الفصل 19 | من 31 فصل

رواية دموع العاشقين الفصل التاسع عشر 19 - بقلم ندى ممدوح

المشاهدات
16
كلمة
8,128
وقت القراءة
41 د
التقدم في الرواية 61%
حجم الخط: 18

انحدرت قدمها حينما تفتفتت تلك الصخره من أسفلها لتسقط قليلاً، صارخة مستنجدة بـ "يا ررررب". انحدر كفها الأيسر، فشهقت بفزع. أغمضت عينيها بعنف مستسلمة، مهلاً. هي لم تسقط، أنها بخير. لولا تلك اليد لكانت الآن جثة. أنها يد رحيم الذي تمسك بها بقوة من فولاذ. همس بلهجتها: -لا لا، مش هتموتي النهارده. لازم ترجعي لأهلك وأنتِ رافعة رأسك أنك خلصتي المهمة ورجعتي بخير.

يا الله، لولا يده ما كان حالها الآن. لكانت متوفاة من فورها. إن لها عمرًا جديدًا. ابتسمت بأعين ضاحكة. همس هو وهو يجذبها للأعلى: -هااا، يلا يا وعد ساعديني. مش هسمحلك تموتي. هم أن يرفعها، ولكن رصاصة اخترقت ظهره بغتة. جعلته يحدق وهو يكتم ألمه ويغمض عينيه محاولًا الثبات. حاول رفعها، ولكن ما أوهن جسده الآن والدم يفيض من جرحه. صوت قهقهات علت فجأة لعمه جعلته بحالة لا يرثى لها. لا يصدق عمه؟

بلا، أنه عمه. من يخطف ويهرب أسلحة ومخدرات، أنه مجرم عمه. يا الله، لم يتوقع هذا حتى بأحلامه. لقد شك بالجميع إلا هو. هذه هي الحياة، فانتظر الغدر من أقرب ما لك. رفع بصره بوهن متمنيًا أن يكون مجرد تهيؤ لا غير. ولكن خابت كل آماله حينما رآه ينظر له ببسمة تغمر وجهه. شعر كأن الرصاصة تلك اخترقت نصف قلبه وليس ظهره. أضنى الوجع فؤاده وانحصر بداخله. سرعان ما تنبه لوعد التي تجاهد على الثبات.

حاول رفعها بشتى الطرق، مخافة أن تنزلق يدها من بين كفيه. ولكن زاد الألم حده وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة. فأقترب عمه ببسمة غاضبة ماكرة وقال: -سيبها، ولا هتسيبها كيف؟ ما أنت خلاص حبيتها يا ولد جناوي وبتي هااا، خبرني؟ عايز سمعتها تنزل الأرض وتبجي على كل لسان؟ سيبها عشان تعيش حياتك مقابل حياتها. ألتفت له بغضب. لو يمكنه فقط أن يخنقه، أن يسأله لمه لعله يجد ما يريح قلبه ويخمد ناره. وهمس جازًا على أسنانه: -أنت يا عمي وراء كل دا؟

طب ليه ناجصك إيه؟ أخرج عمه سكينًا طعن ذراعه التي تتمسك بوعد. فجز رحيم على أسنانه كاتمًا ألمه وصرخ عمه: -هملها بجولك، سيب يدها؟ # على مووووتي. صرخ بها رحيم وهو يدفع عمه ويحاول جذب وعد التي خارت قواها وضعفت من كثرة ما ضربها قاسم. تصبب العرق منه وأخذ يلتقط أنفاسه بصعوبة. وبوهن تحدث: -ساعديني يا وعد عشان تطلعي، حاولي أنتِ قدها، يلا. همست هي بوهن وبسمة تشرق وجهها:

-مش مهم أموت ولا لا، المهم إني اتأكدت أنك بتحبني. سيبني يا رحيم، سبني. رمش بعينيه مبتسمًا: -أسيبك كيف؟ جوليلي، وكيف الجسد يسيب روحه ولا يبعد ويعيش من غيرها. هم أن يغلق جفونه لتصيح هي وهي تحاول الصعود مستندة على الصخور: -رحيم، أنت بخير صح؟ مش هيحصلك حاجة. إياك تسبني. فتح جفنيه بوهن وابتسم قائلاً بمحبة: -هسيبك كيف يا روح رحيم؟ جولتلك الجسد ميقدرش يفضل من غير روح.

قالها وهو ينظر لعينيها وبكل قوته سحبها للأعلى ليتدفق الدماء من الجرح بغزارة. سعلت وعد وهي تستند بكفيها على الأرضية ونظرت لـ رحيم وجدته غاب عن الوعي. بإنفعال دنت منه وأخذت تضرب وجنتيها بوئيدة وهي تقول: -رحيمممم، رحيم فوق، هتبقى كويس. نظرت للدماء التي تخرج من الجرح فأسرعت بوضع كفها عليه وهي تصرخ مستنجدة.

فاقت من شرودها على صوت صرير الباب يفتح، فتنبهت بترقب، وثبتت بإنفعال ولهفة وروحًا تهفو لتلك الغرفة القابع بها محبوب فؤادها. همست ونظرها يراقب الغرفة تحادث الممرضة: -هو كويس، أنا عايزة أشوفه. وقفت الحجة صفية وغادة بجانبها بإهتمام وترقب. هتفت الممرضة تستعجلهم: -إن شاء الله، ادعوا له بس. محتاجين دم ضروري ومش متوفرة عندنا. فياريت تعملوا التحليل بإسرع وقت عشان لو حد مطابق للمريض. دون تفكير أو تردد أشارت وعد لذاتها قائلة:

-أنا، أنا مستعدة أعمل التحليل وخدوا مني زي ما هو عايز. همت وعد بالذهاب، ولكن يد الحجة صفية منعتها. لتنظر لها وعد بتعجب. فحدجتها بنظرة غاضبة خاوية من كل شيء. نظرة أول مرة تراها مذ عرفتها. فـ يا ترى ما سبب ذلك. بنبرة جافة حانقة قالت وهي تدفعها للخلف: -محدش هنا طلب منكِ حاجة. خليكِ مكانك ويكون أحسن لو فارقتينا.

بنظرة ألم رمقتها وعد وهي لا تعي ما تلك المعاملة الجافة، ولكن عليها التمهل قليلاً والتأني من أجل رحيم ذاك القابع بين الحياة والموت. ذهبت الحجة صفية وغادة من أمامها. تحير فكرها مخافة أن تمنعها الحجة صفية من رؤية رحيم، ولكن فليكن بخير قبلاً. لم تحملها قدماها، فبعجز جلست على المقعد ووضعت رأسها بهماً وغم بين كفيها. تخشى أن يغادرها، فكيف ستحيي بدونه؟ لقد أخذ قلبها وروحها، فهل لها أن تعيش بدونهما؟

إن قلبها النابض ينبض لأجله هو فقط. إنه دنيتها التي تحيا بها، هو مسكنها الذي تقيم به. ولا تريد الخروج فتهلك وتضيع. لحظاااات ودقائق تمر كأنها سنين عجاف، كأن الوقت لا يمر واقفًا. فؤادها، ما أدراكم ما فؤادها؟ إنه ينبض بألم ووجع. صورته وهو مغمض الجفون لا يعي بشيء محفورة بداخلها فتذيبه كـ الجليد.

عادت غادة برفقة والدتها، جالسون بهم. بينما بعد قليل جاءت الممرضة تخبرهم أنه لا يوجد أي منهما مطابقًا له. فتملكهم اليأس والقلق. وتوجهت وعد على عجل مع الممرضة رغماً عن الحجة صفية. فأنقاذ حياة معشوقها أهم بكثير من أي شيء، حتى لو فارقته بعد ذلك لا يهم. الأهم أنه بخير وسيكون بخير.

أجرت الفحوصات وظلت منتظرة على نار، تأخذ الطرقة ذهابًا وإيابًا بقلق ينهش حنايا صدرها، وروحًا تئن خوفًا، ونفسًا فقط تشتاق لمرآه أمامها بخير. تجمدت الدموع بمقلتيها، ولكن صراخ فؤادها كان له صدى يسير الرجفة والحزن بالقلوب. تجمع الفتيات داخل الغرفة ما عدا سمر التي تجنبتهم طيلة اليوم. ومن ضمنهم خديجة التي أبت المبيت مع والدتها، وظلت معهم تقص عليهم قصة جعفر بن أبي طالب "أبو المساكين ذو الجناحين".

كان الوقت بعد منتصف الليل حيث كانوا مستيقظون من أجل السحور لصيام الخميس. تربعت خديجة جالسة أمامهم على الفراش وقالت بحب وأعين تلمع وتبرق بالبهجة والأشتياق: -جعفر يبقي بن عم رسول الله ﷺ. وعن أسامة بن زيد أنه سمع النبي يقول لجعفر: "أشبه خلقك خلقي، وأشبه خلقك خلقي. فأنت مني ومن شجرتي". كان أشبه الناس برسول الله ﷺ.

توفي جعفر يوم مؤتة وفقد ذراعيه، حيث أخذ يصول ويجول في صفوف أعدائه فقطعت يمينه، فمسك الراية بشماله فقطعت، فجمع الراية بعضديه إلى صدره، فتوالت الرماح والسيوف على صدره حتى فاضت روحه. وعن ابن عمر قال: "فقدنا جعفراً يوم مؤتة، فوجدنا فيه بين طعنة ورمية بضعًا وتسعين. وجدنا ذلك فيما أقبل من جسده". أنهت ديجا جملتها بأعين دامعة.

والفتيات يجلسون بصمت ينصتون لها بإهتمام، لا لأنهم لا يعلمون تلك القصة جل المعرفة ويحفظوها على ظهر قلب، ولكنهما يميلون لسماعها مراراً وتكراراً بلهجاً شديد. فما أروعه من مجلس يعطره سيرة صحابة رسول الله ﷺ. تلجلج صوت ديجا وبدت كأنها تفكر، ثم قالت: -مات جعفر وحزن عليه رسولنا. فـ عن أسماء قالت: "دخل علي رسول الله ﷺ حينما بلغه مقتل جعفر بمؤتة، فدعا بني جعفر فرأيته شمهم وذرفت عيناه، فقلت: يا رسول الله، أبلغك عن جعفر شيء؟

قال: نعم، قتل اليوم، فقمنا نبكي ورجع فقال: اصنعوا لآل جعفر طعامًا فقد شغلوا عن أنفسهم". وعن عائشة قالت: "لما جاءت وفاة جعفر، عرفنا على وجه النبي ﷺ الحزن". ذرفت عينان ديجا الدمع وتوهجت عيناها وهي تقول بفرحة: -كان لجعفر منزلة عظيمة بقلب النبي. وبعد وفاته شاع ذاك اللقب بين الصحابة، فقد كان بن عمر إذا سلم على ابن جعفر قال: "السلام عليك يا بن ذي الجناحين". وعن عبد الله بن جعفر قال:

قال رسول الله ﷺ: "هنيئًا لك أبوك يطير مع الملائكة في السماء". وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "رأيت جعفر بن أبي طالب يطير مع الملائكة". وفي رواية أخرى قال: "مر بي جعفر الليلة في ملأ من الملائكة وهو مخضب الجناحين بالدم". ومن حب النبي لجعفر أيضاً أنه لما رجع جعفر وأهله من الحبشة وكانوا قد هاجروا إليها في بادئ أمرهم لما اشتد بهم أذى المشركين، فخرج النبي لاستقبال جعفر فرحًا وكان قد عاد من فتح خيبر،

فقال: "ما أدري بأيهما أنا أُسَرّ؟ أبفتح خيبر أم بقدوم جعفر". عم الصمت يعم الآفاق مرة أخرى دون همس حتى. حتى تثاءبت مكة قائلة وكانت لاول مرة تصوم الخميس: -هو إحنا ليه هنصوم بكرة؟ دا أنا لازم أصحى بدري وكمان عندي تدريب مع دراكولا. قهقت عائشة وأسماء، بينما احتجت ديجا قائلة بحنق: -متقوليش على جوزي كدا. أخرجت مكة لسانها بطفولة وهمست: -بس يابت اتنيلي اسكتي. لوت ديجا فمها ولاذت بالصمت لحظة وصاحت فرحة مسرورة:

-أنا هقولك ليه هنصوم. "ونظرت لأسماء" اسكتي أنتِ، أنا اللي هقول. وضعت أسماء كفها على فمها وهزت رأسها أنها لن تتكلم. وجهت بصرها لـ مكة قائلة بحنو: -لأن صيام يوم الاثنين والخميس تعرض فيهما الأعمال. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "إن النبي ﷺ كان يتحرى صيام الاثنين والخميس". وعن أبي هريرة قال: "إن النبي ﷺ قال: تعرض الأعمال كل اثنين وخميس فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم". وعن أبي قتادة أن النبي ﷺ سئل

عن صوم يوم الاثنين فقال: "ذلك يوم ولدت فيه، وأنزل علي فيه". فهمتي؟ لأن يوم الاثنين ولد فيه رسولنا، ونزل عليه الوحي. ولأن الأعمال تعرض على ربنا فيهم إثنين وخميس، عشان كدا بنصوم. وعشان بناخد أجر وثواب ومغفرة من ربنا وتكفير خطايانا. قاطعتها مكة قائلة ببراءة: -بس أنتِ يا ديجا صغيورة لسه؟ بهدوء أجابت ديجا بنبرة حانية خافتة: -بس أنا بصومهم زي ما كان الرسول بيصوم عشان أنا بحبه. ابتسمت لها مكة بحب، فتابعت ديجا قائلة:

-وهقولك حديث تاني عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: "الصيام جُنة وحصن حصين من النار". نظرت لها ديجا بتمعن وهمست: -بنصوم عشان نتقرب من ربنا ويحبنا ويغفر ويعفو عنا وعشان ينجينا من نار جهنم. وعشان نصوم لازم تكون بنية بأن ننوي الصوم لله. ويقول رسول الله ﷺ: "من صام يومًا في سبيل الله، باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا". يعني سنة. ولأن الصيام شفيع لنا يوم القيامة.

وكمان بيدخلنا الجنة من باب الريان وهو باب يدخلون منه الصائمون. توجهت عيناي مكة واشرق وجهها بسكينة وراحة وقالت بصدق: -الله! كل دا؟ أنا من النهارده وعد مش هسيب صيام إثنين وخميس أبدًا. نهضت ديجا مقتربة منها بمشاكسة وهمست: -وأنا مش هخليكِ متصوميش أصلاً. نهضت مكة هامسة بعدما قبلت ديجا وقالت وهي تتثاءب بنعاس: -هروح بقا أنام. السلام عليكم. دلت قدميها وهمت بالوقوف لتجذبها ديجا من ملابسها وهي تصيح: -لا، ننام سوا.

انصاعت لها مكة وأخذت مكاناً وتمددوا الفتيات بجانبها لتفتح ديجا ذراعيها تضمهم ثلاثتهم بحنان وحب. سرعان ما غفوا وهم يعانفوا بعضيهما. جلست وعد على المقعد تعد الثواني والدقائق، تضم نفسها بذراعيها كأنها تستمد الدفء من نفسها، ولكن أين الدفء إن حصل له شيء؟ أغروقت عيناها بالدمع وتدفق فجأة. لا هي لم تبكِ قبلاً، فقد تعلمت أن لا تظهر ضعفها حتى لنفسها. فهل يفعل كل ذلك الحب بها؟

كم هو قاسٍ يا الله، يا ليتها كانت تعرف معنى الحياة بدونه لما كان حالها وحال قلبها هكذا. فإن قلبها به وجع صعب وصفه. الحب مجرد تلاقي للأرواح والقلوب. لو علموا أن نهاية ذلك أنهم سيعودون أغراب كما كانوا لما تلاقوا. أغمضت عينيها وهي تسند رأسها للخلف وتذكرت شاردة برحيم وصدى صوته اخترق أذنها ليتردد مراراً وتكراراً. "خلي بالك من أمي واختي، دول أمانة عندك".

بسمته الهائمة التي ظهرت على ثغره بعد تلك الجملة انحفرت بثغره بسويداء القلب ذو جرح غائر. وتريث قليلاً وعاد هامساً بخفوت ووهن: "وخلي بالك من وعد وقلب وروح وعد، عشان دي قلب رحيم اللي محدش قدر يكسره أبداً". رفع سبابته مزيحاً دمعاتها، العين تلي الأخرى، ورمش بعينه وهو يغلق جفونه بثقل وهمس: "يا روح رحيم، مش عايز أشوف دموع في عيونك لأنها بتقتلني، فاااهمة؟

خلي بالك منك لأنك أنتِ أنا. ولو حصلي حاجة، إياكِ تسيبيهم يا وعد، خليكِ أنتِ رحيم تاني ليهم، سند وظهر وأمان واحتواء. أنا. أنا." صمت يلتقط أنفاسه وهمس بنبرة متقطعة: "بحبك".

وأغلق جفنيه رحالاً من تلك الحياة الغدارة التي صعب بها أن تجد أحدًا يحبك بصدق. هنيئاً حقًا لذاك الذي يجد شخصًا يهواه، ويا حبذا له بوجوده فيغنيه عن العالم بما جمعت. هيهات أن يجد الشخص أحدًا يكن له الروح حقًا ويحبه كـ نفسه، كـ ظله، كـ هو ولا فرق، يتمنى له الخير ويحفظه دون حروف. لكن إن وجد، فهنيئًا له.

فطر قلبها وارتجف جسدها وارتجف قلبها خوفًا أن يتركها وحيدة بعدما أعد هو عالمها ومملكتها. إنها أصبحت تخاف أن ابتعد وتطمئن أن أقبل. رفعت قدميها على المقعد تحيطهم بذراعيها ودفنت رأسها بهما مجهشة بالبكاء. ساعات تليها أخرى وانفتح باب غرفة العمليات وخرج الطبيب، فهرعت وعد نحوه وكذا فعلت غادة ووالدتها. فبادرت وعد متسائلة بوجل ونبرة لاذعة وهي تكابد أن تبدو بخير وقد كفكفت دموعها: -طمني يا دكتور، رحيم كويس مش كدا؟

بدا الارتياح والسكينة على وجهه الباسم بوهن مما بذل من مجهد وقال: -الحمد لله، هو حاليًا في حالة أحسن بكتير وتعدى مرحلة الخطر، ولكن هيفضل تحت الملاحظة لحين يستعاد وعيه. ادعوا له وحمد الله على سلامته. هوت دموع وعد مصحوبة بضحكة فرحة مسرورة وتوهج وجهها وعادت لها لمعة عينيها. وضعت يدها على قلبها وهمست مغلقة الجفون: -الحمد لله يا رب، الحمد لله.

ونظرت للحجة صفية بحب بإبتسامة. فتلاشت ابتسامة الحجة صفية ورمقتها بغضب. فلم تعطي وعد لها اهتماماً وهمست بحب تعبر عن فرحتها: -رحيم بخير، هيقوم. أنا أنا هروح أصلي وأشكر ربنا. أنهت جملتها وكانت اختفت بلمح البصر. بينما الحجة صفية جزت على أسنانها وهي تكظم غيظها. استيقظت مكة بفزع وهي تنظر للساعة لتعلم أنها تأخرت عنه وما ينتظرها صعب للغاية. نهضت مسرعة وتوضأت لتصلي. وما أن فرغت من صلاتها حتى هرولت للأسفل مقبلة لغرفة التدريب.

دلفت للداخل بحذر تتلفت هنا وهناك، ولكن كان المكان يعمه الهدوء والسكون. لم تجده بعدما بحثت عنه. فوقفت بمنتصف الغرفة هامسة بتفكير: -يا ترى راح فين؟ ولا بيعمل إيه؟ وهيعمل فيا إيه عشان اتأخرت؟ يا ررربي، كان مالي ومال المجنون دا. ثم صمتت مليًا وجابت عيناها الغرفة حتى أبصرت أقرب مقعد فمضت جالسة عليه بتريث وحادثتها نفسها قائلة بوجل: -أكيد بيخطط يعاقبك إزاي، مش هيسكت على تأخيرك دا أبدًا. يا ترى هيعمل فيا إيه؟

قالتها بصوت مسموع ولاذت بالصمت مرة أخرى وزمت شفتيها وهي تفكر. فاتسعت عينيها وتجلى بهما نظرة صدمة وهي تهب واقفة وقد خيل إليها ما سيفعله بها وهمست بنبرة جافة وأعين يلمع بها الدمع: -يا ربي، هيعمل فيا إيه؟ أكيد هيموتني ومش بعيد كمان يعمل مني فراخ مسلوقة. صمتت لثوانٍ وعادت قائلة لنفسها: -بس أنا مش بحب المسلوقة، بحب المشوية. ثم وضعت كفها أسفل ذقنها بتفكير وتابعت قائلة: -ولا يكون هو مش بيحب الفراخ ويعمل مني كفتة؟

يا ترى هيعملني إيه؟ فراخ محمرة؟ طب يا ربي، هيمسكني يقطعني ويأكلني ويهرسني؟ يا مامااااا. # إيه؟ أنتِ اتجننتي؟ بتكلمي نفسك؟ ولا عقلك طار خلاص؟ أنتِ مش طبيعية والله؟ أنا أول مرة أقابل واحدة كدا!! هتف بهما عثمان وهو يدلف من الخارج بشموخ. حتى وقف قبالتها واضعاً ذراعيه خلف ظهره. تلجلج صوتها وتسمرت مكانها وتملكها الإرتباك والتوتر الشديد وقالت موضحة: -أبداً، أنا مش بكلم نفسي ولا حاجة. هو أنا اتأخرت غصب عني.

هتف بهدوء ونبرة باردة: -تمام، مفيش مشكلة. "ثم وهو يوليها ظهره" يلا نبدأ، جاهزة؟ # آه. همست بها وهي تؤمئ برأسها. وصدى كلماته تخترق أذنيها حاصةً تلك الجملة "أنا أول مرة أقابل واحدة كدا". ماذا يعني؟ هل له علاقات مع فتيات أخريات؟ هل يحب إحداهن؟ هل هي لا شيء بالنسبة له؟ قلبه ليس لها؟ ولكن لماذا هو استحوذ بعنوة فؤادها وجثم به؟

أدمعت عينيها وفطر قلبها وأضناه الألم. غابت عن ذاتها، لم تكن معه، كانت شاردة لا تعي شيئًا. فاقت على صوته وهو يتساءل بنبرة باردة بوجه جامد خالٍ من التعبير، ولكن يتوارى خلفه هلع وخوف. ما إن رأى دموعها: -مالك؟ أنتِ كويسة؟ لو مش قادرة النهارده نكمل بكرة؟!

رفعت بصرها به وتلاقت الأعين. ويا ليتها لم تلتقِ، فقد اخترق بصرها فؤاده كـ سهم مسموم من دموعها تلك المتحجرة بمقلتيها. تمنى لو يزيحهم بذاته وأن يعرف سبب ذلك الحزن الذي عتم عينيها الجميلتين اللتين تنعش فؤاده وتبتهجه. هزت رأسها وهي تزيح دموعها التي انحدرت على بغتة وتريثت قليلاً وقالت هامسة: -موافقة، يلا نبدأ وهيكون آخر يوم. قطب حاجبيه بتعجب ودهشة. لا يدري ما أصابها. أتلك هي حقًا التي كانت تجاهد كي تتمرن مفعمة بالحيوية؟

لا ينكر إعجابه بمسكتها بالأمر، ولكن ما بها الآن؟ هز منكبيه بإستهانة وجذب قفازات وقذف بهما إليها وهو يقول: -امسكِ. تلقتها بدورها بصمت وارتدتهم وهي تحذو حذوه. أشار بيده لها كي تقترب وبدأ يعلمها كيف تصد اللكمات وماذا هي فاعلة إن هاجمها شخص من الخلف وقيد ذراعيها. بعد وقت وقف لاهثًا قبالها: -يلا نبدأ، أنا همسك وريني بقا هتضربي إزاي، تمام؟

أومأت برأسها والحزن ما زال يخيم عليها يقيدها، فكانت منطفئة، ليست المجنونة الثرثارة التي طالما عرفها ولا تكف عن الحديث. وقف خلفها مقيدًا ذراعيها، ففعلت كما علمه إلا أنها فشلت. فهمس مكررًا المحاولة: -مفيش مشكلة، مش هنيأس، هنحاول تاني وتالت، يلا.

عاد لتقيدها، فترددت جملته على أذنيها مرة أخرى وانشغلت بها. فهمت أن تمسك بيده وتلويها، فلم تستطع لقوة بنيانه. فكان كـ لوح ثلج صعب زحزحته وصعب ذوبانه. فمن هي تلك النحيلة الضئيلة أمامه؟ ولكنها لا تنكر أنها حقًا تعلمت الكثير والكثير منه. همت وهي تدفعه أن تسقط، فجذبها هو من خصرها إليه، فأصبحت قريبة منه للغاية، لا يفصل بينهما شيء. وتعلقت الأعين وألتقى الأرواح وتحالفت القلوب بعهود العشق وما شبه.

هلكتها أنفاسه القريبة، فأغمضت جفنيها تحاول الثبات أو أن تبتعد. كابدت على ذلك فلم تستطع، فكل ما به ينطق باسمه. فتحت جفنيها تتلاقي بعينيه الهائمتين بها بحنان وهمست بحروف متقطعة: -أنا بـ حـ ـبـ ـك. اتسعت عينيه وحملق بها وخفق قلبه سريعًا. ابتعد للخلف خطوتين، فتلعثمت هي وقالت بخفوت وصدق:

-أيوه، أنا بحبك. مش عارفة حبيتك امتى، بس بحبك. أنت أنت بقيت كل حاجة. قلبي بقي ينبض باسمك وروحي. أنت بقيت سعادة نفسي وراحة قلبي وسكينة روحي. لاذت بالصمت، وأنسدلت دموعها ببطء. بينما أغمض هو عينيه بصراع مع ذاته وبدا كـ المتفكر. لذا فتح عينيه بوجه مرعب وأعين تحيطها هالة مخيفة محمرة. ودنا سريعًا جاذبها من مرفقيها: -أنتِ هبلة ولا بتستهبلي؟ حب إيه دا؟ ولمين أحبك أنتِ؟

رفعت نظرها بصدمة. لم يكن المقبض مساويًا لألم فؤادها وقلبها الجريح وكرامتها. تحاشى النظر لعينيه واتسعت ابتسامة هازئة ساخرة على جنب فمه وهو يقول: -ليه رخصتي نفسك كدا؟ ولاها ظهره، وسهام ورماح تخترق صدره بلا هوادة توخزه دون رحمة. وتلجلج صدره وتابع قائلاً: -أنا مش بحبك وعمري أصلاً ما أفكر إني أحب. ومين أنتِ؟ لا لا، اللي بتعترف بحبها تبقى رخيصة ومتستاهلش.

أمسكت ذراعه لتديره تجاهها ورفعت كفها تود صفعه، ولكن كفه كان أسرع، فأمسك بذراعها حائلاً قبل الوصول لوجنته. وبأعين يتطاير منها شرار الغضب همس بصوتاً مخيف: -لا عاش ولا كان اللي يرفع إيده عليا، أنتِ سامعة؟ أنا أمحيكِ في ثانية؟ نظرت له بجمود ونظرات خالية وهي تقول بثبات وقوة: -أنت مفكر نفسك مين عشان تهني بالأسلوب دا؟ يا أخي ملعون أبو الحب اللي يزل صاحبه كدا!

الحمد لله أظهرتلي إنك متستاهلش حبي ولا قلبي أصلاً. ولا تستاهل إنك تتحب. أنت مين أصلاً؟ واحد متكبر وشايف نفسك معرفش على إيه. بسط راحة يده وقبضها وبرزت عروقه بغضب هادر وقال بصوتاً أشبه بالفحيح: -امشي. امشي يا مكة من قدامي دلوقتي. عقدت ذراعيها وهي ترمقه بنظرة ثاقبة وهمست بعند: -لا مش ماشية، وريني هتعمل إيه؟ # قووووولت أمشي من قداااامي.

صرخ بها بصوتاً عالٍ وهو يرفع يده ويهوي بها على لوحًا من الزجاج الذي كان مصنوعًا به الطاولة. أنفزعت وهي تسد أذنيها وتنتفض للخلف صارخة معه. وقف لاهثًا أمامها كـ الثور الهائج وصوت أنفاسه يعلو وعينيه تتسع. وبسط كفت يده التي يسيل منها الدم. هوت دموعها تهوي هوياً بخوف وأقتربت مجهشة بالبكاء وهي تتمسك بكفته بقلق تكتم الجرح بكفيها وهي تهمس بشهقات تتزايد ونحيب يعلو: -وجعك صح؟ طب طيب ليه عملت كدا؟

حرام عليك والله حرام عليك، ليه تعمل فيا كدا؟ أنا مقدرش أشوفك بتتألم، قلبي بيوجعني. تبدلت نظرته الغاضبة لنظرة حانية عاشقة. أخذت بيده وأجلسته وهو تاركًا ذاته لها دون معارضة. أسرعت تجيء بعلبة الإسعافات الأولية وضمدت جرحه ولفتها بشاش أبيض. ونظرت له بأعين معاتبة. طالعها هو بنظرة مؤلمة أسفة مغممة بالأسى. يود أن يطلب السماح، يود أن يعاقب نفسه لأنه كان سببًا في دموعها العزيزة على قلبه.

يا ليتها تدري أنه وجع فؤاده وأماته وجاء عليه قبل أن يقول ذلك. فهو حكم على قلبه بالعذاب وحرقة الألم وجرحًا لن يلتئم. أدمعت عينيها وفاقت لذاتها وهي تتذكر كلماتها. فهرولت من أمامه باكية. أغمض عينيه متأسفًا كاسف البال. يدق قلبه دقًا عنيفًا يصرح يريد اللحوق بها واحتوائها بين جدرانه.

نظراتها المنكسرة التي طالعته بها وعينيها التي بثّت له الكره ودموعها الجارحة وقلبها الهزيل دق حصون قلبه بقوة، فحكمه فانتزع قلبه منه وانسحبت روحه تهفو إليها تطوف حولها. صعدت مكة مهرولة لغرفته ولجت غالقًة الباب خلفها وهرعت متوارية بفراشها تبكي بصوت يقطع نياط القلب بداخل حناياها نار مقيدة تأبى أن تخمد. فطر قلبها وأخذت دموعها تنحدر بلا تأني. كلماته ما زالت تتردد على مسامعها كأنه يصرخ بهما ولا يكف. فانعدلت

صارخة وهي تصد أذتيها: -ببببببس! كفاية بقا. أنا عملت كدا إزاي بس؟ والله مش عارفة، أنا ليه اعترفتله؟ يارررب. بكت كما لم تبكِ قبلاً بدموعًا ليس لها نهاية. لا تدري كيف نطقت تلك الكلمة، كيف خرجت حروفها من فمها؟ لم تفكر يومًا أن تخبره، فما بالها الآن؟ لما اعترفت؟ هي ليست سائغًا سهلاً، هي غالية، غالية للغاية. ربااااه! كلماته كـ سكين ينغرز بفؤادها ويخرج ويعاد طعنه. أهذا هو حبيبها؟ الذي عشقته؟

ها هو أهانها دون أن يعبئ بكرامتها. كيف أحبته؟ كيف لقلبها أن يلهج بعشق شخص كهذا قاسي القلب؟

ولج هو لغرفته كالح الوجه وأخرج حقيبته ونقل بها كل ملابسه من الخزانة. حينما انتهى من إعدادها أغلقها ووضعها جانبًا. وجلس على طرف الفراش واضعًا رأسه بين كفيه. وأسبلت عبراته واعتلج الهم صدره. انغمس بالآحزان وجرحه الذي يؤلمه ولا يدري كيف يداويه. روعة أصبحت كتلة من نار، يريد أن يعاقب نفسه التي آذاها بتلك الطريقة، لكنها غالية، غالية للغاية. ويجب أن تدري أنه هو من يبادر باعترافه وليس هي.

لا يريد الارتباط به ولا أن يرحل ويتركها خلفه تتعذب بقلب لن يدري للسعادة شيئًا. لذا عليه الابتعاد قدر الإمكان. بدل ملابسه وذهب لعمله وظل يعاقب نفسه بما لا تستطع عليه صبرًا. فقلبه مريض بعشقها. تجلس أسماء كعادتها على المرجوحة بحديقة الدار، منشغلة الذهن بـ مكة التي لا تدري ما بها وآبت أن تتحدث وتخبرها ولم تبرح فراشها. ممسكة بين كفيها إحدى الروايات لكنها غير منتبهة لأي شيء. # أي دا؟ هي الكتب بقت تتقري بطريقة تانية؟

قالها حذيفة المقبل نحوها وهو يرى الكتاب مقلوبًا. فرفعت نظرها به بعدما وقف أمامها وهمست سائلة: -طريقة تانية ليه؟ مش فاهمة؟ همس وهو يجلس بجانبها: -القمر سرحان في إيه؟ وإيه اللي شاغل عقله؟ توردت وجنتيها وزاد توترها وارتباكها وارتج فؤادها ودقت بعنف وازدلت ريقها وهمست باسمة برقة وغباء: -مين القمر؟ يا الله! قربه مهلك، يجعلها تحلق بالآفاق، كـ نسمة عطرة باردة هلت فجأة لتنعشها وتنعش فؤادها. همس وهو يتمعن النظر بها:

-مين القمر؟ بتسألي؟ هو في قمر غيرك هنا؟ قمر ينير قلبي وعقلي وسمايا؟ دا أنتِ نجمتي الساطعة اللي بتنير حياتي، لولاها لكانت حياتي وقلبي كاحلة السواد. توردت وجنتيها وتألقت عينيها ببسمة ساحرة وتوهج فؤادها مسرورًا وغضت بصرها وفاق توترها الحد وهمست: -شكراً. قهقه رغماً عنه وهمس: -إيه يا حبيبتي شكراً؟ العفو يا ستي. # قولت الكلام دا لكام واحدة قبلي؟ همست بها أسماء وهي تتحاشى النظر له وقد انطفأ توهجها.

سؤالًا كان يحيرها وما زالت حائرة الفكر به. تغلي الدماء بأوردتها من فكرة أنه قد قالها لغيرها. حقًا ستتحطم وستنكسر كليًا وستصبح جثة لا حياة بها. صمت قليلاً بتريث وتلجلج صدره ونظر أمامه بالفراغ. وعلا صوته قائلاً: -ليه السؤال دا؟ تنحنحت قائلة وهي تنهض بهدوء مبتعدة قليلاً وهمست: -لازم أعرف، هتفرق كتيررر. وقف بدوره مقتربًا منها وقال بعد صمت دام لدقائق:

-الماضي مش هيفرق، الحاضر بس هيفرق معاكِ ومعايا. الماضي راح وأنتهى. أحنا دلوقتي في الحاضر وبس. وأي كلمة هقولك بتكون من قلبي، قلبي اللي بينطق بيها قبل لساني. كلام بحس بيه فبقولهولك. واعرفي، لا اتأكدي إن مفيش ولا واحدة قبلك ولا هيجي بعدك واحدة هقولها أي كلمة من قلبي. ألتفتت ناظرة له بتمعن وهمست وهي تفرك يديها: -هو أنت أي بنت كلمتها... صمتت بتوتر وارتباك ولم تدري ما تقول فـ لاذت بالصمت. فحثها على الإكمال قائلاً:

-قولي، مالهم البنات؟ # عملت مع أي واحدة علاقة؟ همست بها سريعًا مخافة أن ينعقد لسانها مرة أخرى. هز رأسه نفيًا وبصدق تابع: -لا لا والله موصلتش لكدا. آآه بكلم وبخرج وممكن أه بقول بحبك ومعرفش إيه والكلام الحلو دا، لكن غير كدا لا. رفعت بصرها بعينيه وهمست بنبرة لاذعة: -بجد ولا بتقول كده وخلاص؟ هز رأسه أسفًا و ولاها ظهره هامسًا بضيق: -أنتِ ليه مش بتثقي فيا؟ فين الثقة اللي بينا؟

وعشان تطمني "استدار مقتربًا منها ونظر بعينيها وتابع": والله ما بكذب عليكِ ولا كان في بيني وبين أي واحدة علاقة. اطمني، قلبي وأنا ملاكك أنتِ وبس. توردت وجنتيها بحياء فغضت بصرها بإرتباك. أقترب ممسكًا بكفها فأرتعشت وسحبت يديها سريعًا وهي تقول: -لا يا حذيفة حرام كدا. قطب حاجبيه وتساءل بتعجب: -حرام؟؟ أنتِ هتبقي مراتي. همست باسمة وهي تتطلع لمحياه: -هبقى لكن لسه؟ ولحد ما أبقى فـ حرام، أنت ابن عمي يعني. قاطعها مكملاً جملتها:

-ابن عمك وابنك واخوكِ وحبيبك وزوجك إن شاء الله. ومبسوط إنك من نصيبي ومش مصدق إنك هتبقي ليا. دا حلم كان بعيد أوي صعب أوصله. صمت بعد تلك الجملة لتنظر له بتعجب وحثته على الكلام قائلة: -ليه صعب؟ أقترب من أذنها هامساً بسرعة: -هقولك لما تبقي مراتي. وغمز لها بمكر واستدار ناحية الأرجوحة جالسًا عليها وألتقت الرواية قائلاً: -أما شوف بتقري إيه!! وحش الغابة؟ أنتِ بتقري رعب؟ مش خايفة؟

قالها بتعجب شديد وهو يصرف بصره عليها. فابتسمت وهي تقترب جالسة على طرف الأرجوحة بعيدًا عنه وهمست وهي تجذبها من يده: -وحش الغابة هي... آه، رعب شوية بس رومانسية كمان وجميلة. وبتتكلم عن السحر. تسأل بذهول: -سحر؟ ليه؟ هو في حاجة زي كدا؟ أومأت برأسها مؤكدة:

-السحر موجود وياما أمراض ناس وفرق أزواج وموت ناس. السحر دا بيعملوه الناس الحاقدة اللي بتغير. يا ما يعملوه بالمرض ويفضل الإنسان مريض ومفيش أي دواء جايب نتيجة. يا ما بالموت، يا ما بيفرقوا بيه الزوجين. حاجات كتير أوي. هز رأسه غير مقتنع بكلامها وقال: -لا لا مفيش حاجة زي كده أكيد!! ابتسمت بتفهم وهي تقول: -في يا حذيفة، في بيوت كتير مبتلية بالسحر دا، ربنا يفرج عن الجميع.

أمن لقولها ونظر لها هائمًا والفرحة تغمر روحه. تأملها بحب. تنبهت لشروده بها فهمست بتساؤل: -مالك بتبصلي كدا ليه؟ أزدلت ريقه ونظر لها بأعين تتألق وتسطع بعشقها وقال بمشاكسة: -دا عيوني؟ مش أنا بتسأليني ليه؟ اسأليهم هما. لوت فمها بحنق وهمست محتجة: -يعني أسأل عنيك إزاي أنا؟ # أنا جعاااان. قهقت رغماً عنها وهمست من بين ضحكاتها: -طب ما تروح تأكل؟ إيه اللي منعك؟ ابتسم هامساً وهو يعتدل بجلسته مقابلًا لها:

-اللي منعني إن ماما بتطلب تهتم بابنها. تصنعت الإنزعاج وهمست: -لا لا، أخص عليها. ملهاش حق تنسى ابنها؟! # قوليلها ياااختي. همس بها حذيفة وهو ينظر أمامه متصنع الزعل. وثبت أسماء قائلة: -ماما أصلاً متقدرش تنسى ابنها. هي محضراله اللي بيحبه.

تجلس ديجا على الفراش تضع قبضة يدها على قلبها التي تضم بها ورقة كأنها تخشى على شيئًا عزيزًا للغاية فتضمه لفؤادها. أضنى الحزن فؤادها وتدفقت الدموع من عينيها وهي تتذكر عبد الله وقتما قبل أن يصعد السيارة ضم رأسها بين كفيه وتسال وهو يجثو على ركبتيه أمامها: -خديجة، أنا لو وصيتك على حاجة تعمليها أول ما ترجعي، وأنا متأكد إنك هترجعي لأهلك بخير إن شاء الله.

هزت ديجا رأسها وهي مجهشة بالبكاء. ليخرج عبد الله ورقة ورفعها أمام وجهها قائلاً: -الورقة دي فيها عنوان بيتي. لو حصلي حاجة ومرجعتش، روحي قوليلهم يسامحوني لأني السبب في كل دا. وخلي بالك منهم، أنا متأكد إنك هتخلي بالك منهم لأن قلبك كبير وأبيض. ولو رجعت وجيتي هنتقابل. بس لو مرجعتش ادعيلي دايماً واوعي تنسيني، خليكِ فكراني ومتنسيش من دعواتك وسامحيني.

علا نحيب ديجا وهي ترتجف. فلثم عبد الله جبينها وضمها لصدره بحنان أب وهم بالابتعاد. لتتمسك ديجا بملابسه وشهقاتها تعلو ونحيبها. ربت عبد الله على يدها وقال بتعجل: -لازم أمشي يا ديجااا ومتنسيش اللي قولتلك عليه. قالها ودموعه تهوي هوياً على وجنتيه وابتعد عنها مستقلاً السيارة. فاقت ديجا على يدًا تهزها بقوة وصوت لمار تقول بهلع: -دددديجااا، مالك يا حبيبتي؟ بتعيطي ليه؟ في إيه؟

علا بكاء ديجا وهي مغمضة الجفون. فأخذتها لمار بين ذراعيها وجلست وهي تضمها أكثر لصدرها. ربتت على رأسها متسائلة بقلق وقلب يتألم كأن دموعها أسهم تخترق فؤادها فتترك به أثرًا لا يزول: -ديجااا، مالك؟ حد زعلك طيب؟ هزت ديجا رأسها وشدت من قبضة ذراعيه حول عنقها وهمست بصوت مختنق من كثرة البكاء: -عمو عبد الله. جاهدت كي تتذكر ذاك الاسم لاسيما قد استمعت إليه قبلاً. جاهدت لمعرفة من صاحبه. فهمست وهي تحاول التذكر:

-عبد الله، متهيألي إني سمعته قبل كدا بس مش فاكرة فين. ابتعدت ديجا وقد هدأت قليلاً وقصت عليها كل شي. انحصر الألم قلب ديجا وأضناه الوجع مصحوبًا بالأشتياق والحنين. ودت لو تراه، أن تطمئن عليه فقط؟ أن ترتوي من ملامحه وتسكن قلبها الهائج، أنه بخير. علت وجهها ابتسامة مشرقة. ووقع تلك الكلمات على قلبها كما تقع قطرات الماء على أرض يابسة متلهفة للسقيا.

"خلاص ولا تعيطي ولا أشوف دموعك الغالية دي، إحنا هنروح نطمن على عيلته وعليه. وليكِ عليا لو مرجعش أنا مش ههدا غير لما ألاقيه وأشكره إنه رجع لي قلبي اللي كان غايب ونفس اللي بتنفسه". قالتها لمار وهي تزيح دموع ديجا التي توهجت ببريق البهجة. فبشاشة قالت ديجا والفرحة تطل من عينيها: -بجد والله هنروح؟ داعبتها لمار من وجنتها تشاكسها وقالت بحب: -بجد والله هنروح، كله إلا زعل بنتي حبيبتي. وكمان هنمشي دلوقتي.

صفقت خديجة بكفيها بقلب يتراقص فرحًا وروحًا تهفو للقاءه. عانقت لمار وظلت تقبلها بحب. دقائق واخذتها لمار ليستقلوا السيارة وتنطلق للعنوان المدون بالورقة بعدما أخذتها من ديجا التي كانت تضمها كـ شيء غالي تخشى فقده بقوة تود لو تخبئه أو كأن قلبها هو ما بين قبضتها؟

ترجلت لمار من السيارة بوئيدة تتلفت حولها وعينيها تتفحص تلك الحارة التي مبانيها رثت الهيئة، والوحل الذي غطى على عجلات القيادة حتى قدميها لم تسلم منه. تطلعت بالمكان بريبة. ضجة عالية أتت من خلفها لتلتفت برأسها إذ بأطفال كثيرة تلهو بفرحة وضحكاتهم تعبئ تنشر البهجة. فأبتسمت تلقائياً بسعادة وراحة. تنبهت لصوت ديجا لتستدير ممسكة بالباب وبسطت كفها الآخر وهمست: -هااتي إيدك يا ديجا وانزلي براحة.

أنصاعت ديجا على الفور ووضعت كفها بكف لمار وترجلت بتريث وترقب وعينيها تتفحص المكان بغرابة وتعجب. رفعت رأسها تود أن تعلم ما ذاك المكان ولما المنزل بتلك الهيئة فتساءلت ببراءة: -خالتوا لمار، هو عمو عبد الله ساكن هنا ليه البيوت كدا؟ نظرت لها لمار بتريث وبدا عليها التفكير وهمست: -أه، هنا البيت أكيد.

ثم صرفت بصرها للطريق وحينما مرا من جانبها أحد سألته عن منزل عبد الله الذي كان كاملاً بالورقة. وأشار لها الرجل على مبنى رث الهيئة بعيدًا كم خطوة لا غير. فشكرته لمار وقبضت على كفت ديجا وأخذت بيدها هنالك. ارتقيا الدرج للدور الذي به الشقة وطرقت لمار طرقات خفية، فآتاها سكون فقط. فعادت الطرق مرة أخرى ولم تجد رد وسكون آتٍ من الداخل كأن لا أحد يسكن به.

صوت صرير باب آتٍ من خلفها جعلها تتنبه له، فـ استدارت إذ بالشقة الأخرى تفتح وتطل من خلفه امرأة غمغمت قائلاً وهي تنظر لهما بتفحص: -مفيش حد في الشقة. أنتِ عاوزة مين؟ تقدمت لمار بضع خطوات بـ ديجا وهمست باسمة: -كنت عاوزة عبد الله أو زوجته. متعرفيش فين ألاقيهم؟ كسى الألم وجه المرأة وقالت بنبرة مفعمة بالحزن: -يا عيني عليها أم سيد مبترجعش من المستشفى ببنتها وسايبة باقي عيالها عند أختها. وسي عبد الله من يوم ما غاب مرجعش.

ضغطت ديجا بألم على كف لمار وضنى الوجع فؤادها وأسبلت عينيها. التفتت لها لمار تطمئنها بنظرة ولسان حالها يهتف بقلق: -طيب متعرفيش المستشفى فين؟ # أعرف يا حبيبتي أمال معرفش إزاي؟ دا أنا كل يوم عندها؟ ثم صمتت قليلاً بدا بتفكير وتساءلت: -أوصفلك الطريق ولا تستني أروح معاكم؟ تبسمت لمار قائلة: -هستناكٌِ مفيش مشكلة ونروح سوا لأني مش هعرف المكان هنا. بادرت المرأة بفتح الباب لآخره وتنحت جانبًا مشيرة بيدها للداخل مرحبة ببهجة:

-تعاليوا اتفضلوا شرفونا لجوه لحد ما أغير بس. بشكر وامتنان قالت لمار باسمة الوجه والعينين: -لا لا شكراً، أنا هستناكِ تحت في العربية. أقتربت المرأة تجذبهم للداخل وهي تقول بانفعال: -لا والله أبداً ما يحصل، لازم تدخلوا متستنوش في الشارع. انصاعت لمار ودلفت معها إلى أن بدلت ثيابها ورحلوا سوياً حيث المستشفى. لم تكن بعيدة نسبياً عن تلك الحارة. فوقفت السيارة بعد وقت وترجلوا يسيرون خلفها.

هالها منظر المرء خارج المستشفى، فعدد هائل جالس منهم من يبكي ومنهم من يضع رأسه بهم بين كفيه. فما أن دلفت للداخل وخزها فؤادها وهي ترى صريخ أم تحمل طفلها بين ذراعيها تبكي. توجهت لمار لرؤية زوجة عبد الله التي رحبت بها بشدة وعرفت خديجة. فقد كان عبد الله قد أخبرها بكل شيء عن ذاك العمل الذي وقع ضحيته هو. فرحبت بها بشدة.

جلست خديجة بجانب ابنة عبد الله الذي دائمًا ما كان يحكي عنها لها. كانت شاحبة الوجه مدعوجة العينين وهنة نحيلة جدًا. بعد وقت قررت لمار نقل الطفل بمستشفى يوسف حتى تتم العملية، بينما بكت بحرقة زوجته وهي لا تصدق أن طفلتها ستفعل العملية.

توجهت لمار بعد ذلك لمدير المستشفى وتبرعت. ورنت بـ يوسف تطلب منه سيارة لنقل الطفل ولبى النداء ولم يخب. فما هي إلا دقائق ووجدت أخاها يقبل عليهم وتم نقل الطفلة للمستشفى. وكُلفت لمار أشخاصًا بالبحث عن عبد الله. جلسوا الفتيات بجانب بعضهم يتسامرون وهم يعدون الطعام. بينما أتاهم صوت ياسين المتعض هاتفاً: -يعني إيه ماشي؟ أنت اتجننت؟ هرعوا الفتيات للخارج فرأوا ياسين يحاول منع عثمان الذي ممسك بحقيبة ويبغي الخروج.

هتف عثمان بصوتاً حانق: -ابعد يا ياسين لو سمحت وسيبني امشي. دفعه ياسين من صدره للخلف وهو يصرخ به: -هو إيه اللي أسيبك تمشي؟ مش هتمشي. زفر عثمان بضيق وقال بهدوء: -ياسين، مش هاغيب كم يوم كدا بس وهرجع، صدقني. بعد منازعات ووقت دام لدقائق صدح صوت أدهم صارخًا بهم: -في إيه؟ أقترب من عثمان متسائلاً بدهشة: -وأنت رايح فين بشنطتك؟ نفخ عثمان بضيق وتحدث وهو يصرف بصره على مكة وراح يرتوي منها: -مفيش، بس هروح شقتي كم يوم كدا وراجع.

خفق قلبها لقوله وأدمعت عينيها. صرخ أدهم به: -لملم هدومك كلها عشان كام يوم بس؟ أنت بتستهبل؟ وبعدين إيه السبب؟ مفيش حد هيطلع؟ أقترب عثمان منه هامسًا له بهدوء: -معلش يا عمو خليني أمشي، صدقني أول ما أحس إني هقدر أرجع هرجع. لاحظ أدهم نظراته لمكة وفي ذات الوقت نظرات مكة التي يغلفها الحزن والألم والكسرة والوجع. فتنهد مفسحًا الطريق له وضرب على كتفه قائلاً: -روح وهجيلك نتكلم. أومأ عثمان بينما صاح ياسين بغضب: -يعني ااايه يروح؟

أنت سمعت قلت إيه؟ ربت أدهم على كتف ياسين قائلاً: -سيبه وخلينا نبقي نروح نتكلم معاه ونعرف السبب. كانت عينه لا تحيد من عليها يرتوي منها ويحفر ملامحها أكثر وأكثر بقلبه ويغمر روحه من عينيها التي تبث له السعادة. وغادر فـ أنسدلت دموعها واحدة تلو الأخرى بحرقة على حبها الذي ضاع على كرامتها التي انهدرت وصعدت هاربة من أمام الجميع تلوذ بغرفتها تبكي وتبكي وهي تتخيل نظراته الحانية حينما أنقذها، كيف كان ملهوفًا عليها؟

أحقًا ذاك القلب لم يهواها أم أنه يخبئ شيئًا ما؟ أمسكت هاتفها بعد وقت متصلة بأحد ما تطلب منه اللقاء. فمن هو؟ و على ماذا تخطط؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...