الفصل 7 | من 31 فصل

رواية دموع العاشقين الفصل السابع 7 - بقلم ندى ممدوح

المشاهدات
17
كلمة
5,925
وقت القراءة
30 د
التقدم في الرواية 23%
حجم الخط: 18

غادر النوم من جفنيها وأبي أن يزورها زيارة خفيفة، فظلت مستيقظة تلوح أمام عينيها ذكريات الأمس ورحيم خاصة. لا يشغل بالها سواه، وهو يقاتل الرجل حينما خبأها خلف ظهره العريض خائفاً. خوفه عليها، هل من كل ذاك تنبع تلك الأدناس والشبهات؟ هل ذاك الشخص هو ذاته المجرم الذي يقتل وينهب ويحرق القلوب، أم هو ذاك الممتلئ بالحنان والتواضع والرقة؟ ها هو النعاس يغلبها لتذهب في سبات عميق.

ولم يمد طويلاً على نومها، وفتحت جفنيها بتقاثل على صوت أذان الفجر يصدح عالياً لتنعدل جالسة. تهمس بفرحة غامرة بعد الأذكار التي حفظتهم من صغرها وتنهض ملبية النداء: "الصلاة خير من النوم". توضأت، ونسمات الفجر العطرة تغلغل فؤادها لتشرحه، وتشرق وجهها. أنهت صلاتها فظلت على المصلى تذكر ربها تارة وتقرأ القرآن تارة أخرى. وأخيراً جذبت هاتفها لتشغيله على فيديو لشيخ تحب أحاديثه التي تزيد إيمانها.

نهضت حينما استمعت لأصوات آتية من الأسفل، فتوجهت للأسفل متسائلة: من تلك الأصوات؟ حتى رآتها غادة لتجذبها من يدها قائلة لأحد الغرف الخارجية: "يا صباح الورد يا أحلى وعد. همي معايا وشوفي خبيزك وهعملك أحلى فطير هدية هتجولي مهبطلوش". لم تعقب وسارت معها، وحقاً اندمجت معهم بفرحة لم تعتادها من قبل. فهم يعاملونها كأنها ابنتهم، ومنهم لم تشعر أنها غريبة قط. إصرارهم على بقائها ومعاملتهم وكرمهم جعلها تتعلق بهم.

جاءها اتصال من مراد يحثها على فعل شيء بأسرع وقت. فأنشغل فكرها بما ستفعل، ربما عليها اكتشاف تلك الأراضي وما بها. شرعت بالحديث مع الحجة صفية بخصوص شراء أرض للمشروع، فأكدت لها أن تحادث رحيم. كانت تشعر وعد بالحزن الشديد، فقد نشأ بينها وبين تلك الأم وغادة روابط كثيرة وعميقة. ماذا لو عرفوا من هي ولما أتت؟ هل سيكرهونها؟

لقد سمعت عن رحيم وكم يكره الكذب، وابتعد عن صاحبه ولم يسامحه لأنه كذب. فعائلة صادقة تحب دون قيود بقلب يغمره حنان وطيبة ورقة. أظن ماذا لو فعلوا؟ لما تتأثر هكذا بهم؟ سكن الجمود ملامحها محاولة أن تضع مشاعرها جانبًا، فليس هناك مشاعر. فذاك المجرم عليه أن يأخذ حسابه. لم يمد طويلاً حتى أشارت لها الحجة صفية هاتفه: "همي يا بنتي مع ولدي هيأخدك يفرجك على الأراضي".

هزت وعد رأسها وهي تخرج من السرايا، فوجدته يقف يوليها ظهره بطوله وعرضه. ما أن شعر بها حتى خطى، وسارت هي خلفه مع غادة التي جاءت لتوها. بلغا مبتغاهم، فأشار لها رحيم، غاضًا بصره عنها، مسندًا على عصاه: "شوفي يا بشمهندسة، كل الأراضي تحت أمرك، اللي تشاوري عليه". لم تعقب وابتسمت بهدوء، وسارت بحذر وترقب تتفحص الأرض جيدًا لئلا يشك به. اقتربت منها غادة قائلة: "ما تيجي نروح الأسطبلات ونتفرج على الأحصنة".

اكتفت بهزة خافتة ومضت معها. فتسمرت موضعها حينما رأت رحيم يأكل الفرس وهو يمسد عليه بحب وابتسامة لأول مرة تراها. قفزت غادة بطفولة وهي تركض للجواد: "هارون يا هارون، وحشتني جوي. أمال وين مني؟ طاف بصرها لتتجه ركضاً بفرحة تهز جوانبها، ووقفت أمام إحدى الأحصنة لتضمها بمحبة وهمست: "وحشتني جوي يا مني، ووحشتي أبوي جوي". اقتربت وعد قائلة وقد استمعت لجملتها: "احم احم، مين بقى يا ست غادة اللي وحشتك؟ هو في أغلى مني؟

وبعدين أكيد مش قصدك على الحصان، فاحكي بقى". حاوطتها غادة بذراعيها هامسة بمداعبة: "لا مش جوالك". تظاهرت وعد بالحزن والزعل وهي تبتعد عنها قائلة: "طيب يا ست غادة براحتك بقى". علا الصدمة ملامح غادة، خشيت أن تكون قد فهمت مقصدها خطأ، فهمست بصدق موضحة: "مبجيش عندي أغلى منك يا وعد. برغم إني معرفكيش من زمن، إلا أنك بجيتي غالية جوي والله". وأردفت قائلة بصوت نما عن حزن دفين:

"آه صح، أنا مجصدش الفرس، أجصد عمتي اللي من يوم ما غابت، غابت فرحة أبوي معاها. لو ترجع وتشوفه وتعرف إنه مسامحها، ولا نوصلها". جلا الاهتمام على ملامح وعد لتتساءل قائلة: "هي عمتك هاربة؟ طيب متعرفوش بالتحديد فين؟ قد نوت حقًا على البحث عنها من أجل ذاك الرجل الطيب. همست وعد منتشلة غادة من حزنها وهي تربت على منكبها مواسية: "إن شاء الله هتلاقوها وترجع، اطمني". صمتت ملياً بتفكير قائلة وهي تمتطي الجواد:

"أما أجرب مع إني مركبتش قبل كدا". ما كادت أن تنهي جملتها حتى طار بها الجواد مسرعاً بغضب، كأنه يعاقبها على أنها امتطته دون إذن. صوت صهيله كان عاليًا ليجذب رحيم الذي جاء متلهفًا وقال: "إيه في؟ حدقت أعين غادة بصدمة. لم يكن هناك وقت لتثنيها حتى. ما الذي سيحصل الآن؟

كادت أن تشير لرحيم، ولكنه ركض معتليًا جوادًا مندفعًا خلف وعد التي تجاهد على التحكم بالحبس بثقة. ولكن، رفع قدميه لتسقط هي أرضًا متأوهة. فترجل رحيم كجواده مندفعًا بقلق يمزق فؤاده، ودنا منها قائلاً بلهفة لم يستطع إخفاءها: "أنتِ زينة؟ طمنيني، حاسة بحاجة". كتمت وجعها بصعوبة، فكم اعتادت على كتمانه، والسكوت مهما بلغ بها الألم. هزت رأسها. استقام هو بحذر ومد يده لها قائلاً: "محتاجة مساعدة".

هزت رأسها نافية، وكادت أن تقف إلا أنها سقطت متأوهة بصوت عال. أعانها على الوقوف، فنهضت بتثاقل. لم تستطع السير من ألم قدميها، فعاونها على امتطاء الجواد، وامتطاه خلفها واندفع عائدًا. وقد سبقتهم غادة التي أسرعت بأخبار والدتها لتحلق الأمر وتعالج قدم وعد. أقبل أنس على ياسين بإبتسامة زائفة، ليستقبله ياسين مرحبًا: "إيه يا بني كنت فين مش ظاهر ليه؟ أشار له أنس للمكتب فدلفا سوياً. جلسا جوار بعضهم، ألتمس ياسين الحزن الذي يعتلي

أنس فهتف بإهتمام وصدق: "مالك يا أنس، فيك إيه؟ تمعن بعينه قائلاً: "في حاجة؟ في حد في البيت حصله حاجة؟ أختك وأمك كله تمام؟ سكنت ملامحه ابتسامة زائفة بمهارة وقال بصوت نما عن حزن دفين من أعماق قلبه: "يا ابني كله تمام والله". "شاح بوجهه عنه قائلاً بابتسامة" "أنا اتخطبت امبارح". لجمت الصدمة ياسين، فقبض حاجبيه قائلاً: "يعني إيه اتخطبت؟ أنت مش قولتلي إن فيه واحدة في قلبك؟

قلبه ملعون، هو ذاك القلب، فقد أحب من لا يستحق الحب. أحب فتاة لا تدري للأخلاق شيئًا رغم حسن تربيتها. أحب فتاة لا تدري للحب معنى، فملعون هو، فيلقيه أرضًا، فهي ليست له، أصبحت لصديق عمره حتمًا. وكل شيء يمكن خسارته إلا صديق ك ياسين، صديق ضحى بنفسه لأجله يومًا، فهو قد يخسر نفسه إلا هو. فاق على صوت ياسين قائلاً بحدّة: "فهمني إيه؟ ابتسم له قائلاً بخفة:

"مفيش صدقني، بس بجد أنا خلاص اتخطبت وهنحدد الفرح قريب، وهي دي البنت اللي أنا عايزها وبحبها". لم يعقب ياسين ولكنه قد ألتمس كذبه. ربت أنس على كتفه هامساً: "وبعدين؟ مقولتليش مبروك! هتف ياسين بحدّة: "مبروك ويتمملك على خير". أومأ أنس برأسه مبتسمًا وقال: "أنت عملت إيه؟ هتوافق على سمر؟ تنهد ياسين بصوت مسموع، صمت ملياً بتفكير وقال بجدية: "أيوا، هوافق؟ أغمض أنس عينه بعنف ووجع وحمد ربه.

تململ عمرو بكسل على فراشه ما أن لمسته تناثرات الماء على وجهه، فتح جفنيه بتقاثل، وأنتفض مفزوعاً ما أن وقع بصره على يوسف الذي يطل عليه من أعلى وهمس بزعر: "إيه يا عم، في إيه؟ حد يصحّي حد كدا". لوى فمه بمناغشة قائلاً: "والله لولا لمار ما أكدت لي إنك عايش، كنت هشك إنك شبح أصلاً. في حد يرجع من الموت؟ ابتلع حروفه حينما سحبه يوسف من ياقته قائلاً بجدية:

"قوم، أنت لسه هتتكلم وتشرح، أخلص. قدامك خمس دقايق تكون غسلت وشك وفوقت لي كدا، وإلا أنت عارف ممكن يحصل لك إيه؟ ونظر بعينه على السقف بمعني سيربطه هناك. نظر عمر بصدمة لما ينظر، وبوجل مصطنع قال وهو يفر هارباً من أمامه: "لا لا وربنا هواء، أنا مش مستغني عن نفسي نهائي". أسرع خطواته للمرحاض ركضاً، ليبتسم يوسف بخفة وجلس على أقرب مقعد يقابله. خرج عمرو بعد دقائق قليلة، صلى فرضه وجلس جوار يوسف هامساً باهتمام:

"إيه بقا محصيني كدا؟ أكيد في حاجة". تطلع به يوسف، بينما كان عمرو قد بلغ به القلق منتهاه. تمعن النظر لعينيه وهتف بحذر وجدية: "تحكي كل حاجة". "وأشار بأصبعه محذرًا" "وأياك تكذب ولا تخبي عني حاجة! انساب القلق في أوردته وأخذ عقله يجول ويصول بحل ينتشله من ذاك المأزق، وزج التوتر قلبه لأربكه وتلعثم قائلاً وهو يجاهد جهاد الفرسان: "أ أقول إيه بس مش فاهم". قال جملته وهو يجاهد كي لا تلتقي عيناه بعيني يوسف، وإلا يصطدمان.

بصوت معلنًا عن نفاذ صبره هتف يوسف بجدية وصوت حاد: "سمعت قولت إيه؟ أنا عايز أعرف دلوقتي كل حاجة، أخلص؟ "لمار معرفتش تأخذ منكم معلومة بس أنا لا يا عمرو. إيه اللي حصل يوم الشركة بالظبط؟ وايه حكاية البت دي؟ التفت له عمرو بصدمة لا يصدق أنه على علم بكل شيء. أومأ يوسف بحدة وصاح: "متتصدمش، أنا عارف كل حاجة. ومش عشان كبرت يبقى تعملوا اللي على مزاجكم. أنا لسه عايش. واحكي في إيه، كل حاجة حصلت بالظبط".

طال الصمت ولم يزل عمرو على صدمته وتحديقه به وتوتر قائلاً بصوت مخنوق والدمع لمع بعينه: "أنا أنا زاني يا يوسف، زاني. أ أنا زاني". وصاح بصوت عالٍ وهو يلقي كل ما على الكومود بقبضة يده: "زاني، أنا زاني. عرفت ليه مخبي؟ عشان زاني". ضمه يوسف بقوة لصدره، فبكى لأول مرة بصوت عالٍ كطفل صغير، توارى خلف والده كأنه قد فقد الأمان فجأة، وها هو يلجأ إليه. ظلا لوقت يبكي بكاءً حارقًا ممزقًا للقلب وهمس من بين دموعه بصوت مخنوق موجوع:

"ربنا بيعاقبني. حرمني من بنتي وخسرت شركتي اللي فجأة لقيتها بتتحرق. ربنا مش هيسامحني أبدًا. وده عقابي، أنا أستاهل. بس مش عارف أنا عملت كل دا إزاي. أنا مش فاكر حاجة أصلاً. بس الحقيقة إني زاني. أنا شايل هم تقيل أوي، ذنب مستحيل يتغفر". اعتصر قلب يوسف ألمًا وهتف بثبات لا يوافق ما بقلبه:

"عمرو، اهدا. ده مش عقاب، ده ابتلاء من ربنا ولازم نتحمل ونصبر. أكيد هيعوضنا دنيا وآخرة. وإذا مش فاكر، أنا متأكد إن في حاجة غلط. أنت مش زاني ومتحملش نفسك فوق طاقتها". تنهد بضيق وهو ينظر للفراغ وهمس بذاته: "أنا هعرف مين وراء كل اللي حصل وفرقكم". عاد بصره لعمرو متسائلاً باهتمام جلي: "وعد شافتكم سوا؟ كفكف دموعه بتألم ورفع بصره به هامساً بابتسامة وجع وقلبه يئن بداخله: "أيوه وصدقت. عارف يعني إيه؟

أكتر إنسان كنت متخيل إنه يكون واثق فيك وهيفضل جنبك يكون هو أول شخص يصدق ويبعد. سيبك أنها صدقت، بس موقفتش جنبي". زفر يوسف بصدق قائلاً: "يا عمرو، مين بس قال إنها مش بتثق فيك؟ هي لو مش واثقة هتتجوزك ولا هتحبك ولا تسلمك قلبها. مكنتش شفتك أمانها. كون منطقي، دي حاجة صعبة عليها إنها تشوف جوزها مع واحدة تانية. أي عقل بس هيفضل فيها؟

في الحالة دي لازم تعذرها، وكنت تديها وقت وتحاول تفهمها. مع إني واثق إنها حاليًا متأكدة إن في حاجة غلط وإنك مخنتهاش". تنهد بحيرة وصمت ملياً بتفكير وأكمل: "طب شوف نفسك مكانها والعكس، لو أنت شفتها مع حد هل هتعمل أ... لم يكمل جملته ليقاطعه عمرو صائحاً بغضب: "هقتله وأقتلها؟ ابتسم يوسف وقد وصل لمبتغاه وقال: "بس هي معملتش كدا". "ومع إنها بريئة بردوا". زفر مربتاً على كتفه وهو ينهض متأهبًا للمغادرة:

"العين بتكدب أحيانًا، متصدقهاش. لملم الباقي من عمركم. العمر بيعدي بسرعة من غير أوان ولا تأهيل، فأخطف اللي باقي منه". "هسيبك وفكر في كلامي". أشار له مشجعًا وغادر من أمامه ليهمس بذاته: "ليس كل ما تراه العين حقيقة، فالعين خائنة أحيانًا، فهي لا ترى ما بالقلوب ولا تحكم على أحد دون تأكيد". شرد عمرو أمامه وسرقته عقله من ذاته، فأنشغل وأخذ عقله يجول ويصول مضطربًا بتفكير.

لج الغضب قلبه حينما تذكر ورد وزوج والدته يعتدي عليها، فاعتلاه الغضب ليلكم قبضة يده بالحائط. ولكن عقله توقف أمام نقطة ما، مهلاً، إنه لو لم يكن يعلم حقيقة زوج والدتها، لكان ظن سوءًا. ربما كان لن يرحمها. ألتمس لها عذرًا ونهض بهمّه ليرى ابنته.

أعتلا الغضب حذيفة وهو يقف مستندًا على السيارة بقلق تارة وغضب تارة أخرى. وقع بصره عليها وهي مقبلة تسير مسرعة يعلوها البهجة. وقف عائقًا أمام طريقها يجحدها بغضب وشرار كفيل بإحراقها وهمس بصوت كالفحيح من شدة الغيرة: "كنتِ فين يا هانم؟ سايبة المستشفى وشغلك فين؟ "وبصوت هادئ مخيف همس وهو يقترب أكثر بوجهه" "ولا حبيب القلب مستناش وطلعتي تقبليه؟ هاااا مين ده؟ ورسمة علينا الشرف والسون وأنتِ دايرها باره".

قطع جملته حينما رفعت يدها لتهوي على وجهه بصفعة قوية لتخترق القلب بأثر صعب التأمه. تدفقت دموعها وهي تقول بغضب لأول مرة يراه، لأول مرة تلك الرقيقة تكون شرسة. ويحه، ألم يدري أن كرامتها أهم من قلبها؟ إن فكر على إهانتها، فإنها ستتحول لنار تلتهم كل ما يقابلها دون رحمة، فلتلقي بقلبها أرضًا وحبه الدامي:

"قطع لسان اللي يفكر يقول كلمة واحدة على بنت الشرقاوي، ولا عاش ولا كان ولا تخلق اللي يهمني ولا يغلط بحق بحرف. ومتفكرش إني عشان بحبك هسمحلك بكدا، لا فوق. أنا بنت يوسف الشرقاوي وأخت ياسين الشرقاوي اللي مستجرؤش اللي يرفع عينه حتى عليا بنظرة مش ولا بد لأني أمحيه. أنا برمي قلبي في الأرض، لكن إلا تغلط في أخلاقي. لأن اللي رباني واللي واثقين فيا في البيت مستحيل أخون ثقتهم". "ويا بن عمي يا أستاذ يا محترم" "أبتسمت بسخرية"

"أنا كنت عند طفل مريض بتابعه، ولما تعب جامد وأمه مش معاها حق الكشف، أنا روحت لها البيت لأن دا واجبي. مش بقولك عشان خايفة منك أبداً، عشان أعرفك إني مش زيك ولا هكون في يوم ولا زي اللي تعرفهم وبتمشي معاهم".

رمقته بنظرة مشمئزة وغادرة تحاول جاهدة كتم دموعها، وما أن وصلت لمكتبها حتى جلست خلفه منكبة تبكي حالها وحال قلبها. لا تصدق أن ذاك معشوق فؤادها قد اتهامها. من أحبت هي يا الله، لقد سلمت قلبها لشخص لا يستحق، لا يحترمها أو يقدرها. ظل حذيفة موضعه، أصابعه حيث صفعتها، مصدومًا هو من كل شيء. معها حق أن تضربه. ها هو جاء ليصالحها ويفهمها الأمر، ولكن ماذا؟ لقد ساء الأمر أكثر. كيف استجرؤوا على إهانتها واتهامها؟

كيف قال ذلك وكيف خرج هذا الكلام من فمه؟ لم يشك به يومًا ولو قليلًا، فكيف أوصل لها هكذا؟ رفع يده ضاغطًا على شعره بغضب. يكاد ينفجر قلبه من تلك الحمم بداخله. لا يريد البرق والرعد أن يهدأ، استحوذ الخوف ثنايا فؤاده، ودفع بقدمه السيارة وصعد غاضبًا ليقود مسرعًا. هيهات أن تسامحه، ولكنه لا يدري أن فرادها العاشق لم يحمل منه حتى يسامحه.

دلف عمرو بابنته لداخل مكتب المحاماة، يسير الرواق وهو يداعب ابنته التي فرحت لرؤية والدتها بشدة. وقف أمام السكرتارية سائلًا عن ورد، لتطلب منه الانتظار قليلاً وهي تتلقف خديجة لتضمها بلهفة وشوق. ذهبت لتخبر ورد، التي لم تصدق في البداية وأخذ قلبها يخفق بعنف. تعلقت عيناها على الباب، فما أن طل عليها منه لم تصدق عينيها. ما هذا الذي تراه؟ أهو أمامها حقًا وترآه؟ وجاء لرؤيتها؟ خفق قلبها بجنون له وأنتفخت أوداجها وأبتسمت

قائلة بتلعثم وهي تشير له: "تعالي أدخل، قصدي اقعد". قطع جملتها ابتسامته التي أذابت قلبها اشتياقًا وحنينًا، فتأملته بتعمق كأن ابتسامته أضاءت لها ظلام الليل الحالك. فاقت على صوته قائلاً بمرح: "يا بنتي بتسرحي تروحي فين وتسبينا؟ قالها وهو يقبل خديجة بمحبة من وجنتها. زاد التوتر حده، ألا يكفيها رؤياه وابتسامته والآن صوته. ما زال فؤادها به نار لا تخمد من شدته.

خيم الصمت فجأة، إلا أنه كان يداعب خديجة ويختلس النظر إليها. زاد حياءها حينما تطلع بها وهمس: "هتمشي دلوقتي؟ ابتسمت بحياء وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة من خفقان فؤادها وأبتسمت قائلة: "آه هأخذ بس الملفات وهمشي". وثب من مقعده مشيرًا لها: "تمام يلا عشان أوصلكم. هنتظرك تحت".

أومأت برأسها ولم تعقب. ولكن زاد توترها، أخذت تنتقي بعض الملفات وجذبت حقيبتها، تكلمت مع السكرتيرة قليلاً، وتوجهت لأحد المكتب لتعطي المحامية ملفًا، شرحت لها بعض الأمور وأسرعت على عجل للأسفل. رآته يجلس بالسيارة مع خديجة. توجهت وصعدت بالخلف، فاستدار برأسه لها قائلاً: "هتروحي؟ ولا هتيجي معانا؟ زادت حيرتها وهي تنظر بتعمق لعينيه سائلة بتعجب: "أروح ولا أجي معاكم؟ ليه رايحين فين؟

ساد الصمت حينما التقت الأعين ببسمة ساحرة وفرحة من منبع القلب وانشراح يملأ جوانبهما. فاقا على صياح خديجة قائلة: "ماما هتروح معانا الملاهي أكيد". ونقلت نظرها لورد: "صح يا ماما". تلعثم كلاهما، تلجلجت الكلمات وهمست ورد: "آه يا قلب ماما".

قاد عمرو مسرعًا يختلس النظر لها من المرآة وذهبوا الملاهي. ركبوا أكثر من لعبة وقضوا وقتًا ممتعًا. كان عمرو يتجنب ورد قدر الإمكان، فعقله منشغل. انتهوا أخيرًا فتجولوا. جاء عمر بالآيس كريم ل خديجة وورد. فهمست خديجة بزعل لعمرو: "زعلانه منك، أنت جبت ليا ولماما ومش جبت ليك؟ ابتسم عمرو قائلاً بحنو: "حبيبتي مبحبوش، يلا كلي أنتِ". أشارت له خديجة أن يحملها فحملها بين ذراعيه لتقرب الآيس كريم من شفتيه هامسة بحب:

"كل أنت وأنا هاكل". لم يستطع الرفض، فكيف يرد من تلك الأعين البريئة التي تضيء سماه؟ فأخذ من يدها وقربه من شفتيها لتهز خديجة رأسها بالرفض وتغلق فمها بعنف وأشارت لورد. تردد قبل أن يمد يده، زجت به الحيرة للهلاك. نظرت له ورد خجلًا وتوردت وجنتيها ولمعت عيناها بوميض العشق. لم يمد طويلاً لتمسك خديجة يد عمرو بقوة مقربة من فم ورد.

توتر الجو بينهم وعادوا بصمت تام وأخذ قلبه فالحنين. ها هو سيتركهم الآن، سيترك قطعة من قلبه ويرحل. يا له من فراق يقسم قلبه. ترجل من السيارة وعاون خديجة وفتح الباب لورد. أشار لها بحدة: "اطلعي وخلي بالك من ديجا". نظرت له بدهشة ممزوجة بتعجب، فمن هو الآن؟ أشارت له هامسة: "مالك يا عمرو؟ في حاجة ضيقتك؟ صاح غاضبًا: "قلت اطلعي". وصعد سيارته مغادرًا، وأخذ عقله يفكر فيما عليه فعله.

أحتضنت ورد ابنتها بقوة شديدة. تريد أن تخبئها من كل شيء، منقبضًا فؤادها، تشعر أنه سيحدث شيء. قبلتها خديجة بنهم من وجنتها قائلة بصدق: "وحشتيني أوي يا ماما. أنتِ طولتي ليه وليه لابسة أسود كدا؟ قالتها وهي تشير إلى ملابس ورد. أنهمرت دموع ورد بحزن شديد اشتياقًا لوالدتها الراحلة، فهوت دموع خديجة لرؤيتها هكذا، وجلست مقابل لها صامتة إلا من دموعها.

استشعرت ورد دموع ابنتها لتزيحهم وهي تقبلها بفرحة تغمر جوانبها لتلك النعمة التي لا تقدر بثمن. وحذت خديجة حذوها ورفعت يديها تضمها بحنان وقالت: "ماما مش هتسأليني؟ ابتسمت ورد ببهجة وانشراح وقالت بحماس: "هسألك طبعاً". استشرق وجه خديجة وهي تحثها على التعجل، لتهمس ورد قائلة بتعمق بها: "من هما رفقاء الحياة والموت؟ صمتت خديجة لدقائق مهللة بأعين تلمع بالفرح: "أبو حذيفة وسالم مولاه". "ماذا يكون سالم مولاه لـ أبو حذيفة؟

نطقت بذاك السؤال وعد فور إجابة ابنتها. صمتت خديجة بتفكير عميق ومن ثم نظرت لوالدتها قائلة بهدوء: "كان سالم عبدًا لـ بثينة بنت يعار زوجة أبي حذيفة، وتبناه أبو حذيفة لما رأى فيه من رقة وخلق، وكان قبل الإسلام، وحينما جاء الإسلام أسلم أبو حذيفة وسالم، ثم لما يلبثا أن حرم الإسلام عادة التبني، وانصاعا أبو حذيفة وسالم لذلك، وكان عليه أن ينسبه لأبيه، ولم يكن سالم معروفًا، فقد وجب بحكم القرآن أن يدعى سالم أخًا

لأبي حذيفة لقوله تعالى: "فإن لم تعلموا آباءهم فإخؤانكم في الدين ومواليكم" (سورة الأحزاب: 5) صمتت خديجة متطلعة لوالدتها بترقب، فابتسمت عيني ورد وأشرق وجهها وهمست وهي تداعبها: "صح يا قلب ماما، كملي يلا". "وزوج أبو حذيفة سالم لابنة أخيه عوضًا لما فاته من قرابة الأبوة. وكان يحرص كل الحرص أبو حذيفة أن يكون بينه وبين سالم قرابة لحبه له وأخلاقه". صمتت خديجة لتتذكر وأكملت بتلعثم شديد:

"افترقا استجابة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فهاجر أبو حذيفة إلى الحبشة من أذى قريش، ويبقى سالم مع رسول الله ملازمًا له، يتلقى عنه كتاب الله وأصبح رابع أربعة من أوصى النبي بأخذ القرآن عنهم". قطبت ورد حاجبيها متسائلة بجدية: "من هم الأربعة؟ أنتِ نستيهم يا ديجا؟ هزت ديجا رأسها بعنف قائلة وهي تعد على أصابع يدها: "عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وسالم مولاه". ابتسمت ورد برضى تام وهمست: "يلا كملي".

صمتت خديجة ملياً بتفكير وتابعت قائلة: "وكان الصحابة يقدمون سالم ليؤمهم في الصلاة في هجرتهم". وابتسمت خديجة ابتسامة من منبع الفؤاد وأغمضت عينيها وهمست كأنها تشاهدهم أمامها: "والتقى الأخوان على أرض اليمامة في معركة فاصلة بين الحق والباطل، حيث يقاتل المسلمون جيوش المرتدين الذين تابعوا مسيلمة الكذاب". "وانطلق أبو حذيفة يشق الصفوف وهو ينادي: يا أهل القرآن، زينوا القرآن بفعالكم".

أهتز قلب ورد لتلك الجملة، فما أعظم تلك الحكمة، فحقًا ينبغي أن تزين أفعالنا بالقرآن وليس أصواتنا. "اللهم زين أفعالنا بالقرآن". تجلى الحزن على وجه ورد. لتكمل خديجة حتى تخرج والدتها من صمتها: "أكمل يا ماما". اكتفت بهز رأسها لتكمل خديجة قائلة: "وتأثر سالم مولاه بمقولة أخيه

حذيفة فأجابه على الفور: 'بئس حامل القرآن أنا إن أتى المسلمون من قبلي'. وانطلق يقاتل وهو يحمل الراية بيمينه فقطعت يمينه فأمسكها بشماله فقطعت، فتوالت ضربات الأعداء على شماله وسقطت شماله لكنه لم يسقط، وأمسكها بعضديه، فسقطت". شهقت خديجة باكية وهي تسأل باهتمام جلي والدتها: "هو قدر إزاي يا ماما ايده تتقطع وهو مش همه ايده ومسك الراية، ولما قطعوا ايده التانية كان مصر إزاي يا ماما؟

واحنا لو اتجرحنا جرح صغير تألمنا وبكينا من شدة الألم". بكت خديجة بحرقة وانهمرت دموعها وهي تهمس: "إزاي استحمل يفضل حاضن بالراية وهما حواليه بيقتلوه بالسيوف والرماح لحد ما سقط جسده وحلقت روحه عاليًا. ولما انتصر المسلمون، وقف خالد بن الوليد ينظر نظرة وداع حانية لسالم ليحفر صورته في عقله وقلبه. ولما شاف سالم خالد سأله بما يهمه وقال: 'ما صنع المسلمون يا خالد؟

فقال خالد: 'كتب الله لهم النصر.. وقتل لهم مسيلمة الكذاب.. وهزم لهم جند الباطل من أتباعه'. وسأله سالم: 'ما فعل أخي أبو حذيفة؟ فقال خالد: 'مضى إلى ربه مقبلًا غير مدبر، وقتل شهيدًا في سبيل الله'. ورضيت نفس سالم بنصر المسلمين ورضي أن يصير للقاء أخيه وإلى محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه. ثم قال لأصحابه: 'أضجعوني بجوار أخي أبي حذيفة وادفنوني معه'. فقالوا له: 'ها هو ذا مسند عند قدميك'. فأغمض عينه مطمئنًا راضيًا

وهو يقول: 'معًا هنا يا أبا حذيفة، ومعًا هناك إن شاء الله'". فتحت خديجة عينيها لتنهمر دموعها شلالًا. لتحملها ورد على قدميها تزيح دموعها وهمست وهي تضمها لصدرها:

"عايزكِ يا ديجا تعرفي إن مفيش حد دائم ومحدش هيكون معاكِ ومحدش هيستحملك ولا هيفهمك ويحس بيكِ غير رب العالمين سبحانه وتعالى. خلي دائمًا صلاتك أهم من أي حاجة ومتفطريش فيها مهما كان. دا أول ما يسأل العبد هي الصلاة، اعرفي إنك ممكن بتصلي وصلاتك مش مقبولة، فصلي بجوارحك وروحك وقلبك، وأخشعي وأضعي وادعي واطلبي واسألي من ربك سبحانه وتعالى، وأوعي تأخري صلاتك عشان أي حاجة، مفيش أي حاجة هتنفعك يوم القيامة، واختاري صحباتك بعناية،

اختاري الصحبة الصالحة اللي تأخذ بيدك إلى جنة الرحمن وتكون معاكِ دنيا وآخرة وتقف جنبك وتسندك لو وقعت وقوعك وتضيء لكِ الإيمان لو ضللتيه. واعرفي إن الدنيا مهما عشنا وحيينا فيها احنا مش دائمين وهنموت، وبيتنا هو القبر، واعملي لجنّتك وبس، سيبك من الدنيا وملاذاتها فهي مش دائمة".

أومأت خديجة برأسها وهي تحفر تلك الكلمات لتتابع ورد: "اعملي ورد ليكِ يوميًا من القرآن حتى لو ختمتي، وساعة اذكري ربنا واستغفري وصلي على شفيعك". لتهمس خديجة: "صلى الله عليه وسلم". "ونهضت قائلة": "هروح أصلي يا ماما". ابتسمت ورد وهي تنازلها يدها وتعتدل واقفة: "خديني معاكِ".

تسللت وعد بحذر شديد وترقب للأسفل وهي تعرج تتلفت خلفها خفية من أن أحدًا قد يراها. خرجت من الباب الخلفي للدار والذي غالبًا يكون خاليًا من الجميع بهذا الوقت. وقفت لثوانٍ عيناها تجوب المكان. حتى أتاها صوت همس وهمهمات يأتي من خلف الجدار. كادت أن تلتفت خلفها إذ أن يدًا سحبتها خلف الجدار. حررت معصمها قائلة بصوت هادئ يكاد يكون مسموعًا: "إيه يا مراد؟ فيه إيه؟ فيه أي حاجة جديدة؟ دارت برأسها وعينيها تترقب المكان جيدًا

وأستطردت قائلة: "لو حد شافك معايا دلوقتي هتحصل مشكلة كبيرة". "نظرت له مردفة": "قول اللي عندك بسرعة قبل ما أمشي". سكن ملامحه القلق قائلاً بجدية: "أنهارده في بنت اتخطفت حوالي الساعة أربعة بآخر النهار. اللي عرفته أنا كانت راجعة من كليتها بس كدا". بدأ الغضب جليًا على وجهها وبسطة راحة يدها وقبضتها تحاول السيطرة على انفعالها قدر الإمكان وهمست بجمود: "رحيم، والله ما هرحمك أبدًا". صمت ملياً بتفكير وهمس متسائلاً:

"وعد، أنتِ قدرتي تمسكي حاجة عليه؟ هزت رأسها نفيًا، وتطلعت به هامسة بحزم: "أمشي دلوقتي وسيب الباقي عليا، وخلي بالك لحد يشوفك". أومأ برأسه مطمئنًا لها وهمس بابتسامة: "ماشي، خلي بالك من نفسك وعلي تواصل لو في جديد وأنا معاكِ وقريب منك". هزت رأسها وعادت أدراجها متسللة للداخل. استمعت لأقدام أحد ما، أختلست نظرة مسرعة يمينًا ويسارًا، وعلى عجل ركضت متخبئة خلف الأريكة، ترفع رأسها لتري لمن تلك الخطوات.

حدقت عينها بذهول حينما رأت رحيم يخرج بهدوء للخارج يلتفت حوله كلص. أين تراه يذهب بذاك الوقت المتأخر؟ ولماذا يسير كلصوص هكذا إلا إذا ذاهب لمكان لا يريد لأحد أن يدري به. تأكدت شكوكها نحوه، وأقسمت على أن تدفعه الثمن غاليًا جدًا.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...