ما أجمل أن يكون لديك شخص يتألم أضعاف ألمك، شخص يشعر بك حينما لا يشعر بك أحد، حتى ذاتك. أن تكونا قلباً واحداً بجسدين، إن تألمت فذاق هو مرارة الألم وحده، إن تألمت فيعيش هو الألم. أن يرزقك الله بهذا الأخ الذي أنتِ محور حياته، ذاك الأخ الذي بمثابة أب وسند، مهما تميل تتكئ عليه لا يخذلك. إن تخافِ الجميع فتطمئني أنه بجوارك. ذاك الأخ الذي يفيض حنانًا، ذاك الذي مهما ابتعد كان قريبًا، أقرب من أي قريب بقلبه وروحه وكيانه.
ترقد لمار على الفراش هزيلة، تحدق أمامها بتيه. فمنذ أن صعد بها ياسين وعثمان إلى حجرتها لا تتحدث. جاؤوا سراعًا ما أن حادثهم يوسف الذي قبض قلبه فجأة. فرن مسرعًا على الشباب. يزرع ياسين الحجة ذهابًا وإيابًا بقلق يقتله صريعًا، لا يدري ما بها عمته، ولما هي بتلك الحالة. لماذا هي خائفة ومن من؟
أليست هذه هي عمته التي يخافها أقوياء الرجال، التي لا تخشى شيئًا. أما عثمان فمنحنٍ على قدم خديجة يطهر جرحها، تلك الصغيرة التي لم تعبأ بجرحها وظلت بجوار لمار مطمئنة بالقرآن. ولج يوسف راكضًا، القلق يكاد يقتله، يكاد فؤاده أن يقتلع من بين أضلعه من شدة خوفه عليها. انحنى رافعًا رأسها إلى صدره مطمئنًا وهو يهمس في أذنها: "اهدي يا لمار، مفيش حاجة يا حبيبتي، كله تمام وأنا بخير." رفعت رأسها بغير تصديق وهمست بتيه:
"مفيش حاجة بخير، أنت بخير بس هما مش بخير. هما فين؟ اعتصر قلبه ألمًا، ضم وجهها بكلتا يديه، قائلاً بنبرة هادئة: "عند اللي أحسن مني ومنك." قاطعته بشهقات خافتة، هوت دموعها بحرقة وهمست بصوت يكسوه الألم والحزن، قطع نياط قلب كل من ياسين وعثمان: "كلهم راحوا، ابني مات." وزعت نظراتها بتيه بين ياسين وعثمان وأردفت: "أياد مات. مات من غير ما أشوفه." ضمت نفسها بذراعيه لتكمل بابتسامة وجع:
"راح قبل ما أضمه، وأشبع منه وأملي عيني منه وقلبي." التفتت له رافعة بصرها إلى عينيه قائلة وهي تتشبث به باكية: "كان راجع، راجع بعد ما خف، كان راجع لأمه. وراح، انفجرت العربية وخد أمي وماما هدي معاهم، خدهم." بنبرة موجعة وجلة همست: "أنت كمان هتمشي؟ يستمع إليها بفؤاد يصرخ وجعًا ليس له صوت. إذ لو كان له لكان فجر العالم أجمعه. أهلكت كلماته قلبه، وانقبض صدره ليعتصرها إلى صدره قائلاً: "أروح فين وأسيبك!
دا أنتي الهوا اللي بتنفسه وعايش عليه! استهدي بالله." هوت دموعها بغزارة قائلة: "بنتي ماتت! كاد أن يهم بالحديث لتقاطعه هي، مشيرة إلى ياسين هامسة: "قال هحافظ عليها ومحفظش، ورجع من غيرها. رجع بعد ما خدوه منها. خطفوها. هي فين؟ نكس ياسين رأسه، بذكريات هاجمت عليه، بكاء فؤاده بكاءً حارقًا، ولكن أبت دموع عينيه أن تريحه، كأنها تحاسبه بوجعه الذي لا يغادر. بكت خديجة لدموع لمار، فاعتلت الفراش جالسة جوارهم
وأمسكت كف لمار هامسة بحب: "مش يلا نصلي؟ نظرت لها لمار بلهفة كطوق نجاة انتشلتها من أحزانها، لتمد خديجة يدها تزيح دموعها بحب. "ماماااا أناااا جيت... تعلق ترقب الأنظار جميعًا ناحية مصدر الصوت ليطالعهم وجه عائشة، التي وزعت نظراتها بينهم وقالت متذمرة بتساؤل: "في إيه؟ أنتوا شفتوا عفريت ولا إيه؟ ومالكم في إيه؟ مال ماما؟ قالت جملتها الأخيرة مقتربة من لمار، التي ضمتها بشوق وحنين، وعائشة كذلك.
تبدلت الجلسة تمامًا، فتغلبت السعادة بعودة عائشة على حزنهم. تجمع من كان بالخارج ليشاركوهم الضحكة، فبدت لمار كأنها لم تكن حزينة وكأن شيئًا لم يكن. أما بعض القلوب فهي حزينة، موجعة، متألمة، تبكي، تصرخ، لكن على الوجوه ابتسامة زائفة. ما أصعب ذاك الوجع الذي تخفيه بفؤادك وترسم بسمة ذائفة على ثغرك. "رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ"
نهضت ورد من مقعدها تتهادى، نظرها يطوف حول كل ركن بالشقة، أصابعها تلامس كل شيء تقع عيناها عليه. ذابلة عيناها من كثرة البكاء، يحوطها السواد. دلفت غرفة والدتها، تسمرت مكانها، تهوي دموعها بصمت وتخيلتها باسمة ضاحكة لها. صرخت متوجعة وهي تسقط أرضًا، فمنذ أن جاءت ووالدتها مريضة حتى توفاها الله. لا تدري كيف رحلت هكذا ولن تراها مجددًا. لا تعلم كيف مرت الليالي ووالدتها في القبر، تأتي النساء معزية وتستقبلهم بحزن طاغٍ.
ضمت قدميها بذراعيها إلى صدرها وانكبت مجهشة بالبكاء. خوف وجل احتل فؤادها وهي تتخيل القبر وظلماته، لتهفو نفسها اشتياقًا لوالدتها تلك التي لم يمدِ كثيرًا ورحلت تاركة إياها وحيدة مجددًا. بكت وبكت وأرادت الصراخ، ولكن أين صوتها؟ فإنه قد انعقد! كأن لسانها قد انقطع؟ فلا تدري كيف تصرخ. فأغمضت عينيها باكية، توغل فؤادها شعور الوحدة، فهي وحيدة تحتاج لحضن ترمي بذاتها إليه وتشكو له حال قلبها، ولكن من؟ تذكرت لمار وابنتها.
نهضت متسانده على نفسها لتصلي، طالبة من ربها أن يغفر ويعفو عن والدتها وجدها ذاك الحبيب الذي مهما أتت من أحباء ظل هو الحبيب الأول والأخير ووالدها. بكت فبكى قلبها وروحها، بكت خوفًا من عذاب القبر والنار، بكت وهي تدعي وتسأله أن يغفر لها ذنبها ويرحمها ويجعلها من أهل الجنة، كأن دموعها سيل من أمطار غزيرة جاءت بليلة عاصفة محملة بالأتربة والغبار.
أنهت صلاتها وتربعت على المصلى تستغفر ربها "أستغفر الله العظيم وأتوب إليه". استغفروا... لم تدري كم مضى من الوقت وهي على حالها، دموعها لا تجف وقلبها وجل. لعل الأذكار قد سرقتها من نفسها فأعطتها راحة وأمانًا، لتنهض لكي تروي ظمأها وحلقها الجاف. اتجهت للمطبخ، فاتحة البراد جاذبة زجاجة مياه لتشرب منها. أغلقت الزجاجة ووضعت يديها على قلبها حينما شعرت بانقباض قلبها وروحها. تنهدت قائلة وهي تضع الزجاجة مكانها: "سترك يا رب."
ما كادت أن تهم بأن تستدير حتى اتسعت عيناها وفغر فاها بدهشة حينما وقعت عيناها على زوج أمها الذي يبتسم بخبث بنظرات دنيئة. ارتجف قلبها بخوف، وارتدت للخلف بخطوات بطيئة تكاد تموت هلعًا من شدة خوفها. خفقات خائفة استحوذت فؤادها، ترقرق الدمع بعينيها وهي تشعر أنها النهاية وستفقد روحها اليوم. لا تدري كيف دخل؟ أأمن الممكن أن يكون معه مفتاح مدخره لنفسه؟ فهي مستيقنة أنها قد أغلقت الباب جيدًا، كيف إذاً دخل إن لم يكن معه مفتاح؟
ازداد نحيبها عندما التصقت بالجدار فأصبحت محاصرة بينهم. كان يقترب مترنحًا حتى هجم عليها مقيدًا يديها بقبضة يده، والأخرى تجذبها إليه وانحنى مقبلاً إياها بجنون. صرخت و زاد صراخها ولكن لا حياة لمن تنادي. حاولت دفعه بكل ما أوتيت من قوة، ولكن لم تستطع، كأن قلبها أصبح هشًا وجسدها.
وقعت عيناها على السكين فحررت يدها، والتقطتها ولكنه لوى ذراعها دافعًا بيدها للحائط لتسقط السكين. شعرت أنها النهاية. أين هو من كان يلبي النداء قبل النداء؟ لماذا لا يستمع نداءها ويأتي ليحضنها بأمانه ليزيل الخوف والهلع؟ ولكن كيف يأتي وهو الآن بعيدًا حقًا؟ ها هي تشعر الآن ببعده صدقًا. لو كان بجانبها لو ما زال حضنه الذي كانت تختبئ فيه من نفسها إليه.
دب الأمل قلبها حينما استمعت لكسر الباب. بلمح البصر كان أحد يجذب زوج والدتها يكيل له اللكمات المبرحة. سقطت من فورها جاثية أرضًا ودموعها لا تتوقف. رفعت عيناها التي يكسوها الدمع ووجهها إلى عمرو بفرحة وابتسامة كأنها قد عادت للحياة من بعد موت. أما عمرو فكان بلغ به الغضب منتهاه، لا يرى أمامه، فحبيبته ابنته. كان يحاول أن يعيد تلك...
جن جنونه أكثر وظل يضرب به حتى ذهب الآخر مغشيًا عليه، يسيل منه الدماء من كل وجهه ويده التي انكسرت. نظرت ورد باكية لذاك الذي سيموت بين يديه، فانتفضت واقفة وتسارعت أنفاسها. هزت رأسها برفض قائلة: "لا يا عمر، لا...
تسمرت يده كما هي على صوتها وأخذ يلهث بشدة، وقف مستديرًا لها، لتنظر له باكية وتعلقت أعينهما حتى ألقت بذاتها بين ذراعيه، متشبثة بجاكته تبكي بكاءً مزق قلبه وأحرق روحه، كأن دموعها جمر يقذف به أحد على قلبه فينصهر فؤاده.
اعتصرها بين ذراعيه وهي تبكي بصوت عالٍ ذي شهقات متوالية. توارت به تدفن نفسها بحضنه وتبكي. ظل يضمها بقوة إليه كأنه يخشى بعدها فيصيبها الأذى، كأنه يريد أن يطمئن قلبه وروحه أنها ها هنا بخير معه وبين ذراعيه. تنهد براحة واعتصرها أكثر. لم يدروا كم مر من الوقت وهم على هذه الحالة. لعله أراد أن يروي ظمأه فأبى أن يبعدها بتاتًا. ها قد وجدت الأمان أخيرًا بين ذراعيه بقربه، فمن ما قد تخشى؟
وهو بجانبها فلن يسمح حتى للهواء أن يؤذيها. لعلها تألمت، ولكن ذاق هو مرارة الألم وغاص به دون خروج. وها هي أخيرًا ترفع رأسها بدموع تملأ وجهها. نظرة في عينيه هاتفة بشهقات: "عمرو أنت جيت، أنا خايفة... جذبها لحضنه مرة أخرى قائلاً بحنان ليطمئن قلبها المرتجف: "هشش، أنا جنبك، متخافيش! أسندت رأسها على صدره كأن فؤادها يسكب جل ما به إليه. أبعدها وهو يهز كتفيها بحدة وبنبرة نمت عن ألم دفين قال بصوت عالٍ وغضب ليس له حدود:
"أنتِ إزاي تيجي لوحدك هنا؟ إزاي وأنتِ عارفة أنه موجود... " اهتز صوته قائلاً بألم: "لو اتأخرت كان إيه حصل... ارتجفت مرتدة للخلف بزعر حينما لكم الحائط بقبضته. شهقت بفزع وهي تسرع بضم كفة يده بيديها إلى قلبها. فرق قلبه لبكائها. همس جاء من ذاك الطريح أرضًا ليلتفت إليها قائلاً بحدة: "لو ممشيناش من هنا مش عارف ممكن أعمل في إيه... ولا أنتِ عايزة أكمل عليه؟ ابتسمت رغم عنها من بين دموعها وقالت: "يلا نمشي."
هزت رأسها وسارت خلفه. ركبا السيارة وقاد هو مسرعًا يكاد يجن جنونه ويصطدم بالسيارات، كلما لاح له ما رأى. نظر لها من المرآة عندما وصل له صوت بكائها المكبوت، ليقول بقلق وعينه لا تحيد عنها: "أنتِ كويسة؟
اكتفت بإشارة من رأسها، فشعر بألمها وتألم لوجعها. فهي خسرت والدتها، وكم مؤلمة هي فشعور الفقد هو أصعب ما يمر على الإنسان. أن يكون لديه شخص غالي وفجأة ينتزعه القبر ولن يراه مرة أخرى. شعور مميت يجعل الإنسان عايشًا وما هو بعايش، يفقد روحه وقلبه وابتسامته ومهجته، فهل هو عايش؟
تنهد بصوت مسموع وهمس: "البقاء لله، متزعليش وأدعي لها بالرحمة. هي في مكان أحسن من هنا، هي في بيتها الحقيقي دلوقتي وعند الرحمن، الرحمن الرحيم الحنان، فمتبكيش وأقري في المصحف شوية." صمت مليًا بتفكير وهمس وهو يقول بنبرة تنم عن ألم دفين: "ابكي يا ورد."
نظرت له بدهشة ليؤكد برأسه: "أيوه أبكي، هترتاحي صدقيني." كمن أهداها إذنًا بالبكاء لتبكي بصوت عالٍ، ولكن هناك أكثر وجعًا بداخلها، هناك بالقلب يصرخ ويبكي وليس له صوت. يرقد الألم والبكاء يمزق بها. وقف أمام إحدى الكافتيريا، شعرت بوقوف السيارة، فنظرت له باهتمام ليبتسم بهدوء قائلاً وهو يتأهب بالنزول: "انزلي، متأكد إنك مأكلتيش، هناكل حاجة ونكمل طريقنا."
ترجلت من السيارة، مقتربة منه رافضة رفضًا تامًا، إلا أنه أصر إصرارًا شديدًا، فوافقت على مضض. طلب لها وله وأكلا خفيفًا للغاية وانطلق لوجهته. كان الطريق مشحونًا بالتوتر والقلق، فقد كان يشعر بما في فؤادها كأنه هو من يتألم. "رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُون"
كانت قد بلغت به الحيرة منتهاه، يشعر بالعجز يقيده، حائر هو ولأول مرة لا يدري ماذا عليه أن يفعل. لا بد أن يدري بكل شيء. ما به عمته؟ تلك العمة التي لا تخشى أحدًا، أقوى من ألف رجل، إنها عمته الشجاعة التي إن وقفت أمام أحد أرهبته وجعلته كطفل صغير أمامها. ممن تخشى؟ من الظلام؟ أيمكن ذلك؟
لذا كان ولا بد أن يحادث والده ليعلم ما سر حالة عمته تلك. مضى ناحية المكتب، لا سيما أن والده يجلس وقته الشاغل به، وها هو يترك أخته أخيرًا لتليفون جاءه. طرق الباب وطل من خلفه. تعلقت أعين يوسف به وأشار له أن يدخل وهو يتحدث بالهاتف وجالس خلف مكتبه. دلف ياسين بعدما أغلق الباب خلفه، وجلس أمامه منتظرًا أن ينهي محادثته. لم يطل كثيرًا وأغلق الهاتف ونظر له باهتمام مشيرًا له بعينيه بأن يتحدث بما لديه. ليتنهد ياسين قائلاً بتساؤل وهو يميل قليلاً
بجذعه للأمام: "أنا عايز بس أفهم مال عمتي؟ ليه الخوف دا كله لما النور قطع ومكنش في حد جنبها؟ مش هي دي عمتي اللي الكل في الاستخبارات بيعملها ألف حساب ويخاف منها؟ حك يوسف ذقنه النامية قليلاً وهو يستند على ظهر المقعد للخلف وتنهد قائلاً: "لمار مرت بحاجات كتير جدًا واللي كسرها أكتر موت أياد وبنتها. وعشان كدا مش عارف أعملها إيه، هي رافضة تتعالج! هز ياسين رأسه نافيًا وقال بنبرة تنم عن حزن دفين: "أنا عارف كل ده."
زفر بوجع: "عارف... صمت مليًا قبل أن يقول: "بس عايز أعرف إيه اللي حصل معاها غير دول. ليه بتقول متدبحوش؟ سيبوه ليه؟ دايما تقول متضحكيش ليه؟ بتقول ليه يا عمي؟ أنا كل ده سمعته النهارده. دي مش كلمات وخلاص، دي كلمات حد عاشها. فتقولي ولا أسأل أدهم؟
زفر يوسف بيأس. لقد حان الوقت أن يقول بما يسكن قلبه من أوجاع ليس لها نهاية، كانت من الماضي فما زالت تسكن بداخله. نهض بتثاقل ناحية النافذة، عقد ذراعيه ومد بصره بعيدًا حيث السماء. وأضاءت أمام عينيه ذكريات ما عاشه بالماضي. خيم الصمت، فنهض ياسين واقفًا جواره، ربت على كتفه وهمس: "أنت بخير يا بابا." لم ينظر له بل ظل كما هو، نظره للفراغ وتنهد بصوت مسموع كخروج غليان من النار بقلبه. ظل نظره ثابتًا بالفراغ وهمس بصوت
نمى عن حزن دفين بداخله: "لمار دي أكتر واحدة اتعذبت في الدنيا وشالت كتير وتحملت، وبرغم كل اللي فيها فهي دايما واقفة مع أي حد محتاجها، دايما سند للكل، حنان وأمان. حزنها بدأ لما بابا اتدبح قدام عينيها." "# ادبح؟ همس بها ياسين بشيء من الذهول والدهشة. أومأ يوسف برأسه وأشار له بالصمت وأكمل مردفًا:
"آه، كان يوم عيد ميلادها وكلنا خرجنا نتعشى بره، لما رجعنا أبويا وأمي دخلوا وفضلنا أنا وهي شوية بره، وأول ما جينا ندخل." صوته اهتز بوجع ودموع تهدد بالنزول وتابع قائلاً: "لقينا بابا اتدبح. وقتها دخلت وتغلبت عليهم، بس حد غدر بيا وطعني من الخلف. لمار شافت كل ده بعينها، كانت لسه صغيرة ورقيقة. كلنا روحنا قدامها، بس هي كانت قوية ومستحملتش... قص عليه يوسف كل ما مرت به لمار. وما أن أنهى حتى همس بقلب يئن وجعًا:
"كل ده مرت بيه وبعد كدا موت أياد وفاطمه... " ما الذي استمع إليه الآن؟ هل هو حقيقة أم خيال؟ هل حقًا مرت بكل ذلك ولا تظهر سوى تلك الضحكة التي ترتسم على وجهها والقوة والشجاعة؟ حقًا كم هي قوية! من ذا قد يتحمل كل ذلك؟ فلو كان جبلًا لنهد فور تلك التراكمات عليه. نظر له ياسين بتيه وحدق به هامسًا بصدمة: "يعني اللي كان وراء كل ده عمكم؟ يعني إيه؟ يعني إيه أخ يقتل أخوه وعشان إيه؟ عشان فلوس؟
هيموت ويسيبها، مش هتنفعه ومهما هيجمع فيها مش هيأخذها معه وهيتحاسب." صمت مليًا بتفكير ونظر له بتمعن قائلاً بابتسامة: "يعني أنتوا مربينا نضحي بنفسنا عشان بعض وربيتونا إيد واحدة عشان خوفتوا لنكون زي رؤوف." استقام يوسف بوقفته هامسًا بحزم: "لا أبدًا، أحنا ربيناكم على الحب والتواضع والرحمة، لأن الإنسان لازم يبقى كدا، وأن مهما ربنا يديه ميطمعش أكتر ويقتل في أخواته عشان ميراث وأرض وفلوس مفيش منها نفع."
طرقات عالية على الباب، جعلتهم يلتفتون بترقب، ليدلف أدهم صائحًا بزعر وهو يشوح ليوسف: "الحق يا عم أنت أختك مفيش في بؤقها غير عاوزه يوسف، عاوزه يوسف يا ادي يوسف اللي بسببه مش عارف أقعد مع مراتي." دفعه بحفة فضحك يوسف لقوله وغادر. دلف عثمان الذي استمع لحديث يوسف وياسين صدفة غير محسوبة وهو يمر يتألم قلبه. جلس أدهم قائلاً: "أنا شكلي كدا هنام مع حد فيكم لأني مطرود النهارده." انفجر الشباب ضحكًا عليه ليتمتم هو بالكلمات.
"رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ" كانوا متجهين للأسفل، إذ وقفوا على ضحكات الفتيات الآتية من الغرفة. وقف ياسين ليشير لعثمان هامسًا: "الأساتذة دول لسه صاحين ليه دلوقتي! قال جملته وطرق طرقًا خفيفًا وفتح الباب وهتف بحسم: "صوتكم عالي ليه؟ ولسه صاحين لحد دلوقتي ليه؟ نهضت عائشة متجهة نحوه قائلة وهي تقف أمامه: "وأنت مالك بقا يا عم؟ فرحانين بيا! ولا أنت مش فرحان." نظر له متعجبًا وقال بهدوء:
"فرحانين فتسهروا؟! أومأت برأسها هاتفة بتلقائية: "أيوه عندك مانع يعني؟ متفكرش إني هخاف منك زيهم أنت وهو." قالت آخر جملتها وهي تشير لعثمان وهو... كانت مكة جالسة تغلي بغضب من ذاك الواقف أمامها بثبات عجيب، خليط هو من كل شيء يجننها. أهو حنين أم قاسي؟ عصبي أم لطيف؟ من يكون هو؟ صعب الدخول واكتشاف مملكته. كان يختلس لها نظرات فلم ينتبه لكلام عائشة، فأشار لياسين: "يلا بينا، تأخرنا! أومأ برأسه وما كادوا بالمغادرة
حتى وقفوا على صياح أسماء: "استنوا... دنت منهم باسطة راحتها أمامهم قائلة ببراءة: "هاتوا اللي معاكم، عايزين نروح نشتري حاجات بكرة! ليهتف ياسين بحسم: "ليه؟ هتشتروا إيه؟ بغضب همست عائشة: "بقولك إيه هتجيب ولا ناخد بطريقتنا." همس ياسين متعجبًا: "بطريقتكم اللي هي إيه؟ حول بصره لأسماء قائلاً: "أنتِ فين خطيبك؟ ما تاخدي منه."
ارتسم الحزن على ملامح وجهها. نبوءة أن هناك أمراً ما عليه أن يكتشفه. وأخرج ما بجيبه موزعًا ما بينهم بالتساوي. أخرج عثمان واهداء مكة وعائشة. وجاء أن يمد يده لمكة فشاحت بوجهها بعيدًا ليتنهد بحزن وأهداهم لأسماء. تساءل ياسين بتعجب: "هو حذيفة فين؟ هتفت سمر التي جاءت من خلفهم قائلة: "بره أكيد، مش هيرجع دلوقتي! صمت ياسين مليًا بتفكير وأشار لعثمان وغادروا. هلل الفتيات بفرحة، وشرعوا في التخطيط لما سيفعلونه ويجلبونه.
سرحت أسماء بما مرت، هل تكمل في هذه العلاقة؟ هل يمكن أن يتغير؟ ويصبح كما تريده حقًا أم هذا من المستحيل؟ هل تسير بطريقًا نهايته غير معلومة؟ أم تنهيه؟ هزتها مكة هزة خفيفة وهمست باهتمام: "مالك يا أسماء؟ أنتِ كويسة فيكِ حاجة؟ ليه شارده ومش معانا! نظرت بابتسامة قائلة بهدوء: "مفيش، أنا تمام." ولحتى لا ينتبه أحد نظرت لعائشة هامسة بمرح: "وأنتِ يا بت ليه مقولتيش إنك نازلة؟! تصنعت الفخر هاتفة:
"عشان الأميرة كانت عاملة لكم مفاجأة وخلصت." انفجرا ضحكًا لحركاتها، بينما نهضت سمر بتأفف مغادرة وهي تجيب على الهاتف مع أحد الشباب، وانشغلت بعد ذلك بتصوير نفسها وإرسالها له وعلى صفحة الفيس بوك التي لا يعلم بها أحد من عائلتها أو أخواتها. جاءت رسالة لمكة من حذيفة يطلب منها أن تنزل إليه لأنه يريدها. فتنحنحت قائلة وهي تتأهب للمغادرة: "طب يا بنات هخرج أعمل مكالمة مع واحدة صحبتي وجاية."
أومأت لها أسماء ولوحت لها عائشة، فتصنعت التحدث بالهاتف وهي تغادر. هرعت مسرعة إليه فرأته يقف منزوياً بمكان بعيد عن الأعين بالحديقة. اقتربت منه وقد بدا عليها القلق والأرتباك وتساءلت قائلة باهتمام: "مالك يا حذيفة؟ أنت كويس؟ في حاجة؟ تنهد بوجع وبصدق قال بلهفة: "أسماء كويسة؟ صمتت مليًا قبل أن تعقب متسائلة: "آه، ليه مالها؟ هو في حاجة؟ تنهد بألم يعصر قلبه وهمس بداخله:
"بخير، هي لست بخير، إنها موجوعة وبهِ ألف ندبة بالقلب ولن تتحدث، ستظل كاتمة بفؤادها، فهو يعلم من هي أسماء جيدًا، لن تفصح بما يوجعها سوى لرب العالمين. يريد أن يطمئنها أنه سيتغير لأجلها، وحقًا هي كانت تلك اليد التي انتشلته من أشياء كثيرة قد تؤدي بحياته للهلاك، ومنهم غضب الرحمن عليه. ففكر قليلاً وبأن ما يفعله بالبنات فقد يعود عليه بأخته أو زوجته أو ابنته. فكر وفكر كثيرًا، فكانت هي ذلك الكوكب الدري الذي أضاء طريقه المظلم."
بدا عليه الحزن طاغيًا وهمس دون وعي: "يبدو أنها مش هتسامحني؟ تنبهت مكة لما قاله لتهمس باهتمام جلي: "حذيفة، قولي إيه اللي حصل؟ ممكن أقدر أساعدك! كاد أن يستدير ليغادر فتسمر مكانه على جملتها يقلب به داخله. بلهفة ووجه سطع بهاؤه بأمل، التفت لها قائلاً: "بجد هتساعديني؟
أومأت برأسها بتأكيد وحثته على الكلام والبوح بما بداخله. فشرع بقص لها بتغيره وحبه لأسماء الذي بدأ يتوغل بفؤاده أو قد كان موجودًا ولكنه يتغاضى منذ الصغر. وقص لها ما حصل عند عزومته لها. انتهى بقص ما لديه، فبدت الفرحة على وجهها قائلة: "أنت بجد تغيرت، كنت كدا فعلاً." همس محرجًا منها ومن نفسه: "أيوه كنت أعمى، بس هي فتحت لي عيني وناوي أتغير بجد. صحيح مش هتغير كدا مرة وجدة، بس هتغير وهقرب من ربنا وههتم بآخرتي." ابتسمت
مكة ببهجة تسري بداخلها: "اتغير وكمل في طريقك، وأنا متأكدة أن أسماء هتفضل مكملة معاك للآخر. أعمل زي ما قولت لك، اهو اتكلم معاها وفهمها كل حاجة، أنك تلحق نفسك من أول الطريق، فده شئ جميل." همس بحزن دفين: "أنا كنت زي شخص عايز يجرب حاجة شايفها حلوة من غير ما يعرف العواقب." تنهد مردفًا: "زي اللي ماشي في طريق وشاف حفرة
ومليش حل قدامه غير تلاتة: يا يرجع من طريقه، يا يعافر، يا ما يلاقي نفسه في الحفرة ويكتشف بنفسه اللي فيها. يا أما مشافهاش ووقع بس اتمسك وعافر عشان يخرج ويكمل طريقه، أو عدى من غير ما يلتفت ولا ينجذب للاكتشاف. وده أنا كنت حابب الطريق ده مع إني عارف آخره، بس مكنتش خايف من حاجات. هي فتحت لي عيني عليها. أنا محظوظ بيها. أنا رميت نفسي في الحفرة وملحقتش نفسي، كملت وفضلت مكمل." تنهدت مكة قائلة بابتسامة مبشرة:
"ربنا موجود وهو غفور رحيم، مش بيرد إيدين عبده خايبة أبدًا، وأنك تتوب وتعرف ذنبك، فربك غفار الذنوب." ابتسم لها ممتنًا وقال بصدق: "شكرًا يا مكة لأنك سمعتيني وهتساعديني. اطلعي دلوقتي عشان ميدوروش عليكي." قطبت حاجبيها بضيق هامسة: "إيه ده؟ إيه شكرًا دي؟ في أخ يقول لأخته شكرًا؟ ابتسم بمناغشة قائلاً: "مفيش شكرًا، يلا يا بت من هنا."
ضحكا سوياً وتعالت ضحكاتها التي سحرت عثمان الذي يدلف من الخارج. سرعان ما رقدت بعينيه غضب لا نهاية له وهو يراها مع حذيفة ضاحكة. اشتعل غضبًا وغيره وسارت نار بأوردته.
دلف مكة بتأنٍ للداخل فوجدتهم يضمون بعضهم منكبين بالبكاء سوياً، فتألم فؤادها وجعًا وتلألأ الدمع بعينيها. لم يشغل بالها معرفة لماذا يبكون، بل أنها قد ضمتهم وبكت كما يبكون، لبكائهم، لاسيما قد تعاهدا من الصغر على البقاء مع بعضهم، لاسيما كانوا لبعضهم كل شيء. فما هو معنى كلمة صداقة؟
إذا كان بلي صديق حين البكاء يبكي لبكائك، وحين الفرح يفرح لأجلك، يشاركك كل شيء، يكون ظلك الذي لا يفارقك مهما فارقك الجميع، يكون لك سندًا إن تخلى الجميع ويبقى حينما لا يبقى أحد ويضيء ظلام قلبك. بكى ثلاثتهم لبعض الوقت، كفكفوا دموع بعضهم وجلست مكة ما بينهم وهمست بضحكة: "هو إحنا بنبكي ليه؟ هزت أسماء كتفيها قائلة: "مش عارفه." ضحكوا كما لم يضحكوا قبلًا بمحبة وهم يضمون بعضهم مرة أخرى، فماذا سيفرقهم ويقطع تلك اللحظات الجميلة؟
لعلها مجرد لحظات ولكنها تبقى أثرها عميقًا بالقلب. كان الباب مواربًا يقف خلفه عثمان، الذي قد جاء ليخبرهم أنهم سيتأخرون ويعلموا الجميع. فأبتسم بسعادة لا توصف وهو يجدهم بكل ذاك الحب والترابط بينهما. "رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا" توقفت السيارة أمام البناية التي تقطن بها ورد. فبدون كلمة ترجلت من السيارة، فماذا ستقول؟
هل تبوح بألمها وتخبره ألا يرحل، ألا يبعد، ألا يتركها خائفة؟ أرادت فقط أن تضمه، فهو أمانها الوحيد. ترجل من السيارة فدنا منها بصمت وخيم الصمت إلا من حديث الأعين. لا تبتعد، لا تغيب، فإن غيابك كأنه قبر مظلم ليس به نور ولو ثغرة. لا ترحل، فلتترك يدك تضمني حتى أستكين لأعود لمسكني الوحيد الذي يحتويني. لا تترك ابنتك. فاقت على صوته هامسًا بوجع دفين: "اطلعي، ولو عاوزتي أي حاجة رني عليا."
تعلق الأعين بحديث العشاق، حديث ليس له نهاية، حديث لا يفهمه سواهم. أهو عتاب أم شوق وحنين أم حزن؟ أو ليكن كلًا منهم. ساد الصمت وامتلت عيناها بالدمع، فهمست وهوت دموعها: "عمرو، أنا... " لا سبيل من الارتباك لتبتلع باقي كلماتها هامسة بوجع: "ابقى هات لي خديجة و...
صمتت وطال الصمت، بينما أرادت أن تقول له لا ترحل، فلتبقَ حتى الراحة لفؤادي والسكينة لروحي وسعادة نفسي. لا ترحل، فبدونك يصبح قلبي قبرًا. لا تبتعد، فإن ابتعدت خطوة ستبتعد كل حياتي، فأنت وطني وقلبك سكني وروحك سكينة واطمئنان وأمان وظلك احتواء كغيمة تطل من فوقي لتحميني من أي شيء وكل شيء. لكن بقيت الكلمات عميقًا بالفؤاد، أبت الخروج وانعقد لسانها فلم تتفوه بحرف. لا سيما أنه الحب وأن قلبيهما واحد، فكيف لا يشعر بخوفها؟
همس قائلاً ليطمئنها: "متقلقيش من حاجة، لأن مستحيل حد يأذيكِ طول ما أنا عايش. اطلعي نامي واطمئني ومتقلقيش، بكرة هجيب لك خديجة بس خليها معايا النهارده. ولو في أي حاجة كلميني." أومأ لها مطمئنًا بعينيه. فتنهدت بوجع تشعر وكأنها أصبحت وحيدة. علمت الآن أن كل شيء عابر، حتى تلك اللحظات التي نختطفها من القدر لتسعد نفوسنا.
سارت تجر أذيال اليأس والخيبة خلفها. توقفت مضطربة لتلتفت تسرق نظرة إليه لعلها تبث لقلبها الأمان. غمضت عينيها بألم حينما التقت بعينيه وارتقت الدرج صاعدة للأعلى وهي تستمع لمغادرته.
دلف إلى شقتها، بحزن يعتصر فؤادها، تشعر أن الدنيا خالية من حولها. تلك الشقة أصبحت مظلمة، جدرانه حزينة، ليس هناك حياة بها. أبدلت ثيابها وتوضأت، صلت وبكت وتضرعت لربها رب العالمين، أبوابه مفتوحة دائمًا لا تغلق ولن تغلق، سيستجيب مهما طال النداء، سيختبرنا وسنتحمل.
أوت إلى فراشها تلتمس النوم ولو قليلاً من يوم شاق مجهد. علا رنين الهاتف لينتزعها، لتعંتدل متأففة لتتسع ابتسامتها عند رؤية اسمه. لم يضيء شاشة الهاتف فقط بل أضاء قلبها وكأنه كوكب دري حفا بالنور بمكان مظلم كحيل السواد. أجابته مسرعة ببهجة وقالت بابتسامة وهرب النوم من جفنيها: "السلام عليكم." رد السلام بهدوء وهمس متسائلاً قلقًا: "أخبارك عاملة إيه دلوقتي؟ لاحت على وجهها ابتسامة لتضيء بريق عينيها: "الحمد لله تمام، أنت وصلت؟
خديجة عاملة إيه؟ ابتسم بهدوء قائلاً: "آه وصلت تمام الحمد لله كويسة، متقلقيش عليها." ابتسمت وهي تسير ناحية الشرفة، لتقف مستندة على حافتها مستقبله الهواء وقالت متسائلة: "بتعمل إيه؟ أكلت؟ فرحة توغلت فؤادها فوارها متعجلاً وهو يقول بجدية: "آه، أكلت، وأنتِ؟ همست مازحة: "لا مأكلتش، عجبك كدا يعني؟ أنت تأكل وأنا لا." ابتسم باسترخائه هامسًا: "لا ميصحش طبعًا." وبجدية قال: "مأكلتيش ليه؟ هتفت مؤكدة: "هأكل دلوقتي، أنت أكلت إيه؟
ابتسم بخفة قائلاً: "أهو باكل دلوقتي، تعالي كلي معايا." ابتسمت بمزاح قائلة: "بتأكل إيه؟ ساد صمته بينما اختلست هي نظرة للأسفل لتجد سيارته ويستند هو عليها، رافعًا إحدى قدميه والهاتف على أذنه. رفعت حاجبها بتعجب شديد وقالت بصدمة: "قولت لي أنت فين؟ قالت جملتها وتوجهت على عجل للأسفل. زفر بنفاذ صبر قائلاً: "في إيه يا بنتي؟ ما أنا بقولك في البيت وقاعد في الشقة كمان وكمان على السرير وبأكل، بأكل إيه؟
بأكل بيتزا، تاخدي حتة." فما تمالك أن ضحك من أعماق قلبه. "# أه أكيد هات هاااا... " همس هذا الصوت بجانبه والذي لم يكن سوى ورد. أبعد الهاتف ناظرًا به بصدمة يحاول مرارًا وتكرارًا أن يدري من أين الصوت. نقرت بأصبعها على منكبه، ليلتفت لها برأسه رافعًا حاجبه، لتشير له بيدها، فعاود الضحك مرة أخرى، وهو يضع الهاتف على أذنه وهمس: "مش بعمل يا بنتي، بس الدنيا بقت برد أوي فقولت أخرج أشتم شوية هوا." قالها وهو يجلس على مقدمة السيارة.
لتقطب حاجبيها ملتفة له بدهشة: "إزاي يعني برد فقولت تشم هوا شوية... انفجر ضحكًا، لاسيما كانت ضحكاته من صميم فؤاده، حيث منبع مسكنها به، فتلك الضحكة والبهجة لا تغمره إلا معها. انفجرت ضاحكًا هي الأخرى هامسة بمرح: "بقا روحت البيت هااا وقاعد بتاكل كمان... غمز لها بعبث، وزاغ بصره على السيارة هامسًا: "كدبتي بقا؟ قال يعني مقعدتش! عاودا الضحك مرة أخرى، ليسرح متأملًا ضحكتها التي اشتاقها حد الجنون وصاح فجأة:
"بس بس اسكتي انتِ، ما صدقتِ ولا إيه؟ يلا لفوق يا ماما، ومفيش ضحك! هزت رأسها بطاعة وهمت بالمغادرة، ليستوقفها قوله: "ورد عايزك تنامي وتطمني، أنا قريب مش بعيد؟ لم تدري ما تقوله فتوردت وجنتيها بحياء شديد واستدارت مغادرة، تكاد تقفز وتطير من شدة الفرحة. صعدت للشقة فجلست على فراشها، ابتسامة لا تزال تزين شفتيها، شاردة به، لا يغادر مخيلتها وطيفه يحفها بحنو. علا رنين هاتفها منتزعًا إياها من أحلامها الوردية، لتجيب بعجلة قائلة:
"لماررر." أتاها صوت خديجة قائلاً ببراءة تخطف القلوب: "أنا ديجا يا ماما! وحشتيني؟ استدمعت عيناها بشوق فاض بفؤادها وهمست: "أنتِ اللي وحشتيني يا قلب وروح ماما، عاملة إيه؟ وخالتوا لمار عندك عاملة إيه؟ صمتت خديجة مليًا بتفكير حائر، ما إن تخبر والدتها بتعب لمار أم لا، فهمست ببراءة: "كويسة... وأسئلة ولهفة تساءلت: "ماما قولي لي قصة النبي لما واسى طفل مات عصفوره، احكيهالي." صمتت قليلاً وتساءلت:
"يعني يا ماما النبي محمد كان عارف الطفل ده؟ سرحت ورد وهي ترجع برأسها للخلف وهمست بحب وشوق عندما لاحت لها ذكرى الرسول العطرة التي هفت شوقًا لرؤياه:
"رسول الله رقيق القلب والأرق بين أهله، وكان يمازح الأطفال. كان لأنس بن مالك الأنصاري أخو البراء بن مالك، ذاك الباحث عن الموت، وبن أم سليم الرميصاء، أعظم النساء مهرًا، كان له أخ يدعى أبا عمير. دخل النبي ذات يوم عند أم سليم فوجد أبا عمير حزينًا، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن سبب حزنه، فقالوا له إن عصفوره قد مات 'النغير'. فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يمازح الطفل الصغير ويقول له: 'يا أبا عمير، ما فعل النغير'."
تنهدت ورد قائلة: "ديجا أنتِ معايا؟ صمتت خديجة مقلبة الكلمات بنفسها وقالت ببهجة: "يعني يا ماما الرسول واسى أخو أنس عشان مات عصفوره؟ هتفت ورد مؤكدة: "آه يا قلبي." صمتت خديجة بحزن شديد: "وأنا عايزة أشوف رسول الله يا ماما." صمتت ورد بتمهل هاتفة: "هتشوفيه إن شاء الله يا حبيبتي." هتفت خديجة بتذكر متسائلة: "ماما، هي ليه أم سليم اسمها الرميصاء أعظم النساء مهرًا؟ ويعني إن البراء وأنس إخوات الطفل اللي مات عصفوره؟
هتفت ورد تلقائيًا: "آه يا حبيبة قلبي، أم سليم لقبت بأعظم النساء مهرًا لأنها حقًا أعظمنا مهرًا، فقد أخذت مهرها هو إسلام أبو طلحة، الذي تقدم لها فرفضته وتعجبت أنها ترفضه وكان ثريًا، فقالت له لو أسلم هذا مهرها، فأسلم أبو طلحة حينما قالت 'إني فيك لراغبة وما مثلك يرد، لكنك رجل كافر وأنا امرأة مسلمة، فإن تسلم فذالك مهري لا أسأل غيره'." وأسلم أبو طلحة وتزوجها. صمتت خديجة بتفكير تقلب الكلام بنفسها وتحفظه.
بينما همست ورد بتثاؤب: "يلا يا ماما نامي وبكرة هجيلك." همست خديجة بابتسامة: "ماشي." "رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ" وقفت وعد أمام رحيم الذي بعث لإرسالها إليه "بالمندرة" غرفة يستقبلون بها الضيوف وللشورة. وقفت أمامه مرتبكة لأول مرة بحياتها. تنحنح رحيم وهو يهتف بحزم: "اجعدي يا بشمهندسة."
جلست وعد بجوار والدته بصمت وحياء شديد ووجل يسري بعروقها. ذهبت شجاعتها هباءً أمام ذاك العملاق الذي يسير الرهبة بالقلوب، ذو وجه محبب ولكنه يبدو صارمًا قويًا ذا قسوة. تنهد رحيم قائلاً بغموض: "رجالتي بيقولوا أنهم شافوا رجالة بتحوم حوالين البيت اللي كنتِ بايته فيه قبل الحريق." اشتعلت عيناها بغضب عاصف وتطلعت به لثوانٍ قبل أن تهتف: "معرفش حد هنا أنا غير رقيه، ومأظنش إنها تأذيني."
صمت يحاول تصديقها، ولن أبي قلبه وعقله لذلك. دلف شابًا مستعجلاً أن يذهب معه فمضى معه، لتتنهد وعد براحة فور ذهابه لتربت والدته على منكبها هاتفة بمحبة: "رحيم ميقصدشي يضايقج يا بنيتي، هو قلقان عليكِ!
أومأت بهزة خفيفة برأسها، وتوجهت للأعلى حيث أخته التي تعرفت عليها وأصبح لها مكانة بقلبها. دلفت ورد بهدوء، تقلب كلام رحيم، يبدو أنه لن يجعل الأمر يمر مرور الكرام وعليها التعجل. رفعت بصرها لأخت رحيم غادة فوجدتها تجلس حزينة شارده. دنت منها وقد بدا القلق والتساؤل جليًا على وجهها وهمست بلهفة: "مالك يا غادة؟ فيكِ إيه؟ أنتِ كويسة؟ همت أن تجيبها إلا أن وعد قاطعتها قائلة باهتمام وحيرة:
"غادة، لو أنتِ رافضة الجواز ده قولي لي، بص هتصرف إن شاء الله." هزت غادة رأسها برفض قاطع وهمست وهي تجذبها من يدها لتجلس جوارها: "لا يا بتي، إحنا بنتجوز هنا أكده، البت تكمل 18 يبجي تتجوز، دا أنا أشكر ربنا إن رحيم أخوي مش زيهم وصبر عليا السنتين دول، معندناش احنا حب ومسخرة، طالما المتقدم زين يبجي إيه المانع؟ انقبض قلبها قائلة: "بس يا وعد مش عشان سألته عنه يبقي تمام، ماهو الناس مش عايشة معاه ومتعرفش طبعه ولا قلبه."
تنهدت بقلة حيلة قائلة: "راضية بنصيبي والحمد لله، لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا." شردت غادة بحزن بدي على ملامحها، فتوغل القلق بقلب وعد قائلة بحدة معتادة عليها: "ما تقولي مالك، في إيه؟ نظرت لها غادة بتمعن لتهتف بتعجب: "مالك؟ أول مرة تتكلمي كدا؟ هزت وعد رأسها نفيًا وقالت: "قولي بقا مالك؟ تجلى الحزن والوجع على ملامحها وسرحت بالفراغ أمامها قائلة:
"جلبي وجعني على البنات اللي بيتخطفوا، معرفش بيودوهم فين ولا بيعملوا فيهم إيه؟ وجلبي وجعني على أهلهم اللي هيموتوا، لا عارفين بناتهم ميتين يترحموا عليهم ولا عايشين بيتعذبوا، والمخدرات والأسلحة اللي بتتهرب، معرفش أخوي رحيم بعد تعب أبوي وهو شايل حمل تقيل، ربنا يقدره." سكن الغضب ملامح وعد وبسخرية هتفت: "دا مش لو كان شايل حمل أصلًا؟ تغاضت عن سخريتها وهتفت متسائلة: "قصدك إيه يا وعد؟ مش فهماكي؟ ابتسمت لها بخفة حتى تلاحظ
أي شيء وقالت بحب صادق: "مفيش خالص يا قمر، المهم أنتِ لو في أي حاجة قولي لي." ثم فكرت مليًا قبل أن تقول بغموض: "إلا قولي لي يا غادة، أمتي حصل الخطف ده وبيحصل في أي وقت ولا متعرفيش؟ زفرت غادة مردفة بوجع:
"معرفش جوي يعني، بس أخوي رحيم سمعته كام مرة يجول عن أسلحة ومخدرات، بعد كدا خطف بنات، بس من فترة صغيرة بيجولوا في واحد ابتداء ينقذ أي بنت بتتخطف، وعم القرية الأمان بسببه، بيجولوا عليه جوي ومحدش يجدر عليه، وأنه بيطلع الجبل لوحده." تنبهت وعد بكل جوارحها وحواسها لكلامها، لكل حرف هتفت بدهشة: "الملثم قصدك هو ده؟ أومأت غادة مؤكدة وهي تشير لها: "أيوه يا ختي، هو ده اللي بيجولوا عليه." صمتت وعد مفكرة بكلامها لتنظر لها متسائلة:
"ومحدش يعرف هو مين؟ هزت رأسها مؤكدة وأكدت مردفة: "أيوه محدش يعرف عنه أي حاجة، بس بيجولوا عنه زين جوي، ومن يوم ما ظهر خف الخطف خالص، بس يلا ربك يسترها مع الجميع، يا خوفي يخلصوا عليه، أكيد مهيسبوهوش في حاله ومترصدينه، بس ربنا ينجيه يارب، كل أم بتدعي له." ونهضت هاتفة بتعجل: "يلا يا ختي أسيبك، وجهز حالي وانتِ كمان عشان نحضر الفرح، يلا همي."
أومأت وعد برأسها. أجبرت غادة وعد على ارتداء دريس زادها جمالًا ورشاقة، فكانت كأنها كوكب دري في ليلها يسودها الظلام. هبطت الدرج لتخطف أعين رحيم الذي اختلس نظرة سريعة لها معجبًا وغض بصره سريعًا واستدار خارجًا باضطراب، بينما ابتسمت هي بخبث ومكر. تمسكت غادة بيدها وساروا خلفه حيث مقام الحفل، الذي يبعد قليلاً عن البيت، وقد ذهبت والدتهم من قليل قبلهم.
تسامر الفتيات وهم يسيرون خلفه ليشيروا لهم أن يصمتوا بحزم وغضب، فساروا بصمت خلفه. كان كل شيء ساكن إلا من أعين وعد التي لا تحيد عنه تراقبه خفية. تسمر رحيم موضعه على صوت بكاء طفلة وأنين خافت يأتي عن قرب. كان الطريق خاليًا، فبهذه المناسبات يتجمع الجميع بالعرس. فكان يدب الصمت المكان. أشار رحيم للفتيات فتصنتت وعد لثوانٍ وهمست لطريق جانبي: "الصوت جاي من هنا؟
سار رحيم أمامهم مشيرًا لهم بتتبعه، فسارت غادة خلفهم وأبت وعد السير خلفه. رأوا امرأة يظهر عليها الإعياء تجلس أرضًا وبجوارها طفلة. كادت وعد أن تهم ركضًا إليها إلا أن استشعرت شيئًا ما فتمعنت النظر بها، فبدت بحالة جيدة وهي تنظر إليهم بمكر واعتدل ظهر رجال ليحوطوهم من كل اتجاه. جذب رحيم بلهفة وقلق وعد خلفه وظلت غادة متشبثة به، وألقى رداءه عن ظهره وجال ببصره بهم، ووعد كذلك. لوهلة شعرت بالعجز، فإن قاتلتهم قد تسير الشك بقلب رحيم ويكتشف أمرها، وأن لم تقاتلهم لن ينجح رحيم في الإفلات وخاصة بتلك الأسلحة بيدهم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!