الفصل 4 | من 31 فصل

رواية دموع العاشقين الفصل الرابع 4 - بقلم ندى ممدوح

المشاهدات
25
كلمة
8,087
وقت القراءة
41 د
التقدم في الرواية 13%
حجم الخط: 18

لم تستمع لها وركضت تشق الصفوف بين الرجال الذين غاصوا بالماء لأنقاذ الأطفال. ليخرجوا عدد لا بأس به، بينما ماجد أخذه الموج فتاه به غير ظاهر. غاصت باحثة عن ماجد حتى أخرجته. وضعته أرضاً لتهرع رقية إليه متجهة بالبكاء قلقاً، وهي تولول خوفاً من الفقد. لتصرخ بها وعد وهي تضغط على قلب الطفل: _اسكتي بقا، هو كويس أهو مفهوش حاجة. هيكون بخير. سعل ماجد وهو يعتدل متنفساً بضيق. لتضمه رقيه معتصرته داخلها بحمد وراحة.

نظرت وعد بتعجب من تلك الأعين المسلطة عليها تتسامر. شعرت بأنها قد ارتكبت ذنباً أو فعلت شيئاً يجلب العار والخزي. وقفت بصمت لتضم ذاتها بيديها عندما أحست بنظراتهم الشرسة التي جعلتها تشعر أنها عارية. بوجل توارت بفؤاده. رفعت رأسها بكبرياء وتعالٍ، وخطت للمغادرة. ولكن تسمرت موضعها عندما استمعت صوت أحد الرجال هاتفاً: _مين البت دي عاد؟ وازاي تعمل اللي عملته وتنزل البحر أكده جدامنا؟ لازمك رحيم بيه يعرف بالموضوع ده.

ليهتف الآخر مؤيداً: _أيوه لازم يعرف أمال؟ دي حرمة ناقصة تربية؟ حدقت أعين وعد بغضب واقتربت منهم صارخة تشير لهم: _اسمع أنت وهو، محدش استجرأ قبل كده يفكر يغلط فيا. واللي ناقصة تربية دي عملت اللي رجالة بشنبات معملتهوش. من تلك التي تجرأت على مهاناتهم؟ نظر لها أحد الرجال غاضباً وصاح: _أول مرة أشوفك أهنه. بت مين أنتِ عاد؟ فتحت فاهها لتهتف عن مكنونها، لتسبقها رقيه هاتفة بتوتر:

_دي جاية بشغل مهندسة جد الدنيا كلها. وجاية تشوف أرض تعمل عليها مشروعها الجديد من طرف أحمد أخويا. يعني ضيفة أحدنا، من ميتا بنعامل ضيوفنا وحش. كبتت وعد غاضبة حانقة من كل شيء. فبلحظة كادت بأنها ما أتت له، لو أن أحداً اكتشف من هي ولماذا جاءت. ولم تستطع إلجام تلك الأفواه وأخذ ثأرها من إهانتهم.

تراجعت للخلف بطريقة غاضبة عشوائية لتنصدم بأحد. استدارت برأسها لتطلع لذاك الذي حينما أتى أغلقت كل الأفواه خوفاً، كأنه شيطان يخشاه الجميع. حاد رحيم بعينيه عنها هاتفاً بحسم وصوت عالٍ نسبياً: _إيه بيحصل أهنه؟ وليه بتغلطوا في الأستاذة؟ عملت إيه هي؟ ساعدت عيالكم وانتوا واقفين تتفرجوا. بلي عمله ولا مشغلة تولولوا كالحريم. نظرت له وعد بتمعن شديد حينما أشار للرجلين مقتربين منه ليأمرهم بأن يعتذروا منها.

خلع عباءته ليلقيها على ظهرها هاتفاً بصوت لا يقبل النقاش وأعين الجميع لم تعد ترفع من الأرض بحضوره: _ارجعي يا أستاذة وحقك فوق راسنا كلنا. أسرعت رقيه التي تضم ابنها بجذب وعد والعودة للمنزل. جلست وعد غاضبة تكاد تجن من شدته لتلاقي كل ما يقابلها أرضاً. حتى جلست تزفر بضيق. ثم لاح رحيم أمام عينيها وهي منشغلة الفكر به. اعتلى الدرج بغضب قد يهدم ما يقابله وهو يتوجه للمار، صارخاً بها بغضب كاد أن يفقده عقله قلقاً: _هي راحت فين؟

صحيح اللي سمعته من خديجة؟ نزلت الصعيد ده بجد؟ أومأت لمار مؤكدة بهدوء. ليضرب الحائط بقبضة يده بغضب هادر: _مشيت من غير ما تقول! ليه سبتيها تروح وكمان لوحدها محدش معاها. اقتربت لمار واقفة أمامه عاقدة ذراعيها لتهمس ببرود: _وهي هتاخد إذنك ليه؟ أفهم أنتوا بعدتوا عن بعض. هي آه لسه على ذمتك بس انتوا مش عايشين مع بعض. ازدرد ريقه بصعوبة وهو يهمس متلعثماً: _بس من الواجب تقول مش تسيب البنت كده وتمشي. هتفت لمار لتثير حنقه:

_عادي يعني مفيهاش حاجة. خديجة معايا وهي قالتلي. وبعدين صح، أنا مش هينفع أسيبكم كده. نظر لها منتبهاً بكل حواسه لتستكمل هي بمكر: _خلاص بقا أنت وهي لازم تطلقوا وكل واحد يشوف نصيبه. بعد كل السنين دي مش بتشوفوا بعض حتى، يبقى آخر ده كله إيه غير الطلاق؟ وهشوفل... قاطعها صارخاً بها غاضباً وعيناه لا تنذر بخير: _تشوفي إيه؟ أوعي سيرة راجل تاني تربطيه باسمها. أوعي. ابتسمت لمار بمكر وهتفت بحسم: _أنت عايز إيه بالظبط؟

فجأة هي تختفي وأنت تسافر وتبعد مع حامد "فيكتور" ولا أنت بتحكي ولا هي إيه اللي حصل. صمت قليلاً متوتراً وأردف بصوت مهزوز: _لما أعرف وأفهم أنا الأول هبقى أقولك. نظرت له بتمعن تحاول أن تدرك ما يعنيه وما بقلبه. ليردف هو بوجع وقلق: _دلوقتي بس عايز أفهم؟ إزاي تسيبيها تروح الصعيد وأنتي عارفة إنها بتخاف من جوز أمها؟

ها هي قد وصلت لمبتغاها، وصلها ما كانت تريد معرفته. فما زال الحب بقلبيهما مهما حاولوا انتزاعه. ما زال العشق يسكن ثنايا قلب كل منهما. هلل وجهها مشرقاً بفرحة وهي تهتف مربتة على كتفه: _متقلقش، إن شاء الله مش هيحصل حاجة. هي بس هتشوف أمها وهترجع على طول عشان خديجة. ابتسم بضيق هاتفاً وهو يغادر: _إن شاء الله. أنا رايح مشوار كده وهأخذ خديجة. ها هو قلبه يئن قلقاً، خائفاً من أن يصيبها شيء. كيف يطمئن عليها؟

هبط الدرج بتيها كأنه لا يعي شيئاً حوله. يموت هلعاً عليها. فاق لذاته وواقعه على احتضان خديجة له. لينحني حاملاً إياها بين ذراعيه بسعادة، متناسياً كل حزن وقلق وخرج بها متوجهاً للخارج حيث سيارته. اندفعت ورد مهرولة حيث ترقد والدتها. منكبة على يدها تلثمها بمودة بدموع تسبقها. وقالت من بين شهقاتها: _مالك يا ماما طمنيني عنك؟ هتبقي كويسة، أنا هنا عندك أهو وجيتلك وهشوفلك أحسن دكتور.

هتفت والدتها بصوت ضعيف تكاد تسمعه فقط بوهن وسعال. كلمة واحدة كفيلة لجعل ورد تعلم كم نادمة والدتها ومتحسرة: _سامحيني. أغمضت ورد عينيها هاتفة وهي تقبل جبينها: _العفو يا أمي، أنتِ اللي سامحيني. مكنتش جنبك طول الوقت ده، مكنتش ليكي البنت الصالحة. هتفت والدتها بوهن مستنكرة: _لا، أنتِ اللي سامحيني يا بتي. مقدرتش أحميكي، مقدرتش آخدك في حضني وأربيكي وأعلمك. مستاهلش منك كلمة ماما.

بكت ورد بقهر وهي تجلس بانهيار على طرف الفراش الراقده عليه تلك التي لا حول ولا قوة لها، شاحبة كالأموات. انحنت ورد بأذنها من فم والدتها من إشارة منها لتسمعها هامسة بتقطع: _قربي يا بتي. ما أن اقتربت حتى ضمتها بحنان وبكاء ممزق للفؤاد: _قربي من أمك يا قلب أمك، اللي ملحقتش لسه أشبع منك يابتي.

ضمتها بمشاعر شتى. لأول مرة تضمها بذلك الحنان فما كان منها سوى البكاء. بكت فبكت فظلت تبكي كما أنها لم تبكِ من قبل أبداً. علمت ما معنى حنان الألم. وأنبتت ذاتها كيف استطاعت البعد عنها؟ كيف وجعتها ذلك الوجع الذي يميت الإنسان حياً مهما حيّا. إذ أن غابت ابنتها لم تعِ للدنيا شيئاً وشعرت بفراغ كبير بدنياها. وثغرة بفؤادها. فكيف أوجعت قلبها؟ ما ذاك الحنان الذي اشتملها وهي ترى أمها تبدلت تماماً ليست كما قبل!

تاهت بحضنها الذي طال وظل لساعات حتى استمعت لصوتاً تكرهه وبشدة وتخشاه. _مالك؟ بتك أهه زينة وقاعدة جنبك. عايزة إيه تاني؟ قومي وبطلي دلع. دلع؟ ماذا يقول عديم الإحساس ذاك؟

وكيف يحس أو يشعر وهو ليس له قلب أصلاً. انتفضت رغماً عنها بخوف شديد ورجف قلبها. ولمحات من الماضي حاصرتها. كم تشعر بالخوف الآن يفرط قلبها. كم تود وتشتاق وتتمنى ذاك الأمان التي لم تعد تعلم ما تعني تلك الكلمة سوا معه. وهي تعلم أنه الأمان والسند والسكينة والراحة. هو ذاك الشخص عمرو الذي امتلكها كما امتلك قلبها. أنه قد يضحي بنفسه لأجل أن لا يصيبها مكروه. هو الذي يفعل جل شيء لضحكة صافية من عمق أعماق فؤادها وثناياه. أين هو الآن؟

هل يلبي نداء قلبها؟ انتفضت على صوته لتهم واقفة باضطراب هاتفة بخوف جلي: _هروح أعملك لقمة تاكليها. كان دوره ليهتف بصوت ذات مغزى وهو يتفرس جسدها بشهوة: _آه والله. عايزين لقمة زينة من يد القمر وهندوقوا أكل ما حصلش أكيد. ازدردت ريقها بخوف. ولكن عليها الآن الاهتمام بوالدتها وأن تعد لها الحساء والدعاء متضرعة لكي تشفى لتذهب من هذا المكان. داخل الغرفة بكت والدة ورد بوجع وقلق وهي تهتف سائلة: _ليه طلبت منها تيجي؟

أنا قولتلك إلا بتي. حك مؤخرة رأسه بابتسامة خبيثة هاتفاً: _وافوت فرصة زي دي مش هتتكرر أبداً. ده من صغرها مجنّاني. هتفت هي بوجل وقلبها يئن خوفاً على ابنتها: _اتقي الله، دي زي بنتك. مش كفاية بعدها عني بسببك. حرمت بتي مني بسببك. وهمتني بحبك وتجوزتك وعينك على بتي الصغيرة وكنت السبب إني أبعدها عن حضني خوفاً منك. منك لله.

شوح بيده راحلاً من الشقة بأكملها. لتتنفس ورد براحة وهي تحمد ربها عندما استمعت لغلق الباب. وأسرعت بغلقه بإحكام. صوتاً جذب انتباهه وهو يسير بالرواق. صوت بكاء لكنه غير أي بكاء. بكاء قطع نياط قلبه. صوتاً محبباً مغنماً مطرباً مستقراً بثنايا قلبه. بغضب هادر وطلة رهيبة ولج لداخل المكتب الذي أتاه صوتها به كالإعصار. وعيناه تجوب الموجودين. حتى وقف ذاك الضابط قائلاً باحترام: _اتفصل عثمان في حاجة ولا إيه؟

لم يكن معه، لم يستمع، لم يكن هنا من الأساس. كان مسحوراً مشدوهاً بتلك التي تبكي برقة وتغطي وجهها برجفة. تذكر كلمات والده وأنهم هم سند فتيات تلك العائلة. استعاد رشده واتزانه وهو يقترب منها بلهفة توارت خلف وجهه الغاضب ليهمس: _فيه إيه يا مكة؟ بتعملي إيه هنا؟ هتف زميله بدهشة واعتذار: _أنت تعرفها يا عثمان؟

لم ينتبه، فقد انهارت كل حصونه وهو يرى دموعها الهالكة لقلبه. دنا منها أكثر هامساً بحنان لم يعتاده من قبل وهو ذاك الحجر الذي لا يعلم سوى معاملة المجرمين والقبض عليهم والضرب والحرب: _مكة، اهدي. أنا جنبك مفيش حاجة. محدش يقدر يعملك حاجة. لم تتخيل يوماً أن يتم القبض عليها ولا تعلم السبب. فقط هي كانت تندفع بسيارتها حيناً. أوقفها ذاك الضابط جاذباً إياها إلى ها هنا لتجد نفسها بين نسوة غريبة لم ترآهم من قبل.

ازدادت دقات قلبه بجنون. وحدق بصدمة أمامه هامساً بحنان وأمان: _طب بس اهدي. تعالي أمشي معايا. اعتذر منه زميله على خطئه. أجلسها بالسيارة وما زالت تبكي. حتى هتف بحنق من دموعها التي توجعه وتكوي قلبه: _ما خلاص بقا. مفيش حاجة. بتبكي ليه؟ هدأت دموعها وشهقاتها لتطلع به بزهول. فمن ذاك الذي أمامها؟ منذ أن قابلته وهو يعاملها بجفاء وقسوة ودائماً غاضب. فمن هذا إذاً؟ من هذا الذي أمامها؟ ما هذا الأمان والحنان؟

تطلعت به بأعين دامعة. أماتت فؤاده ليضرب المقود بقبضة يده بغضب وهو ينظر لها صارخاً بها مفجراً غضبه: _أنتِ إزاي أصلاً تخرجي من البيت؟ مش عارف أنا عمي حامد، سيبك تطلعي لوحدك إزاي؟ أنتِ آخرك تقعدي في البيت وبس! بسببك اتعطلت عن شغلي. (نظر لها نظرات أرعبتها وانتفضت على صوته الذي ازداد) أعمل إيه أنا دلوقتي. بكت بحرقة وهي لا تدري كيف تبدل بثواني. فتحت السيارة وترجلت منها. ليلحق بها غاضباً. جذبها من معصمها مستديراً هاتفاً:

_ماشية رايحة فين دلوقتي؟ وإزاي تنزلي كده؟ هو أنا أي مش موجود؟ سحبت يدها بحزن شديد وهي تقول بنظرات طفولية: _ما أنت عمال تزعق تزعق كأنك متعرفش حاجة غير الزعيق. وعادت لبكائها مرة أخرى. وضع كفيه حول جذعها وهو يتطلع بها كأنه يرى طفلة أمامه وليس فتاة ناضجة. أغمض عينيه لعله يهدأ وفتح جفنيه متنهداً: _اسكتي طيب. بلاش عياط. عقدت ذراعيها لتستطرد قائلة: _لا لا لا. مش هبطل عياط. ملكش دعوة.

ضغط على كفه يده ليجاهد بالسيطرة على ذاته. لتردف هي بلهفة وعيناها على إحدى المحلات وتصفق بطفولية: _الله! مشبك! جذب قبضة يده مسرعة ناحية المحل وهو مشدوهاً معها وهو يراها بتلك الرقة والطفولة والسعادة. يتطلع بها فقط. يسير بآلية معها كأن الكون قد خلا إلا منها. وصلا أمام المحل لتشير هي وعيناها تشع بهجة. وأشرق وجهها بفرحة وهمست بلهفة: _هاتلي مشبك يلا بسرعة.

أبتاع لها ما تريد وما زال مجذوباً بسحرها وهي تحوم حوله كطفلة صغيرة تسعد وتهلل من أي شيء قد يهدي لها. كان لا يدري ما الذي يفعله. هو من هو؟ متى كان هكذا؟ منذ متى يقف يبتاع شيئاً؟ منذ متى يخشى على أحد ويحادثه بحنان؟ من هو إذاً... جلست بجانبه بالسيارة تلتهم ما بيدها باستمتاع وشهية. انطلق ولكن عينه لا تحيد من عليها مما أربكه وهو يسوق مندفعاً. تطلعت به وهي تمسح فمها بمنديل ورقي. جذبت قطعة مقربة إياها له هاتفة ببراءة:

_عثمان، ممكن تأخذ من إيدي. صوت احتكاك حاد صدر فجأة مع توقف السيارة جعلها ترتد ويسقط ما بيدها على ملابسه. هزها بعنف صارخاً بها بكلمات حارقة: _مش عشان جبتلك اللي عايزاه وخرجتك من أم السجن ويا ريتني ما طلعتك من حقي. كنت سبتك أسبوع ولا شهر هناك. أنا عملت كده عشان خاطر عمو حامد وبابا. فمتحاوليش تصاحبيني. دفعها بعنف لتنصدم متأوهة بألم شديد. بكت بألم ووجع ليردف هو بغضب وصوت أفزعها:

_مبجايش منك غير أم المصايب اللي مش عارف ألاحق عليها. من يوم ما شفت خلقتك. عجبك كده الهدوم؟ أرجع بيها إزاي؟ اندفع مسرعاً بالسيارة جعلها تنكمش على ذاتها خائفة. نظرت له بكره وهي تهمس: _ماشي يا عثمان! أوصلها أمام المنزل، لتترجل هي ركضاً للداخل. وانتظر حتى غابت عن محياه ليغلق عينيه بألم هاتفاً: _عملتي فيا إيه يابت عمي؟ كنتي غايبة سنين. آخر مرة فاكرك فيها كنتي صغيرة...

صمت مبتسماً عندما لاحت له ذكريات الماضي وهي خصوصاً. ليهتف مؤنباً ذاته: _ليه كده؟ ليه تجرحيها وتبكيها كده؟ ليه يا عثمان؟ خايف! تنهد بضيق كأن هم الكون على عاتقه وانطلق بسيارته مسرعاً. ولجت الغرفة بغضب وحزن في آن واحد. تخصرت ووقفت تهز قدميها دون كلمة. رمقتها أسماء بتعجب من حالتها ودنت منها بحذر وترقب ووضعت يدها على كتفها هامسة: _مكة، حبيبتي. أنتِ كويسة؟ مالك مش على بعضك كده؟

نظرت لها بأعين يغلفها الدمع. لتنهمر دموعها. فيزداد قلق أسماء. جذبتها بحنان من يدها لتجلس وأعطتها كوباً من الماء. أرتشفت القليل منه لتهمس أسماء وهي تجلس: _مالك؟ احكي في إيه؟ نظرت لها مكة قائلة: _عثمان. نظرت لها باهتمام تحثها على الكلام لتتنهد قائلة: _كل ما يشوفني يزعق فيا كأنه شاف عفريت وبيتمسخر وبيهزقني. زاغ بصرها للفراغ ولاح طيفه منذ دقائق وأبتسمت بهيام: _المشكلة إنه حنين وجدع بس فجأة بيتحول.

(هزت كتفيها زمت شفتيها قائلة) معرفش ماله؟ جبني من السجن و... بلعت باقي جملتها مجبرة عندما قاطعتها أسماء صارخة بانفعال: _من السجن؟ بتقولي كنتي فين؟ انطقي! بهدوء قالت مكة: _أهدي بقا واسمعيني. كنت سايقة زي عادي. صمتت قليلاً لتستكمل قائلة بعدما نهضت تتهادى عن عين أسماء: _كنت بسوق بسرعة وكمان كنت هخبط حد. ولحسن حظي شافني الظابط وكمان كنت ناسيه بطاقتي! بس عثمان لم الموضوع وتكلم مع الظابط. معرفش كان مالي النهارده!

ضربت أسماء جبهتها بقلة حيلة هاتفة: _يا بنتي الحمد لله جت على خير وربنا سترها. متسوقيش كده تاني. أقتربت مكة قائلة ببراءة: _أنا مش عارفة سوقت كده إزاي دي أول مرة. بس يلا عدت الحمد لله. عادت لتجلس جانبها مرة أخرى متسائلة: _أمال هو مفيش حد في البيت خالص؟ ابتسمت أسماء قائلة: _عمتو لمار وأدهم في الشغل ربنا معاهم. وبابا وماما في المستشفى وعمو حامد معاهم. أما مامتك فيبدوا إنها معاهم بردوا. وطنط هالة تحت في المطبخ هي وريم.

صمتت قليلاً لتهتف بحماس وهي تسحبها وراءها: _تعالي ننزل نقعد معاهم يلا! نهضت خديجة مغلقة المصحف لتضعه جانباً وهي تهمس بطفولة مانعة إسماعيل عن الانحناء: _استني يا جدو أنا هحط الشبشب! انحنت كي تساعده بارتدائه ليقبل جبينها داعياً لها وهو يقول: _أمك عرفت تربي صح. ربنا يحفظك من كل شر ويثبتك ويثبت قلبك. هتؤضي. واصلي وأجي نكمل تسميع! أومأت برأسها بابتسامة قائلة وهي تمسك كفه يده: _أوصلك أنا لحد الحوض!

سارت تتهادى وهي ممسكة به، حتى توضأ وصلى لتفعل هي بالمثل وتجلس بجانبه لتسمع ما وقفت عنده! كان يشعر بالسعادة لتلك الطفلة التي لا يشغلها شاغل سوى حفظ القرآن. فظل قلبه يدعو لها بالثبات والهداية أكثر. قطع عليهم طرق على الباب وصوت لمار هاتفاً بمرح: _ياللي هنا. نحن هنا. مش هتفتحوا! ما أن سمعت صوتها حتى علت صوت ضحكاتها تدب الفرحة بالشقة وتسرع بفتح الباب تضم لمار باشتياق وكذلك هي! هتفت لمار بصدق وهي تقبل وجهها الدري:

_وحشتيني يا ديجااا أوي! قبلتها ديجا قائلة: _وأنتي كمان وحشتيني! قطبت لمار حاجبيها بتعجب مصطنع قائلة: _وحشتك قد إيه يعني؟ ضحكة خديجة قائلة وهي تفرد ذراعيها: _قد كده! لتضمها لمار أكثر وهي تقبل يد إسماعيل مطمئنة عليه. قائلة بمناغشة: _أوعي تقول يا حج إن البنت دي شقية وتعبتك! ليقول هو بمزاح: _والله ما في حد مزعج قدك! كنا قاعدين بنحفظ قرآن جيتي عطلتينا! زَمت شفتيها قائلة بصدمة: _إيه ده؟ أنتوا مش عايزينني؟

أشار إسماعيل بيده للمطبخ: _قومي بس اعمليلنا حاجة ناكلها وسيبيني مع ديجا شوية. نهضت قائلة بمرح: _من عنيا. مر الوقت واستودعت لمار إسماعيل وغادرت بخديجة بعدما وعدته بأن يعودوا غداً جميعهم وليس هي وخديجة فقط. ألحت عليه أن يذهب معه ولكنه أبى أن يترك ذاك المكان الذي كانت به رفيقة دنياه تلك التي تركته وحيداً تاركة له فراغاً كبيراً من بعدها!

تقبع أسماء على الأرجوحة التابعة للحديقة تقرأ إحدى الروايات. غابت فجأة بدنيا الأحلام عندما طافت عليها ذكريات الطفولة. تذكرته أجل. كيف كان يلهو معها ويأرجحها. كيف كان يغضب إن حادثت أحداً من الشباب ك ياسين وعثمان. كان يغضب ويثور ويجن جنونه. احتضنتها فرحة الطفولة فغابت بها وبأمانها. يا ليتها تعود. اللحظات السعيدة وإن كانت مجرد وهم وذكريات. فسيأتي ما يحطمها لا محالة. لم يمدي كثيراً وهي تفكر. يا ترى أين هو الآن؟

بالتأكيد مع إحدى الفتيات! لو يعلم كم تحبه وتهواه؟ لو يعلم من هو بالنسبة لها؟ ذرفت عيناها الدمع بابتسامة. فيكفيها طيفه يزورها ليرفرف قلبها من شدة الفرحة. ما لبثت أن فاقت من ذكرياتها وشرودها على صوته. صوته الذي يسحرها يتنغم بسحر خاص يجعل قلبها يتراقص فرحاً. لم تصدق أذنيها فهل حقاً هو هنا؟ تستمع لصوته. غابت هي عن نفسها ومكانها وزمانها غير مصدقة. منذ متى يعود بهذا الوقت وهو الذي لا يعود سوى مترنحاً قبيل الفجر!

لم يدرك أنها غائبة له هو فقط! فظن أنها تفكر في أمراً ما؟ ولا يدرك أن لا يوجد غيره يشغل خاطرها وقلبها وروحه. فهو ساكنهم الوحيد. تنحنح قائلاً وهو يضع يديه بجيب بنطاله: _يا زوجتي المستقبلية سرحانة في إيه كده؟ ازدردت ريقها وهي ترفع بصرها به قائلة بابتسامة رقيقة أول مرة يراها عن قرب ففعلت بقلبه الأفاعيل: _أنااااا... تلجلج صوتها وهي تغمض عينيها بعيداً عن المرآة: _أنا مش سرحانة ولا حاجة! تنهد قائلاً وهو يستنشق الهواء

الذي هلت نسماته الباردة: _بتعملي إيه وقاعدة لوحدك ليه؟ منذ متى يسألها أو يهتم بكل ذلك؟ فمنذ أن نشب وهو حتى قد لا يعرف من تكون. زَمت شفتيها بوجع ودمعة هاربة هوت على وجنتيها وهي تهمس بسخرية: _قاعدة ليه هنا؟ رفعت نظرها به لترى دموعها المؤلمة. أبعد يديه مشبكهما أمام صدره وهو يتطلع بها لتستكمل هي متنهدتاً بضيق: _قاعدة في المكان الوحيد اللي بيجمعني بروحي! بحس فيه بالأمان! المكان الوحيد اللي بتخالط قلبي فيه الفرحة!

قاعدة عشان في ذكريات متتنسيش عشتها هنا. بس اللي عشتها معاهم مش هنا أو هنا بس مش هما! أغمضت جفونها لتدور حول الأرجوحة تقف خلفها حيث كان هو يقف وهو صغيراً يأرجحها وقالت بدموع: _فاكر زمان لما كنت (أشارت بيدها) بقعد هنا وتمرجحني. مدت بصرها وكذلك هو نظر لما تنظر حيث على الفراغ ليس بعيداً. وقالت بتذكر ودموع: _فاكر لما وقعت هنا إزاي كنت خايف عليا؟ أقتربت كم خطوة منه واقفة أمامه عن بعد لتغمغم قائلة بابتسامة رقيقة أفقدته

ثباته ودقت حصون قلبه: _فاكر لما كل جمعة كنا بنروح نصلي ولما ننهي تقعد تحفظني؟ طب فاكر لما بتزعل لما مش بحفظ السور اللي لازم أسمعها؟ فاكر لما كنت بزعل لما بطلب حاجة ومش بيوافقوا يجبوهالي وكنت بتعمل أي حاجة وتجبهالي وتسعدني! فاكر لما كنت بتقولي البس ده لا وده لا ودا غلط ودا صح؟ ألهبت قلبه دموعها الرقيقة وحنانها ذاك. أما زالت تذكر كل ذلك؟ هل هي تحبه؟ ولكن ما به لم دموعها توجعه؟ لماذا أراد أن يزيحهم بلي عودة!

أين ذهبت كلمات الغزل وهو الذي إن رأى فتاة غازلها بكلمات الحب كأنه محب واقعاً ولا سبيل للنجاة؟ وقف متخشباً أمامها دون كلمة. لتتنفس هي الصعداء قائلة: _أنت فين دلوقتي؟ من حذيفة بتاع زمان! (حذيفة بن اليمان) عارف اسمك دا اختارته ليك ورد على اسم الصحابي الجليل حذيفة وكنت أتمنى تكون زيه! كنت أتمنى تفضل أنت متتغيرش كده. هااا قولي أنت مين؟ فين حذيفة؟ طال الصمت وتحكم وطال تحكمه. قطعته هي بابتسامة متسعة مردفة وهي تهز

رأسها عائدة حيث مجلسها: _أكيد معندكش إجابة. جيت ليه بدري؟ أول مرة تعملها ولا مفيش بنات! ابتلع سخريتها كارهاً ذاته وهو يقول كاذباً فقد عاد لتوه بسبب نزاع ارتكبه: _مفيش عادي. زهقت وقولت أرجع بدري. جلس على الطرف الآخر من الأرجوحة متسائلاً بتعجب: _أمال بتقراي إيه؟ هتفت وعيناها لا تحيد عن الكتاب: _رواية. تنحنح قائلاً يريد أن يستمع لصوتها المحبب لقلبه الذي يبث له الحنان والراحة: _طب عليّ صوتك سمعيني معاكِ.

رفعت نظرها به بزهول وألتقطت الأعين بلقي العتاب والمحبة. تنحنحت باضطراب وتلعثم وهي تحاول جاهدة أن تخرج الكلمات فحضوره أربكها أفقدها ما تبقى منها! أنصت لها جيداً أو بالأحق كان مستمتعاً بصوتها. لم تكمل سطراً حيث صمتت مغمضة عينيها. متنبه لجرحاً ينزف خلف رأسه، لتنتفض هاتفة بوجل: _فيه إيه؟ أنت بتنزف! تنبه بدوره ليتحسس الجرح قائلاً: _مفيش حاجة. دا جرح بسيط.

لم تستمع لكلمة أخرى وذهبت مسرعة من أمامه بطريقة مباغتة استغربها كثيراً. ما لبثت طويلاً وجاءت ركضاً حاملة ما يلزم لتطهر الجرح. وقفت خلفه وما كادت أن تلامس الجرح حتى انتفضت متألمة باكية. نظر لها بتعجب شديد من تألمها كأن هي بها الجرح لدموعها الحارقة تصهر فؤاده حياً. فتنحنح متسائلاً: _لو مش قادرة تعمليه أنا هعمله. ومكنش فيه داعي. دا جرح بسيط. نفت قائلة وهي تقترب: _لا. مفيش. قرب.

أنهت جرحه وجلست منشغلة به والقلق ينهش قلبها. هل يؤلمه؟ أيتألم؟ أم أنه بخير؟ وعلى غفلة شعرت بالأرجوحة تأتي ذهاباً وإياباً بها. وما كان إلا هو. لجمتها الصدمة. وشعرت بأن قلبها كاد أن يقفز من محله من شدة الفرحة وصرخت به ليوقفها. وما أن أوقفها حتى رحلت متوردة الوجنتين خجلاً مسرورة. وروحها تحلق كفراشة مشرقة. اخترقت ضحكاته مسامعها التي زادت توترها لتسرع خطاها لغرفتها.

في أثناء ذلك كبت ضحكته بصعوبة وهو يجلس مبتسماً من صميم القلب لأول مرة. متنهداً بسعادة لا يفارق طيفها مخيلته. فقد أخذت من قلبه مسكناً وارتسمت صورتها على جدرانه وأتحكم على قلبه أن يكون سجيناً لها. سجيناً لتلك العصفورة العامرة بالرقة والحنان كأنها أمه.

دب الخوف والذعر بالقلوب. ضجيج وجلبة وصوت صرخات شقت عتمة الليل المظلم. تجمهرت الناس حول ذاك البيت الذي نشبت به الحريق. وأخذت النيران تلتهم كل ما يقابلها دون هوادة. تسرع خطى الرجال ركضاً بالماء لإطفاء الحريق. بينما يكاد قلب رقيه يقف من شدة الخوف الذي تملكها. ماجد الصغير بجانبها يبكي ويردد باسم وعد. لا أحد يجرؤ على الدخول. جاء رحيم مسرعاً وهو يصيح: _إيه اللي حاصل؟ والحريق ده جام كيف؟ في حد جوه؟

أومأت رقيه برأسه بصمت وبكاؤها يمزق نياط القلب. لا تدري ما عليها فعله! لو لم تصر وعد على المكوث منفردة بذاك البيت لما حصل ذلك؟ بالأعلى تقف وعد بالغرفة حائرة لم تدري من أين نشب ذاك الحريق. لا غرو أن هناك أحداً ما يريد التخلص منها ولكن من؟ من يدري من تكون هي؟

اختنقت بشدة وتوغل الدخان بصدرها. جثت على الأرض وهي تسعل بشدة. وطيف الجميع مر عليها حتى ديجا. هدأت أنفاسها رويداً رويداً وأخذت وزاغت عيناها. رفعت يدها على قلبها تحاول الصمود لأكبر وقت ممكن ولكن كيف والنار حاصرتها؟ انفتح الباب فجأة وطل منه رحيم. تقدم منها بقلق ودون كلمة جذبها منحنياً ليحملها. بينما كانت تتنفس بإعجوبة وهي تختنق. خرج بها من مكان آخر لم تصل له النار بعد إلا قليلاً.

أدخلها السرايا لتلحق به والدته بلهفة وهي تحاول جاهدة إنقاذ وعد. بينما صرخ هو بغفيرة ليأتي بطبيب على عجل. اقتربت رقيه باكية دون كلمة! جاء هذا الصوت من أعلى الدرج لرجل كبير بالسن. أسرع رحيم خطاه شبه راكضاً مسنداً والده وهو يهتف مطمئناً: _أنا بخير يا حج. الحمد لله مفيش حاجة. اطمئن أنت.

نقلوا وعد لإحدى الغرف وجاء الطبيب لفحصها وإعطاء اللازم لها وذهب. أرادت رقيه نقل وعد لبيتها ولكن رحيم ووالدته أصروا على بقائها حتى تتعالج تماماً وتصبح بخير. دخلت والدته لتبقى معها طوال الليل إن فاقت وأحتاجت لشيء ما. أغلق هاتفه ملقياً به جواره دون اكتراث. وصدرت منه تنهيدة وجع. وجع ومن ذا يشعر به؟

وجع ظل وما زال لسنين يقبع بثنايا قلبه لا يريد الفرار أو النسيان. بل إنه يزيد مع الشوق والحنين أكثر فأكثر فأصبح فؤاده الجريح غير مبالٍ بما حوله ولا بذاته حتى. ضغط على مكابح السيارة وهو يهمس متوجعاً. فما أدراك ما وجع القلب؟ نار تكاد تحرقك حياً ولا أحد يشعر بها. وهمس: _وحشتيني. أنا ليه مش قادر أنساكي؟ ما أنتي رحتي خلاص. ليه مش قادر أنسى أول مرة شيلتك فيها بين إيديا؟ ليه مش قادر أنسى أي نظرة عينك؟

كل حاجة فيكي. كل لحظة جمعتنا. ليه عايش ومش عايش؟ فينك؟ كل يوم بستناكي تيجي بس مش بتيجي. غايبة والغيبة طالت. مكانك في قلبي مهما تغيبي هيفضل ملك ليكي. كل دقة بتصدر منه بتزيدني اشتياق ليكِ. سامحيني لأني هكون لغيرك بس قلبي ملك ليكي. وتذكر حينما وهو يبدل ملابسه. دلف والده يوسف بتهكم واضح على ملامحه دون أن ينبس بكلمة. امتدت فترة صمته كان ياسين على وشك أن يفقد صبره ليتنهد يوسف بصوتاً عالٍ هامساً: _وبعدين؟ هتفضل كده لأمتي؟

أحنا عايزين نفرح بيك! مالها سمر. واحدة مننا وغير كل ده رايدك وبتحبك! ألقى ياسين المنشفة من يده وكظم غيظه قائلاً بهدوء قدر استطاعته: _بابا أنا مش بفكر في الجواز دلوقتي. وبعدين سمر أنا مبحبهاش! زفر يوسف بغيظ هاتفاً بلهجة حادة: _مش كل حاجة حب! لو الكل بيفكر زيك يبقى مفيش جواز! ربت على كتفه قائلاً يحاول إقناعه:

_أنت ابني والعمر بينا بيجري ويا عالم بكرة هكون موجود ولا لا. وعشان كده خلينا نفرح بيك. وأنا متأكد إنك هتحب سمر مع الأيام. قال جملته الأخيرة بابتسامة هادئة وغادر الغرفة. فاق على اصطدامه لأحد ما. حدق عينيه بصدمة. وتسارعت أنفاسه وخفق قلبه وهو يترجل مسرعاً من السيارة.

ما كاد بالوصول إلى من اصطدم به حتى تسمر موضعه وهو يراها تحاول الوقوف تتلمس بيدها عمياء. أجل، إنها العمياء التي كان يتشاجر ويتنازع معها كلما رآها. لا يدري السبب؟ كان يتهمها أنها تمثل ما ألهمه. لذلك يا ترى! إنها عمياء كساكنة قلبه! دنا بحذر منها وهو يهمس: _أنتِ كويسة؟ أنا مخدتش بالي. أنتِ ظهرتي فجأة. لم تجب وأنما أجهشت بالبكاء عالياً بصوت عالٍ!

أغمض عينيه بعنف تأثراً من صوتها الذي يتنغم على قلبه بعشق ليعيد له ما فقد من الحياة! همس يحاول بشتى الطرق أن يدري ما بها: _طب بتبكي ليه؟ أنتِ أتأذيتي؟ أوديكي المستشفى نطمن! صوت ضجيج وضوضاء وصياح رجال آتٍ من الخلف. أصوات سيارات كثيرة نبهته أن هناك أمراً ما. بينما سدت هي أذنيها بكفيها محاولة إلا تسمعهم وهي تتلمس باكية كي تركض وقلب حالها يهمس "بزين". إذ أنه قيد معصمها هاتفاً بغضب وهو يرى توقف السيارات: _أنتِ بتهربي منهم؟

حاولت الاعتراض وسحب يدها إلا أنه كان يزداد ضغطاً وأحكاماً عليها. علا وجهه غضب هادر كفيل بهد الكون. حينما تسارعت أنفاسها وهي تؤمي مرتعدة من الخوف وجسدها يرتجف: _معرفش مين دول! عايزين يقتلوني! جذبها خلف ظهره وهو ينظر لهم بغضب وقسوة. ارتعاشها بين يديه جعل من قلبه كتلة مشتعلة من النيران قد تنفجر. صوتاً علا من الشباب: _سيبها يا باشا وتوكل على الله. دي تبعنا! هزت رأسها بعنف نافية قوله.

بينما تقدم منهم ياسين وهو يخلع جاكته ملقياً به. تقدم أحد الشباب ركضاً وكاد أن يلكمه إلا أنه انحنى ممسكاً بذراعه لوياً له منكسراً وأمسك رأسه مطيحاً به بجبينه وتركه ليسقط أرضاً. ازدادت ركضاً إليه وهو يتشابك معهم بالضرب المبرح ليسقطهم أرضاً غارقين بدمائهم. إلا أن صوت بكاءها الذي علا جعله يلتفت إليها ليجد أن هناك أحد تسلل شارعاً "مطواة" على رقبتها.

استسلم ياسين بعجز تام وهو يزدرد ريقه بقلق. ليحاوطه فجأة منقضين عليه بالضرب المبرح بالعصي يتلقفه واحداً تلو الآخر ضرباً. تأوهت بألم حينما غرس السكين بجرح لا بأس به. مما جعله يجن ويفقد عقله. أفاق الأسد النائم بداخله لينقض عليهم كالثور الهائج. يلكم هذا ويدفع بذاك. التقططططط أحد العصا وكل ما اقترب إليه أحد أبرحه ضرباً ليسقط صريعاً. فكانت نهايتهم جميعاً أرضاً. أزاح الدم العالق على وجهه وفمه وهو ينظر للرجل الممسك بسكينه

بهدوء وكلمة وجده لفظ بها: _أمشي! لم يمهله الكثير ليركض مبتعداً متصلاً لأحدهم يطلب العون. قطع المسافة الفاصلة بينهم ليقف أمامها بحيرة من أمره. خيم الصمت ليهمس هو محاولاً تهدئتها: _خلاص بقا. أهدي. متخافيش. مفيش حاجة؟ ظلت تبكي بصمت وجسدها يرتجف. أوشك على أن يثور ولكنه كظم غيظه قائلاً بلهجة حادة: _بتبكي ليه؟ اسكتي خلاص. مفيش حاجة. أنا هنا! فجأة حصل شيء غير متوقع لم يخطر بباله بتاتاً ولم يراوده.

ضمته واستكانت مطمئنة. يضمها الأمان. صدمة جعلته تسمر موضعه. على مرأى من النجوم الساهرة والقمر غار منهما. تردد برفع يده يحاوطها فما كان منه إلا أن أفاق لذاته مبعداً إياها برفق قائلاً بتلعثم فقد استطاعت تلك الفتاة نزع ثباته واقتلاع قلبه وهز نفسه: _تعالي اركبي أوصلك المكان اللي عايزة! جذبها من يدها بحنان يدلّها على الطريق. إلا أنه وقف مكانه لاعناً ما تسبب بفقد إطار السيارة وتمتم بغيظ.

لم يدري ما يفعل. مد بصره يميناً ويساراً يستطلع المكان إلا أنه لا يوجد مكاناً قريب أو بشر. مسح بوجهه بغضب وهو يضرب بقدمه السيارة متمتماً. أجلسها بداخلها بعدما شرح لها الأمر. وظل واقفاً على أمل أن يمر أحد أو يجد من يساعده بمثل ذاك الوقت. أخذ يطرق ذهاباً وإياباً بتوتر لا يدري سببه.

توغل الأمل والانشراح قلبه وتنفس الصعداء وهو يرى سيارة آتية من بعيد. لم يحد عينه عنها ولكن مهلاً، إنها ليست سيارة بلا عدة سيارات. استطاع أن يدرك أن هناك خللاً ما. أسرع بفتح السيارة جاذباً إياها وهو يقول صارخاً بها: _انزلي بسرعة. رجعوا. لازم نأمن نفسنا. ممكن يأذوكي. أمسك بقبضة يدها بإحكام وهو يجذبها خلفه ركضاً بين الأشجار التي كانت على الجانب الآخر متخفياً عن الأنظار. وقفت السيارات وترجل من بها. ليشير لهم ذاك الرجل

الذي جعله يغادر دون أذية: _بسرعة من هنا وراهم. لازم نخطفها ونسلمها للباشا. ركضوا خلفهم بين الأشجار. كانا بالقرب منهم يحاوطوهم من كل جانب. اختبأ خلف الشجرة ليضمها ياسين لصدره متوجساً عليها. ظهرها مستنداً للشجرة ووجهها مخبئ بصدره. ظلت عيناه تتابع الرجال يميناً ويساراً محاولاً معرفة سيرهم واتخاذ خطواته. بينما كاد أن يلتفت حتى تسمرت عيناه على دموعها التي تهوي بصمت ووجهها وعيناها التي سحرته وفكرته بمعشوقة فؤاده الراحلة.

عم الصمت والسكون. فخمن بمغادرتهم باحثين عنه ليجذبها خلفه مغادراً يلتمس الخطي بذاك الظلام مستعداً لأي أمر طارئ مهدداً بحياتهم. وقفت تلتقط أنفاسها بصعوبة وهي منحنية تمسك قدميها... أحس بتعبها فنظر حوله محاولاً فحص المكان حتى قال متنهداً: _تعالي نقعد هناك كده تحت ظل الشجرة دي تستريحي شوية ونمشي.

أومأت برأسها من شدة ألم قدميها. وسارت خلفه بهدوء. تعثرت قدمها بالحجارة فكادت بالسقوط لولا يده التي لحقتها لتتمسك بها بقوة فتشبثت به كطوق نجاة أتى لنجاتها. قبض على يدها بقوة وسار متهادياً بخطواته وهي بجانبه. وصلا عند شجرة ظنها المكان الأمثل للاستراحة به. فأجلسها برفق. وأخذ هو موضعه استند بظهره على الشجرة وأرجع رأسه للخلف.

خيم الصمت عليهم. بينما كان مغمض العينين بذكريات لاحت فجأة بطفولته. فبسمة صافية هادئة من أعماقه نبعت فجأة على وجهه. ظلا على حالهم. كان يكتم آلام جسده بجهد عظيم. تذكر شيئاً ليهمس جزاً على أسنانه وهو مغمض العينين على حاله: _زين القاضي يقربلك إيه؟ صمتت و زاد صمتها حائرة فمن ذاك؟ ولماذا يساعدها؟ لماذا لم يتركها ويغادر؟ هل لا يخشى على ذاته؟ أم ما زالت الدنيا بخير وبها رجال حقاً؟ هل ما زال هناك بشر تساعد دون مقابل؟

أجل وها هو الدليل على ذلك! تذكر أنها استمعت لصوته قبلاً. ولكن متى؟ متى استمعته؟ لماذا لا تستطيع التذكر؟ يا ليتها كانت ترى لكانت عرفته فوراً! تنبهت لسؤاله باهتمام لتجيب باسمه: _زين يبقي أخويا. أنت تعرفه؟ صمت قليلاً لتستطرد بعدها متسائلة: _هو أنت ليه ساعدتني؟ لم يرف له جفن وظل على حاله ولكن داخله يضج بكثير من الأفكار تزاحمت بخلده ليبتسم بسخرية وهو يهمس بينه وبين نفسه وها قد وصل لمبتغاه:

_أخت زين. شكلي قربت أوصل للي عايزة وأنتي اللي هتوصليني! ابتسامة السخرية اتسعت وهو يردف بمكر: _مش أخت زين يبقي لازم يلاحقوكي! تنبهت لجملته التي أشعرتها بشيء ما غريب يكنه ذاك الشاب لتتساءل قائلة: _أنت ليه بتقول كده؟ ومجوبتنيش ليه؟ ساعدتني؟ زفر بصوتاً مسموع وفتح عينيه ليلوي قدمه منحنياً عليه ونظر لها بصمت وتنحنح قائلاً بهدوء: _أنتي بنت وكنتي محتاجة مساعدة. أسيبك وأمشي وكأني مش شفتك إزاي؟ أمال أبقى راجل إزاي؟

أي حد مكاني كان هيساعدك! صمتت قليلاً بانبهار من رده. صمتت باستيعاب لتردف قائلة: _بس ممكن تموت بسببي؟ _أموت بسببك أحسن ما أموت من عذاب الضمير وقلة احترامي لنفسي! قالها بحدة نوعاً ما. تراجع للخلف متنهداً وبتعب شديد بجسده وجراحه التي تمكنت منه ليغمض عينيه.

لم تتحدث. ظلت صامتة وجلة مطمئنة. أمان لم تعتاده من ذي قبل. لكن الآن تشعر أنها بين يدي أمينة. فأستكانت مطمئنة فؤادها. لا غرو فإن الخوف تملكها كلياً. تنتظر موتها في أي لحظة. ماذا لو آتوا؟ ماذا لو أن ذاك الشخص لم يكن موجوداً؟ يا ترى ماذا كان مصيرها الآن؟ انتزعها من أفكارها حركته وهو ينهض مستعجلاً! لتهمس هي بتوجس وقلق وتلعثم: _أ أنت رايح فين؟ _هصلي!

قالها مسرعاً وهو يقف مكبراً. ولحسن حظه قد كان متوضئاً. فصلى وطالت صلاته. وعاد ليجلس مكانه لتهمس هي وقد أدهشتها فعلته: _أنت قمت تصلي عادي كده؟ قطب حاجبيه قائلاً بتعجب من جملتها: _إيه اللي يمنع إن أصلي؟ فهميني!؟ يعني إحنا قاعدين هنا في أي لحظة ممكن يلاقونا. وقتها يا عالم هيعملوا فينا إيه؟ وأنت بكل بساطة بتصلي؟ تنهد بنفاذ صبر قائلاً: _برضه مش فاهم إيه اللي يمنع أصلي!

المفروض أنتي كمان تقومي تصلي وتطلبي من ربنا يحفظك ويحميكي وتشكريه! صمتت بإحراج لا تدري ما تقول. أتخبره أنها لا تصلي؟ وأنها إن صلت فهي تقطع صلاتها مرة أخرى بسبب أنها لا ترى! ولا تريد أن تكون عالة على أحد! تفهم صمتها وبحدسه علم أنها لا تصلي. فصمت متنهداً...

ساد الصمت بينهم لا يقطعه سوى نسمات الهواء التي تحرك أفرع الأشجار. برودته رجفتها وأصوات غريبة اخترقت أذنها فشعرت بالخوف. لتقترب منه أكثر وأمسكت بكفه يده. لم يمانع. فهو الأدري بها وبما تشعر. فهي لا ترى ليلها كنهارها. لا سبيل لشيء. لا غرو فإنها خائفة حد الموت. انتزعته من أفكاره التي باتت تسكنها الآن وقالت هامسة: _هو أنت اسمك إيه؟ صمت قليلاً قائلاً بحدة: _ياسين. ياسين الشرقاوي. _ياسين.....

رددتها بزهول مراراً وتكراراً. سرعان ما خيم الصمت لتلقي برأسها على كتفه ذاهبة في ثبات عميق. لم يمدي كثيراً ليلحق بها مسنداً رأسه للخلف. بعدما نزع قميصه واضعاً إياه أسفل رأسها. ضجة عالية وضوضاء أصوات أقدام تحوطهم نزعته من نومه انتزاعاً لتنتفض هي شاهقة بخوف ظناً منها أنه قد ذهب وتركها. ليكتم فمها بيده جاذباً لتقف وزاع بصره بالأرجاء ليهمس بحده: _هماااا...... رأيكم وتوقعاتكم. من سبب الحريق؟

هل هناك أحد يعلم لما أتت وعد وأنها بمهمة؟ هل يستطيع ياسين إنقاذ سجي؟ من يريد خطفها أو قتلها؟ هل سيتغير حذيفة؟ أم سيكون قد فات الأوان؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...