الفصل 12 | من 31 فصل

رواية دموع العاشقين الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ندى ممدوح

المشاهدات
16
كلمة
8,840
وقت القراءة
45 د
التقدم في الرواية 39%
حجم الخط: 18

أشرقت الشمس بأشعتها الذهبية لتنشر ضوءها في الأرجاء. تململت وعد بكسل. خفقات مترددة قلقة استحوذت ثنايا قلبه وهو يراها شاحبة هكذا. فخرج دون أن ينبس ببنت شفة. ولم يطل غيابه وعاد على الفور بزجاجة ماء. مد يده قائلاً: "اتفضلي، خدي شربي. أكيد مش شربتي ولا أكلتي اليومين اللي كنتِ فيهم معاهم." رفعت رأسها قليلاً لتقابل عينيه وعقدت حاجبيها قائلة بتساؤل: "وأنت عرفت إزاي؟

قالتها وهي تتناولها منه وتشرب. حمدت ربها بعد ذلك وملأت كفها لتغسل وجهها، فشعرت بالنشاط قليلاً. جلس هو عن كثب وهو يجيبها بعد أن صمت لدقائق: "ماهو خطفوكي، أكيد هيقتلوكي. هيعملوكي إزاي مثلاً؟ تنهد بصوت عالٍ متسائلاً: "بس السؤال الأهم هنا، إنتِ عرفتي إيه؟ "وأنت بتسأل ليه؟ ويخصك في إيه؟ لم تجبه، فكيف تعطيه الأمان وهي لا تدري عنه شيئاً؟ لتزفر بضيق قائلة عندما جاءها ذاك السؤال: "هو مين ده؟

بيتكلم مصري كويس، أظن هو مش صعيدي. هل هو ظابط؟ ولكن كيف؟ لكان علمت قبل حتى أن تأتي." نظرت لها بعينين يتجلى بهما الاهتمام وبنبرة مهتمة قالت: "أنت من القاهرة؟ قطب حاجبيه وحرك يده بتساؤل: "القاهرة؟ شمعنى يعني؟ عشان لغتي وكده؟ أومأت برأسها ليردف بهدوء: "أيوه، أنا من القاهرة بس عايش هنا." "غريبة، سايب القاهرة وعايش هنا؟ قالت وهي تنظر له، لتشير لوجهه قائلة: "أنت ليه متلثم؟ شيله! أزدَردَ ريقه بتوتر شديد وهمس بارتباك:

"عادي يعني، أنا بعمل خير وكله لربنا سبحانه وتعالى، فمش عايز حد يعرفني." لم تصدقه، وإنما أنتابها أن هناك أمراً آخر. لتبتسم قائلة: "ماشي، بس أنت ليه مابلّغتش عن الناس دي؟ ليقول ساخراً: "أبلغ؟ أبلغ مين؟ هنا مفيش حد مستعد يخوض حرب معاهم." "قومي نمشي عشان أوصلك، بقيتي أحسن." ابتسمت له بهدوء قائلة: "آه الحمد لله. طب مش هعرف حتى اسمك إيه؟ نظر لها ملياً بتفكير وقال: "الملثم. ناديني كدا." نهضت بتثاقل تحاول تحمل

الألم وتساءلت مرة أخرى: "شكراً إنك ساعدت." هز رأسه وهو يسير أمامها مشيراً له بتتبعه حتى يأمن لها الطريق. بداخلها ألف عاصفة من البرق والرعد تريد أن تعلم اسمه، أن تدري من يكون، أن ترى وجهه حتى تتمنى بصدق ذلك. لاح لها ذكريات الأمس، كيف ضحى بنفسه لإنقاذها. ياترى لو كانت وحدة أخرى هل كان ليفعل ذلك؟ ابتسمت ساخرة بداخلها وهي تقول: "وهل هو يعرفني؟ هو جاء لينقذ من يحتاج المساعدة فقط. لماذا أشغل بالي به؟ من هو ليقتحم تفكيري؟

تنبهت لذاتها حينما تعثرت قدمها ليتلقفها هو بيده قائلاً: "على مهلك، انتبهي." أومأت برأسها، وانتبهت بكل حواسها وهو يهمس: "أنا مش هقدر أوصلك لداخل القرية، بس هسيبك قريب يعني. تمام كدا؟

أومأت برأسها باقتضاب شديد. وذكري الأمس لاحت أمام عينيها. مهلاً، فقد جلس أمامها محيطاً إياها بكفيه من تلك العاصفة التي هلت. ابتسمت دون وعي وهي تحاول أن تشغل ذهنها بأي شيء آخر. شعرت بالدوار من السير وعدم الطعام وجسدها الهزيل. فكادت بالسقوط لتسرع يده بإلتقاطها ويساندها لتكمل. ولكن زاد الدوار بها حتى شعرت بالإغماء والشمس الحارقة، ليحملها وهو يكمل طريقه. لتغمض عينيها مستسلمة للإغماء وهي تضع رأسها على كتفه بسكينة وأمان. لم تعهدهما من قبل، وهي التي كانت دوماً أمان للجميع.

همست وعد وهي غافية تماماً دون وعي: "طب أنت هتسبني ومش هشوفك تاني ليه؟ هم بالإجابة ولكنه سمع صوت أنفاسها المنتظمة فعلم أنها فقط تهذي بكلمات لا تعيها. ليبتسم بخفوت. شددت يديها على عنقه وهي تهمس: "أنت فين يا ياسين؟ تهجمت ملامحه بالغضب لتتحول عيناها لشرارات نارية وهو يتساءل بداخله: "من ياسين؟ ولماذا تريده؟ فالشخص في عز احتياجه يكون أحوج لأكثر أمان له بالحياة، فمن ياسين؟ من أمانها ذاك."

تجمع الجميع حول بلال الراقد على فراشه، ملفوفة إحدى قدميه بالشاش. تجلس جواره لمار، ضمه رأسه بصدرها. اعتلى أنس الفراش جواره ولطمه على وجنته بخفة قائلاً بغيظ: "كدا كسرت ضهري يا شيخ! من المستشفى لـ هنا ارحموني، أنا داخل على جواز." صرخ بلال بوجهه، بينما ردت لمار الضربة لأنس قائلة: "أياك ترفع إيدك عليه تاني." لوح لها أنس بغيظ وهو ينهض واقفاً بجانب حذيفة ليقول: "أيوه أيوه، أفضلي دافعي عنه أنتِ لحد ما يوقعنا." نظرت

له لمار بنظرة حادة قائلة: "أنت شكلك اتوحشت التدريبات ولا إيه؟ اكتسى الخوف وجه أنس ورفع حاجبه لها قائلاً: "ياااا اختي بقولك داخل جواز، جواز. عايزة إيه يعني؟ عايزة الولية تقول عني إيه؟ عريس خرع متشلفط. حررررراااام يا بشر." لوى فمه وهو يلوح لها قائلاً: "وربنا لنا ماشى، مش مستغني عن نفسي أنا." استند بلال على يده ليرتفع قليلاً ويقول بغيظ له: "أحسن بردوا، هوينا." ابتسم أنس واضعاً يده اليمنى على صدره قائلاً بامتنان:

"تسلم يا حبيبي، تسلم يا غالي، تسلم يا خويا. دا من ذوقك." حك بلال رأسه بدهشة ورمقه بتعجب وهو يقول: "أنا بشتمك على فكرة." استدار أنس متأهباً للمغادرة ورفع يده ليضربه على مكان الجرح وهو يقول: "عارف ياباشا، لما يجي ياسين بس." "اااااه." تأوه بلال متصنعاً الألم ليلتقط وسادة من جواره ويلقيها عليه وهو يقول: "امشي من قدامي. لما يجي ياسين بس."

ضحكت لمار من قلبها بينما غادر أنس. لتهمس وهي تنظر لطيفة الذي غادرها بتمني وصدق، وعيناها لا تحيد عن تلك النقطة: "ربنا يداوي قلبك المجروح يا أنس. بتضحك بس من جواك ميت. يارب يرزقك ببنت الحلال اللي تنسيك اللي مالكة وساكنه قلبك. لو أعرف مين هي بس."

وتنهدت بضيق. فما أصعبه هو من ألم أن تضحك وترسم البسمة على وجوه من حولك، وبداخلك ألف آه ليس بينها ثغرة بهجة. تلك الأعين سراً لا يدري أحد مكنونها، تتحمل وجع الكون ومع ذلك تجد أن لا أحد يستطيع قراءتهم. فالأعين هي بحر عميق مليء بالأمواج، وكل موج به سر صعب لأحد أن يقرأهما أو يفك شفراته إلا من هواه وأضناه العشق. غريبة تلك الضحكة التي تنبع وخلفها ألف صرخة بالخلف والروح. ومع ذلك تجد الإنسان رغم ما به يخفي جل ما بقلبه ببسمة

جميلة يصدقها الجميع. فهم لا يبصرون القلب، لكن الرحمن يبصره وسيداويه. غشاوة من الحزن غلفت وجه بلال، دموعاً على مشارف الهطول، ولكن أبت. فهذه هي الحياة، دائماً ما تسلب منا أغلى الناس وتتركنا بعالم يشبه القبور، مظلم كظلمتها، مخيف مثلها، ولكن بينهما فرق، فالقبر سكن وهذه خراب وضجة عذاب وألف عذاب. تنهد بقلب أضنته الندوب وهمس وهو يتطلع بها قائلاً

بابتسامة مزيفة: "إيه دا بقا؟ أنا هغير كل الدعوات الحلوة دي ليه؟ أنا مليش نصيب ولا إيه؟ ضربته لمار بخفة على ظهره قائلة: "لا، ملكش. اسكت بقا." ثم صمتت ملياً بتفكير وامتد بصرها للفراغ. هل تسأله أيحب أسماء؟ ولكن ماذا بعد؟ ماذا لو كان ما أحسته حقيقي؟ كيف تداوي قلوب أبنائها؟ كيف والحب ليس له دواء، وإنما عذاب وسهد ليالي وقلب ميت لا محالة، وحيد حزين مكوي بنار الاشتياق. لاحظ بلال انشغالها فرفع رأسها قاطباً حاجبيه وهو يقول:

"إيه؟ روحتِ فين؟ لم يجد رداً فطرق أصابعه أمام وجهه لتنتبه له وتشير له بـ "إيه". ليقول هو ضاحكاً: "ولا حاجة يا باشا، شكلك خدتي لفة عند عمو أدهم ولا إيه؟ قالها ضاحكاً لتشاركه الضحك. "ألف سلامة عليك يا بطل."

امتدت أعينهم للصوت لتدلف حبيبة وهالة والفتيات وأسماء وبيدها حساء ساخن. ما أن وقعت عينه عليها ليخفق قلبه بجنون. أما روحه فذهبت لتحلق معها لعالم آخر. إذ بنفسه تترقق بسحر الحب لتضمها عينيه بأمان وسكينة وراحة، لتتسع ابتسامة هائمة على وجهه تدريجياً. كان يتابع حذيفة وهو جالس بصمت تام ما يدور، كأن لسانه قد انعقد وطفق عقله يجول ويجول بالتفكير. لا غرو أن بداخله ألف سؤال ليس لواحد منهم إجابة. انتبه بلال ليحيد عينه سريعاً

عنها على صوت حبيبة قائلة: "ألف سلامة عليك يا غالي، عامل إيه دلوقتي طمني عنك." هم بالإجابة لتجيب والدته وهي تدلف من الخارج: "زي القرد بسبع أرواح." كبت بلال ضحكته وهو يهمس: "مش قرد يا ماما، دا قط." توافدت عليه السلامات والجمع يطمئن عليه، الفتيات حتى. لتبعدهم أسماء وهي تمر ناحية الفراش بغيظ قائلة: "اوعوا كدا، الواد مش هيعرف يأكل منكم يعني؟

أفسحا لها الطريق لتجلس لمار منعدلة وهو يتأملها بعشق. لتضع هي الصينية عن كثب منه وتشير بحزم وهي ترفع سبابتها بوجهه: "لازم تأكل الأكل ده كله، وإلا؟ شقّت الابتسامة وجهه ولكنها أشرقت من فؤاده ليقول وهو هائم بها بنبرة حب: "وإلا إيه؟ هتعملي إيه؟ جلست على طرف الفراش وجهها للمار مقابلها، ووضعت قدم فوق الأخرى وبتعالٍ قالت: "ولا حاجة، ولكن ياسين هو اللي هيعمل؟ قالتها وهي تشير له بتحذير. ليرفع يديه بنظرة شقاوة قائلاً:

"لا لا، عليها بـ إيه؟ أنا هاكل أهوو وهكله كله، كفاية أصلاً إنك أنتِ اللي عاملة. تسلم إيدك." كان يدري علم اليقين أنها هي من أعدته، لذا شعر بالجوع الشديد، ليس جوعاً أو تلذذاً بالطعام، وإنما لشيء منها، من يديها، بسمة عينيها. اندمجت أسماء بالحديث مع الفتيات وخرجت معهم وهي تقص عليهم جل ما مرت به لتقول بفخر: "مش أقولك بقا لمار تقولي متدخليش، افتراض اتأذيتي و.." توقفوا ناظرين لها باهتمام لتهمس مكة: "هااا؟ وبعدين؟

أشارت لها أسماء: "يا بت استني، متقطعينيش. أهو هتكلم." ونقلت أنظارها بهم قائلة: "طبعاً كلهم كانوا خايفين ويقولولي لا، بس أنا طبعاً قلت أبداً لازم أدخل، أمال إيه؟ أنا هخاف ومن مين؟ منهم ليه يعني؟ قالت آخر جملتها بفخر. لتحسها سمر على التعجل قائلة: "ما تخلصي يابت، متشوقيناش." تنهدت أسماء قائلة وهي تحرك يديها بالضرب: "دخلت والكلام جاب بعضه وهجمت عليهم، أشي بوكس، أشي ضربة برجلي." (قالتها وهي تحرك قدمها)

"وخلصت عليهم. وفي الآخر قال إيه؟ هما جاه بعد ما قضيت عليهم." "أمال إيه؟ هما مفكرني فاشلة؟ ميعرفونيش للأسف." قالتها بتكبر وهي تتخصر. همت الفتيات بالإثناء عليها بعدما ارتسمت على ملامحهم الذهول والفخر. ليأتيهم صوت حذيفة الضاحك بصوت عالٍ قائلاً بسخرية: "لا يا شيخة؟ عملتي كل دا؟ شعرت أن مزاحها الكاذب سيكشف لتشير له بسبابته محذرة: "أنكر. انكر." رفع يديه باستسلام قائلاً: "مش هنكر، بس بشرط." أخفض صوته بحيث يصل لها فقط:

"تحضريلي كوباية قهوة كدا." ابتسمت بجدية قائلة: "لا قهوة بعد الأكل. هحضر الأكل وناكل كلنا." ابتسم قائلاً: "اللي تؤمري بيه." تورّدت وجنتاه ليصفر هو بمرح ويغادر. وتجذب هي الفتيات وتهبط لتجهيز المائدة. قد تبدأ الحكاية صدفة، لكنها تسطر النهاية قبل البداية. ليصبح الفراق يرافق الفؤاد. وتدمى قلوبنا عشقاً يرهقها ويفقدها لذة الحياة. فهل من حياة بحياة رسم به الحبيب الفراق من أول لقاء؟

تململت وعد بتعب شديد، بهزلاً للغاية، وأخذت تهذي بهمهمات غير مفهومة. تحركت بتأوه منبهاً لعودة لوعيها. فأسترق رحيم النظر لها بتتمعن وهو جالس على مقعد عن كثب منها. ما أحوجه أن يروي ظمأ قلبه بالاطمئنان عليها. أنه يكابد بجهد عظيم ألا يأخذها بين ذراعيه ليطمئن فؤاده. ها هي تلبي نداء قلبه فتفتح عينيه ليرتوي منهما كما يحتاج. فتحت جفونها بكسل ليطالعها وجهه. الحاجة صفية تطل عليها من عُلاها لتهلل ببهجة تسري بعروقها وأوصالها

وهي تكبر قائلة بلهفة: "الله أكبر، بسم الله ما شاء الله. أيوه كِده، جومي عشان تردي فيا روحي. أكده بردك توجعي قلبي عليكِ يا بتي. أنتِ زينة. حاسة بشيء؟ أين هي؟ متى جاءت ومتى وصلت؟ أين هو؟ أين ذاك الذي أنقذها؟ الذي حملها بين ذراعيه دون ملل أو تعب وهو يسير بها دون يأس؟ الذي كان سداً منيعاً أمام العاصفة! شعرت بالحسرة وهي تنتفض تبحث بعينيها بالغرفة متسائلة: "أنا جيت هنا إزاي؟ وهو فين؟ راح فين؟

دَلفت غادة مسرعة تضمها بشوق ولهفة وعدم تصديق وهي تبكي من بهجتها بها ورؤيتها لها بخير. ابتعدت وعد عن غادة قليلاً سائلة ذاك الذي لم يتزحزح من مكانه: "هو أنا وصلت لهنا إزاي؟ مين جبني؟ وقف بثبات مخيف وأستماتة وهو يقول بصوت أجش: "إيه يا بشمهندسة؟ في عربية وصلتك لباب البيت. من الصدمة وعدم تصديقنا وانشغالنا فيكِ، الرجل اختفى بالعربية بلمح البصر. ليه؟ مين دا اللي أنقذك؟ هااا، خبريني؟

صمتت وعد بحسرة، هي حتى لم تشكره، فلولاه لكانت بعداد الموتى الآن. تطلعت برحيم بسخط تكاد تقتله. ولكن مهلاً، فلكل شيء له أوان. "محدش. مش عارفة أصلاً مين جابني ولا اتخطف ليه؟ لم يدري مكنون نظرتها الكارهة تلك ولما؟ نظرات غريبة لم يرآها من قبل، مزيج من الشجاعة والضعف، العند والكبرياء، اللين والقسوة، الاحتواء والأمان والحنان. من هي تلك الفتاة لتسلب هكذا؟ تنحنح قائلاً:

"خير يا بشمهندسة، كله خير وهيبان. وحقك هيرجعلك، استريحي دلوج. الأهم رجوعك بالسلامة." وأقترب منهم ناظراً لوالدته قائلاً بثبات: "حضرِّيلها لقمة يا أمي، أكيد مدخلتش الذاد من يوم ما غابت. هااا، همي." ابتسمت الحاجة صفية قائلة وهي تندفع للخارج: "أنا عنيا للبشمهندسة، أحلى وكل هيكون حداها دلوج." ابتسمت وعد لها بامتنان لتعاود غادة ضمها قائلة: "بردك أكده طلعتي غالية جووي. كنا هنموت من جلجنا عليكِ، حتى أبويا الحاج."

وتنهدت قائلة: "الحمد لله إنك رجعتي. هروح أصلي ركعتين شكر لله." ابتسمت وعد قائلة: "الحمد لله. وأنا كمان هصلي دلوقتي." توجهت كل فتاة للصلاة وشكر الرحمن والتضرع. انتهت وعد صلاتها ونهضت لتطوي سجادة الصلاة وتتحمل على ذاتها وتهبط للأسفل بغموض وكرة دفينة بداخلها تجاه رحيم. ولم تنس بطريقها والده، فذهبت لتطمئن عليه الذي لم يقل فرحاً عنهم وحمد الله أنها بخير. هبطت وعد الدرج فسمعت ضجة بالخارج وأصوات كثيرة. توجهت ناحية الباب وهي

تسأل الحاجة صفية قائلة: "إيه كل الأصوات دي؟ ابتسمت الحاجة صفية وهي ترص الأطباق قائلة وهي ترفع نظرها بها: "دا رحيم ولدي بيديح عشان يفرح لرجوعك بالسلامة." وغادرت للمطبخ وتترك تلك المصدومة من كل ما يدور حولها. نفضت كل ما يدور بذهنها وأندفعت للمطبخ تساعد الحاجة صفية. دقائق وكان يجلس الجميع يتناول طعامه. أما الحاجة صفية فكانت مهتمة بإطعام وعد بنفسها. لتهمس غادة مازحة:

"لااااه، هغير منها أنا كده، كل العشق دا والاهتمام لـ ميار وأنا مليش فيه شوية." همت الحاجة صفية بتوبيخها ليأتي صوت آتٍ من خلفهم لرجل: "السلام عليكم." تعمقت أنظارهم بذاك الرجل وتلك الفتاة الصعيدية. وقف رحيم مرحباً بعمه. لتقترب ابنته قائلة وهي تقبل صفية من وجنتيها مرحبة: "كيفك يا مرات عمي؟ زينة، وحشاني جووي." لتهامس الحاجة صفية رابته على ظهرها: "زينة بخير يا بتي، أنتِ زينة؟ هتفت وهي تتجه مرحبة بغادة

التي قابلتها باقتضاب: "زينة يا مرات عمي، متحرمش منكِ. كيفك يا بت يا غادة؟ يعني محدش شايفك! ردت غادة باقتضاب قائلة: "زينة يا خيتي! يعني هروح فين، اديني قاعدة." جلست رابحة وهي تقول: "وعمي زين ولا تعبان؟ ردت الحاجة صفية بحسم: "زين زين يا رابحة." (ونهضت قائلة) "الحمد لله." استدارت رابحة برأسها حيث والدها ورحيم واقفون وقالت بصوت عالٍ ليسمعها: "كيفك يا واد عمي، يا رب تكون زين." رد رحيم من بين أسنانه قائلاً: "زين."

وعاد لحديثه مع عمه. كانت تجلس وعد غير مهتمة بأحد، فقط تتناول طعامها بهدوء. لترفع نظرها بسخط لـ رابحة التي قالت بنبرة تشبه الصدمة والخبث لحظة وعد: "واااه! مين دي وجاعدة حداكم؟ أياااك." ردت الحاجة صفية بامتعاض: "أيوه، البشمهندسة هتشرفنا لحد ما تخلص شغلها. عندك مشكلة؟ نهضت رابحة بصدمة واضعة يدها على صدرها وهي تشهق: "كيف ترضى بحرمة غريبة يا مرت عمي تجعد في البيت؟ وفي واد عمي اللي هو فترة وهيبقى جوزي." انتبه والد رابحة لـ

وعد ليصرخ هو الآخر بحقد: "إيه اللي هتقوليه دا يابت؟ صح يا رحيم، الحرمة دي قاعدة حداكم." قالها وهو ينظر بغضب لرحيم الذي أطلقت عيناه شرارات الغضب وصاح: "ده دار أبويا وهو يجعد اللي رايده. وبلاش أسمع كلمة عفش، ما هتخليش خير بينا خالص يا عمي. البشمهندسة ضيفة حدنا لحد ما تخلص شغلها. وأبويا اللي أمر كدا. إيه؟ مش عاجبك حدتي في حاجة ولا في إيه؟ ابتلع عمه ريقه بخوف وقال بغضب مصطنع:

"وكيف أخوي يجبل بحرمة غريبة تجعد حداكم وسط راجل لوحديكم." استندت وعد بظهرها على ظهر المقعد وهي تعقد ذراعيها تشاهد بإستمتاع. لتميل غادة لأذنها هامسة: "دول جاايين والشر يطل من عينيهم. اتفرجي وانبسطي." كتمت وعد ضحكتها هي وغادة. بأثناء ذلك صاح رحيم: "لوحدينا؟ كيف لوحدينا يعني؟ وتجصد إيه؟ هه، يا عمي، هو أمي وأختي مش ماليين عينيك ولا إيه؟

وحتى لو مفيش، طالما أبويا قال كلمة يبقى تتنفذ في الحال غصباً عن عين الكل. واللي مش عاجبه الكلام يروح يضرب راسه في الحيط. وحاجة كمان، رحيم اللي ماسك القرية كلها يعرف في الأصول زين، مش مستني حد يجولي." (ونظر بأعين حارقة لعمه وهتف بحده) "أنا بنام في الدار البراني. أظن خلص الكلام يا عمي." (ونظر بعيداً ببرود) "ونظر لابنة عمه قائلاً بحزم: "ومحدش يجرؤ يجول كلمة على البشمهندسة وجتها هيقابل رحيم. صوح؟ وهيواجه غضبي."

وتابع قائلاً بنبرة خفت من حدتها قليلاً باحترام: "أتفضل يا عمي، أجعد. منورنا والله وكلامك فوق راسي." "بعد إيه؟ بعد إيه يا ولد أخوي؟ قالها عمه وهو يضرب بعصاه الأرض ويندفع للخارج، لتصيح رابحة قائلة وهي تندفع خلفه: "استنى بس يا بوي، أكيد رحيم ما يجصدش يزعلك. بردوا كدا يا رحيم." انفجر الجميع ضاحكين، حتى رحيم ابتسم وهو أدري الناس بعمه وحقده.

تتطلع من خلف النافذة، تستند برأسها على الجدار بحزن، ولكن عينيها لا تنتبه لشيء، فقط صورته تضيء أمام عينيها وهي تبتسم له بحب يغمرها. أضاءت أمام عينيها ذكريات آخر للقاء، حينما كانت تتوجه لياسين تسأله عن وعد، لتنصدم بأحد ما، لتقول بتذمر قبل أن ترفع عينيها وهي تمسد جبينها: "اااااه يا ربي، إيه القرف ده. حيطة دي ولا جبل؟ رأسي يا غبي أنت."

رفعت عينيها لتقابل عينان كالجحيم. أزدَردَ ريقها برعب وتراجعت للخلف وعيناها لا تحيد عنه. جز عثمان على أسنانه بغيظ وغمض عينيه يحاول كبح غضبه. وبلمح البصر وقف أمامها صائحاً بنبرة أرعبتها: "أنتِ عامية مبتشوفيش نهائي؟ كل شوية تخبطي في أهلي وتغلطي، وإن شاء الله لسانك ده هقطعولك." نظرت له مكة بأعين بريئة وبغباء قالت: "أهلك؟ بس أنا مش بخبط في أهلك! رفع عثمان كفه يحاول أن يسيطر على ذاته وعروقه برزت. نظر

لها لدقائق وقال بصوت مخيف: "أياكي تطلعي في وشي تاني، وقتها مش عارف هعمل فيكي إيه؟ لم تستمع له، وإنما كان نظرها على الحقيبة بيده، إلى أين هو ذاهب؟ لماذا شعرت بالضيق هكذا؟ نظر لما تنظر له ورمقها بنظرة متعجبة لترفع هي عينيها الدامعة معه وهي تقول بتلعثم: "أنت رايح فين؟ نظر لها ببرود وقال بسخط: "أنتِ مالك؟ متحاوليش تقربي مني ولا تعملي نفسك مهتمة بيا ومتسأليش على حاجة متخصكيش." توقفت دقات قلبها من كلماته الموجعة

ونظرت له بأعين دامعة: "أولاً مسمحلكش تكلمني كده، أنا غلطانة أصلاً إني بسألك وبهين نفسي." همت بالرحيل ليمسك معصمها قائلاً بصدق ونبرة حنونة: "استني، متزعليش." استدارت برأسها مصدومة تماماً من نبرته التي تبدلت كلياً وعينيه. ترك يدها وهو يتجه للأسفل قائلاً: "عندي مهمة، مش هطول فيها، أطمئني."

اتسعت عيناها بذهول. وما أن استجمعت شتات أمرها حتى وجدته قد رحل. فنظرت بأسف. ولكن مهلاً، هذا البارد القاسي تخلى عن بروده. هتف بأثره وهي غائبة عن الواقع وهائمة كأنها تراه: "إيه الجمال دا كله؟ القمر دا إزاي يمشي لوحده في الشارع؟ إيه المز دا ياربي؟ صاروخ أرض جو. لا لا، صاروخ إيه دا؟ صاروخ مركبة فضائية." جاءت عائشة وقفت بجانبها وهي تميل للأمام تنظر بها بدهشة وهتفت وهي تلوح بيدها أمام وجهها: "مالك يا بت يا مكة؟

أنتِ بتكلمي نفسك؟ اتجننتي؟ هتفت مكة دون انتباه: "شكلي كدا اتجننت بسببه! عقدت عائشة حاجبيها بتعجب. هل مكة تحب؟ من ياسين؟ فهي تعتبره أخاها. عثمان أجل، هذا عثمان لا غيره. رفعت حاجبها بغيظ وهي تقول بمكر: "مين دا ياختي اللي اتجننتي بسببه؟ هتفت مكة وهي ما زالت على حالها هائمة بطيفه: "المز صاروخ أرض جو." بغباء قالت عائشة بزهول: "حبيتي صاروخ؟ طب إزاي يعني؟ نظرت لها وأمسكتها من كتفيها وهزتها وهي تقول: "أنتِ يا بت مالك؟

ياخرب بيتك، في إيه؟ نظرت لها مكة بتوهان قائلة: "شكلي كدا وقعت ومحدش سمى عليّ." توقفت عائشة عن هزها وهي تقول بتعجب: "محدش سمى عليكِ؟ (وضعت كفها على رأسها) "بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم إن كان هذا سحراً أبْطِله، ولو جن طلعوا منها وابعت." (يديها مستطردة) "وقعتي إمتى وفين؟ "لا لا، أنا شكلي وقعت فيه. في البارد المتوحش اللي مش بيفهم اللي دايماً بيزعق فيا." تركت عائشة كتفيها وهي تضحك وقالت: "عثمان؟ متوحش وبارد؟

أه، لو سمعك دلوقتي كان عملك كفتة." ضربتها مكة بخفة وهي تقول: "مش هيحن عليه." ضحكت عائشة وهي تقول: "لا يا حتي المز صاروخ أرض جو ممكن يدعسك." توالت الضربات عليها من مكة وهي تحاول الفرار منها. فاقت مكة من ذكرياتها على فتح الباب ودلوف عائشة قائلة بمرح: "أكيد الجميل بيفكر في الصاروخ أرض جو." همست مكة وهي تتنهد دون النظر لها: "فعلاً دا وحشني أوي، على الأقل هنا كنت بشوفه مرة أو مرتين صدفة." ضحكت عائشة بمناغشة قائلة:

"يا يعني على الحب أما يبدل صاحبه." ضربتها مكة بخفة وهي تقول: "هو محدش لسه جه من عند ريم؟ أنا جعت." عائشة بتأييد وهي تجلس على المقعد: "والله وأنا كمان. تعالي ننزل نشوف أي حاجة ناكلها." وقفت مرة أخرى وهي تجذب مكة خلفها، التي صاحت: "يابت استني يخرب بيتك يا مجنونة أنتِ." هبطوا للأسفل فوجدوا أسماء تجلس تبكي. نظر الفتيات لبعضهم دون فهم. سرعان ما ركضوا إليها بلهفة وهم يقولون بذات الوقت: "أسماء مالك؟ بتبكي ليه؟ في إيه؟

جلست كل واحدة بجانبها وضموها سوياً وقالت مكة بقلق: "مالك يا أسماء؟ في إيه؟ ليه بتبكي كدا؟ حصل حاجة؟ لم تجب، وإنما أزداد بكاؤها. نظرت مكة وعائشة لبعضهما بقلق وحزن شديد وقالت عائشة وهي تمسد على رأسها: "مالك يا أسماء؟ في إيه؟ قوليلي." رفعت أسماء بسبابتها دون كلمة تشير للتلفاز، لينظر الفتيات لما تشير دون فهم وينظروا لبعضهم بقلق. فجأة همست أسماء وهي تبكي: "البطل مات. كان قلبه تاعبه ومات."

صمتت ملياً وازداد بكاؤها. وشهقاتها بينما الفتيات اتسعت أعينهم بصدمة وفغر فاهم. لتكمل أسماء باكية: "كنت بسمع كال هونا، هو ومات في الآخر." أجهشت بالبكاء عالياً، لتلتقط عائشة نعلها ومكة كذلك وتوالوا عليها بالضرب وهي تصرخ بفزع. عائشة وهي تضربها: "بقا يا جزمة يا مفترية بتبكي عشان إيه؟ بتبكي ليه يا اختي؟ سمعيني." كانت أسماء تتمدد على الأريكة ومكة تقف بجانب قدميها وتضربها بالنعل. أما عائشة فاعتلت ظهرها وهي تضرب بيدها.

"يالهووووي همووووت. في حد هنا يا عاااالم؟ ااااااه سيبيني يابت منك ليها ياااا ماماااا." ثم قالت بصدمة وصوت عالٍ: "يااااسين! مش أنا والله."

ارتفعت الأيدي من فوقها متسمرة بصدمة وخوف وهم يزدَردون ريقهم برعب شديد. ابتسمت أسماء بخبث واستغلت تخشبهم ونهضت بخفوت شديد تتسلل ببطء. بينما استداروا الفتيات برؤوسهم لم يجدوا أحد. وتعالت ضحكات أسماء وهي تركض للخارج. ولكن استطاعت عائشة التصويب جيداً لياتي نعلها في أسماء التي وقفت تغطي وجهها بكفيها وتقفز وتصرخ. ركضوا الفتيات خلفها وهي تركض بين المقاعد وضحكاتهم عالية. توقفوا جميعهم على صوت صدح عالٍ بمرح:

"بتعملوا إيه يا ولاد المجانين؟ ما أن وقع نظر أسماء على حذيفة ركضت تتواري خلفه قائلة: "ألحقني يا حذيفة من المجانين دول، هيموتوني." أدار رأسه رافعاً حاجبيه وهو يقول: "يموتوكي؟ ليه؟ عملتي إيه؟ أجابت عائشة بهدوء قائلة: "كنا نازلين لقيناها بتبكي. وقعت قلبنا من خوفنا عليها، وفي الآخر قال إيه؟ قالت آخر جملتها وهي تضع يدها على ذقنها. ليقول حذيفة بتساؤل: "إيه؟ أدار رأسه لأسماء وتابع بقلق: "بتبكي ليه؟

أنظرت أسماء نظرها للأرض ببراءة لتقول عائشة بغيظ وهي تمد يدها تضربها وحذيفة حائل بينهم: "قال إيه يا خويّا؟ البطل مات. ما يموت ولا يتحرق." ابتعد حذيفة مصدوماً: "البطل؟ مات! لا اقتلوها يا باشا، تستاهل فعلاً." انقض الفتيات عليها مرة أخرى وهي تصرخ مستنجدة به، ليرق لها ويهتف صارخاً بهم: "بس." كفوا جميعاً وتنحوا جانباً ليهمس هو بغمزة لها: "أي خدعة." تورّدت وجنتا أسماء تدريجياً بخجل. ليبتسم لها وهو يقول بتذكر:

"با جماعة الواحد جعان، هو مفيش أكل هنا ولا إيه؟ ابتسمت عائشة قائلة بمرح وهي تستند بمرفقها على كتف مكة: "اااه والله يا بني، وأنا هموت من الجوع." اتسعت عينا أسماء وهي تقول بهدوء: "هو أنتوا مش يلا واكلين؟ مكملتوش كام ساعة، بس تصدقوا أنا كمان جوعت." لتنظر ببراءة لحذيفة قائلة برقة: "وزهقانه كمان من البيت." حدجها حذيفة وهو يرفع حاجبه وقال وقد فهم أنها تريد الخروج: "هااا وبعدين يعني؟ صاحت مكة وعائشة سوياً:

"نخرج ونأكل بره وتودينا الملاهي." حذيفة بجدية: "لا طبعاً، مفيش خروج نهائي." نظر الفتيات لأسماء لتنظر له قائلة برقة: "عشان خاطري يا حذيفة." نظر لها حذيفة بحب يغمره وقال: "الله على حذيفة اللي طالعة منك دي، دا أنا حبيت اسمي بسببك." نظرت أرضاً بخجل ليصيحوا الفتيات ضاحكين وهم يصفرون ويصفقون. ليَتَنَحْنَح هو قائلاً: "هستناكم في العربية خمس دقايق وتكونوا جاهزين." ركضوا الفتيات للأعلى وهم يجذبون أسماء.

توجهت وعد على عجل بلهفة مع رقيه لمنزلها بعدما جاءت لأخذها وأخبرتها بياسين وعثمان يريدون رؤيتها. وذهبت بعدما وعدت الحاجة صفية لعدم تأخرها، وإلا تقلق. دلفت للداخل ليطالعها ياسين أولاً. فقد كان يقف أمام الدار يتحدث بالهاتف. ما أن وقع عينه عليها فأغلق مسرعاً ودنا منها قائلاً بلهفة وقلق في آن واحد: "وعد حبيبتي، أنتِ كويسة؟ فيكِ حاجة؟ طمنيني عنك، حد أذاكِ في حاجة؟ صاحت وعد بنبرة حادة قليلاً:

"أديني فرصة أتكلم. أنا كويسة، مفيش أي حاجة! وأشارت له للداخل: "تعالى نتكلم جوه أفضل." دلفت وهو يتبعها ورقيه أيضاً. وقف عثمان ما أن رآها مقترباً منها بقلق: "وعد، أنتِ كويسة؟ حد عملك حاجة؟ هزت وعد رأسها وجلسوا جميعاً بجانبها. واستأذنت رقيه لتغادرهم. كل الأعين تعلقت بوعد التي تجلس مقابل لهم على مقعد منفرد. تنهدت بصوت عالٍ وقالت: "كل اللي في البيت عاملين إيه؟ صمت ياسين، جز على أسنانه:

"أظن إن أحنا جايين نطمن عليكِ. كلهم كويسين. احكي بقا كل حاجة." زفرت وعد وقصت عليهم كل شيء وهي تنقل نظرها بينهم. همس ياسين بجدية: "بس مين الملثم ده؟ إحنا لازم نعرفه... قاطعته وعد قائلة بحدة: "هعرفه أنا اللي هعرفه. أنتوا هترجعوا. أديكم اطمنتوا عليا، مفيش حاجة تاني." كبح ياسين غضبه بصعوبة ونظر لها بغضب ونبرة غاضبة قال: "يعني إيه الكلام ده؟ وعد وهي تنهض أمامه وتصيح بغضب:

"يعني اللي سمعته يا ياسين. ثانياً، كنت فين أنت وهو؟ (أشارت عليه وعثمان بسبابتها وتابعت بحدة) "لما أسماء يهددوها وانتوا مرزعين يبقي إيه؟ "لما تبقى حياتها في خطر يبقي إيه؟ "وتواجه الموت وانتوا فين من كل دا؟ قاعدين على عماكم." وقف عثمان بهدوء ووقف عن كثب منها وقال: "ومين قالك إننا على عماانا؟ ولا هي لوحدها؟ متنسيش مامتك وبلال وأنس وخالك. الكل معاها." رفع ياسين سبابته بوجهها قائلاً وهو يكابد على خمد غضبه:

"لأول وآخر مرة صوتك يعلى تاني." أحست وعد بغلطها، فمهما يكن هو أخاها، ما كان يجب عليها أن تحدثه هكذا. صمتت قليلاً وهي تنظر له بأسف وهمت بالحديث ليقاطعها صياح ماجد باسمها وهو يركض نحوها وضمه بشدة. لتبادله هي الفرحة وهي تحمله وتقبله، وهو يقبلها بطفولة من وجنتها. ضيق ياسين عينيه وهو يقول لـ عثمان ومراد: "إيه؟ الواد اللي داخل يبوس على طول ده؟ هو مش شايف أخواتها واقفين؟ نظر له ماجد ببراءة وهو يستند برأسه على رأس وعد وهمس:

"هو الراجل ده زعلان مني؟ هزت وعد وهي تقبل خده قائلة: "دا غيران مش زعلان." رفع ياسين لها حاجبه لتبتسم هي بصفاء لماجد وجلسوا يتحدثون إلى أن بعث رحيم لها سيارة فغادرت. وحمدت الله أنه لم يأتِ حتى لا يرى ياسين وعثمان. ودعتهم لمار بعدما قرروا السفر بأمر منها ومن لمار وتركها هي تنهي كل شيء. لم يطل الوقت ووصلت وعد مبتغاها. دلفت للداخل وهي تتساءل عن غادة والحاجة صفية ليأتيها صوتهما من المطبخ. فدَلفت بابتسامة

مشرقة وقالت بتعجب: "إيه ده؟ انتوا بتعملوا إيه؟ قالت الحاجة صفية وهي ممسكة بخشبة تفرد بها العجين أمامها على طاولة خشبية: "بنعملوا مخروطة، هوكلك صوابعك وراها." ضمت وعد فمها واقتربت جالسة جانب غادة وتقول: "يعني إيه مخروطة دي؟ أدارت غادة رأسها لها. وقد كان أمامها مكنة صغيرة تضع بها العجين وينزل منها بحجم صغير جداً: "شوفي يا ستي، دي حاجة كده بالعجين والسمنة البلدي، هتاكليها وهتقولي مش هعاود بلدي تاني وهفضل وياكم."

ابتسمت مكة لها من صميم فؤادها وضربت كتفها بيدها قائلة بمرح: "قولي كدا بقا، أنتِ عايزة تجعديني وياكم صوح يابت؟ ضحكت غادة ضحكة عالية وهي تقول: "أبااااااي منك، تعلمتي بسرعة حدَيثنا." ضحكت وعد لأول مرة من فؤادها حتى دمعت. سرعان ما أحست بالحزن. فماذا لو اكتشفوا كذبها؟

لا هي لن تسمح بذلك، سترحل قبل أن يعلموا عنها أي شيء. فمحبّتهم تلك ستظل ذات أثر عميق بالقلب. فقد جاءت مكتملة، لكنها ستعود ناقصة. ستنقص روحها ها هنا. استأذنت وعد وصعدت للأعلى وهي تفكر. قطع سيل أفكارها ورقة على الكومود. استغربتها وهي تقلب بها بذهول. فمن قد جاء بها؟

ولكنها فتحتها ليقع نظرها على رقم الملثم وهو يخبرها أن تتصل به كي يطمئن عليها. أدمعت عيناها وهي تبتسم وضمت الورقة لقلبها كأنها ذات قيمة غالية. ففرحتها لا تقدر بثمن. شعرت أنها بعالم آخر. بمستشفى الأميرة كانت حبيبة ترتقي الدرج بتعب شديد وهي تتنهد بصعوبة وتوبخ نفسها. لماذا اختارت طب؟ ولكنها حقاً تعشق ذاك العمل!

ولكن هذا شاق للغاية، فهي تظل لساعات واقفة على قدميها. بينما يوسف يؤمر فقط، ولكن هو أيضاً يتعب. زفرت بغيظ وهي متوجهة لتقتص منه. فجأة رأت بعض الممرضات يقفن يتهامسن ويتضاحكن بصوت هادئ. توجهت لهن بسخط وهي تقول: "خير؟ واقفين كدا ليه؟ إن شاء الله مش وراكم شغل ولا إيه؟ نظروا لها الفتيات جميعاً بتوتر وارتباك. بينما تقدمت واحدة منهم وقالت بهدوء: "بصي يا دكتورة حبيبة، أنتِ لازم تعرفي اللي بيحصل من وراكِ." جذبت إحدى

الفتيات يدها وهي تقول: "بس اسكتي يخرب بيتك، متفتحيش بقك." جذبت يدها وهي تعاود النظر لحبيبة التي حثتها على الكلام وقالت: "ما هو مينفعش، دي المستشفى كلها بتتكلم وعارفة." غضبت حبيبة بشدة وهي تقترب منها قائلة: "كلام إيه اللي المستشفى كلها عارفة؟ صمتت الفتاة ملياً وقالت: "الممرضة أميرة عبد النبي ودكتور يوسف في بينهم حاجة." إلى هنا وكفى. قد فاق غضبها حده وشعرت بنيران بثنايا قلبها. وأمسكت الممرضة من

ذراعها بنظرة غاضبة وقالت: "أنتِ هبلة؟ إيه الكلام ده؟ جوزي ميعملش حاجة زي كده أبداً." صمتت الممرضة قائلة وهي تبعد ذراعها بأدب: "بس يا دكتورة، مش أنا اللي بقول، دي أميرة." رمقتها حبيبة بنظرة كالنيران وقالت: "هي فين؟ ردت الممرضة بهدوء: "عند دكتور يوسف. بتديه ملف المريضة اللي جأت امبارح." ما كادت تنهي جملتها وقد كانت حبيبة اختفت من أمامها. مدت يدها لمقبض الباب ودفعته للخلف ليصدر صوتاً عالٍ. ونظرت بشرار لـ

يوسف الذي صاح بها: "إيه؟ في إيه يا حبيبة؟ مالك؟ وإيه اللي عملتيه ده؟ أبعدت نظرها للفتاة واقتربت منها جاذبة إياها من حجابها وواقعتها أرضاً وضربتها بغل. لم يدري يوسف ما يحصل أمامه. تجمع من بالمشفى من دكاترة وممرضين. ليحمل يوسف حبيبها ويبعدها عن الممرضة وهو يحاول السيطرة عليها. ظهرها لصدره ويده محاوطها، إلا أنها كانت تحرك يديها وقدميها بالهواء وتقول: "اوعي يا يوسف، سبني عليها. بتقول إنكم على علاقة. أوعي."

أنزلها يوسف بغضب وهو يرى نظرات الرجال لها. فأمسك ذراعيها وضغط بقسوة وبأعين متسعة بها غضب وشرار صرخ بها بصوت عالٍ: "غوري! امشييي من قدامي دلوقتي، يلاااااا."

ارتعبت حبيبة وهي تنتفض للخلف ونظرت له نظرة أهلكت روحه وخرجت مسرعة من أمامه. صاح هو بالجميع بالمغادرة ليختفوا جميعهم من أمامه. كان الطابق الذي به غرف الأطباء بعيداً عن المرضى. فلحسن الحظ لم يستمع أحد. شدد على شعره بغضب وأطاح بقدمه المقعد وجذب جاكته وخرج وراءه. استقلت حبيبة سيارة وهي تكابد على ألا تنحدر دموعها. يئن قلبها ولا تصدق، أحقاً قد علا صوته عليها أمام الجميع؟ ولما؟ من أجل تلك الفتاة؟ من متى يعاملها هكذا؟

وهو دائم يعاملها كطفلة وليس امرأة لها أولاد. تشعر بخنجر بمنتصف صدرها يقبع. وصلت وهبطت راكضة لغرفتها بعدم تصديق. كأن العالم لم يعد به أحد عداها هي. انكسر قلبها. ألقت بحقيبتها ومن ثم ألقت بذاتها على الفراش وأخذت دموعاً بحرقة تسيل بغزارة. ليضنيه الألم. بكت كما لم تبكِ من قبل. بلغ الألم ذروته ليعلو نحيبها وتتابع شهقاتها دون توقف بلحظة. شعرت بيدين تحوطها من الخلف بتملك. أنفاسه الساخنة تلفح وجهها وهمس بجانب أذنيها:

"متزعليش مني، والله ما أقصد يا حبيبتي أزعلك. بس مستحملتش حد يبص عليكِ. دا أنا مش بسمح لك تقفي مع أي راجل غيري في المستشفى ولا تدخلي غرفة العمليات مع حد. فمتزعليش يا بنتي. ولو على الممرضة، أنا أصلاً طردتها. بس كله إلا زعلك." ازدادت شهقاتها ليقول هو بتساؤل: "حبيبة، أنتِ صدقتي إني بخونك؟ استدارت برأسها له وهي تهز رأسها بعنف ليلثم جبينها قائلاً: "بس إيه الشراسة دي كلها هااا؟ ضربته بخفة على كتفه. ليزيح دموعها

بأنامله ويقبل عينيها وقال: "ربنا يديمك ليا أنتِ والعيال. انتو مليتوا حياتي واديتوها طعم. أنا مكنتش عايش بس بقيت عايش بسببكم وليكم." ضمته حبيبة بحب وهي تهمس بخجل: "ويديمك لينا يا حبيبي." تطلعت بعينيه متذكرة شيئاً ما وصاحت وهي تنتفض جالسة وتعقد ذراعيها وقالت بحركات طفولية: "بس أنت زعقتلي قدام الكل." نظرت له بأعين طفولية براءة وقالت برقة: "في أب يزعق لبنته قدام الناس؟

لمعت عينيه بإشراقة غريبة من نوعها وبسمة ارتسمت تدريجياً على وجهه لتزيد من وسامته وغمز لها قائلاً: "بس بابا بيغير أوي على بنته، يعمل إيه يعني؟ امتلأت عينيها بالألم والدموع وهي تقول بغيرة موقدة بقلبها: "البت دي كانت ليه عندك في المكتب؟ اقترب منها يحاوط كتفها بذراعه يجذبها بحضنه يشدد من ضمها إليه وقبل رأسها قائلاً: "أنا عمري عيني ما شافت غيرك ولا هتشوف. وحاسس إني مفيش بنات على وجه الأرض غيرك." وبمناغشة وأعين لامعة قال:

"طب تصدقي بـ إيه؟ بحسك بنتي. غير إحساس ياسين وأسماء، بحسهم مش عيالي أصلاً. بحسك أنتِ اللي بنتي." أسندت رأسها على صدره بفرحة تغمرها من كلماته الصادقة النابعة من فؤاده بأمان. أغمضت عينيها مستكينة بموطنها وسندها ودفئه. كان يقف ياسين وعثمان ومراد بجانبهم. ماجد بجانب إحدى الأراضي الزراعية يتأملون الأشجار من حولهم ويستنشقون عطره المميز وهواءه الذي ينعش الأفئدة. نظر عثمان لـ ياسين وتساءل: "هنمشي الساعة كام؟

تنهد ياسين بصوتاً مسموع وقال: "لما نشوف الحجز." أومأ عثمان موافقاً وعقد ذراعيه أمام صدره ولاحت له صورة معشوقة فؤاده التي استحوذت فؤاده منذ الصغر. ساد الصمت بينهما لدقائق، كلاهما منشغل بأفكاره. قطع سيل أفكارهما صوت مراد متسائلاً وهو ينقل نظره بينهما: "حد منكم رن طمن لمار؟ هز الفتيان رأسهم بتذكر وسخط من أنفسهم. ليهمس مراد وهو يخرج هاتفه من جيب بنطاله: "خلاص هكلمها أنا وأطمنها؟

في أثناء ذلك كانت لمار تجلس بمكتبها شاردة الذهن تزرف عينيها الدمع بكسرة وقهر أضنى قلبها العذاب. تضيق الحياة وتنزف روحها. كانت تمسك بقلم تخبط به على المكتب بهدوء تستند بظهرها للخلف تحرك المقعد بعشوائية وهمست بقهر وأعين دامعة متألمة: "وحشتني أوي يا أياد. وحشتني يا فرحتي اللي ضاعت. أنت خدت كل حاجة فيا معاك. سبتني جثة لا بتتحرك ولا بتتكلم ولا فيها روح."

وأضاءت أمام عينيها ذكريات ما مضى تلوح كأنها قد حصلت لتوها. بمكتب يوسف بالمنزل تجلس لمار أمامه وهو يقول بحدة وهدوء في آن واحد يفهمها ببطء يحاول إقناعها بشتى الطرق: "يا بنتي يا حبيبة قلبي افهمي بقا. أياد ابتدأ يخف بدليل أنه بدأ يعقل ويتعامل عادي. مفيش داعي للسفر." رمقته بغضب وبإصرار قالت: "ليه سنين يا أياد؟ سنين وبيخف بالبطيء. هيسافر يعني هيسافر، وده آخر قرار عندي." تنهدت بوجع وهي تقول:

"من يوم ما شاف اللي هاجموا علينا والرصاصة وهو طفل. عارف يعني إيه؟ عارف إحساسي بيه وهو كبير كدا وبيتعامل كطفل صغير. آه بيخف وخف وحالته تحسنت شوية، بس أنا عايزاه يخف خالص. مش عايزاه يتعب. افهمني." نهض يوسف من مقعده، وجذب الكرسي المقابل لها عن كثب منها وضم كفيه براحتيه وبهدوء قال: "أنا عارف والله وعارف إنك عايزة تشوفيه أحسن واحد، بس صدقيني مفيش داعي للسفر. هو خلاص بقى تمام." جذبت لمار يديها وهبطت بهما بقوة

على المكتب وهي تنهض قائلة: "متدخلش يا يوسف، أحسن لك. دا ابني وأنا عارفة فين مصلحته." اشتد بينهما النزاع وأخيراً يسافر أياد ومعه زيد ووالدته أمل. فاقت لمار لواقعها على رنين الهاتف لتزيح دموعها وتنهدت تنهيدة طويلة وردت بهدوء: "الوو مراد." رد مراد مسرعاً: "أيوا، عاملة إيه؟ صمتت لمار قليلاً تحاول إظهار نبرة صوتها عادية وقالت: "الحمد لله. أخباركم إيه؟ ووعد تمام؟ حصل حاجة؟ لقيتوها؟ ابتعد مراد عن عثمان وياسين وبنبرة

حزينة باكية قلقة قال بأسف: "مش عارف أقولك بس." ابتَلَعَت لمار ريقها ذو غصة خانقة وهمست بخوف بصوت يكاد يكون مسموع: "بس إيه؟ انطق." تنهد مراد بألم متصنع البكاء: "عايزك تكوني قوية، وإن كله اختبار من ربنا، وإن إليه وأن لله راجعون." أزدَردَ ريقها بخوف وخفق قلبها خفقة جنونية ليهدأ تارة أخرى كأنه يخرج من بين أضلعه وروحها تنسحب. لم تستطع أن تستنجد بأحد لينقذها من تلك الخنقة وهمست بصوت متلعثم متردد: "ب ن ت ي مالها يا مراد؟

حصلها إيه؟ مراد بألم ونبرة حزينة متألمة: "وعد ملقوهاش. ووصلنا لبسها عليها دم. وجالنا تأكيد أنها ماتت. وكمان ياسين وعثمان راحوا يستلموا الجثة." دلو من الثلج انسكب فوقها أو مغلى انصب عليها. خنقة شديدة تملكتها. ضاقت بها الدنيا. أجربت ذاك الشعور أن تشعر بروحك ميتة فجأة لا روح بها؟ أجربت صدمة غير متوقعة طرحتك أرضاً؟ أجربت أن تشعر بأحد يمسك برأسها وتنكفأ بحوض به ماء يحاول قتلك ولا تدري كيف النجاة؟

أن تشعر فجأة أن العالم أصبح فارغاً من كل شيء إلا القبر. أن تصبح حياتك قبر مظلم وصامت. أجربت يوماً أن تشعر بالاختناق وأن هناك ما يندفع نحوك ليحوطك ويعتصرك ويتركك جثة. أجربته؟ شعوراً قاتل هو يفقدك كل شيء. والفرق الوحيد بينك وبين الميت أنك فقط تفتح عينيك وتتنفس بالنور. مشابه لظلام غريب مظلم داخل الفؤاد. وقع الهاتف من يديها وسقطت يدها باسترخاء وعينها محدقة بالفراغ دون كلمة. مراد على الهاتف يهتف ضاحكاً: "أنتِ صدقتي صح؟

أنا بهزر. بنتك كويسة يا حجة. الوووو، لمار، روحتِ فين؟ اقترب منه ياسين قائلاً بقلق وهو يشير له: "في إيه؟ مراد بدهشة: "دي صدقت. أنا بس حبيت أمزح معاها فقولتلها وعد ماتت." صدمة حلت على ياسين وعثمان لينظروا بصمت قليلاً يستوعبوا ما قال. ماذا قال ذاك الأبله؟ حطمها. ألا يكفي ما تعانيه؟ ألم يكفيها ما مرت به والأحباب الذين غادروها. أسودت عيناه كالجحيم وأقترب بهدوء وهو يقول بنبرة كالفحيح: "بتقول عملت إيه؟ دمرتها؟ حطمتها؟

قتلتها؟ انقض عليه كالثور أو الأسد الذي يجد فريسته فينتقض ليلتهمها سريعاً. هجم عليه وظل يضربه بكل ما أوتي من قوة. أما عثمان برغم قوته التي تعادل ياسين لم يستطع إبعاده عنه، فهو الآن متغيب عن الواقع، ليس ذاك الجبل الراسخ. حدق عثمان بـ مراد الذي غاب عن الوعي وينزف بغزارة. ضم ياسين يسحبه من فوقه: "أبعد يا ياسين، هيموت في إيدك. فوق بقا فوق."

لكمه بوجهه ليبتعد أخيراً وعينيه لا تبشر بخير. فدنا من الحائط يلكمه بقوة. ليساند عثمان مراد للداخل تحت أنظار رقيه التي لا تدري شيئاً وابنها يضمها باكياً بخوف. هدأ ياسين فنظر لـ ماجد قائلاً بابتسامة وهو يلهث ويمسح وجهه بكفه: "تعالى يا ماجد، متخافش يا حبيبي."

استدار له ماجد وركض ليضمه بقوة ويمسد ياسين على ظهره. أحمد كان يتجه لمكتب لمار بلهفة واشتياق. حس أنه له سنين لم يرها مع أنه قد غاب فقط ساعات ليس إلا. كانت الفرحة تتطل من عينيه. فتح الباب وعلى وجهه ابتسامة ساحرة سعيدة وقال: "لمورتي، وحشتيني." فتح الباب أكثر ودلف بهدوء لتتسع عينيه بدموع وهو يتجه ناحيتها صارخاً باسمها. يا ترى ما الذي سيحصل لورد؟ ما الذي أصاب لمار؟ حباً ها هو يتولد بقلوبهم، فهل سينتهي مكة وعثمان؟

أم أن القدر والموت والفراق لهم رأي آخر؟ ما الذي سيحصل مع وعد؟ عارفة أنا ليا أكتر من أسبوع منشرتش، بعتذر جداً والله غصب عني، كنت مركبة كلينو ومش قادرة أكتب وحرفياً بخلصه الفصل النهاردة، فـ قراءة ممتعة واعذروني.

(يا من يملك حوائج السائلين، ويعلم ضمائر الصامتين. يا من ليس معه ربٌّ يُدعى، ويا من ليس فوقه خالق يُخشى، ويا من ليس له وزير يُؤتى، ولا حاجب يُرشَ. يا من لا يزداد على كثرة السؤال إلا جوداً وكرماً، وعلى كثرة الحوائج إلا تفضيلاً وإحساناً...

يا من لا يشغله شأن عن شأن، ولا سمع عن سمع، ولا تشتبه عليه الأصوات، يا من لا تُغلِّطه المسائل ولا تختلف عليه اللغات. يا من لا يُبْرمه إلحاحُ الملحين، ولا تضجره مسألة السائلين، أذقنا بَرْدَ عفوك وحلاوة مناجاتك)

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...