثة بها: "أمشي أنت وخدي باقي البنات وابعدي من هنا." وضعت بكفها مفاتيح قد انتشلتها ببراعة من جيب الرجال وقالت: "أكيد في عربية خدوها وابعدوا." تمتمت الفتاة بخوف: "بس وأنتِ."
صاحت وعد وهي كالثور الهائج تقترب من الرجال: "نفذي اللي قلت عليه وامشي بسرعة يلا." لوت ذراع أحدهما والآخر ركلته بقدمها لتطرحه أرضاً. تملكم الخوف من تلك الفتاة التي لا تهاب أحد كأنها أسد منطلق صعب ترويضه لا يشبع من لحومهم ولا يرتوي من دمائهم. ظلت تلكم ذاك وتركل الآخر، أحاطوها عن قرب كما يحيط الخاتم بالإصبع. ولكن من هم أمام تلك الفتاة التي لا تخشى الموت وإنما تبغاه! من هم أمام قلباً كقلب أسد لا يدري للرحمة معنى!
إنها كالجبال الراسية لا تتزحزح وإن حاول الآلاف الرجال. لهثت بشدة وهي تنظر لهم جميعاً وتزأر. كاد أحدهم أن يقترب ليهوي على جسدها بحديدة ولكنها قفزت لأعلى منقلبة للخلف ومن ثم أمسكت يده لتنتشلها منه بمهارة ورفعته للأعلى وألقت به على زملائه. وفي حين ذلك جاء أحداً من الخلف وأخذ يهوي على مؤخرة رأسها بالضرب المبرح. فـ أمسكت رأسها وهي ترمش بعينيها تحاول الصمود وأستدارت لمن طعنها بالخلف. ومدت يدها التى غلفتها الدماء وكادت بخنقه إلا أنها سقطت على وجهها مغشياً عليها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!