الفصل 3 | من 31 فصل

رواية دموع العاشقين الفصل الثالث 3 - بقلم ندى ممدوح

المشاهدات
23
كلمة
8,286
وقت القراءة
42 د
التقدم في الرواية 10%
حجم الخط: 18

وقف الأتوبيس وترجل جميع من به متأففاً. ترجلت وعد بتأفف وهي تتمتم بالكلمات. بغَيظ ركلت السيارة بقدمها وهي تهمس بذاتها بتأفف: "يعني ملقتش غير دلوقتي وتتعطل؟ يارررب أفرجها بسرعه! رن هاتفها مضيئاً باسم ياسين، فرفعته على أذنها وهي تهمس بابتسامة رقيقة وصوت هادئ: "السلام عليكم." جاءها صوت ياسين هامساً: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، إيه طمنيني وصلتي لحد فين؟

صمتت وعد قليلاً تفكر كيف تخبره بعطل السيارة دون أن ينتابه قلق. ساد الصمت بينهما. قاطعه ياسين قائلاً بقلق: "إيه يا وعد، في حاجة معاكي؟ أنتي كويسة؟ فاقت لذاتها قائلة بلهفة: "آه آه، متقلقش أنا تمام، بس الأتوبيس مش عارفة إيه اللي حصل وتعطل بينا، بس هيوصل أتوبيس تاني ينقلنا إن شاء الله. أبقى طمن ماما عشان متقلقش." أنتابه قلق غريب يعصف بقلبه، فطمأنته وأغلقت معه المكالمة.

تنهدت براحة. فتحت حقيبتها لتدس الهاتف. لم تشعر سوى بأحد ينتشله منها، ويدفعها بقوة. كادت أن تسقط ولكنها تماسكت. رفعت رأسها فلم تجد أحد. تجمع حولها الناس بعدد لا بأس به، يطمئنوا عن حالها. عندما رأوا أنها بخير، فأخذ كل واحد مكانه بعدما طمأنوها أن لا تحزن، فالمهم أنها بخير.

جلست على أقرب مقعد بهم، تنظر لهاتفها الملقى أرضاً متدمراً من أثر الوقعة. أسندت رأسها على يديها، لا تدري ما تفعل، بمن تتصل. كل شيء كان معها سُرق. ولكنها حمدت الله عز وجل، فلا تدري، لعله خير. تنهدت بيأس. لم يعد لها هم سوى التفكير بما ستفعله الآن وكيف تتصرف. كل المال أيضاً كان بالحقيبة، إذاً ما عليها فعله حتى توصل للصعيد؟ حتى كيف تتواصل مع رقيه؟ زفرت بيأس وردت بدعاء من قلبها:

"يا رب لو خد الشنطة حد غني مش محتاج فسامحه وبارك له فيها، وإن كان فقير محتاج لما بها ف يارب بارك له فيه وسامحه وارزقه." لم تكد أن تنهي دعاءها، حتى أتاها صوت لاهث بجانبها يهتف بصوت متقطع بلهجة غريبة: "اتفضلي شنطتك يا أستاذة، وأتأكدي لو في حاجة ناقصة. والواد مسكناه أهو." حدقت عيناها بذهول ودهشة. وهبت واقفة وهي تستدير لذاك الصوت. رمقته بنظرة مندهشة وتفحصته من أعلاه. جلباب وقار ذا هيبة لم تعهدها من قبل.

"طال صمتها ودهشتها." فرفع حاجبه قائلاً بصوت حاد: "يا أستاذة سرحتي في إيه؟ هزت وعد رأسها بانتباه وأردفت وهي تتناول من يده حقيبتها: "شكراً جداً ليك." فهمس وهو يوليها ظهره مغادراً: "الشكر لله. أتأكدي من حاجتك! تابعته بعينيها، حتى رأت رجلاً يقترب منه مسرعاً يحيه بأدب واحترام. نقلت عيناها لذاك الشاب الذي خطف حقيبتها وركض. فدنت منه وظلت تتحدث معه. اقترب الرجل الذي أرجع حقيبتها هامساً: "في حاجة؟ إحنا في الخدمة."

نظرت له وعد بجمود. أما هو فكان يغض بصره. رفعه بها عندما قالت بلهجة جافية غاضبة: "لا مش محتاجة لخدمتك ولا طلبت منك. أنا أقدر أساعد نفسي، شكراً." رمقها بنظرة قاتلة وهو يهمس: "صوتك يا أستاذة." استدارت له كلياً هامسة، بعدما تنبهت لنبرة صوتها: "ماله صوتي؟ بقولك شكراً مش محتاجة منك أي حاجة تاني، شكراً لأني لولاك كان زماني مش عارفة أعمل إيه." هز رأسه برضا. ثم رفع عينه بها قائلاً بهدوء لأول مرة:

"شكلك بنت ناس يا أستاذة، والواد ده غلط." قالها وهو يشير على الشاب الذي يبدو بعمر لا يتعد العشرون عاماً. "معاكي غلط ومن حقك ترفعي قضية، بس هو عمل كده غصب عنه. اسمعيله الأول." بذهول نظرت له وعد وقالت باستنكار: "مين قالك إني هبلغ؟ مش هعمل كده! وتصفية أنا وهو مفيش حاجة." ابتسم لها قائلاً: "ده من كرمك يا أستاذة. وأنا هاخده أشوفله شغل عندي ومش هيرجع للسرقة تاني. وأمره عندي." لتهتف وعد مسرعة وهي تشير له:

"لا لا، أمر أمي عليا. أنا عمي دكتور وهو هيتولى الحالة." استدارت لرأسها للشاب مبتسمة، فبادلها الابتسامة ممتناً بحياء لما بدر منه. كادت بالمغادرة ولكن استمعت لصوت الرجل الآخر الذي يقف جواره: "رحيم بيه، السيارة وصلت من البلد، يلا نكمل طريقنا." "# تحب نوصلك معانا يا أستاذة؟ تسمرت وعد مكانها، لتخرج أخيراً من صمتها قائلة: "لا شكراً." اقترب رحيم كم خطوة، قائلاً بتساؤل: "حد معاكي ولا وحدك؟ لماذا يسأل؟ ما يهمه؟

أجل تعلم عن جدعنة الصعايدة وكرمهم، ولكن ذاك الشاب لا يعرفها، ولكنه يبدو غريباً لها. فهتفت بهدوء: "لا محدش معايا ليه." "# يبقي مينفعش تفضلي واقفة هنا من غير حد معاكي. اتفضلي في الحفظ معانا نوصلك المكان اللي عايزاه." قالها وهو يشير لها على السيارة، لتهتف هي بنفاذ صبر وتأفف: "شكراً، أنا أقدر أحمي نفسي وكويس أوي كمان. اتفضل أنت؟ صمت قليلاً قائلاً: "براحتك... تابعته حتى غابت عن ناظراها وهتفت وهي هائمة بالسيارة

التي انطلقت مسرعة: "الصعيدي المجدع، ياترى هنتقابل تاني؟ صدفة جميلة! كنت بسمع عنكم بس صدق اللي قالوه." رفعت نظراتها مثبتها أيها على عينيها. كانت الشمس على وشك المغيب، وهي ما زالت تنتظر. وها أخيراً يرفق بها القدر وجاء أتوبيس وأخذت مكانها، وانطلق. من خلف زجاج النافذة، أسندت رأسها تتأمل غروب الشمس. لا تدري ما ينتظرها وهل ستعود أم لا؟

ولكنها أمنيتها الوحيدة الموت شهيدة. أن يظل اسمها على مر الزمان، أن تكون قدوة للشجاعة والمروءة، والأهم الانتماء للوطن. اطمأنت فالله عز وجل معها. تأملت من خلف الزجاج وكان عقلها يدور بأشياء كثيرة، حتى ثقلت جفونها وغطت في النوم.

وصلت للمكان التي تود النزول به، غادرت الأتوبيس وهي تحمل حقيبتها، وظلت تسير دون وجهة، لا تحفظ أي رقم ولا تدري بمن تتواصل. فظلت تسير، وهي تتأفف بملل. بلحظة شعرت بحركة من خلفها، وظل بل كذا ظل يسير خلفها. ظلت ثابتة تسير كأنها لم تنتبه لهم حتى تدري من هم.

شعرت بالظل قريباً منها فاستدارت مستعدة للقاتل، ولكن فغر فاهمه وحدقت بدهشة عندما لم تجد أحد. تأففت بضيق وتابعت سيرها بجنح الليل. الظلام يحاصرها. "والغيطان" من جانبيها. تتلفت يمنى ويسرى لعلها تجد رقيه أو أحد ما تعرفه. ولكن على غفلة منها كمم فمها أحداً ما من الخلف وآخر شل حركة يدها. مر كل شيء في ثانية. لم تستطع المقاومة ولم يمهلوها الوقت لذلك. بينما ثقلت جفونها وسقطت مغشياً عليها. آخر ما وصل لمسامعها، صوت سهيل جواد ووقع أقدامه. وآخر ما رأت عيناها هو شاب عريض الجسد يخفي وجهه "متلثم".

أغمضت عينيها وأغمي عليها من أثر المخدر. ألتفوا الشباب الذين خدرها لذاك الصوت الآتي من خلفهم، ليترجل الملثم من على جواده. هتف أحد الشباب قائلاً بتوجس: "أنت مين؟ أبعد عن طريقنا عشان متتأذيش." حرك الملثم رأسه يمنى ويسرى مفكراً وصاح بسخرية: "بجد أنت مفكر إنك تدخل منطقتي عادي، وتخطف كمان؟ ومين من أهلي اللي هما مسؤوليتي؟

تقدم أحد الشباب شاهراً "مطوة" ألتقتها من جيبه. أسرع تجاهه ليطعنه في بطنه، فأنحنى يمر من تحت ذراعه وهو يلويه له، وبيده الأخرى ضربه على عنقه ودفعه بقدمه. اقترب الشاب الآخر مسرعاً فلم يعط له الفرصة وسرعان ما أمسك رأسه بين كفيه وهوى فوق أنفه برأسه ليرتد مصعوقاً للخلف. ثواني وكان فاقداً الوعي.

دنا من وعد منحنياً، حاول جعلها تفيق وهو، يصفعها عدة صفعات رقيقة ولكن دون استجابة. لم يدري ما عليه فعله. لذالك توصل لأول حل خطر بباله! فحملها. أثناء ذلك اقترب الجواد كمن يدري أمر صاحبه. سرعان ما اعتلاه وهو متشبث بوعد وانطلق. بينما جذب أحد الشباب هاتفه، الذي لم يفقد الوعي واتصل بأحد ما هاتفاً بتقطع وانفاس تتلاشى: "أيوه يا باشا محصلش حاجة، وعد بخير. كنا هننفذ الخطة بس في آخر لحظة جه واحد وأنقذها." "أخذ نفساً عالياً

وأردف: بس متقلقش باقي الرجالة هيكملوا!!!!!! كان يجلس ياسين بقلق لا يدري سببه. قلبه يعتصر ألماً. قلق مسيطر عليه كلياً. نهض متوجهاً للوضوء ومن ثم الصلاة، لعل قلقه يهدأ. مر الليل على الجميع ما بين قلق وخوف، وقلوب تترقب بتوجس القادم. عيون جفاها النوم تنتظر الحبيب الذي ما أن عاد عمله كأنه لا يعرفها، كأنه ليس المخطئ. أما عمرو فيضم ابنته بحنان بعدما تلو سوياً القرآن الكريم. نهضت خديجة مغادرة الشقة بعد نوم والدها.

توقفت أمام غرفة لمار بخوف، ثم اقتربت لترفع كفها الصغير تقرع الباب قرعات خفيفة. ليأتيها صوت لمار من الداخل بتعجب: "أدخلي." دفعت الباب للخلف قليلاً وظهرت من خلفه وتسمرت مكانها، حتى هتفت لمار بفرحة وهي فاتحة ذراعيها: "ديجااااا، واقفه ليه تعالي؟ ركضت إليها بفرحة لتضمها لمار بحنان وهي تقبلها. لتهمس خديجة: "أنا مش هنام مع بابا، عايزة أنام معاكي لأنك وحشاني." ضمتها لمار بحنان وظلت تحكي لها عن قصص الصحابة حتى غفت.

جلست أسماء بالكافيه ومعها صديقة لها التي ما أن جلست همست بتعجب شديد بتعب من ما بذلت من مجهود: "يا بنتي مش عارفة أنتي إزاي سبتي مستشفى أبوكي وجيتي اشتغلتي في المستشفى دي؟ فقر حد لاقي راحة وميرتاحش؟ أنهت كلماتها وهي تجلس بإرهاق على المقعد. لتهز أسماء رأسها بيأس من صديقتها التي دائماً تسألها وتخبرها بذلك. فأبتسمت بهدوء وأردفت قائلة: "يا بنتي أنا عايزة أعتمد على نفسي، عشان كده بعدت عن بابا وماما، فهمتي؟

خذ انتباههم ذاك الخيال ليرفعوا أعينهم به، ولم يكن سوى حذيفة. نظر لها بكره، ولصديقتها محدقاً بها. وعندما حادت عيناه على صديقتها هتف وهو يتمعن النظر بها مبتسماً: "يا صباح الجمال." بغضب هبت واقفة ورمقته بنظرات حارقة وصاحت: "صباح اللي........ "مفيش داعي." ترقرق الدمع بعيني أسماء وهي تراه لا يهتم بها ولا ماذا تقول صديقتها. أهانها هكذا! لم تكن تتوقع أنه هكذا لتلك الدرجة!

رأته قبلًا مع فتيات كثيرات، وتسمع ما يقال عنه. ولكنها لا تريد له سوى الخير، أن يبتعد من طريق سيؤدي به للهلاك وغضب الرحمن. تريده رجلاً تقياً محافظاً لصلاته يسير على خطى الرسول. ستتعب معه ولكن لا بأس، فبالأخير سيتغير وسيصبح أفضل. تماسكت وجاهدت ذاتها وهتفت بجدية: "خير؟ جاي هنا عايز حاجة؟ رفع يده وحركها على شعره وهو ينظر لصديقتها التي كانت تغض النظر ولم تلاحظ، وهتف وهو متأملاً بها وبجسدها: "آه، هو خير خير خالص خالص....

قطعته هي بحدة: "هو إيه اللي خير؟ في حاجة في البيت؟ دي أول مرة تيجي هنا." هتف وعيناه لا تحيد عن الفتاة: "ومش آخر مرة! هز رأسه وهو ينظر لها قائلاً بهدوء ولطف: "آه تعالي عشان في مشوار كدا؟ بتعجب أردفت مستفسرة: "مشوار إيه ده ومن امتى؟ انحنى على أذنها بجرأة هامساً: "بقيت خطيبك خلاص وتقرأ فتحتنا آه وهنجيب شبكة النهارده." خطت للخلف وهي تقول بتساؤل: "شبكة؟ بالسرعة دي؟ وبعدين وعد مش موجودة." أشار لها للخارج قائلاً:

"لا ما هو إحنا هنجيب شبكة كدا وهنلبسها على الضيق ويلا عشان مستنينا." عانقت صديقتها سارة التي همست غاضبة: "بقا ده يا أسماء؟ ده اللي بتحبيه الحب ده كله؟ لا مش هسمحلك؟ ضغطت على ذراعها هامسة: "خلاص نتكلم بعدين في الكلام ده، باي." زفرت سارة بضيق وغضب. بينما سارت أسماء جواره بصمت، وهي تغض بصرها، حتى استمعت لصوت تصفير. رفعت رأسها فرأته ينظر للخلف على فتاة خطت من جواره. هزت رأسها وهي تستغفر.

وأسرت خطواتها ناحية السيارة. صعد هو وانطلق مسرعاً لأقرب محل. عادوا إلى البيت بعدما اختارت أسماء الشبكة، ولكن حذيفة فهو غارق بما حرمه الله. عادهم إلى المنزل وذهب حيث يخرج مع فتاة كان يحادثها على إحدى التواصل الاجتماعي. بينما كانت أسماء سعادتها لا توصف. دلفت لغرفتها وألقت بذاتها على الفراش هائمة هي بدنيا الأحلام، التي حينما ستفوق منها ستخسر الكثير. كانت تتلمس دبلته التي بيدها إلى أن تأتي موعد الحفلة بحضور الجميع.

ها هي أصبحت خطيبته وفيما بعد زوجته، ناسيه هي كل الحياة ومن بها حولها. كأن قلبها قد ازدهر بزهور الربيع. فاقت على رنين هاتفها، الذي أفاقها من أحلامها فردت قائلة: "مكة زعلانة منك ليه مجتيش معانا؟ ماما قالت إنك رفضتي؟ ضحكت مكة برقة قائلة: "اهدي يا سمسمة كدا، ألف مبروك الأول. أنا خلاص خمس دقايق وأكون عندك ونتكلم." أغلقا سوياً وعادت مكة لابتسامتها التي لم تغادر منذ أن عادت. وسرحت مرة أخرى به.

تقود مكة عربيتها. أغلقت الهاتف مع أسماء. وغفلة انصدمت بسيارة كانت تقف. تسمرت عيناها على السيارة التي ضربتها بتوجس وهي تبتلع جوفها بصعوبة. غمضت عينيها بخوف وهي تتمتم: "يارب يكون ياسين يارب." فتحت الباب ببطء وما كادت تنزل، حتى هجم عليها عثمان بغضب وأعين مشتعلة وصاح بها: "هو أنتي من اليوم اللي شفتك فيه وأنا المصايب نازلة فوق دماغي." جذبها من مرفقها دافعاً إياها ناحية سيارته وعلا صوته قائلاً:

"أعمل إيه أنا دلوقتي، ومعنديش وقت ولازم أروح شغلي." استدار بجسده لها صارخاً بأعين لا تنذر بخير: "إذ مبتعرفيش تسوقي بتسوقي ليه؟ ليييييه؟

صدمة جعلت الدموع عالقة بمقلتيها تأبى النزول وتأبى الزوال. تشعر أن قلبها يرفرف من شدة الألم كأنه قد ترك جسدها. تلاقت الأعين بلحظة عابرة لا تُنسى. لحظة عتاب وقسوة. كادت أن تهم بالحديث، إذ انعقد لسانها فتراجعت. أشاحت بوجهها بعيداً عنه، لا تريد رؤية عينيه التي يملأها القسوة التي لا تدري سببها. رأت أيضاً تلك الطيبة التي تتوارى خلف قناع البرود. فهل يعاملها هي فقط هكذا؟ أم سبب ذلك؟ ستعلم لا محالة. صمتت لبعض الوقت ثم قالت

وهي لا تنظر له بصوت حاد: "أولاً أنا مخدتش بالي ولا أقصد أني أعطلك ولا أعطل عربيتك." "ثانياً إياك تكلمني كدا مرة تانية." "ثالثاً ممكن تاخد عربيتي تروح بيها مفيش مانع! قطع المسابقة التي تفصلهم غاضباً وهو يجذبها من يدها ليوجهها وقال غاضباً: "أنتي فاكرة نفسك مين؟ ليه شايفه نفسك كدا؟ ..... قطع حديثه صوت يصيح من خلف مكة: "# عثمان." حاد بعينه لوالده "زيد" فأبتعد عنها متقدماً منه معانقاً له بحب وترحيب. ضغط زيد على يده قائلاً

جوار أذنه: "إيه؟ من امتى وأنت كدا؟ بنفس الهمس قال عثمان: "والله أنا حر يا بابا، أنا أصلاً مش بطقها ولا بطيق أي بنت، كلهم صنف واحد ليهم غاية وحدة." ضغط زيد على كتفه قائلاً: "بنات عمامك وبنات العيلة دي مش زي أي حد. وإياك صوتك يعلى على واحدة منهم ولا تزعلها. وقتها أنا اللي هقفلك. انتوا إيد واحدة وهتفضلوا كدا سند لبعض، فاهم." وابتسم وهو يبتعد متوجهاً لمكة ليضمها بحنان أب قائلاً: "القمر اللي وحشتني، عاملة إيه؟

ردت بحياء ورقة: "الحمد لله، انت عامل إيه؟ "الحمد لله." قالها زيد وهو يجذبها من يدها قائلاً: "هو الواد يوسف وباباكي هنا ولا فين؟ هزت كتفيها قائلة: "لا هما مش في البيت." وتوجه بها للداخل وهو يقول بحزم دون النظر له: "عندك عربيتي، خدها ولينا كلام تاني لما ترجع." رمقهم عثمان بغضب وصعد السيارة وقاد بسرعة.

عادت ورد من المحكمة إلى مكتب المحاماة. جلست خلف المقعد بقلب جريح، وإن ضحك. تفتقد ابنتها. لم يغمض لها جفن، فهذه أول ليلة تبات بعيداً عن حضنها. تركت فراغاً كبيراً بقلبها. تنهدت بوجع شديد، ولاحت ذكرى بعثت الشجن بفؤادها. هل يا ترى يتذكرني؟ أهو يفتقد وجودي بجانبه؟ أيشتاق لرؤياي؟ أيحن لسماع صوتي الذي كان الراحة لقلبه؟ أآتي بباله أم أني أصبحت ذكرى عابرة؟ هل سنعود يوماً كما كنا؟ لو يعلم كيف حياتي بدونه؟ أنا من أنا؟

غريبة أنا في وطن ليس وطني! مغتربة في الغربة، والغربة التي ليس بها حضن يواسي تصبح قبراً مظلماً! مغتربة أنا في بلد الأغراب ليس لي أحد به. ضائعة تائهة خائفة أنا بدونه، بدون أمانه وسنده وحضنه واحتواءه. لوطنه فهو وطن أنتمي إليه! والآن أين أنا؟ لا أدري، لا أرى شيئاً، لا أعرف أحداً. يتيمة وسط الملأ. أبحث عن أبي، هل أجده؟ هل يعود؟ هل أجد حضنه يوماً؟ أين الشمس؟ لماذا غربت؟ لماذا لا تشرق لتنير لي طريقي ودربي؟

فإني أسير أتعثر بكل ما يقابلني، لا أرى شيئاً! حتى القمر أبى أن ينير سماء قلبي فأصبح مظلماً للغاية. أين أنا إذاً؟ وسط الظلام؟ أين؟ فؤادي يئن وجعاً واشتياقاً وحنيناً. يا الله خذ بيدي، خذ قلبي فلا أستطيع البوح بما أشعر، ولكن دعواتي تخرج لتشق عنان السماء إليك، فلتستجب، فلتهون علي قلبي، طمئني يا الله، طبطبي على قلبي فلا أجد يداً تطبطب. يا رحيم أفرجها، ضاقت بي الأرض بما رحبت، ومنك النجاة فأفرجها يا رحمن.

أزاحت دموعها التي خفقت بوجع لا مثيل له. خفق قلبها بألم وشجن يلج به للموت. هيهات، هل فؤادها حي؟ إنه ينبض، أجل، لكنه ميت من الداخل. ليس به حياة. نهضت مندفعة وهي تلتقط حقيبتها مسرعة للخارج حتى لا تغير رأيها. ستذهب لترى ابنتها. أجل تعلم أنها سترآه، ستتوجع وسيبكي ألماً واشتياقاً، ولكن الشوق لابنتها غلبها. فأندفعت مسرعة توقف سيارة أجرة لتقلّها هنالك. بحديقة الفيلا يلهو عمرو وابنته سوياً.

السعادة لا تغادر قلبه وضحكته صداً يسمع الدنيا بأكملها. يحلق قلبه بفرحة، وهو يداعبها لتزلزل ضحكتها قلبه بسعادة. على غفلة منه وهو يلهث ويتحدث بالموبايل، جذبت خديجة رشاش المياه بعدما فتحته وبللته تماماً. حدق مزهولاً بها بصدمة وضحك وهو يركض خلفها صائحاً: "بقا كدا يا ديجا؟ والله لهوريكي، استني عليا يا غشاشة."

ركضت خديجة مسرعة وحينما اقترب عمرو منها نثر عليها المياه ليتفاجأه بدهشة وزهول وتسمرت عيناه بورد التي فغر فاها وعيناها ورافعتا يديها للأعلى وتبللت تماماً. بينما غطت خديجة فمها بكفها بصدمة وزهول وهي توزع نظراتها بينهم. خيم الصمت فجأة. تلاقت فيها أعينهم ليعبر الشوق والحنين عن نفسه. شعرت بروحها تنتزع منها لتركض إليه تختبئ بحضنه! قطع الصمت انفجار خديجة بالضحك. بينما كبت عمرو ضحكاته بصعوبة وهو يقول بضحكة غلبته:

"يلا بينا ندخل جوه! حمل ابنته بخفة بين ذراعيه. دلف للداخل وهو يقذفها لأعلى ويلتقفها وهي تضحك. تسمرت ورد مكانها، فرؤيته زادت الشوق لقلبها. لم تروِ شوقها بتاتاً بل زادتها حنيناً. دلفت خلفهم بعدما غابا عن أنظارها. مضت بآلية للداخل، وحينما رأت هالة أقبلت إليها مسرعة تعانقها بفرحة هي وتالا وجلست ليتحاورا سوياً. بينما أخذ عمرو ابنته وظل يلهو معها، ولكن كانت تخونه عينه وتختلس النظر لها باشتياق قد فاض بقلبه.

عادت لمار وتجمع الجميع بالأسفل بآخر اليوم، وثبت ورد واقفة وهي تقول: "عن إذنكم هستأذن أمشي." (إشارة لخديجة) قائلة: "يلا يا خديجة." تشبثت خديجة بعمرو قائلة: "لا عايزة أكون مع بابا." حملها وهو يقول: "روحي مع ماما دلوقتي عشان بابا عنده شغل وقريب جداً هيجيلك تاني." هزت رأسها برضا، بينما كانت ورد تتنازع مع لمار من أجل الذهاب وأخيراً تخلصت منها وخرجت خلف عمرو. الذي وقف أمامها قائلاً بعدما وضع خديجة بالسيارة:

"أنا مش بديهالك لأنك طلبتي ده؟ لو عليا مكنتش هبعدها عني أبداً! بس خليها معاكي لأني مش هكون موجود." بلحظة سألت بلهفة مسرعة وخوف بنبرتها: "رايحة فين؟ متبعدش تاني! خيم الصمت عليهم. لعنت نفسها وأنبتها كثيراً على تسرعها. ابتسم هو بسخرية قائلاً: "يهمك رايحة فين ولا جاي منين؟ بعتاب ونبرة حادة وصوتاً يعلو قال: "يهمني أنا أصلاً؟ يهمك إيه اللي حصل؟ ضرب بقبضة يده السيارة بينما ترقرق الدمع بعينيها وهي تقول:

"أنت اللي اخترت تبعدنا." ليهتف هو بسخرية ممزوجة بالوجع: "أنا؟ هو مين عافر بالعلاقة دي؟ أنتي اللي معندكيش ثقة فيا ولا علاقتنا، وعلى العموم هثبتلك ببراءتي بس مش عشان بحبك؟ عشان تعرفي إنك ظالمة. مسمعتنيش وقت ما كنت عايزك تسمعيني ولا فهمتيني، وبعدتي بأقرب وقت محتاجالك فيه. مش عارف بصراحة أقول إيه." (تنهد بيأس) "مقدر موقفك." (اقترب بوجهه منها)

"بس اللي وجعني إنك صدقتي إنّي ممكن أعمل كدا. أنا فكرة إنك هتزعلي آه، هتعاتبيني، تحاسبيني، بس هتفهميني وهتسمعي وهتكوني جنبي. بس انتي ببساطة." (ابتسم بوجع) "بعدتيني. صدقتي اللي شفتيه بعينك لكن مسمعتيش لقلبك. شكيتي فيا؟ في عمرو اللي عشتي معاه في ذات البيت." استدمعت عيناها وهي تهمس بوجع: "عايزني أعمل إيه؟ لما أشوف جوزي حبيبي مع واحدة تانية مع بعض! لما أشوفه بيخوني مع غيري! وموش في أي يوم."

(نظرة لخديجة التي تجلس بالسيارة تقرأ بالمصحف) "دا في أكتر يوم كنت بستناه كنت جايه أفرحك." ابتسم بسخرية وهو يقلب كفيه ببعضهما: "لا الله إلا الله. آه أنا خنتك يا ستي ومش بحبك ولا حبيتك. إنتي كنتي مجرد حاجة جديدة نوع كدا مفيش زيه حبيت أجربه." (تطلعت به بذهول) "ليستكمل هو قائلاً: مشكلتك يا ورد إنك بتصدقي نفسك بس؟ مبتديش فرصة لحد! معندكيش ثقة في نفسك. كنتي بتقولي بإنك هتكوني جنبي ظلي دايماً في عز وقعتي!

بس أنا وقعت وكنت محتاجالك، كنتي فين؟ كنتي مختفية مجتيش حتى تطمني." بسط راحته وهو يشير للسيارة: "اطلعي يا ورد خليني أوصلكم واطمن عليكم! بآلية خطت تصعد السيارة بقلب جريح يئن من الألم لا تصدق ما تفوه به لتوه. أيخبرها أنه لا يحبها؟ أنها كانت تجربة لعبه يتسلى بها؟ لا لن تصدق، مستحيلاً أن يكون عمرو حبيبها هكذا أبداً.

يختلس من المرآة نظرات مؤلمة لدموعها. يريد بأي ثمن ضمها الآن. وأزاحت دموعها، ولكن ماذا عليه أن يوجعها كما أوجعه؟ عليه أن يعذبها كما تعذب. ليالي وهو وحيداً تمر عليه الثواني كسنوات عجاف. قلبه ظمآن وإن ارتوى. الأيام كما هي لا شيء جديد بدونها. كانت حياته واقفة عليها هي فقط. تركت به فراغاً كبيراً لم يملأه شيء. وعندما عاد ها هي أمامه ولا يستطيع البوح بما في قلبه، ولا ضمها حتى؟

كم يتمنى أن يأخذها بحضنه هو وابنته. تنهد بضيق عندما وصل ليقف بالسيارة وهو يترجل منها مودعاً ابنته واعداً إياها باللقاء القريب. ظل يجول ويصول بسيارته بدون وجهة وهو يفكر بما عليه فعله. فقربها مهلك ورؤيتها تستحوذ على قلبه بسحرها الأخاذ.

مر وقتاً طويلاً وهو منشغل الفكر بها كأنها صنعت من فؤاده وروحه وخاطره مسكناً فلا تغادره أبداً. عاد إلى البيت بوجوم صاعداً لشقته بصمت قاتل. لتلحق به لمار مسرعة لتطمئن عليه بعدما أحست بوجعه من ملامحه. أسرعت خطاها لتقف أمامه عاقدة ذراعيها تهمس بحسم: "إيه؟ إيه اللي حصل؟ شديت أنت ورد صح! بس لو تفهمني هي عملت إيه عشان تبعد عنها وتعاقبها كدا؟

قطب حاجبيه بعدم فهم وعلامات الاستفهام ترتسم على وجهه. مهلاً، ماذا تقول وما الذي استمع إليه؟ أتخبره ماذا فعلت؟ هي؟ هتف مستوضحاً: "لحظة بس، قصدك إيه بعملت إيه؟ هي قالتلك إيه؟ صمتت لمار تتمعن النظر به تحاول جاهداً معرفة ما يجول بخلده. فهتفت بتساؤل: "قالت إنها عملت حاجة ضايقتك وإن هي السبب بعدك وسفرك وهي اللي مزعلاك." بذهول نظر لها. حقاً شعر ببهجة. أما زالت تحتفظ بأسرارهم لوحدها؟

لم تخبر لمار بعد. ظلت حابسة بفؤادها. بلى، وضعت اللوم عليها أيضاً. قطعت لمار صمته قائلة وهي ترفع يدها على كتفه: "آه لو بس تحكيلي إيه اللي حصل لما جتلك الشركة عشان أعرف أصالحكم. هي بعدت وأنت سافرت. إيه ذنب الطفلة دي أبوها وأمها بعاد؟ طيب متتصالحوش بس بلاش تعيشوا بعيد عن بعض كدا. قعدوا سوا عشان خاطر بنتكم بس." صمت قليلاً فابتسم قائلاً: "سيبيها على الله واللي كاتبه ربنا هيكون إن شاء الله."

بمكتب مدير الاستخبارات دخل ياسين مرحبا بمديره الذي أشار له بفضول قاتل بالجلوس وحسه على الحديث قائلاً بلهفة: "هااا يا ياسين وصلت لفين؟ هو زين القاضي اللي وراء كل ده؟ هز ياسين رأسه نافياً: "لا مش هو، أوراقه كلها سليمة مفيهاش أي حاجة وشغله كله ماشي تمام." واستطرد قائلاً: "زين ماشي في السليم في كل حاجة، مش بيهرب ولا هو تبع حد. شركته كلها تمام والشغالين كمان." بيأس أومأ المدير هاتفاً: "أمال مين عايز يوقعه؟

قاطعه ياسين مردفاً بغموض: "اللي عايز يوقعه أكيد زين يعرفه كويس ويعرف حاجة عنه، ويمكن زين دا كمان في حاجات كتير وراه. على العموم أنا ماشي وراه وهرقبه لحد ما أعرف كل حاجة." أومأ المدير رأسه هاتفاً: "ماشي بس خلي بالك من نفسك." واستطرد قائلاً: "مفيش أي أخبار من وعد؟ موصلتش لأي حاجة؟ هز ياسين رأسه نافياً وهو يهم بالوقوف: -لما أعرف حاجة هبلغك وبما إن القضية دي معانا اعتبرها خلصانة."

واستأذن راحلاً إلى مكتبه منشغلاً الفكر وما أن أغمض عينه حتى لاحت عليه طيفها وتذكر. بشركة زين القاضي، دخل ياسين على أنه أحد العمال بالبناية التي يشيدها زين جوار شركته ليوسعها. بحث وفحص كل ما يقابله بدقة وانتباه، حتى وجد الفرصة المناسبة ليتسلل لمكتب زين باحثاً في أوراقه وأدراجه وملفاته مدققاً النظر بهم حتى لا يفوته شيء.

استمع لخطوات أحداً قادم، فأسرع بترك الملف واضعاً مكانه، ولكن انفتح الباب، لينحني هو خلف المكتب ويخترق أذنه صوتاً رقيقاً مترنماً بقلبه يهمس: "زين يا حبيبي أنت فين؟ رفع رأسه بشيء بسيط ملقياً النظر على تلك الفتاة التي تاهت بها عيناه حتى اختبئ مرة أخرى عندما غادرت مغلقة الباب وراءها. تسلل بحذر خارجاً وبطريقه وهو يتلفت خلفه.

أنصدم بذات الفتاة سجي، كادت بالسقوط ليلحق هو بها جاذباً إياها من ذراعها ولكن تعثرت قدمه ليقع فوقها وتصرخ هي متأوهة. لم تدري من ذاك الذي وقع معها ومن هو. حاولت الاعتدال ولكن لم تستطع إزاحة يده بتاتاً، بينما سحر هو بعينيها تلك التي أذابته فوراً، خيم الصمت عليهم قطعته هي صارخة به ليعتدل فوراً مستغرباً ذاته، انعدلت فور ابتعاده لتصرخ بألم وعيناها تتطلع بعيداً عنه ويدها تضغط مكان الألم الذي احتل ذراعها:

"أنت غبي مبتشوفش مش تفتح وبعدين ساعة عشان تبعد." صمت قليلاً فصرخ بها غاضباً: _والله أنتي اللي عمياء ومش بتشوفي، وإياكي تكلميني كدا تاني." دفعها بعيداً وخطاها بغضب. بينما ذرفت عيناها بالدمع وهي تتمسك بالطاولة حتى لا تقع. "عمياء" ترددت على مسامعه باعثة الشجن بفؤادها الجريح، وخطت بترنح باكية للأسفل لم تنتبه للدرج وفكرها منشغل بذاك الشاب الغاضب الذي لا تعلم من يكون. لم تستمع سوى لصوت زين هاتفا بصراخ وصوت أقدامه:

"سجي أستني، أقفي عندك." زلت قدمها فصرخت ظناً منها بالسقوط أرضاً ولكن شعرت بذاتها تهوي للأعلى ويد أحدا ترفعها. تنهد ياسين الراحة وهو ينزلها برفق حتى تلامس قدامها الأرض. دفعه زين بغضب بعيداً وهو يضم سجي معتصراً إياها بخوف. ليلكم ياسين يده بالحائط وهو يرمقه بغضب ليصرخ رغماً عنه: "أنتي غبية ولا عايزة تموتي؟ كنتي هتقعي! أنتي عمياء مبتشوفيش." دفنت رأسها بجسد زين، الذي استدار غاضباً بوجهه لياسين وابعدها عنه خلفه واقترب

منه لكمه بقوة هاتفا: "إياك صوتك يعلى عليها تاني ولا تقولها عمياء. وقتها متلومش غير نفسك، فاهم." رد له ياسين اللكمة بلي ذادت واشتباك بينهم الشجار وفصلوهم عن بعض الموظفين. لم يتعرف أحداً على ياسين فقد كان واضعاً شارباً ولحية ليخفي معالمه قليلاً. فاق من تذكره متنهداً بغضب فقد كان يكشف ذاته وخططه لولا ستر الله.

تسللت "سمر" بحذر وترقب هابطة الدرج، تتلفت حولها حتى لا يراها عمها يوسف وهي ترتدي رداء ضيقاً للغاية ونصف شعرها ظاهراً من تحت حجابها. كادت بالوصول من الباب لتتسمر موضعها، وهي تستدير ببطء لأسماء التي هتفت باسمها بغضب إشارة لها: "إيه دا يا ست هانم اللي عاملة في نفسك؟ مش خايفة حد يشوفك كدا؟ يا بنتي هفضل أحذرك لحد امتى؟ أنا النهارده موجودة بكرة لا ومش دايماً لكِ الموت قريب منا." "تنهدت بضيق

شديد وبدموع أردفت قائلة: ربنا بيسترها معاكي ومحدش بيشوفك بالمنظر ده لا بابا ولا بباكي دول لو شافوكي مش عارفة هيعملوا إيه فيكي؟ بنفاذ صبر وسخرية هتفت سمر: "بابا وأبوكي إيه بس إن شاء الله مش هيشوفوني وبطلي نق بقا يا شيخة محدش هيشوفني وأنا حرة أعمل ما بدالي." "نظرت لنفسها بإعجاب: -شوفي يا بنتي وأنا كدا بخلي الشباب تجري ورايا ومعجبين بيا والعرسان كتير، مش لبسك الواسع ده هتعجبي مين انتي كدا؟ ده انتي ناقص تتنقبي."

أدمعت عيني أسماء مستغفرة ربها وهي تدنو منها مربتة على كتفها: "إنتي خايفة من بابا وخايفة من خالتك وخايفة من الكل لحد يشوفك، بس انتي مش خايفة من اللي شايفك وهو ربنا." بنفاذ صبر وتأفف همست سمر: "والله دي حياتي وأنا حرة وأنا اللي هتحاسب مش أنتي." وبهدوء استطردت قائلة: "يا حبيبتي الحياة دي لازم نتمتع بيها، أمال إحنا هنعيشها ليه وكم مرة؟ سيبك من كل دول ركزي في الموضة واختاري لبس حلو عشان تشوفيلك عريس حلو." ابتسمت أسماء

بسخرية من تفكير سمر هاتفة: "إنتي مفكرة إنك كدا هتعجبي الرجالة؟ لا يا ماما دول أشباه رجال مش أكتر. الرجال اللي بجد اللي يغض بصره اللي يختار اللي تصونه وتصون بيته ووحدة تمسك بأيده لجنة الرحمن وللهداية. وحدة تكون ليه هو وبس مش لكل من هب ودب. حافظي على نفسك يا سمر ربنا كل مرة بينور لكِ طريقك ويبعت لكِ حد يقولك حرام. متعلميش بعد كدا مستخبي إيه؟

ربنا سترك فاستغفري ربك، متكونيش مطمع للكل متحمليش نفسك ذنوب ولكل من نظر لكِ. إذا اللي رايح واللي جاي بيفترسك من فوقك لتحتك خليتي إيه لجوزك." تأففت سمر وغادرت وهي تشوح لها. رسالة أحد الشباب على إحدى برامج التواصل الاجتماعي وغادرت لمقابلته.

وغفلت غفلة أن الله يراها ولم تحافظ على نفسها. نست أن الله أمر بالخمار والجيب. نست أن لذة الفتاة لا تكمن سوى بخمار يغطي نصفها، يزين وجهها كأنها نوراً. نست اللبس الواسع الذي يجعلها كأنها جوهرة عالية غالية لا يستطيع أحد الحصول إليها سوى من كان محظوظاً.

تنهدت أسماء وهي تجلس على أقرب مقعد. تدفق الدمع من عينيها وخفق قلبها وجلا، مستغفرة لابنة عمها تلك التي أرسل الله لها من يهديها وينير لها دربها ويحذرها لكن لم تنصت. لم تتعظ. أرسل لها الله حتى يغفر لها حتى تلحق ذاتها من ذنوب لا حصى لها حتى تتوب. لكنها ذات قلب أصم لا يستمع ولا يتعظ ولا يلين ولا يخف عذاب النار والقبر والحساب. غرقت بالذنوب وحلت بها ناسيه ربها. الله فقد أرسل لها أسماء لقد أعطاها فرصة لكنها لم تصغِ. كم هي محظوظة أن الله أرسل لها من يردعها ويفوقها ويهديها وينتشلها. غيرها لا يجد ويغرق ويتوه بالذنوب.

انشغل فكرها فجأة بالنقاب وهي تتخيل كيف ستكون به. يا الله ما ذاك الشعور الذي انتابها. انشرح فؤادها وأشرقت روحها. تغلغلت الراحة قلبها وهي تشعر أنها نجمة عالية صعبة المنال إلا لأحد فقط يستطيع الحصول عليها. فالنقاب ستر، عفة، كأنها تشبه أمهات المؤمنين، كأنها لؤلؤة لا يستطيع أحد إمساكها أو النظر لها. كيف إذا هؤلاء البنات يظنون الموضة ويفكرون بها ونسوا ذاك الجمال ذات النقاب. فكرهم في الموضة وأصبحوا كاسيات عاريات. يقولون إنه

النقاب خنقة لا يعلمون أنه جزء من الفتاة إن خسرته خسرت دنياها وآخرتها. يقولون إن المنتقبة لا تتزوج. لا يعلمون أن الزواج رزق ونصيب من الله تعالى. فالأهم طاعته. يقولون إن لبسه حراً فكيف ترتديه ونسوا نار جهنم. خافوا حر الدنيا ونسوا نار جهنم.

زفرت أسماء وتنهدت بحب وهي تقول: "يارب... خطرت لها فكرة ودعت ربها بيقين. تقبع ورد بقلق توغل فؤادها بأمر تلك المكالمة التي جاءتها من زوج والدتها الذي أخبرها بها أن والدتها مريضة تريد رؤيتها. أترآها بعد تلك السنين؟ وترى ذاك الرجل الذي لحد الآن تتذكر تصرفاته ونظراته تلك التي جعلتها تكره الرجال جميعاً. فاقت من شرودها على صوت خديجة التي أمسكت وجهها بحنان قائلة بحزن: "ماما أنتي زعلانة ليه؟ هو بابا زعلك؟

قوليلي لو زعلك بس أنا مش عايزة أشوفك زعلانة." ضمتها ورد مرتجفة بتوجس تشهق باكية، لتبكي خديجة لبكائها، وتزيح دموعها مقبلة وجنتيها بحب ولطف وابتسامة جعلت قلب ورد يرفرف فرحاً. ابنتها هي أجمل ما لها، هي الحياة، هي ما تهون عليها متاعب الحياة. مهما ضاقت الدنيا كانت مع بنتها متسعاً كبيراً، فكيف تتألم وهي معها؟ بعد صمت هتفت خديجة: "ماما بكرة إحنا هنصوم." (أومأت ورد مؤكدة) فهمست خديجة:

"هو ليه يا ماما بنصوم اتنين وخميس ومش كل يوم؟ ابتسمت ورد وهي تضم ابنتها أكثر وهمست بحب وهي تشاكسها: "لأن فضل الاثنين والخميس أن الأعمال تعرض على الله عز وجل. عن أبي هريرة رضي الله قال عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: 'تعرض الأعمال في كل يوم خميس واثنين، فيغفر الله عز وجل في ذلك اليوم، لكل امرئ لا يشرك بالله شيئاً، إلا امرءاً كانت بينه وبين أخيه شحناء'." قبلت ورد ابنتها بحب وهي تقول:

"ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصوم اثنين وخميس. عن أسامة بن زيد رضي الله عنه: 'يا رسول الله إنك تصوم حتى لا تكاد تفطر، وتفطر حتى لا تكاد أن تصوم، إلا يومين إن دخلا في صيامك وإلا صمتهما، قال: أي يومين؟ قلت: يوم الاثنين ويوم الخميس، قال: ذلك يوما تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم'." "الصيام يا بنتي تقرب وطاعة لله." صمتت ورد قليلاً ثم هتفت: "قبل ما أقوم أراجع قضيتي تعالي نراجع شوية."

هزت خديجة رأسها بلهفة مهللة لتستطرد ورد بهدوء: "مات يوم مؤتة حيث أخذ يصول ويجول في صفوف الأعداء وهو حامل الراية بيمينه، فضربوا الأعداء يمينه، فأمسكها بشماله فقطعوها، ثم جمعها بعضديه إلى صدره، فأعملوا بالسيوف والرماح على صدره حتى فاضت روحه، وهو ابن عم رسول الله، وحزن على موته. وعن أسماء قالت: دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم." "صمتت ورد عندما صلت خديجة على نبيها

واستكملت قائلة بتنهيدة: حينما بلغه مقتل جعفر بمؤتة فدعا بني جعفر فرأيته شمهم، وذرفت عيناه الدمع، فقلت: يا رسول الله أبلغك عن جعفر شيء؟ قال: نعم قتل اليوم، فقمنا نبكي. وعائشة قالت: لما جاءت وفاة جعفر، عرفنا في وجه النبي صلى الله عليه وسلم الحزن." "أشارت ورد بحزم: هااا، مين ده؟ صمتت خديجة لدقائق قائلة بفخر: "أبو المساكين ذو الجناحين جعفر بن أبي طالب."

ضمت ورد ابنتها بفرحة وهي تعطي لها إحدى الشوكولا المفضلة لديها، لتلتهمها خديجة بتلذذ وشهية وبهجة تغمرها. بينما مستيقظ عمرو منشغلاً بأفكاره حينما كانا يصيمان سوياً اثنين وخميس. ها هو يصيم وحيداً دونها. ألم يتعاهدا على البقاء معاً؟ على المحافظة على كل ما يقربهما لرب العالمين؟ ها هي دنياه فارغة مثل قلبه الذي يتفطر حزناً وألماً. هل جربت يوماً أن يدق قلبك وجعاً وألماً فقط؟

أن تدفن روحك في قبر وجسدك يعيش بالحياة دون حياة وروح؟ فأين الروح؟ هي مع من غادرته ألمته وتركته وحيداً كطفل ضائع تائه.

تمكث بمنزل رقيه أخت أحمد التي خرجت تستفسر عن تلك الجلبة التي بالخارج، وهي تفكر كيف وجدت ذاتها بمنزل رحيم الذي قابلته وهي بالطريق عندما تعطل الأتوبيس. لقد أخبرها أن أحداً ليلاً من رجاله وجدها متغيبة ولذالك أخذها. وتفاجأت أن رقيه تسكن قريباً منه ليس ببعيد. منذ ذاك اليوم لم تره ولكنها تسمع عنه الكثير احترام الناس له وهيبته. فهو كبير تلك القرية. ولكن لاح طيف ذاك الملثم الذي رأته قبل أن تغمض عينيها. ياترى هل تراه لتشكره؟

ومن من هؤلاء الرجال تبع من؟ فهي لها أعداء كثيرة. ولكن من منهم؟ فاقت لذاتها على صراخ رقيه آتٍ من الخارج، صراخ يقطع نياط القلب. لتحدق مهرولة للخارج، تتبع الصوت والركض مع من يركض من الرجال مسرعاً. وقفت ممسكة بكتفي رقيه بقوة تمنعها من السير. واتسعت عيناها بذهول وهي تهمس صارخة: "ماجددددد! عيناها جابت المكان والرجال وكل ما حولها. فصرخت وهي مهرولة تجاهه: "متخافيش ابنك هيكون كويس."

أسرعت وعد تجاه البحر الذي به عدد لا بأس به من الأطفال. لتشهق رقيه بخوف وقلق هاتفة بضجر: "لاه يا وعد أوقفي مطرحك متخطيش، أوقفي يا وعد." لم تستمع لها وركضت تشق الصفوف من الرجال الذين غاصوا بالماء لأنقاذ الأطفال ليخرجوا عدد لا بأس به، بينما ماجد أخذه الموج فتاه به غير ظاهراً.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...