الفصل 13 | من 31 فصل

رواية دموع العاشقين الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ندى ممدوح

المشاهدات
19
كلمة
8,027
وقت القراءة
41 د
التقدم في الرواية 42%
حجم الخط: 18

تأخذ وعد الطرقة ذهاباً وإياباً، تنتظر رحيم الذي خرج من ساعات ولم يعد. تأخر كثيراً، وليس هذا عادته. تنهدت بضيق، وهي تحسم أمرها بأن تدفعه الثمن غالي جداً، وستجعله يندم لا محالة. ستجعله يعلم معنى كلمة عائلته وبلده وانتمائه، والمحافظة عليها. ابتسمت بمكر ما أن وقعت عينيها عليه وهو يتجه لصديقه الجالس. لم يطل الوقت، وبدأ العزف على عود صغير. اندمجت مع موسيقاه بفرحة، والملثم لا يفارق مخيلتها. لتنتبه لذاتها، وتنظر قليلاً تجاه رحيم. اندفعت خارجة من المنزل نحوه مباشرةً.

وقفت أمامه مترددة، حائرة، مرتبكة. لا تدري لماذا كل ثباتها يتسرب كأنه لم يكن يوماً. متى كانت هكذا؟ وقف رحيم بدوره، ناظراً لها بعجب على وجودها بالليل هكذا. بادر متسائلاً: "أيه في؟ وليه صاحية لدلوج؟ وليه من أساسه مهملة أوضتك؟ أدار رأسه بغضب وأشار لغفير بالذهاب. ليذهب على الفور. تنهد رحيم وهي يجدها محدقة به فقط. فقال بمزاح، لأول مرة يمازح أحداً، حتى غادة، فقد كان دائماً صلباً غاضباً، يقضي وقته بالعمل:

"عجبك جوي كِده لدرجة متشيليش عينك عني؟ خفق قلبها، وأخذ صدرها يعلو ويهبط، وهي تفرك أصابعها بتوتر شديد. أغمضت عينيها، بلعت ريقها وهمست: "أأصل هو يعني؟ قاطعها قائلاً بتساؤل وعيناه تحسها للحديث: "يعني إيه؟ جولي اللي رايده، سامعك أهوو." عيناه الحادتان كانت تربكها كثيراً. فكانت تغمض عينيها حتى لا تتلاقى عيناه، ولكنهم يتلاقوا دون إرادة منهما. أخذت نفساً عميقاً. ليرمقها بتعجب قائلاً: "واااه، كل دا عشان تخبريني؟

دا بين أنه موضوع صعب جوي. تعالي نتمشى بالجنينة وخبريني." تخطاها، ليلتفت ويجدها كما هي فعلاً. صوته قائلاً: "يا بشمهندسة". استدارت له ليشير لها بالسير. فتسير بجانبه بصمت تام وحياء شديد. لتقطع أخيراً صمتها، قائلة بنبرة متلعثمة وهي تنظر له: "كنت عايزة أقولك حاجة بخصوص قاسم جوز غادة." وقف مستديراً لها، ليقف أمامها مباشرةً، وقطب حاجبيه قائلاً بنبرة متعجبة: "قاسم؟ ماله خير؟ في حاجة ولا إيه؟ في حاجة حصلت معرفهاش؟

استجمعت وعد ثباتها وهي تنظر بعينيه، قائلة: "حاسة أن وراه حاجات خطيرة. أنت كده بترمي أختك في النار. لازم تعرفه كويس وتعرف حياته ماشية إزاي، وأعرف ماضيه وحاضره. هتلاقي بلاوي! ابتسم رحيم بسمة صغيرة ليخبئها، قائلاً بغموض: "مش رحيم اللي تخفى عليه حاجة. أطمني. وأختي أفديها بروحي وعمري. ما أوديها النار بأديه. مش والد لقناوي اللي حد يضحك عليه. قبل ما يفكر كده يكون محضر كفنه أحسن له." صمت قليلاً، وأكمل بتساؤل وهو يضيق عينيه:

"بس أنتِ ليه بتجولي كده؟ مفيش أخ يسلم أخته لواحد ميعرفوش؟ قاسم شخص زين قوي، وكومان هو من طرف عمي وشاب أخلاقه كويسة." "عايزك تطمني. أختي في عيوني، دي بنتي قبل ما تكون أختي. واللي يفكر يأذيها أمحيه من على وش الأرض. متجلجيش، كل حاجة ماسكة بيدي." قال آخر جملته وهو يكور قبضة يده بمعنى التمسك، وغموض بمقلتيه.

عم الصمت المكان. لم تكن تدري ما قاله وما يعنيه، ولكن كرهه قد زاد بقلبه. فقد أحست أنه لا يهمه أخته، وأن مصلحته وجمع المال أهم. تنحنت قائلة بجمود وكره: "طب تمام، هطلع أنا." وتابعت قائلة بفحيح: "بس خلي بالك. العين عليك، والشر عمره ما بيدوم. وفي عاصفة هتهب عليك، هتخسرك كل اللي بنيته وجمعته، وهتسافر قريب." ابتسمت له بسخرية وأسرعت خطواتها للداخل.

ظل نظره مثبت عليها، إلا أن دلفت بزهول وتعجب وصدمة في آن واحد. لم يدري مقصدها. عاصفة؟ شر؟ يسافر؟ عن ماذا تتحدث؟ والأهم، ما ذاك الكره؟ زفر بضيق وهو يقول: "ياترى حكايتك إيه يا ميار؟ أكتر حاجة بكرهها الكذب، ومبعرفش أسامح. وأنتِ استوطنتي بقلبي." تنهد وهو يرفع نظره للسماء. دقائق، وصدح رنين هاتفه ليجيب مبتسماً بمكر: "الوو؟ السلام عليكم. مين معي؟

قالها وعلى ثغره ابتسامة بهجة تسري بمهجته، وأندفع لغرفته، ولج بها وهو يتمدد على الفراش، وقال بجدية مصطنعة: "لا، الصراحة مش فاكرك. مين أنتِ؟ قالت وعد بيأس ونبرة حزينة: "مش أنت الملثم؟ بجدية، أومأ برأسه كأنها تراه، وقال: "أيوا أنا. أنتِ مين بقا؟ أزدردت وعد ريقها قائلة بحزن وطفولة: "أنت نسيتني؟ على العموم أنا ميار اللي انقذتها النهارده. كنت حابة أشكرك." شكرته وعد، وأخذ الحديث مجراه عن الحادثة وما حصل معها.

بالحافلة، طفقا ياسين وعثمان ينطلقون للقاهرة بعدما اطمئنوا على وعد. جلسوا بجانب بعضهما، وكلا منهما منشغل الفكر بمن ملكة الفؤاد وسكنته، لتصبح أسيره به للأبد. علا رنين هاتف عثمان وأجاب تلقائياً: "الوو؟ السلام عليكم." لم يأتيه صوت، ليكرر سؤاله مرة أخرى: "الوو... الوو... مين معايا... الوو." جاءه صوت أنفاسها الذي عشقه حد الجنون، وهمس هائماً: "مكة؟ صمت هو الآخر بإستمتاع، وها قد أصبح متيقناً أنها هي. فتنهد قائلاً:

"طب ردي بدال ما أقفل. عاملة إيه؟ كلمة واحدة هي كل ما نطقت به، كانت كفيلة لتذيبه عشقاً وتروي ظمأ قلبه قليلاً، للغايه: "تمام." وأغلقت فوراً. لينظر للهاتف بصدمة، سرعان ما ضحك ساخراً وهو يقول: "مجنونة." أرجع رأسه للخلف وهو باسماً. فجأة أحس بأعين ياسين محدقة به، وهو يرفع حاجبه وقال بغيظ: "مالك يا عم العاشق؟ كلمة عملت فيك كده ليه؟ يعني فين اللي تعلمته؟ بنفي، قال عثمان بتردد: "مفيش حاجة يا ياسين. كلمة إيه وعشق إيه بس؟

بسخرية، همس ياسين مازحاً: "أيوا أيوا، هو حدا قال كده. عشق إيه دا؟ قال يعني مبتحبش. " ضرب بيده على قلبه وتابع: "قال يعني دا مبيحبش. أنسي يا عثمان، وحب مكة كويسة ومش هتلاقي زيك. تحسها طفلة كده بريئة جداً ورقيقة وحساسة. إنسانة جميلة بمعنى الكلمة." قبض راحته بغيرة شديدة وجز على أسنانه قائلاً وهو يلكمه بحدة: "خليك في حالك عشان مزعلكش؟ تنهد ياسين وهو يغمض عينيه:

"يا عم أنا مالي ومالك، بس متبقاش تيجي لما تخسرها وتندم يا باشا." أغمض ياسين عينيه، لتقفز بذهنه ذكرى... ذكرى لم تكن عابرة أبداً. ما دامت لها أثر بعد طول هذه السنين، ما زالت تسعده وتنير وجهه وقلبه كلما لاحت. ما زال يعيش لأجلها، وتحيي قلبه الميت. كان يقف ياسين يضم ابنة خالته بحنان ويربت على ظهرها، وهو ينظر بغضب لمدير مدرستها الخاصة للكفيفين. طرقات على الباب، وولوج يوسف بقلق شديد وملامح الزعر على وجهه، وهو يقول:

"السلام عليكم، خير؟ في إيه؟ بنت أختي جرالها حاجة." استمع لشهقاتها، ليستدير ويجد ابنه يضمها بحنان يهدئها. وعلى كفيه دم وملابسه ووجهه. نغزة قلق استحوذت فؤاده، وهو يسرع إليهما، وقال لـ ياسين: "في إيه يا ياسين؟ مين عامل فيك كده ومالها بنت خالتك؟ عيناه أصبحت كالجحيم، وهو يستدير بجسده للمدير ويضرب المكتب بغضب: "مين اللي عمل كده في ابني؟ المدير وهو يحاول تهدئته: "أهدأ يا أستاذ يوسف، ابنك هو الـ... صاح ياسين

بغضب وهو يقاطعه بجنون: "أهدأ أهدأ إزاي؟ مااااال ابني وبنت أختي." مسك المدير من مقدمة جاكته، صائحاً: "مين اللي عمل كده في ابني؟ انطق." ابتلع المدير ريقه برعب من نظراته الحارقة ونبرته، وأشار بيده لركن ما. استدار يوسف وحدق بصدمة بشاب وجهه متشوهاً للغاية، ويمسك ذراعه بألم. ليأتيه صوت المدير ساخراً: "أتفضل، هات حقهم. ولا عشان مش عيالك؟ ابنك يا أستاذ اتهجم على طفل زي ما أنت شايف." نقل يوسف نظراته لـ ياسين متسائلاً:

"أنت عملت كده يا ياسين؟ أومأ ياسين بأدب وهو يقول بأذن فاطمة: "هش، خلاص يا فطومتي. أنا جنبك يا حبيبتي، أهدي." نظر يوسف للمدير وللطفل قليلاً، وبهدوء قال: "المطلوب مني إيه؟ أي تعويض هتتكفل بيه؟ بس اللي متأكد منه أن ابني عمره ما بيمد إيده على حد، غير لو حصل حاجة، وحاجة تستاهل كمان." همس بآخر جملته للمدير، وصاح دون النظر لأبنه: "خد بنت خالتك، وستنوني في العربية، يلا؟ ياسين مقاطعاً: "بس يا بابا؟ صرخ به يوسف وهو يشير للباب:

"سمعت قولت إيه؟ حالاً." خرج ياسين وهو ما زال يحوطها بحنان، حتى بالسيارة. دقائق وانطلق بهم يوسف للمنزل، ودلفا للداخل، لتستقبلهم هالة بفرحة وريم وبسنت، وضج المنزل بأصواتهم وهم يهدئون من فاطمة التي تبكي. لتقص عليهم عن مضايقة أحد الأطفال لها وهي تخرج من المدرسة، وضرب ياسين له. لتشجعها هالة قائلة: "جدع يا واد يا ياسين إنك ضربته." أقترب ياسين يحمل فاطمة من على قدم هالة، وهو يقول ببرود وحدة: "متشلهاش تاني."

خرج يوسف من صمته، وهو يشير لـ ياسين: "ورايا، تعالى ورايا، يلاااا. وكله فوووق، يلا." لحظة، كانوا الفتيات يهرولون للأعلى، وتتعالى ضحكات ياسين عليهم، وهو يدلف لوالده بثبات ويغلق الباب خلفه. وقف أمامه باحترام. فقال يوسف بغضب: "إيه اللي عملته ده؟ بأدب، قال ياسين: "عملت إيه يا بابا؟ معملتش حاجة غلط؟ واحد كان عايز يتأدب، وأدبته." جذب يوسف المقعد وجلس، وياسين أمامه كالمذنب. وقال: "ليه ضربته بالطريقة دي؟ عايز سبب دلوقتي."

رفع ياسين بصره به، وقال بغضب وهو يكور قبضة يده بتذكر: "الكلب كان بيضايق فاطمة، وكان هيوقعها. فعلمته الأدب." نظر له قائلاً: "أنا كده غلط؟ دي فاطمة يا بابا، اللي يبص بس عليها أفرمه تحت رجلي." ابتسم يوسف وقال بجمود: "تدافع عن بنت خالتك، مفيش مانع، بس مش بالهمجية دي." أشار له بعينه للخارج: "أمشي دلوقتي." أطاع ياسين والده، وما هم بفتح الباب، ليقول يوسف:

"خليك دايماً عينها اللي بتشوف بيها، وأياك تمل ولا تزهق بسبب عينيها. وخليك دايماً سندها واحتوائها، وأوعى تتغير." أستدار يوسف مبتسماً، ليبادله يوسف البسمة مشجعة. أفاق ياسين بدموع غرقت وجهه، ويد عثمان على كتفه، قائلاً بحزن ووجع: "لسه فاكر يا ياسين؟ هتنسى إمتى؟ مسح ياسين دموعه مسرعاً، ونظر له بجمود، وقال بنبرة غاضبة: "أنسى مين؟ أنسى روحي؟ أنسى الملاك اللي شلته بإيديه أول ما جه على الدنيا؟

ولا أنسى قلبي اللي ضاع لما راحت من بين إيديه وأنا عاجز مقدرتش أعمل حاجة ولا أحميها. أنسى صوتها وهي بتستنجد بيا؟ ولا أنسى نهاري وشمسي اللي بطلوا يشرقوا، وبقيت حياتي كلها ليل؟ أنسى ضحكتها الصافية البريئة الطيبة. أنظر في كل الوشوش حواليك، هتلاقي ضحكتهم خبيثة مليئة بالحقد والمصالح والغل، لكن هي ضحكتها كانت صافية طالعة من القلب."

"أنا قلبي مات يا عثمان، مش قادر أنساها. لو بس ترجع، أنا بحاول بس مش قادر. عايز بس أشم ريحتها، وأخدها في حضني. عايز أحميها وأكون العين اللي بتشوف بيها. أنا بتحرق يا عثمان، والنار قايدة مولعة." تنهد وهو ينظر له بوجع، وأعينه يغشاها الدمع والعذاب، ونبرة ميتة متألمة قال:

"وحشتني، وحشتني أوي. مش قادر والله، وحشتني بقدر ملهوش وصف ولا حدود. هي عايشة جوايا. لو بس تيجي، هضمها ومش هسيبها تبعد لحظة عن حضني. مش هسمح لحد يفرقنا. بس ليه ماتت وسابتني؟

ريحتها وصورتها وضحكتها، براءتها ورقتها عايشين جوايا مش مفرقني. أحياناً بحلم بيها، الحاجة الوحيدة اللي مطمنة قلبي إن بشوفها في حلمي، ببقى مش عايز أصحى. أنا عايش في عذاب من غيرها، مش قادر. العيشة، الدنيا نزعتها مني، ونزعت قلبي وروحي وضحكتي، وكل حاجة حلوة فيا معاها." شعر عثمان بالوجع يتملكه على حال أخيه ورفيقه الذي يموت حرفياً، وهل هناك يوم في أيامه أصبحت متشابهة؟ ربت عثمان على كتفه، وقال بجدية: "وسمر؟ تنهد ياسين بقهر،

وقال: "هتجوزها يا عثمان، دا قرار نهائي." زفر ياسين وهرب مغيراً الحديث، وقال: "الغبى مراد ده، والله لو لقيت لمار فيها حاجة ما هرحمه." قال عثمان مطمئناً: "إن شاء الله خير." بالمنزل، صوت حركة خافتة واصطدام شيء جعل أسماء تنتفض فزعة من نومها. تملكها الخوف، ونهضت لتخرج من الغرفة على أصابع قدميها. فجأة صرخة منتفضة حينما شعرت بيد أحد على كتفها. لتقول مكة صائحة: "هش، دا أنا." همست أسماء برعب:

"خوفتيني يا شيخة، حرام عليكي، قلبي كان هيقف." جاءها همس حذيفة قائلاً: "سلامة، قلبك يا قلبي." شعروا بأصوات مرة أخرى. أقترب منهم يوسف وفيكتور والفتيات جميعاً. ونظر يوسف بحزم لحذيفة: "تأخد البنات وتدخل جوه وتقفل الباب، وخليك معاهم عشان منضمنش ممكن حد يدخلهم." أومأ حذيفة برأسه وجذب الفتيات بحِدة للداخل تحت اعتراضهم. نظر يوسف ببسمة لـ حامد، وغمز له قائلاً بفرحة: "يبدو أننا سنسترجع شبابنا يا رفيق." غمز حامد بدوره قائلاً:

"هو في أجمل من كده لنستمتع." رفعا كفيهما ببعضهما، وأخذ كل شعر بصعود أحد ليختبئ كلاً منهم. في حين ذلك، كان يصعد أحد ممسكاً بسلاح. خرج يوسف أمامه ممسكاً بالسلاح بيده، دافعاً رأسه للخلف ثم للأمام بجبينه، ليرتد صريعاً. وأمسك مسدس الشاب وأطلق على كل من يقابله. وفيكتور يقفز عليهم، ولا صوت سوى تكسير عظامهم وأعناقهم. بالداخل، لطمت حبيبة باكية: "يالهوووي، مين دول وعايزين مننا إيه؟ يارب احفظ لي جوزي يااارب." أنهارت تالا

باكية على الأرض وهي تقول: "أنا خايفة أوي." ضمتها أسماء لحضنها مواسية، وهي تبكي: "مفيش حاجة والله هتحصل دلوقتي. خالتوا لمار تيجي، هي هتيجي عشان أنا خايفة." شعر حذيفة بنغزة في صدره لدموعها التي تكويه وخوفها، ليغمض عينه بألم وهو يقول: "متخافوش والله مفيش حاجة غير كل خير. أنا موجود يا أسماء، متخافيش."

جلسا الفتيات بجانب بعضهما بخوف، بينما تربعت مكة على الأريكة وجذبت طبقاً صغيراً يحتوي على لب وجلست تاكل بتسلية. فنظروا لها بتعجب. لتنتبه لنظراتهم وتقول ساخرة: "إيه مالكم؟ بتبصوا عليا كده ليه؟ أنا يا أختي مش خايفة منك ليه." مدت يدها بالطبق وقالت بغباء: "خدوا تسلوا، محدش واخد منها حاجة. إيه العزاء اللي انتوا عاملينه ده؟ بدل ما كل واحدة تمسك حاجة وتطلع تحارب. يا عيني على الستات اللي ضاعت، يا عيني."

أنفجروا جميعاً ضحكاً عليها. وفجأة، استمعوا لصوت أحد يأتي من الشرفة موجهاً سلاحه نحوهم. ليقفوا الفتيات برعب خلف حبيبة وهالة وتالا، ومكة تأكل غير مهتمة، وحذيفة يقف أمامهم فارداً ذراعيه. نظر الشاب الذين يأتوا واحداً تلو الآخر، وهمس بغضب وهو ينظر بوجوههم: "فين أسماء." جذبت حبيبة ابنتها خلفها بقوة، وأسماء تتشبث بها. لتقف مكة وهي تنفض كفيها ببعضهما، وقالت: "إيه ده، انتوا جايين عشان أسماء؟ طب مش تقولوا من الأول يعني؟

ليه الرعب ده؟ ليه محدش علمكم يعني إنكم تطلبوا الحاجة باحترام؟ نظروا لها الجميع بخوف، بينما رمقها حذيفة بغضب. لتقترب هي منهم بالطبق قائلة: "خد يا راجل، منك ليه، اتسلى. دا لب جميل وعسل أوي." صرخ بها إحدى المجرمين وهو يوجه السلاح نحوها: "قلت فين أسماء؟ انزلق الطبق من يدها، ورفعت يديها مستسلمة، وهي تهمس: "ياا ختي عليا. شكلي قومت عفاريتك ولا إيه؟ أنا أسماء أهوو قدامك بشحمي ولحمي. مش عيب يا خويا تعمل فيا كده؟

بكت بإصطناع وشهقاتها علت: "مش حرام تسيبني أنا وعيالك للناس تنهش في لحمنا؟ ليه كده يا قاسي؟ معندكش قلب." كان الجميع من هول الصدمة لا يتحدث. بينما نظر الرجال لبعضهم وقالوا: "دي مجنونة دي." وأشار أحداهما للآخر: "هاتها." توجه ناحيتها، لتهمس هي وهي ترفع كفها: "، عندك يا باشا. والله ما أنت متحرك، متتعبش نفسك، أنا جيالك." رفع مسدسه بها قائلاً بغضب: "امشي يابت قدامي."

أمسك حذيفة أحداهما، وكال له الضربات. دقائق، وكان بلال يتسلق الشرفة وينضم له بالقتال، وهو يتحامل على قدمه المقدمة بصعوبة كبيرة. بينما مكة أمسكت فوهة المسدس بكفها وهي تدور بالرجل قائلة: "واحد، اتنين، تلاتة، هوووب." دفعته ناحية البنات وصرخت: "انقضوا عليه، اديلووااا." هجموا الفتيات على الرجال أيضاً، يضربون بقسوة. تقدم يوسف من حامد المقبل عليه، وتعانقا. ليهمس حامد بمرح: "استمتعنا مش كده." أبتعد يوسف غامزاً له: "كتيررر...

إحنا لسه شباب يا بني." ضيق حامد وجهه بضيق وتنهد بصوتاً مسموع، بدأ بتفكير وقال: "إذا لسه شباب وبصحتنا، فـ ليه لا؟ "# لا إيه؟ " قالها يوسف بتعجب وذهول. رفع حامد ذراعه محاوطاً به كتف يوسف، وهو يقول ضاحكاً: "نشوف بنتين كده ونجدد شبابنا، بدل الستات اللي عجّزت دي. إحنا لسه شباب، ليه ندفن نفسنا بالحيّ معاهم؟ يوسف بتفكير ورضى: "طب والله فكرة يا بني. اشطا، نشوف بنتين كده عسلات ونجدد. ليه نعجز نفسنا مع الستات دي."

صمت عم المكان، حينما جاءهم صوت آتٍ من خلفهم. أستداروا ليطالعهم وجه تالا وحبيبة. سينفجرون. همست حبيبة بزهول شديد وهدوء: "تالا، سمعتي اللي سمعته؟ هزت تالا رأسها إيجاباً، وقالت وهي تنظر بغضب لـ حامد: "سمعت... سمعت ياااختي." أشارت حبيبة لنفسها بصدمة: "ستات؟ تالا بذات الصدمة: "ودافنين نفسهم بالحيّ معانا." أسماء وهي تتقدم لتقف بجانبهم: "وستات عجّزت؟! عائشة وهي تقف بجانب أسماء: "ويجددوا شبابهم." مكة وهي تقف بجانب

حبيبة من الجهة الأخرى: "هيطلقوكم ويشوفوا بنتين حلوين بعد العمر ده كله." تقدم حذيفة هامساً بجانب أذن تالا وحبيبة، وهو يقف بالخلف: "ياااختي، أمال لو عرفتوا إنهم بيجيبوا ستات في شقة مشبوهة." همست تالا وحبيبة بصدمة: "مشبوهة." حذيفة وهو يكتم ضحكاته: "أيوه، وكانوا يجبروني أستتر عليهم وما أقولش لحد." تقدمت مكة لوالدها، منسكة رأسها، وقالت بزعل مصطنع: "أخص عليك يا ولدي، كل ده يطلع منك؟

وبعد العشرة دي كلها عايز تسبنا نشحت في الشارع ونبيع فل ولا مناديل، وانت عايز تتخلى عنه؟ مكنش العشم. هئ هئ هئ." تصنعت البكاء. تقدمت أسماء، واضعة كفها على منكبها، هامسة بتأثر: "مش عارفة إيه الرجالة دي؟ ياخدونا لحم ويرمونا عضم." نظرت لوالدها بحزن مصطنع: "كده برضه يا بابا؟ عايز تتجوز على ماما اللي شالتك على كفوف الراحة وكانت معاك على الفقر؟ ولما بقى معاك فلوس عايز ترميها؟ تغاضت عن نظراته المحذرة، ونظرت

لوالدتها قائلة ببكاء مزيف: "سامحيني يا ماما، خبيت عليكِ، بس كنت عايزة أحافظ على بيتنا الصغير الجميل، اللي بابا عايز يهده ببساطة ويرمينا نشحت. أنا كنت بسمعه بالليل بيتكلم في التليفون مع واحدة. استغفر الله العظيم يا رب. فيديو يا ماما، بعد ما يتسلل من جنبك زي الحرامي." همس يوسف وهو يشير لنفسه بصدمة وينظر لـ حامد: "حرامي؟! أنا؟؟ وبكلم واحدة؟ أنا ااااه يابت الـ........

ركض الفتيات لأعلى بصحبة حذيفة، وخلفهم يوسف الذي وصل للدرج وتوقف على صوت حبيبة قائلة بصوتاً غاضب: "اقف عندك يا يوسف." تقدم منها بابتسامة قائلاً بخوف: "حبيبتي، متصدقيش أولاد الجزمة دول بيضحكوا عليكي." عقدت ذراعيها وهي تهز قدميها، وقالت بسخرية: "والله... وعلى كده اللي قولته من شوية ده إيه؟ رفع يوسف كتفيه قائلاً: "ده شيطان يا قلبي، ودخل بينا. آه والله." أقترب حامد ملتصقاً به، وهمس وهو ينظر لهم بخوف:

"هما ابتدوا يتحولوا ولا إيه؟ أبتلعا الشباب حلقهم، وهم يتراجعون للخلف يؤيدون. فجأة، صرخ الفتيات وهم يقذفون بوجههم كل ما يقابلهم، وهم يركضون حول المقاعد، يمنى ويسرى، حتى استطاع النجاة من بين أيديهم، وهرعوا لغرفة حامد، مغلقين الباب خلفهم، ليستندوا سوياً عليه وهم يلهثون. ثم وضعوا أيديهم على قلبهم وهمسوا سوياً: "لقد نجونا. We survived." أبتسم حامد قائلاً: "We survived."

ساد الصمت لثوانٍ، حتى انتظمت أنفاسهم المتلاحقة، وهمس حامد وهو يتمدد على الفراش ويضع كفيه أسفل رأسه: "الله، تخيل النهاردة هنام أنا وأنت زي ما كنا زمان سوا، من غير وش ولا رغي كتيررر. يا سلااام." دفعه يوسف بحدة وهو يتمدد بجانبه: "أبعد يا عم كدا! هنخرج إزاي بكرة من غير نكد." تمدد حامد على جنبه وهو يرفع رأسه قليلاً مستنداً على يده، وقال: "هما عندهم حاجة أفضل من النكد؟ نام يا ابني ومتفكرش. دا ليلة ولا ألف ليلة."

تعالت ضحكاتهم، بينما كانوا الفتيات يموتون غيظاً وقلقاً وتفكير. ركض بأروقة المشفى بهلع. ما أن علم أنها قد جاءت، ولكن لماذا؟ دقات قلبه تنبئ أن هناك أمراً ما، أمراً لن يتحمله. يخشى فراقها، فهي له كل شيء. ما أن حادثة أحمد بأنه نقلها للمشفى، وهو يكابد ليبدو بخير، لكن هو داخلياً ليس بخير. فأحياناً هناك وجعاً بسويداء القلب لا ندري كيف نعبر عنه أو نصفه. أمسك يد الممرضة التي تمر من جانبه، يستوقفها وهو يسألها بقلق:

"في مريضة اسمها لمار جت النهارده من المخابرات، ألاقيها فين؟ ردت الممرضة على عجل: "امشي لآخر الممر، الأوضة اللي على إيدك الشمال." ركض أدهم ما أن أنهت جملتها. وقعت عيناه على أحمد يجلس بهم، واضعاً رأسه بين كفيه. هرع إليه بقلب يئن وهزه قائلاً بأعين تترقب: "أحمد، في إيه؟ ليه لمار هنا؟ هي كويسة، مش كده؟ وقف أحمد بتيه، عيناه زائغة، وهمس وهو يهز كتفيه ودموعه تسيل: "مش عارف!

أهتز قلب أدهم برعب، يخشى أن يكون قد أصابها شيء. فأغمض عينيه وهو يقول بتلعثم: "يعني إيه مش عارف؟ لمار حصلها إيه؟ أعاد فتح عينيه ناظراً لـ أحمد الذي قال بتوجس وصوت خافت: "مش عارف... أنا مش عارف حصلها إيه." بجنون، صرخ به أدهم وهو يهزه: "يعني إيه؟ أنت بتستهبل؟! وأستطرد هامساً بخفوت: "هي فين؟

أشار أحمد بصمت بيده لغرفة بجانبه. لينظر أدهم دقائق ويركض نحوها، فاتحاً الباب، ليتسمر مكانه دون أي خطوة، وهو يطالع لمار الراقده على الفراش جثة هامدة. فاتحة عينيها تنظر للسقف فقط، ولا تحرك ساكناً. ليس بها سوى دقات قلب تنبض، وأنفاس خافتة. أما هي فروحها تتمزق. هربت من ذاك العالم لعالم آخر صنعته لذاتها فقط، كي لا يكون معها أحد يوجعها بفراقه.

دنا منها بخطوات وئيدة، وهطلت دموعه بوجع لمرآها هكذا. وجلس بجانبها ممسكاً بيدها، مقبلاً إياهم، وهمس بابتسامة: "لمار حبيبتي، مالك فيكي إيه... حاسة بـ إيه؟ لم يأتيه رد، ظلت على حالها لا يرتجف لها جفن حتى. فخفق قلبه بقلق. وأسرع للدكتور الذي قص عليه حالتها، وأنها بحاجة لطبيب نفسي مختص، لأنها بصدمة شديدة وانهيار عصبي.

علم أدهم في تلك اللحظة أن الكبت الذي بداخلها ها هو ينفجر ويقذف حممه. تلك التراكمات ظلت تمتلئ حتى اكتظت بدرجة مخيفة، وأنهد الجبل، فلم يعد راسخاً، راسي، إنه جمل منهار متشقق. خرج أدهم وأحمد بها من المشفى ليعودوا للدار. ولكن قبل أن تصل السيارة بقليل، تشنج جسدها بشهقة قوية عالية، وهي تحدق أمامها لنقطة ما. صوت انفجار علا فجأة، لينحسر بأذنيها فتصدهم فوراً، وهي تصرخ بجنون بأسم: "أياااااااد! أنا هنا، هطلعك، متخفش!

حاولت فتح باب السيارة، إلا أن أدهم قيد يديها وضمها لصدره، وهي تصرخ بهستيريا وتكيل له الضربات ليتركها. توقفت السيارة بعدما دخلت من البوابة الضخمة عالية الأسوار. ترجلت هي مندفعة، ليصيح أدهم بصوتاً عال للحارس: "أقفل الباب بسرعة." همت أن تخرج، لينغلق الباب أمامها، فأخذت تقرع على الباب وهي تصرخ ببكاء: "افتحوا الباب، أياد هيتحرق، هيمووووت، ياااا أياددد، أياددد يا حبيبي، أنا جاااايه، افتحوااا الباب، حرام عليكم."

ركضت ناحية الحارس وأنقضت عليه. همت بضربه، ليبعدها أدهم واحمد محاولين تهدئتها، حتى شلت قدماها فلم تعد قادرة على الوقوف، وتقع بين أيديهم، فاتحة عينيهم وتردد فقط: "مااااات، مات ابني، مات بسببكم." خرج الجميع ركضاً من الداخل على صوتها، متسمرين أماكنهم. إلا أن ركض يوسف جاذباً إياها بحضنه، وقلبه يكاد ينقلع من بين صدره لمرآها هكذا. # اهدي يا لمار يا حبيبتي، مفيش حاجة، صدقيني. همست لمار وهي ترمش بعينيها وتجف دموعها:

"وعدددد، ماتت بنتي، ماتت أياددد." ابتسمت ابتسامة خفيفة، وأغشى عليها. ليحملها يوسف وهو يصرخ بـ أحمد وادهم، ويشير لفيكتور ليتبعه: "إيه اللي حصلها؟ وعد مالها؟ رنوا على ياسين ولا عثمان دلوقتي، اعرفوا فيه إيه. لو في أي حاجة، قوليلي وأنا هتصرف." وصرخ بالفتيات الذين هجموا عليه: "اوعوا من وشي، الساعة دي محدش يبكي." وضعها على الفراش بحنان وضمها لصدره، وسالت دموعه بوجع لما تعانيه. ماذا مصنوعة هي؟

تحملت الكثير والكثير ولم تشتكي. مشاكل الجميع كانت مشاكلها. تحملت الآلام وحدها. كانت صلبة، قاسية، ولكن تحمل قلباً من ذهب. ما فقدته كانت تعطيه لغيرها دون تأنٍ، دون بخل ولا حقد، حتى يا الله.

شرع يوسف وفيكتور بأعطائها بعض الأدوية. أما الفتيات فأجهشن بالبكاء. فتلك أول مرة يرونها هكذا ضعيفة، هشة، باكية. أجل، إنه أول مرة ذاك الجبل يتزحزح. ولقد سقط بجل حمله وما يعبئه. ولكن هي هي، أمٌ لا يستطيعون الاستغناء عنها. هي سنداً وصدا! منيعاً أمام أي عاصفة مهما كانت قوتها، يتوارون خلفها من أذى الأيام دون خوف. ولكن من تلك الضعيفة التي على فراش الموت؟

تقف بالشرفة، تترقب قدوم طفلتها لتقر عينيها بها وتطمئن. ولكن هل لقرة عينها أن تعود؟ هناك أناس تذهب وتجيء، وسيارات تمر، ولكن لما لا ترى الطرق خاوية؟ ليس بها أحد. لماذا لا تبصر أياً منهم؟ كانت لا تقف عن البكاء، لا يرقأ لها دمع. لا تدري أحية ابنتها، فترجو الله أن يعيدها لها لتفرح. أم ماتت لتحتسب أمرها وتيأس من لقائها.

تنظر يمنى ويسر لعلها تبصرها آتية من بعيد، كما تتخيلها. فقلبها يحترق من فؤادها بسويداء القلب جرحاً غائر، خائفة من أن لن تعود، فستموت حتماً. رفعت مقلتيها اللتين أحاطهما هالة سوداء، ووجهه الذابل كثيراً، ورفعت كفيه بتضرع وهمست بخشوع وثبات وأمل ويقين، ودموعها تنهمر:

"يا رب، استودعتك بنتي، ياررب رجعهالي. وقف في طريقها أولاد الحلال، يارب، واحفظها لي يا رب. هموت لو حصلها حاجة وهي بعيدة عني. ولكن أنت القريب، يا رحمن، أغثها ونجيها. استودعتها عندك يا رب... يارب، أنت المجيب القريب، الحنان، المنان، الكريم، الرحيم. ردها لي وطمن قلبي، أثلجه يا الله برؤيتها. اللهم صلي وسلم وبارك على حبيبك محمد، يارررب."

هناك دعوات قد تخرج من سويداء القلب بيقين وتوكل وأمل وثناء، فتخترق عنان السماء كالسهم، فيتغلل من الأبواب، ليستجيب الرحمن. ما كانت انهت دعاءها وهي تزيح دموعها، حتى علا رنين هاتفها معلناً عن رقم مجهول غير مسجل. ردت بلهفة وهي تهمس بتعب: "الوووو." _ماماااا." نطقت بها خديجة على الجانب الآخر ببكاء، ما أن أحست بدموع وتعب والدتها. أنفطر قلب ورد بعدم تصديق، وهي تحدق بلا شيء. لتسرع خديجة قائلة بعجالة: "ماما، أنتِ تعبانة؟

مالك يا ماما." هبطت دموعها كالـشلال دون توقف، وقالت بتلعثم، وبسمة فرح، ورفعت مقلتيها للسماء ضاحكة: "خديجة، بنتي حبيبتي! أنتِ فين يا قلب ماما؟ أنا أنا هاجيلك، أنتِ فين يا حبيبتي." بعجل قالت خديجة:

"لا يا ماما، متجيش، هيقتلوكِ. أنا كويسة، وعمو الحلو هو خلاني أكلمك، متخافيش عليا. أنا بعمل كل يوم زي ما علمتيني، بحفظ قرآن وبصلي زي ما كنا بنعمل سوا. بس أنتِ متزعليش، أنا هاجيلك قريب. سلميلي على خالتوا لمار أوي وبابا وعلى الكل يا ماما، وقوليلهم إني بحبهم أوي." أنهارت ورد على الأرض، هاجشة بالبكاء، وصوت نحيبها يعلو، وهمست من وسط بكائه: "طب أنتِ فين يا قلب ماما؟ أنا هاجيلك، أنتِ فين يا قلب ماما؟

أنا هاجيلك، متخافيش عليا، هاجي أنا ولمار، اديني عمو." أنقطع الخط فجأة. لم يأتيها صوت، فردت قائلة: "الوووو! خديجة يا بنتي؟ لااااا يا خديجة، متقفليش، يا بنتي لاااا." صرخت بقلب منفطر بجرح غائر بسويداء القلب. بأعين يغرقها الدمع، نظرت خديجة لـ صابر، الذي جذب منها الهاتف. تألم لذاك الوجع الذي رآه بعينها. دقائق، وأنفتح الباب وطل منه رجلاً آخر، وقال بتلقائية: "فيه إيه يا عم صابر؟

كل ده بتديها الأكل، ولا القعدة مع البت دي عجبتك؟ أزدرد صابر ريقه بتوتر وهمس بثبات خرج بجهد عظيم: "ما هو أنا هستناها تخلص، وهجيب الصنية وأطلع." أشار له بيده: "روح أنت، وأنا هاجي وراك." خرج الرجل صافقاً الباب خلفه. ليتنهد صابر صعداء، وهو يضع يده على موضع قلبه. نظر لـ خديجة، التي نظرت له بحزن وهي تكتم دموعها. أبتسم بألم، وهو يجلس على ركبتيه أمامها، وقال بحنان: "متزعليش بس... قاطعته خديجة مستعبرة ببكاء مزق قلبه:

"انت خدت التلفون وكنت لسه مش خلصت كلام ليه؟ دلوقتي ماما تزعل مني." عقدة ذراعيها وشاحت بوجهها بعيداً. أنفطر فؤاده على تلك الملاك التي أمتلكت قلبه بأيام قليلة، وأصبح يخشى عليها بشدة. همس بحزن قائلاً: "ما هما لو شافونا هيقتلونا أنا وأنتِ، فـ كان لازم آخد منك التلفون." أومأت خديجة برضا. لبرق عينيها بلمعة فرحة وبلهفة، قفزت وهي تصفق بيدها وتقول:

"يلاااا، نبدأ. أنهارده هحكيلك عن زيد بن حارثة، حب رسول الله صلى الله عليه وسلم." أبتسم صابر بصدق وجلس وهو يقول بفرحة: "موافق يا ستي، يلا نبدأ." ربت على المقعد الذي يليه: "اقعدي الأول." تنهدت خديجة بصوتاً عال بعدما جلست، ونظرت له قائلة: "مين الصحابي الذي ذكر اسمه في القرآن الكريم؟ ساد الصمت، بينما نكث صابر رأسه بحياء، بأنه لا يدري ولا يعلم شيئاً. هو حتى لا يقرأ أو يستمع للقرآن الكريم قبل ولوج خديجة لحياته.

أبتسمت خديجة وهي تعقد قدميها وتعتدل مقابل له، وقالت بهدوء: "الصحابي هو زيد بن حارثة." نظر لها الرجل باهتمام شديد، وكان ينصت لها بكل حواسه. لتكمل خديجة بقلب مشتاق وروحاً تهفو: "خرجت والدة زيد لزيارة أهلها، فأقتحموا عليهم القبائل المجاورة وأسروا زيد، وباعوه في سوق عكاظ. واللي حضر السوق كان منهم حكيم بن حزام بن خويلد، بن أخو السيدة خديجة، وكان حكيم ثرياً من أثرياء أهل قريش. واشترى زيد وبعض الغلمان، وعاد إلى مكة."

"وعرفت السيدة خديجة بعودة ابن أخيها، فذهبت لتسلم عليه. ففرح رحيم بقدومها له، وقال لها عن الغلمان، وأن من شئت منهم تأخذه، فهو لها هدية. فوقع اختيار خديجة على زيد، لما رأت به من سمات المروءة والشهامة، ويكون أميناً لسر بيتها، وأحسن ظنها بـ زيد." "وتزوجت خديجة بالنبي، وكان قبل نزول الوحي، وأهدته زيد كهدية أثمن الهدايا، وبكده بقى زيد ظل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمين لسره، وكان الرسول لزيد خير رفيق وأب وأخ."

"وكانت أمه تبكي عليه، ووالده يبحث عنه. وفي يوم خرجت جماعة من قوم حارثة قاصدين البيت الحرام للطواف. وهناك رأوا زيد، وعرفوه وعرفهم، فسألوه وحكى لهم كل شيء." "وعادوا القوم وأسرعوا ليبشروا حارثة، ففرح حارثة وأعد لرحلته، وأخذ من المال ما يكفي ليفدي به ابنه، وأصطحب أخوه كعب، وذهبوا لمكة. وراحوا لرسول الله،

وقال حارثة: "يا بن عبد المطلب، أنتم جيران الله، تفكون العاني، وتطعمون الجائع، وتغيثون الملهوف. وقد جئناك في ابننا الذي عندك، وحملنا إليك من المال ما يفى، فأمنن علينا وفاده لنا بما تشاء." "فـ الرسول مكنش يعرف إنهم يقصدوا زيد، فسألهم عن من ابنهم." "فأخبروه زيد." "فـالرسول قالهم إنه هيطلب زيد ويخيره، إن اختارهم ذهب معهم من غير فدى، يعني مال. ولو اختاره، فهو هيفضل معاه."

"وجاء زيد، وسألوه الرسول عنهم، فعرفهم زيد. فسأله النبي يروح معاهم ولا يفضل معاه." قاطعه الرجل قائلاً باهتمام جلي: "أكيد اختار أبوه وعمه وهيمشي." هزت خديجة رأسها بالرفض. فقطب حاجبيه بتعجب وتساؤل: "أمال إيه طيب؟ أبتسمت خديجة قائلة: "هحكيلك، استنى." "وبعد كده زيد اختار الرسول، فأبوه تعجب، وقاله انت تختار العبودية على أبوك وأمك." "فرد أسامة قائلاً له: "إني رأيت في هذا الرجل شيئاً، وما أنا بالذي يفارقه."

"ولما النبي رأى حرص زيد على صحبته، أعلن أنه ابنه يورثه ويرثه، وعرف بين الناس بـ زيد بن محمد. بعدها نزل الوحي وحرم عادة التبني. "ادعوهم لأبائهم هو أقسط عند الله" {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله}." "وزي ما زيد حب النبي، فـ النبي كمان حبه، وكان يشتاق له لو غاب ويفرح بعودته. وأصبح زيد يلقبونه بـ زيد الحب، حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمين سره، وقائداً لجيوشه."

"بعث الرسول لملك بصري كتاباً مع الحارث بن عمير يدعوه للإسلام، فقتلوه. ولم يقتل لرسول الله أحداً. فجهز الرسول الجيش وقال: لو قتل زيد بن حارثة، فتكون القيادة لـ جعفر بن أبي طالب، ولو قتل، فـ لعبد الله بن رواحة." صمتت خديجة بدموع. ليقول عبد الله بقلق: "بتبكي ليه؟ مش هتكملي؟ همست خديجة ببكاء: "ذهب الجيش لقتال الروم، ومزقت الرماح جسد زيد، وخر صريعاً. وكان ابنه أسامة في الحرب وشافه، ومات جعفر من بعده، وبعدها بن رواحة."

هز صابر رأسه بحزن شديد طغى على ملامحه، وهتف: "ماتوا التلاتة وخسروا المسلمين؟ "# لا لا. بعدها أمروا الناس بأن تكون القيادة لـ خالد بن الوليد، وأنقذ الجيش." "وعرف الرسول بموت قادته الثلاثة وحزن عليهم، وذهب ليعزي. فلما وصل لمنزل زيد، لاذت به ابنة زيد باكية، فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم." "فقال له سعد بن عبادة: "ما هذا يا رسول الله؟ قال: "هذا بكاء الحبيب على حبيبه."

أجهشت خديجة في البكاء ما أن انهت حديثها بتأثر، واكتسى الحزن وجه صابر. وهتف بزهول: "أنتِ صغيرة، أنتِ؟ قدرتي ازاي تحفظي كل ده؟ استطاع اخراجها من حاله الحزن التي طغت عليها، لتبتسم له وهي تزيح دموعها بكفيها، وقالت: "عشان ماما بتحفظني، وقربت أختم المصحف حفظ." أبتسم الرجل بسعادة. لتقول خديجة بحسم طفولي: "أنت بتصلي زي ما علمتك ولا لا؟ أومأ برأسه مسرعان: "بصلي، بصلي، وبعمل كل اللي قولتيلي عليه." ببراءة، رفعت

خديجة كفيها داعية بتمني: "يارب، أسألك أن تجعل عمه من أهل الجنة، واجمعني بيه هناك." أبتسم الرجل بفرحة وقلب مشرق ببهجة بسويداء القلب. أشارت له خديجة قائلة: "بكرة نكمل، ماشي." هز صابر رأسه وخرج من الغرفة، مغلقاً الباب خلفه، بعدما لوح له بيده. وتوجه لمقعد من معه من الرجال، واستمع إليهم. قال أحدهم: "مش عارف هو هيقتلها ولا هيبعها." قال من يجلس أمامه وهو يضع ورقة الكوتشينة:

"أظن هيبعها مع باقي البنات، وكده كده يعني، هي ميتة ميتة. دي ماهو لو باعها هتبقى من فتيات الليل والدعارة والكبريهات." قالها وهو يقهقه بصوتاً عال. لينقبض قلب صابر بتفكير. بعد وقت، جلس بجانبهم يحاول أن يعلم منهم معلومات كافية. هو لن يسمح لهم بأن يؤذوها. ابتسم قائلاً: "على كده البت دي هتفضل قد إيه؟ رد أحداهما دون النظر إليه، وتركيزه باللعبة:

"مش عارف، بس الباشا بيقول لما أدوخهم شوية، يبدو أنه انتقام شخصي. يلا، إحنا مالنا؟ إحنا فلوسنا وخلاص يا عم أنت." أندمجوا الجميع باللعب، بينما حاصرته الأفكار والقلق والخوف في آن واحد. يخشي عليها من جل شيء.

بجوف الليل، كانت ورد ساجدة بين يدي مولاها تدعو أن يحفظ لها ابنتها. لم يرقأ لها دمع، ولن تثلح حرقة قلبها. تهفو روحها شوقاً لرؤية صغيرته. تصلي ولكن بمفردها، عكس قبل، كانت برفقة طفلتها الحبيبة التي هي شبه ميتة الآن هلعاً عليها. دلفا ياسين وعثمان للمنزل، فوجدوه هادئاً للغاية. شعروا بالغرابة. أغلق عثمان الباب خلفه، ونظر بتعجب لـ ياسين وهتف بنبرة قلقة: "هما راحوا فين؟ ليه البيت هادي كده؟ هز ياسين منكبيه وأشار له قائلاً:

"مش عارف. المهم دلوقتي تعالى نشوف خالتوا ونفهمها كل حاجة." أومأ عثمان ووضع حقيبته جانباً، وحذا ياسين حذوه، وصعدا للأعلى سريعاً، متجهين لغرفة لمار من توهم. وقفا أمام الباب، ومد ياسين كفه للمقبض وفتحه، وهو يطرق طرقات خفيفة ويهمس: "خالتوا، أنا ياسين، ممكن أدخل؟

لم يأتيه رد، فـطل برأسه، فـاتسعت عينه بصدمة، وهو يرى والدته وخالته والفتيات، جالسون بجانب بعضهم يبكون بصمت بدموع لا تتوقف، ووالده محتضن خالته التي تشبه الجثة، فقط تتنفس وتحدق فلا شيء. وزوج خالته يجلس بهم بجانبه زيد وأحمد وأيهاب وعمرو، والكل في حالة بأس شديدة. ملامحهم تنبئ أن هناك أمراً خطيراً. فها هو عمود البيت قد سقط بجل حمله، وأنفطر.

بصمت تام، تنقل النظر فيما بينه وبين عثمان بدقات قلب وجله، وجرحاً غائر بسويداء القلب. دلفوا للداخل بخطوات وئيدة خائفة. همس عثمان لوالده متسائلاً: "مال خالتي يا بابا؟ إيه اللي حصل؟ بينما أقترب ياسين كالمسحور لخالته، واضعاً كفت يده على وجهها، وهمس بدموع وصوتاً مختنق: "مالك يا لمار؟ فيكِ إيه؟ بس أنتِ مش لمار. لمار عمرها ما كانت ضعيفة كده. إيه اللي حصلك؟ يا لماررر."

شهقوا الفتيات بصدمة واعين متسعة بعدم تصديق وفاه فاغراً، حينما دوى صوت صفعة مزلزلة بالغرفة من يوسف لـ ياسين.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...