الفصل 15 | من 31 فصل

رواية دموع العاشقين الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ندى ممدوح

المشاهدات
21
كلمة
6,835
وقت القراءة
35 د
التقدم في الرواية 48%
حجم الخط: 18

مرت عدة أيام لم يحدث فيها شيء يذكر سوى زواج أنس من زينب. تحسنت حالة لمار بعدما حادثتها وعد، فمع العلاج خرجت من حالتها، كانت تتحدث معهم ولكنها تبدو غامضة بعض الشيء، تخرج وتغيب دون علم أحد، شاردة دائمًا. توطدت علاقة وعد مع ذاك الملثم الذي لم تدر حتى الآن عنه شيئًا، أصبحا يلتقيان خفية واقتربا من بعضهما البعض.

ورد ما زالت كما هي، فاقدة للحياة، تكابد لتبدو بخير، أدعجت العين وأصبحت هزيلة للغاية، ما زالت تبحث عن ابنتها دون جدوى، تستقبل تهديداتهم التي تزيد الرعب بمهجتها، ولكنها لم تيأس، لم تمل، ما زالت على يقين أن الله سيردها لها. أما عثمان ومكة، ما زالت خناقاتهم كلما تلاقوا، وحدته وعصبيته. أسماء وحذيفة، علاقتهما مميزة لحد ما، لكن هل تظل هكذا؟ عائشة ما زالت تخفي شيئًا.

أما سمر، فهي ضالة الطريق، تفعل ما حرمه الله ونسيت أن الرحمن يراها. بفزع من الليل، عادت وعد خفية للبيت، كانت برفقة الملثم، يلتقون خلف السرايا. دلفت للسرايا من الباب الخلفي الذي عادةً لا يكون به أحد. لم تقابله لأمر ما، ولم يدر حتى الآن باسمها الحقيقي أو عملها، ولكنه أكد لها أنها تعلم أحدًا بالشرطة، لذلك تأخذ منه جل المعلومات التي تحتاجها.

ولكن أصبح مقيمًا بقلبها وله مكانة عظيمة بشغاف القلب وسويداه، برجولته وحسن أخلاقه وجدعنته وطيبة قلبه. صعدت لغرفتها تتسلل خفية للأعلى، تمددت على الفراش ببسمة حالمة، لا تفارق صورته ذهنها، بل إنها قابعة بروحها وسويداء قلبها ووجدانها وكيانها وجوارحها، كل ما بها أصبح يحيي به فقط. كلماته، صوته، حركاته، كل شيء أصبح له مكان في ذهنها.

اعتدلت جالسة، تنظر يمنى ويسرى على هاتفها، فلم تجده، ثم ثبتت مسرعة وعيناها جابت الغرفة دون أثر له، لتتذكر أنها قد نسيته حينما كانوا يجلسون. ضربت جبينها بيأس، وهمست بذاتها: "يا ربي، يعني لازم أنزل تاني دلوقتي." زفرت بضيق، وتوجهت للأسفل بتسلل على أصابع قدميها.

طلت برأسها من خلف الباب ونظرت يمنى ويسرى، فلم تجد أحدًا، ففتحت الباب، همت بالخروج للمكان الذي كانا به، ليظهر فجأة أمامها الملثم، يلتفت بقلق حوله، يسير شبه راكضًا ناحية إحدى الغرف الخارجية بسرايا رحيم. عقدت حاجبيها بدهشة وذهول في آن واحد. ظلت مكانها قليلاً تستوعب ما رأته، واخترقت جحافل الأسئلة ذهنها. "ما الذي يفعله هنا؟ ولما بتلك الغرفة؟ ولماذا لم يذهب؟ ما الذي جاء به؟ ما ينوي فعله؟

لهجت بالأمر ومعرفة ماذا يصنع بتلك الغرفة، فسارت بـ وئيدة ناحية الغرفة. تباطأت قدماها حينما اقتربت من الغرفة، من إحدى النوافذ القريبة كادت بالنظر من بين ضلفتيها، ليصدر الباب صوتًا معلنًا عن خروجه، فتراجعت للخلف بزعر مختبئة خلف المنزل، تترقب بعينيها خروجه لتدلف هي للغرفة. ولكن اتسعت عيناها وتجلى بهما نظرة صدمة، وسطع الزهول والدهشة بهما، ولم تصدق ما تراه عينيها، دلف الملثم وخرج رحيم.

هذا يعني أن رحيم هو ذاته الملثم، لا، هناك شيء آخر. زلت جاثمة مكانها لا تتحرك قيد أنملة، تنظر له وهو يولج السرايا بجلبابه وعمامته التي تزيده هيبة ووقار. حملقت بأثره، فاقت من صدمتها، مستندة بظهرها للخلف، وأغمضت عينيها بعنف، تستجمع لحظاتها مع الملثم ورحيم، كيف غفلت عن كل ذلك؟ فالعينان نفسهما، الصوت شبيه جدًا، ذات الجسد، الطول المفرط، عريض المنكبين، كيف لها أن تغفل عن شيء كهذا؟

أم أن تعلقها به جعلها مغفلة، غافلة، عمياء القلب قبل العين؟ لكن لماذا هي حكمت على رحيم لمجرد اسم مدون على ورق؟ فقد يزيف ذلك أحد. لماذا غفلت عن ذلك أيضًا؟ يبدو أنها لم تصل لشيء بعد، فالظاهر لها الآن أن هناك شخصًا يكره لـ رحيم الخير، يخطط لوقوعه حتى يفعل ذلك ويجعل جل الصفقات باسمه، ماذا إذًا من يكون يا ترى؟ سارت بعيدًا عن تلك الغرفة، واقفة أمام باب السرايا تتأملها، ووضعت كفيها بجذعها وهمست:

"يبدو أن الأسرار كثيرة ولسه مكشفتش ولا واحد." تنهدت بضيق، وتوجهت لترى أين نسيت هاتفها، فوجدته أخيرًا وصعدت للأعلى سريعًا. وتوضأت لتصلي قيام الليل. تكبدت الشمس السماء ترسل أشعتها الفضية المتلألئة. تقلبت وعد على الفراش، فاتحة عينيها على يوم جديد، نهضت لتؤدي فرضها، وهبطت للأسفل، وجدت رحيم يودع والدته، والسيارة بإنتظاره بالخارج، والشنطة ينقلها غفير، وعمه يقف على الباب متكئًا على عصاه.

عقدت حاجبيها بتعجب، وأقبلت نحو غادة التي قابلتها بابتسامة تتسع تدريجيًا: "صباح الخير يا ميور." ابتسمت وعد لها وردت باسمه: "صباح النور يا قمر." وأشارت لها بفضول وهي تتساءل: "إيه؟ رحيم رايح فين؟ "مسافر مصر في شغل وراجع." نطقت به غادة وهي تتجه مصافحة لـ رحيم، الذي ظلت عيناه مثبتة على وعد ما إن وقعت عيناه عليها. فبادلته النظرات كأنها تودعه بلغة أخرى. أقترب رحيم من عمه، واضعًا كفه على كتفه وقال بثقة:

"هسيب أمي واختي وأبويا في أمانتك لحد ما أرجع، فـ انتبه منهم. أنا واثق فيك يا عمي." قال عمه باسمًا: "اتوكّل على الله وشوف شغلك، واطمن انت هتوصيني على أخوي." ابتسم رحيم وغادر، ولكن اخترقت صدره نغزة قوية رجته رجًا، وغصة عالقة بحلقه تخنقه فيكاد يموت منها، لكنه لم يعطِ بالًا لها، وصعد سيارته لينطلق السائق الخاص به. ناجت وعد ربها بفؤادها ليحفظه ويرده بخير.

كانت تسير دون أن تنظر أمامها، نظرها فقط متعلق بالهاتف وهي تعبث به، لحظة وانصدمت بأحد بقوة جعلها ترتد للخلف، لتغلق عينيها بعنف وقوة وهي تقول بصوت عال: "يارب يكون مش هو، يارب يكون مش هو، يارب أكون بحلم ولسه نايمة، يارررررب، يارب مش هقدر أتصبح بيه على الصبح وأتهزق." فتحت عينيها ببطء لتقع عينيها عليه، ذاك الغاضب، عيناه تشع شرارة الغضب، هم بالحديث. لتضيق هي وجهها متصنعة البكاء وقالت:

"والله ما أنت تاعب روحك ومتكلم، أنا عارفة إني عادية مبشوفش ولازم أفتح وألبس نضارة، وإن تلفوني وكاميرتي هيودوني في داهية، أنا عارفة الكلمتين دول." كانت تقلد صوته وحركات وجهه الغاضبة، فكبت ضحكته متوعدًا لها، لتهرول من أمامه هاربة حتى لا تستمع لتوبيخه. تطلع بأثرها مستمتعًا بجنونها. ولجت مكة مسرعة لتنظر لها أسماء قائلة: "إيه يا بت مالك بتجري ليه كدا؟ جلست مكة مربعة قدميها وهي تقول: "البعبع يا أختي."

ضحكت أسماء حتى أدمعت عيناها، ونظرت لها قائلة: "مين؟ متقوليش إن قصدك عثمان." "هو فيه غيره بعبع." قالتها مكة مقهقهة، لتتابع بتنهيدة حالمة قائلة بشرود: "بس الواد قمر كدا، الله يحرقـه." أشارت لها أسماء أن تصمت وهي تضع سبابتها على فمها، فلم تعطِ مكة لها بالاً وتابعت بهيام: "الواد طول بعرض، حاجة كدا تتاكل أكل، أنا اللي عشت في بلاد برا مشفتش في جماله." ظلت أسماء تشير لها حتى يأست. "تقول لي صاروخ أرض جو؟

حاجة خيالية كدا، لولا عصبيته ببقى عاوزه أموته وأخنقه، وبعدها أبوسه." "وإيه؟ تخشبت مكانها فاغرة الفاه، اتسعت العينان بزهول، تتمنى أن الأرض تنشق وتبلعها، وإلا يكون ظنها صحيحًا وقد تكون تتخيل. كانت تطمئن نفسها أنه ليس هنا. أدارت رأسها ببطء ناحية الباب ليغمز لها، فتحملق به بصدمة. كبت ضحكاته بأعجوبة وهمس لأسماء: "تعالي كلمي ياسين عايزك قبل ما تخرجوا."

أومأت أسماء رأسها، ذهب هو بعدما اختلس نظرة بها، فكانت كما هي تحملق بأثره. ضحكت أسماء بشدة، ضربتها بخفة على كتفها قائلة: "حصل خير، ما أنا عاملة أشاور لك تسكتي، لكن أبداً ما صدقتي اتفتحتِ." نظرت لها مكة ما زالت بصدمتها وهمست بعدم تصديق: "ده سمعني، أنتِ متخيلة؟ سمعني؟ آه والله، هيفكر إزاي دلوقتي؟ ضحكت أسماء رغماً عنها، وأبتسمت قائلة: "عثمان عمره ما هيفهمك غلط، أنا متأكدة." همست مكة: "يفهمش غلط إيه؟ اسكتي." أسماء بجدية:

"قومي خلينا نروح يلا." أومأت مكة ونهضت لتبدل ثيابها للخروج. توقفت السيارة أمام إحدى المولات الكبيرة، لتترجل أسماء ومكة وعائشة وسمر، التي كان يطغى عليها الحزن دون أن تدر مكنونه، فقد يحدث ويستقر بالقلب خنقة وضيق لا تدر مصدره ولا كيف تعبر عنه، فقط بكاء القلب من له صوت بداخلنا ببكاء حاد. دلفوا الفتيات للداخل، بينما تركتهم مكة تسير وهي تصور كل ما يقع عينها عليه، ولم تدلف معهم للمول.

رأت بعد الأطفال يلهون كرة قدم، فطفقت تصورهم صورًا عدة، والبسمة لا تغادر وجهها، كانوا يلهون جانبًا برواق أزق. فوقفت عن بعد منهم تصورهم بحماس، وضحكة تطل من عينيها وتوهج وجهها. أحست بشيء اصطدم بقدمها، فنظرت للأسفل فرأت الكرة، وتنبهت لصياح الأطفال أن تردها لهم.

أحست لوهلة أن تريد اللعب معهم، فجالت عيناها المكان لم تبصر أحد، فتراجعت خطوتين وركلت الكرة لهم، ليتلقاها إحدى الأطفال وهو يصيح لها، لتصفق هي بطفولة وفرحة تسري بأوردتها. همت بالموافقة ولكن تملكها الحياء لتثني رأيها بالعودة، ظلت تصورهم قليلاً حتى وقفوا يتسامرون معها، ثم ودعتهم ورحلت.

ريثما كانت تسير، سمعت همهمات وصوت آهات مكتومة، بحثت بعينيها وهي تجول المكان، فأبصرت رجلاً يحمل طفلاً ويخدره ويسرع به لآحدى السيارات، أسرعت ركضًا دون تفكير ناحية السيارة وصعدت بالخلف وأغلقت عليها جيدًا، وودعت هاتفها جيدًا بملابسها. مر الوقت بعد وقتاً لا بأس به، انتظرت قليلاً فعليها انتظار خروجهم من السيارة حتى لا يكتشفوا أمرها. وهجت حتى تعلم من يكونون.

أحست بصمت غريب، فهمت برفع الباب قليلاً، فانصدمت رأسها دون انتباه، مصدره صوت عالٍ، لينتبهوا لأمره، وتيقنوا بأن أحدًا ما بالسيارة. رفع أحدهما المسدس ممسكًا به بكفيه أمامه مصوبًا، وهم بالسير للسيارة، ليمسك زميله بكتفه موقفًا إياه وقال بحده: "سيبك، دا صوت عادي، متهتمش، هيكون مين يعني؟ هز رأسه نفيًا وهو يقول بجدية: "ما يمكن حد لاحظ علينا! قهقه الآخر وهو يقول: "بذمتك حد ممكن يكون لاحظ علينا ولسه إحنا هنا؟

كان زمانا في الكلبش." شوح الآخر له بيده: "على قولك، كان زمانا في الاستجواب." هز الآخر منكبيه واستدار متوجهًا للداخل وهو يهتف بأمر: "هات الواد اللي في العربية وتعالى ورايا." أومأ الآخر وهو يتمتم وحمل الطفل بهمجية حتى إن رأسه اصطدمت بالسيارة، ولحسن حظه أنه غائبًا عن الوعي.

تنفست براحة، كان همًا وانزاح عن قلبها، وتابعت خروجها من السيارة، مدلكة ظهرها بألم، وجالت عيناها المكان لتسير بوئيدة ناحية إحدى النوافذ التي وجدتها يتراص بها أفرع الحديد، فوقفت خلف الحائط تطل برأسها من بين فراغتها، فوجدت رجالًا يتحدثون. أسترقت السمع جيدًا بعدما حاولت أن تبصر الطفل الذي وجدتهم يأخذوه، فلم تبصره. فسمعت رجلًا يتحدث بالهاتف يقول بالإنجليزية: "يومان وستستلم الأطفال بموعدنا، لن نغيره." صمت قليلاً

وقال بهدوء: "لا، لن نختلف عن المقابل، فـ هو مثل المرات الأخرى." "حسناً إذاً، ماذا تريد؟ هما فتيات، بعضهم صغار وبعضهم الآخر فتيات، سيكونوا جاهزين للعمل فور وصولهم." قهقه عاليًا بعد لحظات: "يمكنك أن تفعل ما تريده بهم، تأخذ أعضاءهم، تقتلهم، تجعلهم يعملون، لا يهمني غير المصاري، المصاري فقط." اتسعت عيناها وتجلى بهما نظرة صدمة وزهول وخوف، وصدرت منها شهقة عالية وهي تضع يدها على فمها.

ارتعد قلبها وارتج بخوف، وظل يرتطم بحدة، أخذ جسدها بالأرتعاش، ورفعت هاتفها تبحث عن رقم ياسين بأنامل مرتجفة للغاية، كابدت حتى على إمساكها بين رجفة يديها، ظهر فورًا رقم عثمان لتضغط عليه وتضعه على أذنها، لحظات وجاءها صوته الغاضب: "خير، عايزة إيه؟ وثب واقفًا، وجزعت نفسه، تسارعت دقات قلبه وتجلى بعينيه القلق ولمع بهما الخوف، وقال بلسان متلعثم متلهفًا: "مكة، فيه إيه؟ مالك؟ ليه بتبكي؟ فيه حاجة؟

علا نحيبها وتعالت شهقاتها لينفطر قلبه، سلب الخوف عقله ليصبح القلب هو الحاكم، فبلوعة وألم لا حدود له من دمعاتها قال: "أنتِ فين؟ بتبكي ليه؟ حد أذاكِ؟ صمت حينما استمع لحروف اسمه المتقطعة فمن فمها الذي أذاب جليد قلبه هلعًا، ليلاقي بغضب كل ما أمام مكتبه وهو يصرخ: "فيه ااااااايه؟ أنتِ فين؟ بتبكي ليه؟ أحس برجفتها وتمتمة كلماتها الوجلة وهي تقول بمهابة: "أنتوا عايزين مني إيه؟

صاح بصوت عالٍ ويكاد قلبه ينخلع وروحه تنسحب لتغادره، أحس لوهلة أنه قد يخسرها، لا التفكير بذلك حتى يميته، لن ترحل، لن تتركه، لن تبعد بجنون، قال: "مين دول؟ أنتِ فين؟ آخر ما تناهى لمسامعه صرختها التي فطرت قلبه، ظل يصيح على الهاتف حتى وجده قد أغلق، عاود الاتصال دون جدوي، ليطرحه أرضًا بعرض الحائط دون اكتراث، وهو يتمتم كمن يطمئن نفسه بأعين متسعة: "هي كويسة، آه، هتبقى كويسة."

جلس كمن كان گ عمود وانهار، واقعًا على أقرب مقعد لامسه. بينما أقتربوا الرجال من مكة وهي تتراجع حتى اصطدمت بالحائط، فأغمضت عينيها بقوة مستسلمة وتداهمت شتى الأفكار البشعة ذهنها، فماذا سيفعلون بها؟ هل سيقتلوه أم يبيعوها أم يأخذوا أعضاءها؟ ماذا يا ترى؟ هم أحد بالهجوم عليه وأمسكها وهو يصيح: "أنتِ تبع الشرطة صح؟ جيتي للموت برجليكي."

صرخت وهي تحاول التملص من بين براثنهم، لتتلقى ضربة على رأسها وأغمي عليها، ليتلقفها أحدًا منها فأطرحها أرضًا وهتف بجمود: "قول للمعلم إننا مسكناها." ظل يبحث گ المجنون يحاول الوصول إليها أو أن يتوصل لشيء عنها أو مكانها، أما الفتيات فتملك منهما الرعب والخوف عليها، وعادوا للبيت ليصبح البيت بحالة قلق غير معهودة لهم.

تجلس خديجة بتلك الغرفة، لا يؤنس وحدتها سوى مولاها ربها بقلب مطمئن متيقن مليء بالأمان، تخترق السكينة جدران قلبها لتريح فؤادها.

حرموها من رؤية عبد الله، فظلت بتلك الغرفة التي تحتوى على عدد كبير من الفتيات، فكانت تتجنبهم بركن بعيدًا عنهما، تصلي تارة وتتلو ما تحفظه من كتاب ربها ليؤنسها ويطمئن قلبها ويبث لها الأمان، وتارة أخرى تناجيه أن يحفظ والدتها وأحبتها، وتناجيها تسبح وتحمده وتكبر وتستغفر وتصلي على حبيبها وتذكر الرحمن، كانت أيامها شبيهة لبعضها عكس الفتيات الأخريات الذين يرمقوها بنظرات متعجبة وبعدها ساخرة.

كان من بينهم عدة شباب، اقترب أحدها منها جالسًا بجانبها وهي تتلو بصوتها الشجي العذب، تربع بجانبها وتسأل: "أنتِ بتعملي إيه؟ أنتِ مش خايفة؟ ألتفتت له باسمه يتوهج فؤادها بنور الإيمان وهمست بهدوء: "أنا بقرأ قرآن، ومش خايفة لا عشان ربنا معانا." همس الطفل بإنبهار: "صوتك جميل في القرآن." ثم استكمل بنبرة تحمل همًا وحزنًا: "يعني ممكن حد ينقذنا ونعيش." صمتت خديجة تسترق السمع تحاول أن تدري هذا الصراخ من من؟

فقد انتفض قلبها بدليل أنه لأحد تعرفه، فمن؟ كسى وجهها الحزن وهي تتذكر الفتيات، مرحهم ولهوهم، هل ياترى ستراهم مرة أخرى؟ لاحت لها ومضات ما مضى معهم، كل ذكرى، كل همسة، كل لحظة، فاستدمعت عينيها بدمع الحنين والروح للقائهم.

أزاحت دموعها، وبـ لحظة استمعت لصوت إطلاق نار، انتفض جل الأطفال واقفين ملتصقون ببعضهم بخوف، إلا خديجة التي تعلق نظرها بالباب، كان بالخارج شيء غالي، نظرت يمنى ويسرى حتى وجدت مقعدًا رثًا، فوضعته أسفل النافذة واعتلته رافعة قدميها تنظر منه للخارج. وصل عثمان يطلق النار على كل ما يقابله، ودفع الباب بقدمه ووقف يرمقهم بأعين مخيفة للغاية.

ليقف الرجال وهجم عليه البعض ليقاتلهم بمهارة، حتى وقع عينه عليها على إحدى المقاعد تغلق عينيها، إذاً ماذا فعلوا بها؟ تألم قلبه وتمزقت روحه لمرآها هكذا، فهرع إليها غير عابئ بمن حوله، جثى أمامها يلطم وجهها برفق يحاول جعلها تفيق بأي ثمن، فتحت عينيها بتثاقل لا ترى شيئًا كأن هناك غشاوة على وجهها، كان كل من يقترب منه يسدد له اللكمات ليسقط صريعًا. تعالى صوت بكاءها ما إن رأته، فأمسكت بكفه وهي تعتدل واقفة متوارية به،

هامسة بصوت مختنق بالبكاء: "دول دول خاطفين عيال يا عثمان." ما أن استمع لفظها بتلك الجملة تخشب مكانه، لتتحول عينيه من الحنان لمرآها بخير لقطعة من جهنم تحوطها هالة مخيفة، أبعدها خلف ظهره وهو يستدير لهم غاضبًا، عينيه تعلقت بذاك الشاب الذي يبدو من هيئته أنه يعمل لحساب أحد ما، اقترب منه بلمح البصر وعلى غفلة انقض عليه كالليث يسدد له اللكمات والضرب المبرح. "حااااسب يا عثمان."

صرخت بها مكة وهي ترى شخصًا يقترب منه حاملاً سكينًا بيده، كاد بطعنه، لتسرع هي مهرولةً، ممسكة بالسكين بقوة بكف يدها التي غرقها الدم وظل ينساب بغزارة.

رأى دمائها سقوطها أرضًا، طارحًا بها ذاك الشاب الذي كاد بطعنه مجددًا، ليمسك هو بيده مسددًا عدة لكمات بوجهه مشوهًا له، ولوى ذراعه كاسرًا إياه، مسك برأسه بقوة حينما داهمته ضربة قاسية على رأسه، فتضعضع وانقضوا عليه جميع الرجال التي يزدادون أتيون من الخارج يضربوه بشدة، وهي مهجشة بالبكاء. "خلاص، سيبوه كدا، ابعددددوا." صرخ بها ذاك الشاب، ليبتعدوا رجاله عنه عن كثب، وقف وهو يقول: "مين باعكم؟ ووعد هطلعكم من هنا بخير."

أشار بسبابته بوجهه: "ولكن هتكذب يبقى متلومنيش على اللي هيحصلكم." جلس ليصبح مقابلًا له وجهًا لوجه وهمس بحده: "فـ مين باعكم؟ تبع مين أنتم؟ مستعد أديك المبلغ اللي تأمر بيه، ها؟ قلت إيه؟ رمقه عثمان بنظرة تتأرجح بها الغضب، ناظرًا له بإستماتة وقال بصوت أجش وهو يلكمه بحدة: "قولت كدااااا." جذب المسدس من يده وأطلق على قدمه، وباقي الرجال على أقدامهم.

سار بأعجوبة من جروحه جاذبًا إياها من يدها السليمة، لا سيما فالأخرى تنزف بغزارة، خرج بها مسرعًا محتضنًا كفها بكفه، ولكنه توقف مكانه متسمرًا على صوت نداء باسمه، ليهمس بعفوية: "دددددديجااا." ترك كف مكة ناظرًا حوله بهلع وهمس وهو يدور گ المجنون وعيناه تتفحص المكان بدقة: "خديجة، أنتِ سمعتي صوتها." هزت مكة رأسها، واقتربت مكة وهي تضغط على كف يدها تحاول وقف نزيفه، لتهمس بوهن: "لا، مفيش صوت لأي حد."

لم يستمع لها، لم يهتم بكلماتها، وولج للداخل متسانداً على نفسه محاولاً الثبات، يواري ألمه، بحث وأخذ بالبحث بذاك المنزل، فاتحًا غرفة واحدة تلو الأخرى، ليجد بعض الفتيات، فأخرجهم بهدوء، لحظات وكان ينضم له ياسين برفقة بعض القوة. أقترب ياسين ركضًا من مكة ناظرًا لها بتمعن والقلق يقتله: "أنتِ كويسة؟ حصلك حاجة؟ هزت مكة رأسها، ليقع بصره على جرحها، فيبسط كفيه ضاماً كفها وهو يقول بلوعة تسري بروحه: "لا، إيه؟ والجرح ده؟

أغلقت جفونها عدة مرات بقرب عثمان الذي لم تستمع ما يقولونه، وأسودت الدنيا بوجهه، فلم تشعر بشيء بعدها. تلقفها عثمان بيديه ناظرًا لها بقلب يأن لمرآها بذاك الضعف. ليصرح به ياسين: "بسررررعة اطلع بيها على المستشفى، وأنا هقفل كل حاجة." أسرع على عجل ليضعها بالمقعد الخلفي وذهب. توقف ياسين مكانه حينما تناهى لمسامعه صوتًا صارخًا باسمه، فالتفت حوله وهز رأسه وهو يقول: "معقول؟ بتخيل صوت خديجة ولا عشان وحشتني؟ البت دي."

أسرع خطواته للداخل ليكمل عمله. بكت بحرقة كما لم تبكِ قبلًا بدموع حارقة بلوعة، بقلب أضناه الأشواق والقلق، اخترق اليأس قلبها ليرجه رجًا، فيزداد بكاء قلبها وصراخ روحها وندوبها ودموعها، لتضرب رأسها بحديد النافذة وهي تنهار جالسة منكبة على قدميها التي ضمتهم وهي تضم نفسها بذراعيها مجهشة بالبكاء.

زاغ بصر ياسين ودق قلبه بألم، أحس أن نبضه توقف لوهلة من تلك النغزة، وأدمعت عيناه، لا يدري لماذا، فأول مرة يحصل معه ذلك، تلاشت أنفاسه وتلاحقت، كان الأكسجين نفذ وروحه ستفارقه، أكمل عمله بتقاعد وجمعوا الرجال وذهبوا. استمعت لصوت السيارات تعلن مغادرتها، لتقف مرة أخرى بالنافذة متشبثة بأعمدتها وتصرخ باسمه دون ملل، ولكنه لم يستمع ولم يلب النداء، فزاد نحيبها وهي تقول:

"أنا خديجة يا ياسين، تعالى طلعني من هنا، أنا خايفة، تعالى يا ياسين لخديجة، متسبنيش لوحدي، خديجة حبيبتك." ارتعشت وهي تحاول الجلوس مجددًا، وأخذت تناجي ربها وتستغفره. وصلت ورد بالمكان المحدد، كان مكان فارغ لا يوجد به أحد ولا تدب به حياة، أنتاب القلق قلب عمرو الذي لا يدري ما تفعله بذاك المكان.

رآها تترجل من السيارة تسير بوئيدة وخوف، أحسه وهي تلتفت يمنى ويسرى وجسدها يرتعش برعدة قوية، ممسكة بالحقيبة بيدين مرتجفتين، ولكن على بغتها منه حصل شيء غير متوقع، لتقع أرضًا صارخة صرخة قوية رجت المكان رجًا. رأاااااايكم وتوقعاتكم.. ما الذي سيحصل لـ خديجة؟ هل تستطيع لمار إنقاذها؟ كيف ستكون حالة ورد من بعدها؟ ماذا لو اكتشفت سمر حبها لأنس؟ ماذا لو عاد حب ياسين الغائب من سنين ينير دربه وأيامه الحلكة المظلمة؟

كل هذا وأكثر مع "دموع العاشقين" ولج للداخل ركضاً ناظراً للمكان الذي بدا بساحة حرب، ليصيح بالرجال من خلفه: "إيه اللي حصل؟ الغبي دا إزاي يمسكوه؟ لازم نتصرف قبل ما يفضحنا." نظر للرجال خلفه: "هات العيال اللي جوا دي، خلينا نخلص ونبيعهم يلاااا." بادر عبد الله قائلاً بلهفة: "أنا هجيبهم." وأسرع على عجل ناحية إحدى الأروقة الأزقة، واقفًا أمام الجدار ضاغطًا على زر ما ليندرج الجدار موازيًا.

كاد أن يموت بمكانه وهو يرى خديجة بتلك الحالة المزرية جالسة تضم نفسها بذراعيها، دافنة رأسها مجهشة بالبكاء. هرول إليها قائلاً بقلب أضناه القلق والخوف: "فيه إيه؟ خديجة حبيبتي، أنتِ كويسة؟ مااالك بس فيه إيه؟ رفعت عينيها المكتظة بالدموع لتميت قلبه من خوفه عليها، وضمه باكية وهي تهمس: "ياسين وعثمان ومكة كانوا هنا، ناديت عليهم كتير بس مش سمعوني." ربت على ظهرها بأعين أغرقتها الدموع وقال: "متقلقيش يا حبيبتي، خير."

جمع الأطفال وخرج بهم، استقلوا سيارات ومضوا من طريق خالٍ إلى فيلا ذاك الرجل، كانوا الأطفال لا يشعرون شيئًا من ذاك المخدر، ونقلوهم ما أن ولجت السيارة ناحية الفيلا المأمنة لإحدى الغرف. وجلس ذاك الرجل على مقعد ذو اللون الذهبي بالأسود وهو يقول ببسمة غامضة: "بت لمار هنا، خلينا نلعب مع أمها شوية قبل ما نسافرها وناخد منها نفع بردوا." أشار لأحد الشباب: "تعالى يا بني." اقترب منه الشاب ليناوله هاتفًا قائلاً:

"رن عليها وبلغها تتقابلوا ومعاها مليونين." أومأ الشاب ونفذ ما أمره به. أضناه الشوق لصغيرته لرؤياها، ليرتوي منها ويضمها لصدره لتبث لفؤاده الأمان والراحة والسكينة والطمأنينة، اشتاق لها لحد اللامعقول. كأن قلبه صحراء خاوية رمضاء وهي من سترويه وتثلجه. ابتسم وهو يتخيلها، ليتنهد براحة وترك قلمه ووثب خارجًا من مكتبه مسرعًا خطواته واستقل سيارته وغادر مسرعًا.

ورد أصبحت كاسفة البال، أضنى الخوف قلبها وهزعت نفسها، تتمنى فقط أن ترى ابنتها لتبدد أيامها الحلكة المظلمة لنور يهديها ويطمئنها، جاءت بكل ما كانت تدخره من مال لإنقاذ ابنتها، عيناها لا تحيد عن ساعتها، يدق فؤادها بعنف، الوقت لا يمر كأنه جاثم، لا يرقأ لها دمع، انتفخت أوداجها من شدة الخوف والحزن وانقطع وتينها. من هي دون ضياء حياتها ورونقها؟ من هي دون تلك الضحكة الصافية التي تنير أيامها الحلكة؟

إنها كوكبها الدري الذي يضيء لها ليالي الدجى. كيف تحيي لو حصل لها شيئًا؟ فإنها صباحها ونهارها وليلها، فنظرت عينيها البريئة تبهرها وتوهج وجهها ضياءً. أخذ عقلها يصول ويجول دون هوادة، تطمئن ذاتها أنها الليلة ستنام بحضنها، لن تفارق عيناها مرة أخرى. تسارعت دقات قلبها گ الطبل وهي ترى حينما دقت الساعة معلنة عن موعد ذهابها لتسليمهم المصاري وتأخذ طفلتها.

رباااه كم تشتاق لضمها بسويداء القلب، أن تحفظه بشغافه، أن ترتوي عينيها منها. نهضت بدموع أغرقت عينيها لتهرب لوجنتيها، وألتقطت الحقيبة وأسرعت خطواتها على عجل ناحية السيارة لتستقلها. كاد عمرو أن يهم بالنزول من سيارته ركضًا للداخل، ولكن تخشبت يده وهو يراها تخرج بيدها حقيبة وتستقل السيارة، أغلق بابه مرة أخرى وانطلق خلفها.

وفي أوان ذلك لدى لمار، كانت تخرج من الغرفة وهي تلهث، يقطر من جبينها العرق بعدما ظلت تضرب ذاك الشاب خاطف خديجة، ولكنها لم تتوصل منه لأي معلومة تريح فؤادها. تطلعت بالشباب دون اهتمام، وألتقطت زجاجة لتروي ظمأها، ونظرت لهم وهي تغلقها وهمست ساخرة: "أول مرة أحس إني معلمتش صح؟ أنتم متستحقوش الأماكن دي." تطلع عثمان وياسين لبعضهما البعض دون فهم، لتضرب قبضتها بالمكتب وهي تصيح:

"إزاي تروحوا تجيبوا خاطف خديجة ومهتمتوش تعرفوا هي فين؟ صدمة علت وجوههم، فاتسعت أعينهم يحاولون استيعاب ما تقول، اعتراهم القلق، نظروا لبعضهم في قلق شديد، خديجة انخطفت؟ منذ متى وكيف لا يدرون؟ كيف لم يعلموا بذلك؟ أهذا يعني أن صوتها لم يكن مجرد تهيؤ لهم؟ لقد كانت تستقوي وتستغيث بهم، لقد خذلوها؟ خديجة حبيبتهم تلك الصغيرة التي يذيبون فيها عشقًا. صاح صوت لمار تنتزعهم من حالتهم تلك وصدمتهم: "إيه اتصدمتوا يا أستاذة؟

إزاي محستوش؟ ورد خافت تتكلم عشان بنتها، دا حتى معرفتش غير بمرضي، أنتوا إزاي عملتوا اسم هنا، أما خديجة تنخطف من بينا." فاضت أعينهم بالدمع لوهلة، وصدى صوتها المصاحب بالبكاء والنداء يتردد على أذن كل واحد منهم. تنقل النظر فيما بينهم بلحظة، باغته ركضوا معًا سوياً للخارج ومن المبنى، مستقلين السيارة وانطلقوا بقوة البرق.

توقفوا أمام ذاك المكان وترجلوا ركضًا للداخل، وأخذ كل واحد ناحية يدرون حول أنفسهم ك المجانين يصرخون باسم خديجة، يفتحون كل الغرف باحثين بدقة عنها. بعد وقت من البحث، اعتراهم اليأس والقهر من أنفسهم، وأضنى الوجع سويداء أفئدتهم، فجلسوا مرة واحدة منهارين أرضًا، ضرب عثمان رأسه بالجدار وهو يقول بنبرة موجعة: "مش عارف أنا إزاي سمعتها وحسيت بيها ومشيت، بس والله دورت ملقتش حد، فعشان كدا فكرة إني بتخيل." خفض ياسين الطرف يواري

ألمه ووجعه وقال بثقل: "كانت بتبكي وبتنده عليا، أنا حسيت إنها محتاجاني، قلبي فجأة وجعني، بس مش عارف أنا إزاي مفكرتش إنها هنا." ساد صمت معبأ بالخوف، ليقفا مغادرين هما الاثنان. وصلت ورد بالمكان المحدد، كان مكان فارغ لا يوجد به أحد ولا تدب به حياة، أنتاب القلق قلب عمرو الذي لا يدري ما تفعله بذاك المكان.

رآها تترجل من السيارة تسير بوئيدة وخوف، أحسه وهي تلتفت يمنى ويسرى وجسدها يرتعش برعدة قوية، ممسكة بالحقيبة بيدين مرتجفتين. ولكن على بغتها منه حصل شيء غير متوقع، لتقع أرضًا صارخة صرخة قوية رجت المكان رجًا.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...