وصلت ورد للمكان المحدد، كان مكان فارغ لا يوجد به أحد ولا تدب به حياة. أنتاب القلق قلبها، الذي لا يدر ما تفعله بذاك المكان. رآها تترجل من السيارة، تسير ببطء وخوف. أحس بها وهي تلتفت يمنى ويسرى، وجسدها يرتعش برعدة قوية، ممسكة بالحقيبة بيدين مرتجفتين. ولكن على بغتها، حصل شيء غير متوقع، لتقع أرضاً صارخة صرخة قوية رجت المكان رجاً.
جاءت سيارة مسرعة بلمح البصر، لم تدر كيف مرت، ليسحب أحد ما من النافذة الشنطة وتقع هي أرضاً صارخة. اتسعت عينا عمرو بنفضة رجته، وهو يترجل من سيارته راكضاً إليها. يكاد يقسم أن قلبه توقف حينما رآها تقع. هرع إليها، كانت تحاول استيعاب ما حصل. فما أن وقعت عيناها على عمرو الذي يصيح بها، ولكنها لا تنتبه لكلماته، نطقت باسمته جعلت قلبه يرفرف كـ الذبيح: "خديجة". علت وجهه الصدمة، ونظر لها بنظرة يفعمها الرعب والفزع. تملك قلبه
الزعر وهمس بنبرة ثقيلة: "خديجة مالها؟ هي فين؟ انتِ بتكذبي عليا صح؟ أنا حاسس." هزها بعنف: "انطقي، بتعملي إيه في المكان المقطوع ده؟ أجهشت بالبكاء بقلب أضنته الندوب. انعقد لسانها بغصة مريرة، فلم تستطع النطق وتحاشت النظر له. صرخ بوجهها وهو يهزها مرة أخرى: "فين بنتي؟ بنتي فين؟ ارتجفت وارتعدت، وبتلعثم همست: "معرفش، معرفش هي فين. كل اللي أعرفه إنها عايشة، مش هتسبني."
لجمته الصدمة، فتسمر موضعه لا يتزحزح ولا يرمش له جفن. لا يحيد نظره عنها. أعترته الصدمة، يحاول استيعاب ما لفظت به مراراً وتكراراً. وطفق عقله يجول ويعود، وهو يعيد آخر كم لقاء بينهما. كانت نحيلة، شاحبة الوجه، هشة، حزينة، يتملكها الشجن. تتلعثم إن جاء أحد باسم خديجة. لا، هي بخير، طفلته بخير. حاصرته الأحزان ليقول بأعين زائغة: "يعني إيه؟ أنا بنتي فين؟
وضعت رأسها بين راحتيها بغم وغم، وقصت عليه منذ علمها باختطاف خديجة إلى وقتها ذاك. صاح كـ المجنون بعد أن صمت ملياً بتفكير: "كل دا حصل لبنتي؟ ولسه فاكرة تقوليلي؟ أمال كنتِ هتقوليلي امتى لما تموت؟ علت صوت نحيبها، جعله يبلع كلامه. دقق النظر بقسمات وجهها الهزيلة الخائفة، ليجذبها بصدره معتصرها بداخله. "هاااا! عملتي اللي في بالك وسكتي؟ ارتحتي دلوقتي لما مقولتيش لحد؟
اتسعت عينا ورد وعمرو من صوت لمار الصارخ. فرفعت رأسها تقابل عيناه، كأنها تتسأل ما استمعت إليه حقيقة أم ماذا؟ ليفهم ما تعنيه، ليؤمئ بعينيها. كادت بوشك الالتفاف لتجذبها لمار من يدها بقوة، قاذفة لها الحقيبة لتتلقفها ورد بكفيها. صاحت لمار بها بصوت عال ونظرة حادة يفعمها القلق والخوف: "آآآآيه! كنتِ متوقعة إيه لما تسلميهم الفلوس؟ إنهم هيدوكِ بنتك مثلاً؟ بنظرات ذات هالة مخيفة من الغضب والنيران، أشارت لها بسبابتها وهي تصيح:
"لو قولتيلي من أول ما اتخطفت، مكنش كل ده حصل؟ "كانت بينا دلوقتي. لو فضلت عايشة معانا، مكنش كل ده حصل. ودلوقتي لو حصل لخديجة حاجة، أنتِ المسؤولة. مفيش غيررررك." ساد الصمت بينهم. تحاول أن تدرك ورد ما الذي تتهمها به. ولكن مهلاً، هذه ليست لمار. إنها الخوف الناطق. إنها تخشى الفقد مرة أخرى، أن تداهمها الأحزان أكثر من ذي قبل، إذاً. اقتربت ورد تجاهها دون كلام، وجذبتها لحضنها، مربتة على ظهرها باكية وهمست بتثاقل:
"خديجة هترجع لينا، متقلقيش. أنا مطمنة إنك هترجعيها، وواثقة إن ربنا مش هيردني خائبة اليدين. هيردهالنا، وأوعدك مش هنفارق وهنعيش معاكِ." عبأ الحزن الآفاق. أصبح الدار كئيباً للغاية، يفعمه الحزن والهم. جلسا الجميع بقلق، وكل منهم منشغل الذهن بـ خديجة.
تجلس لمار تهز قدميها، تخفض الطرف. عاتب الجميع ورد، وأخذوا منها موقف. لم يحادثها أحد، حتى لمار من بعد عودتهم. لا تحرك عينيها عنها، تبكي بحرقة. لاحظت أسماء نظراتها للمار وبكاءها الصامت. أحست أنها بحاجة لحضن ما، لتخرج ما بجعبتها لترتاح فؤادها قليلاً. اتجهت وجلست بجانبها وضمتها بحنان لصدرها، وهتفت بنبرة حزينة قلقة:
"هتبقي كويسة. متنسيش خديجة قوية والله، وهترجع، فـ اطمني. لأني مطمنها وقلبي حاسس إنها بخير. يمكن عمتي بس بتلوم نفسها عشان زعلتك، لكن هي مستحيل تزعل من بنتها. ومتنسيش إن خديجة دي عوض فاطمة ليها." انكبت ورد بحضنها تبكي بحرقة، بقلب أصبح قبر حالك السواد، مظلم، يشتاق ويحن لكوكبه ونجومه لتضيئه وتعيد له الأمان والنور. وقف يوسف ببغته، ينظر حوله ثم قال بسخرية: "يعني خديجة اتخطفت طول الوقت ده واحنا موجودين؟ كأننا مش موجودين؟
وانتِ تخبي؟ طب كويس والله." رمقته ورد بنظرة ألم. همت بالحديث، ليشير لها قائلاً: "متتكلميش. الغلط مني، كان لازم انتبه للكل." يجلس عمرو واضعاً رأسه بكفيه. وثب واقفاً مغادراً من أمامه للخارج، ليلحق به حذيفة بإشارة من حامد. نظر يوسف لصديقه نظرة ذات معنى، ليلحق به ويغادرون. دقائق، ونهضت لمار دون حرف، مشيرة لـ ياسين وعثمان بحدة: "وراياااا." لم يعتادا مناقشتها، فكان يجب عليهم تلبية طلبها دون استفسار.
كادا على وشك الخروج، ليوقفا الشباب متراجعين ناحية ورد. جلس عثمان بجانبها، ووقف ياسين أمامها قائلاً بصدق: "سامحيني. أنا سمعت صوتها ب... قاطعته ورد وهي تلتفت له بعفوية بأعين ضاحكة، وهتفت: "سمعت صوتها فين؟ أنا... أنا بنتي عايشة؟ عايشة صح؟ فاضت عينيها بالدمع، ليبادر عثمان قائلاً: "لما كنت بنقذ مكة، وكنا خارجين سمعت صوتها بتناديني. بس صدقيني دورت في المكان كله، مكنتش بينهم نهائي ولا لمحتها. ظنيت إني بتخيل."
نكس رأسه بحزن، تداهمه جحافل من الذكريات مع خديجة، حبيبته الصغيرة، ووجهها الباسم الضحوك، وأعينها التي تسطع بالبهجة. أغمض جفنيه، يخشى فقدانها. مجرد التفكير بخسارتها يؤلمه قلبه للغاية، كأن هناك من ينزعه. علت البسمة وجه ورد وهي تقول: "يعني هي عايشة؟ "الحمد لله يا رب. أنا متأكدة إنها هترجع. يارررب رجعهالي بخير." قاطعها ياسين بنبرة أضنتها الوجع:
"وأنا كمان سمعتها. بس افتكرت إني بتخيل عشان وحشتني. بس أوعدك هترجع، حتى لو هضحي بروحي. إلا خديجة." ابتسمت له ورد باكية. رحلوا الشباب بعدما طمأنوها، ليضمها الفتيات جميعهم مجهشون بالبكاء معها. كان الوقت قبيل غروب الشمس، حينما ولجت لمار بغضب هادر يشعل بمقلتيها لأحدى الفيلات، ومعها قوة من العساكر، وياسين وعثمان. وقف رجل كبير بالعمر، وقبل أن يصيح بها، بادرت لمار قائلة: "فتشوا الفيلا كويس، وأياكم تسيبوا شبر حتى." "صاحت
منادية لعثمان وهي تشير له: أنت خد دا، وياسين دا. يلا بسرررعة." قالتها وهي تشير لهم يمنى ويسرى. وعادت نظرها لذاك الرجل بنوبة غضب شديدة دون كلمة، ولكن كانت عينيها كفيلة لتميته وتبث الرعب بأوردته. أقترب منها بغموض، عينيها مليئة بالانفعال: "فيه إيه؟ وازااااي تدخلي بيتي كده؟ أنتِ مش عارفة أنا مين؟ ابتسمت لمار ببرود تام وسخرية، وتوجهت لمكتبه، وهو خلفها. أخذت تبحث بكل ركن به وبالأوراق، وهمست ساخرة:
"لأ، عارفة طبعاً يا سليم بيه. هو حد ما يعرفكش؟ "وتأكد إن نهايتك وحبل المشنقة على إيدي!!! ودلوقتي فين الأطفال؟ صرخت به بعصبية ونرفزة ونظرات مفعمة بالغضب. هز رأسه متسائلاً: "أطفال إيه؟ أنتِ إزاي تداهمي بيتي كدا؟ معاكِ إذن من النيابة؟ ظهرت ابتسامة ساخرة على قسمات وجهها، وهي تقترب منه حتى وقفت أمام وجهه قائلة بفحيح: "بنتي فين؟ خديجة فين؟ أبتلع ريقه بخوف، والرعب سرى بأوردته وأوصاله، وهمس بغضب: "خديجة مين دي؟
وأنا أعرف منين هي فين؟ ابتسمت لمار ببرود، وتوجهت لخارج المكتب: "كله هيبان دلوقتي يا باشا، لما رجالي يجيبوا العيال." أبتسم بمكر وهو يخرج بعدها، ويقول: "دورواااا براحتكم، واللي تلاقوه طلعوه." وجلس على أقرب مقعد بكبرياء. لحظات، وخرج عثمان خلفه القوة التي اصطفوا بجانب بعضهم، لتنظر له لمار باهتمام. ليقول عثمان بأسف وهو يهز رأسه: "ملقناش حاجة يا فندم!
نظرة له لمار بألم، ودقات قلبها تتسارع خوفاً. حتى كاد أن ينخلع، ولكن أمل تسلل لفؤاده، حينما خرج ياسين صائحاً: "ملقناش حاجة يا فندم! اتسعت أعين لمار بهالة مخيفة للغاية، وهي تصيح بهم وفؤادها ينخلع من موضعه: "يعني إيه مفيش حاجة؟ انتوا دورتوا كويس... قاطعتها ضحكات سليم، وهو يتوجه نحوها، ووقف أمامها هامساً:
"كان لازم تفكري مليون مرة قبل ما تداهمي بيتي. ولأني أحسن منك، هسيبك. بس نصيحة، دوري في مكان غير ده، مش بيتي. ودلوقتي اتفضلوا." أشارت لمار للشباب بالخروج، لينصاعوا فوراً. استدارت برأسها له ببسمة باردة، وهتفت: "بس مش معني كده إنك تمام. طالما لمار حطت عينها عليك، يبقى اتأكد إنها هتعمل المستحيل عشان تقضي عليك."
غمزة له بمكر وغموض، واستدارت مغادرة. وقفت على أسكفة الباب، مستديرة له برأسها، وأشارة بأناملها على عينها، ثم إشارة، وغادرت بهيبة مخيفة. أعد عبد الله أكواباً من الشاي للرجال الذين بصحبته، يستعدون حتى يذهبوا بالأطفال للطريق الذي سيسافرون به عن طريق البحار. احتسوا جميعهم الشاي، ونقلوا الأطفال بالسيارات التي ستنقلهم قريباً من موقع التسليم. كان نصف الرجال فقط، أما البعض منهم ما زال لم يأتوا بعد.
دقائق، ووقع الجميع مغمياً عليه بسبب المنوم الذي وضعه عبد الله. ليبتسم وهو يبصق عليهم، وهتف بسخط: "يا كلاب، بتضيعوا آخرتكم عشان كام قرش." "ثم صمت ملياً بحزن، بدأ بتفكير، وأكمل قائلاً: قال يعني مكنتش هعمل زيهم. الحمد لله." "الحمد لله من غير خديجة، كنت هفضل طول عمري شايل هم كبير وذنب مستحيل يتغفر. الحمد لله يارب، اشكرك وأحمد فضلك." ابتسم وهو يزيح دموعه التي خانته، وهوت واحدة تلو الأخرى. أسرع ركضاً للداخل، شبه راكضاً.
فتح السيارة المحملة بالأطفال، وأشار بيده لهم للنزول: "يلا بسرررعة، تحركوا." مد يده لـ خديجة: "هاااتي إيدك يا خديجة." "يلا، مفيش وقت. كله ينزل؟! أصطف الأطفال حوله بهلع، يهشم قلوبهم. نظر له عبد الله، ولم يدر ماذا يفعل، ولماذا الشرطة لم تأتي بعد! حاول فتح بعض السيارات التي بداخلها فتيات، فلم يستطع. فهو استطاع أخذ مفتاح للسيارة التي بها خديجة فقط. شعر بالتوهان. لن يستطيع تحريرهم، أو تركهم. إذاً، ماذا عليه أن يفعل؟
صوت سيارات آتية، جعله يتسمر موضعه بفزع، وقلبه يكاد يتوقف من فرط الخوف على هؤلاء الأطفال. نقل الأطفال لعربية أخرى قد جاء بها قبلاً. سرعان ما انطلق بسرعة. لحظات، ووجد سيارات كثيرة تأتي خلفه بقوة. حاول تشتيت انتباههم، ولكنه محاصرينه.
على الجانب الآخر، بعد أن رحل عبد الله، داهمت لمار على المكان الذي قد وصل إليه من كان يجب أن ينقل البنات وسيسافر بهن. تبادلوا إطلاق النار الذي أصبح كالمطر يقع من الجانبين. رجالاً كثيرة مصرعين في بحر من الدماء. استطاعت لمار بمهارة محاصرتهم، فقد كانت كـ المغوار، تزأر لهم زئير الأسد من أجل طفلتها. كانت لا ترحم أياً منهم.
ركضت لأقرب سيارة، والتي كانت محملة بأجهزة طبية والبنات خلفها. أخذت تخرجهم جميعاً بلهفة، عيناها تدور وتبحث عن طفلتها. حذا ياسين وعثمان وعمرو، الذي أصر على مصاحبتهم. حذو حذوها. خاب أملهم حينما لم يجدوها. ولكن ترقع يوسف أصابعه بعد تفكير، هامساً بصدق: "في عربية متفرغة، معني كده إن الشخص اللي وصلنا المعلومات دي هربهم." "أو خاطفهم؟ همس بها بلال مفكراً. ليرمقه حامد بسخرية قائلاً: "ولو عايز يخطفهم، هيتصل يبلغ ليه؟!
همس يوسف بصدق: "يجوز كان خايف إننا نوصلش في الوقت المناسب، وعشان كده ساعد على قدر ما يقدر بتهريبهم، خاصة إن بعض الرجال شاربين منوم." هزت لمار رأسه تأييداً. ليسارع يوسف قائلاً: "وده يعني إننا لازم نبحث عنه، لأن ممكن بردوا يكونوا لحقوه." أمرت لمار أنس وبلال بالعودة، إلا أن أبى عثمان وياسين بشدة، بدون العودة بلا خديجة. ظل عبد الله يقود دون وجهة بالطرقات، حتى وقف بطريق به ناس. بعد الشيء، فتح السيارة وصاح بالأطفال:
"أنا لازم أسيبكم هنا. هما هيفضلوا يلاحقونا." "اشار على شارع جانبي: اقفوا هنا. لو فضلت عايش، هرجع لكم. لو مرجعتش... "نظر لـ خديجة: وقفي أي حد، بس مش أي حد وخلاص. والله ما عارف يا بنتي، بس أهم حاجة تروحوا للشرطة." هم بأن يصعد السيارة مرة أخرى، ولكن يداً تعلقت به، منعته من التقدم. لينزل عينه على خديجة التي ملأتها الدموع، لتهمس خديجة وهي ترفع رأسها له بدموع لا تحصى: "انت هترجع يا عمو؟ أنا هشوف تاني؟
نظر لها نظرة لن ينسى مهما حي. هبط لمستواها، وعيناه تذرف الدمع، وضمها لصدره بحنان أب، مجهشاً بالبكاء، ممتناً لتلك الصغيرة. ولكنها أبعد ما تكون عن صفة الصغار، فتلك الفتاة التي عقلها يكبر سنها برجاحته، أهدته لطريق النور، وانتشلته من الضلال. لقد أنارت حياته، وأخذت بيده لطريق الهداية، وأظهرت له أن الحياة تلك لا تعني شيء، وهو فقط عليها كـ غريب أو عابر سبيل. كان مقدماً بطريق لهلاك آخرته، وذنوباً لا حصى لها، وقتل أرواحاً بريئة. فـ بلحظة، جاءت هي كنسمة ريح عطرة تحمله من الضياع، لتضعه بطريق يتمنى به مغفرة من الغفور الرحيم.
أبتعد عنها وهو يزيح دموعه التي كلما أزاحها، انسدلت بغزارة: "تعرفي يا خديجة، أنتِ بنتي اللي مخلفتهش. أنا ممنون ليكِ بحياتي، بس انتبهي على نفسك. أنا لازم أمشي قبل ما يلاحظوكم." ركض متجهاً للناحية الأخرى، وصعد وقاد مسرعاً. دقائق يقود بهدوء، لا أثر لهم. ليخرج سيارات بوجهه، محاصرينه من كل جنب. وعلى بغته، هجموا عليه وأطرحوه أرضاً. واقترب سليم منه، ودفعه بقدمه في معدته، وصاح: "بقى بتبلغ عني يا كلب، ليه؟
فلوس واديتك، قولت علاج بيتك، دخلتهالك أكبر مستشفى، وفي الآخر دا جزاتي... سعال مصحوباً بدم، كل ما صدر منه. لمح عبد الله خديجة تختبئ خلف السيارة، فـ بدا له أنها صعدت معه دون أن يراها. حملق بها بخوف، وهو يطرف عينيه عدة مرات بوهن شديد. أشار لها بعينه أن ترحل، إلا أنها كانت تهز رأسها بنفي، وشلالاً من الدموع ينهمر على وجنتيها بقلب موجوع، يدق بألم لألمه. نبض كأنه الخناجر تنغرس بها بلا هوادة.
لاحظ سليم نظراته وأشاراته، ليلتفت للخلف، ليشير لها عبد الله بنظرة إصرار يفعمها الترجي بالذهاب. لتركض خديجة قبل أن يراها، توشك على السقوط مراراً لهالة الغشاوة من الدموع التي تحجب رؤياها. وقف صائحاً بمن أمامه، مطأطأ الرأس: "يعني إيه؟ الصفقة اتلغت؟ أنت عارف شركتنا لو فضلت على الحال ده، إيه هيحصلها؟ هنفلس." قال الآخر دون أن يرفع رأسه: "استاذ زين، أنا بعمل اللي بقدر عليه، ولكن إن شاء الله هطمنك وأبشرك."
أومأ زين وهو يكبح غضبه بشتى الطرق، وقال بهدوء جاهد ليبدو كذلك: "إن شاء الله خير. روح أنت دلوقتي، وبكرة هتتحل." خرج الشاب، بينما جمع هو ملفاته، وجذب مفاتيحه وهاتفه، وغادر. وقف أمام أسكفة الشركة لدقائق، ثم أقترب ليضع الملفات بالسيارة، وتوجه لسوبر ماركت قريب، وجلب علبة سجائر، ووقف شاعلاً واحدة، منثفاً دخانها بتنهيدة حيرة وقلق وتفكير.
صوت شهقات، جعله يسترق السمع ليعلم مصدره من أين يأتي. ألقى سيجارته وسحقها بقدمه. سار ذهاباً وإياباً، يلتفت لمصدر الصوت. وقف قريباً من الصوت، لكنه لم يبصر أحد. ليصيح بصوتاً عال: "فيه حد هنا؟ صمت قليلاً، فتوقف صوت البكاء. ليتابع قائلاً: "مين بيبكي؟ حد محتاج مساعدة؟ مين؟
تابع السير قدماً، وهو يدقق النظر بعينه، لكنه لم يرى أحد، ولم يستمع الصوت. هز منكبيه، وعاد أدراجه لسيارته، وهو يخلع جاكت بدلته. فتح باب سيارته، وألقى الجاكت على المقعد المجاور، وجلس أمام عجلة القيادة، ليشغل السيارة مصدراً صوتاً قوياً. هم بالانطلاق، ليبصر بالمرآة طفلة صغيرة ترتجف، تخرج من أحد الأورقة الأزقة. دقق النظر بها، كانت تبكي، يديها ترتعشان، وجسدها يرتجف برعدة قوية، ودموع تنسدل بغزارة، محجبة. نظرته تحولت لتعجب مفعم بالدهشة. عاد فتح الباب، وترجل بهدوء. همت هي بالأختباء، ليركض هو ويلحق بها، ممسكاً بمرفقها. همس ضاحكاً:
"هو أنا عفريت بتجري مني؟ حاولت نزع يديه، وهي تغض الطرف. ليثبتها هو، ممسكاً بمنكبيه، ويهبط بمستواها، هامساً بحنان: "ممكن أعرف القمر ده بيبكي ليه؟ زاد نحيبها، ليتنهد بصوتاً مسموع، وقال: "طب ممكن أعرف فين ماما أو بابا، أو أنتِ بتعملي إيه لوحدك؟ أجهشت بالبكاء أكثر، ليدري الآن أن هناك أمراً، وأنها مفقودة. همس وهو يزفر: "طيب ممكن توقفي عياط عشان أفهم منك فيه إيه، وهوصلك عند بابا وماما."
لم تجبه سوا دموعها فقط. جالت عيناه المكان، ليتنهد بضيق لبكائها، ويقف مغادراً. زاد بكاء خديجة ثوانٍ، وعاد هو ومعه زجاجة مياه. ناولها لها قائلاً: "ممكن تشربي طيب وتهدي كدا." أخذت من الماء، لترتوي، وأعادتها له. ليملأ كفه، غسلاً وجهها، وابتسم لها قائلاً: "فهميني بقا، ومتخافيش مني، مش هأذيكِ. هساعدك، بس قوليلي أنتِ منين." صمتت خديجة وهي تنظر له بتفكير، لا تدري بما تجيبه، فهي لا تدري المنطقة التي يسكنونها بها بماذا تسمى.
زفر بملل قائلاً: "على الأقل ردي عليا عشان أقدر أساعدك، كدا مش هعرف أرجعك." فاضت مقلتاها البريئتان بالدمع، وهي تنظر له بأسى. ليقول هو بنفاذ صبر: "والله ما هأذيكِ، أنا حابب أساعدك صدقيني، بس قوليلي أنتِ منين، أو اسم بابا حتى، واهدي، بلاش عياااط." همست بصوتاً خافت: "عمرو." تطلعت له بتعجب، وقطب حاجبيه سائلاً: "عمرو مين؟ همست خديجة بهدوء: "بابا أسمه عمرو، وماما ورد، وخالته لمار." ضحك لبرائتها قائلاً وهو يجلس على الأرض،
غير عابئ ببدلته الباهظة: "أوك، ودلوقتي توهتي إزاي، ولا إزاي سابوكِ كدا؟ جلست بجانبه، وهمهمت قائلة: "أنا مش توهت، في ناس وحشة خدوني." "أختنق صوته بالبكاء بوجع، وهي تقول: وعمو عبد الله الحلو ضربوووه." أبدى اهتمام، تطلعت بها دون فهم، وهمس متسائلاً: "بمعنى إنك كنتِ مخطوفة، وفي حد ساعدك، وهو ساعدك فعلاً، بس مسكوه، صح كدا؟ أومأت خديجة مؤكدة له، ليهمس بقلق: "كانوا خاطفينك ليه طيب؟ ببراءة، هزت خديجة منكبيه،
هاتفة وهي تنظر له: "معرفش. أنا كان فيه أطفال كتير." "دي عصابة بقا؟ قالها باهتمام جلي، لتهز هي منكبيه دون علم بذلك. هتف وهو ينهض: "طب قومي يلا." تطلعت به بأعين خائفة، يفعمها الرعب. أستشعر خوفها، ليهمس بحنان: "قومي تعالي معايا البيت عندي، لحد ما أقدر أوصل لأهلك. مهو مينفعش تفضلي هنا لوحدك، ممكن يلاقوكي، وممكن ولاد الحرام يستغلوكي، ومتلاقيش حد كويس زيي. مش كل مرة تسلم الجرة." ضحكة خديجة لآخر جملة نطق بها، وهزت رأسها:
"لأ، روح أنت. أنا هستنى، أكيد خالتوا لمار هتيجي." نطق بإصرار يحاول ثنيها: "وافتراض مجتش؟ وحد خدك؟ قومي معايا، ومتخافيش. عندي أختين في البيت، مش هتكوني لوحدك." نهضت قائلة ببراءة: "و ماما وبابا؟ مفيش؟ همس بألم شديد: "لأ، توفوا الله يرحمهم." هز رأسه مشيراً للسيارة: "يلا بينا." ظلت متسمرة مكانها، تفكر، لتعزم أمرها بالمضي قدماً معه.
صعدت بجواره بصمت تام وحياء، وقاد هو مندفعاً لداره. دقائق، كان الصمت يخيم عليهم، حتى وقف أخيراً، وركن سيارته، وترجل منها. دق قلبها بخوفاً، وأدمعت عينيها، تشتاق لوالدته. ما ذاك العالم الذي أصبحت به فجأة دون إنذار؟ إنه عالم مخيف، كل شيء به غريب. أين حضن والدتها الذي كان هو وطنها وعالمها؟ أين هم من كانوا محورها؟ أشتاقت لهم إلي حد اللامعقول. لم تشعر سوى حينما دلفت معه للداخل، وصوت فتاة انتشلها من أفكارها، تقول بصدمة:
"يخرب بيتك يا زين، أنت طلعت للشركة؟ رجعتلنا مخلف مين دي؟ تقدمت من خديجة تفحصها بدقة، وقالت بإنبهار وإعجاب: "بس إيه يا أد القمر ده؟ دي بنتك؟ إزاي؟ أنت مش قمر كدا!! "مع أنها طفلة، بس غريبة، مش عارفة ليه." هبطت قليلاً لمستواها، وهمست: "أنتِ اسمك إيه؟ قال زين بغيظ من أخته: "إسراء يا زفتة، قومي بطلي لماضة، وخدي خديجة غيريليها لبسها. أنا بعت حد يجيبلها حاجة كدا، واهتمي بيها." صاحت بفرحة وهي تقفز: "الله!
اسمك خديجة، وكمان هتقعددددي معانااا؟ هيييييييييح! أخيراً حد يونسنا." "فين سجى؟ لفظ به زين متلهفاً، مشتاقاً، متسائلاً. أوشكت أن تجيبه، ليقاطعهم صوت أقدام تهبط الدرج، قائلة: "أنا هنا يا زين، أنت جيت إمتى؟ أشرق وجهه مسروراً، وطلت الفرحة من مقلتيه، ووثب كـ قلبه ما إن رآها، وركض للدرج نحوها، ممسكاً بكفها بحنان ولطف، وقال: "على مهلك." همست هي برقة: "مكنش في داعي، أنا عارفة الطريق." صرخت منفعلة ما إن حملها، وهو يقول:
"بما إنك قولتي كدا، يبقى أشيلك بقا." ارتفعت صوت ضحكاتها. لتشير إسراء لخديجة: "شوفييي يا أختي، الحب ده كله ليها؟ ولا كاني أنا كمان أخته." لم تفارق البسمة وجه خديجة. أنزل زين سجى برفق وحنان، وهمس وهو يتوجه للصعود: "هطلع آخد دوش وأنزل." ظلت خديجة مكانها، وجلة، خائفة، لا تدري إلى أين سيأخذها القدر. ولكنها اطمأنت لهؤلاء الأشخاص. فاقت على صوت سجى قائلة: "هو مين هنا؟
نظرت خديجة بعدم فهم لأسراء، لتشير لها أسراء لعينيها أنها لا ترى. لتشهق خديجة بصدمة، أتلك الفتاة الجميلة لا ترى؟ تقدمت سجى وهي تتلمس بيديها، وهمست: "خديجة، هي فين؟ ركضت خديجة نحوها، ممسكة بكفها بحنان، وهمست: "أنا هنا أهو." جلست سجى على ركبتيها أمامها، وقالت لها بحنان: "متخافيش، أنتِ معانا هنا في أمان. زين هيساعدك وهيلاقي أبوكِ ومامتك." همست خديجة ببراءة: "حاضر يا قمر." همست سجى بحزن: "قمر؟ همست خديجة بحنان
وهي تقبلها من وجنتيها: "آه، أنتِ قمورة، وأنا حبيتك أوي." همست سجى بألم يطل من شرفة عينيها: "ولا قمر ولا حاجة. أنا واحدة عمياء، حتى مش هقدر أشوفك." هزت خديجة رأسها بجنون، وهي تقول: "مين قال كدا؟ "مسكت كفيها لتقربهم من وجهها، وهمست: آهووو، شوفييني، وبدأ كمان." وضعت كفها الآخر على قلبها. لتهمس سجى وهي تتلمسها: "أنتِ لابسة إيه؟ همست خديجة بحنان: "دا حجاب." "أنتِ محجبة، بس أنتِ لسه صغيرة؟ همست خديجة: "لأ، أنا مش صغيرة."
صمتت ملياً، وقالت: "أنا حبيتك أوي." قاطعتهم إسراء قائلة: "لأ بقا، أنا كدا هغير منك، وأنا فين من الحب ده؟ ضحكوا عليها، وهبط زين. فجلسوا جميعاً يأكلون. أبت خديجة، ولكن ظلت الفتيات تطعمها.
صوت زين العالي على موظفيه كان صدى ليسمع بشركته بأكملها، وهو هائجاً بهم، حتى اقتربت سجى منه، فهدأ هدوءاً تام، وطلب من الجميع المغادرة. أخذته سجى ليجلس بجانب خديجة الجالسة بهدوء، وهي تنظر له، فهي من أول ما رأته، لم تره بتلك الحالة الهائجة أبداً. فهو منذ أن دخل لشركته، وتبدد كلياً، اختفت ابتسامته، كأنه لا يدري كيف يبتسم، والجدية والغضب والحدة ارتسمت على محياه، كأنه لأول مرة يراه، وأول ما خرج موظفيه، وأصبحا بمفردهما، حتى تبدد حاله وتغير وجهه الغاضب العبوس، ليصبح وجهاً ضاحكاً باسمًا. نظرت له بتعجب شديد، أيتحول أبداً، شيء أم ملبوساً هو؟
جحافل من الأسئلة اخترقت ذهنها، لتنهض واقفة على الأريكة، مقتربة منه، وتضع كفها على جبينه. ليصمت، ويكف عن الحديث هو وسجى، ونظروا له مزهولين متعجبين. علا صوت خديجة ببعضاً من آيات القرآن بصوتاً شجي، عذباً، رقيقاً، هادئاً. وحينما انتهت، شكرها زين مبتسماً، وقال بصدق: "تصدقي، حسيت براحة فعلاً وسكينة. ولا مرة حسيتها." وضعت خديجة يدها أسفل ذقنها، مفكرة، وعيناها تجوب المكتب، لتهامس وعيناها زائغة:
"أنت لازم تتلبس. مفيش قرآن خلص. عليك عفريت يروح ويجي." انفجرت سجى ضاحكة، رغماً عنها. ليحلق هو مزهولاً، لا يستوعب ما تفوهت به: "ملبوس؟ ردد بصدمة، وهو يشير لنفسه: "ملبوس؟ أنا ملبوس وبعفريت يروح ويجي." أومأت خديجة ضاحكة. ليقف هو محدقاً بها بأعين غاضبة، تكاد تفتك بها: "بقا أنا يابت بتقوليلي ملبوس؟ لم تخف كما توقع، وإنما صاحت متخصرة: "مش بخاف على فكرة يا عم ملبوس." انفجر زين ضحكاً لحركتها وقولها، وهمس بصدق وهو يجلس:
"والله يا خديجة، يبدو إنني هغير رأيي ومش هرجعك لأهلك." لفت خديجة لتجلس على قدمي سجى، وهي تضم رأسها، وقالت: "لأ، همشي، وهاخد سجى معايا." وأخرجت لها لسانها، معيطة إياه. ليرفع هو حاجبه: "يا شيخة." أومأت خديجة برأسها، وهمست بجدية: "ماما بتقول عشان ربنا يبارك لنا، لازم نطلع صدقة." "ضيق حاجبيه بعدم فهم،
لتكمل هي: ماما بتقول إننا لازم نسعد غيرنا، ونطلع صدقة عشان ربنا يبارك لنا في الشغل وفي الفلوس، وأنت لازم تعمل كدا عشان شغلك." ارتسم الزهول على وجهه مجدداً، بعدم فهم، وبمقلتيه تعجب شديد. "ماما بتقول إن الصدقة ليها أجر وثواب، وتذهب الخطايا، ووقاية من النار." "تنبه زين لها، صاغياً، لا يصدق ما يستمع إليه. أتلك طفلة حقاً أم ماذا؟ ابتسمت له خديجة وهي تتنهد، وهمست: "قال
الرسول ﷺ: 'فاتقوا النار ولو بشق تمرة.' وقال أيضاً: 'إن الصدقة تطفئ الخطيئة كما تطفئ الماء النار.'" كانت سجى تسترق السمع، وهي تضمها لصدره، حتى همست: "أنا مكنتش أعرف عن الصدقة." ابتسمت لها خديجة بحنان، وخللت أصابعها بخصلاتها، وقالت: "أنتِ لما نروح، نتكلم عشان تتحجبي." قالت سجى باسمة: "أنتِ يابت! أنا هنهشك إنك طفلة؟! تنبه زين، وقال لـ خديجة: "سيبك من البت الفاضية دي، وكملي." ضربته سجى بخفة، لتكمل خديجة ناظرة له:
"عن عقبة بن عامر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: 'كل امرئ في ظل صدقته حتى يقضي بين الناس.' يعني الصدقة بتظلنا يوم القيامة. وقال الرسول بردوا إن سبعة يظلهم الله بظله في يوم لا ظل فيه إلا ظله، وذكر: 'رجل تصدق بصدقة، فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه.'" وتابعت باسمة له، وهي تتنهد براحة، وأكملت: "وكمان الصدقة شفاء للأمراض، عن الرسول ﷺ قال: 'داووا مرضاكم بالصدقة.' وإن المتصدق، ربنا بيبارك له في ماله،
وقال: 'ما نقصت صدقة من مال.' وربنا بيضاعف الأجر، بمعنى أن الصدقة تظلنا يوم القيامة، ويتغفر خطايانا، وكفاية الفرحة اللي بنشوفها على الوشوش." صمتت حينما تطلعت به زين مصدوماً للغاية، لتهامس برفق: "بتبصلي كدا ليه؟ تطلعت به من رأسها لأصابع قدميها، مزهولاً، ونطق دون استيعاب: "أنتِ طفلة، متأكدة؟
هزت خديجة رأسها. ليضع هو كفه على رأسها، ونهض جالساً خلف مكتبه، ليفعل ما استمعه من تلك الصغيرة، ويطبقه، فيبدو أنه سيتعلم الكثير لدينه منها. ظلت تتحدث هي مع سجى عن الحجاب، لعلها تقتنع بارتدائه.
ريثما انتهى زين من عمله، واجتماعاته، وأخذهم للملاهي، ليقضوا وقتاً جميلاً سيظل أثره بقلب خديجة، لن يزول. إذ أن زين كلف رجاله بالبحث عن عائلته، بعدما قالت له اسم والدها وعمتها، لكنه لم يتوقع أن تكون هي ذاتها لمار. عادوا للمنزل بعد يوم طويل استمتعوا به كثيراً، دلف زين سعيداً لسعادتهم، وخلفه سجى وخديجة. "بن أخويا الغالي، كدا مبتسألش على عمك؟ كنت فين؟ "مال للامام قليلاً، ناظراً لسجى، وهو يقول: ولا هسأل ليه؟
ما أكيد مع البرنسيسة." تقدم زين منه، وهو يدس كفيه بجيب بنطاله، ووقف أمامه بتعالٍ، صائحاً: "البرنسيسة ملكش دعوة بيها، واااه! هي برنسيسة فعلاً، أنت بقا مالك؟ عايز إيه؟
بالخارج، تخشبت أقدام خديجة، ما إن تناهى لمسامعها ذات الصوت، لتترك يد سجى بخوف شديد، منهم جميعاً، وتحجرت دموع عينيها بمقلتيها، وتراجعت للخلف بخوف، سرى بمهجتها، وهشم فؤادها، وأضناه غصة مريرة، علقت بحلقه، كادت روحها أن تخرج، وانقاسها بالتوقف، وحبست دموعها، وهي تتراجع، وتركض مغادرة بعيداً، وتهز رأسها قائلة: "هما هيدوني لعمو الوحش." ظلت تركض بعيداً، وهربت دموعها على وجنتيها. سارت بالطرقات دون وجهة.
تنبهت سجى أن خديجة ليست بجانبها، فمدت كفيها تتحسس المكان، وهي تقول بقلق: "ديجااا! أنتِ فين؟ على بغته، شيء ما دفعها من كتفها، لم يكن سوى عمهما، ليتلقفها زين بذراعيه، وهو يسبه. لتمسك به سجى، تمنعه من الذهاب خلفه، وهي تقول بلوعة وصوت مختنق: "ديجااا يا زين! ديجااا! مفيش. كانت هنا واكتفت؟! تنبه زين لكلماتها، هامساً باطمئنان: "يا حبيبتي، أكيد دخلت ولا حاجة." قاطعتهم إسراء قائلة: "لأ يااا زين، ديجااا مفيش، ومدخلتش."
بكت سجى بقلق، ووجهها انطفأ بريقه، وهي تقول: "خديجة يا زين، شوفها ورجعها." أومأ زين برأسه، وأشار لاسراء: "خديها وادخلي، وأنا هدور هنا. هي أكيد بتلعب هنا، أو هنا." أمر زين الخدم والحرس بالبحث عنها، دون جدوى أو أثر. فلم يروها، فقد غفلتهم، وهي تهرب من ذاك المكان الذي ظنت أنه نجدتها.
صرخة مدوية شقت هدوء الليل الساكن، لتنتفض غادة من نومها. أما وعد، التي كانت تدلف لتوها، بعدما جاءت خفية من بعض الرجال الذين قرروا مساعدتها، مضحيين بحياتهم. خرجت مشرعة، تتبع الصوت الذي كان يصدر من الحجة صفية بغرفة زوجها.
تسمرت قدماها على أسكفة الغرفة، وهي تجد والد رحيم جثة هامدة، لا تتحرك. جسده تيبس، والحجة صفية منكبة عليه، تضمه وتصرخ بألا يتركها. أما غادة، ارتعد جسدها، وهي تهز رأسها بجنون، لا تصدق عينيها أن والدها قد رحل. وجع، وجع لا يحتمل، تخلل فؤاد وعد، وهي تنظر له بألم، ألم شديد. لقد كانت منذ ساعات بجانبه، لهالسبب كان يوصيها على غادة وزوجته. وأعلمها أنه يعلم أنها شرطية، لا تدري كيف عرف. طفقت دموعها تهوي كـ شلال على وجنتيها، وركضت تجاهه، تقبل يديه وتبكي. كان عليها أن تكون قوية لأجل غادة، التي انهارت وأغمي عليها، والحجة صفية، التي هدأت من نوبة بكاءها، وتمسك يد زوجها، وتحادثه كأنه يجيبها ويستمعها.
التوقعات والرأي... كان الحزن يخيم بالآفاق، كئيباً، وهماً، وغم، وقلق. كان الجميع في حالة كأن الزمن توقف. ورد لا ترقأ لها دمع، القلق يهشم فؤادها لفتات صغيرة، روحها تتمزق ألماً ووجعاً. ولا يقل حال الفتيات عنها، فهم أيضاً عيناهما تذرف الدمع. أما أسماء، فكانت أكثرهم شعوراً بما تشعر به ورد، فهي عاشت ذاك الخوف الذي يميت بالبطيء، دون هوادة، ولا يستطيع الإنسان أنقاذ نفسه.
لم يعد أي من الشباب ما زالوا يبحثون بالطرقات، بكل ركن وزاوية، لا يهدأ لهم بال، كاسفي البال، يتألمون. ولكن عمرو، فالخوف من الفقد مسيطر عليه. طفلته الصغيرة لا يدري أين هي، وماذا يفعلون بها. يفكر ماذا لو حصل معها شيء، كيف يواجه الأمر؟ كيف أمام تيار الحياة التي يقذف بالإنسان دون إنذار، ويتركه أما حي، فهو حر. كيف تعيش وسط ذاك البشر، وبعضهم أبعد ما يكون عن صفة البشر. ماذا لو هجم عليه شيء؟ قلبه؟ هل يوجد قلبه؟
هل ما زال موجوداً؟ فهناك ضجيج جعل القلب ينتزع من صدره. يصرخ فؤاده صرخات شقت القلب شقاً، وبكاؤه لا يهدأ. ولكن ماذا عليه أن يفعل؟ لمار، رباااااه! هل هي تعيش؟ فأين روحها؟ أين غادرت؟ أضنت الندوب فؤادها. ندوب تخللت بشغاف القلب وسواده، كـ أسهم تخترق فؤادها، فلا تستطيع الاستنجاد. الأكسجين هرب من حولها، فتختنق، ويختنق صدرها، وروعه على طفلتها التي أملت حياتها سعادة. تقسم أن روحها ذبحت، مثل فؤادها الذي يرفرف ذبيحاً.
صباح اليوم التالي، استيقظت سجى، تحسست الفراش بجانبها، لم تجد خديجة به. هلعاً رددت اسمها، ليأتيها صوت تكبير من خديجة، فتطمئن وتسكن، والبسمة أشرقت وجهها. طرقات على الباب، وأذنت للطارق. ففتح للباب، وطل زين الذي تبقى ممسكاً بالمقبض، ويطل برأسه فقط. ألقى السلام، وأبصر خديجة تصلي، لينبهر مزهولاً بإعجاب شديد. ومد بصره لـ سجى التي وقفت مقتربة من الباب، ليلحق هو ممسكاً بكفها، قائلاً: "مش يلا عشان منتأخرش؟
كانت البسمة لا تفارق وجهها المستدير، وشفتيها الصغيرتان، وعينيها البنتين. وهمست: "آه، هنمشي، بس عايزة أقولك حاجة." همس زين باسمًا، يحسها: "قولي يا بنتي، فيه إيه؟ قولي، أنتِ تؤمري يا قلبي؟ فركت يديها بتوتر شديد، ليهمس هو: "سجى يا قلبي، فيه إيه؟ قولي." "مش عايزة تيجي انهارده؟ هزت سجى رأسها نفياً، وهي ترجع خصلات شعرها البنية الممزوجة بالأسود: "لأ، لأ، أنا عايزة أجي." رفع حاجبه، هامساً بتعجب: "امال إيه طيب؟ قولي."
رفع ذراعه يحاوط كتفها إليه، وقبل رأسها بحنان، لتهمس هي تلقائية، كأنها تخشى أن يعود توترها، وينعقد لسانها: "بص، أنا عايزة آخد خديجة معانا." بسمة ساحرة، زينة، سماه، وهو يقول: "بس كدا؟ التوتر ده كله عشان تقوليلي كدا؟ "أنا أصلاً كنت ناوي آخدها." قاطعتهم خديجة قائلة: "هتخدوني فين؟ تعلقت أعينهما بها، وهمست سجى وهي تهز زين بخفة: "سيبنا يا عم لوحدنا لحد ما نجهز، يلا." رفع زين كفيه مستسلماً، وهو يغادر باسمًا:
"آخرتها بطرد، ماشي، ماشي." ظبط الجاكت المسند على ذراعه، وخرج، غالقاً الباب خلفه. لتتجه خديجة بحنان لسجى، ممسكة بكفها، وهمست: "انتوا رايحين فين؟ ابتسمت سجى وهي تنظر أمامها، قائلة: "رايحين الشركة مع زين، وبعد كده هنخرج ندور على أهلك، يمكن نوصل لحد منهم." هلل وجه خديجة بفرحة، وهي تصفق، لتضحك سجى بصدق. دلفت إسراء لتساعد سجى على تبديل ملابسها، وتجهزوا، وهبطوا تناولوا فطورهم، واستقروا السيارة التي انطلقت بهم.
صوت زين العالي على موظفيه كان صدى ليسمع بشركته بأكملها، وهو هائجاً بهم. حتى اقتربت سجى منه، فهدأ هدوءاً تام، وطلب من الجميع المغادرة. أخذته سجى ليجلس بجانب خديجة الجالسة بهدوء، وهي تنظر له، فهي من أول ما رأته، لم ترآه بتلك الحالة الهائجة أبداً. فهو منذ أن دخل لشركته، وتبدد كلياً، اختفت ابتسامته، كأنه لا يدري كيف يبتسم، والجدية والغضب والحدة ارتسمت على محياه، كأنه لأول مرة يراه، وأول ما خرج موظفيه، وأصبحا بمفردهما، حتى تبدد حاله، وتغير وجهه الغاضب العبوس، ليصبح وجهاً ضاحكاً باسمًا. نظرت له بتعجب شديد، أيتحول أبداً، شيء أم ملبوساً هو؟
جحافل من الأسئلة اخترقت ذهنها، لتنهض واقفة على الأريكة، مقتربة منه، وتضع كفها على جبينه. ليصمت، ويكف عن الحديث هو وسجى، ونظروا له مزهولين متعجبين. علا صوت خديجة ببعضاً من آيات القرآن بصوتاً شجي، عذباً، رقيقاً، هادئاً. وحينما انتهت، شكرها زين مبتسماً، وقال بصدق: "تصدقي، حسيت براحة فعلاً وسكينة. ولا مرة حسيتها." وضعت خديجة يدها أسفل ذقنها، مفكرة، وعيناها تجوب المكتب، لتهامس وعيناها زائغة:
"أنت لازم تتلبس. مفيش قرآن خلص. عليك عفريت يروح ويجي." انفجرت سجى ضاحكة، رغماً عنها. ليحلق هو مزهولاً، لا يستوعب ما تفوهت به: "ملبوس؟ ردد بصدمة، وهو يشير لنفسه: "ملبوس؟ أنا ملبوس وبعفريت يروح ويجي." أومأت خديجة ضاحكة. ليقف هو محدقاً بها بأعين غاضبة، تكاد تفتك بها: "بقا أنا يابت بتقوليلي ملبوس؟ لم تخف كما توقع، وإنما صاحت متخصرة: "مش بخاف على فكرة يا عم ملبوس." انفجر زين ضحكاً لحركتها وقولها، وهمس بصدق، وهو يجلس:
"والله يا خديجة، يبدو إنني هغير رأيي ومش هرجعك لأهلك." لفت خديجة لتجلس على قدمي سجى، وهي تضم رأسها، وقالت: "لأ، همشي، وهاخد سجى معايا." وأخرجت لها لسانها، معيطة إياه. ليرفع هو حاجبه: "يا شيخة." أومأت خديجة برأسها، وهمست بجدية: "ماما بتقول عشان ربنا يبارك لنا، لازم نطلع صدقة." "ضيق حاجبيه بعدم فهم،
لتكمل هي: ماما بتقول إننا لازم نسعد غيرنا، ونطلع صدقة عشان ربنا يبارك لنا في الشغل وفي الفلوس، وأنت لازم تعمل كدا عشان شغلك." ارتسم الزهول على وجهه مجدداً، بعدم فهم، وبمقلتيه تعجب شديد. "ماما بتقول إن الصدقة ليها أجر وثواب، وتذهب الخطايا، ووقاية من النار." "تنبه زين لها، صاغياً، لا يصدق ما يستمع إليه. أتلك طفلة حقاً أم ماذا؟ ابتسمت له خديجة وهي تتنهد، وهمست: "قال
الرسول ﷺ: 'فاتقوا النار ولو بشق تمرة.' وقال أيضاً: 'إن الصدقة تطفئ الخطيئة كما تطفئ الماء النار.'" كانت سجى تسترق السمع، وهي تضمها لصدره، حتى همست: "أنا مكنتش أعرف عن الصدقة." ابتسمت لها خديجة بحنان، وخللت أصابعها بخصلاتها، وقالت: "أنتِ لما نروح، نتكلم عشان تتحجبي." قالت سجى باسمة: "أنتِ يابت! أنا هنهشك إنك طفلة؟! تنبه زين، وقال لـ خديجة: "سيبك من البت الفاضية دي، وكملي." ضربته سجى بخفة، لتكمل خديجة ناظرة له:
"عن عقبة بن عامر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: 'كل امرئ في ظل صدقته حتى يقضي بين الناس.' يعني الصدقة بتظلنا يوم القيامة. وقال الرسول بردوا إن سبعة يظلهم الله بظله في يوم لا ظل فيه إلا ظله، وذكر: 'رجل تصدق بصدقة، فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه.'" وتابعت باسمة له، وهي تتنهد براحة، وأكملت: "وكمان الصدقة شفاء للأمراض، عن الرسول ﷺ قال: 'داووا مرضاكم بالصدقة.' وإن المتصدق، ربنا بيبارك له في ماله،
وقال: 'ما نقصت صدقة من مال.' وربنا بيضاعف الأجر، بمعنى أن الصدقة تظلنا يوم القيامة، ويتغفر خطايانا، وكفاية الفرحة اللي بنشوفها على الوشوش." صمتت حينما تطلعت به زين مصدوماً للغاية، لتهامس برفق: "بتبصلي كدا ليه؟ تطلعت به من رأسها لأصابع قدميها، مزهولاً، ونطق دون استيعاب: "أنتِ طفلة، متأكدة؟
هزت خديجة رأسها. ليضع هو كفه على رأسها، ونهض جالساً خلف مكتبه، ليفعل ما استمعه من تلك الصغيرة، ويطبقه، فيبدو أنه سيتعلم الكثير لدينه منها. ظلت تتحدث هي مع سجى عن الحجاب، لعلها تقتنع بارتدائه.
ريثما انتهى زين من عمله، واجتماعاته، وأخذهم للملاهي، ليقضوا وقتاً جميلاً سيظل أثره بقلب خديجة، لن يزول. إذ أن زين كلف رجاله بالبحث عن عائلته، بعدما قالت له اسم والدها وعمتها، لكنه لم يتوقع أن تكون هي ذاتها لمار. عادوا للمنزل بعد يوم طويل استمتعوا به كثيراً، دلف زين سعيداً لسعادتهم، وخلفه سجى وخديجة. "بن أخويا الغالي، كدا مبتسألش على عمك؟ كنت فين؟ "مال للامام قليلاً، ناظراً لسجى، وهو يقول: ولا هسأل ليه؟
ما أكيد مع البرنسيسة." تقدم زين منه، وهو يدس كفيه بجيب بنطاله، ووقف أمامه بتعالٍ، صائحاً: "البرنسيسة ملكش دعوة بيها، واااه! هي برنسيسة فعلاً، أنت بقا مالك؟ عايز إيه؟
بالخارج، تخشبت أقدام خديجة، ما إن تناهى لمسامعها ذات الصوت، لتترك يد سجى بخوف شديد، منهم جميعاً، وتحجرت دموع عينيها بمقلتيها، وتراجعت للخلف بخوف، سرى بمهجتها، وهشم فؤادها، وأضناه غصة مريرة، علقت بحلقه، كادت روحها أن تخرج، وانقاسها بالتوقف، وحبست دموعها، وهي تتراجع، وتركض مغادرة بعيداً، وتهز رأسها قائلة: "هما هيدوني لعمو الوحش." ظلت تركض بعيداً، وهربت دموعها على وجنتيها. سارت بالطرقات دون وجهة.
تنبهت سجى أن خديجة ليست بجانبها، فمدت كفيها تتحسس المكان، وهي تقول بقلق: "ديجااا! أنتِ فين؟ على بغته، شيء ما دفعها من كتفها، لم يكن سوى عمهما، ليتلقفها زين بذراعيه، وهو يسبه، لتمسك به سجى، تمنعه من الذهاب خلفه، وهي تقول بلوعة وصوت مختنق: "ديجااا يا زين! ديجااا! مفيش. كانت هنا واكتفت؟! تنبه زين لكلماتها، هامساً باطمئنان: "يا حبيبتي، أكيد دخلت ولا حاجة." قاطعتهم إسراء قائلة: "لأ يااا زين، ديجااا مفيش، ومدخلتش."
بكت سجى بقلق، ووجهها انطفأ بريقه، وهي تقول: "خديجة يا زين، شوفها ورجعها." أومأ زين برأسه، وأشار لاسراء: "خدبها وادخلي، وأنا هدور هنا. هي أكيد بتلعب هنا، أو هنا." أمر زين الخدم والحرس بالبحث عنها، دون جدوى أو أثر. فلم يروها، فقد غفلتهم، وهي تهرب من ذاك المكان الذي ظنت أنه نجدتها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!