لقد كانت خديجة تسير في الطرقات دون وجهة، لا تدري أين هي ولا أين تذهب، فقط تسوقها قدماها إلى مكان مجهول لا تعلم عنه شيئاً. لم يرقأ لها دمع، مما أدى إلى عدم رؤيتها جيداً، فقد كانت الدموع تحجب عنها الرؤية إلا ضباباً. تتخبط بهذا وذاك، وتتعثر وتسير قدماً، زائغة العينين، تتلفت من حين لآخر وقلبها يدق خوفاً. تتمنى فقط أن تبصر أحداً ما، أي أحد تعرفه. تود لو تغمض عينيها وتصرخ حتى تثلج تلك النار التي اجتاحت سويداء قلبها وتخللت شغافه. تود لو تنشق الأرض وتبتلعها من ذاك الخوف الذي يمزق فؤادها ويجعله فتاتاً. شيئاً ما يكتم نفسها وصدرها، لا تدري مكنونه. تائهه، ضائعة، خائفة، وجلة، تنتظر أن تأتي عاصفة أخرى وتحملها.
هبت نسمات الفجر العطرة مصحوبة بـ "الله أكبر الله أكبر". رددت خديجة الأذان مع المؤذن الذي صدح صوته بالأرجاء بصوت يرج الأرض رجاً. تردده مصحوباً بدموع كالشلال. ومضات مما مضى لاحت أمام عينيها، فبذاك الوقت كانت تصلي مع والدتها.
جلست على الأرض منهارة من البكاء، أما لسانها فأخذ يردد مع المؤذن. حتى نهضت بثقل، بقدمين يكاد يحملانها. سارت تتبع الأذان، لعل الله ينجدها. هي ليست خائفة من أي شيء، فمعها الله الواحد الأحد يؤنسها وينير قلبها. ولكنها تخشى أن لم تر الأحباب مرة أخرى. لا تفكر ما قد يحصل معها، فكل ذلك لا يهم. ما يهم هو أن الله معها، طريقاً وضعها الله به وستحمله صابرة، مستعينة، متيقنة به أنه خيراً لا محالة. ما ستراه بطريقها اختباراً وستخرج منه ناجحة، صابرة، حامدة، شاكرة.
قادتها قدماها ناحية المسجد، وقفت على حائطه مسندة رأسها بتعب شديد، وهي تتنفس بصعوبة وترتجف برداً. أقترب منها شاب كان خارجاً من المسجد بعجلة وقال بقلق: "مالك يا بتي؟ خير؟ بتبكي ليه؟ فتحت جفنيها بتثاقل، كانت مقلتاها مكتظة بالدموع اللامعة. رفعت رأسها به وصمتت. ليجلس الشاب ليكون بمستواها وقال باسماً: "بتبكي ليه؟ أنتِ كويسة؟
دققت النظر به، رأته شاباً ذا لحية نامية، طويل القامة، عريض المنكبين، ذا عينين حادتين وملامح خشنة رجولية، ولكن عينيه بهما حنان. رأتهم قبلاً بوالدتها ولمار ووالدها والجميع. هزت رأسها وهمست بدموع تهوي بغزارة: "أنا عايزة ماما، أنا خايفة! تألم لنبرتها الموجعة تلك ونظر لها متسائلاً: "طب هي فين؟ أنتِ تايهة؟ هزت رأسها إيجاباً. فصمت ملياً، بدا لها بتفكير وشرود عينيه بالفراغ أمامه. وطال صمته، قطعه بعد وقت وهو يعود النظر لها:
"أنا مش عارف أعمل إيه؟ أوديكِ القسم؟ طيب ممكن أهلك يكونوا مبلغين باختفاءك أو عندهم معلومة." نظرة أمل مفعمة بالبهجة وهي تنظر له مستنجدة. نظرة جعلته يقسم ألا يتركها إلا بتسليمها لوالديها. همس بحنان وهو ينهض وصوته الرجولي محتفظ بنبرته الحادة: "يلا! تعالي معايا، هنروح القسم سوا." تخشبت قدماها بخوف شديد ليردف مطمئناً إياها: "مش عايزك تخافي، تعالي."
همت خديجة بالسير معه قدماً، ولكن دارت بها الدنيا، كمن أصبحت فجأة داخل لعبة تدور تدور بلا هوادة. وتوقفت لتمسك رأسها وهي تغمض جفنيها عدة مرات، حتى اسودت الدنيا أمامها ولم تشعر بشيء سوى ارتطام جسدها بالأرض. ليهرع إليها الشاب ليحملها وقاد بها لمركز الشرطة. ولكن قبل أن يصل، جاءه اتصال جعله يتخشب وهو يحجب دموعه بجهد عظيم للغاية. وجحافل من الأسئلة والقلق اخترقت ذهنه وفؤاده. وتطلع بخديجة الراقدة تماماً لا تعي شيئاً. ماذا لو أوصلها القسم وتركها ولم تتوصل لأهلها؟
أين سيذهبون بها؟ إلى ملجأ أكيد.
نظرتها الخائفة، الوجلة، المتوسلة، المستنجدة به، لا تفارق عينيه. صورتها المرتجفة احتلت قلبه. لينظر لها عازماً أمره بالمغادرة. ليقف بعد وقت ملتفتاً للخلف، ناثراً بعض الماء من زجاجته بوجهها وهو يحاول إفاقتها. لياتيها شيئاً لتأكله، لترفض ديجا رفضاً تاماً وعاقدة ذراعيها دون كلمة، دامعة العينين، تردد ذكر الله بفؤادها، شاردة تنظر للفراغ أمامها. واقتربت، ساندة رأسها على النافذة، وراحت عينيها تتأمل النجوم اللامعة الساهرة معها. لم تسأل إلى أين يأخذها، فقط سلمت أمرها لله، لن يخيبها أكيداً.
"اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك."
ولج رحيم شبه راكضاً متجهاً لغرفة والده. يكاد يبكي ويصرخ، ولكنه يجاهد أن يبقى ثابتاً كالصخر، لا يظهر ضعفه لأحد أياً كان. لمحته وعد وهو يتجه للدرج فور دخوله، لترمقه بنظرة متألمة لحاله. ربتت على كتف غادة التي تضمها بحنان، لتبعد عنها، خارجة من وسط النساء المزدحمة بمندرة البيت. لتصعد خلفه. كان الباب مفتوحاً. أوشكت بالدخول، ولكن مهلاً، ها هي ترى ذاك الجبل قد انهد وتفتت، يبكي؟
أجل، هو مجهشاً بالبكاء بنشيج ونحيب وهو محتضناً والده كأنه لا يصدق أنه غادر من تلك الحياة وتركه وحيداً بها. شعر بظهره قد انحنى وشلت قدماه. أدمعت وعد لمرآه هكذا. رفع رحيم رأسه من حضن والده وأزاح الغطاء من فوق وجهه وقبل رأسه. ومضات معه ظهرت أمام عينيه، ليرتج جسده وهو مهتاج، صارخاً بصوتاً مكتوم. تقسم وعد أن تلك الصرخة شطرت قلبه وقلبها. ضم رأس والده وتكلم بصوتاً ثقيل، مخنوق، صوتاً مفعم بالوجع: "ياااا اباااا!
هتسبيني كيف لوحدي يا حبيبي؟ الحمل تقيل قوي اللي كان مصبرني ومشجعني ع الحمل التجيل دا وحدك يا بوووي. ااااه يا حبيبي مكنتش عارف إنك هتفرجني بسرعة كِده." انكب باكياً مرة أخرى بصوتاً يمزق نياط القلب ويقطع وتينه. هوت دموع وعد بغزارة، وكسف قلبها واجتاح بالهموم. أما روحها فخرجت تفارقها لمحبوبها، تضمه لعلها تهون عليه. ويحها! أهناك أحداً يستطع إثلج قلب موقد بالنيران؟ أهناك شيء يبرده؟
لا وألف لا. فصرخ القلب ليس له صوتاً يسمع. أسهم مشتعلة بالنيران تحرق دقات القلب. دموعاً من الدماء تهوي من سويداء الفؤاد، ليس لها دواء! الفقد، الفراق، فهو صعب على قلوب المحبين، يجعل الحياة كاسفة، ضيقة، مهما كان اتساعها. لم تستطع وعد الوقوف، فسارت كالمسحورة نحوه، ومدت كفها المرتجفة من بكائه لكتفه. فنظر لها نظرة لم ترها من قبل. نظرة قضت على فؤادها المحترق لأجله. لتجهش بالبكاء هامسة بصوتاً مرتعش:
"إن لله وإنا إليه راجعون. ربنا خد أمانته خلاص." أخفض الطرف وكفكف دموعه سريعاً، ونظر لها بألم بأعين تفيض بالدمع وهمس بصوتاً به وجع الكون:
"الفراق صعب جووي. تخيلي حد تصحي عليه وقبل ما تنامي آخر حد تشوفيه، وفجأة كِده يغادر من الدنيا بحالها. عذاااب ملهوش أول ولا آخر. نار جايدة جوايا مش عارف كيف أطفيها ولا إزاي أخمدها. ومش عارف إزاي هصحي بعد كِده من غيره. دا كان سندي وضهري. مش أني، كنت باخد رأيه في كل حاجة قبل ما أضل الطريق وأتعوج. بيلحقني. هو دلوقتي مين هيلحقني من الضياع غيره؟ الحمد لله ياررب. راضي بس الوجع اللي جوايا دا جووي جووي."
لم تستطع وعد مقاومة تلك الرغبة بضمه، لتضم رأسه باكية هي الأخرى، تشعر بألمه. فقد أحبته بصدق، فكيف لها أن لا تشعر بمحبوبها؟ وضيق وطنها.
بعد وقتاً قليلاً، كان أهلك فيه رحيم من كثرة البكاء، بات واحداً آخر حزيناً، كاسفاً. الوقت لا يمر. ها هو يحمل نعش والده على كتفه. كان ثابتاً كالجبل الراسخ، شامخاً، لا يبدو عليه الوهن أو البكاء. سار بوالده محمولاً وقت الظهيرة، يجاوره عمه وأبناء عمه يحملون معه. نظرت غادة لهم وهي وسط الطريق، لا تصدق عينيها. تنظر للبيت تارة وللنعش تارة أخرى، حتى صرخت بعزم ما بها. تمسك بها وعد بقوة كي لا تفلت منها وتركض خلفهم. وقعت بين يديها. مدت يدها وهي
تصرخ ببكاء يمزق الفؤاد: "متسبنيش يا باااابااااااااا! متسبنيش! ااااه... كان الصراخ يضج المكان، حتى انتهى الدفن. وعاد رحيم واقفاً بأول الصوان يستقبل المعزين، بجواره عمه وغفيرة يوزع الشاي بحزناً طاغٍ. تختلس وعد من حين لآخر النظرات إليه خفية، تراه واقفاً ممسكاً عصاه بشموخ، لا يظهر عليه الوهن، كاتماً صراخه وبكاءه لقلبه، لكنه لم يغفل عنها تلك الدموع الحبيسة بمقلتيه.
صوت صرخ منادياً باسمها مرات عدة. على بغتة، ضمتها خديجة من قدميها باكية. تخشبت وعد وجثمت موضعها، لا تتحرك بتاتاً. تحاول استيعاب ما يدور حولها. أهذه خديجة حقاً التي تضمها وتبكي؟ دق قلبها بعنف وحركت نظرها للأسفل. سرعان ما هبطت جاثية على قدميها تضم وجه خديجة الباكي وتهتف بقلق ولهفة: "خديجة حبيبتي! أنتِ كويسة؟ حد عملك حاجة؟ أنتِ فيكِ حاجة؟ هااا؟ ردي عليا... زاد بكاء خديجة وهي ممسكة بملابس وعد وهتفت بوهن:
"أنا خايفة يا وعد." مدت وعد ذراعيها تضمها بشدة لحضنها، تخفيها من كل شيء. تعتصرها بداخل فؤاده. لا تصدق أنها بخير، لكن كيف أتت؟ منذ متى وكيف علمت مكانها؟ صوت همهمات تناهى لمسامعها. فنظرت حولها، وجدت أعين جل النساء عليها. غادة والحجة صفية أيضاً، حتى رحيم الذي اقترب يطل من عينيه القلق، ونظرة لم تفهمها، لكنها تسللت شغاف قلبها بقلق ووجع.
حملت وعد خديجة وهي ما زالت تضمها وأخذتها ورحلت إلى حيث رقيه لتقص لها خديجة منذ اختطافها حتى وجدت رحيم الذي جاء به معه، على وعد العودة بها للبحث لأهلها فيما بعد. كانت وعد تضمها بقوة وتقبلها بحنان وتطمئنها، وخديجة ساكنه بحضنها مطمئنة تماماً. أما رقيه فكانت تهتم بهما بعدما أشارت لـ عد هنالك وأخذتها من بيت رحيم وأسرعت بالاتصال بـ أحمد و وعد بـ ياسين. "اللهم اهدني وسددني، اللهم إني أسألك الهدى والسداد."
كان البيت خاوياً، كئيباً، مغموماً، لا حياة ولا صوت به. حتى الهدوء يعمه. من يسكنون به كأنهم أموات، لا نفس لهم ولا صوت. كل شخص وحيد، لا ينطق، لا شيء ينجلي. لا الغم ولا الهم ولا الحزن يولي. ضج فجأة حينما ولجوا عثمان يتبع ياسين مهللين بفرحة، مشرقي الوجه، منشرحي الصدر، وهم يصيحون: "خديجة عند وعد." صدمة حلت على الجميع بعدم تصديق. فتعلقت أعين الفتيات جميعهن بهن مندهشات، غير مصدقات، لعلها مزحة؟
لكن منذ متى هؤلاء يعرفون المزاح؟ ولكن كيف لخديجة أن تصبح فجأة بالصعيد بلا ولدي وعد؟ قطع ياسين الصمت والتعجب ذاك قائلاً بجدية: "وعد كلمتني وقالت إن خديجة دلوقتي عندها ورايح أجيبها حالاً." قال أخر جملته وتعلقت عينيه بأعين ورد الدامعة، الزابلة، الوهنة، المدعجة بكثرة بسواد شديد، هزيعة. ليهمس لها بصدق، يأكد لها لتطمئن: "خديجة راجعة، هجيبالك خلاص بكرا وتكون في حضنك وسطنا كلنا."
لا تنبس بحرفاً، ولكن هوت دموعها أكثر. لطف الجو عثمان حينما دفعه بكتفه صائحاً به: "هنرجعها سوا، مش هترجعها." رفع ياسين حاجبه له. لتقطع حديثهم ورد قائلة بيأس ونظرة يفعمها الأسى: "انتوا بتضحكوا عليا؟ من يومين قلتوا إنكم هترجعوها ومجتش. كفاية بقا." "# لا لا هي راجعة فعلاً." قالها أحمد بهدوء وهو يدلف من الخارج ببسمة متلألئة على ثغره. نظرة له ورد بأمل، بوجهاً لا يوحي سوى بالألم. ليكمل هو بصدق:
"رقية يلا قافلة معايا وديجااا عندها. اللي عرفته إن واحد اسمه رحيم لقاهاااااا. بس كدا وهي دلوقتي مع وعد فعلاً." وقفا الفتيات فرحين، لتنظر ورد لهم غير مصدقة ما سمعته، ودموع الفرحة تهوي من مقلتيها. وهتفت لأسماء التي اقتربت منها: "اسمعتي قال إيه؟ ببنتي راجعة، بنتي راجعة." ضمتها أسماء باكية وهي تؤكد لها: "آه راجعة خلاص."
اقتربت عائشة برفقة مكة وسمر يضمونهم بفرحة. بينما اقتربت حبيبة وهالة وريم يضمون ورد بفرحة. ولكنها ما زالت لا تصدق ما تفوهون به. اقتربت ريم من أحمد هامسة بدموع وهي تقف أمامه: "بجد يا أحمد ديجااا راجعة." "# بجد يا قلب أحمد." قالها وهو يجذبها لصدره مهدئاً. ليصيح ياسين وهو يقترب من ورد ممسكاً بكفيها بين راحتيه: "هغير بس وهروح أجيبها لك. فـ اطمني، ساعات بس وهتكون عندك."
نظرة له ورد بأعين لامعة بدموع الفرحة، مفعمة بالأمل. ليقول عثمان وهو يجذب الفتيات جانباً: "مش عاوزين دموع تاني بقا. كفاية كدا البيت هيشتكي منكم والله. هنروح نجيبها وقبل ما نوصل هنرن نقولك." ضحكة ورد ضحكة مشرقة، رقيقة، غامرة ببهجتها. دقائق وبالفعل تحرك الشباب للصعيد. _بالصعيد تركت وعد خديجة لدى رقية وذهبت لبيت رحيم. لن تتركهم بمحنتهم تلك. كانت طول الوقت تواسي غادة التي تضمها وتبكي فقط.
بمنزل رقيه، جلست خديجة جانباً خجلة، متوترة. ما يطمئنها وعد التي وعدتها بالعودة قريباً ومجيء ياسين وعثمان بالطريق ليأخذوها. رباه، كم اشتاقت لهم جميعاً. يشرق وجهها، وتلمع عينيها كنجمة ساطعة، وتبتسم بسمة ساحرة كلما تخيلت وتذكرت أحداً منهم. فقط اشتاقت لهما جميعاً، لوالدتها ووالدها ولمار والفتيات، للجميع. اقترب منها ماجد متسائلاً رغم عنه بكره بأمر من رقية: "همي نلعب بره؟ هزت خديجة رأسها رفضاً: "لا مش عاوزة ألعب!
شوح لها بكفه وهو يغمغم: "أحسن بردك." ولكنه توقف وعاد أدراجه قائلاً بكره: "وعد ما بتحبكش على فكرة، هتحبني أنا بس." احتجت خديجة ثائرة وهي تصيح: "لا وعد بتحبني أنا بس، أما أنت لا. هي بتخرج معايا وبتدربني، أما أنت لا." (وأخرجت له لسانها) صرخت بتاوه حينما جذب يدها ضاغطاً عليها وقال بسخط: "اسمعتي جولت إيه؟ هتحبني إني وهتجوزها." وترك معصمها وغادر خارجاً يلهو مع رفقائه.
مر وقت حينما دلف يتجرع الماء ليتناهى لمسامعه صوت ساحر عذب يرتل القرآن بشجي. ليقترب متسللاً من الغرفة، يسترق النظر لها بإعجاب. ينصرف الناس تباعاً من منزل رحيم. حاولت وعد جعلهم يأكلوا شيئاً، ولكنهم أبو بشدة. فيأست بحزن وغم.
توجهت الحجة صفية لغرفة زوجها رفيق دربها. كانت خاوية بلا حياة، كأنها أصبحت قبراً مظلماً، لا بها حياة أو نور. كانت تبكي بحرقة وهي مستندة بظهرها على الباب. عيناها تجوب كل ركن بالغرفة بحنين لأيام مضت لن تعود. يبقى أثرها، ثغرة باقية بالقلب لا يزول ويستحيل أن يزول. فتلك الثغرة هي مصدر بهجتها ووجعها. من الآن بكت اشتياقاً لروحاً غابت لن تراها مجدداً. احتضنها القبر وهو ينزع قلبها وروحها معه.
أما غادة فدثرتها وعد بفراشها وهي حزينة لحالتها وصدمتها التي لم تخرج منها بعد. نزلت منتظرة رحيم قد يأتي، لكن تمر الساعات دون أن تبصره حتى. دلف أخيراً، زائغ العينين، تائهاً، ضائعاً، منكسراً. أقتربت منه بعجل مسرعة وهمست: "رحيم أنت كويس؟ نظر لها بصمت تام لدقائق وقال بجفا: "ملكيش صالح كويس ولا لأ." تخشبت وعد مكانها بصدمة، بينما أكمل هو طريقه. ارتقى أول درجة، ولكنه وقف مكانه ملتفتاً لها واستدار عائداً نحوها وقال بتساؤل:
"صاحية ليه لدلوقتي؟ نظرت له وعد وقالت بحدة: "عشان حد ميستاهلش." (غيرت نبرتها بعد صمت طال لثوانٍ) "أحطلك تأكل." تنهد بضيق وهز رأسه رافضاً: "لاه مليش نفس لأي حاجة." واستطرد قائلاً: "اطلعي نامي." صمتت وعد متسائلة: "هو انت مش عايز تسأل عن أي حاجة؟ "# أبويا قالك إيه؟ سألها باهتمام جلي. ارتبكت وعد والبسمة لا تفارقها، لتواري بها ارتباكها وهمست: "مقالليش حاجة." وتابعت هاربة: "أنت هتنام." زفر بضيق وقال:
"لا النوم طار خلاص، كيف أنام وقلبي قايد نار؟ نهى جملته وخرج من الدار بأكمله. لتتبعه وعد حتى وقف بعيداً شارداً، ناظراً بالفراغ أمامه. قالت وعد تنتشله من شروده وحزنه قليلاً: "لازم تقوى عشان أختك وأمك. والدك دلوقتي في مكان أحسن من هنا وفي بيته الحقيقي والأبدي." ألمع الدمع بعينه وذكريات ما مضى لاحت أمام عينيه، حتى تنهد بصوتاً عالٍ قائلاً: "ممكن تسبيني شوية لحالي؟ همليني دلوج، حابب أفضل لوحدي." ابتسمت وعد وهتفت وهي تغادر:
"هسيبك ومش هسيبك." وقفت حينما اتاها صوته سائلاً: "# كيف يعني؟ التفتت له باسمه وقالت: "افهمها زي ما تحب." رمقته بنظرة لم يفهمها وغادرت. ليهمس هو لنفسه: "هسيبك ومش هسيبك. وااااه! تقصد إيه دي؟ ياك تكون اتخبلت في نفوخها ولا أنا اللي اللي عجلي طار." صعدت وعد للغرفة تتابعه بعينيها من خلف النافذة. "اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت، ومن شر ما لم أعمل."
هلت الشمس تتلألأ بالسماء تنشر أشعتها الفضية بالصباح الباكر. وقفت خديجة على أسكفة الدار تنظر للمرء من حولها وهم يسيرون نحو الأراضي الزراعية يجرون المواشي خلفهم. لهو الأطفال حولها ومشاكسة ماجد التي لا تمل. هبت نسمات عطرة لتملأ صدرها منها كي تنتعش مرحبة بها باستمتاع. حتى رأت سيارة تقف قريباً ويترجل عثمان وتبتعد السيارة. حدقت خديجة بأعين ذات بريق ساطع وهي تهلل ببهجة استحوذت سويداء فؤادها ونادت صارخة باسمه وهي تقفز بفرحة وركضت نحوه.
ارتسمت على ثغره بسمة متسعة مشرقة وهو يجثي فارداً ذراعيه. لترتمي هي بحضنه شوقاً وهي تشدد من احتضانها لعنقه. ضمه بحنان، لا يصدق عينيه أنها أمامه وبخير. شدد من ضمها لقلبه الذي خفق مستكيناً، مرتاحاً من بعد أيام وليالي اعتراه فيهم الألم والحزن والخوف والعذاب. أغمض عينيه لدقائق معدودة حتى ابتعد، ضاماً وجهها براحتيه وقبل وجهها بحب، كالمعتذر لأنه لم ينقذها حينما استنجدت به. "# لا بقا يا ديجاااا بتخونيني؟
ارسي على واحد فينا هتتجوزي مين." لفظ بها ياسين بأعين مبهجة مشرقة، لتبعد ديجا عن عثمان رافعة ذراعيها لـ ياسين الذي تناولها ضاممها لصدره مطمئناً بها أنها بخير أمامه. خرجت رقية وزوجها يستقبلهم مرحباً بهم للداخل. فجلسوا الشباب وظلت ديجا على قدم ياسين الذي همس بأذنها: "لو كنتِ قلتي إنك نفسك تيجي الصعيد، كنا جبناكي ليه التعب دا يعني. أنتِ كنتِ متوحشة الصعيد لدرجة دي؟ ضحكت ديجا ببراءة وهمست: "شكلي كدا." تضاحك
الشباب عليها وهمس عثمان: "طب ياااختي اطلعي روحي باريس ولا لندن، أنما الصعيد؟ صرخت ديجا متأففة: "يوووه بقا اسكتوا." جاءت وعد لتركض إليها خديجة ببهجة تغمرها كلياً. جلست مع الشباب إلى أن هموا بالمغادرة. تمسكت بهم رقية وزوجها، ولكنهم لم يستطيعوا ثنيهم عن الذهاب من أجل ورد التي تتقطع حنيناً لأبنتها. وقفا بالخارج وهمس ياسين لـ وعد: "هو مين اللي ساعد خديجة؟ حابب أشكرُه جداً." همت وعد بالإجابة لتصيح خديجة بفرحة:
"عمووو رحيم... تعلق الأعين بخديجة التي ركضت تجاه رحيم المقبل نحوها ببسمة صادقة. صافحها بحنان وهو ينزل لمستواها وهمس: "هما دول قرايبك؟ همست خديجة ببراءة وهي تشير للشباب ووعد: "آه دا ياسين ودا عثمان ودي وعد، يعني أخواتي أنا."
نظر رحيم لـ وعد التي غضت بصرها وهي تتحاشى بكل الطرق النظر له. بينما كانت نظرته مفعمة بالأسى والوجع والقهر، وجحافل من الأسئلة اخترقت ذهنه. توارت خلف بسمته المصطنعة وهو يعتدل بوقفته بثبات ووقار وهيبة، مصافحاً الشباب الذين شكروه.
ليتمسك بهم رحيم بقوة عن ذهابهم قبل أن يضيفهم شيئاً. فلم يستطع الشباب الرفض أو إثناء رحيم بتاتاً، فلبوا دعوته وذهبوا معه. وعزوه. أما خديجة فاتجهت لغفير رحيم الذي استقبلها برفقته. حينما دلف رحيم للداخل شبه راكضاً، متغيباً، حتى أبصرت وعد. ذهب الشباب بعد ذلك مغادرين، رافقهم رحيم لسيارتهم مع وعد. ودع خديجة بحزن تخلل شغاف فؤاده لبراءتها وأخلاقها ورجاحة عقلها رغم صغر سنها.
مضوا الشباب بطريقهم. فنظرت وعد لرحيم وهمست باسمه وهي لا تدري بما ستقوله أو تبرر أو بما تبدأ، وهل سيغفر لها ذاك العاشق. رفع رحيم كفه بوجهها وهو يستدير مغادراً هاتفاً بحنق: "مش عايز حديث دلوقتي يا حضرت الظابطة. همي وراي، مينفعش تقفي كِده." سارت وعد خلفه بصمت وحزن حتى دلفا للدار. "اللهم أكثر مالي، وولدي، وبارك لي فيما أعطيتني."
ساعات مرت وها هي تتوق لرؤية طفلته بشوق شديد وحنين. تقف بالخارج ناظرة، تترقب الطريق بصمت تام، وعينين تشتاق وروحاً تهفو. كأن الوقت واقفاً والساعات لا تمر، كأنها سنين وما شابه ذلك. لذا كانت عينيها لا ترى أحد بالوجود، لا المارة أو السيارات التي تذهب وتجيء. فقط تتجسد صورة طفلتها لوجهها الضاحك أمام عينيها بكل الوجوه.
هااا هو القدر يرفق بحال فؤادها المطعون وينقذه من موت محتم. أذ أن توقفت السيارة وترجلت خديجة راكضة تجاه والدتها. ووقفا ياسين وعثمان بجانب بعضهما، عاقدي الذراعين، مشرقي الوجه، باسمين بسعادة تغمر صدورهما، وهم مستندون على السيارة ينظرون لذاك الموقف الذي يقدر بكنوز الحياة جميعها.
ذراعيها تتلقفها بشوق كبير وهي تضمها لصدرها بقوة حتى سقطت على الأرض كمن أصيب بالعجز فجأة. تقبل كل إنش بوجهها. سعادة نفسها وروحها ووجدانها وقلبها تغمدتها ببهجة ليس لها مثيل. بهجة سرت بمهجتها وروعه لتفعل فيه عمل السحر أو أشد. اقتربت لمار لتضم خديجة لحضنها، وخديجة أيضاً. وكذا فعل الفتيات. وحذوا حذوهم يوسف وفيكتور وحذيفة. أما عمرو كان يقف بعيداً بأعين تلمع بالدمع، لا يصدق أنه كاد يفقدها، ولا يصدق عينيه أنها أمامه. جالت
عيني خديجة بهم وهي تهمس: "هو بابااا فين؟ بحث الجميع بعينيه حتى أشارت مكة قائلة لمكان يبعدهم قليلاً: "هناك أهو." افتربت خديجة من والدها بصمت تام، ووقفت أمامه بصمت قبل أن تقول: "هو انت زعلان مني؟ هز عمرو رأسه وجثى على ركبتيها يضمها وحملها وهو يدلف به للداخل، فتعقبه الجميع. "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات، ورب الأرض، ورب العرش الكريم."
دلف أنس إلى شقته بعدما اطمئن على والدته ووالده وصعد لأعلى. بعد عمل شاق أصبح يقضي جل وقته به حتى لا يعود لذلك الألم وهو يشعر بتأنيب الضمير بالعجز والحزن مصحوباً بالوجع والجرح وألم الحنين لمن توغلت سويداء القلب فأصبحت وتينه، الذي إذا انقطع مات من فوره. احتلت فؤاده ليس جزءاً منه، بلا كله، حتى جدرانه أصبحت تنطق باسمها. يعلم أنه من الخطأ أن يفكر بها، ويا ليت له القدرة على قلبه ليمسكه بقبضته وينتزعها من أوصاله، لكن كيف؟
يعلم أنه ظلم زوجته. حاول بشتى الطرق أن يحبها، لكن أبى قلبه أن يعشق غير معشوقته. ليستدرك أن حبها لعنة لا يمكنه النجاة منها أبداً. أستقبلته هي ببسمة مشرقة قائلة بنبرة رقيقة: "حمد لله على السلامة. عامل إيه؟ قلقتني عليك والله كل دا حتى من غير ما تتصل! غصة مريرة استحكمت حلقه فخنقته بشدة وهو يشعر بالذنب، ذنب شديد لتلك الزوجة. أغمض عينيه متنهداً، وبسمة خفيفة صغيرة مصطنعة جاهد على رسمها وهو يقول باسماً:
"الله يسلمك. معلش شغل، أنتِ عارفة شغلي بقا." قالها وهو يدلف للداخل وهي خلفه تهمس: "عارفة. ربنا معاك يا رب." ثوانٍ وهحضرلك الأكل. هز رأسه قائلاً: "لا روحي أنتِ، أنا هستريح الأول. جعان نوم." واستلقى على السرير واضعاً ذراعه على عينيه هارباً منها.
أحست زينب بالوجع. لم يهتم بها، مجرد تأدية واجب. لعل هناك من تحتل قلبه غيرها. أجل، إنها فتاة وتشعر بذلك، لكن لن تستسلم. فقد أصبح زوجها رفيق دربها، قوتها وشجاعتها وأمانها. لن تتخلى عنه، ستفعل جل ما بوسعها لتحتل فؤاده الكبير المفعم بالحنان. لقد رزقها الله بزوجاً كانت تتمناه. حسناً، بعض من الوقت لن يضر، ستحاول جاهدة على إخراج عدوتها من فؤاده. ستصبح هي ملكة قلبه وحياته ومحورها.
تنهدت وهي تخرج متجهة للمطبخ، تعمل له جل ما يحبه ويشتهيه، بعدها اهتمت بحالها. لكن هل تستطيع زينب احتلال قلبه وإخراج سمر منه؟ "اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت." تجمهر الجميع حول خديجة التي اشتاقوها بشدة. البهجة لا تسع أفئدتهم والضحكة لا تفارق وجوههم المشرقة. خلقت خديجة روحاً من المرح والسعادة التي افتقدوها.
استرقت السمع للفتيات اللاتي يتحدثن عن عثمان بخفوت شديد، لتطرق بذهنها فكرة، فأسرعت بتنفيذها. أبعدت ذراع لمار التي يحاوطوها وتوجهت ناحية عثمان الذي يتحدث مع ياسين باهتمام، لتشد جاكته وهي تناديه هامسة: "عثمان، عثمان." تنبه لندائها ليميل قليلاً عليها وهو يقول: "عيون عثمان. نعم." رفعت ديجا ذراعيها محاوطة عنقه وهي تستدرك أن أعين مكة عليهما الآن، وهمست بجانب أذنه بصوتاً لا يسمعه إلا هو، ولكنها لم تدرك أن
ياسين يسترق السمع إليهم: "أنا عايزة آكل آيس كريم دلوقتي." أبعد عثمان بوجهه وهو ما زال محاوطها بذراعيه وهمس متعجباً: "آيس كريم ودلوقتي...... قاطعه ياسين، قاطباً حاجبيه مزهولاً: "من امتى وأنتِ بتأكلي آيس كريم." صمتت ديجا ملياً بتفكير وهمست ببراءة ونبرة صادقة: "من سوسو وعمو الملبوس." نقلا الشباب النظر وهمسوا مدهوشين بصوتاً واحد: "ملبوووس؟ أومأت خديجة بإصرار:
"أيوه. ويلاااا خرجوني فسحوني لوحدنا وهاتولي آيس كريم." وتصنعت البكاء وهي تكرمش وجهها متصنعة الحزن: "ولا أرجع أتخطف تاني يعني؟! رفع عثمان حاجبه هامساً بدهشة: "تتخطفي عشان آيس كريم." ضحكة برقة قائلة وهي ترفع ذراعيها تدعيه ليحملها: "أيوه هتخطف وأمشي. مش عاوزاكم. ويلااا." حملها عثمان وهو مقبل وجنتها. هم بالرحيل بها وهو يقول: "هخرج أنا وخديجة شوية." أومأت ورد وعمرو باسمين. لتهمس خديجة ناظرة للفتيات: "لوحدنا، لوحدنا."
رمقتها مكة بنظرة غيرة مفعمة بالغيظ، بينما نهض خلفهم ياسين: "ثواني جي معاكم." ضمت ديجا عنقه وهي تضع رأسها على كتفه. وأخرجت لسانها لـ مكة. قهقهوا الفتيات، بينما هاجت مكة وهي تنهض محاولة إمساك خديجة. ليتمسك بها الفتيات قابضين على ذراعيها يعاودونها للجلوس. تابعت خديجة ضاحكة وهي تقبل عثمان عدت مرات وتغيظ مكة. فضحك الفتيات حتى أدمعت أعينهما، واستشاطت مكة غيظاً وغيره. خرجت خديجة مع الشباب. فذهبوا طالبين لها آيس كريم.
نظر ياسين لها بعدما سأله البائع ما الطعم الذي يريده: "عايزة بطعم إيه؟ همست خديجة وهي تتذكر سجى: "عاوزة بطعم المانجا والشكولاتة." تنحنح عثمان مبتسماً وهو يطلب لها بصمت تام. بينما تسمر ياسين موضعه. ولاحت بعينيه نظرة وجع مصحوبة بحنين لأيام فاتت لن تعود. سيبقى لها أثر مهما حيي. ذكريات جميلة قابعة بسويداء قلبه مع من ملكته منذ أن حملها بين ذراعيه وهي طفلة صغيرة. بكى قلبه اشتياقاً ودق قلبه وجعاً.
عادا للمنزل، بينما ياسين يسير جسداً بلا روح. كل ذكرى، كل همسة ولحظة تضيء أمام عينيه، كأنه يحياها من جديد. "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين." بغرفة الفتيات تجمعوا سوياً، جالسون على الفراش يتحدثن بعمل عائشة بإحدى الشركات، حتى دلفت خديجة وهي تأكل آيس كريم وقالت مغيظة إياهم: "يا بنااات معايا آيس كريم." تعلق الأعين بها، بينما نهضت مكة بسخط منها وقبضت على معصمها صائحة:
"بقا يا زفتة بتغيظيني وتبوسي في الموز اللي تحت دا؟ إيه يابت أنتِ؟ عايزة تشليني صح." هزت خديجة رأسها ببراءة: "لا أنا وعثمان هنتجوز." ضغطت مكة على معصمها قائلة: "تتجوزي مين يا بت أنتِ؟ اتجننتي؟ قال تتجوزيه قال. كنت كلتك بسناني." نظرت خديجة ناحية الباب صائحة: "يااا عثمان الحقني من أمنا الغولة." تركت مكة يدها بخوف وهي تتلعثم وتنظر للباب ببطء: "لا والله أنا معملت...... لم تجد أحداً وظهرت خديجة تغيظها على الباب:
"يا أمنا الغولة هتجوزه أنا." ركضت مكة خلفها، وسبقتها خديجة بالركض حتى ظهر أمامهم عثمان، لتتواري خديجة به هامسة: "الحقني يا عثمان، عايزة تضربني." حملها عثمان بخفة هامساً بتساؤل مصحوباً بسخرية: "مين دي اللي تضرب مراتي وأنا عايش." جزت مكة على أسنانها وهي تتخصر وتتوعد لـ خديجة التي هزت منكبيه قائلة وهي تشير على مكة: "أهي البت دي." قبل عثمان وجنتها هامساً: "سيبك منها، البت دي." همست خديجة: "صح عشان هي أمنا الغولة."
استشاطت مكة غيظاً وضربت الأرض بقدمها عدة مرات واستدارت متجهة للغرفة. فقهقهوا عليها الفتيات. "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك." "# استني يا ورد." نطقت بها لمار قبل خروج ورد من غرفتها برجاء. فأستدارت ورد لها قائلة ببسمة صافية: "نعم." تقدمت لمار ممسكة بكفيها وقالت بحنان أم: "متزعليش من آخر كام يوم، كنت بقولك كدا من خوفي والله. متزعليش مني." ابتسمت ورد براحة وهي تضم كفيها وتشير لها بعينيها:
"هو في بنت تقدر تزعل من مامتها؟ أنا عارفة إنك مكنتيش أنتِ بتتكلمي، دا كان خوفك على بنتك. خديجة مش بس بنتي دي بنتك كمان وأنا عارفة الإحساس ده. وعشان كدا أنا خلتها تنام معاكِ النهاردة." ضمتها لمار بدموع تلمع بعينيها، وسعادة نفس وراحة قلب وسكينة روح بأمان وحب وحنان. "# يا أدي النيلة! خاينة في بيتي وأوضة نومي. لا كده كتير، مينفعش." قالها أدهم بمشاكسة وهو يدلف للداخل.
لتنظر له لمار وورد وخديجة وهي تقترب من لمار التي ضمتها بحنان. ابتسمت ورد قائلة: "طب هستأذن أنا بقا." قال أدهم بمرح: "بالسلامة يا أختي، خدي بنتك معاكِ، أكيد نسيتيها صح." تعلق خديجة بـ عنق لمار أكثر لتهمس لمار وهي تنزلها: "دقيقة يا حبيبتي. بقولك إيه يا عم انت." نظر أدهم بحب: "قلبه." اقتربت لمار برقة، ليتغيب هو بعينيها هائماً بطفلته المدللة وزوجته. دفعته لمار للخلف بحدة وهي تغلق الباب وتدفع ورد للداخل:
"لمؤاخذة يا أدهومي، أنت اللي تطلع بره، هنام مع بناتي النهارده." صاحت ديجا مصفقة، بينما انفجرت ورد ضاحكة بشدة. وصاح أدهم بالخارج مغتاظاً وهو يتمتم وهبط منضماً للشباب الذين انفجروا في الضحك وقد تناهى لمسامعهم طرد لمار له. أوى للفراش لتضمهم لمار بحنان وراحة وسكينة، تسأل الله أن يحفظهم لها ويحفظ تلك السعادة.
بينما ورد كانت تشعر بالأمان والراحة، وغفوا ثلاثتهم بإطمئنان، كأنهم لم يناموا من فترة. وحقاً لم يغمض لهم جفن منذ اختفاء خديجة. "اللهم إني أسألك [اليقين] [والعفو] والعافية في الدنيا والآخرة." ترقبت حينما هدأ الجميع للنوم، لتتسلل خارج غرفتها وهي تعدل حجابها على رأسها، متجهة لغرفة عثمان. فقط تريد التدريب. ماذا لو حصل معها شيء بالمستقبل أو تعرضت لشيء كهذا؟ ماذا لو اختطفت مرة أخرى؟ ستتدرب مهما كلفها الأمر.
أردفت ريقها بتوتر شديد وهي واقفة أمام باب غرفته، تغمض عينيها تحاول طمئنة ذاتها. فتحتهن وهي تأخذ نفساً بصوتاً عالٍ، كان الأكسجين سيزول بعد قليل. مدت يدها لتطرق الباب، ولكن ارتجفت يدها بتردد. ترددت كثيراً أن تطرق وتعزم ما نوت فعله، أو تعود أدراجها من حيث آتت. عزمت أمرها وطرقت الباب بتنهيدة قلقها. عدت مرات. لحظات وكان الباب يفتح بعنف، ويطل هو أمامها بشراراً يتطاير من عينيه لمن أيقظه ما أن غفت عينيه وعرفت للنوم سبيلاً.
غضت بصرها وأنعقد لسانها وتحير فكرها، ولم تدري ماذا تقول. لذا فركت أصابعها بارتباك وهي تتحاشى النظر بعينيه. عقد ذراعيه رافعاً حاجبه بدهشة من وجودها أمامه. هم بالحديث، ولكنه أحس بالقلق. فيبدو أن هناك أمراً ما، أمراً مهماً للغاية لتأتيه لغرفته دون أن تنتظر صباحاً حينما يهبط للأسفل. تقدم بقلق واقفاً أمامها سائلاً بلهفة: "مكة!! إيه في إيه؟ في حاجة ولا إيه؟ أنتِ كويسة؟ لم تجب، لم ترفع عينيها حتى. فصاح بنفاذ صبر:
"رددددي بقولك! في إيه مااالك؟ رفعت بصرها به هامسة بصوتاً مرتجف هادئ: "كنت عايزة أطلب منك طلب." قطب حاجبيه متسائلاً بدهشة وهو يرمقها بنظرة مفعمة بالحيرة: "طلب إيه دا؟ قولي في إيه؟ لم تتكلم، وعم الصمت واستحكمت تلك اللحظة. ضحك هو متذكراً شيئاً. فنظرت له بدهشة وتعجب من ضحكته التي ليس لها سبب. هدأت نوبة ضحكته وهو يقول بمرح مصحوباً بالمشاكسة، ليسير حنقها: "متقوليش جاية تنفذي اللي سمعتك بتقوليه لأسماء."
قهقه بصخب ما أن أنهى جملته وهو يغمز لها مستمتعاً بغيظها الذي ثاره. اتسعت عينيها وتجلت بهما نظرة صدمة مفعمة بالدهش، وفغر فاهه مصدومة، لا تصدق ما لفظ به للتو. ماذا قال ذاك الوقح؟ استشاطت غيظاً وخجلاً بآن واحد وتوردت وجنتيها. فضربت الأرض بقدمها بطفولة وهي تتصنع البكاء لتوري حياءها وصاحت به بتذمر: "تعرف إنك قليل الأدب وأنا غلطانة إن جاية أقولك تدربني عندك." رمقته بنظرة ساخطة وهي تستدير لتغادر. "# تدربي؟ تدربي إيه بس؟
أنتِ هتقدري تستحملي أصلاً! أنتوا كل همكم شكلك ومنظركم وبس." استدارت له غاضبة وأشارت له بقوة وشجاعة: "ومين قالك أصلاً إننا للمطبخ والميكب والفساتين والاهتمام بمنظرنا وطبخ وغسيل بس؟ رمقها بسخرية يؤكد لها حديثه، لتشير هي له بتحدي: "مكنتش عمتي دلوقتي أقوى من مائة راجل وعملت اسم بيخلي المجرمين يترعبوا كأنهم عيال صغيرة." ابتسمت له بكبرياء وتحدي:
"وأنا هوريك إننا مش بس للي بتقول عليه، وهوريك إني هدرب وهبقى أحسن منكم كلكم، مش ليا بس عشان لما أشوف حد محتاج مساعدة أكون مستعدة أقدمها من غير خوف أو جبن." لم يستطع اخفاء إعجابه بقوتها وكلامها ذاك. ولكن زالت تلك البسمة ليحتل الغضب والشرر مقلتيه وتبرز عروقه حينما قالت وهي توليه ظهرها مغادرة: "غلطانة إن جيتلك تدربني. هشوف ياسين." "اه والله أنا غلطانة وأستاهل. إيه اللي جابني للاخ المتكبر دا." "ياترى بيعاملني كدا ليه؟
شمعنا خديجة يعني؟ إيه ده؟ أكون قتلتله قتيل." كانت تتمتم بهذه الكلمات وهي مغادرة، إلى أن تخشبت مكانها بخوف حينما صرخ بغضب ولهجة صارمة: "استنى هناااااا! رايحة فين؟ مخلصتش كلامي." بلمح البصر كان يقف أمامها والغيرة تكاد تحرقه مكانه. نظرة له بخوف شديد، ليجز على أسنانه قائلاً: "الساعة ستة تكوني تحت في أوضة التدريب. فاهمة." حملقت به بعدم تصديق وأعترتها الصدمة. ليردد سؤاله بحدة وصوتاً عالٍ قليلاً: "فاااهمة."
همست وهي تتراجع للخلف بعشوائية هاربة من أمامه غضبه وجحيم عينيه، تهز رأسها: "آه آه آه فهمت طبعاً فهمت." أستدارت سرعان ما صرخت بتاوه وهي تتحسس جبينها من قوة الاصطدام بالجدار. قال هو باسماً: "أنتِ محتاجة إعادة تأهيل للمشي والكلام ولعينيكِ، لكلك على بعضك." غمغمت قائلة وهي تدفعه بغيظ: "حسبي الله ونعم الوكيل." "# بتقولي إيه؟ صرخ بها محذراً. لتتلعثم هي قائلة: "ولا حاجة." واستطردت بأسى: "هو مينفعش يبقى التدريب في الظهر يعني؟
أصحى ستة إزاي." ببرود، ولاها ظهره مغادراً وهو يقول: "الساعة ستة بالظبط تكوني قدامي، وإلا العقاب هيبقى أشد." وألتفت رامياً نظرة مسلية، لتتمتم هي تلعن اللحظة التي قررت بها التدريب على يديه. "اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة." يجلس زين واضعاً رأسه بين كفيه، بهم شديد، مستنداً على مكتبه.
الحزن كسى وجهه. بذل جهد عظيم بالبحث عن خديجة بلا جدوى، كأن الأرض انشقت وبلعتها. يحمل نفسه مسؤولية اختفاءها، ولكنه مشكوراً لها، فبسببها توصل لأفعال عمه ويجب أن يضع له حداً.
جحافل من الأسئلة استقرت بذهنه. القلق ينهش بصدره والألم يمزق صميم الروح. يشتاق لخديجة ويخشى أن يكون قد حصل لها شيئاً. يتمنى فقط أن تكون بخير. ومن كلفهم بالبحث عنها يجودها لتقر عينيه ويهدأ قلبه وتجف دموع حبيبته التي لا ترقأ لها دمع منذ غياب تلك الطفلة التي امتلكتهم.
_تبكي سجى بقلب أضنته الندوب وأضنتها الأيام، بروح فاقدة للحياة ولجل شيء. لا ترقأ لها دمع. تشتاق لتلك الصغيرة التي رسمت البهجة على وجهها وجعلتها سرت بمهجتها. تلك التي تخللت شغاف فؤادها التي لم تتمنر عليها وأحبتها دون أن تهينها أو تمسها بكلمة. سوى بسبب عينيها الكفيفة، كما يحدث دوماً. ويسموها العمياء، كلمة يطلقونها بها على سبيل المرح واللهو والمزاح، لا يدرون أنها تسبب ثغرة بسويداء القلب، ذو جرح غائر لا يزول، وندوب بصميم
الروح تقطعها أرباً، كخنجر استقر بوسط فؤادها جاء بغتة دون إنذار أو استئذان. إنها كلمة لا يدرون أنها تميت فؤادها. لتظهر لهم أنها غير مهتمة وبداخلها آهات لا يعلم بها إلا الله. تنتظر فقط أن يجيء ليلها لتعتكف بغرفتها، تاركة العنان لدموعها. عالم خاص قد صنعته لنفسها لتهرب متى شاءت إليه، حيث رفيقة دربها تلك الوسادة التي تستقبل دموعها بقلب رحب. وتلك النجوم الساهرة تبصر حال قلبها.
أما خديجة فقد ضمتها بحنان واحتواء أشد. حقاً قد غفت تلك الليلة بأمان غريب، دون كوابيس أو شيء يزعجها، دون صراخ، دون وحدة أو شعور بفراغ فؤادها وروحها وأيامها بلا حياتها. حياتها الحالكة، تلك فجأة ظهر نور بعيداً، كأنه كوكب دري أو نجم ساطع بسماء خاوية إلا منه. يلمع بمفرده، كانت هي خديجة. _منشغل الذهن بمن رحلت دون وداع وتركته لوحدته بمفرده، وذاك الحنين القاتل.
يتمدد ياسين على الفراش واضعاً ذراعه على جبينه، يحاول النوم، لعله ينسى قليلاً وجع قلبه. يريد الصراخ أن يهدأ من أوجاع قلبه. علا رنين هاتفه منتشلاً إياه من دوامته الخاصة الموجعة. ليزفر بضيق، معتدلاً بجلسته، ونظر بالهاتف ليجد رقم غير مسجل. تنهد مغمض العينين وهو يجيب: "الووو السلام عليكم.... لم يأتيه رد، فصمت ثوانٍ وقال وقلبه يخفق بشدة: "الووو؟ من معايا؟ وثب واقفاً بأعين متسعة و....
لدي سؤال ضروري رأيكم به "ما رأيكم بقرار أنس؟ هل أنتم معه او ضده؟ " خاصةً وإني أعرف ناس بتحب من طرف واحد وتجوزت حد مش بتحبه وظلمته بمعني أنا مش ضد الفكرة، ولكن كان يدي نفسه فرصة مثلاً أننه يحاول ينسى عشان ميظلمش حد. فـ رأيكم إيه في أنس، هل هو غلط لما اتجوز وهو ما زال بيحب سمر وشايفين أنه هيكمل مع زينب ولا لا، وهل في نصيب بينه وبين سمر بجد؟ رأيكم يهمني جداً. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...
"اللهم إني أعوذ بك من فتنة النار وعذاب النار، وفتنة القبر، وعذاب القبر، وشر فتنة الغنى، وشر فتنة الفقر. اللهم إني أعوذ بك من شر فتنة المسيح الدجال. اللهم اغسل قلبي بماء الثلج والبرد، ونق قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب. اللهم إني أعوذ بك من الكسل والمأثم والمغرم."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!