تحميل رواية «دموع العاشقين» PDF
بقلم ندى ممدوح
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
أمام أحد المساجد، توقفت سيارة سوداء اللون. انفتح بابها لتترجل منها طفلة صغيرة. نظرت يمنًا ويسرًا، ودارت عيناها بحثًا عن أحد. لمع الفرح في عينيها وسطعت بريقهما وهي تهمس بطفولة: "خالتو لمار". وقع بصر لمار عليها لتفرد ذراعيها ببهجة تغمر قلبها. اندفعت ورد مسرعة من السيارة وهي تصيح خلف الطفلة: "يا ديجا استني يا حبيبتي هنا؟" التفتت برأسها لها قائلة: "لا رايحة عند خالتو!" "ديجا يا قلبي تعالي." هتفت بها لمار بفرحة. عانقتها الطفلة بسعادة ومحبة، ولمار كذلك. لتحملها لمار وهي تضمها بعشق أمومي هاتفة: "وحشتين...
رواية دموع العاشقين الفصل الأول 1 - بقلم ندى ممدوح
أمام أحد المساجد، توقفت سيارة سوداء اللون. انفتح بابها لتترجل منها طفلة صغيرة. نظرت يمنًا ويسرًا، ودارت عيناها بحثًا عن أحد. لمع الفرح في عينيها وسطعت بريقهما وهي تهمس بطفولة: "خالتو لمار".
وقع بصر لمار عليها لتفرد ذراعيها ببهجة تغمر قلبها. اندفعت ورد مسرعة من السيارة وهي تصيح خلف الطفلة: "يا ديجا استني يا حبيبتي هنا؟"
التفتت برأسها لها قائلة: "لا رايحة عند خالتو!"
"ديجا يا قلبي تعالي."
هتفت بها لمار بفرحة. عانقتها الطفلة بسعادة ومحبة، ولمار كذلك. لتحملها لمار وهي تضمها بعشق أمومي هاتفة: "وحشتيني أوي أوي أوي؟"
قبلتها ديجا من وجنتها قائلة: "وأنتي كمان!"
لتهمس لمار بعتاب طفولي: "كدا برضه يا ديجا متسأليش عن لمار حبيبتك!"
لتهمس ديجا ببراءة وهي تحرك كفيها وتشير لورد: "قولي لماما هي مش بتجبني عندك."
"قولي لـ ماما هي مش بتجبني عندك."
لتصيح فجأة: "نزليني رايحة عند وعد."
قبلتها لمار من وجنتها بحب وتركتها من بين يديها قائلة بحنو: "روحي، أهو بس امشي براحة عشان متوقعيش!"
لوحت بكفها لها وركضت بعيدًا. رفعت لمار بصرها لورد هاتفة بحب وشوق: "عاملة إيه يا حبيبتي؟"
ضمتها ورد باشتياق شديد قائلة: "الحمدلله، وحشتيني أوي."
لتهتف لمار بعتاب: "لو كنتِ فعلًا بتوحشيني هترجعي؟"
استدمعت أعين ورد بذكريات موجعة وهمست بهيام: "صدقيني مش هقدر أرجع!"
كادت لمار أن تجيبها، فقطعها صوت فتاة تهتف: "يلا يا ماما تعالي!"
أومأت لمار برأسها لها، واستدارت لورد قائلة وهي تشير لداخل المسجد: "يلا يا ورد ندخل، ولما نرجع لينا كلام تاني بس نصلي الأول."
أومأت ورد بطاعة ودلفت خلفها للمسجد.
بعد صلاة الجمعة، غادر البعض وتبقي البعض منهم يقرأ القرآن، ومنهم من يجلس بجوار ورد التي أحاطوها لتصبح هي بالمنتصف، وهي تقص عليهم قصة لأحد الصحابة، "البراء بن مالك الأنصاري فتي الموت".
أنهت ورد قصتها التي توغلت بقلوب الجميع وزادتهم حبًا وقربًا لرب العالمين وإيمانًا، وأنارت قلوبهم وقلب طفلتها التي تنصت لها باهتمام. وقفوا جميعًا بترحاب شديد لورد وخديجة ابنتها. وجميعهم صعدوا سيارتهم للعودة.
دلفوا جميعًا بحب للفيلا. بين ضحكات وهمسات الفتيات، كانت الأنوار منطفئة والجو مظلم للغايه. تخشبت لمار مكانها بصدمة وهي محدقة باللاشيء، وتسارعت أنفاسها وخفق قلبها بخوف، فهي ما زالت تخشى الظلام كأنه سكن وتملك قلبها جيدًا وأقسم على البقاء بذكرياته الموجعة.
رددت "زيقبل أن تكمل مناداتها باسمه حتى تقدم منها في ذات اللحظة يوسف وزيد، وكل واحد منهم أمسك بيدها. هتفوا سوياً: "لمار يا حبيبتي مفيش أي حاجة! أهدي."
ملأ الضوء المكان. فتحت لمار عينيها وظهرت ابتسامة سعادة على وجهها. عيناها جابت المكان والأنوار والزينة وهتفت بفرحة: "إيه ده، مين عامل كل ده؟ وليه؟"
التفتت بمكر تجاه الفتيات والشباب وأردفت: "أكيد أنتوا. عشان كده كنتوا عايزيننا نمشي من بدري؟ بس ليه كل ده؟"
ابتسمت وعد ابتسامة لا تليق بوجهها العابس الغضوب قائلة: "أنتي نسيتي أن انهارده ذكرى جوازك أنتي وبابا؟"
غمزة لها ورد قائلة وهي تخرج علبة من حقيبتها: "أنتي نسيتي بس عيالك منسيوش على فكرة؟"
ابتسمت لمار بحب وضمتها بحنان.
عدى اليوم بفرحة وبجو مليء بالحب والحنان وأجمل اللحظات التي تكون بين أفراد العائلة جميعًا. شعور مميز وسعادة لا توصف.
بآخر النهار، اقتربت ورد للمار لتضمها بحب وهي تقول: "أنا همشي دلوقتي، هتوحشيني."
لتهتف لمار بعتاب وضيق: "لا متمشيش، خليكي معانا كفاية بعد بقا!"
ضمة ورد وجهها بكلتا يديها قائلة: "عندي جلسة بكرة ضروري أرجع، وقضية صعبة شوية، ادعيلي!"
أشاحت لمار بوجهها بعيدًا: "امشي يلا! على العموم لو احتجتي حاجة أنا موجودة."
وبلوم هتفت: "بلاش تغيبي عننا كده، وانتي عارفة إني روحي متعلقة بديجا؟"
أسندت ورد رأسها على كتفها وهي تهمس: "حاضر، وعد مش هبعدها عنك كده وهنيجي دايماً. هسلم على البنات وهماشي."
أومأت لمار باقتضاب وهتفت وهي تبتعد: "هروح أشوف ديجا قبل ما تبعديها عني!"
ودعت ورد الجميع وهتفت وهي تلتفت بعينيها على ريم: "فين ريم؟"
لتهتف سمر: "كنت شايفاها من شوية رايحة الجنينة، شوفيها هناك!"
لوحت ورد بكفها وهتفت بابتسامة: "ماشي يا قمر، يلا مع السلامة، أشوفكم قريب!"
ودعها الجميع وخرجت للجنينة. بحثت بعينيها عن ريم. وقعت عيناها عليها، فاقتربت لتجلس جوارها بصمت تام.
فهي تشعر بها وتعلم كم صعب أن تتمنى أن يكون لك ابن، صعب جدًا أن تشتاق لكلمة "ماما" ولا تسمعها، أن لا يوجد أمل. هوى الدمع على وجنتي ريم بألم. تألم قلب ورد لدموعها، ورفعت كفها لتدير وجهها وهتفت وهي تزيح دموعها وتنظر بعمق لعيناها: "إيه بس يا ريم، أنا قولت لك الصبر يا حبيبتي! فين رضاكي؟"
قطعتها ريم باكية بوجع: "الصبر؟ الصبر لأمتى؟ نفسي أسمع كلمة ماما لمرة واحدة! نفسي أضم ابني قبل ما أنام؟ نفسي أصحى على صوته، نفسي ألعب معاه! وأجهزه للمدرسة وأكله بأيدي وأحكيله حكاية قبل ما ينام في حضني؟ أنا تعبت، هو ربنا مبيحبنيش؟ الأول رجلي وبعدين أتحرمت من ابني، هو أنا وحشة يا ورد؟ هو أنا عملت ذنوب كتيرة كده؟"
وضعت ورد سبابتها على شفايفها وهي تهز رأسها باستنكار وهتفت: "بالعكس، بالعكس يا ريم." ضمت وجهها وبأناملها أزاحت دموعها وأردفت بيقين: "ليه بتقولي كده؟ إذا أحب الله عبدًا أبتلاه، ربنا بيحبك يا حبيبتي، بيحب مناجاتك ليه وترفعي إيدك وتدعي؟ أحنا على دنيا مش دايمة وهيجي يوم وهنفارق، أحنا أغراب وهنفضل أغراب. أنتي أفضل من غيرك بكتير، فكري كدا معايا." تنهدت بعمق وابتسمت وتابعت قائلة: "أنتي مش معاكي أطفال بس كلنا هنا أطفالنا بيحبوكي. تخيلي كدا لو كان معاكي عيال هل كنتي هتروحي الميتم وتسعدي الأطفال بالهداية وتقعدي معاهم؟"
هزت ريم رأسها بالرفض وهي تشعر بالارتياح. تابعت ورد بحب: "طيب شفتي قد إيه ربنا بيحبك، اختارك انتي عشان تسعدي كتير من الأطفال، دا غير بنتي ديجا والبنات والشباب كلهم بيحبوكي. ربنا رزقك بحاجات كتيرة حلوة ومنهم أنك معاكي تاكلي وتشربي، في غيرك مش لاقي. وهذه الدنيا جاع فيها نبي الله موسى وجلس محتاجًا متعبًا تحت ظل شجرة وقال: (ربي إني لما أنزلت إلي من خير فقير)، ورسولنا جاع فيها وتعب وكان يربط على بطنه بحجر من شدة الجوع (صلى الله عليه وسلم)."
تنهدت ورد بأعين تفيض بالدمع وأكملت: "قولي الحمد لله، كفاية أن ربنا رزقك بالأكل والمياه، بتاكلي وتشربي في غيرك لا. قولي الحمد لله على نعمة جوزك أحمد، في غيرك بتتجوز واحد وحش بيعاملها وحش، أحمد حنين، في غيره قلبه قاسي مش بيحب. قولي الحمد لله علينا كلنا، ربنا بعتلك أخوات ميتعوضوش، نعم الله مقسمة، أنتي لم ترزقي بولد ولكن رزقك بحاجات كتير. املئي قلبك بالرضا، وفكري في نعم الله (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها). زفرة ورد زفرة قصيرة ونظرة لها بعمق وإلى ابتسامتها فتنهدت بارتياح وأردفت: نعم الله لا تحصى ولا تعد، استغفري ربك يا ريم واشغلي نفسك بالدعاء والصلاة على النبي (صلى الله عليه وسلم)، ومتفكريش في كده وتقولي ربنا مبيحبنيش، لا يا قلبي بيحبك."
كفكفت ريم دموعها. بابتسامة تزين ثغرها، براحة قلب هتفت وهي تتنهد براحة: "أستغفر الله العظيم وأتوب إليه، مش عارفة إيه اللي شغل عقلي كده فجأة، الدنيا ضاقت بيا."
ربتت ورد على كتفها بتفهم وهمست: "قومي صلي وناجي ربك، ومهما تحسي بالضيق فبعد الضيق فرج."
بتردد أشاحت وجهها وهمست بتردد: "كنت... يعني؟"
باهتمام رمقتها ريم وحستها على المتابعة قائلة: "قولي يا ورد على طول!"
"كنت هقول اتكفلي طفل يملأ حياتكم!"
صاحت بها ورد فور ما حستها ريم على الحديث. نظرة لها بقلق وأردفت قائلة: "الفكرة دي في بالي من زمن بس كنت بخاف أقولك تزعلي مني...!"
قطعتها ريم بوجه متهلل مشرق تشع من عيناها بهجة وأمل، شرح صدرها: "فعلاً معاكي حق، أتكل طفل، أنا إزاي مفكرتش في كده؟ هقول لأحمد وهنتكفل طفل فعلاً..."
قطعة جملتها خديجة وهي تهمس ببراءة: "هتجيب نونو؟"
بزهول التفتت لها ريم وورد. لتقول لمار التي تابعت الحديث بصمت: "أفضل قرار، أتكل!"
نظرة لها ريم بامتنان وهزة رأسها ببهجة. لتنهض ورد باسمه وهي تلتقط كف خديجة الصغير بيديها: "يلا بقا همشي أنا، وإن شاء الله هاجيلكم قريب!"
بنظرة ترجي تطلعت بها لمار، لتبادلها ورد نظرات أسف وسرعان ما غادرت مسرعة قبل أن تبدل رأيها.
دلفت ريم وأحمد إلى شقتهما بعد العودة من فيلا الشرقاوي بصمت تام بينهم. كل ما يشغل بال ريم كيف تخبر أحمد بالتكفل؟ أما أحمد ففكرة بها ماذا يدور بعقلها؟ لماذا هي صامتة لا تتحدث؟ يعلم جيدًا ما تشعر به وهو أيضًا يعاني، فكم يتمنى أن يصبح أبًا.
بدون اكتراث وضعت ريم حقيبتها جانبًا وجلست على الأريكة حائرة كيف تخبره؟ تخشى أن يرفض؟ بما ستبدأ! قطع تفكيرها وذاك الصمت وهو يهتف بجدية: "بتفكري في إيه كده؟ مالك مش بتتكلمي وسرحانة؟ في إيه؟"
بذراعه حاوط كتفها وجذبها إليه برفق. بأمان وارتياح أسندت رأسها على كتفه وقالت: "مش بفكر في حاجة!"
وصمتت قليلاً بتردد. رفعت رأسها إليه وهمست باسمه: "انهاردة كان يوم جميل مش كده؟"
ابتسم ضاحكًا وهمس بمرح: "كان حلو بس... كان جميل أوي عشان أنتي فيه بس!"
همست بمشاكسة وهي تنظر لعينه: "يا شيخ عشاني ولا عشان لمار؟"
هتف بمشاكسة: "عشان لمار طبعًا!"
ضربته بخفة على كتفه بكفها الناعم الرقيق وهمست: "تصدق أنك بارد أوي!" وأشاحت بوجهها بزعل مصطنع. فهي على علم بأنه يشاكسها ليغيظها ويجعلها تغار.
استضحك بمرح وكاد أن يرفع يده ليدير وجهها إليه، فقط قطعه رنين هاتفه. ألتقطه بتعجب من جانبه وهمس بابتسامة وهو يرى اسم المتصل: "دي رقيه." فنظرة له ريم ببهجة. أجاب فورًا بمحبة تغمر قلبه: "روح قلبي اللي وحشتني بجنون، عاملة إيه؟"
أتاه صوتها الشجي قائلًا: "تمام يا أحمد بخير، أنت ازيك وازي مراتك، إيه مقربناش نفرح وأشيل عيالك؟ أنت مستحملها ليه؟ متجوز عليها وطلقها!"
هوى الدمع بغزارة من أعين ريم عندما غرست تلك الكلمات بقلبها ووقفت مغادرة. صدم أحمد ولم يتفوه بحرف. وفجأة صاح بها: "اسكتي بقا! أتجوز إيه؟ وأطلق إيه؟ ريم دي روحي، وما فيش إنسان يعيش من غير روح!" (كادت أن تتحدث فلم يعط لها فرصة) "متتدخليش بينا، ومش عايز عيال يا ستي، أنتي مالك، هي بنتي ومراتي وكل حاجة، متتدخليش بينا بقا."
أغلق فورًا وألقى بالموبيل أرضًا. شبك يده خلف رأسه بهم واتكأ على قدميه وكأنه يحمل جل الهموم بقلبه. لقد أنجرحت حبيبته وتبكي الآن، لقد وعدها ألا يجعلها تبكي، ولكن ماذا يفعل؟ فأخته وأخاه يريدون تزويجه بآخرى، واليوم قد سمعت ذلك بذاتها. كم يأنب نفسه على رفع صوت الهاتف، لم يكن يقصد جرحها! هو لا يريد شيئًا، فقط يريدها هي، لا يريد ابنًا، فهي ابنته وكل حياته! زفر بقلة حيلة ونهض متجهًا للمطبخ. بالغرفة ترقد ريم باكية على الفراش وهي تدفن وجهها به. كم موجعة هي تلك الكلمات، كأنها سهام قد علمت مرساها واستقرت بالقلب، فكيف تخرج لتتناساها؟ كيف هي تنزف وقلبها قد انقسم؟ أنه يشعل بالنار تصهره، أنها مجرد كلمات أجل، يلفظون بها، ويا ليتهم يدرون ماذا تصنع بالقلوب، فهي تميتها حتمًا وتقسم القلب بآلام لا متناهي.
دلف أحمد وبيده "صنية" يوجد عليها طعام. رسم ابتسامة على شفتيه رغماً عنه، ووضع الصنية جانبًا وجلس جوارها ومرر يده بخصلاتها وهمس بجوار أذنها: "حبيبتي أنسي كل كلمة قالتها ومتفكريش في أي حاجة يا حبيبتي."
التفتت إليه وانعدلت لتجلس وجهًا لوجه، فمد يده ليزيح دموعها تلك التي تميت فؤاده. جذب صنية الطعام على قدمه وهو يقول بمرح: "يلا عشان تاكلي الأكل ده كله!"
لم تستمع إليه فقد كانت منشغلة البال. لماذا تتبنى؟ ما ذنبه هو بأن لا يكون لديه طفل يملأ حياته ويحمل اسمه؟ لماذا لا يتزوج، لماذا لا تبتعد هي عنه ليرى هو حياته؟ فاقت على صوته قائلًا وهو يقرب الطعام من فمها: "إيه يا بنتي سرحانة في إيه كده ومش معايا؟"
همست ريم دون وعي وبتلقائية: "طلقني!" نظرة له وأردفت بدموع: "طلقني وتجوز وشوف حياتك! وهات عيل يملأ حياتك ويشيل اسمك ومتزعلش اختك منك وافرح."
بجنون من حديثها ألقى بالصنية أرضًا بغضب وصاح بصوت عال: "أنتي اتجننتي؟ أطلق مين؟" (أمسك كتفيها وهزها بقوة) "أنتي حاسة بنفسك بتقولي إيه؟ عايزاني أتجوز؟ أنتي اتجننتي! بعد العمر ده كله أتجوز؟" هدأ قليلاً عندما تدفقت دموعها وجذبها لحضنه وهو يتنهد بضيق وحزن. دفنت وجهها بصدره وهمست باكية بشهقات: "أنا عارفه انت بتحبني قد إيه، وأنا والله بحبك، وعشان بحبك أنا عايزة أشوفك مبسوط وفرحان وعايش مرتاح، إيه ذنبك أتجوزت من واحدة مشلولة؟" (ازداد نحيبها عالياً وتابعت بصوتًا مهزوزًا يملأه الوجع) "هااا قلي اتجوزت واحدة مشلولة واستحملت وعشت معايا ودلوقتي هحرمك إنك تكون أب؟" (بكت بحرقة)
كانت كلماتها توجع قلبه ولكنه ثابتًا، فقط يضمها بشدة. حتى ابتعدت عنه هامسة وهي تكفف دموعها: "أتجوز تاني؟"
عن ماذا تتحدث تلك البلهاء؟ أتطلب منه أن يترك روحه؟ فكيف يعيش دونها؟ ألم تدري أنها الحياة، أنها النفس، الروح وكل شيء؟ أنها هي ابنته وقطعة منه، فكيف يترك جزءًا منه ويرحل؟ كيف؟ رمقه بغضب، احمرت عيناه وقبض على يده بقوة، لكم الحائط بعنف، فأرتعد جسدها بلهفة. كادت أن تمسك يده فسحبها مغادرًا من الشقة، صافقًا الباب خلفه بقوة قبل أن يتهور.
دلفت لمار غرفتها يسير أدهم خلفها ويده تغطي عينيه حتى وقف وأوصد الباب خلفه وأبعد يده برفق وهو يهمس بحب: "فتحي عينك يا حبيبتي!"
تطلعت حولها بزهول وهي ترى البلالين تملأ الغرفة والورود وإضاءة خافتة من الشموع، لتهمس بتعجب: "واو! أنت عملت كل ده إمتى؟"
عدل من ياقة قميصه بتعالي وهو يهمس: "دا قدرات يا بنتي! متشكيش في قدرات جوزك."
خطت المسافة الفاصلة وأحاطت عنقه بحب وهمست: "وجوزي حبيبي أمتى عمل كل ده؟"
جذبها من خصرها إليه قائلًا: "بتسألي ليه؟ مش وقت كلام! كل سنة وانتي ليا ومعايا وجنبي وفي حضني يا حتة مني." وقبل جبينها بحب لتهمس لمار: "وانت ليا ومعايا وجنبي يا أبو عيالي وأبويا وحبيبي وجوزي وأخويا وكل دنيتي!"
قبّلها بحب وابتعد عنها وهو يجذبها من يدها ناحية الطاولة، أجلسها وجلس جوارها وظل يطعمها بيده في جو مليء بالحب والحنان.
"بتبصلي كده ليه؟" هتفت بها لمار وهي ترى عيون أدهم مسلطة عليها بعشق. فرد بهيام ويده على وجنته مستندًا بالطاولة: "في عنيكي بنسى كل اللي فات واللي جاي، ببقى عايش في حلم! حضن عينك وأنتي بتحضنيني بيهم، دا أجمل شيء!"
ابتسمت لمار وخطفت قبلة من وجنته وهمست: "حبيبي الجو انهارده حلو، إيه رأيك نقعد تحت النجوم!"
استقام وهو يقول بجدية: "حبيبتي تؤمري وأنا أنفذ!"
شبك أنامله بأناملها وخرجا حيث جلسا تحت النجوم. جلس أدهم بالأرضية لتجلس هي على قدميه وأسندت رأسها بحب على صدره ونظرها للنجوم وهمست: "بحب الجو ده أوي!" ليهمس هو بعشق: "وأنا بحبك أكتر."
حاوطت عنقه بذراعيها وأسندت رأسها بحب، أمان، احتواء، اكتفاء، دفء، راحة، سند. أغمضت عيناها وهمست بطفولة: "هتفضل تحبني على طول مهما كبرنا؟"
نظر لعيناها بعمق وهمس بحب: "لآخر نفس فيا هفضل أحبك، ولحد ما نشيل أحفادنا إن شاء الله."
ابتسمت بعشق وأغمضت عيناها براحة، فسعادة لا توصف ولا تقدر.
تتحرك لمار هنا وهناك وهي تعطي الأوامر بصلابة. وحدت زرعت كاميرات مراقبة بأنحاء المكان. وزعت حراسة جيدة بكل ركن وزاوية. توافدت الناس رويدًا رويدًا ممن هم ذوو مناسب عالية. جاء أحمد وأدهم يعاونانها. رن هاتف أدهم فجأة ليستأذن ممن معه ويجيب وهو خارج. كان يتحدث وهو ممسك بالهاتف على أذنه جيدًا لا ينتبه أمامه. حتى اصطدم بفتاة كانت واقفة، تأوهت بألم. ارتد مصعوقًا للخلف وهو يهمس: "آسف، آسف، ما خدتش بالي!"
هزت رأسها بالرفض بتيه وانخفضت تلتمس الأرض على نظارتها. كاد أن يهم بالمغادرة ولكنه لاحظ أنها عمياء. نظر لها بحزن عميق وقال بهدوء: "زي ما أنتي." انحنى ليجذبها وناولها لها لتشكره وقرر اعتذاره، ولكن تراجع هامسًا: "انتي رايحة فين وأنا أساعدك!"
ابتسمت بشيء غريب بداخلها وهتفت: "أنا مستنية حد!"
"بتعملي إيه عندك؟" صاح بها شاب جذاب ذو جسد رياضي وهو يتقدم نحوها ببذلته التي زادته وسامة. أمسك كفها بحنان وقال بصوت غاضب: "فين أسراء؟"
هزت رأسها قائلة: "مش عارفة يا زين، بس مش عارفة نسيت إيه ورجعت! قالتلي استناني هنا!"
همس بحسم: "طيب اقفي هنا." (وبصوت منخفض قال) "إياكي تدخلي جوه لأننا هنمشي دلوقتي، بس أشوف التانية راحت فين! وحسابكم بعدين."
ارتجف فؤادها بخوف جلي، فتركها وغادر. بينما شعر أدهم بشيء غامض، فاقترب منها هامسًا: "تعالي عشان تقعدي لحد ما يجي."
هزت رأسها بامتنان وخوف: "لا، هستنى هنا؟"
جذبها أدهم من يدها عنوة ولج بها للداخل وأجلسها. رآته لمار فأقتربت منه هامسة: "مين دي؟"
أشار أدهم بتعجب: "مش عارف، بس هي مبتشوفش، فدخلتها لحد ما حد ييجي، متهيقلي أخوها هيجي دلوقتي!"
أومأت لمار براسها بتفهم. والتفت للفتاة تتمعن النظر بها جيدًا بسعادة لا تدري سببها. خرج أدهم للخارج. بينما ليست سوى دقائق حتى ضج المكان بصوت إطلاق النار وخروج رجال مسلحين حاصروهم. بينما لم تدري لمار ماذا تفعل، شعرت بالتيه. نهضت الفتاة بخوف وأمسكت بيدها برجفة. نظرة لمار ليدها ولمالمحها الخائفة، أرادت ضمها وأن تخبئها بقلبها حتى لا تخف!
استدارت لمار برأسها لذاك الرجل الذي قال وهو يشير لرجل يظهر عليه الوقار كبير بالسن: "تعالى معانا ومفيش أي حاجة هتحصل، لو مجتش فانت الجاني على الكل، عندنا أوامر بكده؟"
رمقته لمار بنظرة نارية مشتعلة بالغضب وأبعدت يد الفتاة التي ما إن تركت يدها دب الخوف قلبها وذهب شعور الأمان. ليس هي فقط، فالخوف قد دب بالجميع. بينما طافت عين لمار ولم تدري كيف دخلوا هؤلاء بين تلك الحراسة المشددة التي وضعتها؟ وأين رجالها؟ ما الذي حصل؟ كيف فشلت هكذا؟ لن تسمح بأذية أحد، فهذه مسئوليتها!
"عايز إيه؟" هتفت بها لمار بغضب وهي تتقدم من ذاك الرجل. ليصوب المسدس نحوها قائلًا: "لمار الشرقاوي، دورك لسه مجاش بس هيجي قريب!"
ارتفعت صوت ضحكاتها عاليا وهمست: "تصدق خوفت؟ آه خوفت." وقفت أمامه مباشرة وهمست بصوت مخيف: "مين بعتك؟ وعايز إيه؟"
تردد قليلًا وهو يقول: "لو مش عايزة حد يتأذى، سلميلنا سليم؟"
التفتت لسليم برأسها ثم عادت النظر له وقالت وهي تقف جانبًا: "هو أنا مسكتك؟ ما تاخده أهووه!"
أشار لأحد رجاله بأن يقترب، ما كاد أن يمر حتى انقضت عليه هي بلكمات مبرحة وغضب، حتى سقط أرضًا غارقًا في دمائه. كادت أن ترفع يدها لتهوي على وجهها، ولكن تخشبت يدها وهي تستمع لصوت بكاء فتاة. خفق قلبها ولمعة عينها بالدمع، رفعت بصرها بحزن قسم قلبها، فرأت تلك الفتاة التي لا ترى ممسك بها أحد الرجال واضعًا فوهة السلاح برأسها. استقامت لمار ببطء وخوف. أجل خوف، ليس منهم وأنما خوف على تلك الفتاة التي تشعر بالمسؤولية تجاهها، دمعاتها تخترق قلبها تحرقه. جذبها بقسوة من يدها وقيدها بإحكام، بينما لم تمانع أو تبدي أي ردة فعل سوى عينيها المثبتة للفتاة بوجع وخوف. دفعها على أقرب مقعد بقسوة.
بينما نظر لها الرجل بمكر وهتف وهو يشير للفتاة: "هي تخصك ولا إيه؟ أصل اللي أعرفه إن بنت الشرقاوي متعرفش يعني إيه استسلام أو ضعف!"
همت أن تجيبه فقطعه هاتفه. أجاب فورًا وتهجمت ملامحه بخوف وهو يقول: "إيه؟ اتصرف بسرعة!"
ابتسم بمكر وهو ينظر للمار: "ولكن محدش هيقدر يعمل حاجة لأن لمار عز الدين الشرقاوي في قبضتنا!"
ارتفعت صوت ضحكاتها وصوبت نظرات نارية إليه كادت بحرقة وقالت بصوت مخيف: "إذا لمار هنا، بس النسخة التانية منها برا! متنساش إن أنا علمت عيالي يعني إيه عدو! دقايق! واقرأ الفاتحة على روحك لأن أوقاتك معدودة!"
ابتسم بسخرية وهمس: "كل الأماكن متقفلة، هيدخلوا إزاي؟ شكلك هتموتي مكانك كده!"
رمقته بنظرة نارية ووضعت قدم فوق الأخرى بثبات وهمست بهدوء مخيف: "هنشوف مين هيموت، عد لموتك!"
ما كادت أنهت جملتها حتى اختفى عدد لا بأس به من رجاله وجميع المحجوزون غير موجودين سوى تلك الفتاة. التي ممسكون بها. تطلع بزهول وخوف حوله، فأسرع بجذب الفتاة بقوة. حتى نجحت لمار بفك قيدها ومنعته من الاقتراب. كادت أن تتعثر وهي لا ترى سوى الظلام، ولكن تلك اليد كانت حاجز بين سقوطها، ولم يكن سوى ياسين الذي أوقفها. واستدار فورًا لمن خلفه، أمسك عنقه ولواه لينكسر ودفعه أرضًا.
شرع أحد الرجال سلاحه وكاد بضرب تلك الفتاة لظنهم بأنها تخص لمار الشرقاوي. وقفت مكانها تأئهه، يديها على رأسها وهي تستمع لتلك الضجة والطلقات النارية، دموعها تهوي بغزارة بعجز. بينما شرع أحد منهم سلاحه وأطلق منه طلقة نارية. اهتز كالبركان جسد لمار وأطلقت صرخة بصوت كالرعد: "سجي!" بينما بالخارج يعج المكان بالناس، وقف زين وهو يشدد من قبضة شعره بغضب ويصيح بالفتاة التي تبكي: "كله بسببك! إزاي تسيبها لوحدها؟" ضغط على ذراعها بقسوة: "كله بسببك! اعمل إيه دلوقتي!"
بكت بخوف على أختها لتهمس ببكاء: "أنا بس نسيت تلفوني ورجعت أخده، معرفش إن كل ده هيحصل؟"
جذبها لحضنه لتهدأ، بينما يكاد يجن قلقًا على من ملكت أوتار قلبه وكيانه، معشوقته! لم يدري ما عليه فعله، فحبيبته الرقيقة التي لا ترى شيئًا بالداخل، يا الله كم يود بالدخول والفتك بمن بالداخل ليطمئنها، يشعر أنها خائفة، ولكن ماذا يفعل؟ من زين؟ ومن سجي؟ من تأذي؟ هل تستطيع وعد أنقاذ الجميع هي وياسين؟ هل سيقبل أحمد بأن يتبنى طفل؟ هل يقبل يوسف بزواج حذيفة من ابنته؟ والأهم هل تستطيع أسماء امتلاك قلبه وتغييره؟ من تلك الفتاة التي تتحدث عنها وعد وأنها توفت؟ هل تستطيع سمر امتلاك قلبًا مغلقًا على من ملكته؟
رواية دموع العاشقين الفصل الثاني 2 - بقلم ندى ممدوح
جذبها لحضنه لتهدأ، بينما يكاد يجن قلقًا على من ملكت أوتار قلبه وكيانه معشوقته.
لم يدري ما عليه فعله، فحبيبته الرقيقة التي لا ترى شيئًا بالداخل، يا الله كم يود بالدخول والفتك بمن بالداخل ليطمئنها. يشعر أنها خائفة، ولكن ماذا يفعل؟
أبعدها برفق، وألتفت برأسه يراقب ذاك المكان الذي بداخله قلبه.
لن يقف بالخارج ويتركها وحيدة بالداخل.
لن يترك الموت يقتله قلقًا.
أشار بحذر لأسراء وتسلل بهدوء وخفة خلف البناية.
ولج للداخل بحذر رهيب، وكأنه يعلم بالمكان قبلًا، فأخذ طريقه مباشرة.
تخفى خلف أحد الحوائط. كاد أن يمر أحدهما، ليخرج هو من خلفه مطبقًا بكفه على فمه، والآخر ضربه بعنقه ليفقد وعيه. ألقى به أرضًا، وتسلل للداخل بغضب جامح.
تنهد براحة غير مصدق أنها بخير أمامه. قطب حاجبيه بتعجب من لمار تضمها بحنان، كأنها تخبئها من أعين الجميع. وياسين ممسك بيده التي تنزف بألم عندما وقف حائلاً بينها وبين الطلقة النارية.
تم القبض على الرجال وخرجوا بهم للخارج.
ظلت عيناه مثبتة بهدوء رهيب عليهم.
_ أبتعدت لمار رغماً عنها، لا تريد أن تتركها.
شيء بداخلها يخبرها أنها تعني لها الكثير.
تطلعت بواجهها الذي بين يديها بحب، كأنها تحفر وجهها بقلبها، لتهمس ببطء:
"أنتي كويسة يا حبيبتي؟ حاسة بحاجة ولا حد عملك حاجة؟"
رفعت يديها على يديها الذي تحيط وجهها وهتفت بابتسامة:
"لا مفيش حاجة والله أنا كويسة. شكراً إنك ساعدتيني!"
أقتربت وعد هاتفه بضيق من تقرب والدتها لتلك الغريبة:
"أمي عايزينك برا!"
وزعت لمار نظرها بين الغريبة ووعد لتهمس برفض:
"هخرج مع سجي!"
هتفت الفتاة برقة:
"هو أنتي عرفتي اسمي إزاي!"
رمقتها وعد بنظرة قاتلة وهتفت باقتضاب شديد:
"عادي، كل المعزومين هنا أسماؤهم معروفة!"
ضربت كتف لمار برفق قائلة:
"يلا يا أمي كلمي، تعالي معايا وهرجع آخدها!"
ذهبوا من أمامها، بينما شعرت هي بالوحدة والعجز في آن واحد يحيطها الظلام من كل جانب. فأين النور وبيد من تمسك لتخطو؟
بحزن يشع من قلبها، هوت دموعها بألم شديد.
ألقى ياسين نظرة غاضبة عليها وبغيظ تمتم بذاته:
"البت دي بسببها كنت هموت واقفة مكانها متحركتش."
أقترب منها بخطوات سريعة غاضبة وهتف بصوت مخيف:
"أنتي غبية ولا عايزة تموتي؟ إزاي تفضلي واقفة مكانك متتحركيش؟ أنتي إيه بالظبط؟"
لم تدري من يكون؟ ولماذا يقول كل ذلك؟
ولكن كلماته اخترقت فؤادها. جاهدت لتحبس دمعة بعينها وقالت بصوت حزين:
"أنا مبشوفش!"
لوى فمه بضيق هاتفا بسخرية:
"أيوه أيوه عارفة، أنا الأسطوانة دي مبتشوفش ومحتاجة لحد يساعدك!"
ثم صاح بصوت عال:
"أنا كنت هموت بسببك؟"
ارتجف جسدها بقوة وكادت أن تخطي من أمامه ليمسك معصمها بغضب هاتفا:
"أما أتكلم تقفي تسمعيني! تمثيلتك دي مش عليا! أنتي مفكرة إني مش عارف؟ أنتي تبع مين؟"
وقعت عيناه على عيناها الباكية. أغلق عينه وفتحهم ببطء وهو يتأملها. مشاعر كثيرة قد هاجمته.
"مين سمح لك تمسكها كده؟"
قطع هيامه بها هذا الصوت ليلتفت برأسه لتلك الفتاة التي أسرعت لتجذبها برفق، مربتة على ظهرها بحنان، ترمقه بنظرة قاتلة.
لم يستطع إبعاد عينه من عليها، فظل يتأملها.
حتى أنه لم يستمع لصياح أسراء.
جذبتها للخارج، بينما هو شعر بانسحاب روحه.
أسرع زين خطواته للخارج، أراد أن يطمئنها، أن يشعرها بالأمان! أن يحبسها داخل فؤاده لعله أمان لها من هذه الحياة.
دون كلمة، بصمت تام، جذبها بقوة لحضنه، متناسياً ما حوله وهو يغلق عينه بألم لدموعها.
بكت بأمان وراحة وهي تدفن رأسها بصدره.
أبتعد عنها رغماً عنه، محتضن وجهها بين يديه، يتطلع بعيناها الباكية بأنامله. أزاح دمعاتها برفق شديد وهمس:
"أنا جنبك متخافيش! أنا هنا مفيش أي حاجة!"
هوت دموعها بحرقة. رويداً رويداً ارتفعت شهقاتها لتهمس:
"كنت فين؟ أنت مش عارف إني بخاف وأنت بعيد عني!"
أنب ذاته بقوة وهمس بوجع:
"أنا آسف، مش هبعدك عن عيني تاني!"
عادت لتضمه بأمان وهي تقول من بين دموعها:
"هو أنا ليه مبشوفش؟ شمعنا أنا؟"
بيده شدد من ضمها بقوة، رفع يده على خصلاتها هامساً:
"متقوليش كده، أنتي أحسن منا كلنا."
ربتت أسراء على ظهرها بحزن وهي تقول بدفء:
"أنا آسفة إني سبتك، مش هتتكرر تاني!"
بينما عن بعد كان يرمقها بنظرات تكاد تحرق الكون مثل قلبه الذي مشتعل الآن.
جاءت وعد فرأته بتلك الحالة فقالت وهي تجز على أسنانها:
"إيه؟ مالك بتبص عليها كده ليه؟"
لم يستمع لها، عيناه مثبتة عليها كأنها كنز يخشى أن يسرقه أحد.
بدهشة، وضعت وعد يدها على كتفه هاتفة:
"لأ، أنت مش طبيعي، أنت وماما. البنت دي عملت لكم إيه؟"
نظر لها مزهولاً كأنه لا يدري شيئًا، فعقله قد توقف.
زادت حيرتها لتهمس بقلق بعدما انتبهت لجرحه:
"إيدك يا ياسين، أنت كويس؟ حاسس بحاجة؟"
نظر لها دون فهم، فقد نسي لتوه جرحه كلياً:
"أنا كويس، مفيش حاجة!"
تمسكت بيده بلهفة وهي تنظر للجرح:
"كويس إيه بس؟ تعالي معايا لأقرب مستشفى! عثمان وأنس وأسر هيهتموا بالباقي!"
لم تعطِ له الفرصة للاعتراض فسحبته من يده رغماً.
كان يسير معها بآلية، عيناه على من تصعد السيارة بحضن ذاك الشاب الذي يربت على ظهرها بحنان.
على الفراش تتمدد ورد وبجوارها ابنتها التي صاحت بلهفة، فها هي ستستمع عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وارضاه الذي تعشقه وتحب حديثه جداً، وتحفظ كل معلومة عنه بقلبها قبل عقلها.
"ماما هتحكيلي عن وفاة عمر النهارده صح؟"
هزت ورد رأسها بابتسامة لهفة:
"آه."
ضمتها أكثر إليها وهمست بهيام:
"لقد مات عمر في صلاة الفجر وهو قائم يصلي، طعنه أبو لؤلؤة المجوسي، فأخذ عمر بيد عبد الرحمن بن عوف فقدمه للصلاة بالناس، وصلى بهم عبد الرحمن وانصرفوا بأمير المؤمنين محمولاً. وطلب عمر بن الخطاب من ابنه عبد الله أن يؤدي ما عليه من مال ثم يذهب لعائشة أم المؤمنين فقل: يقرأ عليكِ عمر السلام، ولا تقل أمير المؤمنين، فإني لست اليوم للمؤمنين أميراً، وقل: 'يستأذن عمر بن الخطاب أن يبقي مع صاحبيه'. وذهب عبد الله واستأذن ثم دخل عليها فوجدها قاعدة تبكي، فقال: يقرأ عليكِ عمر بن الخطاب السلام، ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه. فقالت: كنت أريده لنفسي ولأوثرنه به اليوم على نفسي. ورجع عبد الله وقيل: هذا عبد الله بن عمر قد جاء. فقال عمر: ارفعوني، فأسنده رجل إليه وقال: ما لديك؟ قال: ما تحب يا أمير المؤمنين، أذنت. فقال عمر: الحمد لله، ما كان من شيء أهم إلي من ذلك، فإذا أنا قضيت فأحملني، ثم سلم فقل: 'يستأذن عمر بن الخطاب، فإن أذن لي فادخلوني، وإن رددتني ردوني إلى مقابر المسلمين'. وأذنت السيدة عائشة لعمرو أن يدفن، ودفن مع صاحبيه رسول الله وأبو بكر."
كان الدمع يتدفق بغزارة من أعين ورد وكذلك ابنتها.
ابتسمت ورد وهي تزيح دمعات طفلتها وقبلتها بحب.
وهمست: "قال بن عباس رضي الله عنه إن عمر رضي الله عنه طعن في السحر، طعنه أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، وكان مجوسياً. وقال أبو رافع رضي الله عنه: كان أبو لؤلؤة عبداً للمغيرة بن شعبة وكان يصنع الأرحاء، وكان المغيرة يستغله كل يوم أربعة دراهم، فلقي أبو لؤلؤة عمر فقال: يا أمير المؤمنين إن المغيرة قد أثقل علي غلتي، فكلمه أن يخفف عني. فقال عمر: اتق الله، واحسن إلى مولاك. ومن نية عمر أن يلقي المغيرة فيكلمه يخفف عنه، فغضب العبد وقال: وسع كلهم عدله غيري؟ فأضمر على قتله، فاصطنع خنجراً له رأسان، وشحذه، وسماه، ثم أتى به الهرمزان فقال: كيف ترى هذا؟ قال: أرى أنك لا تضرب به أحداً إلا قتلته. قال: فتحين أبو لؤلؤة عمر، فجاءه في صلاة الغداة، حتى قام وراء عمر، وكان عمر إذا أقيمت الصلاة يتكلم يقول: أقيموا صفوفكم، فقال كما كان يقول، فلما كبر، وجأه أبو لؤلؤة، وجأه في كتفه (طعنه) ووجأه في خاصرته. فسقط عمر. قال عمرو بن ميمون رحمه الله: سمعته لم طعن يقول: 'وكان أمر الله قدراً مقدوراً'. لقد طعن عمر والسم يجري في جسده وجرحه ينزف وهو يكمل صلاته. فأين نحن من هؤلاء؟ أصبحنا نكسل على صلاتنا ولا نصلي. وانظروا إلى عمر وجرحه والسم يجري في جسده وهو يصلي. استمع عمر آية 'إن عذاب ربك لواقع' فيدخل عمر في غيبوبة. لقد بشره نبينا بالجنة وعندما استمع لآية عذاب دخل بغيبوبة خوفاً. فأين نحن من هؤلاء؟ ماذا صنعنا؟"
صمت ساد فجأة لا يقطعه سوى شهقات خديجة المتتالية بعدما انعدلت بجلستها.
أسرعت ورد لتضمها إلى صدرها بحنان فزاد نحيب خديجة وهي تهمس:
"مات عمر، مات أمير المؤمنين."
ظلت تبكي لبعد الوقت، بعدها همست:
"احكيلي عن عمر يا ماما."
أزاحت ورد دموع ابنتها وهمست بابتسامة:
"بكرة، يلا نامي دلوقتي، كفاية كده؟"
همست خديجة بزعل:
"لأ يا ماما، احكيلي عن عمر."
همست ورد وهي تنظر للفراغ:
"لقد كان في نية عمر أن يحادث المغيرة ليقلل من الدراهم، ولكن قتله أبو لؤلؤة. مات عمر وهو لا هم له سوى أن يدفن بجوار رسول الله وأبو بكر. كانت السيدة عائشة تدخره لنفسها وأثرته على نفسها. وأدي الأمانات التي كانت عليه من ماله الخاص. كان يخاف الله ويخاف ويبكي رغم أن الرسول بشره بالجنه. فأين نحن من هؤلاء؟ عمر على فراش الموت يموت ويسأل: 'أصلى الناس؟' ونحن انشغلنا بالحياة الدنيا وملاذاتها وجمع المال وبما ستنفعنا بيوتنا التي نبنيها ستنفعنا؟ المال سينفع؟ هل سنأخذه معنا؟ نسمع 'الله أكبر' ولا نلبي النداء، فهل سيغفر لنا رب العالمين؟ ومن منا لا يقول 'بعدما انتهي سأصلي'؟ فهل يوجد أهم من الصلاة والتقرب من رب العالمين."
غطى الدمع وجه خديجة كلياً وقالت من بين شهقاتها تقاطع حديث والدتها:
"أنا عايزة أصلي يا ماما."
ابتسمت ورد بحب وهتفت:
"يلا نصلي."
صلوا سوياً، وأوت خديجة للفراش وغطت في النوم، وما زال أثر دموعها على وجنتيها.
جلست ورد على المكتب المعد بالغرفة تراجع بعض الملفات. سرعان ما تذكرت عمرو وهاجمتها الذكريات، ذكريات قاسية تجعلها تشعر بالسعادة وهي تتذكر تلك الأيام، ومن ثم توجعها وتحرق فؤادها عندما تشعر بخنجر ينغرس بفؤادها ليفيقها لواقعها.
ذهبت بذكرياتها وهي شارده تتذكر.
"عمرو اصحي بقا، يا ابني أنت قوم."
هتفت بها ورد وهي تهز عمرو الذي يغط في النوم.
هبت واقفة بحيرة وهي تفكر كيف تجعله يفيق.
خطرت لها فكرة فأسرعت بتنفيذها على عجل، جذبت كوب الماء لتسكبه عليه.
نهض مزعوراً وهو يصيح:
"إيه؟"
اتسعت عينه وفمه وهو ينظر لها بزهول، فكبتت ضحكاتها وهي تقول:
"والله أنت أجبرتني على كده، مكنتش عايز تصحى، اعملك إيه يعني."
جفف وجهه من الماء المبعثر عليه وصمت لدقائق حتى يهدأ من روعه وقال بهدوء:
"بتصحيني في نص الليل ليه دلوقتي؟"
عقدت ذراعيها وهي تهتف بضيق:
"قوم عشان نصلي قيام الليل!"
قال نوم قال.
رمقها بغيظ وهتف:
"حرام عليكي، عندي شغل الصبح بدري، أمشي يا ورد من قدامي عشان متغباش."
لوت فمها بسخرية:
"يعني مثلاً، الشغل أهم من الصلاة؟"
أمسكت بكف يده وهي تجذبه رغماً عنه هاتفة:
"يلا بقا، مش اتفقنا نصلي سوا؟ يلا قوم."
رفرف قلبه بسعادة وهو ينصاع لها وسار معها وتوضأ وأقاموا الليل.
كاد أن يهم بالوقوف فأمسكت بيده وأشارت له بالجلوس وهي تجذب المصحف بيدها الأخرى وتقول:
"اقعد يا عم، هنقرأ شوية وبعد كده نام براحتك، الشغل مش أهم، ويا حبيبي مهما هنعيش وهتشغلنا الحياة بملاذاتها ومناعمها، فهيجي يوم وكل ده هيكون هباء ولا ينفعنا سوا عمل الخير، نحن ملاقون يوماً."
أنصاع لها وعاد جلوسه مرة أخرى، تناول منها المصحف وقرأ سوياً.
رتلوا القرآن ووضعوه جانباً. نظر لها بحب شديد لتهتف هي بمرح:
"شوف يا سيدي، إحنا نتفق، هنصلي سوا قيام الليل يومياً وهنقرأ في المصحف، ولما تكون في الشغل وأنا بردوا هرن عليك عشان تصلي، وأنا لو مرنتش أنت ترن، هتجبلي كتب عشان نقرأ سوا، وكمان لازم تعرف كل شهر لازم نساعد حد محتاج أو مستشفى أو جمعية مهما كانت حالتنا حتى لو اللي هنتبرع بيهم مش معانا غيرهم، وكمان صيام اثنين وخميس، يعني بكرة هنصيم."
تنهدت براحة ونظرت بعمق عينيه الهائمتين بها وأشارت له بتحذير:
"فهمت ولا مفهمتش؟ لازم يا حبيبي نأخذ بأيدين بعض للجنه عشان ربنا يرضى عنا، ماشي؟ ونكون سوي في الدارين."
نكزته بغيظ فغمز لها بحب وهو يحتضن وجهها بين كفيه وهمس وهو يقترب من وجهها:
"هو أنا عملت إيه في حياتي عشان يرزقني بيكي؟ هو أنا كويس أوي لدرجة دي! غيري بيحلم يتجوز واحدة تكون زيك كده، بس أنا حلمي بقا حقيقة. عايزك دايماً جنبي تقربيني من ربنا، لأني من غيرك ببقى تايه. أنا مبسوط لأنك جنبي ومعايا وف قلبي يا قلبي. أدامك الله لي."
قبل كف يدها بحب.
"يا أمي وأختي وبنتي وحبيبتي ومراتي وكل ما ليا."
أفاقت من ذكرياتها على صوت إشعار رسالة.
كفكفت دموعها التي تدفقت من حرقة فؤادها على سعادتها التي لم تدوم.
التقطت القلم وأخذت تدون بدفترها وملامح عمرو ترفرف أمام عينيها بشوق وحنين فاض بقلبها.
"اشتقت إليك ولا أدري أأنت أيضاً تشتاق كما أشتاق. لو تعلم كم الاشتياق صعب لما ابتعدت وتركت ابنتك تتعذب بنار الشوق. أنتظر وكأني أنتظر شيئاً مستحيلاً أن يأتي وأن أراه. هل نسيتني؟ هل نسيت ابنتك التي كنت تلهو معها وأنت تضع هموم الكون جانباً لأجلها! هل نسيت والدتك ألم تشتاق لحضنها الذي كان يأخذك من الدنيا وما بها، فمن غيري حضنه يدفئك ويحتويك؟ أنسيت حبيبتك التي كانت تتوجع لوجعك ومعك بأسوأ حالتك، التي كان يومها لا يبدأ إلا بابتسامتك، فكان صباحي أجمل صباح برؤياك واحتضان عيناك لي، ولا يغمض لي جفن إلا بحضنك وبين ذراعيك، لا يغمض جفني إلا على نبضات قلبك. اشتقت إليك يا حبيبي يا ابني وأبي، اشتقت إليك وأنتظرك، ولكن أنت أظن أنك قد نسيتني ووجدت أخرى لتهتم بها وتعشقها وتدَللها وتخشي عليها، فهل أحببتها مثلي أم أكثر؟ هل أخذت مكاني؟ كيف تعيش دوني وكيف يبدأ يومك دون أن ترى ضحكتي التي كانت يحلو بها يومك ويبدأ بسماع صوتي؟ كيف أخبرني؟ كيف تنام قبل أن تطمئن علي؟ اشتقت لك يا روحي ونار الاشتياق تكويني."
طرقات خفيفة على الباب جعلته يترك ما بيده ويضعه جانباً وهو يأذن للطارق بالدخول.
التفت برأسه عندما طَلّت لمار من الباب وهي عاقدة ذراعيها بغيظ مصطنع، تخبئ فرحتها برجوعه.
ابتسم بسعادة وأتلألأت عيناه ببهجة وهو يسرع خطواته ويهمس:
"لمار وحشتيني أوي."
ضمها بحنان، لم تستطع رسم الجمود وأن تظل على حزنها، فشددت من ضمتها له بشوق كبير.
ابتعد عنها بعد دقائق ليقول بفرحة:
"وحشتيني أوي أوي، حاسس إني رُدت فيا الروح."
رمقته لمار بعتاب واضح بعينيها. قرأ عتابها له، ومعها حق، فهو ابتعد دون سبب، لم يكن لأيام أو شهور بل لسنين، ولكن لو تعلم ما مر به ببعدها لعذرته. كادت أن تهم بالكلام، ليتناول كفها ويطبع قبلة رقيقة وأخذها من يدها ليجلسا سوياً.
تطلع بعمق عينيها وهو يقول بوجع:
"عارف إنك زعلانة مني وعندك ألف سؤال مالهومش أي إجابة وعارف إني غلطان لما سافرت كده من غير أي سبب. بس عايز أقولك إني والله مش عارف عملت كده إزاي، مش عارف إيه اللي حصل في اليوم ده، بس أنا..."
عن ماذا يتحدث؟ هي لا تدري ما الذي لم يفعله.
بتعجب، نظرت له وقالت بهدوء:
"أنت إيه؟ وإيه اللي حصل؟ إيه اللي عملته؟"
ارتسمت معالم الدهشة على وجهه، ألم تدري بعد ما حدث؟ ألم تعلم عن خيانته لورد؟ ألم تقص لها ما حدث؟ هو لا يدري ما الذي يدور حوله ولماذا ظلت محتفظة للآن ولم تخبر أحد.
بإرباك شديد، نظر لها عندما نكزته من شروده الذي طال.
نظر لها بتوتر وقال بتلعثم:
"مفيش حاجة، أنا رايح أشوف بنتي النهارده."
وبحزن أردف:
"طالعة جميلة أوي، تخيلي بنتي ولحد الآن مأخدتهاش في حضني، شعور وحش أوي."
رأت الكذب بعينه فتأكدت شكوكها أن هناك أمراً ما لم تعلمه بعد، وهناك خفايا لم تدري بها. عليها الآن أن تلملم الباقي وتنقذ ما تبقى، فهي تعلم علم اليقين أنهم يعشقون بعض والوجع يقتلهم ولكنهم لا يظهرون ذلك.
نظرت له لمار بابتسامة وقالت:
"وورد إيه، موحشتكش؟"
جاهد ألا تنحدر دمعة من عينه، وجاهد بصعوبة حتى يخفي نبرة صوته الحزينة وهو يقول بوجع وهيام:
"وحشتني؟ هو أنا عارف أعيش من غيرها؟ أنا ناقص ومش مكتمل بدونها."
نهض مسرعاً ليهرب من حديثها الذي يوجعه وأسئلتها التي لا توجد لها إجابة وقال:
"أنا همشي عشان أشوفهم ولما أرجع نتكلم."
اندفع مسرعاً للخارج، بينما تابعته نظرات لمار حتى ذهب من أمامها وهي منشغلة الفكر من أين تبدأ لتعلم ما يخفوه وسبب بعدهم.
توجهت لغرفتها شارده تفكر بعمرو وورد.
حتى أنها لم تستمع لمناداة أدهم الذي انعدل بجلسته يرمقها بدهشة. نهض ودنا منها، رفع يده على كتفها.
انتفضت وهي تستدير له برأسها، قطب حاجبيه بتعجب وهو يقول متسائلاً:
"لمار حبيبتي مالك، إيه؟"
واستطرد قائلاً وهو يضم وجهها بين كفيه برقة:
"عمرو قالك حاجة؟ عرفتي إيه اللي حصل؟"
هزت رأسها بالرفض وتكاد تجن وعقلها ينفجر من التفكير بجل شيء. تشعر أنها تائهة، فهم أبناؤها يتعذبون ولا تدري ما بهم وما سبب فراقهم. تنهدت بضيق وابتسمت بهدوء قائلة:
"لأ، معرفتش حاجة ولا اتكلم، هو حالياً راح يشوفهم وأنا مش هسكت ولا هيرتاح بالي غير لما أعرف كل حاجة وأرجعهم لبعض!"
ضمها بحنان لصدره وهو يردف:
"هنجمعهم يا قلبي وهنعرف السبب وقريب أوي كمان."
بدار الأيتام دلفت ريم ومعها أحمد، دلفوا للداخل وأيديهم ببعضها، وما أن رأوهم الأطفال حتى هجموا عليهم وهم يهَللون بفرحة شديدة ويضمون ريم بحب، بينما تنحى أحمد جانباً وهو يبتسم بحب وهو يراها تضحك من فؤادها. أغمض عينه يحمد ربه وفتح عيناه متأملاً بها بسعادة. فهي سعادة قلبه وانبساط روحه. ضحكتها تلك التي من فؤادها تعصف به لدنيا أخرى، تجعله ينسى كل ما حوله ولا يرى غيرها. هي ليست بزوجته، هي ابنته وأمه وصديقته، هي كل ما له، لا يريد شيئاً آخر سوى ضحكتها وبهجة قلبها. آه لو يملك السعادة لأهداها لها ولصنع المستحيل لها.
فاق من تأمله لها، على مناداتها له:
"أحمد، هات الهدايا."
تقدم منها ووزعوهم على الأطفال من ملابس وألعاب.
تقدمت منهم سيدة على وجهها ابتسامة وهي ترحب بهم بشدة. ذهب معها أحمد، بينما ظلت ريم تلهو مع الأطفال التي ضحكاتهم كانت تنشر البهجة بالمكان أجمعه، تجعل قلبها يرفرف عالياً بالسماء من شدة فرحته.
تفاجأت فجأة بيدين تحاوطها من الخلف وصوتاً قريباً من أذنها يصيح:
"رررررريم! إزاي تيجي من غير ما تقولي لنا؟!"
حدقت عيناها بفرحة وهي تلتفت:
"أسماء! جيتي لوحدك؟"
"لأ لأ تيجي لوحدها إيه بس؟ وأضيع عن نفسي الفرحة دي!" قالتها وهي تشير على الأطفال.
اندَمجت أسماء ووعد مع الأطفال، بينما أخذت ريم مكاناً مكثت به وهي تشاهدهم وتضحك من قلبها.
مر بعد وقت حتى اقتربت وعد وأسماء من ريم وأحمد الذي جاء.
قالت وعد بجدية:
"همشي ياسين يلا، قافل جمعايا وهروح على الجهاز."
أشار لها أحمد قائلاً بعدما انتابه القلق:
"في حاجة ولا إيه؟ أجي معاكي!"
هزت وعد رأسها بابتسامة مطمئنة من عينيها وقالت بهدوء:
"لأ لأ مفيش حاجة، اطمن!"
لوحت بيدها لهم وهي تسرع من خطواتها للخارج.
أشارت لهم أسماء:
"وأنا همشي عشان أروح المستشفى، اتأخرت."
غمز لها أحمد قائلاً:
"تعالي يلا أوصلك!"
بجدية همست أسماء:
"لأ والله، هروح لوحدي، خليكم أنتوا هنا."
وأسـرعت خطاها للخارج حتى تنهي الحديث.
أخذت وعد سيارة أجرة، كانت تطلع من النافذة وهي تهمس بالاستغفار: "أستغفر الله العظيم وأتوب إليه." ترددها مراراً وتكراراً حتى حدقت عيناها بشيء وصاحت مسرعة:
"أقف، أقف."
عبر المرآة نظر السائق لها بتعجب شديد وأوقف السيارة جانباً.
اندفعت مسرعة وهي تتخطى السيارات حتى وصلت لرجل عجوز يقف لا يستطيع أن يمر من أمام السيارات التي تسير مسرعة.
تمسكت وعد بيده بحب وعطف وهي تعطي إشارة للسيارة بيدها الأخرى بالتوقف. سار معها لمبتغاه، ابتسم وهو يدعو لها فبادلته الابتسامة بحب. ما كادت أن تستدير لتعود للسيارة حتى لمحت تلك الفتاة التي كانت بالحفل والتي بسببها أصيب ياسين. رمقتها بنظرة حارقة، سرعان ما تحولت لنظرة قلق وخوف وهي ترى سيارة سوداء اللون تقف مقابلها ويترجل منها رجال جذبوها عنوة عنها.
توقف عقلها عن العمل وتوغل القلق والخوف قلبها، وبكل ما أوتيت من قوة وعزم ركضت مسرعة خلف السيارة.
وقفت بتعب تلهث حتى وقفت سيارة أمامها وما كان إلا السائق التي كانت معه. صعدت السيارة وانطلق مسرعاً خلف الأخرى.
حاولت بشتى الطرق الصراخ، وفك أيديهم المقيدة عليها تكبلها وتشل حركتها. لا تدري أين هي ومن هؤلاء وما الذي سيحصل معها. كانت تقف تنتظر أختها أسراء التي دخلت إحدى المحلات لشراء شيء ما. تدفقت دموعها بخوف من الآتي وعندئذ علمت أنها تم اختطافها، ولكن من؟ من يريد أذيتها!
هل هي تلك العصابة التي تختطف الفتيات تلك الأيام أم ماذا؟
ستترك كل شيء يسير كما يشاء.
بمكان خالٍ تماماً من المرء حيث لا يوجد سوى مخزن قديم الهيئة، ترجلوا من السيارة وهم يسحبونها بقوة وعنوة. حملها أحدهما وسار بها لداخل المخزن بعدما صاح بزميله:
"رن أنت على الباشا عرفه إننا في المخزن ومعانا الأمانة!"
ولج للداخل وألقاها بقوة جعلت رأسها تضرب بالأرض.
انكمشت على ذاتها وهي تحتضن ذاتها، دافنة رأسها بين ذراعيها تبكي بحرقة وخوف، لا ترى شيئاً سوى ظلام يحاصرها، تتمنى فقط أن ترى النور ولو قليلاً حتى تستطيع إنقاذ ذاتها.
ظلت وجلة ماكثة مكانها وهي تستمع لهمسهم حولها.
توقفت السيارة جانباً ليس ببعيد، ألتفت السائق بجسده لوعد وهتف:
"إحنا كده هنبلغ!"
أخرجت وعد مسدسها الذي كان بحوزتها وقالت دون النظر له:
"الشرطة كلها معاك أهووو."
فتحت الباب وهي تقول بذات الوقت:
"خليك هنا لحد ما أرجع."
ترجل من السيارة مسرعاً فقد كان رجلاً بعمر والدها وقال بحنو:
"يا بنتي فين الرجولة لو سبتك تنقذي البت لوحدك."
ربت على كتفها هامساً:
"طالما في أمثالك كده وزيك ف الدنيا لسه بخير."
ابتسمت له قائلة:
"تمام، تعالي معايا."
سار بجوارها بتوجس، أما هي ففحصت المكان بأكمله لتتأكد وتعلم كم عدد الأشخاص بعدما تيقنت أنهم ليس من الذين يخطفون البنات وأنما هؤلاء مأجورون لخطفها.
تسللت للمخزن بخطوات بطيئة وحذرة، وقفت خلف الحارس الذي على الباب وضربته بعنقه فوقع فوراً مغشياً عليه.
طرقات على الباب، طرقات جامدة سريعة، واختبأت خلف الحائط.
انفتح الباب وطل منه أحدهما ف أمسكت بذراعه ولوته وألقته أرضاً يتأوه وهي تبصق عليه.
سمعوا الضجيج فأشهروا أسلحتهم مستعدين للهجوم.
ولجت وعد كالإعصار وعيناها تدور على سجي التي وقفت بخوف تتحسس بحذر.
تشابكت وعد معهم بالأيدي وذاك السائق.
رفعت وعد سلاحها وأطلقت طلقة على قدم أحدهما ليتمدد بجوار زميله.
صرخت سجي بانهيار وهي تسقط أرضاً بتوجس وجسدها يرتعش وقلبها يعتصر ألماً فلا تدري أين هي ومن هؤلاء وما مصيرها الآن.
ركضت بلهفة وعد تجاهها وجثت جوارها لتضمها بهلع يعصف فؤادها وهي تشدد من ضمها بقوة وتهمس:
"أهدي يا سجي، مفيش حاجة، أنا وعد كنت يوم الحفلة موجودة، متقلقيش، أنا جمبك."
هدئت أنفاسها وبطئ صوت شهقاتها وتوقفت دموعها.
أمان توغل لفؤادها وهي تتشبث بها بقوة وأغمضت عينيها هرباً من كل شيء.
ظلت تربت على ظهرها بحنان.
فقطع حيرة وعد السائق وهو يقول بعدما ظن أنها تعرفها:
"أختك بخير يا بنتي، متقلقيش، يلا عشان أوصلكم."
نظرت له وعد بعينيها وهي تضم سجي بقوة كأنها تخشى أن تبتعد عنها.
ابتلعت ريقها الجاف بصعوبة وهي تهتف بتلعثم:
"دي دي مش أختي!"
واستطردت قولها لسجي:
"يلا عشان نمشي من هنا، قومي معايا!"
ضغط بقوة على كف يدها فربتت وعد على يدها هاتفة:
"مش هسيبك، قومي."
استطاعت أن تحرر يديها، سرعان ما ارتجفت بخوف لتعود وعد ضمها بقوة.
ليهمس الرجل بتعجب:
"مش اختك؟ يبقي أكيد قريبتك! باين إنكم تعرفوا بعض."
نظرت له وعد دون كلمة.
فجأة ولج زين يتجلى القلق والهلع ملامحه الغاضبة وهو يصرخ باسمها. ركض مسرعاً عندما وقعت عيناه عليها فأخذها من بين ذراعي وعد لأحضانه.
ظلت وعد تنظر له كمن أخذ منها روحها دون استئذان. فكانت تنظر لها بعينيها وهي تريد أن تخطفها لحضنها من العالم.
وقفت وعد لتغادر مع السائق، بينما حمل زين سجي وهتف بوعد قبل أن ترحل:
"شكراً يا آنسة لأنك أنقذتيها!"
قالت وهي تتابع سيره للسيارة:
"أبداً، دا واجبي."
واختفت بلمح البصر داخل السيارة تحاول الهروب من كل شيء.
خرج بغضب "عثمان" من غرفة مكتبه وهو يغلق الباب بعنف خلفه، يسير للخارج وهو يتمتم.
وفجأة انصدمت به فتاة، كادت بالسقوط أرضاً، ولكنه لحقها وهو قابض على ذراعها بقوة. انعدلت بوقفتها وهي تتحسس جبينها بتأوه. أما هو فسار خطوتين ولكنه وقف عندما صاحت بصوتاً عال:
"أنت أعمى مبتشوفش مش تفتح؟ كنت هعمل إيه دلوقتي لو اتكسرت ولا حصلي حاجة! وبعدين مش تعتذر حتى ولا..."
قطع جملتها عندما رمقها بنظرة نارية جعلتها تبتلع ريقها بخوف، سرعان ما أسرعت خطواتها لتقف أمامه مباشرة وحدقت به قائلة بزهول:
"مش ممكن مستحيل، أنت حلم ولا علم ولا إيه؟ أنت طالع من التلفزيون مش كدا؟ إيه القمر..."
انعقد لسانها، وتراجعت للخلف، عندما تقدم منها وهو يصرخ بغضب:
"أنتي هبلة ولا في إيه؟ مالك انبوبة غاز اتفتحت؟ اسكُتي، واسكتي خليني أعدي."
قالها وهو يدفعها للخلف.
وخطى ليسير ولكنها وقفت أمامه تسد طريقه مرة أخرى هامسة بدهشة وهي تشير لنفسها:
"أنا أنبوبة اتفتحت هااا؟ وانت إيه بقا؟ ابتسم ولا أنت مبتعرفش غير تزعق وتصرخ."
قطب حاجبيه بزهول:
"وإنتي مالك أصلاً ابتسم ولا لاء؟ أنتي هتصاحبيني؟"
أشارت لنفسها بدهشة:
"أنا أصاحبك أنت؟ ليه مجنونة؟ معنديش عقل أصاحب واحد زيك. وبعدين ما اعتذرتش لخبطك فيا!"
ضغط على ذراعها بقوة فتأوهت بصوت عال وصاح بها:
"أنتي طلعتيلي منين دلوقتي؟"
"عثمان يا ابني مالك في إيه؟ سيبها!"
جاء هذا الصوت من الخلف والذي لم يكن سوى "أنس" الذي جذبه بعيداً وهدأه وغادر عثمان بعدما رمقها بغضب قاتل.
اقترب عثمان من الفتاة وهمس بابتسامة:
"أقدر أساعدك في حاجة؟"
كانت تتحسس بألم موضع قبضته وتجاهد على حبس دموعها وهمست دامعة:
"أنا عايزة أشوف وعد أدهم وياسين الشرقاوي."
ابتسم لها مرحباً بلهفة وأخذها للداخل.
منشغلاً بذاك الملف الذي يدرسه جيداً، طرقات على الباب انتشلته من دوامته وأذن للطارق بالدخول، دلف أنس وخلفه الفتاة. ما أن رآها ياسين حتى وقف مسرعاً بشوق ووجهه أشرق واتسعت ابتسامة وهو يقترب منها هامساً اسمها بحب:
"مكه! إيه المفاجأة دي؟ جيتوا إمتى وفين عمو؟"
ضحكت بفرحة وهي تصيح:
"وحشتني الأول يا ابني، إيه ده؟ عامل إيه؟"
ابتسم مرحباً بها وجلسوا سوياً يتحاورون بعدما غادر أنس مكتبه.
على سجادة الصلاة تجلس ورد بجانبها خديجة يسبحون ويكبرون ويحمدون ربهم. بجانب منهم منشغل التلفاز على إحدى الفضائيات للقرآن الكريم. جذبت ورد المصحف بجانبها وهمست بجدية:
"يلا بقا يا ديجا سمعي السورة اللي حفظتيها."
تلت ما تحفظه بصوت خاشع خديجة، فكانت سعادة ورد تجعلها تطير عالياً من شدة ما تشعر به.
بعد أن سمعت ضمتها ورد بشدة وهي تهمس:
"يلا نراجع شوية من اللي فات في قصص الصحابة."
صفقت بيديها ببهجة وصاحت بلهفة:
"ماشي يا ماما، اسأليني!"
صمتت ورد قليلاً بتفكير وحيرة فقررت أن تسأل ابنتها بالصحابي الذي تعشقه ومتغلغل بفؤادها، فهمست باسمة الوجه:
"من هو الفاروق؟"
تلقائياً صاحت خديجة عالياً:
"عمر بن الخطاب أمير المؤمنين وأميري."
ورد: "كم كان عمر عمر بن الخطاب عندما أسلم؟"
تلقائياً وببهجة أجابت خديجة:
"سبع وعشرين سنة، بعد إسلام حمزة بن عبد المطلب بثلاث أيام."
غمرت الفرحة فؤاد ورد ودعت بقلبها لابنتها وهمست:
"كيف أسلم عمرو؟"
"كان عازماً لقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه علم بإسلام أخته فاطمة هي وزوجها فذهب إليهما وكان عندهما خباب بن الأرت وهناك لطم عمر أخته فرق قلبه فأراد أن يعرف ما بتلك الصحيفة فطلبت منه فاطمة أن يتطهر وتطهر عمر وقرأ من سورة 'طه' ورق قلبه وسأل عن رسول الله ليُسلم فخرج خباب وبشره أنها دعوة رسول الله له 'اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك بأبي جهل بن هشام أو عمر بن الخطاب'. وذهب عمر لرسول الله وأعلن إسلامه."
"من هو حب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟"
أجابت خديجة مسرعة بلهفة:
"زيد بن حارثة."
ورد: "من هو الحب بن الحب؟"
أجابت خديجة: "أسامة بن زيد."
ورد: "من هو مؤذن الرسول صلى الله عليه وسلم؟"
خديجة: "بلال بن رباح."
ورد بابتسامة تتسع شيئاً فشئ بابنتها: "من هو حامل لواء الدعوة؟"
خديجة: "مصعب بن عمير."
ورد: "ما هو المسجد الذي استشهد فيه علي بن أبي طالب."
خديجة: "مسجد الكوفة."
ورد: "من الصحابي الذي استمعت إليه الملائكة وهو يتلو سورة البقرة؟"
خديجة: "أسيد بن حضير."
"من هو الصحابي الذي قال عنه الرسول هذا خالي؟"
خديجة: "سعد بن أبي وقاص."
ورد: "صحابي بن عم رسول الله، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، يلقب بحواري الرسول؟"
خديجة: "الزبير بن العوام."
ورد: "صحابي ومولى للنبي محمد صلى الله عليه وسلم ترك أهله وبلده سعياً وراء معرفة الدين الحق وتوفي في خلافة عثمان بن عفان من هو؟"
خديجة: "سلمان الفارسي رجلاً يبحث عن الحق."
وسعادة "ورد" الآن حقاً لا توصف بابنتها. ضمتها لصدرها بحنان وقبلت جبينها وتناولت المصحف وأخذت تحفظ خديجة بالسورة التي عليها حفظها.
طرقات على الباب جعلتها تشعر بالحيرة فناولت المصحف لخديجة وهمت بالمغادرة لترى من الطارق وقالت بطريقها:
"كملي حفظ لحد ما أجيلك يلا."
فتحت الباب فطالعها آخر وجهاً لم تتوقع رؤياه أبداً.
حدقت به بصدمة، فمتى عاد؟
تحولت تلك الصدمة إلى دموع شوق واشتياق وحنين، فانسابت دموعها بصمت شديد، عيناها بعيناه لم تستطع أن تحيد عنهم، خفق قلبها بشدة. أرادت أن تضمه، أن تخبره أنها بحاجة إليه، أن الحياة بدونه ليست حياة، حياة غير مكتملة. أرادت أن تعاتبه على تركه لها بعيداً، ألم يوعدها بالبقاء؟ شعرت أنها شلت فجأة فلم تستطع التوقف لتستند على الباب.
لم يكن حاله أقل منها داخلياً، ولكنه كان يخفي بمهارة ما يشعر به، لا يظهر سوى الجمود، ثابت كالجبل. ولكن مهلاً، رَقّ قلبه وعصر من الألم وضاق صدره عندما رأى دموعها، شعر أنه قد ينهار أمامها ويجذبها داخل قلبه يخبئها به ويسجنها، لعلها تصبح سجينته، كم هي سجينة قلبه. ارتوت روحه برؤياها أمامه وشبع قلبه من ملامحها، فهل حقاً شبع منها وارتوى؟
ظل هائماً بها باشتياق شديد غلبه وحنين قد فاض.
تعانقت أعينهما بحضن طال، وقلوبهما ترتوي وتحفر الملامح من جديد، وتلاقت أرواحهما أخيراً بعد غياب وانتظار أنهكها.
استغربت والدتها التي طالت عودتها، فنهضت مسرعة للخارج وهي تصيح:
"ماما أنتي فين؟"
ظلت ورد متسمرة بمكانها، عيناها على من ملك الفؤاد، تشبع روحها من رؤياه، فلا تدري متى تراه مرة أخرى.
أما عمر بأعجوبة حاد عينه عن معشوقته ونقل نظره على طفلته التي حدقت به وهي تصيح مسرعة إليه:
"عمو ده أنت؟ هو أنت تعرف ماما؟"
جثى أمامها واحتضن وجهها بين كفيه، وترقرق عيناه بالدمع لتهوي ببطء واحدة خلف الأخرى.
همس بصوت مخنوق من البكاء بضيق:
"بابا، أنا بابا يا روح قلب بابا."
وبتلعثم استكمل:
"وحشتيني يا بنتي."
ضمها لصدره بقوة، فها هي روحه رودت إليه، كأن دنياه المظلمة لا يوجد بها أي نور، ظهر بها ملاك أبيض ينير دنياه ودربه، كالميت الذي عاد للحياة، كمن كان يختنق وها هو يتنفس من جديد. بكاء بحرقة وندم وعتاب لنفسه على أنه أضاع تلك السنين بعيداً عنها.
ضمته خديجة بفرحة وهي تقول ببراءة:
"أنت رجعت من السفر ومش هتسافر تاني!"
سحبت ذاتها من بين يديه لتزيح دموعه هامسة:
"بابا أنت بتبكي ليه؟ هو أنت زعلان مني!"
أراد الصراخ أن يقول لا، أنتي سامحيني لأني تركتك وذهبت.
نظر لسدالها وحجابها ونور وجهها الذي كالقمر يشع منه نور، نور الإيمان.
فابتسم بسعادة وقلبه أشرق فرحاً وروحه رفرفت ببهجة.
تعلقـت عيناها بهم باكية بحرقة، كم كانت تود أن تكون جزءاً من ذاك العناق، ذاك الدفء والاحتواء.
حملها بين ذراعيه بشوق، ووقف مقابل ورد هاتفا بحدة:
"شكراً لأنك اهتمتي ببنتي!"
قاطعته قائلة بثبات:
"دي بنتي، أنت بتشكرني على إيه؟"
تحاشى النظر إليه وهو يشيح بوجهه عنها كلياً حتى لا يضعف أو ينهار وقال بجمود:
"هأخد خديجة معايا وهرجعها لك تاني ومش عايزك تقلقي عليها."
همت بالمعارضة لتقول خديجة:
"بس أنا عايزة أقعد هنا وأنت معانا أنا وماما!"
نظر لعيناها قائلاً بمرح:
"مش عايزة تروحي معايا؟ ده أنا هجيب لك حاجات كتير وهنرجع بسرعة لماما!"
صاحت خديجة وهي تصفق بيديها:
"ماشي يلا بسرعة بسرعة!"
رمقها بجمود نظرة خاطفة وقال وهو يغادر مسرعاً قبل أن تعترض:
"إحنا هنمشي وهبقى أجيبها لك! وأنتِ عارفة طريقنا وقت ما تحبي تيجي!"
اختفى بلمح البصر. تدفقت دموعها وبطئت دقات قلبها. تعالت صوت أنفاسها كمن نزع منه روحه بلا رحمة. ارتجف قلبها، بتيهة أغلقت الباب بألم وهي تستند عليه باكية وسقطت أرضاً بانهيار. أرادت الصراخ ولكن كيف تصرخ وقد انعقد لسانها ولا يوجد سوى صدى لانكسار قلبها وروحها التي تتمزق. شعرت بالوحدة، فضمت نفسها وبكت بحرقة. نيران أشعلت بفؤادها فلم تدري كيف تطفئها. اشتقت إليه كثيراً ولكن ذكرى ذاك اليوم تمكنت مرة أخرى منها، كان لا يوجد غيرها ما مر بحياتها وهي تراه مع أخرى. لماذا عاد ليوجعها ليعذبها؟ كم تود الركض إليه لتهرب من الحياة إليه وفيه كطفلة صغيرة تائهة قد تركت يد والدها ونست طريق البيت، تريد أن تضمه، أن تخبره ما عانته وكم هي بحاجة إليه للأمان والاحتواء والسند.
شعرت أنها بحاجة لأحد تشكو له حال قلبها، على من تركها تعاني، تركها دون حياة وقلب وروح، تركها جثة بلا روح.
تركها بغرفة ما بين أربع حيطان يحوطها الظلام ولا يوجد نور نهائياً وهي خائفة تنادي عليه ولا يلبي نداء قلبها.
وذهب للغربة وبالغربة لا يوجد أحد. هل لم يحتاج لها؟ هل لم يحتاج لحضن حبيب يعاونه؟ كيف مرت غربته بدونها؟
أحست أنها ضعيفة، ما بها تبكي وتشعر بالوحدة وتريد أحد لتفضفض معه. ونست أن هناك رب العباد أقرب إليها من نفسها، بابه دائماً مفتوح لا يغلق أبداً بوجه أحد، لا يحتاج لوقت ولا استئذان، لا خوف.
ساندت نفسها لتقف وسارت تتهادى للغرفة.
سجدت وظلت تبكي، تبكي فقط، فرب العالمين أعلم ما بقلبها. أجل، أنها تبكي كثيراً وتنادبه كثيراً لآجله، لذات الموضوع، ولكنه يستمع إليها ويعلم ما بقلبها حتى إن لم تعلم هي وسيستجيب.
لبعض الوقت ظلت تبكي وتبكي، أخرجت كل ما بقلبها فشعرت براحة وسكينة لم تكن لتشعر بهما مع أحد من الخلق، فمن سيستمع؟ الجميل سيمل ويزهق، ولكن رب العالمين بابه مفتوح دائماً بكل الأوقات، يربت على قلبك بالصبر والرضا والسكينة والراحة.
ظلت تستغفر ربها كثيراً حتى نهضت وجلست باسمه عندما تخيلته، ما زال جميلاً لم يتغير، كم تود أن تطمئن عليه، أن تسأله ليطمئن قلبها، هل نساها؟ هل استطاع أن يحب أخرى يخاف عليها كما كان يخشي عليها من كل شيء؟ يهتم بها كما كان يهتم بها هي؟ يفتقدها إن غابت؟ أم أنها لم تعد تعني له شيئاً؟ لا بأس إن أحب أخرى وتزوج، فهي ستظل تحبه، وحده مالك قلبها وروحها ونفسها، ستظل له، سيظل ابنها ووالدها وكل الحياة.
أمسكت هاتفها كمحاولة منها للانشغال بأي شيء.
ظلت تبعث به ورأت منشوراً عن شباب في مقتبل العمر يموت. الموت كم الحياة فانية ومن يحمل عنا أوزار يوم القيامة يوم الحساب. دارت عيناها بأرجاء الشقة، كم هي ضيقة وتخنقها وهي بها وحيدة دون ابنتها، فقدت الحياة، حتى جدران تلك الشقة فقدت الحياة، تشعر هكذا! وماذا إذا عندما تدفن تحت التراب بالقبر حيث الظلام، لا تدري أ جنة أم نار سيكون مأواها؟ تخشى النار، تلك الكلمة "النار" جعلت جسدها يرتجف خوفاً وتوجست خفية، ماذا فعلت بدنياها؟ هل فعلت خيراً يدخلها الجنة؟ إذ الصحابة كانوا يبكون وجلاً وهم صحابة رسول الله ومنهم مبشرون بالجنة يبكون! إذا ماذا تقول هي وماذا نقول نحن؟
بخوف شديد وارتجاف بكت وهي تهمس:
"اللهم اجعلني من أهل الجنة، اللهم إني أسألك الفردوس الأعلى، اللهم اغفر لي فأنت الغفور الرحيم."
دعت بقلبها وهي تبكي بشدة، كلما تخيلت القبر وظلمته والحساب والنار.
بالليل يجلس الجميع بجو مليء بالفرحة واللهو مع خديجة ومشاكستها للجميع، وازدادت الفرحة بحامد "فيكتور" وتالا وابنتهما مكة. كان الجميع يجلس بفرحة.
نهضت مكة مبتسمة هامسة بحرج:
"طب أنا هستأذن بس هطلع الأوضة وجاية."
بعتاب هتفت لمار:
"بتستأذني وأنتي في بيتك يا مكة؟ عيب يا حبيبتي كده، خدي راحتك!"
ابتسمت لها مكة لتهمس بمحبة:
"متحرمش منك يا خالتو."
وغادرت. كان يجلس يوسف ومصعب يتحدثان بعتاب وشوق.
بينما حبيبة وتالا بجانب بعضهما يجلسان، لا تترك تالا كف حبيبة من يدها.
وهي تتحدث معهم. أسماء وسمر وعمرو وخديجة سوياً.
كانت تصعد للأعلى تشعر بالبهجة بذاك الجو وذاك الحب الذي يحيطها والاهتمام من الجميع، فبالغربة ليس هناك أحد.
تصبح القلوب غريبة وحيدة خالية بالغربة.
كادت أن تخطو لتسير داخل الممر إلا أنها انصدمت بأحد جعلها ترتد للخلف فتمسكت بدرابزين الدرج.
رفعت رأسها فوراً بغضب وحدقت بصدمة هاتفة:
"مش ممكن أنت؟"
وصاحت بصوت عال:
"أنت بتعمل إيه هنا وجاي ورايا ليه وعايز إيه؟ أنت حرامي صح؟ حرامي قول..."
قطعت كلماتها كفه على فمها ودفعها بغضب للحائط لتتأوه بألم شديد وصرخ بها قائلاً:
"اسكتي بقا! أنتي إيه مبتعرفيش تسكتي؟ أنتي اللي مين؟ وعايزة إيه؟"
دفعته فلم يتزحزح فهمست بتفكير:
"إيه ياختي ده ماله عامل زي الصنم مبيتحركش!"
صرخ بها غاضباً وهو يحاول جاهداً بشتى الطرق التمسك حتى لا يفقد أعصابه عليها:
"أنتي مجنونة؟ مش طبيعية مستحيل!"
ضغط على ذراعيها بقوة وهو يقول بصوت كالفحيح:
"أنا ماسك أعصابي بالعافية لو فلتت متلوميش إلا نفسك وابعدي عن طريقي عشان مش ضامن هعمل إيه فيكي."
استدمعت عيناها وهي تنظر له بخوف. أزدردت ريقها بخوف وهي تنظر لعيناه المحدقة بها تكاد تقتلها ووجهه الجامد الغاضب. بتلعثم همست من بين دموعها وهي تتأوه من قبضته:
"أيدي! أوعي كده أبعد أنت غبي!"
ضغط أكثر على ذراعيها وكاد أن يصرخ بها لولا أن جاء صوت ياسين من الخلف صائحاً:
"إيه!"
أسرع خطواته جاذباً بجانبه مكة وبحدة أشار لعثمان:
"إيه مالك دي مكة بنت عمي مصعب مالك متعصب ليه عليها."
دون حرف لكم الجدار وأسرع خطواته للأسفل شبه راكضاً.
بينما تشبثت مكة بياسين الذي قال بهدوء:
"معلش عثمان عصبي كدا دايماً بس هو طيب أوي، فخلاص بقا فكي بدل ما ألغي الخروجة وأنا كلها كام ساعة ورايح شغل."
تناست تماماً ما مر وابتسمت فوراً بسعادة:
"بجد هنخرج؟"
اومأ برأسه لتصيح بفرحة وهي تسرع للغرفة:
"ثواني وهكون جاهزة استناني."
خرجوا جميعهم لسهرة جمعت بين وعد وياسين ومكة وأسماء وسمر وأنس الذي دعاه ياسين.
كان الجميع مسروراً، بهجة تنبع من القلب، وهم يتجولون سوياً يتسامرون بينما مكة تقص عليهم غربتها وكيف كانت حياتها هناك. لم يمر طويلاً وأنضم لهم عثمان الذي كانت نظراته حارقة لمكة، بينما هي كانت تتحاشى النظر له فكانت تخطف نظرات سريعة خائفة. عاد الجميع بعد سهرة تركت في القلب أثراً.
أوى جميعهم لفراشهم بينما وعد تجهز حقيبتها وغادرت قبل استيقاظ أحد، فهي تعلم علم اليقين أن والدتها لن تتركها ترحل قبل بكاء متواصل من شدة خوفها وتوصياتها هي ووالدها.
ودعها ياسين والقلق والخوف ينهش قلبه.
فما المخبأ لوعد بتلك الرحلة؟
وهل تعود سالمة؟
أم ستخسر وتعود جسداً فقط؟ رأيكم وتوقعاتكم. وتفاعلكم هيفرق معايا حتى لو بلايك. أود أن أقول، لكي لا ينتقد أحد ويقول إن خديجة صغيرة وكيف تحفظ كل هذا؟
مثلما حدث في الجزء الأول مع ورد وناس لم تعد تقرأ الرواية. لماذا تظنون أن الأطفال فقط للهو ومشاهدة التلفاز وسماع أغاني ومهرجانات؟
لو جلستي مع طفل سترينه يغني مهرجانات حافظها وفاهمها، هل هذا ليس كبيراً عليه؟ هل يصح له والقرآن لا لأنه طفل؟
خصصي ساعة لابنك/ابنتك حافظيها قرآن وصلي، شغلي لها مجالس علم لشيوخ كبيرة ومعروفة وفي كثيراً. الطفل لو لم يتأسس صغيراً. لن يتأسس أبداً. علميها أن قبل كل شيء الله يراه/يراها. وأن في جنة ونار وحساب وقبر، فهميهم أننا على دار فانية، الموت لا يستأذن أحد والقبر قد يضمنا بثانية، فإما أن يكون مضيئاً أو مظلماً، ضيقاً أم واسعاً.
علموهم أن الحاجة لله وحده والخوف منه، علموا الحق والصبر والرضا، اجعلوهم يسيرون على خطى الرسول والصحابة.
كونوا لهم أصدقاء، اسمعوا منهم وانصحوهم واعرفوا يومهم، تابعوهم.
وأخيراً، خديجة ليست صغيرة على الصلاة ولا الحفظ ولا كلامها!
لو هتبقى صغيرة في نظركم يجب أن أقول، أظن أنه أيضاً صغار على حفظ وفهم المهرجانات والأغاني. هذا وجهة نظري فقط.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أتمنى فقط أن الرواية تنهوها معي بتغيير وأن تفيدكم، ورأيكم يهمني بصدق.
ممكن تدعوا لصاحبتي بالرحمة.
"اللَّهُمَّ أنْتَ رَبِّي لَا إلِهَ إلَّا أنْتَ، خَلَقْتَنَيِ وَأنََا عَبدُْكَ، وَأنََا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أنْتَ."
•
رواية دموع العاشقين الفصل الثالث 3 - بقلم ندى ممدوح
وقف الأتوبيس وترجل جميع من به متأففاً.
ترجلت وعد بتأفف وهي تتمتم بالكلمات.
بغَيظ ركلت السيارة بقدمها وهي تهمس بذاتها بتأفف:
"يعني ملقتش غير دلوقتي وتتعطل؟ يارررب أفرجها بسرعه!"
رن هاتفها مضيئاً باسم ياسين، فرفعته على أذنها وهي تهمس بابتسامة رقيقة وصوت هادئ:
"السلام عليكم."
جاءها صوت ياسين هامساً:
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، إيه طمنيني وصلتي لحد فين؟"
صمتت وعد قليلاً تفكر كيف تخبره بعطل السيارة دون أن ينتابه قلق. ساد الصمت بينهما.
قاطعه ياسين قائلاً بقلق:
"إيه يا وعد، في حاجة معاكي؟ أنتي كويسة؟"
فاقت لذاتها قائلة بلهفة:
"آه آه، متقلقش أنا تمام، بس الأتوبيس مش عارفة إيه اللي حصل وتعطل بينا، بس هيوصل أتوبيس تاني ينقلنا إن شاء الله. أبقى طمن ماما عشان متقلقش."
أنتابه قلق غريب يعصف بقلبه، فطمأنته وأغلقت معه المكالمة.
تنهدت براحة. فتحت حقيبتها لتدس الهاتف. لم تشعر سوى بأحد ينتشله منها، ويدفعها بقوة. كادت أن تسقط ولكنها تماسكت. رفعت رأسها فلم تجد أحد. تجمع حولها الناس بعدد لا بأس به، يطمئنوا عن حالها. عندما رأوا أنها بخير، فأخذ كل واحد مكانه بعدما طمأنوها أن لا تحزن، فالمهم أنها بخير.
جلست على أقرب مقعد بهم، تنظر لهاتفها الملقى أرضاً متدمراً من أثر الوقعة. أسندت رأسها على يديها، لا تدري ما تفعل، بمن تتصل. كل شيء كان معها سُرق. ولكنها حمدت الله عز وجل، فلا تدري، لعله خير.
تنهدت بيأس. لم يعد لها هم سوى التفكير بما ستفعله الآن وكيف تتصرف. كل المال أيضاً كان بالحقيبة، إذاً ما عليها فعله حتى توصل للصعيد؟ حتى كيف تتواصل مع رقيه؟
زفرت بيأس وردت بدعاء من قلبها:
"يا رب لو خد الشنطة حد غني مش محتاج فسامحه وبارك له فيها، وإن كان فقير محتاج لما بها ف يارب بارك له فيه وسامحه وارزقه."
لم تكد أن تنهي دعاءها، حتى أتاها صوت لاهث بجانبها يهتف بصوت متقطع بلهجة غريبة:
"اتفضلي شنطتك يا أستاذة، وأتأكدي لو في حاجة ناقصة. والواد مسكناه أهو."
حدقت عيناها بذهول ودهشة. وهبت واقفة وهي تستدير لذاك الصوت. رمقته بنظرة مندهشة وتفحصته من أعلاه. جلباب وقار ذا هيبة لم تعهدها من قبل.
"طال صمتها ودهشتها."
فرفع حاجبه قائلاً بصوت حاد:
"يا أستاذة سرحتي في إيه؟"
هزت وعد رأسها بانتباه وأردفت وهي تتناول من يده حقيبتها:
"شكراً جداً ليك."
فهمس وهو يوليها ظهره مغادراً:
"الشكر لله. أتأكدي من حاجتك!"
تابعته بعينيها، حتى رأت رجلاً يقترب منه مسرعاً يحيه بأدب واحترام.
نقلت عيناها لذاك الشاب الذي خطف حقيبتها وركض. فدنت منه وظلت تتحدث معه.
اقترب الرجل الذي أرجع حقيبتها هامساً:
"في حاجة؟ إحنا في الخدمة."
نظرت له وعد بجمود. أما هو فكان يغض بصره. رفعه بها عندما قالت بلهجة جافية غاضبة:
"لا مش محتاجة لخدمتك ولا طلبت منك. أنا أقدر أساعد نفسي، شكراً."
رمقها بنظرة قاتلة وهو يهمس:
"صوتك يا أستاذة."
استدارت له كلياً هامسة، بعدما تنبهت لنبرة صوتها:
"ماله صوتي؟ بقولك شكراً مش محتاجة منك أي حاجة تاني، شكراً لأني لولاك كان زماني مش عارفة أعمل إيه."
هز رأسه برضا. ثم رفع عينه بها قائلاً بهدوء لأول مرة:
"شكلك بنت ناس يا أستاذة، والواد ده غلط." قالها وهو يشير على الشاب الذي يبدو بعمر لا يتعد العشرون عاماً. "معاكي غلط ومن حقك ترفعي قضية، بس هو عمل كده غصب عنه. اسمعيله الأول."
بذهول نظرت له وعد وقالت باستنكار:
"مين قالك إني هبلغ؟ مش هعمل كده! وتصفية أنا وهو مفيش حاجة."
ابتسم لها قائلاً:
"ده من كرمك يا أستاذة. وأنا هاخده أشوفله شغل عندي ومش هيرجع للسرقة تاني. وأمره عندي."
لتهتف وعد مسرعة وهي تشير له:
"لا لا، أمر أمي عليا. أنا عمي دكتور وهو هيتولى الحالة."
استدارت لرأسها للشاب مبتسمة، فبادلها الابتسامة ممتناً بحياء لما بدر منه.
كادت بالمغادرة ولكن استمعت لصوت الرجل الآخر الذي يقف جواره:
"رحيم بيه، السيارة وصلت من البلد، يلا نكمل طريقنا."
"# تحب نوصلك معانا يا أستاذة؟"
تسمرت وعد مكانها، لتخرج أخيراً من صمتها قائلة:
"لا شكراً."
اقترب رحيم كم خطوة، قائلاً بتساؤل:
"حد معاكي ولا وحدك؟"
لماذا يسأل؟ ما يهمه؟ أجل تعلم عن جدعنة الصعايدة وكرمهم، ولكن ذاك الشاب لا يعرفها، ولكنه يبدو غريباً لها.
فهتفت بهدوء:
"لا محدش معايا ليه."
"# يبقي مينفعش تفضلي واقفة هنا من غير حد معاكي. اتفضلي في الحفظ معانا نوصلك المكان اللي عايزاه."
قالها وهو يشير لها على السيارة، لتهتف هي بنفاذ صبر وتأفف:
"شكراً، أنا أقدر أحمي نفسي وكويس أوي كمان. اتفضل أنت؟"
صمت قليلاً قائلاً:
"براحتك..."
تابعته حتى غابت عن ناظراها وهتفت وهي هائمة بالسيارة التي انطلقت مسرعة:
"الصعيدي المجدع، ياترى هنتقابل تاني؟ صدفة جميلة! كنت بسمع عنكم بس صدق اللي قالوه."
رفعت نظراتها مثبتها أيها على عينيها. كانت الشمس على وشك المغيب، وهي ما زالت تنتظر. وها أخيراً يرفق بها القدر وجاء أتوبيس وأخذت مكانها، وانطلق.
من خلف زجاج النافذة، أسندت رأسها تتأمل غروب الشمس. لا تدري ما ينتظرها وهل ستعود أم لا؟ ولكنها أمنيتها الوحيدة الموت شهيدة. أن يظل اسمها على مر الزمان، أن تكون قدوة للشجاعة والمروءة، والأهم الانتماء للوطن. اطمأنت فالله عز وجل معها. تأملت من خلف الزجاج وكان عقلها يدور بأشياء كثيرة، حتى ثقلت جفونها وغطت في النوم.
وصلت للمكان التي تود النزول به، غادرت الأتوبيس وهي تحمل حقيبتها، وظلت تسير دون وجهة، لا تحفظ أي رقم ولا تدري بمن تتواصل. فظلت تسير، وهي تتأفف بملل. بلحظة شعرت بحركة من خلفها، وظل بل كذا ظل يسير خلفها. ظلت ثابتة تسير كأنها لم تنتبه لهم حتى تدري من هم.
شعرت بالظل قريباً منها فاستدارت مستعدة للقاتل، ولكن فغر فاهمه وحدقت بدهشة عندما لم تجد أحد. تأففت بضيق وتابعت سيرها بجنح الليل. الظلام يحاصرها. "والغيطان" من جانبيها. تتلفت يمنى ويسرى لعلها تجد رقيه أو أحد ما تعرفه. ولكن على غفلة منها كمم فمها أحداً ما من الخلف وآخر شل حركة يدها. مر كل شيء في ثانية. لم تستطع المقاومة ولم يمهلوها الوقت لذلك. بينما ثقلت جفونها وسقطت مغشياً عليها. آخر ما وصل لمسامعها، صوت سهيل جواد ووقع أقدامه. وآخر ما رأت عيناها هو شاب عريض الجسد يخفي وجهه "متلثم".
أغمضت عينيها وأغمي عليها من أثر المخدر. ألتفوا الشباب الذين خدرها لذاك الصوت الآتي من خلفهم، ليترجل الملثم من على جواده.
هتف أحد الشباب قائلاً بتوجس:
"أنت مين؟ أبعد عن طريقنا عشان متتأذيش."
حرك الملثم رأسه يمنى ويسرى مفكراً وصاح بسخرية:
"بجد أنت مفكر إنك تدخل منطقتي عادي، وتخطف كمان؟ ومين من أهلي اللي هما مسؤوليتي؟"
تقدم أحد الشباب شاهراً "مطوة" ألتقتها من جيبه. أسرع تجاهه ليطعنه في بطنه، فأنحنى يمر من تحت ذراعه وهو يلويه له، وبيده الأخرى ضربه على عنقه ودفعه بقدمه. اقترب الشاب الآخر مسرعاً فلم يعط له الفرصة وسرعان ما أمسك رأسه بين كفيه وهوى فوق أنفه برأسه ليرتد مصعوقاً للخلف. ثواني وكان فاقداً الوعي.
دنا من وعد منحنياً، حاول جعلها تفيق وهو، يصفعها عدة صفعات رقيقة ولكن دون استجابة. لم يدري ما عليه فعله. لذالك توصل لأول حل خطر بباله!
فحملها. أثناء ذلك اقترب الجواد كمن يدري أمر صاحبه.
سرعان ما اعتلاه وهو متشبث بوعد وانطلق.
بينما جذب أحد الشباب هاتفه، الذي لم يفقد الوعي واتصل بأحد ما هاتفاً بتقطع وانفاس تتلاشى:
"أيوه يا باشا محصلش حاجة، وعد بخير. كنا هننفذ الخطة بس في آخر لحظة جه واحد وأنقذها."
"أخذ نفساً عالياً وأردف: بس متقلقش باقي الرجالة هيكملوا!!!!!!"
كان يجلس ياسين بقلق لا يدري سببه. قلبه يعتصر ألماً. قلق مسيطر عليه كلياً. نهض متوجهاً للوضوء ومن ثم الصلاة، لعل قلقه يهدأ.
مر الليل على الجميع ما بين قلق وخوف، وقلوب تترقب بتوجس القادم. عيون جفاها النوم تنتظر الحبيب الذي ما أن عاد عمله كأنه لا يعرفها، كأنه ليس المخطئ. أما عمرو فيضم ابنته بحنان بعدما تلو سوياً القرآن الكريم.
نهضت خديجة مغادرة الشقة بعد نوم والدها.
توقفت أمام غرفة لمار بخوف، ثم اقتربت لترفع كفها الصغير تقرع الباب قرعات خفيفة. ليأتيها صوت لمار من الداخل بتعجب:
"أدخلي."
دفعت الباب للخلف قليلاً وظهرت من خلفه وتسمرت مكانها، حتى هتفت لمار بفرحة وهي فاتحة ذراعيها:
"ديجااااا، واقفه ليه تعالي؟"
ركضت إليها بفرحة لتضمها لمار بحنان وهي تقبلها.
لتهمس خديجة:
"أنا مش هنام مع بابا، عايزة أنام معاكي لأنك وحشاني."
ضمتها لمار بحنان وظلت تحكي لها عن قصص الصحابة حتى غفت.
جلست أسماء بالكافيه ومعها صديقة لها التي ما أن جلست همست بتعجب شديد بتعب من ما بذلت من مجهود:
"يا بنتي مش عارفة أنتي إزاي سبتي مستشفى أبوكي وجيتي اشتغلتي في المستشفى دي؟ فقر حد لاقي راحة وميرتاحش؟"
أنهت كلماتها وهي تجلس بإرهاق على المقعد.
لتهز أسماء رأسها بيأس من صديقتها التي دائماً تسألها وتخبرها بذلك. فأبتسمت بهدوء وأردفت قائلة:
"يا بنتي أنا عايزة أعتمد على نفسي، عشان كده بعدت عن بابا وماما، فهمتي؟"
خذ انتباههم ذاك الخيال ليرفعوا أعينهم به، ولم يكن سوى حذيفة. نظر لها بكره، ولصديقتها محدقاً بها. وعندما حادت عيناه على صديقتها هتف وهو يتمعن النظر بها مبتسماً:
"يا صباح الجمال."
بغضب هبت واقفة ورمقته بنظرات حارقة وصاحت:
"صباح اللي........"
"مفيش داعي."
ترقرق الدمع بعيني أسماء وهي تراه لا يهتم بها ولا ماذا تقول صديقتها. أهانها هكذا! لم تكن تتوقع أنه هكذا لتلك الدرجة!
رأته قبلًا مع فتيات كثيرات، وتسمع ما يقال عنه. ولكنها لا تريد له سوى الخير، أن يبتعد من طريق سيؤدي به للهلاك وغضب الرحمن. تريده رجلاً تقياً محافظاً لصلاته يسير على خطى الرسول. ستتعب معه ولكن لا بأس، فبالأخير سيتغير وسيصبح أفضل.
تماسكت وجاهدت ذاتها وهتفت بجدية:
"خير؟ جاي هنا عايز حاجة؟"
رفع يده وحركها على شعره وهو ينظر لصديقتها التي كانت تغض النظر ولم تلاحظ، وهتف وهو متأملاً بها وبجسدها:
"آه، هو خير خير خالص خالص...."
قطعته هي بحدة:
"هو إيه اللي خير؟ في حاجة في البيت؟ دي أول مرة تيجي هنا."
هتف وعيناه لا تحيد عن الفتاة:
"ومش آخر مرة!"
هز رأسه وهو ينظر لها قائلاً بهدوء ولطف:
"آه تعالي عشان في مشوار كدا؟"
بتعجب أردفت مستفسرة:
"مشوار إيه ده ومن امتى؟"
انحنى على أذنها بجرأة هامساً:
"بقيت خطيبك خلاص وتقرأ فتحتنا آه وهنجيب شبكة النهارده."
خطت للخلف وهي تقول بتساؤل:
"شبكة؟ بالسرعة دي؟ وبعدين وعد مش موجودة."
أشار لها للخارج قائلاً:
"لا ما هو إحنا هنجيب شبكة كدا وهنلبسها على الضيق ويلا عشان مستنينا."
عانقت صديقتها سارة التي همست غاضبة:
"بقا ده يا أسماء؟ ده اللي بتحبيه الحب ده كله؟ لا مش هسمحلك؟"
ضغطت على ذراعها هامسة:
"خلاص نتكلم بعدين في الكلام ده، باي."
زفرت سارة بضيق وغضب.
بينما سارت أسماء جواره بصمت، وهي تغض بصرها، حتى استمعت لصوت تصفير. رفعت رأسها فرأته ينظر للخلف على فتاة خطت من جواره. هزت رأسها وهي تستغفر.
وأسرت خطواتها ناحية السيارة. صعد هو وانطلق مسرعاً لأقرب محل.
عادوا إلى البيت بعدما اختارت أسماء الشبكة، ولكن حذيفة فهو غارق بما حرمه الله. عادهم إلى المنزل وذهب حيث يخرج مع فتاة كان يحادثها على إحدى التواصل الاجتماعي. بينما كانت أسماء سعادتها لا توصف.
دلفت لغرفتها وألقت بذاتها على الفراش هائمة هي بدنيا الأحلام، التي حينما ستفوق منها ستخسر الكثير. كانت تتلمس دبلته التي بيدها إلى أن تأتي موعد الحفلة بحضور الجميع.
ها هي أصبحت خطيبته وفيما بعد زوجته، ناسيه هي كل الحياة ومن بها حولها. كأن قلبها قد ازدهر بزهور الربيع.
فاقت على رنين هاتفها، الذي أفاقها من أحلامها فردت قائلة:
"مكة زعلانة منك ليه مجتيش معانا؟ ماما قالت إنك رفضتي؟"
ضحكت مكة برقة قائلة:
"اهدي يا سمسمة كدا، ألف مبروك الأول. أنا خلاص خمس دقايق وأكون عندك ونتكلم."
أغلقا سوياً وعادت مكة لابتسامتها التي لم تغادر منذ أن عادت. وسرحت مرة أخرى به.
تقود مكة عربيتها. أغلقت الهاتف مع أسماء. وغفلة انصدمت بسيارة كانت تقف. تسمرت عيناها على السيارة التي ضربتها بتوجس وهي تبتلع جوفها بصعوبة. غمضت عينيها بخوف وهي تتمتم:
"يارب يكون ياسين يارب."
فتحت الباب ببطء وما كادت تنزل، حتى هجم عليها عثمان بغضب وأعين مشتعلة وصاح بها:
"هو أنتي من اليوم اللي شفتك فيه وأنا المصايب نازلة فوق دماغي."
جذبها من مرفقها دافعاً إياها ناحية سيارته وعلا صوته قائلاً:
"أعمل إيه أنا دلوقتي، ومعنديش وقت ولازم أروح شغلي."
استدار بجسده لها صارخاً بأعين لا تنذر بخير:
"إذ مبتعرفيش تسوقي بتسوقي ليه؟ ليييييه؟"
صدمة جعلت الدموع عالقة بمقلتيها تأبى النزول وتأبى الزوال. تشعر أن قلبها يرفرف من شدة الألم كأنه قد ترك جسدها. تلاقت الأعين بلحظة عابرة لا تُنسى. لحظة عتاب وقسوة. كادت أن تهم بالحديث، إذ انعقد لسانها فتراجعت. أشاحت بوجهها بعيداً عنه، لا تريد رؤية عينيه التي يملأها القسوة التي لا تدري سببها. رأت أيضاً تلك الطيبة التي تتوارى خلف قناع البرود. فهل يعاملها هي فقط هكذا؟ أم سبب ذلك؟ ستعلم لا محالة.
صمتت لبعض الوقت ثم قالت وهي لا تنظر له بصوت حاد:
"أولاً أنا مخدتش بالي ولا أقصد أني أعطلك ولا أعطل عربيتك."
"ثانياً إياك تكلمني كدا مرة تانية."
"ثالثاً ممكن تاخد عربيتي تروح بيها مفيش مانع!"
قطع المسابقة التي تفصلهم غاضباً وهو يجذبها من يدها ليوجهها وقال غاضباً:
"أنتي فاكرة نفسك مين؟ ليه شايفه نفسك كدا؟....."
قطع حديثه صوت يصيح من خلف مكة:
"# عثمان."
حاد بعينه لوالده "زيد" فأبتعد عنها متقدماً منه معانقاً له بحب وترحيب.
ضغط زيد على يده قائلاً جوار أذنه:
"إيه؟ من امتى وأنت كدا؟"
بنفس الهمس قال عثمان:
"والله أنا حر يا بابا، أنا أصلاً مش بطقها ولا بطيق أي بنت، كلهم صنف واحد ليهم غاية وحدة."
ضغط زيد على كتفه قائلاً:
"بنات عمامك وبنات العيلة دي مش زي أي حد. وإياك صوتك يعلى على واحدة منهم ولا تزعلها. وقتها أنا اللي هقفلك. انتوا إيد واحدة وهتفضلوا كدا سند لبعض، فاهم."
وابتسم وهو يبتعد متوجهاً لمكة ليضمها بحنان أب قائلاً:
"القمر اللي وحشتني، عاملة إيه؟"
ردت بحياء ورقة:
"الحمد لله، انت عامل إيه؟"
"الحمد لله." قالها زيد وهو يجذبها من يدها قائلاً:
"هو الواد يوسف وباباكي هنا ولا فين؟"
هزت كتفيها قائلة:
"لا هما مش في البيت."
وتوجه بها للداخل وهو يقول بحزم دون النظر له:
"عندك عربيتي، خدها ولينا كلام تاني لما ترجع."
رمقهم عثمان بغضب وصعد السيارة وقاد بسرعة.
عادت ورد من المحكمة إلى مكتب المحاماة. جلست خلف المقعد بقلب جريح، وإن ضحك. تفتقد ابنتها. لم يغمض لها جفن، فهذه أول ليلة تبات بعيداً عن حضنها. تركت فراغاً كبيراً بقلبها. تنهدت بوجع شديد، ولاحت ذكرى بعثت الشجن بفؤادها. هل يا ترى يتذكرني؟ أهو يفتقد وجودي بجانبه؟ أيشتاق لرؤياي؟ أيحن لسماع صوتي الذي كان الراحة لقلبه؟ أآتي بباله أم أني أصبحت ذكرى عابرة؟ هل سنعود يوماً كما كنا؟ لو يعلم كيف حياتي بدونه؟ أنا من أنا؟ غريبة أنا في وطن ليس وطني! مغتربة في الغربة، والغربة التي ليس بها حضن يواسي تصبح قبراً مظلماً! مغتربة أنا في بلد الأغراب ليس لي أحد به. ضائعة تائهة خائفة أنا بدونه، بدون أمانه وسنده وحضنه واحتواءه. لوطنه فهو وطن أنتمي إليه! والآن أين أنا؟ لا أدري، لا أرى شيئاً، لا أعرف أحداً. يتيمة وسط الملأ. أبحث عن أبي، هل أجده؟ هل يعود؟ هل أجد حضنه يوماً؟
أين الشمس؟ لماذا غربت؟ لماذا لا تشرق لتنير لي طريقي ودربي؟ فإني أسير أتعثر بكل ما يقابلني، لا أرى شيئاً!
حتى القمر أبى أن ينير سماء قلبي فأصبح مظلماً للغاية. أين أنا إذاً؟ وسط الظلام؟ أين؟ فؤادي يئن وجعاً واشتياقاً وحنيناً. يا الله خذ بيدي، خذ قلبي فلا أستطيع البوح بما أشعر، ولكن دعواتي تخرج لتشق عنان السماء إليك، فلتستجب، فلتهون علي قلبي، طمئني يا الله، طبطبي على قلبي فلا أجد يداً تطبطب. يا رحيم أفرجها، ضاقت بي الأرض بما رحبت، ومنك النجاة فأفرجها يا رحمن.
أزاحت دموعها التي خفقت بوجع لا مثيل له. خفق قلبها بألم وشجن يلج به للموت. هيهات، هل فؤادها حي؟ إنه ينبض، أجل، لكنه ميت من الداخل. ليس به حياة.
نهضت مندفعة وهي تلتقط حقيبتها مسرعة للخارج حتى لا تغير رأيها. ستذهب لترى ابنتها. أجل تعلم أنها سترآه، ستتوجع وسيبكي ألماً واشتياقاً، ولكن الشوق لابنتها غلبها. فأندفعت مسرعة توقف سيارة أجرة لتقلّها هنالك.
بحديقة الفيلا يلهو عمرو وابنته سوياً.
السعادة لا تغادر قلبه وضحكته صداً يسمع الدنيا بأكملها. يحلق قلبه بفرحة، وهو يداعبها لتزلزل ضحكتها قلبه بسعادة.
على غفلة منه وهو يلهث ويتحدث بالموبايل، جذبت خديجة رشاش المياه بعدما فتحته وبللته تماماً. حدق مزهولاً بها بصدمة وضحك وهو يركض خلفها صائحاً:
"بقا كدا يا ديجا؟ والله لهوريكي، استني عليا يا غشاشة."
ركضت خديجة مسرعة وحينما اقترب عمرو منها نثر عليها المياه ليتفاجأه بدهشة وزهول وتسمرت عيناه بورد التي فغر فاها وعيناها ورافعتا يديها للأعلى وتبللت تماماً.
بينما غطت خديجة فمها بكفها بصدمة وزهول وهي توزع نظراتها بينهم. خيم الصمت فجأة. تلاقت فيها أعينهم ليعبر الشوق والحنين عن نفسه.
شعرت بروحها تنتزع منها لتركض إليه تختبئ بحضنه!
قطع الصمت انفجار خديجة بالضحك.
بينما كبت عمرو ضحكاته بصعوبة وهو يقول بضحكة غلبته:
"يلا بينا ندخل جوه!"
حمل ابنته بخفة بين ذراعيه. دلف للداخل وهو يقذفها لأعلى ويلتقفها وهي تضحك.
تسمرت ورد مكانها، فرؤيته زادت الشوق لقلبها. لم تروِ شوقها بتاتاً بل زادتها حنيناً.
دلفت خلفهم بعدما غابا عن أنظارها.
مضت بآلية للداخل، وحينما رأت هالة أقبلت إليها مسرعة تعانقها بفرحة هي وتالا وجلست ليتحاورا سوياً.
بينما أخذ عمرو ابنته وظل يلهو معها، ولكن كانت تخونه عينه وتختلس النظر لها باشتياق قد فاض بقلبه.
عادت لمار وتجمع الجميع بالأسفل بآخر اليوم، وثبت ورد واقفة وهي تقول:
"عن إذنكم هستأذن أمشي." (إشارة لخديجة) قائلة:
"يلا يا خديجة."
تشبثت خديجة بعمرو قائلة:
"لا عايزة أكون مع بابا."
حملها وهو يقول:
"روحي مع ماما دلوقتي عشان بابا عنده شغل وقريب جداً هيجيلك تاني."
هزت رأسها برضا، بينما كانت ورد تتنازع مع لمار من أجل الذهاب وأخيراً تخلصت منها وخرجت خلف عمرو.
الذي وقف أمامها قائلاً بعدما وضع خديجة بالسيارة:
"أنا مش بديهالك لأنك طلبتي ده؟ لو عليا مكنتش هبعدها عني أبداً! بس خليها معاكي لأني مش هكون موجود."
بلحظة سألت بلهفة مسرعة وخوف بنبرتها:
"رايحة فين؟ متبعدش تاني!"
خيم الصمت عليهم. لعنت نفسها وأنبتها كثيراً على تسرعها.
ابتسم هو بسخرية قائلاً:
"يهمك رايحة فين ولا جاي منين؟"
بعتاب ونبرة حادة وصوتاً يعلو قال:
"يهمني أنا أصلاً؟ يهمك إيه اللي حصل؟"
ضرب بقبضة يده السيارة بينما ترقرق الدمع بعينيها وهي تقول:
"أنت اللي اخترت تبعدنا."
ليهتف هو بسخرية ممزوجة بالوجع:
"أنا؟ هو مين عافر بالعلاقة دي؟ أنتي اللي معندكيش ثقة فيا ولا علاقتنا، وعلى العموم هثبتلك ببراءتي بس مش عشان بحبك؟ عشان تعرفي إنك ظالمة. مسمعتنيش وقت ما كنت عايزك تسمعيني ولا فهمتيني، وبعدتي بأقرب وقت محتاجالك فيه. مش عارف بصراحة أقول إيه."
(تنهد بيأس) "مقدر موقفك." (اقترب بوجهه منها) "بس اللي وجعني إنك صدقتي إنّي ممكن أعمل كدا. أنا فكرة إنك هتزعلي آه، هتعاتبيني، تحاسبيني، بس هتفهميني وهتسمعي وهتكوني جنبي. بس انتي ببساطة." (ابتسم بوجع) "بعدتيني. صدقتي اللي شفتيه بعينك لكن مسمعتيش لقلبك. شكيتي فيا؟ في عمرو اللي عشتي معاه في ذات البيت."
استدمعت عيناها وهي تهمس بوجع:
"عايزني أعمل إيه؟ لما أشوف جوزي حبيبي مع واحدة تانية مع بعض! لما أشوفه بيخوني مع غيري! وموش في أي يوم." (نظرة لخديجة التي تجلس بالسيارة تقرأ بالمصحف) "دا في أكتر يوم كنت بستناه كنت جايه أفرحك."
ابتسم بسخرية وهو يقلب كفيه ببعضهما:
"لا الله إلا الله. آه أنا خنتك يا ستي ومش بحبك ولا حبيتك. إنتي كنتي مجرد حاجة جديدة نوع كدا مفيش زيه حبيت أجربه." (تطلعت به بذهول) "ليستكمل هو قائلاً: مشكلتك يا ورد إنك بتصدقي نفسك بس؟ مبتديش فرصة لحد! معندكيش ثقة في نفسك. كنتي بتقولي بإنك هتكوني جنبي ظلي دايماً في عز وقعتي! بس أنا وقعت وكنت محتاجالك، كنتي فين؟ كنتي مختفية مجتيش حتى تطمني."
بسط راحته وهو يشير للسيارة:
"اطلعي يا ورد خليني أوصلكم واطمن عليكم!"
بآلية خطت تصعد السيارة بقلب جريح يئن من الألم لا تصدق ما تفوه به لتوه. أيخبرها أنه لا يحبها؟ أنها كانت تجربة لعبه يتسلى بها؟ لا لن تصدق، مستحيلاً أن يكون عمرو حبيبها هكذا أبداً.
يختلس من المرآة نظرات مؤلمة لدموعها. يريد بأي ثمن ضمها الآن. وأزاحت دموعها، ولكن ماذا عليه أن يوجعها كما أوجعه؟ عليه أن يعذبها كما تعذب. ليالي وهو وحيداً تمر عليه الثواني كسنوات عجاف. قلبه ظمآن وإن ارتوى. الأيام كما هي لا شيء جديد بدونها. كانت حياته واقفة عليها هي فقط. تركت به فراغاً كبيراً لم يملأه شيء. وعندما عاد ها هي أمامه ولا يستطيع البوح بما في قلبه، ولا ضمها حتى؟
كم يتمنى أن يأخذها بحضنه هو وابنته. تنهد بضيق عندما وصل ليقف بالسيارة وهو يترجل منها مودعاً ابنته واعداً إياها باللقاء القريب.
ظل يجول ويصول بسيارته بدون وجهة وهو يفكر بما عليه فعله. فقربها مهلك ورؤيتها تستحوذ على قلبه بسحرها الأخاذ.
مر وقتاً طويلاً وهو منشغل الفكر بها كأنها صنعت من فؤاده وروحه وخاطره مسكناً فلا تغادره أبداً. عاد إلى البيت بوجوم صاعداً لشقته بصمت قاتل. لتلحق به لمار مسرعة لتطمئن عليه بعدما أحست بوجعه من ملامحه.
أسرعت خطاها لتقف أمامه عاقدة ذراعيها تهمس بحسم:
"إيه؟ إيه اللي حصل؟ شديت أنت ورد صح! بس لو تفهمني هي عملت إيه عشان تبعد عنها وتعاقبها كدا؟"
قطب حاجبيه بعدم فهم وعلامات الاستفهام ترتسم على وجهه. مهلاً، ماذا تقول وما الذي استمع إليه؟ أتخبره ماذا فعلت؟ هي؟ هتف مستوضحاً:
"لحظة بس، قصدك إيه بعملت إيه؟ هي قالتلك إيه؟"
صمتت لمار تتمعن النظر به تحاول جاهداً معرفة ما يجول بخلده. فهتفت بتساؤل:
"قالت إنها عملت حاجة ضايقتك وإن هي السبب بعدك وسفرك وهي اللي مزعلاك."
بذهول نظر لها. حقاً شعر ببهجة. أما زالت تحتفظ بأسرارهم لوحدها؟ لم تخبر لمار بعد. ظلت حابسة بفؤادها. بلى، وضعت اللوم عليها أيضاً.
قطعت لمار صمته قائلة وهي ترفع يدها على كتفه:
"آه لو بس تحكيلي إيه اللي حصل لما جتلك الشركة عشان أعرف أصالحكم. هي بعدت وأنت سافرت. إيه ذنب الطفلة دي أبوها وأمها بعاد؟ طيب متتصالحوش بس بلاش تعيشوا بعيد عن بعض كدا. قعدوا سوا عشان خاطر بنتكم بس."
صمت قليلاً فابتسم قائلاً:
"سيبيها على الله واللي كاتبه ربنا هيكون إن شاء الله."
بمكتب مدير الاستخبارات دخل ياسين مرحبا بمديره الذي أشار له بفضول قاتل بالجلوس وحسه على الحديث قائلاً بلهفة:
"هااا يا ياسين وصلت لفين؟ هو زين القاضي اللي وراء كل ده؟"
هز ياسين رأسه نافياً:
"لا مش هو، أوراقه كلها سليمة مفيهاش أي حاجة وشغله كله ماشي تمام."
واستطرد قائلاً:
"زين ماشي في السليم في كل حاجة، مش بيهرب ولا هو تبع حد. شركته كلها تمام والشغالين كمان."
بيأس أومأ المدير هاتفاً:
"أمال مين عايز يوقعه؟"
قاطعه ياسين مردفاً بغموض:
"اللي عايز يوقعه أكيد زين يعرفه كويس ويعرف حاجة عنه، ويمكن زين دا كمان في حاجات كتير وراه. على العموم أنا ماشي وراه وهرقبه لحد ما أعرف كل حاجة."
أومأ المدير رأسه هاتفاً:
"ماشي بس خلي بالك من نفسك."
واستطرد قائلاً:
"مفيش أي أخبار من وعد؟ موصلتش لأي حاجة؟"
هز ياسين رأسه نافياً وهو يهم بالوقوف:
"- لما أعرف حاجة هبلغك وبما إن القضية دي معانا اعتبرها خلصانة."
واستأذن راحلاً إلى مكتبه منشغلاً الفكر وما أن أغمض عينه حتى لاحت عليه طيفها وتذكر.
بشركة زين القاضي، دخل ياسين على أنه أحد العمال بالبناية التي يشيدها زين جوار شركته ليوسعها.
بحث وفحص كل ما يقابله بدقة وانتباه، حتى وجد الفرصة المناسبة ليتسلل لمكتب زين باحثاً في أوراقه وأدراجه وملفاته مدققاً النظر بهم حتى لا يفوته شيء.
استمع لخطوات أحداً قادم، فأسرع بترك الملف واضعاً مكانه، ولكن انفتح الباب، لينحني هو خلف المكتب ويخترق أذنه صوتاً رقيقاً مترنماً بقلبه يهمس:
"زين يا حبيبي أنت فين؟"
رفع رأسه بشيء بسيط ملقياً النظر على تلك الفتاة التي تاهت بها عيناه حتى اختبئ مرة أخرى عندما غادرت مغلقة الباب وراءها.
تسلل بحذر خارجاً وبطريقه وهو يتلفت خلفه.
أنصدم بذات الفتاة سجي، كادت بالسقوط ليلحق هو بها جاذباً إياها من ذراعها ولكن تعثرت قدمه ليقع فوقها وتصرخ هي متأوهة.
لم تدري من ذاك الذي وقع معها ومن هو. حاولت الاعتدال ولكن لم تستطع إزاحة يده بتاتاً، بينما سحر هو بعينيها تلك التي أذابته فوراً، خيم الصمت عليهم قطعته هي صارخة به ليعتدل فوراً مستغرباً ذاته، انعدلت فور ابتعاده لتصرخ بألم وعيناها تتطلع بعيداً عنه ويدها تضغط مكان الألم الذي احتل ذراعها:
"أنت غبي مبتشوفش مش تفتح وبعدين ساعة عشان تبعد."
صمت قليلاً فصرخ بها غاضباً:
"_ والله أنتي اللي عمياء ومش بتشوفي، وإياكي تكلميني كدا تاني."
دفعها بعيداً وخطاها بغضب.
بينما ذرفت عيناها بالدمع وهي تتمسك بالطاولة حتى لا تقع. "عمياء" ترددت على مسامعه باعثة الشجن بفؤادها الجريح، وخطت بترنح باكية للأسفل لم تنتبه للدرج وفكرها منشغل بذاك الشاب الغاضب الذي لا تعلم من يكون.
لم تستمع سوى لصوت زين هاتفا بصراخ وصوت أقدامه:
"سجي أستني، أقفي عندك."
زلت قدمها فصرخت ظناً منها بالسقوط أرضاً ولكن شعرت بذاتها تهوي للأعلى ويد أحدا ترفعها.
تنهد ياسين الراحة وهو ينزلها برفق حتى تلامس قدامها الأرض. دفعه زين بغضب بعيداً وهو يضم سجي معتصراً إياها بخوف.
ليلكم ياسين يده بالحائط وهو يرمقه بغضب ليصرخ رغماً عنه:
"أنتي غبية ولا عايزة تموتي؟ كنتي هتقعي! أنتي عمياء مبتشوفيش."
دفنت رأسها بجسد زين، الذي استدار غاضباً بوجهه لياسين وابعدها عنه خلفه واقترب منه لكمه بقوة هاتفا:
"إياك صوتك يعلى عليها تاني ولا تقولها عمياء. وقتها متلومش غير نفسك، فاهم."
رد له ياسين اللكمة بلي ذادت واشتباك بينهم الشجار وفصلوهم عن بعض الموظفين.
لم يتعرف أحداً على ياسين فقد كان واضعاً شارباً ولحية ليخفي معالمه قليلاً.
فاق من تذكره متنهداً بغضب فقد كان يكشف ذاته وخططه لولا ستر الله.
تسللت "سمر" بحذر وترقب هابطة الدرج، تتلفت حولها حتى لا يراها عمها يوسف وهي ترتدي رداء ضيقاً للغاية ونصف شعرها ظاهراً من تحت حجابها. كادت بالوصول من الباب لتتسمر موضعها، وهي تستدير ببطء لأسماء التي هتفت باسمها بغضب إشارة لها:
"إيه دا يا ست هانم اللي عاملة في نفسك؟ مش خايفة حد يشوفك كدا؟ يا بنتي هفضل أحذرك لحد امتى؟ أنا النهارده موجودة بكرة لا ومش دايماً لكِ الموت قريب منا."
"تنهدت بضيق شديد وبدموع أردفت قائلة: ربنا بيسترها معاكي ومحدش بيشوفك بالمنظر ده لا بابا ولا بباكي دول لو شافوكي مش عارفة هيعملوا إيه فيكي؟"
بنفاذ صبر وسخرية هتفت سمر:
"بابا وأبوكي إيه بس إن شاء الله مش هيشوفوني وبطلي نق بقا يا شيخة محدش هيشوفني وأنا حرة أعمل ما بدالي."
"نظرت لنفسها بإعجاب:- شوفي يا بنتي وأنا كدا بخلي الشباب تجري ورايا ومعجبين بيا والعرسان كتير، مش لبسك الواسع ده هتعجبي مين انتي كدا؟ ده انتي ناقص تتنقبي."
أدمعت عيني أسماء مستغفرة ربها وهي تدنو منها مربتة على كتفها:
"إنتي خايفة من بابا وخايفة من خالتك وخايفة من الكل لحد يشوفك، بس انتي مش خايفة من اللي شايفك وهو ربنا."
بنفاذ صبر وتأفف همست سمر:
"والله دي حياتي وأنا حرة وأنا اللي هتحاسب مش أنتي."
وبهدوء استطردت قائلة:
"يا حبيبتي الحياة دي لازم نتمتع بيها، أمال إحنا هنعيشها ليه وكم مرة؟ سيبك من كل دول ركزي في الموضة واختاري لبس حلو عشان تشوفيلك عريس حلو."
ابتسمت أسماء بسخرية من تفكير سمر هاتفة:
"إنتي مفكرة إنك كدا هتعجبي الرجالة؟ لا يا ماما دول أشباه رجال مش أكتر. الرجال اللي بجد اللي يغض بصره اللي يختار اللي تصونه وتصون بيته ووحدة تمسك بأيده لجنة الرحمن وللهداية. وحدة تكون ليه هو وبس مش لكل من هب ودب. حافظي على نفسك يا سمر ربنا كل مرة بينور لكِ طريقك ويبعت لكِ حد يقولك حرام. متعلميش بعد كدا مستخبي إيه؟ ربنا سترك فاستغفري ربك، متكونيش مطمع للكل متحمليش نفسك ذنوب ولكل من نظر لكِ. إذا اللي رايح واللي جاي بيفترسك من فوقك لتحتك خليتي إيه لجوزك."
تأففت سمر وغادرت وهي تشوح لها.
رسالة أحد الشباب على إحدى برامج التواصل الاجتماعي وغادرت لمقابلته.
وغفلت غفلة أن الله يراها ولم تحافظ على نفسها. نست أن الله أمر بالخمار والجيب. نست أن لذة الفتاة لا تكمن سوى بخمار يغطي نصفها، يزين وجهها كأنها نوراً. نست اللبس الواسع الذي يجعلها كأنها جوهرة عالية غالية لا يستطيع أحد الحصول إليها سوى من كان محظوظاً.
تنهدت أسماء وهي تجلس على أقرب مقعد. تدفق الدمع من عينيها وخفق قلبها وجلا، مستغفرة لابنة عمها تلك التي أرسل الله لها من يهديها وينير لها دربها ويحذرها لكن لم تنصت. لم تتعظ. أرسل لها الله حتى يغفر لها حتى تلحق ذاتها من ذنوب لا حصى لها حتى تتوب. لكنها ذات قلب أصم لا يستمع ولا يتعظ ولا يلين ولا يخف عذاب النار والقبر والحساب. غرقت بالذنوب وحلت بها ناسيه ربها. الله فقد أرسل لها أسماء لقد أعطاها فرصة لكنها لم تصغِ. كم هي محظوظة أن الله أرسل لها من يردعها ويفوقها ويهديها وينتشلها. غيرها لا يجد ويغرق ويتوه بالذنوب.
انشغل فكرها فجأة بالنقاب وهي تتخيل كيف ستكون به. يا الله ما ذاك الشعور الذي انتابها. انشرح فؤادها وأشرقت روحها. تغلغلت الراحة قلبها وهي تشعر أنها نجمة عالية صعبة المنال إلا لأحد فقط يستطيع الحصول عليها. فالنقاب ستر، عفة، كأنها تشبه أمهات المؤمنين، كأنها لؤلؤة لا يستطيع أحد إمساكها أو النظر لها. كيف إذا هؤلاء البنات يظنون الموضة ويفكرون بها ونسوا ذاك الجمال ذات النقاب. فكرهم في الموضة وأصبحوا كاسيات عاريات. يقولون إنه النقاب خنقة لا يعلمون أنه جزء من الفتاة إن خسرته خسرت دنياها وآخرتها. يقولون إن المنتقبة لا تتزوج. لا يعلمون أن الزواج رزق ونصيب من الله تعالى. فالأهم طاعته. يقولون إن لبسه حراً فكيف ترتديه ونسوا نار جهنم. خافوا حر الدنيا ونسوا نار جهنم.
زفرت أسماء وتنهدت بحب وهي تقول:
"يارب..."
خطرت لها فكرة ودعت ربها بيقين.
تقبع ورد بقلق توغل فؤادها بأمر تلك المكالمة التي جاءتها من زوج والدتها الذي أخبرها بها أن والدتها مريضة تريد رؤيتها. أترآها بعد تلك السنين؟ وترى ذاك الرجل الذي لحد الآن تتذكر تصرفاته ونظراته تلك التي جعلتها تكره الرجال جميعاً.
فاقت من شرودها على صوت خديجة التي أمسكت وجهها بحنان قائلة بحزن:
"ماما أنتي زعلانة ليه؟ هو بابا زعلك؟ قوليلي لو زعلك بس أنا مش عايزة أشوفك زعلانة."
ضمتها ورد مرتجفة بتوجس تشهق باكية، لتبكي خديجة لبكائها، وتزيح دموعها مقبلة وجنتيها بحب ولطف وابتسامة جعلت قلب ورد يرفرف فرحاً. ابنتها هي أجمل ما لها، هي الحياة، هي ما تهون عليها متاعب الحياة. مهما ضاقت الدنيا كانت مع بنتها متسعاً كبيراً، فكيف تتألم وهي معها؟
بعد صمت هتفت خديجة:
"ماما بكرة إحنا هنصوم." (أومأت ورد مؤكدة) فهمست خديجة:
"هو ليه يا ماما بنصوم اتنين وخميس ومش كل يوم؟"
ابتسمت ورد وهي تضم ابنتها أكثر وهمست بحب وهي تشاكسها:
"لأن فضل الاثنين والخميس أن الأعمال تعرض على الله عز وجل. عن أبي هريرة رضي الله قال عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: 'تعرض الأعمال في كل يوم خميس واثنين، فيغفر الله عز وجل في ذلك اليوم، لكل امرئ لا يشرك بالله شيئاً، إلا امرءاً كانت بينه وبين أخيه شحناء'."
قبلت ورد ابنتها بحب وهي تقول:
"ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصوم اثنين وخميس. عن أسامة بن زيد رضي الله عنه: 'يا رسول الله إنك تصوم حتى لا تكاد تفطر، وتفطر حتى لا تكاد أن تصوم، إلا يومين إن دخلا في صيامك وإلا صمتهما، قال: أي يومين؟ قلت: يوم الاثنين ويوم الخميس، قال: ذلك يوما تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم'."
"الصيام يا بنتي تقرب وطاعة لله."
صمتت ورد قليلاً ثم هتفت:
"قبل ما أقوم أراجع قضيتي تعالي نراجع شوية."
هزت خديجة رأسها بلهفة مهللة لتستطرد ورد بهدوء:
"مات يوم مؤتة حيث أخذ يصول ويجول في صفوف الأعداء وهو حامل الراية بيمينه، فضربوا الأعداء يمينه، فأمسكها بشماله فقطعوها، ثم جمعها بعضديه إلى صدره، فأعملوا بالسيوف والرماح على صدره حتى فاضت روحه، وهو ابن عم رسول الله، وحزن على موته. وعن أسماء قالت: دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم."
"صمتت ورد عندما صلت خديجة على نبيها واستكملت قائلة بتنهيدة: حينما بلغه مقتل جعفر بمؤتة فدعا بني جعفر فرأيته شمهم، وذرفت عيناه الدمع، فقلت: يا رسول الله أبلغك عن جعفر شيء؟ قال: نعم قتل اليوم، فقمنا نبكي. وعائشة قالت: لما جاءت وفاة جعفر، عرفنا في وجه النبي صلى الله عليه وسلم الحزن."
"أشارت ورد بحزم: هااا، مين ده؟"
صمتت خديجة لدقائق قائلة بفخر:
"أبو المساكين ذو الجناحين جعفر بن أبي طالب."
ضمت ورد ابنتها بفرحة وهي تعطي لها إحدى الشوكولا المفضلة لديها، لتلتهمها خديجة بتلذذ وشهية وبهجة تغمرها.
بينما مستيقظ عمرو منشغلاً بأفكاره حينما كانا يصيمان سوياً اثنين وخميس. ها هو يصيم وحيداً دونها. ألم يتعاهدا على البقاء معاً؟ على المحافظة على كل ما يقربهما لرب العالمين؟ ها هي دنياه فارغة مثل قلبه الذي يتفطر حزناً وألماً. هل جربت يوماً أن يدق قلبك وجعاً وألماً فقط؟ أن تدفن روحك في قبر وجسدك يعيش بالحياة دون حياة وروح؟ فأين الروح؟ هي مع من غادرته ألمته وتركته وحيداً كطفل ضائع تائه.
تمكث بمنزل رقيه أخت أحمد التي خرجت تستفسر عن تلك الجلبة التي بالخارج، وهي تفكر كيف وجدت ذاتها بمنزل رحيم الذي قابلته وهي بالطريق عندما تعطل الأتوبيس. لقد أخبرها أن أحداً ليلاً من رجاله وجدها متغيبة ولذالك أخذها. وتفاجأت أن رقيه تسكن قريباً منه ليس ببعيد. منذ ذاك اليوم لم تره ولكنها تسمع عنه الكثير احترام الناس له وهيبته. فهو كبير تلك القرية. ولكن لاح طيف ذاك الملثم الذي رأته قبل أن تغمض عينيها. ياترى هل تراه لتشكره؟ ومن من هؤلاء الرجال تبع من؟ فهي لها أعداء كثيرة. ولكن من منهم؟
فاقت لذاتها على صراخ رقيه آتٍ من الخارج، صراخ يقطع نياط القلب. لتحدق مهرولة للخارج، تتبع الصوت والركض مع من يركض من الرجال مسرعاً.
وقفت ممسكة بكتفي رقيه بقوة تمنعها من السير.
واتسعت عيناها بذهول وهي تهمس صارخة:
"ماجددددد!"
عيناها جابت المكان والرجال وكل ما حولها. فصرخت وهي مهرولة تجاهه:
"متخافيش ابنك هيكون كويس."
أسرعت وعد تجاه البحر الذي به عدد لا بأس به من الأطفال. لتشهق رقيه بخوف وقلق هاتفة بضجر:
"لاه يا وعد أوقفي مطرحك متخطيش، أوقفي يا وعد."
لم تستمع لها وركضت تشق الصفوف من الرجال الذين غاصوا بالماء لأنقاذ الأطفال ليخرجوا عدد لا بأس به، بينما ماجد أخذه الموج فتاه به غير ظاهراً.
رواية دموع العاشقين الفصل الرابع 4 - بقلم ندى ممدوح
لم تستمع لها وركضت تشق الصفوف بين الرجال الذين غاصوا بالماء لأنقاذ الأطفال. ليخرجوا عدد لا بأس به، بينما ماجد أخذه الموج فتاه به غير ظاهر.
غاصت باحثة عن ماجد حتى أخرجته. وضعته أرضاً لتهرع رقية إليه متجهة بالبكاء قلقاً، وهي تولول خوفاً من الفقد. لتصرخ بها وعد وهي تضغط على قلب الطفل:
_ اسكتي بقا، هو كويس أهو مفهوش حاجة. هيكون بخير.
سعل ماجد وهو يعتدل متنفساً بضيق. لتضمه رقيه معتصرته داخلها بحمد وراحة.
نظرت وعد بتعجب من تلك الأعين المسلطة عليها تتسامر. شعرت بأنها قد ارتكبت ذنباً أو فعلت شيئاً يجلب العار والخزي. وقفت بصمت لتضم ذاتها بيديها عندما أحست بنظراتهم الشرسة التي جعلتها تشعر أنها عارية.
بوجل توارت بفؤاده. رفعت رأسها بكبرياء وتعالٍ، وخطت للمغادرة. ولكن تسمرت موضعها عندما استمعت صوت أحد الرجال هاتفاً:
_ مين البت دي عاد؟ وازاي تعمل اللي عملته وتنزل البحر أكده جدامنا؟ لازمك رحيم بيه يعرف بالموضوع ده.
ليهتف الآخر مؤيداً:
_ أيوه لازم يعرف أمال؟ دي حرمة ناقصة تربية؟
حدقت أعين وعد بغضب واقتربت منهم صارخة تشير لهم:
_ اسمع أنت وهو، محدش استجرأ قبل كده يفكر يغلط فيا. واللي ناقصة تربية دي عملت اللي رجالة بشنبات معملتهوش.
من تلك التي تجرأت على مهاناتهم؟ نظر لها أحد الرجال غاضباً وصاح:
_ أول مرة أشوفك أهنه. بت مين أنتِ عاد؟
فتحت فاهها لتهتف عن مكنونها، لتسبقها رقيه هاتفة بتوتر:
_ دي جاية بشغل مهندسة جد الدنيا كلها. وجاية تشوف أرض تعمل عليها مشروعها الجديد من طرف أحمد أخويا. يعني ضيفة أحدنا، من ميتا بنعامل ضيوفنا وحش.
كبتت وعد غاضبة حانقة من كل شيء. فبلحظة كادت بأنها ما أتت له، لو أن أحداً اكتشف من هي ولماذا جاءت. ولم تستطع إلجام تلك الأفواه وأخذ ثأرها من إهانتهم.
تراجعت للخلف بطريقة غاضبة عشوائية لتنصدم بأحد. استدارت برأسها لتطلع لذاك الذي حينما أتى أغلقت كل الأفواه خوفاً، كأنه شيطان يخشاه الجميع.
حاد رحيم بعينيه عنها هاتفاً بحسم وصوت عالٍ نسبياً:
_ إيه بيحصل أهنه؟ وليه بتغلطوا في الأستاذة؟ عملت إيه هي؟ ساعدت عيالكم وانتوا واقفين تتفرجوا. بلي عمله ولا مشغلة تولولوا كالحريم.
نظرت له وعد بتمعن شديد حينما أشار للرجلين مقتربين منه ليأمرهم بأن يعتذروا منها.
خلع عباءته ليلقيها على ظهرها هاتفاً بصوت لا يقبل النقاش وأعين الجميع لم تعد ترفع من الأرض بحضوره:
_ ارجعي يا أستاذة وحقك فوق راسنا كلنا.
أسرعت رقيه التي تضم ابنها بجذب وعد والعودة للمنزل.
جلست وعد غاضبة تكاد تجن من شدته لتلاقي كل ما يقابلها أرضاً. حتى جلست تزفر بضيق. ثم لاح رحيم أمام عينيها وهي منشغلة الفكر به.
اعتلى الدرج بغضب قد يهدم ما يقابله وهو يتوجه للمار، صارخاً بها بغضب كاد أن يفقده عقله قلقاً:
_ هي راحت فين؟ صحيح اللي سمعته من خديجة؟ نزلت الصعيد ده بجد؟
أومأت لمار مؤكدة بهدوء. ليضرب الحائط بقبضة يده بغضب هادر:
_ مشيت من غير ما تقول! ليه سبتيها تروح وكمان لوحدها محدش معاها.
اقتربت لمار واقفة أمامه عاقدة ذراعيها لتهمس ببرود:
_ وهي هتاخد إذنك ليه؟ أفهم أنتوا بعدتوا عن بعض. هي آه لسه على ذمتك بس انتوا مش عايشين مع بعض.
ازدرد ريقه بصعوبة وهو يهمس متلعثماً:
_ بس من الواجب تقول مش تسيب البنت كده وتمشي.
هتفت لمار لتثير حنقه:
_ عادي يعني مفيهاش حاجة. خديجة معايا وهي قالتلي. وبعدين صح، أنا مش هينفع أسيبكم كده.
نظر لها منتبهاً بكل حواسه لتستكمل هي بمكر:
_ خلاص بقا أنت وهي لازم تطلقوا وكل واحد يشوف نصيبه. بعد كل السنين دي مش بتشوفوا بعض حتى، يبقى آخر ده كله إيه غير الطلاق؟ وهشوفل...
قاطعها صارخاً بها غاضباً وعيناه لا تنذر بخير:
_ تشوفي إيه؟ أوعي سيرة راجل تاني تربطيه باسمها. أوعي.
ابتسمت لمار بمكر وهتفت بحسم:
_ أنت عايز إيه بالظبط؟ فجأة هي تختفي وأنت تسافر وتبعد مع حامد "فيكتور" ولا أنت بتحكي ولا هي إيه اللي حصل.
صمت قليلاً متوتراً وأردف بصوت مهزوز:
_ لما أعرف وأفهم أنا الأول هبقى أقولك.
نظرت له بتمعن تحاول أن تدرك ما يعنيه وما بقلبه. ليردف هو بوجع وقلق:
_ دلوقتي بس عايز أفهم؟ إزاي تسيبيها تروح الصعيد وأنتي عارفة إنها بتخاف من جوز أمها؟
ها هي قد وصلت لمبتغاها، وصلها ما كانت تريد معرفته. فما زال الحب بقلبيهما مهما حاولوا انتزاعه. ما زال العشق يسكن ثنايا قلب كل منهما.
هلل وجهها مشرقاً بفرحة وهي تهتف مربتة على كتفه:
_ متقلقش، إن شاء الله مش هيحصل حاجة. هي بس هتشوف أمها وهترجع على طول عشان خديجة.
ابتسم بضيق هاتفاً وهو يغادر:
_ إن شاء الله. أنا رايح مشوار كده وهأخذ خديجة.
ها هو قلبه يئن قلقاً، خائفاً من أن يصيبها شيء. كيف يطمئن عليها؟ هبط الدرج بتيها كأنه لا يعي شيئاً حوله. يموت هلعاً عليها. فاق لذاته وواقعه على احتضان خديجة له. لينحني حاملاً إياها بين ذراعيه بسعادة، متناسياً كل حزن وقلق وخرج بها متوجهاً للخارج حيث سيارته.
اندفعت ورد مهرولة حيث ترقد والدتها. منكبة على يدها تلثمها بمودة بدموع تسبقها. وقالت من بين شهقاتها:
_ مالك يا ماما طمنيني عنك؟ هتبقي كويسة، أنا هنا عندك أهو وجيتلك وهشوفلك أحسن دكتور.
هتفت والدتها بصوت ضعيف تكاد تسمعه فقط بوهن وسعال. كلمة واحدة كفيلة لجعل ورد تعلم كم نادمة والدتها ومتحسرة:
_ سامحيني.
أغمضت ورد عينيها هاتفة وهي تقبل جبينها:
_ العفو يا أمي، أنتِ اللي سامحيني. مكنتش جنبك طول الوقت ده، مكنتش ليكي البنت الصالحة.
هتفت والدتها بوهن مستنكرة:
_ لا، أنتِ اللي سامحيني يا بتي. مقدرتش أحميكي، مقدرتش آخدك في حضني وأربيكي وأعلمك. مستاهلش منك كلمة ماما.
بكت ورد بقهر وهي تجلس بانهيار على طرف الفراش الراقده عليه تلك التي لا حول ولا قوة لها، شاحبة كالأموات.
انحنت ورد بأذنها من فم والدتها من إشارة منها لتسمعها هامسة بتقطع:
_ قربي يا بتي.
ما أن اقتربت حتى ضمتها بحنان وبكاء ممزق للفؤاد:
_ قربي من أمك يا قلب أمك، اللي ملحقتش لسه أشبع منك يابتي.
ضمتها بمشاعر شتى. لأول مرة تضمها بذلك الحنان فما كان منها سوى البكاء. بكت فبكت فظلت تبكي كما أنها لم تبكِ من قبل أبداً. علمت ما معنى حنان الألم. وأنبتت ذاتها كيف استطاعت البعد عنها؟ كيف وجعتها ذلك الوجع الذي يميت الإنسان حياً مهما حيّا. إذ أن غابت ابنتها لم تعِ للدنيا شيئاً وشعرت بفراغ كبير بدنياها. وثغرة بفؤادها. فكيف أوجعت قلبها؟ ما ذاك الحنان الذي اشتملها وهي ترى أمها تبدلت تماماً ليست كما قبل!
تاهت بحضنها الذي طال وظل لساعات حتى استمعت لصوتاً تكرهه وبشدة وتخشاه.
_ مالك؟ بتك أهه زينة وقاعدة جنبك. عايزة إيه تاني؟ قومي وبطلي دلع.
دلع؟ ماذا يقول عديم الإحساس ذاك؟ وكيف يحس أو يشعر وهو ليس له قلب أصلاً. انتفضت رغماً عنها بخوف شديد ورجف قلبها. ولمحات من الماضي حاصرتها. كم تشعر بالخوف الآن يفرط قلبها. كم تود وتشتاق وتتمنى ذاك الأمان التي لم تعد تعلم ما تعني تلك الكلمة سوا معه. وهي تعلم أنه الأمان والسند والسكينة والراحة. هو ذاك الشخص عمرو الذي امتلكها كما امتلك قلبها. أنه قد يضحي بنفسه لأجل أن لا يصيبها مكروه. هو الذي يفعل جل شيء لضحكة صافية من عمق أعماق فؤادها وثناياه. أين هو الآن؟ هل يلبي نداء قلبها؟
انتفضت على صوته لتهم واقفة باضطراب هاتفة بخوف جلي:
_ هروح أعملك لقمة تاكليها.
كان دوره ليهتف بصوت ذات مغزى وهو يتفرس جسدها بشهوة:
_ آه والله. عايزين لقمة زينة من يد القمر وهندوقوا أكل ما حصلش أكيد.
ازدردت ريقها بخوف. ولكن عليها الآن الاهتمام بوالدتها وأن تعد لها الحساء والدعاء متضرعة لكي تشفى لتذهب من هذا المكان.
داخل الغرفة بكت والدة ورد بوجع وقلق وهي تهتف سائلة:
_ ليه طلبت منها تيجي؟ أنا قولتلك إلا بتي.
حك مؤخرة رأسه بابتسامة خبيثة هاتفاً:
_ وافوت فرصة زي دي مش هتتكرر أبداً. ده من صغرها مجنّاني.
هتفت هي بوجل وقلبها يئن خوفاً على ابنتها:
_ اتقي الله، دي زي بنتك. مش كفاية بعدها عني بسببك. حرمت بتي مني بسببك. وهمتني بحبك وتجوزتك وعينك على بتي الصغيرة وكنت السبب إني أبعدها عن حضني خوفاً منك. منك لله.
شوح بيده راحلاً من الشقة بأكملها. لتتنفس ورد براحة وهي تحمد ربها عندما استمعت لغلق الباب. وأسرعت بغلقه بإحكام.
صوتاً جذب انتباهه وهو يسير بالرواق. صوت بكاء لكنه غير أي بكاء. بكاء قطع نياط قلبه. صوتاً محبباً مغنماً مطرباً مستقراً بثنايا قلبه. بغضب هادر وطلة رهيبة ولج لداخل المكتب الذي أتاه صوتها به كالإعصار. وعيناه تجوب الموجودين. حتى وقف ذاك الضابط قائلاً باحترام:
_ اتفصل عثمان في حاجة ولا إيه؟
لم يكن معه، لم يستمع، لم يكن هنا من الأساس. كان مسحوراً مشدوهاً بتلك التي تبكي برقة وتغطي وجهها برجفة. تذكر كلمات والده وأنهم هم سند فتيات تلك العائلة. استعاد رشده واتزانه وهو يقترب منها بلهفة توارت خلف وجهه الغاضب ليهمس:
_ فيه إيه يا مكة؟ بتعملي إيه هنا؟
هتف زميله بدهشة واعتذار:
_ أنت تعرفها يا عثمان؟
لم ينتبه، فقد انهارت كل حصونه وهو يرى دموعها الهالكة لقلبه. دنا منها أكثر هامساً بحنان لم يعتاده من قبل وهو ذاك الحجر الذي لا يعلم سوى معاملة المجرمين والقبض عليهم والضرب والحرب:
_ مكة، اهدي. أنا جنبك مفيش حاجة. محدش يقدر يعملك حاجة.
لم تتخيل يوماً أن يتم القبض عليها ولا تعلم السبب. فقط هي كانت تندفع بسيارتها حيناً. أوقفها ذاك الضابط جاذباً إياها إلى ها هنا لتجد نفسها بين نسوة غريبة لم ترآهم من قبل.
ازدادت دقات قلبه بجنون. وحدق بصدمة أمامه هامساً بحنان وأمان:
_ طب بس اهدي. تعالي أمشي معايا.
اعتذر منه زميله على خطئه. أجلسها بالسيارة وما زالت تبكي. حتى هتف بحنق من دموعها التي توجعه وتكوي قلبه:
_ ما خلاص بقا. مفيش حاجة. بتبكي ليه؟
هدأت دموعها وشهقاتها لتطلع به بزهول. فمن ذاك الذي أمامها؟ منذ أن قابلته وهو يعاملها بجفاء وقسوة ودائماً غاضب. فمن هذا إذاً؟ من هذا الذي أمامها؟ ما هذا الأمان والحنان؟
تطلعت به بأعين دامعة. أماتت فؤاده ليضرب المقود بقبضة يده بغضب وهو ينظر لها صارخاً بها مفجراً غضبه:
_ أنتِ إزاي أصلاً تخرجي من البيت؟ مش عارف أنا عمي حامد، سيبك تطلعي لوحدك إزاي؟ أنتِ آخرك تقعدي في البيت وبس! بسببك اتعطلت عن شغلي. (نظر لها نظرات أرعبتها وانتفضت على صوته الذي ازداد) أعمل إيه أنا دلوقتي.
بكت بحرقة وهي لا تدري كيف تبدل بثواني. فتحت السيارة وترجلت منها. ليلحق بها غاضباً. جذبها من معصمها مستديراً هاتفاً:
_ ماشية رايحة فين دلوقتي؟ وإزاي تنزلي كده؟ هو أنا أي مش موجود؟
سحبت يدها بحزن شديد وهي تقول بنظرات طفولية:
_ ما أنت عمال تزعق تزعق كأنك متعرفش حاجة غير الزعيق.
وعادت لبكائها مرة أخرى. وضع كفيه حول جذعها وهو يتطلع بها كأنه يرى طفلة أمامه وليس فتاة ناضجة. أغمض عينيه لعله يهدأ وفتح جفنيه متنهداً:
_ اسكتي طيب. بلاش عياط.
عقدت ذراعيها لتستطرد قائلة:
_ لا لا لا. مش هبطل عياط. ملكش دعوة.
ضغط على كفه يده ليجاهد بالسيطرة على ذاته. لتردف هي بلهفة وعيناها على إحدى المحلات وتصفق بطفولية:
_ الله! مشبك!
جذب قبضة يده مسرعة ناحية المحل وهو مشدوهاً معها وهو يراها بتلك الرقة والطفولة والسعادة. يتطلع بها فقط. يسير بآلية معها كأن الكون قد خلا إلا منها.
وصلا أمام المحل لتشير هي وعيناها تشع بهجة. وأشرق وجهها بفرحة وهمست بلهفة:
_ هاتلي مشبك يلا بسرعة.
أبتاع لها ما تريد وما زال مجذوباً بسحرها وهي تحوم حوله كطفلة صغيرة تسعد وتهلل من أي شيء قد يهدي لها.
كان لا يدري ما الذي يفعله. هو من هو؟ متى كان هكذا؟ منذ متى يقف يبتاع شيئاً؟ منذ متى يخشى على أحد ويحادثه بحنان؟ من هو إذاً...
جلست بجانبه بالسيارة تلتهم ما بيدها باستمتاع وشهية.
انطلق ولكن عينه لا تحيد من عليها مما أربكه وهو يسوق مندفعاً.
تطلعت به وهي تمسح فمها بمنديل ورقي. جذبت قطعة مقربة إياها له هاتفة ببراءة:
_ عثمان، ممكن تأخذ من إيدي.
صوت احتكاك حاد صدر فجأة مع توقف السيارة جعلها ترتد ويسقط ما بيدها على ملابسه.
هزها بعنف صارخاً بها بكلمات حارقة:
_ مش عشان جبتلك اللي عايزاه وخرجتك من أم السجن ويا ريتني ما طلعتك من حقي. كنت سبتك أسبوع ولا شهر هناك. أنا عملت كده عشان خاطر عمو حامد وبابا. فمتحاوليش تصاحبيني.
دفعها بعنف لتنصدم متأوهة بألم شديد.
بكت بألم ووجع ليردف هو بغضب وصوت أفزعها:
_ مبجايش منك غير أم المصايب اللي مش عارف ألاحق عليها. من يوم ما شفت خلقتك. عجبك كده الهدوم؟ أرجع بيها إزاي؟
اندفع مسرعاً بالسيارة جعلها تنكمش على ذاتها خائفة.
نظرت له بكره وهي تهمس:
_ ماشي يا عثمان!
أوصلها أمام المنزل، لتترجل هي ركضاً للداخل. وانتظر حتى غابت عن محياه ليغلق عينيه بألم هاتفاً:
_ عملتي فيا إيه يابت عمي؟ كنتي غايبة سنين. آخر مرة فاكرك فيها كنتي صغيرة...
صمت مبتسماً عندما لاحت له ذكريات الماضي وهي خصوصاً. ليهتف مؤنباً ذاته:
_ ليه كده؟ ليه تجرحيها وتبكيها كده؟ ليه يا عثمان؟ خايف!
تنهد بضيق كأن هم الكون على عاتقه وانطلق بسيارته مسرعاً.
ولجت الغرفة بغضب وحزن في آن واحد. تخصرت ووقفت تهز قدميها دون كلمة.
رمقتها أسماء بتعجب من حالتها ودنت منها بحذر وترقب ووضعت يدها على كتفها هامسة:
_ مكة، حبيبتي. أنتِ كويسة؟ مالك مش على بعضك كده؟
نظرت لها بأعين يغلفها الدمع. لتنهمر دموعها. فيزداد قلق أسماء. جذبتها بحنان من يدها لتجلس وأعطتها كوباً من الماء. أرتشفت القليل منه لتهمس أسماء وهي تجلس:
_ مالك؟ احكي في إيه؟
نظرت لها مكة قائلة:
_ عثمان.
نظرت لها باهتمام تحثها على الكلام لتتنهد قائلة:
_ كل ما يشوفني يزعق فيا كأنه شاف عفريت وبيتمسخر وبيهزقني.
زاغ بصرها للفراغ ولاح طيفه منذ دقائق وأبتسمت بهيام:
_ المشكلة إنه حنين وجدع بس فجأة بيتحول. (هزت كتفيها زمت شفتيها قائلة) معرفش ماله؟ جبني من السجن و...
بلعت باقي جملتها مجبرة عندما قاطعتها أسماء صارخة بانفعال:
_ من السجن؟ بتقولي كنتي فين؟ انطقي!
بهدوء قالت مكة:
_ أهدي بقا واسمعيني. كنت سايقة زي عادي.
صمتت قليلاً لتستكمل قائلة بعدما نهضت تتهادى عن عين أسماء:
_ كنت بسوق بسرعة وكمان كنت هخبط حد. ولحسن حظي شافني الظابط وكمان كنت ناسيه بطاقتي! بس عثمان لم الموضوع وتكلم مع الظابط. معرفش كان مالي النهارده!
ضربت أسماء جبهتها بقلة حيلة هاتفة:
_ يا بنتي الحمد لله جت على خير وربنا سترها. متسوقيش كده تاني.
أقتربت مكة قائلة ببراءة:
_ أنا مش عارفة سوقت كده إزاي دي أول مرة. بس يلا عدت الحمد لله.
عادت لتجلس جانبها مرة أخرى متسائلة:
_ أمال هو مفيش حد في البيت خالص؟
ابتسمت أسماء قائلة:
_ عمتو لمار وأدهم في الشغل ربنا معاهم. وبابا وماما في المستشفى وعمو حامد معاهم. أما مامتك فيبدوا إنها معاهم بردوا. وطنط هالة تحت في المطبخ هي وريم.
صمتت قليلاً لتهتف بحماس وهي تسحبها وراءها:
_ تعالي ننزل نقعد معاهم يلا!
نهضت خديجة مغلقة المصحف لتضعه جانباً وهي تهمس بطفولة مانعة إسماعيل عن الانحناء:
_ استني يا جدو أنا هحط الشبشب!
انحنت كي تساعده بارتدائه ليقبل جبينها داعياً لها وهو يقول:
_ أمك عرفت تربي صح. ربنا يحفظك من كل شر ويثبتك ويثبت قلبك. هتؤضي. واصلي وأجي نكمل تسميع!
أومأت برأسها بابتسامة قائلة وهي تمسك كفه يده:
_ أوصلك أنا لحد الحوض!
سارت تتهادى وهي ممسكة به، حتى توضأ وصلى لتفعل هي بالمثل وتجلس بجانبه لتسمع ما وقفت عنده!
كان يشعر بالسعادة لتلك الطفلة التي لا يشغلها شاغل سوى حفظ القرآن. فظل قلبه يدعو لها بالثبات والهداية أكثر.
قطع عليهم طرق على الباب وصوت لمار هاتفاً بمرح:
_ ياللي هنا. نحن هنا. مش هتفتحوا!
ما أن سمعت صوتها حتى علت صوت ضحكاتها تدب الفرحة بالشقة وتسرع بفتح الباب تضم لمار باشتياق وكذلك هي!
هتفت لمار بصدق وهي تقبل وجهها الدري:
_ وحشتيني يا ديجااا أوي!
قبلتها ديجا قائلة:
_ وأنتي كمان وحشتيني!
قطبت لمار حاجبيها بتعجب مصطنع قائلة:
_ وحشتك قد إيه يعني؟
ضحكة خديجة قائلة وهي تفرد ذراعيها:
_ قد كده!
لتضمها لمار أكثر وهي تقبل يد إسماعيل مطمئنة عليه.
قائلة بمناغشة:
_ أوعي تقول يا حج إن البنت دي شقية وتعبتك!
ليقول هو بمزاح:
_ والله ما في حد مزعج قدك! كنا قاعدين بنحفظ قرآن جيتي عطلتينا!
زَمت شفتيها قائلة بصدمة:
_ إيه ده؟ أنتوا مش عايزينني؟
أشار إسماعيل بيده للمطبخ:
_ قومي بس اعمليلنا حاجة ناكلها وسيبيني مع ديجا شوية.
نهضت قائلة بمرح:
_ من عنيا.
مر الوقت واستودعت لمار إسماعيل وغادرت بخديجة بعدما وعدته بأن يعودوا غداً جميعهم وليس هي وخديجة فقط. ألحت عليه أن يذهب معه ولكنه أبى أن يترك ذاك المكان الذي كانت به رفيقة دنياه تلك التي تركته وحيداً تاركة له فراغاً كبيراً من بعدها!
تقبع أسماء على الأرجوحة التابعة للحديقة تقرأ إحدى الروايات. غابت فجأة بدنيا الأحلام عندما طافت عليها ذكريات الطفولة. تذكرته أجل. كيف كان يلهو معها ويأرجحها. كيف كان يغضب إن حادثت أحداً من الشباب ك ياسين وعثمان. كان يغضب ويثور ويجن جنونه. احتضنتها فرحة الطفولة فغابت بها وبأمانها. يا ليتها تعود. اللحظات السعيدة وإن كانت مجرد وهم وذكريات. فسيأتي ما يحطمها لا محالة. لم يمدي كثيراً وهي تفكر. يا ترى أين هو الآن؟ بالتأكيد مع إحدى الفتيات! لو يعلم كم تحبه وتهواه؟ لو يعلم من هو بالنسبة لها؟ ذرفت عيناها الدمع بابتسامة. فيكفيها طيفه يزورها ليرفرف قلبها من شدة الفرحة. ما لبثت أن فاقت من ذكرياتها وشرودها على صوته. صوته الذي يسحرها يتنغم بسحر خاص يجعل قلبها يتراقص فرحاً. لم تصدق أذنيها فهل حقاً هو هنا؟ تستمع لصوته. غابت هي عن نفسها ومكانها وزمانها غير مصدقة. منذ متى يعود بهذا الوقت وهو الذي لا يعود سوى مترنحاً قبيل الفجر!
لم يدرك أنها غائبة له هو فقط! فظن أنها تفكر في أمراً ما؟ ولا يدرك أن لا يوجد غيره يشغل خاطرها وقلبها وروحه. فهو ساكنهم الوحيد.
تنحنح قائلاً وهو يضع يديه بجيب بنطاله:
_ يا زوجتي المستقبلية سرحانة في إيه كده؟
ازدردت ريقها وهي ترفع بصرها به قائلة بابتسامة رقيقة أول مرة يراها عن قرب ففعلت بقلبه الأفاعيل:
_ أنااااا...
تلجلج صوتها وهي تغمض عينيها بعيداً عن المرآة:
_ أنا مش سرحانة ولا حاجة!
تنهد قائلاً وهو يستنشق الهواء الذي هلت نسماته الباردة:
_ بتعملي إيه وقاعدة لوحدك ليه؟
منذ متى يسألها أو يهتم بكل ذلك؟ فمنذ أن نشب وهو حتى قد لا يعرف من تكون.
زَمت شفتيها بوجع ودمعة هاربة هوت على وجنتيها وهي تهمس بسخرية:
_ قاعدة ليه هنا؟
رفعت نظرها به لترى دموعها المؤلمة. أبعد يديه مشبكهما أمام صدره وهو يتطلع بها لتستكمل هي متنهدتاً بضيق:
_ قاعدة في المكان الوحيد اللي بيجمعني بروحي! بحس فيه بالأمان! المكان الوحيد اللي بتخالط قلبي فيه الفرحة!
قاعدة عشان في ذكريات متتنسيش عشتها هنا. بس اللي عشتها معاهم مش هنا أو هنا بس مش هما!
أغمضت جفونها لتدور حول الأرجوحة تقف خلفها حيث كان هو يقف وهو صغيراً يأرجحها وقالت بدموع:
_ فاكر زمان لما كنت (أشارت بيدها) بقعد هنا وتمرجحني.
مدت بصرها وكذلك هو نظر لما تنظر حيث على الفراغ ليس بعيداً. وقالت بتذكر ودموع:
_ فاكر لما وقعت هنا إزاي كنت خايف عليا؟
أقتربت كم خطوة منه واقفة أمامه عن بعد لتغمغم قائلة بابتسامة رقيقة أفقدته ثباته ودقت حصون قلبه:
_ فاكر لما كل جمعة كنا بنروح نصلي ولما ننهي تقعد تحفظني؟ طب فاكر لما بتزعل لما مش بحفظ السور اللي لازم أسمعها؟ فاكر لما كنت بزعل لما بطلب حاجة ومش بيوافقوا يجبوهالي وكنت بتعمل أي حاجة وتجبهالي وتسعدني! فاكر لما كنت بتقولي البس ده لا وده لا ودا غلط ودا صح؟
ألهبت قلبه دموعها الرقيقة وحنانها ذاك. أما زالت تذكر كل ذلك؟ هل هي تحبه؟ ولكن ما به لم دموعها توجعه؟ لماذا أراد أن يزيحهم بلي عودة! أين ذهبت كلمات الغزل وهو الذي إن رأى فتاة غازلها بكلمات الحب كأنه محب واقعاً ولا سبيل للنجاة؟
وقف متخشباً أمامها دون كلمة. لتتنفس هي الصعداء قائلة:
_ أنت فين دلوقتي؟ من حذيفة بتاع زمان! (حذيفة بن اليمان) عارف اسمك دا اختارته ليك ورد على اسم الصحابي الجليل حذيفة وكنت أتمنى تكون زيه! كنت أتمنى تفضل أنت متتغيرش كده. هااا قولي أنت مين؟ فين حذيفة؟
طال الصمت وتحكم وطال تحكمه. قطعته هي بابتسامة متسعة مردفة وهي تهز رأسها عائدة حيث مجلسها:
_ أكيد معندكش إجابة. جيت ليه بدري؟ أول مرة تعملها ولا مفيش بنات!
ابتلع سخريتها كارهاً ذاته وهو يقول كاذباً فقد عاد لتوه بسبب نزاع ارتكبه:
_ مفيش عادي. زهقت وقولت أرجع بدري.
جلس على الطرف الآخر من الأرجوحة متسائلاً بتعجب:
_ أمال بتقراي إيه؟
هتفت وعيناها لا تحيد عن الكتاب:
_ رواية.
تنحنح قائلاً يريد أن يستمع لصوتها المحبب لقلبه الذي يبث له الحنان والراحة:
_ طب عليّ صوتك سمعيني معاكِ.
رفعت نظرها به بزهول وألتقطت الأعين بلقي العتاب والمحبة.
تنحنحت باضطراب وتلعثم وهي تحاول جاهدة أن تخرج الكلمات فحضوره أربكها أفقدها ما تبقى منها!
أنصت لها جيداً أو بالأحق كان مستمتعاً بصوتها.
لم تكمل سطراً حيث صمتت مغمضة عينيها.
متنبه لجرحاً ينزف خلف رأسه، لتنتفض هاتفة بوجل:
_ فيه إيه؟ أنت بتنزف!
تنبه بدوره ليتحسس الجرح قائلاً:
_ مفيش حاجة. دا جرح بسيط.
لم تستمع لكلمة أخرى وذهبت مسرعة من أمامه بطريقة مباغتة استغربها كثيراً. ما لبثت طويلاً وجاءت ركضاً حاملة ما يلزم لتطهر الجرح. وقفت خلفه وما كادت أن تلامس الجرح حتى انتفضت متألمة باكية. نظر لها بتعجب شديد من تألمها كأن هي بها الجرح لدموعها الحارقة تصهر فؤاده حياً. فتنحنح متسائلاً:
_ لو مش قادرة تعمليه أنا هعمله. ومكنش فيه داعي. دا جرح بسيط.
نفت قائلة وهي تقترب:
_ لا. مفيش. قرب.
أنهت جرحه وجلست منشغلة به والقلق ينهش قلبها. هل يؤلمه؟ أيتألم؟ أم أنه بخير؟
وعلى غفلة شعرت بالأرجوحة تأتي ذهاباً وإياباً بها. وما كان إلا هو. لجمتها الصدمة. وشعرت بأن قلبها كاد أن يقفز من محله من شدة الفرحة وصرخت به ليوقفها. وما أن أوقفها حتى رحلت متوردة الوجنتين خجلاً مسرورة. وروحها تحلق كفراشة مشرقة.
اخترقت ضحكاته مسامعها التي زادت توترها لتسرع خطاها لغرفتها.
في أثناء ذلك كبت ضحكته بصعوبة وهو يجلس مبتسماً من صميم القلب لأول مرة. متنهداً بسعادة لا يفارق طيفها مخيلته. فقد أخذت من قلبه مسكناً وارتسمت صورتها على جدرانه وأتحكم على قلبه أن يكون سجيناً لها. سجيناً لتلك العصفورة العامرة بالرقة والحنان كأنها أمه.
دب الخوف والذعر بالقلوب. ضجيج وجلبة وصوت صرخات شقت عتمة الليل المظلم. تجمهرت الناس حول ذاك البيت الذي نشبت به الحريق. وأخذت النيران تلتهم كل ما يقابلها دون هوادة. تسرع خطى الرجال ركضاً بالماء لإطفاء الحريق. بينما يكاد قلب رقيه يقف من شدة الخوف الذي تملكها. ماجد الصغير بجانبها يبكي ويردد باسم وعد.
لا أحد يجرؤ على الدخول. جاء رحيم مسرعاً وهو يصيح:
_ إيه اللي حاصل؟ والحريق ده جام كيف؟ في حد جوه؟
أومأت رقيه برأسه بصمت وبكاؤها يمزق نياط القلب. لا تدري ما عليها فعله! لو لم تصر وعد على المكوث منفردة بذاك البيت لما حصل ذلك؟
بالأعلى تقف وعد بالغرفة حائرة لم تدري من أين نشب ذاك الحريق. لا غرو أن هناك أحداً ما يريد التخلص منها ولكن من؟ من يدري من تكون هي؟
اختنقت بشدة وتوغل الدخان بصدرها. جثت على الأرض وهي تسعل بشدة. وطيف الجميع مر عليها حتى ديجا. هدأت أنفاسها رويداً رويداً وأخذت وزاغت عيناها. رفعت يدها على قلبها تحاول الصمود لأكبر وقت ممكن ولكن كيف والنار حاصرتها؟
انفتح الباب فجأة وطل منه رحيم. تقدم منها بقلق ودون كلمة جذبها منحنياً ليحملها. بينما كانت تتنفس بإعجوبة وهي تختنق. خرج بها من مكان آخر لم تصل له النار بعد إلا قليلاً.
أدخلها السرايا لتلحق به والدته بلهفة وهي تحاول جاهدة إنقاذ وعد. بينما صرخ هو بغفيرة ليأتي بطبيب على عجل.
اقتربت رقيه باكية دون كلمة!
جاء هذا الصوت من أعلى الدرج لرجل كبير بالسن. أسرع رحيم خطاه شبه راكضاً مسنداً والده وهو يهتف مطمئناً:
_ أنا بخير يا حج. الحمد لله مفيش حاجة. اطمئن أنت.
نقلوا وعد لإحدى الغرف وجاء الطبيب لفحصها وإعطاء اللازم لها وذهب. أرادت رقيه نقل وعد لبيتها ولكن رحيم ووالدته أصروا على بقائها حتى تتعالج تماماً وتصبح بخير.
دخلت والدته لتبقى معها طوال الليل إن فاقت وأحتاجت لشيء ما.
أغلق هاتفه ملقياً به جواره دون اكتراث. وصدرت منه تنهيدة وجع. وجع ومن ذا يشعر به؟ وجع ظل وما زال لسنين يقبع بثنايا قلبه لا يريد الفرار أو النسيان. بل إنه يزيد مع الشوق والحنين أكثر فأكثر فأصبح فؤاده الجريح غير مبالٍ بما حوله ولا بذاته حتى.
ضغط على مكابح السيارة وهو يهمس متوجعاً. فما أدراك ما وجع القلب؟ نار تكاد تحرقك حياً ولا أحد يشعر بها. وهمس:
_ وحشتيني. أنا ليه مش قادر أنساكي؟ ما أنتي رحتي خلاص. ليه مش قادر أنسى أول مرة شيلتك فيها بين إيديا؟ ليه مش قادر أنسى أي نظرة عينك؟ كل حاجة فيكي. كل لحظة جمعتنا. ليه عايش ومش عايش؟ فينك؟ كل يوم بستناكي تيجي بس مش بتيجي. غايبة والغيبة طالت. مكانك في قلبي مهما تغيبي هيفضل ملك ليكي. كل دقة بتصدر منه بتزيدني اشتياق ليكِ. سامحيني لأني هكون لغيرك بس قلبي ملك ليكي.
وتذكر حينما وهو يبدل ملابسه. دلف والده يوسف بتهكم واضح على ملامحه دون أن ينبس بكلمة. امتدت فترة صمته كان ياسين على وشك أن يفقد صبره ليتنهد يوسف بصوتاً عالٍ هامساً:
_ وبعدين؟ هتفضل كده لأمتي؟ أحنا عايزين نفرح بيك! مالها سمر. واحدة مننا وغير كل ده رايدك وبتحبك!
ألقى ياسين المنشفة من يده وكظم غيظه قائلاً بهدوء قدر استطاعته:
_ بابا أنا مش بفكر في الجواز دلوقتي. وبعدين سمر أنا مبحبهاش!
زفر يوسف بغيظ هاتفاً بلهجة حادة:
_ مش كل حاجة حب! لو الكل بيفكر زيك يبقى مفيش جواز!
ربت على كتفه قائلاً يحاول إقناعه:
_ أنت ابني والعمر بينا بيجري ويا عالم بكرة هكون موجود ولا لا. وعشان كده خلينا نفرح بيك. وأنا متأكد إنك هتحب سمر مع الأيام.
قال جملته الأخيرة بابتسامة هادئة وغادر الغرفة.
فاق على اصطدامه لأحد ما. حدق عينيه بصدمة. وتسارعت أنفاسه وخفق قلبه وهو يترجل مسرعاً من السيارة.
ما كاد بالوصول إلى من اصطدم به حتى تسمر موضعه وهو يراها تحاول الوقوف تتلمس بيدها عمياء. أجل، إنها العمياء التي كان يتشاجر ويتنازع معها كلما رآها. لا يدري السبب؟ كان يتهمها أنها تمثل ما ألهمه. لذلك يا ترى! إنها عمياء كساكنة قلبه!
دنا بحذر منها وهو يهمس:
_ أنتِ كويسة؟ أنا مخدتش بالي. أنتِ ظهرتي فجأة.
لم تجب وأنما أجهشت بالبكاء عالياً بصوت عالٍ!
أغمض عينيه بعنف تأثراً من صوتها الذي يتنغم على قلبه بعشق ليعيد له ما فقد من الحياة!
همس يحاول بشتى الطرق أن يدري ما بها:
_ طب بتبكي ليه؟ أنتِ أتأذيتي؟ أوديكي المستشفى نطمن!
صوت ضجيج وضوضاء وصياح رجال آتٍ من الخلف. أصوات سيارات كثيرة نبهته أن هناك أمراً ما.
بينما سدت هي أذنيها بكفيها محاولة إلا تسمعهم وهي تتلمس باكية كي تركض وقلب حالها يهمس "بزين". إذ أنه قيد معصمها هاتفاً بغضب وهو يرى توقف السيارات:
_ أنتِ بتهربي منهم؟
حاولت الاعتراض وسحب يدها إلا أنه كان يزداد ضغطاً وأحكاماً عليها. علا وجهه غضب هادر كفيل بهد الكون. حينما تسارعت أنفاسها وهي تؤمي مرتعدة من الخوف وجسدها يرتجف:
_ معرفش مين دول! عايزين يقتلوني!
جذبها خلف ظهره وهو ينظر لهم بغضب وقسوة. ارتعاشها بين يديه جعل من قلبه كتلة مشتعلة من النيران قد تنفجر.
صوتاً علا من الشباب:
_ سيبها يا باشا وتوكل على الله. دي تبعنا!
هزت رأسها بعنف نافية قوله.
بينما تقدم منهم ياسين وهو يخلع جاكته ملقياً به. تقدم أحد الشباب ركضاً وكاد أن يلكمه إلا أنه انحنى ممسكاً بذراعه لوياً له منكسراً وأمسك رأسه مطيحاً به بجبينه وتركه ليسقط أرضاً. ازدادت ركضاً إليه وهو يتشابك معهم بالضرب المبرح ليسقطهم أرضاً غارقين بدمائهم. إلا أن صوت بكاءها الذي علا جعله يلتفت إليها ليجد أن هناك أحد تسلل شارعاً "مطواة" على رقبتها.
استسلم ياسين بعجز تام وهو يزدرد ريقه بقلق. ليحاوطه فجأة منقضين عليه بالضرب المبرح بالعصي يتلقفه واحداً تلو الآخر ضرباً. تأوهت بألم حينما غرس السكين بجرح لا بأس به. مما جعله يجن ويفقد عقله. أفاق الأسد النائم بداخله لينقض عليهم كالثور الهائج. يلكم هذا ويدفع بذاك. التقططططط أحد العصا وكل ما اقترب إليه أحد أبرحه ضرباً ليسقط صريعاً. فكانت نهايتهم جميعاً أرضاً.
أزاح الدم العالق على وجهه وفمه وهو ينظر للرجل الممسك بسكينه بهدوء وكلمة وجده لفظ بها:
_ أمشي!
لم يمهله الكثير ليركض مبتعداً متصلاً لأحدهم يطلب العون.
قطع المسافة الفاصلة بينهم ليقف أمامها بحيرة من أمره. خيم الصمت ليهمس هو محاولاً تهدئتها:
_ خلاص بقا. أهدي. متخافيش. مفيش حاجة؟
ظلت تبكي بصمت وجسدها يرتجف. أوشك على أن يثور ولكنه كظم غيظه قائلاً بلهجة حادة:
_ بتبكي ليه؟ اسكتي خلاص. مفيش حاجة. أنا هنا!
فجأة حصل شيء غير متوقع لم يخطر بباله بتاتاً ولم يراوده.
ضمته واستكانت مطمئنة. يضمها الأمان. صدمة جعلته تسمر موضعه. على مرأى من النجوم الساهرة والقمر غار منهما. تردد برفع يده يحاوطها فما كان منه إلا أن أفاق لذاته مبعداً إياها برفق قائلاً بتلعثم فقد استطاعت تلك الفتاة نزع ثباته واقتلاع قلبه وهز نفسه:
_ تعالي اركبي أوصلك المكان اللي عايزة!
جذبها من يدها بحنان يدلّها على الطريق. إلا أنه وقف مكانه لاعناً ما تسبب بفقد إطار السيارة وتمتم بغيظ.
لم يدري ما يفعل. مد بصره يميناً ويساراً يستطلع المكان إلا أنه لا يوجد مكاناً قريب أو بشر. مسح بوجهه بغضب وهو يضرب بقدمه السيارة متمتماً.
أجلسها بداخلها بعدما شرح لها الأمر. وظل واقفاً على أمل أن يمر أحد أو يجد من يساعده بمثل ذاك الوقت. أخذ يطرق ذهاباً وإياباً بتوتر لا يدري سببه.
توغل الأمل والانشراح قلبه وتنفس الصعداء وهو يرى سيارة آتية من بعيد. لم يحد عينه عنها ولكن مهلاً، إنها ليست سيارة بلا عدة سيارات. استطاع أن يدرك أن هناك خللاً ما.
أسرع بفتح السيارة جاذباً إياها وهو يقول صارخاً بها:
_ انزلي بسرعة. رجعوا. لازم نأمن نفسنا. ممكن يأذوكي.
أمسك بقبضة يدها بإحكام وهو يجذبها خلفه ركضاً بين الأشجار التي كانت على الجانب الآخر متخفياً عن الأنظار.
وقفت السيارات وترجل من بها. ليشير لهم ذاك الرجل الذي جعله يغادر دون أذية:
_ بسرعة من هنا وراهم. لازم نخطفها ونسلمها للباشا.
ركضوا خلفهم بين الأشجار.
كانا بالقرب منهم يحاوطوهم من كل جانب. اختبأ خلف الشجرة ليضمها ياسين لصدره متوجساً عليها. ظهرها مستنداً للشجرة ووجهها مخبئ بصدره. ظلت عيناه تتابع الرجال يميناً ويساراً محاولاً معرفة سيرهم واتخاذ خطواته.
بينما كاد أن يلتفت حتى تسمرت عيناه على دموعها التي تهوي بصمت ووجهها وعيناها التي سحرته وفكرته بمعشوقة فؤاده الراحلة.
عم الصمت والسكون. فخمن بمغادرتهم باحثين عنه ليجذبها خلفه مغادراً يلتمس الخطي بذاك الظلام مستعداً لأي أمر طارئ مهدداً بحياتهم.
وقفت تلتقط أنفاسها بصعوبة وهي منحنية تمسك قدميها...
أحس بتعبها فنظر حوله محاولاً فحص المكان حتى قال متنهداً:
_ تعالي نقعد هناك كده تحت ظل الشجرة دي تستريحي شوية ونمشي.
أومأت برأسها من شدة ألم قدميها. وسارت خلفه بهدوء. تعثرت قدمها بالحجارة فكادت بالسقوط لولا يده التي لحقتها لتتمسك بها بقوة فتشبثت به كطوق نجاة أتى لنجاتها. قبض على يدها بقوة وسار متهادياً بخطواته وهي بجانبه.
وصلا عند شجرة ظنها المكان الأمثل للاستراحة به. فأجلسها برفق. وأخذ هو موضعه استند بظهره على الشجرة وأرجع رأسه للخلف.
خيم الصمت عليهم. بينما كان مغمض العينين بذكريات لاحت فجأة بطفولته. فبسمة صافية هادئة من أعماقه نبعت فجأة على وجهه.
ظلا على حالهم. كان يكتم آلام جسده بجهد عظيم. تذكر شيئاً ليهمس جزاً على أسنانه وهو مغمض العينين على حاله:
_ زين القاضي يقربلك إيه؟
صمتت و زاد صمتها حائرة فمن ذاك؟ ولماذا يساعدها؟ لماذا لم يتركها ويغادر؟ هل لا يخشى على ذاته؟ أم ما زالت الدنيا بخير وبها رجال حقاً؟ هل ما زال هناك بشر تساعد دون مقابل؟ أجل وها هو الدليل على ذلك!
تذكر أنها استمعت لصوته قبلاً. ولكن متى؟ متى استمعته؟ لماذا لا تستطيع التذكر؟ يا ليتها كانت ترى لكانت عرفته فوراً!
تنبهت لسؤاله باهتمام لتجيب باسمه:
_ زين يبقي أخويا. أنت تعرفه؟
صمت قليلاً لتستطرد بعدها متسائلة:
_ هو أنت ليه ساعدتني؟
لم يرف له جفن وظل على حاله ولكن داخله يضج بكثير من الأفكار تزاحمت بخلده ليبتسم بسخرية وهو يهمس بينه وبين نفسه وها قد وصل لمبتغاه:
_ أخت زين. شكلي قربت أوصل للي عايزة وأنتي اللي هتوصليني!
ابتسامة السخرية اتسعت وهو يردف بمكر:
_ مش أخت زين يبقي لازم يلاحقوكي!
تنبهت لجملته التي أشعرتها بشيء ما غريب يكنه ذاك الشاب لتتساءل قائلة:
_ أنت ليه بتقول كده؟ ومجوبتنيش ليه؟ ساعدتني؟
زفر بصوتاً مسموع وفتح عينيه ليلوي قدمه منحنياً عليه ونظر لها بصمت وتنحنح قائلاً بهدوء:
_ أنتي بنت وكنتي محتاجة مساعدة. أسيبك وأمشي وكأني مش شفتك إزاي؟ أمال أبقى راجل إزاي؟ أي حد مكاني كان هيساعدك!
صمتت قليلاً بانبهار من رده. صمتت باستيعاب لتردف قائلة:
_ بس ممكن تموت بسببي؟
_ أموت بسببك أحسن ما أموت من عذاب الضمير وقلة احترامي لنفسي!
قالها بحدة نوعاً ما. تراجع للخلف متنهداً وبتعب شديد بجسده وجراحه التي تمكنت منه ليغمض عينيه.
لم تتحدث. ظلت صامتة وجلة مطمئنة. أمان لم تعتاده من ذي قبل. لكن الآن تشعر أنها بين يدي أمينة. فأستكانت مطمئنة فؤادها. لا غرو فإن الخوف تملكها كلياً. تنتظر موتها في أي لحظة. ماذا لو آتوا؟ ماذا لو أن ذاك الشخص لم يكن موجوداً؟ يا ترى ماذا كان مصيرها الآن؟
انتزعها من أفكارها حركته وهو ينهض مستعجلاً! لتهمس هي بتوجس وقلق وتلعثم:
_ أ أنت رايح فين؟
_ هصلي!
قالها مسرعاً وهو يقف مكبراً. ولحسن حظه قد كان متوضئاً. فصلى وطالت صلاته. وعاد ليجلس مكانه لتهمس هي وقد أدهشتها فعلته:
_ أنت قمت تصلي عادي كده؟
قطب حاجبيه قائلاً بتعجب من جملتها:
_ إيه اللي يمنع إن أصلي؟ فهميني!؟
يعني إحنا قاعدين هنا في أي لحظة ممكن يلاقونا. وقتها يا عالم هيعملوا فينا إيه؟ وأنت بكل بساطة بتصلي؟
تنهد بنفاذ صبر قائلاً:
_ برضه مش فاهم إيه اللي يمنع أصلي! المفروض أنتي كمان تقومي تصلي وتطلبي من ربنا يحفظك ويحميكي وتشكريه!
صمتت بإحراج لا تدري ما تقول. أتخبره أنها لا تصلي؟ وأنها إن صلت فهي تقطع صلاتها مرة أخرى بسبب أنها لا ترى! ولا تريد أن تكون عالة على أحد!
تفهم صمتها وبحدسه علم أنها لا تصلي. فصمت متنهداً...
ساد الصمت بينهم لا يقطعه سوى نسمات الهواء التي تحرك أفرع الأشجار. برودته رجفتها وأصوات غريبة اخترقت أذنها فشعرت بالخوف. لتقترب منه أكثر وأمسكت بكفه يده. لم يمانع. فهو الأدري بها وبما تشعر. فهي لا ترى ليلها كنهارها. لا سبيل لشيء. لا غرو فإنها خائفة حد الموت.
انتزعته من أفكاره التي باتت تسكنها الآن وقالت هامسة:
_ هو أنت اسمك إيه؟
صمت قليلاً قائلاً بحدة:
_ ياسين. ياسين الشرقاوي.
_ ياسين.....
رددتها بزهول مراراً وتكراراً. سرعان ما خيم الصمت لتلقي برأسها على كتفه ذاهبة في ثبات عميق. لم يمدي كثيراً ليلحق بها مسنداً رأسه للخلف. بعدما نزع قميصه واضعاً إياه أسفل رأسها.
ضجة عالية وضوضاء أصوات أقدام تحوطهم نزعته من نومه انتزاعاً لتنتفض هي شاهقة بخوف ظناً منها أنه قد ذهب وتركها. ليكتم فمها بيده جاذباً لتقف وزاع بصره بالأرجاء ليهمس بحده:
_ هماااا......
رأيكم وتوقعاتكم.
من سبب الحريق؟
هل هناك أحد يعلم لما أتت وعد وأنها بمهمة؟
هل يستطيع ياسين إنقاذ سجي؟
من يريد خطفها أو قتلها؟
هل سيتغير حذيفة؟ أم سيكون قد فات الأوان؟
رواية دموع العاشقين الفصل الخامس 5 - بقلم ندى ممدوح
تململت وعد على الفراش، تحاول استيعاب أين هي.
أعتدلت جالسة وعيناها تجوب الغرفة فلم تصل لشيء.
أين هي يا ترى ومن جاء بها؟
طافت ذكريات الأمس بخلدها، فتذكرة رحيم. فهل هي بمنزله الآن؟
ولكن لماذا؟ لماذا لم تأخذها رقيه؟
قطبت حاجبيها بضيق وفكرة واحدة استقرت بخلدها.
من الذي جرؤ على إشعال النار؟ من يريد إحراقها؟
لقد كادت أن تموت محروقة لولا ستر الله.
صوت فتح الباب انتزعها من أفكارها المتلاحقة بلا هوادة.
لترفع بصرها باهتمام شديد تستطلع الآتي.
فدلت والدة رحيم مهللة ومشرقة الوجه.
ما إن وقعت عيناها عليها لتبتسم متسائلة بحنان:
"كيفك يا بتي زينة دلوقتي؟"
أبتسمت وعد بمجامله هامسة بهدوء:
"بخير الحمد لله."
ثم بنبرة متسائلة قالت:
"أنا هنا ليه؟"
جلست والدة رحيم بصمت، واضعة صنية الطعام التي كانت تحملها أمام وعد قائلة بلطف ولهجة آمرة:
"بكفياكِ حديث وكلي لكِ لقمة تسند طولك. أنتِ بالعشية كنتِ هتموتي منينا."
ربتت على كتفها تحثها على الأكل:
"يلا عاد مدي يدك وسمي بالله وكلي."
اعتلى وجهها الحرج وتملكها، فابتسمت مجاملة وهي تقول برفض:
"شكراً لتعبك، أنا مش جعانة ولا حاجة."
هزت والدة رحيم، الحجة صفية، رأسها قائلة بزعل:
"أكدة تزعليني منكِ. يلا مدي يدك وكلي يلا."
أحست وعد أنها محاصرة، فأخذت بعد اللقيمات بحرج شديد لم تعتاده قبلاً.
فرغت قائلة وهي تهم بالوقوف:
"شكراً تعبتكم معايا وجميلكم ده مش هنساه أبداً."
لتصيح الحجة صفية بإنزعاج وهي تقف عائقاً أمامها:
"لاه شكر إيه عاد اللي تجوليه وجميل إيه ده؟ عيب عليكِ، أنتي كيف بتي ويشهد ربي من وقت ما وقعت عيني عليكي وكأنك بتي بالضبط."
أبتسمت وعد بمحبة لتلك السيدة التي يتجلى على ملامحها الطيبة.
لتهتف الحجة صفية بإصرار وهي تدفعها برفق لتجلس:
"أقعدي أهنا رايحة وين عاد؟ مش هتطلعي غير بعد ما تخفي وتبجي عال. غير أكده مفيش خروج وكلمة الحجة صفية مبتنزلش."
قطعتها وعد باعتراض وهي تحاول التملص منها:
"بس أ..."
"واه هتوجعي كلمتي على الأرض إياك ولا بس ولا مبسش؟ هي كلمة. أجعدي مطرحك يلا."
هتفت بها الحجة صفية بإصرار لا يقبل النقاش مرة أخرى.
فما كان من وعد إلا الخضوع، واستحوذت محبة تلك المرأة ثنايا قلبها.
صوت طرقات على الباب قطع حديثهم ليأذنوا بالطارق بالدخول.
ليطل من خلف الباب رحيم هاتفاً غاضاً بصره:
"كيفها الضيفة يا حجة زينة؟ مش محتاجة لأي حاجة؟"
نفت الحجة فضيلة رأسها قائلة:
"لاه، تجلقش أنت. أنا وياها. لو احتاجت أي حاجة توكل. أنت شوف أرضك."
أختلس نظرة سريعة وسار خطوتين، ولكنه عاد قائلاً بتساؤل ونبرة ماكرة:
"إلا جوليلي يا آنسة، أنتِ ليكِ مين أعداء أهنا عايزين يخلصوا منكِ؟"
فغر فاهها واتسعت عيناها بذهول وأجابت بثبات:
"أنا مليش أعداء. يجوز الحريق قامت من أي حاجة مش شرط أن حد ولعها."
أومأ برأسه بشك وغادر بطلته الرهيبة التي تثير الخوف بالقلوب.
لتتنهد وعد براحة، غادرت والدته بعدما أخبرتها بالعودة عما قريب.
ولكن لم يطل الوقت وعادت بالهاتف بيدها لتناوله لـ وعد وتخبرها أن رقيه تريد التحدث معها.
تنتظر وعد خروجها وتجيب ليأتيها صوت شاب متلهفاً قلقاً:
"إيه يا وعد اللي حصل؟ طمنيني، انتي بخير؟ حصلك حاجة؟ أتأذيتي؟"
باطمئنان قالت وعد:
"اهدِ يا مراد، أنا بخير الحمد لله مفيش حاجة."
ليقول متسائلاً:
"وعد، هو في حد يعرف أنتي هنا ليه؟"
أجابت مسرعة برفض قاطع:
"لا يا مراد، محدش يعرف. المهم أنا دلوقتي في بيتهم، هحاول أعرف كل حاجة وخلينا على تواصل. سلام دلوقتي."
أغلقت بعد انتهاء جملتها دون أي كلمة أخرى.
بالحديقة تتعالى الضحكات فتنير القلوب وتبث روح الحياة بها.
ذلك المرح والحب واللهو يجعل لمار سعيدة راضية.
ولكن لماذا تلك الفرحة مهما أتت لا تدخل فؤادها؟
لماذا ما زالت دقاته تنبض بالحزن والوجع والاشتياق؟
لماذا هو جريح حزين مهموم، وإن ضحك وبدا كأنها أسعد ما يكون!
غادرت إلى عملها وتركت الفتيات يلهون سوياً.
وقفت مكه متخصرة وهي تصيح بخديجة بتزمر:
"لا بقا يا ديجا، أنتي بتضحكي عليا؟ المفروض تتعاوني معايا مش مع أسماء."
مدت يدها تلتقط "الكورة" من أسماء وتركض مبتعدة، وخلفها الفتيات.
جاء صوت حذيفة قاطعاً لعبتهم:
"إيه ده؟ بتلعبوا إيه؟"
صمتت الفتيات، بينما توجه هو للمقعد وسحبه.
جاء أن يجلس، فتلحقه خديجة ساحبة للمقعد أثناء جلوسه ليقع أرضاً وتتعالى ضحكات الفتيات، وتركض ديجا مختبئة خلف مكه.
حدق مزهولاً بصدمة غير متوقعة، لينفجر ضاحكاً وهو يتوعد لها.
ربع قدميه قائلاً بمرح:
"هو في أحلى من القعدة على الأرض؟"
ونهض هاتفاً وهو متوجه نحوها:
"بقا كدا يا ديجا؟ الله يسامحك. يقولوا عليا إيه دلوقتي."
ركضت مسرعة وهو خلفها، حتى خرج حامد ويوسف.
لتقف خديجة خلف حامد قائلة:
"عمو حذيفة عاوز يضربني."
حملها بين ذراعيه مقبلاً جبينها بحب وهو يقول:
"هو يقدر يكلمك وأنا موجود!"
صمت حذيفة وهو يتصنع الانشغال وينظر حوله.
ليبتسم حامد هامساً لها:
"أنتي عملتي إيه؟"
غطت فمها بكفها كاتمة ضحكاتها وهي تهمس:
"جه يقعد ف وقعته!"
كاد حامد أن يسقط أرضاً من فرط الضحك وهو يتخيل حذيفة ساقطاً.
فأنزلها عندما أشار له يوسف مغادرين.
لوح بيده لـ مكه وغادر بعدما أعطاها شوكولا.
لتفرح ديجا وتلتهمها مسرعة.
لتعود للهو، فتلتقط الكرة رافعة إياها، وعلى غفلة من الفتيات قذفتها عليهم لتأتي برأس مكه التي تأوهت بضجر.
لتركض خلفها وتلقي عليها الكرة، ولكن تنحني ديجا.
لتأتي برأس عثمان.
ازدردت ريقها بتوتر، لج الخوف قلبها وهي ترمقه بخوف.
مهلاً، إن عينه بدت مشتعلة وكأنها تلتهما حية.
قررت الانسحاب والهرب من أمامه، فهو يبدو مخيفاً.
تراجعت للخلف وخفقات قلبها تكاد أن تسمعها من حولها.
تسمرت مكانها مرتجفة مزعورة ليرتعد جسدها عندما صاح بصوتاً عالٍ:
"اقفي عندك!"
وبلمح البصر كان أمامها.
مد يده ليجذب يدها، ولكن يديها ارتجفت بخوف من قربه.
مهلاً، هل هي تخافه لتلك الدرجة؟
هل هو بتلك القسوة؟
كيف استطاع أن يرعبها منه؟ أن تخشاه هو؟
أغلق جفونه متنهداً وهو يبسط راحته ويقبضها بغضب.
حاول السيطرة على انفعاله بقدر الإمكان وزفر وهو يقول جزاً على أسنانه:
"أنتي عميا؟ مبتشوفيش؟ محتاجة نظرات؟ ولا معندكيش عقل؟"
وبصوتاً عالٍ صاح:
"هو في إيه؟ أنتي مستقصداني؟"
ابتلع باقي جملته على شهقاتها العالية.
ليقترب حذيفة قائلاً بحدة:
"في إيه يا عثمان؟ هي مكنتش تقصدك؟"
أقتربت أسماء منها مواسية.
لتأتي خديجة واقفة أمامه ترفع سبابتها محذرة:
"أنا مش هقولك ملكش دعوة بيها ومش تزعق لها تاني، بس لو زعقتلها هضربك."
ارتفعت ضحكات الجميع لقولها ومن بينهم مكه.
نظر لها ولضحكتها، فكيف لها أن تضحك وتبكي بذات الوقت؟
يا لها من ضحكة جميلة تسحر من يستمع إليها كأنها لحن مترنماً؟
فمن ذا الذي يبكي ذاك الوجه الدري؟
الذي تغلفه البراءة والطيبة وروح الطفولة؟
نظرة له نظرة اخترقت قلبه ألماً.
يرى العتاب بعينيها، والخوف. أجل، هي تخشاه.
تلك النظرة أماتت روحه.
ضرب بقبضة يده على الطاولة لتسقط أرضاً مصدرة صوتاً قوياً.
زاغت عيناها على كاميرتها، ترقرق الدمع بهما وهي تمد يدها منحنية تلملم قطعها وهوت دموعها بحزن.
فهذه هي كاميرتها الغالية التي أهداها لها عمها يوسف.
بغضب مسح وجهه بكفه يده قائلاً بغيظ لدموعها:
"هو أنتي مش معاكي حاجة غير الدموع والعياط بس؟ بتبكي على كاميرا؟ دي كاميرا ممكن تجيبي عشرة زيها."
كفكفت دموعها بعصبية.
ما أدراه هو الأشياء الغالية التي تأتي بمحبة ممن نحبون فنحفظها داخل قلوبنا؟
يا له من أحمق لا يقدر أبسط الأشياء. أجل، هي بسيطة جداً، لكن يبقى لها مكان بالقلب وتظل هي أجمل سعادة بقلوبنا.
وقفت أمامه غاضبة ونظرة له ملياً قبل أن تقول:
"فعلاً ممكن أجيب مية منها. ما أنت متعرفش يعني إيه حاجة غالية عليك من شخص غالي، فجأة تروح كدا. أنت متعرفش مكانة الهدية دي بقلبي إيه؟ دي أحلى حاجة في يومي."
بكت كم لم تبكِ من قبل وأستطردت قائلة:
"واحد زيك معندوش قلب ولا يفهم هيقدر إزاي قيمة حاجة غالية زي دي. هي بالنسبة لك حاجة رخيصة وعادية، لكن ليا لا، دي حاجة غالية أوي لا تقدر. بس أنت معندكش غير الزعيق والإهانة وبس."
رمقته بنظرة يغلفها الكره وركضت من أمامه للداخل وخلفها أسماء وخديجة.
تسمر مكانه مصدوماً حزيناً موجوعاً.
ما تلك النظرة؟ أتكرهه وتخافه؟
ماذا صنع ليوصلها لتلك الدرجة؟
انحنى يلملم أجزاءها وغادر غاضباً من نفسه وصدى كلماتها يحرق فؤاده يلحقه.
ترجلت لمار من السيارة، تسمرت أمام القبر لا يحيد بصرها عنه.
يغلف ويسكن الحزن فؤادها وروحها وليس هناك ثغرة فرح.
ترقرقت الدموع بعينيها ولكنها أبت النزول.
هي قوية ليست ضعيفة ولا يظهر عليها الحزن بتاتاً!
ولكن إذا رأيت قلبها لبكيت وجعاً على كم ما به من حزن.
هل بكاء القلب له صوت؟ يا ليته له صوت، يا ليت صراخ قلبها يستمع.
ولكنه يبقى محاصراً ساكناً بالقلب!
شلت حركتها فسارت بخطوات بطيئة للداخل حتى وقفت أمام قبر يضم أرواحاً غالية ما زالت تعيش بفؤادها لم تمت ولن تموت.
إلا أن اسماً عريضاً على إحدى القبور جعل من دموعها شلالاً.
مدت يدها تلامس اسم "أياد الشرقاوي".
أنعقد لسانها فظلت تبكي وجثث أرضاً غير قادرة على الوقوف.
أين هو؟ هو في القبر. انتزعوه منها انتزاعاً ودفنوا روحها معه.
فأي حياة تكمن بدونه؟ بدون فلذة كبدها، قلبها النابض وعينيها الباصرة؟
رحل وأخذ كل ما بها إلا جسدها.
فمن ذا الذي يعتقد أن الموت هو موت الروح والدفن بالقبر؟
لا يدرون أن فقد الحياة بالقلب موت، والوجع والحزن والهم كلهم يجعلون الإنسان ميتاً لا محالة!
أستندت جبهتها على الجدار وهي تهمس من بين دموعها:
"وحشتني يا أياد، وحشتني يا ابني الأول. وحتى منى الحياة وحشة أوي من غيرك. أنا مش عايشة بدونك. خدوك مني يا حبيبي وكنت خلاص هتخف، هتخف خالص وتبقي كويس وحرموني منك."
كفكفت دموعها هاتفة بتذكر:
"تعرف؟ محدش في عيالي له نفس مكانتك. دا أنت أول فرحتي، أول كلمة ماما أسمعها منك يا قلبي اللي تكسر في غيابك. آآآه، حياتي ملهاش حياة من غيرك وقلبي ميت. وحشتني وكل الغاليين وحشوني وأتمنى أجيلكم قريب. أنا يا حبيبي مرحمتش أي حد كان سبب موتك وانتزاعك مني، مرحمتهمش!"
أغلقت جفونها متنهدة بوجع.
من ثم شرعت في قراءة القرآن.
فتح باب الشقة متنهداً وهو يقول:
"ادخلي، متخافيش!"
ساعدها حتى جلست وترك الباب مفتوحاً.
وألقى بجسده على الأريكة مقابل لها زافراً براحة.
لا يصدق أنه قد انتهى وها هو الآن بشقته التي ينعزل بها!
وتذكر حينما حاصروهم الرجال، خبأها خلفه وأخذ يقتص منهم واحداً تلو الآخر بمهارة.
حتى جذبها ليركض بها بعيداً وأخذ سيارة، وها أخيراً وصلا.
ساد الصمت، لج الخوف بها.
لا تصدق أنها مع أحد غريب لا تعلم من يكون وما نيته.
ولكنه أنقذها، هو أمانها الآن الوحيد.
صمتت تنتظر ما ينتظرها من خفايا القدر.
أعتدل جالساً متنهداً براحة وهو يقول:
"أنتي أكيد عايزة تستريحي شوية؟"
هزت رأسها نافيه بتوجس.
ليهتف هو بإصرار:
"لا لا، تعبتي لازم تستريحي!"
وثب قائلاً:
"قومي تعالي معايا!"
أنكمشت على ذاتها بتوجس.
ليقول هو ساخراً عندما فهم خوفها منه:
"أنتي خايفة مني؟ بجد؟ يعني بعد ما أنقذتك خايفة مني؟ وياستي متخافيش، أطمني، أنا عندي أخوات بنات أخاف عليهم واللي مش هرضاه ليهم مش هرضاه لغيرهم."
أطمأنت واستكانت بكلماته الدافئة التي ضمتها بأمان.
وقفت مبتسمة، فجذب يدها مرغماً، يدلّها إلى الغرفة.
أدخلها للداخل غاضاً بصره.
وما كاد أن يخرج حتى توقف بتذكر ليسأل بتساؤل وهو يلتفت تجاهها كلياً:
"إلا قوليلي، أنتي إزاي سابوكي تطلعي لوحدك بدون مرافق؟ وكمان الناس دي بتلاحقك ليه؟"
صمتت ملياً وأخذت الدموع مجراها على وجنتيها قبل أن تقول:
"لا، زين مش بيخليني أخرج لوحدي. أنا كنت راجعة البيت والسواق معايا وفجأة دول خرجوا وضربوا السواق وهو شغلهم لحد أنا ما جريت ولقيتك. الباقي أنت تعرفه!"
كاد أن يقول شيئاً، إلا أن علا رنين هاتفه من مكالمة من أنس.
ليقول قبل أن يجيبه:
"طب استريحي انتِ، وأنا هقفل عليكي الباب وهنزل دقايق وراجع!"
أنتفضت بزعر وخوف تملكها من غيابه.
ليهمس هو مطمئناً:
"متخافيش، دي شقتي محدش هيقدر يجي فيها أو يدخلها. هنزل بس أشوف حد أعرفه وجاية..."
أومأت برأسها بابتسامة رقيقة هادئة.
ليرد على الهاتف الذي لا ينقطع رنينه:
"أيوة يا أنس، ثواني نازل."
كالأعصار دفع "زين" الباب جائياً كالثور الهائج.
عيناه تشع نار كفيلة بإحراق من حوله.
قطع الرواق أخيراً ووقف أمام أحد ما.
وقف مرحباً به بفرحة.
ما كاد بالحديث حتى أشار له زين هاتفاً بحدة وتحذير وأمر:
"سجي فين؟ ورحمة أبويا لو حصلها حاجة مهعمل خاطر للقرابة اللي بينا!"
طرق بيده على المكتب صائحاً بصوتاً كالفحيح متوعداً ونظرات لا تبشر بخير:
"متنساش إني في لحظة ممكن أقلب الدنيا دي عليك ومتنساش لو عرفوا بكل مصايبك هيعملوا فيك إيه! في لحظة وشوية أوراق وسيديهات من اللي عندي هخلي حياتك جحيم وهتخسر كل حاجة وهيتلف حبل المشنقة حوالين رقبتك، دا إذا رحموك."
رمقه بنظرة حادة مشتعلة وأردف بهمس حاد:
"ابعد عن سجي، أنا حميتها وهي صغيرة فمش هسمح لحاجة تحصلها ومتنساش سجي تبقي كل حاجة في دنيتي واللي يقربلها يبقي دفن نفسه بالحي. سجي لو مرجعتش يبقي متلومنيش على اللي هيجرالك."
أستدار مغادراً بخطوات ثابتة رهيبة.
ليستدير غاضباً مشيراً له:
"زين القاضي مش بيقول كلام وبس، زين بينفذ وأنا حذرتك."
وبسخرية هتف:
"سلام هااا يا عمي."
تسمر مكانه حينما هدر عمه:
"ليه؟ ليه كل ده وعشان مين؟ عشان بنت لا نعرفها ولا تقربلنا؟ وقفت كل أعمالي المشبوهة بسببك! إيه يا أخويا سيبني أنفذ الوصية وأنتقم لأبويا وأخويا..."
زينت ثغره ابتسامة غامضة وقال دون أن يلتفت:
"حق أبويا هعرف أرجعه، وأنتقم إزاي من لمار بس مش بالموت. أنا مليش في الدم، أنا هحرق قلبها!"
وبغضب أستطرد قائلاً:
"بس جدي يستاهل اللي حصل له."
ما أنهى جملته حتى اختفى بلمح البصر.
ليلقي عمه كل ما يقابله صائحاً بغضب:
"مش أنا اللي أتهدد يا ابن أخويا، مش أنا! وعشان مين؟ عشان واحدة أنقذتها منعرفهاش."
تنهد قائلاً لنفسه:
"ولو أنت هتفضل عائق في طريقي يبقي أخلص منك بطريقتي ويا دار ما دخلك شر. ولا هيبقي أنت ابن أخويا ولا أعرفك!"
وزفر قائلاً بأسف:
"سامحني يا أخويا، أديتني أمانة ومقدرتش أحافظ عليها. ابنك بيعصيني ولازم أشيله من طريقي!"
خرج زين صاعداً سيارته صافقاً الباب خلفه بعنف.
ضرب بقبضته المقود متنهداً بوجع:
"يااااااارب احفظها ورجعها لي بخير يا رب! هي معتبراني أخوها بس مقدرتش أحميها! لو حصلها حاجة مش هسامح نفسي. يارب احفظها ورجعها لي! وخفف وجع قلبي يااااارب."
زفر متألماً يكاد يموت وجعاً ببعدها وهو لا يدري ما قد يحصل لها!
هل هي بخير أم لا؟ هل تأذت؟
متأكد أنها تموت هلعاً الآن.
يحتاج أن يضمها ضمة فقط يعصرها داخل فؤاده ولو أمكن لأدخلها بين أضلعه لتطمئن وليطمئن قلبه!
يحتاج لضمة فقط تروي ظمأه ويشعر بالأمان ويستكين!
جذب هاتفه متصلاً لأحدهم ولم يمد طويلاً حتى صرخ به موبخاً أن يبحث عنها مهما كلفه الأمر وأنطلق.
مهلاً، ها هي تبتسم لتهلك قلبه فتزيد من خفقان فؤاده.
أتته صوتاً رقيق خافت:
"نخرج؟"
بدا على ملامحها التوتر ونبرتها:
"بس أنا عايزة أمشي. هو أنت تعرف زين؟"
ابتسم بمغازلة قائلاً:
"لا، مليش كلام معاه. أعرفه من بعيد، معرفة سطحية! هرجعك متقلقيش، بس حالياً خلينا نقضي اليوم هنا في الشقة عشان الناس دي تهدي وتبطل بحث عنك. هما أكيد محاوطين البيت عندكم!"
"وكمان أنتي هتنامي لوحدك في الشقة، أنا هنام في الشقة اللي جنبك متقلقيش!"
"وعندي شغل ضروري أخلصه وأرجعك!"
"ودلوقتي هنزل أتعشى، هتيجي؟"
قال جملته الأخيرة وهو يرتدي جاكته متأهباً للمغادرة.
كانت تتضرع جوعاً لتأخذ قرارها بالذهاب معه.
أومأت برأسها له:
"آه، أنا هاجي معاك!"
ابتسم قائلاً:
"تمام، يلا..."
مضى بها لأحد المطاعم وجلسا وطلب الطعام.
أستندت بيدها على الطاولة واضعة كفتها أسفل ذقنها وقالت ببسمة رقيقة وصوتاً منخفض:
"كنت بتمنى أقدر أشوفك!"
أعتصر قلبه ألماً لقولها وابتسم قائلاً:
"إن شاء الله تفتحي وتشوفييني وتشوفي الدنيا وتشوفي كل الحبايب!"
ألمع الدمع بعينيها وأعتدلت بجلستها للخلف متنهدة بألم وبيأس وفقدان أمل.
همست:
"لا، أنا مستحيل أفتح وأشوفك ومفيش أمل..."
"الأمل في الله لا ينقطع."
قالها بإصرار وأمل لتبتسم هي قائلة بيأس وحزن عميق بثنايا فؤادها:
"أصل أنا كشفت كتير بس مفيش ولا دكتور قال إن إني هفتح، كلهم قالوا إن مفيش أمل. وكمان أنا أتولدت مبشوفش!"
صمت قليلاً متألماً وأبتسم بوجع.
ولمحات ما مضى أضاءت أمام عينيه قبل أن يقول بأمل:
"الدكتور ليس إلا سبب، لكن الشافي هو الله. متفكريش في كلام الدكاترة..."
قطع كلامه النادل وهو يضع الطعام أمامهم وانصرف.
ساعدها بالطعام وكان يناولها كل شيء، إذ أنه لم يأكل سوى الأقل القليل، فكان أحب إليه قلبه أن يتأملها وهي بذاك الهدوء والرقة والبراءة.
فتأملها يحيي فؤاده الميت، ليعيد قلبه النابض لينبض بالحياة.
أنتزعته من شروده عندما خاطبته قائلة:
"ياسين."
"تطلع بها مهتماً."
"شكراً!"
زفر بضيق متسائلاً:
"على إيه؟"
"لأنك ساعدتني ووقفت جنبي مع إنك متعرفنيش!"
فقال بهدوء وصوتاً خافت:
"وعرفتك اهو ومتشكرنيش تاني، لأنك بقيتي مسئوليتي لحد ما أوصلك لأهلك، يعني مسئولة مني، فمتشكرنيش على كدا."
أبتسمت لقوله الذي أشعرها بالدفء وأبهج قلبها.
جاءه مكالمة هاتفية ما كاد لينهيها حتى صاح بها وهو يجذبها:
"قومي بسرعة!"
ذهبت معه دون كلمة، فممن ستخاف وهو جوارها أمانها الآن.
ولج بها للشقة بعدما وصل مسرعاً يسابق الريح.
أوصاها أن تمكث بها لحتى يعود وطمأنها أنه لن يتأخر.
جذب سلاحه وغادر بعدما أجرى عدة اتصالات.
فقد كان لديه مهمة، فأخذ قوة وأنصرف مسرعاً وتركها هي قلقة وجلة.
رقدت على الفراش منشغلة الفكر به وبكل لحظة مرت بهما، رجولته وجدعنته.
وها هي تتذكر كل كلماته، خوفها وأمانها وأطمئنانها.
مهلاً، ما ذلك الذي فعلته؟ أضمته؟
كيف فعلت ذلك؟ كيف تجرأت على ذلك؟
ماذا يظن بها الآن؟ وماذا يقول عنها؟
أدهشها ذاك الأمان الذي يسكن فؤادها بوجوده.
هل لأنه أنقذها؟
يا ترى عندما تتركه وتنتهي لحظاتهم، هل ستراه مرة أخرى؟
تنهدت بحزن وهي تدعو له بفؤادها.
أجل، لم تراه ولكن ماذا يجدي المنظر؟
فأهم روحه التي رأتها بقلبها.
جذب وعد صوتاً ساحراً يدندن بعذوبة بلهجة صعيدية.
فصارت مشدوهة ناحية النافذة لتفتح ضلفتيها، مادة بصرها يمنى ويسرى حتى تدري من أين يأتي هذا الصوت.
فوقع أخيراً بصرها عليه، فإذ برحيم يجلس وغفيره جواره تتوسطهم ناراً مشتعلة يستمدون منها الدفء.
عقدت ذراعيها مستندة برأسها على النافذة تتأملهم وتستمع لكلماته.
ولكن ما كان يشغلها من هو ذاك الرجل؟
ساعدها حينما كان يقف الجميع متفرجاً!
أنقذها من نار كادت أن تؤدي بحياته ليصبح ميتاً!
خاطر بذاته غير آسف لينقذها!
يبدو جباراً ذا قسوة ولكنه متواضعاً محباً للغاية!
فمن هو إذاً؟
همست بجملتها الأخيرة متنهدة وهي ترفع كفيها منحنية تستند على النافذة.
في أثناء ذلك رفع رحيم بصره إلى نافذتها، وساد صمت بدا غريباً بالتفكير!
لتغلق النافذة وتعود للداخل مرة أخرى.
قطع تفكيره رنين الهاتف التي أعطته لها رقيه حينما أتت.
رفعت الهاتف بحماس وفرحة قائلة ببهجة تسري بعروقها وأوصالها:
"عيوشتي قلبي اللي وحشني أوي، عاملة إيه!"
ضحكت عائشة بفرحة لا تقل عنها وأجابت:
"وحشتيني أوي أوي أوي يا دودو، أنا الحمد لله بخير طول ما أنتي بخير والله، أخبارك بقا ووصلتي لإيه!"
تنهدت وعد قائلة بحده:
"مليون مرة تسألي وبرضه مش هجاوبك، دا شغلي يعني لو هموت مفيش كلمة هتطلع مني."
أجابتها عائشة باقتضاب وحزن:
"أنا أختك على فكرة مش عدوتك! بحسك مش أختي، دا أنتي أرجلى من ياسين ابن خالك!"
زفرة وعد برضا قائلة:
"راضية بنفسي!"
ومن ثم همست بجدية:
"أقفلي يلا عشان موعد نومي، خلي بالك من نفسك!"
أجابت عائشة قائلة باقتضاب:
"وأنتي بخير، حاضر وأنتي كمان!"
وضعت الهاتف جانباً.
ونهضت تتهادى نحو النافذة.
وقفت وراءها، مطلة من فتحة صغيرة كي لا يراها أحد!
فكرة ملياً قبل أن تتجه للأسفل، لعلها قد تتوصل لشيء يساعدها لما أتت لأجله، أو عليها التمثيل عليه بالحب وتكسب ثقته وتعلم كل ما تريد؟
ماذا تفعل؟ فهو يبدو جاهلاً يمكنها خداعه بسهولة!
ولكنه أيضاً يبدو مخيفاً دون رحمة في بعض الأحيان!
هبطت الدرج متجه للخارج مباشرةً.
تسللت بحذر شديد وعيناها تطوف بالمكان تفحصت المكان حولها قد تجد ما يثير الشك، ولكن بلي فائدة.
"قريباً جداً الصفقة الجديدة وستقبض عليه حتماً."
هتفت بصوتاً مسموع دون انتباه لذلك:
"هلف حبل المشنقة عليه وهخليه يتمنى الموت وهعذبه على السم ده!"
صدمة لجمتها حينما همس صوت من ورائها:
"ومين ده اللي أمه داعية عليه وهتخليه يتمنى الموت!"
ازدردت ريقها بصعوبة وهي تلتفت لرحيم هامسة بصلابة ووحدة عكس ما يعتليها من توتر وبخبث قالت:
"واحد مش بيهمه حد ولا بيخاف من ربه..."
قاطعها مغمغماً:
"أستغفر الله العظيم يا رب، جوليلي أنتِ عليه وأنا هعرفه إزاي يتوب ويتصلح حاله!"
أبتسمت ساخرة وهي تغمغم بنفسها:
"مش تصلح نفسك أنت الأول!"
أبتسمت قائلة:
"لا بقا، ربنا لو بيحبه هينور له طريقه..."
أكتفى بهز رأسه مؤيداً لكلامها، وخيم الصمت.
ليتنهد قائلاً:
"الجو برد عليكي يا..."
صمت عندما قاطعته هي قائلة بابتسامة وهي تنظر إليه:
"بشمهندسة ميار..."
ليقول بمجامله:
"تشرفت بحضرتك يا بشمهندسة!"
تأهبت لتصعد قائلة:
"طب هطلع أنا. عايزة أقولك شكراً لأنك ساعدتيني ومرتين كمان، أنا مديونالك بحياتي وكمان على استقبالك ليا في بيتك."
قالتها بابتسامة رقيقة كي تهز قلبه، لكنها لا تدري أن الصخر لا يلين بابتسامة.
هز رأسه قائلاً:
"وأني عملت إيه يعني؟ غير واجبي. ربنا يوفقك ويكفيكي شر المستخبي ويسر لك طريجك!"
أبتسمت ابتسامة باهتة لتلك الدعوة التي اخترقت فؤادها، سرعان ما اختفت من أمامه صاعدة.
ليزفر رحيم متنهداً وهو يقول:
"ربنا يصلح حالك وحالنا."
عاد ياسين قبيل الفجر، كانت به جروح لا بأس بها.
دلف للشقة وهو متناسياً تماماً تلك الفتاة.
أستلقى على المقعد بعدما وضع سلاحه على الطاولة.
كان مرهقاً جداً بعدما عاد من تلك المهمة والقبض على المجرمين.
لم يمد طويلاً حتى صدح أذان الفجر عالياً بنسماته العطرة المحببة لفؤاده.
فأستقام مشمراً عن ساعديه يردد الأذان وما عليه من أذكار.
وتوجه متوضئاً.
أنتفضت بهلع عندما اخترق صوت صنبور المياه أذنها.
أصاب الخوف ثنايا قلبها فاستحوذتها.
نهضت تتهادى وهي تزددرد ريقها بتوتر وخوف.
لقد أخبرها أنه سيمكث بالشقة المقابلة، فما أدراها أين هو الآن ومن معها؟
هل شخصاً يريد الأذية؟
تحسست الجدار وهي تسير لتأخذه كمرافق حتى فتحت باب الغرفة.
خرجت بخوف يقتلع فؤادها يسير بعروقها وأوصالها.
تعثرت بالطاولة فكادت بالسقوط لتستند بكفيها عليها.
ووقعت أناملها على السلام لتشهق بفزع وحدقت بخوف.
فلاشئ.
سقطت على الأرض والسلاح بيديها.
وألمع الدمع بعينيها.
خرج وهو يجفف وجهه بالمنشفة ليتسمر مكانه عندما وقعت عيناه عليها.
طال الصمت، بدأ بتفكير منه.
تذكرها ليهمس متسائلاً وهو يقترب ليجذب من يديها السلاح:
"مالك قاعدة كدا ليه؟ في حاجة؟ وبعدين إيه مصحيكي لدلوقتي؟"
قال جملته الأخيرة وهو يدس السلاح بجيب بنطاله.
وقفت بحذر وخوف يكاد يطرحها قتيلة وهي تهمس بصوتاً خافت بتلعثم:
"هو هو السلاح ده بتاعك يعني أنت أنت..."
قاطعها قائلاً بنبرة حادة متعجبة:
"أنا إيه؟"
تراجعت خطوة للخلف وهي تهمس:
"يعني هو أنت أنت..."
أصدر صوتاً متأففاً دليل على نفاذ صبره وغمغم:
"أيوة أنا، أنا إيه بقا؟"
"أنت مجرم؟"
قالتها بنبرة باكية وأخذت الدموع مجراها على وجنتيها.
ساد الصمت محاولاً استيعاب ما قالت، الذي بدا له غريباً نسبياً.
صمت ملياً قبل أن يتفجر ضاحكاً لقولها!
وقال من بين ضحكاته:
"أنا إيه؟ مجرم! لا لا اطمني، أنا مش مجرم. هسيبك بقا وأروح أصلي..."
وانفجر ضاحكاً مرة أخرى.
لتقول هي ببكاء:
"أنت بتضحك ليه دلوقتي؟ ومعاك سلاح يبقي إيه؟"
كبت ضحكته عند مرأى لدموعها ليهمس متسائلاً:
"يعني هو مفيش غير معنى واحد لأي شخص معاه سلاح؟ مش يجوز ظابط..."
كفكفت دموعها راضية لقوله.
تراجعت خطوة للخلف فتعثرت قدمها بالطاولة فصرخت بصوتاً عالٍ مغمضة عينيها.
مهلاً، لماذا لا تستمع لصوتاً عالٍ دليل لوقوعها ولا تألمت؟
مهلاً، أنها تشعر الآن بيدين تحوطها بتملك.
سحر بوجهها متأملاً لها لملامحها التي تتبدل من الفزع لراحة.
لتفتح عينيها ببطء الذي ذاب بهما.
تنحنحت قائلة:
"مش هتصلي؟"
أنتبه لذاته ليتركها معاونها على الاعتدال وقال متذكراً:
"آه صح، هروح الشقة اللي قصادك هصلي وأنام شوية. خليكي أنتي هنا!"
أومأت موافقة، ليرحل هو ملتقطاً جاكته مغلقاً الباب خلفه.
دلفت "سمر" داخل الكلية.
عيناها تبحث عن أحد، تسير متهادية بخطوات متدللة تضحك بغنج.
إن ألقى إلى مسامعه أحد الشباب كلمة غزل، يتفحصها هذا وذاك ويفترس بها وهي تسير أمامهم إلى خصلاتها وبنطالها الضيق وتلك البلوزة الضيقة التي تكاد تغطي نصفها العلوي.
وقفت أخيراً أمام شاب ما أن رآها حتى اقترب مصافحاً إياها وهو يقول بأعجاب:
"قلبي، إيه بس القمر والجمال ده كله!"
ضحكت عالياً لكلماته التي زادتها فرحة أنها جميلة وهمست:
"طب ما أنا عارفة إني جميلة!"
مال على أذنها بوقاحة قائلاً:
"ما تيجي نخرج وسيبك من المحاضرات النهارده؟"
صمتت ملياً بتفكير وقالت بوجل:
"بس ممكن حد يشوفني!"
غمز لها مؤكداً:
"محدش هيشوفك وبعدين حبيب القلب فين؟ مقربش برضه يحن."
بهيام همست قائلة:
"ياسين، هيحن إن شاء الله!"
ابتسم ساخراً لقولها، وقال بتذكر:
"يلا نخرج تعالي!"
أومأت برأسها بابتسامة خافتة، وخرجت معه من باب الكلية.
بإثناء ذلك وقفت سيارة أجرة ترجل من بها غاضباً لا يرى أمامه شيئاً!
صاح قائلاً بصوتاً أفزعها:
"إيه اللي عامله في نفسك ده؟"
أشار للشاب الذي معها وأكمل بصوتاً عالٍ:
"مين ده؟"
جذبها من يدها غاضباً والشرار يتطاير من عينيه.
بقسوة رفع يده عادلاً من حجابها واخفاء شعرها.
من ثم خلع جاكته واضعاً على كتفها.
لم تستطع التفوه بحرف ظلت على صدمتها.
لم تتخيل ما قد يحصل أن أخبر أحد وخاصةً ياسين.
هوت دموعها بخوف شديد، عندما صاح بصوتاً هز فؤادها بخوف:
"إيه النيلة دي؟ من امتى انتي كدا؟ أمشي قدامي."
دفعها على سيارة الأجرة التي ما زالت واقفة.
ليتقدم الشاب الذي كان معها دافعاً إياه للخلف قائلاً بغيظ:
"أنت مين أصلاً عشان تاخدها بالطريقة دي!"
رمقه من رأسه لقدمه بسخرية وحرك أنامله على ذقنه النامية ليهوي على وجهه بلكمة قوية أطرحته أرضاً وانحنى ليصدر له بعد الكلمات المبرحة.
تجمع الشباب حولهم ليبعدوهم، لينعدل نافضاً الغبار العالق على ملابسه.
جذبها من يدها ساحبها وراءه، فجأة وقفت دافعة يده محررة كف يدها قائلة بثبات:
"وأنت مين عشان تعاملني كدا؟ وأنت مالك البس إيه وملبسشي إيه؟ أقف مع مين ومقفش."
بسط راحته وقبضها يحاول جاهداً أن يسيطر على نفسه ليرتكب بها جريمة وقال بهدوء:
"صح، أنا مين؟ وليه بعمل كدا؟ مش عشانك، لأنك متستهليش. بس بعمل كدا عشان خاطر بنت عمتك وابن عمك وعشان عيلتك كلها اللي أنتي مفكرتيش فيهم ولا تستاهلي ثقتهم."
فجر كلماته بها وتنهد قائلاً بقسوة:
"هتغوري؟ ولا هترجعي للي كنتي معاه؟"
قال جملته الأخيرة بسخرية.
لتسير معه رغماً عنها، بينما يكاد أنس أن يموت وجعاً.
أهذه هي من أحبها حقاً؟ وكان على استعداد أن يفعل لآجلها أي شيء؟
أحقاً هذه هي من اختارها فؤاده؟
"جاهزة؟"
هتف بها ياسين بهدوء عكس ما بداخله كأن فؤاده أصبح نبضه متألماً موجعاً.
اتسعت ابتسامتها الرقيقة لتخطف فؤاده ليبتسم متطلعاً بها حافراً صورتها بفؤاده محتفظاً بصدي صوتها الناعش لقلبه.
لتقول برقة:
"آه يلا بينا."
تنهد بصوتاً مسموع:
"يلا."
خرجت جواره جنباً لجنب.
أغلق الشقة وأمسك بيدها التي جعلت بجسده كهرباء.
ليتوتر مغلق عينيه واضعاً كفها بمجهود عظيم على درابزين الدرج وقال:
"انزلي."
هزت رأسها وهبطت الدرج وسارت جواره دون كلمة.
وكلاً منهما بداخله حرب أو إعصار هائج من المشاعر.
أنه من شعرت معه بالأمان سيتركها، لقد حماها بذاته وكاد بأن ينهي حياته لأجلها، فهل يا ترى ستلقاه مرة أخرى؟
هل تخبره أن يظلا صديقين حتى يأتي لرؤيتها؟
كانت تسير بهدوء بينما أتى شاب اتجاهها يريد أن يخبط بها.
فما كاد أن يهم بالاصطدام بها أمسك به ياسين من عنقه ودفعه بعيداً.
ليركض الشاب بخوف.
هم أن يلحق به، لولا أن يدها الناعمة الرقيقة قبضت على كفه بتملك جعلته يقف مكانه ينظر لعيناها يرتوي منهم ظمأ قلبه.
أزدادت دقات قلبه وتسارعت أنفاسه وهتف بهدوء وهو يشير لسيارة أجرة وقفت مقابلهم:
"يلا تعالي!"
ساندها لتصعد وجلس هو جوار السائق الذي قاد مسرعاً.
طوال الطريق يختلس النظرات إليها من المرآة الصغيرة التي أمامه.
ها هما يصلان، لا يدروا كيف مر الطريق هكذا بتلك السرعة.
لماذا لم تتوقف تلك اللحظة؟ أجل، لحظة ولكنها استقرت عميقاً بالقلب بين ثناياه.
ترجلت من السيارة بمساعدته.
حاسب السائق وانصرف.
وبعدها عاود الوقوف أمامها منعقد لسان.
لمع الدمع بعينيها وهي تقول اسمه برقة، اسمه الذي بدا كأنه يسمعه لأول مرة ويحبه "ياسين".
كأنها أعذوفة تعزفها برقة وهدوء ولطف.
أبتسمت برقة قائلة:
"مش عارفة أشكرك إزاي."
وضع يديه بجيب بنطاله متنهداً:
"متشكرنيش، أنا معملتش حاجة غير واجبي!"
هدد دمعها بالنزول وهي تقول:
"أول مرة أحس بالأمان مع حد غير زين أخويا. آه معرفكش من زمن ولا تكلمنا كتير بس بيقولوا إن الأشخاص بتتعرف وقت الشدة ولقيتك أنت جنبي في عز خوفي حتى من نفسي. فياسين، أنا قصدي..."
زفر بوجع قائلاً:
"هتلاقيني جنبك وقت ما تحتاجيني. أنا قصدي يوم الحفلة اتهمتك بأنك مش عميا وبتمثلي و..."
قاطعته قائلة بلهفة:
"أنت اللي أنقذتني وخدت الرصاصة مكاني."
بثبات قال تلقائياً:
"أيوة أنا!"
هتفت بعدم تصديق:
"بجد مش مصدقة، أنت كدا أنقذتني مرتين."
وأردفت قائلة بتردد:
"يا عالم هنتقابل تاني ولا لا، بس كل اللي عايزة أقوله..."
أسرع قائلاً:
"إيه؟ قولي."
صمتت متنهدة بتوتر وقالت:
"أسمك، أنا دايماً بحلم إني بنادي لحد اسمه ياسين."
ابتسم بخفوت قائلاً:
"وجالك أهو."
بتلقائية قالت بلهفة:
"ياسين، ممكن نبقى صحاب؟"
ساد الصمت.
لم يدري ما يقوله.
منذ متى يرافق فتيات؟
منذ متى يقف يتحدث مع فتاة من غير عائلته؟
ليتنهد قائلاً:
"ثواني..."
ذهب ولم يدم وعاد بقلم.
وقف أمامها قائلاً:
"هاتي إيدك."
فوراً بسطت راحة يدها أمامه، أمسك كفها ودون رقمه عليها وقال:
"ده رقمي، خلي حد يكتبهولك ويسجله. وقت ما تحتاجي رني وهتلاقيني عندك على طول..."
همت بالرد ليقاطعها زين متلهفاً جاذباً إياها بحضنه.
كاد الأعصار الذي بداخله ينفجر.
لتتنحنح سجي قائلة بحياء:
"زين، ده ياسين اللي أنقذني!"
تطلع به زين قليلاً وشكره.
ما كاد ياسين بالذهاب حتى وقف على صوت زين قائلاً:
"استنى..."
التفت إليه فأقترب زين هامساً بأذنه:
"شكراً لأنقاذك لأختي! بس اللي بينا أكتر من كدا، أحنا لسه بينا حاجات كتير لازم تتصفى!"
قطب حاجبيه متعجباً من تلك الكلمات التي أحس أن وراءها شيئاً غامض.
ليبتسم قائلاً بذات الغموض:
"وأنا موجود وقت ما تحب نتصايف. وخاف على نفسك لأن ابن الشرقاوي مبيرحمش!"
ربت زين على كتفه بابتسامة غامضة ماكرة وعاد جاذباً سجي التي نطقت اسمه بابتسامة مودعة وهي تلوح بيدها.
ذهب الجميع من البيت منهم من بالعمل أو التنزه.
وظلت لمار مع خديجة بالبيت.
كانت سعادتها لا نهاية لها بها.
هبطت للأسفل تحضر بعض السندوتشات لخديجة وتركتها أمام التلفاز تتابعه.
ها هي تنتهي من تحضيرهم وكادت بالخروج من المطبخ فأنقطع الضوء لتتسمر مكانها وكأن قدميها قد شلت.
انزلق من يدها "الطبق" مصدراً صوتاً قوياً.
تراجعت ملتصقة بالجدار وعينيها متسعة وهي تهمس بجنون وتهز رأسها بعنف:
"سيبوه محدش يقرب له، سيبوه!"
صوت صراخ، ضحكات، انفجار.
اخترق أذنيها لتصرخ بصوتاً عالٍ وهي تسقط أرضاً تسد أذنيها.
ارتجف جسدها واستحوذ الخوف ثنايا فؤادها، لتضم قدميها بذراعيها إلى صدرها وتدفن رأسها.
أنكمشت بخوف في نفسها.
أستمعت خديجة لصوت صراخها بالأسفل فكانت تقرأ قرآن وهي تسير بخوف تتلمس طريقها بذاك الظلام.
وإذ بها تصل الدرج ولكن زلت قدمها وصرخت متأوهة باسم لمار و......
ذهب الجميع من البيت منهم من بالعمل أو التنزه.
وظلت لمار مع خديجة بالبيت.
كانت سعادتها لا نهاية لها بها.
هبطت للأسفل تحضر بعض السندوتشات لخديجة وتركتها أمام التلفاز تتابعه.
ها هي تنتهي من تحضيرهم وكادت بالخروج من المطبخ فأنقطع الضوء لتتسمر مكانها وكأن قدميها قد شلت.
انزلق من يدها "الطبق" مصدراً صوتاً قوياً.
تراجعت ملتصقة بالجدار وعينيها متسعة وهي تهمس بجنون وتهز رأسها بعنف:
"سيبوه محدش يقرب له، سيبوه!"
صوت صراخ، ضحكات، انفجار.
اخترق أذنيها لتصرخ بصوتاً عالٍ وهي تسقط أرضاً تسد أذنيها.
ارتجف جسدها واستحوذ الخوف ثنايا فؤادها، لتضم قدميها بذراعيها إلى صدرها وتدفن رأسها.
أنكمشت بخوف في نفسها.
أستمعت خديجة لصوت صراخها بالأسفل فكانت تقرأ قرآن وهي تسير بخوف تتلمس طريقها بذاك الظلام.
وإذ بها تصل الدرج ولكن زلت قدمها وصرخت متأوهة بأسم لمار و......
تلهو "مكه" بفرحة مع ديجا بالحديقة.
جاء "عثمان" حاملاً لعلبة بين يديه.
وقف متأملاً بقلب كلما رآها أصبح بستان تتورد به الورود والأزهار وتغرد العصافير وتعزف الألحان.
يشعر وكأنها الهواء الذي يتنفسه.
أنها نسمة هواء جميلة تأتي فجأة دون إنذار.
تنحنح قائلاً بهدوء وصوتاً خافت:
"السلام عليكم."
ألتفتت له واختفت ابتسامتها التي كانت تضيء وجهها وهمست بإقتضاب:
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته."
أشارت لديجا وهي تقدم يدها لها:
"يلا ندخل يا ديجا."
تمسكت ديجا بكف يدها، وما أن همت بالرحيل حتى قال بنبرة آسف هادئة أول مرة يخاطبها بها:
"أستني دقيقة."
وقفت دون أن تلتفت له، ليخطي واقفاً أمامها دافعاً بالعلبة نحوها قائلاً بنبرة جادة حادة:
"أتفضلي."
لوت فمها قائلة بغيظ:
"أتفضل إيه ده؟"
تغاضى عن نبرتها قائلاً:
"امسكي ومتتكلميش كتير يلا."
جذبتها منه بعنف ووحدة وفتحتها ناويه على ألقاها بوجهه وأشعال غيظه.
ولكن شهقت بصدمة حينما رأت كاميرتها كما هي ووحدة أخرى.
اتسعت عيناها وفغر فاهها وهي تقلب بكاميرتها بغير تصديق وقالت:
"إيه ده؟ دي متكسرتش إزاي بس؟ هي مش اتكسرت."
قالت جملتها الأخيرة وهي ترفع بصرها به.
ليقول وهو يضع يديه بجيب بنطاله:
"آه هي صلحتها."
لتقول بذات الدهشة:
"طب والتانية دي."
قالتها وهي تشير على كاميرا أخرى.
ليهتف وهو يتهيأ للمغادرة:
"دي هدية مني. سلام قبل ما تثرثري."
قالها وهو يلوح لها، لتحدث ذاتها قائلة بصدمة قائلة:
"أنا بثرثر. أستني بس..."
قفزت فجأة أمامه لتقف عائقاً بطريقه وأشارت لنفسها بغضب قائلة:
"أنا بتكلم كتير، أنا ثرثارة."
هز رأسه مؤكداً كلامها ودفعها ليرحل مسرعاً من أمامها بلمح البصر.
ذهب الجميع من البيت منهم من بالعمل أو التنزه.
وظلت لمار مع خديجة بالبيت.
كانت سعادتها لا نهاية لها بها.
هبطت للأسفل تحضر بعض السندوتشات لخديجة وتركتها أمام التلفاز تتابعه.
ها هي تنتهي من تحضيرهم وكادت بالخروج من المطبخ فأنقطع الضوء لتتسمر مكانها وكأن قدميها قد شلت.
انزلق من يدها "الطبق" مصدراً صوتاً قوياً.
تراجعت ملتصقة بالجدار وعينيها متسعة وهي تهمس بجنون وتهز رأسها بعنف:
"سيبوه محدش يقرب له، سيبوه!"
صوت صراخ، ضحكات، انفجار.
اخترق أذنيها لتصرخ بصوتاً عالٍ وهي تسقط أرضاً تسد أذنيها.
ارتجف جسدها واستحوذ الخوف ثنايا فؤادها، لتضم قدميها بذراعيها إلى صدرها وتدفن رأسها.
أنكمشت بخوف في نفسها.
أستمعت خديجة لصوت صراخها بالأسفل فكانت تقرأ قرآن وهي تسير بخوف تتلمس طريقها بذاك الظلام.
وإذ بها تصل الدرج ولكن زلت قدمها وصرخت متأوهة بأسم لمار و......
عاد الجميع من البيت، منهم من بالعمل أو التنزه، وظلت لمار مع خديجة بالبيت.
كانت سعادتها لا نهاية لها بها.
هبطت للأسفل تحضر بعض السندوتشات لخديجة وتركتها أمام التلفاز تتابعه.
ها هي تنتهي من تحضيرهم وكادت بالخروج من المطبخ فانقطع الضوء لتتسمر مكانها وكأن قدميها قد شلت.
انزلق من يدها "الطبق" مصدراً صوتاً قوياً.
تراجعت ملتصقة بالجدار وعينيها متسعة وهي تهمس بجنون وتهز رأسها بعنف:
"سيبوه محدش يقرب له، سيبوه!"
صوت صراخ، ضحكات، انفجار.
اخترق أذنيها لتصرخ بصوتاً عالٍ وهي تسقط أرضاً تسد أذنيها.
ارتجف جسدها واستحوذ الخوف ثنايا فؤادها، لتضم قدميها بذراعيها إلى صدرها وتدفن رأسها.
أنكمشت بخوف في نفسها.
أستمعت خديجة لصوت صراخها بالأسفل فكانت تقرأ قرآن وهي تسير بخوف تتلمس طريقها بذاك الظلام.
وإذ بها تصل الدرج ولكن زلت قدمها وصرخت متأوهة بأسم لمار و......
ولج حذيفة من الخارج متسائلاً بلهفة:
"هي أسماء فين؟ عايزها ضروري؟"
نقلا هالة وحبيبة النظرات بتعجب لتهتف حبيبة بابتسامة:
"أسماء في المستشفى دلوقتي! ليه؟"
ردد بيأس:
"في المستشفى؟ طب أنا رايح لها!"
قال جملته الأخيرة واختفى بلمح البصر.
بصدمة وزهول نظر الفتيات لبعضهم بزهول وهتف بصوتاً واحد:
"رايح لها!!!"
أنطلق إلى المستشفى يسابق الريح، وركض متلهفاً للداخل وسأل عنها.
ذهب إلى مكتبها وطرق عليه أتاه صوتها أذاناً ليفتح الباب مطلاً من خلفه.
لجمتها الصدمة فأنتفضت واقفة.
ابتسم بخفة قائلاً بمزاح:
"إيه ده؟ هتفضلي مصدومة وتسيبي خطيبك واقف كدا؟"
انتبهت لنفسها لتتنحنح قائلة بتوتر وتوردت وجنتيها بحياء:
"تعالى اتفضل..."
خطى كم خطوة للداخل وهو يقول:
"لا أدخل إيه؟ أنتي اللي تعالي معايا يلا؟"
قطبت حاجبيها بعدم فهم:
"أجي معاك فين؟"
أشار لها قائلاً:
"هتتغدي سوا! متقلقيش."
أستأذنت عمه بنظرته الحادة وهي تعقد ذراعيها:
"وايه الجد؟ من أمتى بقا!"
صمت قليلاً قائلاً بصدق:
"مش يمكن كلامك أثر فيا وعايز أتغير بجد ونويت!"
أستشعرت الصدق بحديثه فخشت أن تصدقه فيوجعها.
خشت أن تثق به فتندم.
ماذا تفعل وهي عالقة بتلك المشاعر الممتزجة؟
قطع سيل أفكارها المتواصل قائلاً:
"يلا يا بنتي مش هتندمي."
أومأت برأسها وجذبت حقيبتها وغادرت معه لا تسعها الفرحة.
وصلا إلى أحدى المطاعم وجلسا وطلب ما يريدون.
ساد الصمت بينهما، أما هي فكانت تشعر بالحياء الشديد والأرتباك.
سعادة لا توصف.
تنهدت متسائلة وهي تنظر له:
"بردوا كلامي بس خلاك تتغير؟"
تنهد بصوتاً مسموع وانحنى بجذعه للأمام قليلاً وقال:
"آه كلامك دخل قلبي وفوقه قارنت بين نفسي دلوقتي وما بين لما كنت صغير. وافتكرت كلام ورد."
تنهد بحزن وندم قائلاً:
"لما كانت بتقول إننا على الدنيا مجرد ضيوف وأنا حالياً موجود في الدنيا مش ممكن بعد ثانية مكنش أكون عند اللي خلقني."
رفعت رأسها متطلعة إليه بدموعاً متلألئة بلهفة.
ليبتسم قائلاً:
"دي الحقيقة. الموت ممكن يجي في أي وقت. فخوفت لو موت وهتحاسب وهدفن النار الجنة كله عملت حسابه، وكمان عشان كما تدين تدان."
أبتسمت بسعادة ها هو حبيبها الغائب يعود.
لو فقط يعودوا أطفال قبل أن تأخذهم الدنيا من أنفسهم قبل أن تتملكهم وتقيدهم بملاذتها.
لو فقط يعودوا أطفال قلوبهم بريئة تسعد من أقل شيء لا تدري ما معنى حزن لا تدري سوى طريقاً واحداً وهو الطريق إلى الرحمن.
قطع كلماتها صوت فتاة قائلة بلهجة متحمسة فرحة:
"حذيفة أنت هنا؟ بجد مش مصدقة نفسي."
وقف مزهولاً يتطلع لأسماء بنظرات أسف.
لتهامس الفتاة:
"إيه يا بني مالك سرحان في إيه؟ وبعدين قولنا هنتقابل قريب، فينك؟"
ها هي تفوق من حلمها.
كانت تحلق معه بدنيا ليس بها سوى هما، وثقت به وحلقت معه بسماء قلبه، فيقذفها دون رحمة غير آسف ولا عليها أو من خسارتها.
ترقرق عيناها بالدمع وجذبت حقيبتها ورمقته بنظرة تتمنى أن يموت دون أن يراها.
نظرة خذلان، ندم، كره، ألم.
دفع التي أمامه برفق وركض خلفها يحاول جاهداً أن يثنيها عن الذهاب ولكنها لا تنصت له وأستقلت سيارة أجرة وغادرت.
عاد الجميع من البيت، منهم من بالعمل أو التنزه، وظلت لمار مع خديجة بالبيت.
كانت سعادتها لا نهاية لها بها.
هبطت للأسفل تحضر بعض السندوتشات لخديجة وتركتها أمام التلفاز تتابعه.
ها هي تنتهي من تحضيرهم وكادت بالخروج من المطبخ فانقطع الضوء لتتسمر مكانها وكأن قدميها قد شلت.
انزلق من يدها "الطبق" مصدراً صوتاً قوياً.
تراجعت ملتصقة بالجدار وعينيها متسعة وهي تهمس بجنون وتهز رأسها بعنف:
"سيبوه محدش يقرب له، سيبوه!"
صوت صراخ، ضحكات، انفجار.
اخترق أذنيها لتصرخ بصوتاً عالٍ وهي تسقط أرضاً تسد أذنيها.
ارتجف جسدها واستحوذ الخوف ثنايا فؤادها، لتضم قدميها بذراعيها إلى صدرها وتدفن رأسها.
أنكمشت بخوف في نفسها.
أستمعت خديجة لصوت صراخها بالأسفل فكانت تقرأ قرآن وهي تسير بخوف تتلمس طريقها بذاك الظلام.
وإذ بها تصل الدرج ولكن زلت قدمها وصرخت متأوهة بأسم لمار و......
عاد الجميع من البيت، منهم من بالعمل أو التنزه، وظلت لمار مع خديجة بالبيت.
كانت سعادتها لا نهاية لها بها.
هبطت للأسفل تحضر بعض السندوتشات لخديجة وتركتها أمام التلفاز تتابعه.
ها هي تنتهي من تحضيرهم وكادت بالخروج من المطبخ فانقطع الضوء لتتسمر مكانها وكأن قدميها قد شلت.
انزلق من يدها "الطبق" مصدراً صوتاً قوياً.
تراجعت ملتصقة بالجدار وعينيها متسعة وهي تهمس بجنون وتهز رأسها بعنف:
"سيبوه محدش يقرب له، سيبوه!"
صوت صراخ، ضحكات، انفجار.
اخترق أذنيها لتصرخ بصوتاً عالٍ وهي تسقط أرضاً تسد أذنيها.
ارتجف جسدها واستحوذ الخوف ثنايا فؤادها، لتضم قدميها بذراعيها إلى صدرها وتدفن رأسها.
أنكمشت بخوف في نفسها.
أستمعت خديجة لصوت صراخها بالأسفل فكانت تقرأ قرآن وهي تسير بخوف تتلمس طريقها بذاك الظلام.
وإذ بها تصل الدرج ولكن زلت قدمها وصرخت متأوهة بأسم لمار و......
عاد الجميع من البيت، منهم من بالعمل أو التنزه، وظلت لمار مع خديجة بالبيت.
كانت سعادتها لا نهاية لها بها.
هبطت للأسفل تحضر بعض السندوتشات لخديجة وتركتها أمام التلفاز تتابعه.
ها هي تنتهي من تحضيرهم وكادت بالخروج من المطبخ فانقطع الضوء لتتسمر مكانها وكأن قدميها قد شلت.
انزلق من يدها "الطبق" مصدراً صوتاً قوياً.
تراجعت ملتصقة بالجدار وعينيها متسعة وهي تهمس بجنون وتهز رأسها بعنف:
"سيبوه محدش يقرب له، سيبوه!"
صوت صراخ، ضحكات، انفجار.
اخترق أذنيها لتصرخ بصوتاً عالٍ وهي تسقط أرضاً تسد أذنيها.
ارتجف جسدها واستحوذ الخوف ثنايا فؤادها، لتضم قدميها بذراعيها إلى صدرها وتدفن رأسها.
أنكمشت بخوف في نفسها.
أستمعت خديجة لصوت صراخها بالأسفل فكانت تقرأ قرآن وهي تسير بخوف تتلمس طريقها بذاك الظلام.
وإذ بها تصل الدرج ولكن زلت قدمها وصرخت متأوهة بأسم لمار و......
عاد الجميع من البيت، منهم من بالعمل أو التنزه، وظلت لمار مع خديجة بالبيت.
كانت سعادتها لا نهاية لها بها.
هبطت للأسفل تحضر بعض السندوتشات لخديجة وتركتها أمام التلفاز تتابعه.
ها هي تنتهي من تحضيرهم وكادت بالخروج من المطبخ فانقطع الضوء لتتسمر مكانها وكأن قدميها قد شلت.
انزلق من يدها "الطبق" مصدراً صوتاً قوياً.
تراجعت ملتصقة بالجدار وعينيها متسعة وهي تهمس بجنون وتهز رأسها بعنف:
"سيبوه محدش يقرب له، سيبوه!"
صوت صراخ، ضحكات، انفجار.
اخترق أذنيها لتصرخ بصوتاً عالٍ وهي تسقط أرضاً تسد أذنيها.
ارتجف جسدها واستحوذ الخوف ثنايا فؤادها، لتضم قدميها بذراعيها إلى صدرها وتدفن رأسها.
أنكمشت بخوف في نفسها.
أستمعت خديجة لصوت صراخها بالأسفل فكانت تقرأ قرآن وهي تسير بخوف تتلمس طريقها بذاك الظلام.
وإذ بها تصل الدرج ولكن زلت قدمها وصرخت متأوهة بأسم لمار و......
عاد الجميع من البيت، منهم من بالعمل أو التنزه، وظلت لمار مع خديجة بالبيت.
كانت سعادتها لا نهاية لها بها.
هبطت للأسفل تحضر بعض السندوتشات لخديجة وتركتها أمام التلفاز تتابعه.
ها هي تنتهي من تحضيرهم وكادت بالخروج من المطبخ فانقطع الضوء لتتسمر مكانها وكأن قدميها قد شلت.
انزلق من يدها "الطبق" مصدراً صوتاً قوياً.
تراجعت ملتصقة بالجدار وعينيها متسعة وهي تهمس بجنون وتهز رأسها بعنف:
"سيبوه محدش يقرب له، سيبوه!"
صوت صراخ، ضحكات، انفجار.
اخترق أذنيها لتصرخ بصوتاً عالٍ وهي تسقط أرضاً تسد أذنيها.
ارتجف جسدها واستحوذ الخوف ثنايا فؤادها، لتضم قدميها بذراعيها إلى صدرها وتدفن رأسها.
أنكمشت بخوف في نفسها.
أستمعت خديجة لصوت صراخها بالأسفل فكانت تقرأ قرآن وهي تسير بخوف تتلمس طريقها بذاك الظلام.
وإذ بها تصل الدرج ولكن زلت قدمها وصرخت متأوهة بأسم لمار و......
عاد الجميع من البيت، منهم من بالعمل أو التنزه، وظلت لمار مع خديجة بالبيت.
كانت سعادتها لا نهاية لها بها.
هبطت للأسفل تحضر بعض السندوتشات لخديجة وتركتها أمام التلفاز تتابعه.
ها هي تنتهي من تحضيرهم وكادت بالخروج من المطبخ فانقطع الضوء لتتسمر مكانها وكأن قدميها قد شلت.
انزلق من يدها "الطبق" مصدراً صوتاً قوياً.
تراجعت ملتصقة بالجدار وعينيها متسعة وهي تهمس بجنون وتهز رأسها بعنف:
"سيبوه محدش يقرب له، سيبوه!"
صوت صراخ، ضحكات، انفجار.
اخترق أذنيها لتصرخ بصوتاً عالٍ وهي تسقط أرضاً تسد أذنيها.
ارتجف جسدها واستحوذ الخوف ثنايا فؤادها، لتضم قدميها بذراعيها إلى صدرها وتدفن رأسها.
أنكمشت بخوف في نفسها.
أستمعت خديجة لصوت صراخها بالأسفل فكانت تقرأ قرآن وهي تسير بخوف تتلمس طريقها بذاك الظلام.
وإذ بها تصل الدرج ولكن زلت قدمها وصرخت متأوهة بأسم لمار و......
عاد الجميع من البيت، منهم من بالعمل أو التنزه، وظلت لمار مع خديجة بالبيت.
كانت سعادتها لا نهاية لها بها.
هبطت للأسفل تحضر بعض السندوتشات لخديجة وتركتها أمام التلفاز تتابعه.
ها هي تنتهي من تحضيرهم وكادت بالخروج من المطبخ فانقطع الضوء لتتسمر مكانها وكأن قدميها قد شلت.
انزلق من يدها "الطبق" مصدراً صوتاً قوياً.
تراجعت ملتصقة بالجدار وعينيها متسعة وهي تهمس بجنون وتهز رأسها بعنف:
"سيبوه محدش يقرب له، سيبوه!"
صوت صراخ، ضحكات، انفجار.
اخترق أذنيها لتصرخ بصوتاً عالٍ وهي تسقط أرضاً تسد أذنيها.
ارتجف جسدها واستحوذ الخوف ثنايا فؤادها، لتضم قدميها بذراعيها إلى صدرها وتدفن رأسها.
أنكمشت بخوف في نفسها.
أستمعت خديجة لصوت صراخها بالأسفل فكانت تقرأ قرآن وهي تسير بخوف تتلمس طريقها بذاك الظلام.
وإذ بها تصل الدرج ولكن زلت قدمها وصرخت متأوهة بأسم لمار و......
عاد الجميع من البيت، منهم من بالعمل أو التنزه، وظلت لمار مع خديجة بالبيت.
كانت سعادتها لا نهاية لها بها.
هبطت للأسفل تحضر بعض السندوتشات لخديجة وتركتها أمام الت
رواية دموع العاشقين الفصل السادس 6 - بقلم ندى ممدوح
ما أجمل أن يكون لديك شخص يتألم أضعاف ألمك، شخص يشعر بك حينما لا يشعر بك أحد، حتى ذاتك. أن تكونا قلباً واحداً بجسدين، إن تألمت فذاق هو مرارة الألم وحده، إن تألمت فيعيش هو الألم. أن يرزقك الله بهذا الأخ الذي أنتِ محور حياته، ذاك الأخ الذي بمثابة أب وسند، مهما تميل تتكئ عليه لا يخذلك. إن تخافِ الجميع فتطمئني أنه بجوارك.
ذاك الأخ الذي يفيض حنانًا، ذاك الذي مهما ابتعد كان قريبًا، أقرب من أي قريب بقلبه وروحه وكيانه.
ترقد لمار على الفراش هزيلة، تحدق أمامها بتيه. فمنذ أن صعد بها ياسين وعثمان إلى حجرتها لا تتحدث. جاؤوا سراعًا ما أن حادثهم يوسف الذي قبض قلبه فجأة. فرن مسرعًا على الشباب.
يزرع ياسين الحجة ذهابًا وإيابًا بقلق يقتله صريعًا، لا يدري ما بها عمته، ولما هي بتلك الحالة. لماذا هي خائفة ومن من؟ أليست هذه هي عمته التي يخافها أقوياء الرجال، التي لا تخشى شيئًا. أما عثمان فمنحنٍ على قدم خديجة يطهر جرحها، تلك الصغيرة التي لم تعبأ بجرحها وظلت بجوار لمار مطمئنة بالقرآن.
ولج يوسف راكضًا، القلق يكاد يقتله، يكاد فؤاده أن يقتلع من بين أضلعه من شدة خوفه عليها. انحنى رافعًا رأسها إلى صدره مطمئنًا وهو يهمس في أذنها:
"اهدي يا لمار، مفيش حاجة يا حبيبتي، كله تمام وأنا بخير."
رفعت رأسها بغير تصديق وهمست بتيه:
"مفيش حاجة بخير، أنت بخير بس هما مش بخير. هما فين؟"
اعتصر قلبه ألمًا، ضم وجهها بكلتا يديه، قائلاً بنبرة هادئة:
"عند اللي أحسن مني ومنك."
قاطعته بشهقات خافتة، هوت دموعها بحرقة وهمست بصوت يكسوه الألم والحزن، قطع نياط قلب كل من ياسين وعثمان:
"كلهم راحوا، ابني مات."
وزعت نظراتها بتيه بين ياسين وعثمان وأردفت:
"أياد مات. مات من غير ما أشوفه."
ضمت نفسها بذراعيه لتكمل بابتسامة وجع:
"راح قبل ما أضمه، وأشبع منه وأملي عيني منه وقلبي."
التفتت له رافعة بصرها إلى عينيه قائلة وهي تتشبث به باكية:
"كان راجع، راجع بعد ما خف، كان راجع لأمه. وراح، انفجرت العربية وخد أمي وماما هدي معاهم، خدهم."
بنبرة موجعة وجلة همست:
"أنت كمان هتمشي؟"
يستمع إليها بفؤاد يصرخ وجعًا ليس له صوت. إذ لو كان له لكان فجر العالم أجمعه. أهلكت كلماته قلبه، وانقبض صدره ليعتصرها إلى صدره قائلاً:
"أروح فين وأسيبك! دا أنتي الهوا اللي بتنفسه وعايش عليه! استهدي بالله."
هوت دموعها بغزارة قائلة:
"بنتي ماتت!"
كاد أن يهم بالحديث لتقاطعه هي، مشيرة إلى ياسين هامسة:
"قال هحافظ عليها ومحفظش، ورجع من غيرها. رجع بعد ما خدوه منها. خطفوها. هي فين؟"
نكس ياسين رأسه، بذكريات هاجمت عليه، بكاء فؤاده بكاءً حارقًا، ولكن أبت دموع عينيه أن تريحه، كأنها تحاسبه بوجعه الذي لا يغادر.
بكت خديجة لدموع لمار، فاعتلت الفراش جالسة جوارهم وأمسكت كف لمار هامسة بحب:
"مش يلا نصلي؟"
نظرت لها لمار بلهفة كطوق نجاة انتشلتها من أحزانها، لتمد خديجة يدها تزيح دموعها بحب.
"ماماااا أناااا جيت..."
تعلق ترقب الأنظار جميعًا ناحية مصدر الصوت ليطالعهم وجه عائشة، التي وزعت نظراتها بينهم وقالت متذمرة بتساؤل:
"في إيه؟ أنتوا شفتوا عفريت ولا إيه؟ ومالكم في إيه؟ مال ماما؟"
قالت جملتها الأخيرة مقتربة من لمار، التي ضمتها بشوق وحنين، وعائشة كذلك.
تبدلت الجلسة تمامًا، فتغلبت السعادة بعودة عائشة على حزنهم. تجمع من كان بالخارج ليشاركوهم الضحكة، فبدت لمار كأنها لم تكن حزينة وكأن شيئًا لم يكن.
أما بعض القلوب فهي حزينة، موجعة، متألمة، تبكي، تصرخ، لكن على الوجوه ابتسامة زائفة. ما أصعب ذاك الوجع الذي تخفيه بفؤادك وترسم بسمة ذائفة على ثغرك.
"رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ"
نهضت ورد من مقعدها تتهادى، نظرها يطوف حول كل ركن بالشقة، أصابعها تلامس كل شيء تقع عيناها عليه. ذابلة عيناها من كثرة البكاء، يحوطها السواد. دلفت غرفة والدتها، تسمرت مكانها، تهوي دموعها بصمت وتخيلتها باسمة ضاحكة لها. صرخت متوجعة وهي تسقط أرضًا، فمنذ أن جاءت ووالدتها مريضة حتى توفاها الله. لا تدري كيف رحلت هكذا ولن تراها مجددًا. لا تعلم كيف مرت الليالي ووالدتها في القبر، تأتي النساء معزية وتستقبلهم بحزن طاغٍ.
ضمت قدميها بذراعيها إلى صدرها وانكبت مجهشة بالبكاء. خوف وجل احتل فؤادها وهي تتخيل القبر وظلماته، لتهفو نفسها اشتياقًا لوالدتها تلك التي لم يمدِ كثيرًا ورحلت تاركة إياها وحيدة مجددًا. بكت وبكت وأرادت الصراخ، ولكن أين صوتها؟ فإنه قد انعقد! كأن لسانها قد انقطع؟ فلا تدري كيف تصرخ.
فأغمضت عينيها باكية، توغل فؤادها شعور الوحدة، فهي وحيدة تحتاج لحضن ترمي بذاتها إليه وتشكو له حال قلبها، ولكن من؟ تذكرت لمار وابنتها.
نهضت متسانده على نفسها لتصلي، طالبة من ربها أن يغفر ويعفو عن والدتها وجدها ذاك الحبيب الذي مهما أتت من أحباء ظل هو الحبيب الأول والأخير ووالدها. بكت فبكى قلبها وروحها، بكت خوفًا من عذاب القبر والنار، بكت وهي تدعي وتسأله أن يغفر لها ذنبها ويرحمها ويجعلها من أهل الجنة، كأن دموعها سيل من أمطار غزيرة جاءت بليلة عاصفة محملة بالأتربة والغبار.
أنهت صلاتها وتربعت على المصلى تستغفر ربها "أستغفر الله العظيم وأتوب إليه". استغفروا... لم تدري كم مضى من الوقت وهي على حالها، دموعها لا تجف وقلبها وجل. لعل الأذكار قد سرقتها من نفسها فأعطتها راحة وأمانًا، لتنهض لكي تروي ظمأها وحلقها الجاف. اتجهت للمطبخ، فاتحة البراد جاذبة زجاجة مياه لتشرب منها. أغلقت الزجاجة ووضعت يديها على قلبها حينما شعرت بانقباض قلبها وروحها. تنهدت قائلة وهي تضع الزجاجة مكانها: "سترك يا رب."
ما كادت أن تهم بأن تستدير حتى اتسعت عيناها وفغر فاها بدهشة حينما وقعت عيناها على زوج أمها الذي يبتسم بخبث بنظرات دنيئة.
ارتجف قلبها بخوف، وارتدت للخلف بخطوات بطيئة تكاد تموت هلعًا من شدة خوفها. خفقات خائفة استحوذت فؤادها، ترقرق الدمع بعينيها وهي تشعر أنها النهاية وستفقد روحها اليوم. لا تدري كيف دخل؟ أأمن الممكن أن يكون معه مفتاح مدخره لنفسه؟ فهي مستيقنة أنها قد أغلقت الباب جيدًا، كيف إذاً دخل إن لم يكن معه مفتاح؟
ازداد نحيبها عندما التصقت بالجدار فأصبحت محاصرة بينهم. كان يقترب مترنحًا حتى هجم عليها مقيدًا يديها بقبضة يده، والأخرى تجذبها إليه وانحنى مقبلاً إياها بجنون. صرخت و زاد صراخها ولكن لا حياة لمن تنادي. حاولت دفعه بكل ما أوتيت من قوة، ولكن لم تستطع، كأن قلبها أصبح هشًا وجسدها.
وقعت عيناها على السكين فحررت يدها، والتقطتها ولكنه لوى ذراعها دافعًا بيدها للحائط لتسقط السكين. شعرت أنها النهاية. أين هو من كان يلبي النداء قبل النداء؟ لماذا لا يستمع نداءها ويأتي ليحضنها بأمانه ليزيل الخوف والهلع؟ ولكن كيف يأتي وهو الآن بعيدًا حقًا؟ ها هي تشعر الآن ببعده صدقًا. لو كان بجانبها لو ما زال حضنه الذي كانت تختبئ فيه من نفسها إليه.
دب الأمل قلبها حينما استمعت لكسر الباب. بلمح البصر كان أحد يجذب زوج والدتها يكيل له اللكمات المبرحة. سقطت من فورها جاثية أرضًا ودموعها لا تتوقف. رفعت عيناها التي يكسوها الدمع ووجهها إلى عمرو بفرحة وابتسامة كأنها قد عادت للحياة من بعد موت.
أما عمرو فكان بلغ به الغضب منتهاه، لا يرى أمامه، فحبيبته ابنته. كان يحاول أن يعيد تلك... جن جنونه أكثر وظل يضرب به حتى ذهب الآخر مغشيًا عليه، يسيل منه الدماء من كل وجهه ويده التي انكسرت.
نظرت ورد باكية لذاك الذي سيموت بين يديه، فانتفضت واقفة وتسارعت أنفاسها. هزت رأسها برفض قائلة:
"لا يا عمر، لا..."
تسمرت يده كما هي على صوتها وأخذ يلهث بشدة، وقف مستديرًا لها، لتنظر له باكية وتعلقت أعينهما حتى ألقت بذاتها بين ذراعيه، متشبثة بجاكته تبكي بكاءً مزق قلبه وأحرق روحه، كأن دموعها جمر يقذف به أحد على قلبه فينصهر فؤاده.
اعتصرها بين ذراعيه وهي تبكي بصوت عالٍ ذي شهقات متوالية. توارت به تدفن نفسها بحضنه وتبكي. ظل يضمها بقوة إليه كأنه يخشى بعدها فيصيبها الأذى، كأنه يريد أن يطمئن قلبه وروحه أنها ها هنا بخير معه وبين ذراعيه. تنهد براحة واعتصرها أكثر.
لم يدروا كم مر من الوقت وهم على هذه الحالة. لعله أراد أن يروي ظمأه فأبى أن يبعدها بتاتًا. ها قد وجدت الأمان أخيرًا بين ذراعيه بقربه، فمن ما قد تخشى؟ وهو بجانبها فلن يسمح حتى للهواء أن يؤذيها. لعلها تألمت، ولكن ذاق هو مرارة الألم وغاص به دون خروج.
وها هي أخيرًا ترفع رأسها بدموع تملأ وجهها. نظرة في عينيه هاتفة بشهقات:
"عمرو أنت جيت، أنا خايفة..."
جذبها لحضنه مرة أخرى قائلاً بحنان ليطمئن قلبها المرتجف:
"هشش، أنا جنبك، متخافيش!"
أسندت رأسها على صدره كأن فؤادها يسكب جل ما به إليه. أبعدها وهو يهز كتفيها بحدة وبنبرة نمت عن ألم دفين قال بصوت عالٍ وغضب ليس له حدود:
"أنتِ إزاي تيجي لوحدك هنا؟ إزاي وأنتِ عارفة أنه موجود..." اهتز صوته قائلاً بألم: "لو اتأخرت كان إيه حصل..."
ارتجفت مرتدة للخلف بزعر حينما لكم الحائط بقبضته. شهقت بفزع وهي تسرع بضم كفة يده بيديها إلى قلبها. فرق قلبه لبكائها. همس جاء من ذاك الطريح أرضًا ليلتفت إليها قائلاً بحدة:
"لو ممشيناش من هنا مش عارف ممكن أعمل في إيه... ولا أنتِ عايزة أكمل عليه؟"
ابتسمت رغم عنها من بين دموعها وقالت:
"يلا نمشي."
هزت رأسها وسارت خلفه. ركبا السيارة وقاد هو مسرعًا يكاد يجن جنونه ويصطدم بالسيارات، كلما لاح له ما رأى. نظر لها من المرآة عندما وصل له صوت بكائها المكبوت، ليقول بقلق وعينه لا تحيد عنها:
"أنتِ كويسة؟"
اكتفت بإشارة من رأسها، فشعر بألمها وتألم لوجعها. فهي خسرت والدتها، وكم مؤلمة هي فشعور الفقد هو أصعب ما يمر على الإنسان. أن يكون لديه شخص غالي وفجأة ينتزعه القبر ولن يراه مرة أخرى. شعور مميت يجعل الإنسان عايشًا وما هو بعايش، يفقد روحه وقلبه وابتسامته ومهجته، فهل هو عايش؟
تنهد بصوت مسموع وهمس: "البقاء لله، متزعليش وأدعي لها بالرحمة. هي في مكان أحسن من هنا، هي في بيتها الحقيقي دلوقتي وعند الرحمن، الرحمن الرحيم الحنان، فمتبكيش وأقري في المصحف شوية." صمت مليًا بتفكير وهمس وهو يقول بنبرة تنم عن ألم دفين: "ابكي يا ورد." نظرت له بدهشة ليؤكد برأسه: "أيوه أبكي، هترتاحي صدقيني." كمن أهداها إذنًا بالبكاء لتبكي بصوت عالٍ، ولكن هناك أكثر وجعًا بداخلها، هناك بالقلب يصرخ ويبكي وليس له صوت. يرقد الألم والبكاء يمزق بها.
وقف أمام إحدى الكافتيريا، شعرت بوقوف السيارة، فنظرت له باهتمام ليبتسم بهدوء قائلاً وهو يتأهب بالنزول:
"انزلي، متأكد إنك مأكلتيش، هناكل حاجة ونكمل طريقنا."
ترجلت من السيارة، مقتربة منه رافضة رفضًا تامًا، إلا أنه أصر إصرارًا شديدًا، فوافقت على مضض.
طلب لها وله وأكلا خفيفًا للغاية وانطلق لوجهته. كان الطريق مشحونًا بالتوتر والقلق، فقد كان يشعر بما في فؤادها كأنه هو من يتألم.
"رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُون"
كانت قد بلغت به الحيرة منتهاه، يشعر بالعجز يقيده، حائر هو ولأول مرة لا يدري ماذا عليه أن يفعل. لا بد أن يدري بكل شيء. ما به عمته؟ تلك العمة التي لا تخشى أحدًا، أقوى من ألف رجل، إنها عمته الشجاعة التي إن وقفت أمام أحد أرهبته وجعلته كطفل صغير أمامها. ممن تخشى؟ من الظلام؟ أيمكن ذلك؟
لذا كان ولا بد أن يحادث والده ليعلم ما سر حالة عمته تلك. مضى ناحية المكتب، لا سيما أن والده يجلس وقته الشاغل به، وها هو يترك أخته أخيرًا لتليفون جاءه. طرق الباب وطل من خلفه. تعلقت أعين يوسف به وأشار له أن يدخل وهو يتحدث بالهاتف وجالس خلف مكتبه. دلف ياسين بعدما أغلق الباب خلفه، وجلس أمامه منتظرًا أن ينهي محادثته. لم يطل كثيرًا وأغلق الهاتف ونظر له باهتمام مشيرًا له بعينيه بأن يتحدث بما لديه. ليتنهد ياسين قائلاً بتساؤل وهو يميل قليلاً بجذعه للأمام:
"أنا عايز بس أفهم مال عمتي؟ ليه الخوف دا كله لما النور قطع ومكنش في حد جنبها؟ مش هي دي عمتي اللي الكل في الاستخبارات بيعملها ألف حساب ويخاف منها؟"
حك يوسف ذقنه النامية قليلاً وهو يستند على ظهر المقعد للخلف وتنهد قائلاً:
"لمار مرت بحاجات كتير جدًا واللي كسرها أكتر موت أياد وبنتها. وعشان كدا مش عارف أعملها إيه، هي رافضة تتعالج!"
هز ياسين رأسه نافيًا وقال بنبرة تنم عن حزن دفين:
"أنا عارف كل ده." زفر بوجع: "عارف..."
صمت مليًا قبل أن يقول:
"بس عايز أعرف إيه اللي حصل معاها غير دول. ليه بتقول متدبحوش؟ سيبوه ليه؟ دايما تقول متضحكيش ليه؟ بتقول ليه يا عمي؟ أنا كل ده سمعته النهارده. دي مش كلمات وخلاص، دي كلمات حد عاشها. فتقولي ولا أسأل أدهم؟"
زفر يوسف بيأس. لقد حان الوقت أن يقول بما يسكن قلبه من أوجاع ليس لها نهاية، كانت من الماضي فما زالت تسكن بداخله. نهض بتثاقل ناحية النافذة، عقد ذراعيه ومد بصره بعيدًا حيث السماء. وأضاءت أمام عينيه ذكريات ما عاشه بالماضي. خيم الصمت، فنهض ياسين واقفًا جواره، ربت على كتفه وهمس:
"أنت بخير يا بابا."
لم ينظر له بل ظل كما هو، نظره للفراغ وتنهد بصوت مسموع كخروج غليان من النار بقلبه. ظل نظره ثابتًا بالفراغ وهمس بصوت نمى عن حزن دفين بداخله:
"لمار دي أكتر واحدة اتعذبت في الدنيا وشالت كتير وتحملت، وبرغم كل اللي فيها فهي دايما واقفة مع أي حد محتاجها، دايما سند للكل، حنان وأمان. حزنها بدأ لما بابا اتدبح قدام عينيها."
"# ادبح؟"
همس بها ياسين بشيء من الذهول والدهشة.
أومأ يوسف برأسه وأشار له بالصمت وأكمل مردفًا:
"آه، كان يوم عيد ميلادها وكلنا خرجنا نتعشى بره، لما رجعنا أبويا وأمي دخلوا وفضلنا أنا وهي شوية بره، وأول ما جينا ندخل." صوته اهتز بوجع ودموع تهدد بالنزول وتابع قائلاً: "لقينا بابا اتدبح. وقتها دخلت وتغلبت عليهم، بس حد غدر بيا وطعني من الخلف. لمار شافت كل ده بعينها، كانت لسه صغيرة ورقيقة. كلنا روحنا قدامها، بس هي كانت قوية ومستحملتش..."
قص عليه يوسف كل ما مرت به لمار. وما أن أنهى حتى همس بقلب يئن وجعًا:
"كل ده مرت بيه وبعد كدا موت أياد وفاطمه..." ما الذي استمع إليه الآن؟ هل هو حقيقة أم خيال؟ هل حقًا مرت بكل ذلك ولا تظهر سوى تلك الضحكة التي ترتسم على وجهها والقوة والشجاعة؟ حقًا كم هي قوية! من ذا قد يتحمل كل ذلك؟ فلو كان جبلًا لنهد فور تلك التراكمات عليه.
نظر له ياسين بتيه وحدق به هامسًا بصدمة:
"يعني اللي كان وراء كل ده عمكم؟ يعني إيه؟ يعني إيه أخ يقتل أخوه وعشان إيه؟ عشان فلوس؟ هيموت ويسيبها، مش هتنفعه ومهما هيجمع فيها مش هيأخذها معه وهيتحاسب."
صمت مليًا بتفكير ونظر له بتمعن قائلاً بابتسامة:
"يعني أنتوا مربينا نضحي بنفسنا عشان بعض وربيتونا إيد واحدة عشان خوفتوا لنكون زي رؤوف."
استقام يوسف بوقفته هامسًا بحزم:
"لا أبدًا، أحنا ربيناكم على الحب والتواضع والرحمة، لأن الإنسان لازم يبقى كدا، وأن مهما ربنا يديه ميطمعش أكتر ويقتل في أخواته عشان ميراث وأرض وفلوس مفيش منها نفع."
طرقات عالية على الباب، جعلتهم يلتفتون بترقب، ليدلف أدهم صائحًا بزعر وهو يشوح ليوسف:
"الحق يا عم أنت أختك مفيش في بؤقها غير عاوزه يوسف، عاوزه يوسف يا ادي يوسف اللي بسببه مش عارف أقعد مع مراتي."
دفعه بحفة فضحك يوسف لقوله وغادر.
دلف عثمان الذي استمع لحديث يوسف وياسين صدفة غير محسوبة وهو يمر يتألم قلبه.
جلس أدهم قائلاً:
"أنا شكلي كدا هنام مع حد فيكم لأني مطرود النهارده." انفجر الشباب ضحكًا عليه ليتمتم هو بالكلمات.
"رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ"
كانوا متجهين للأسفل، إذ وقفوا على ضحكات الفتيات الآتية من الغرفة. وقف ياسين ليشير لعثمان هامسًا:
"الأساتذة دول لسه صاحين ليه دلوقتي!"
قال جملته وطرق طرقًا خفيفًا وفتح الباب وهتف بحسم:
"صوتكم عالي ليه؟ ولسه صاحين لحد دلوقتي ليه؟"
نهضت عائشة متجهة نحوه قائلة وهي تقف أمامه:
"وأنت مالك بقا يا عم؟ فرحانين بيا! ولا أنت مش فرحان."
نظر له متعجبًا وقال بهدوء:
"فرحانين فتسهروا؟!"
أومأت برأسها هاتفة بتلقائية:
"أيوه عندك مانع يعني؟ متفكرش إني هخاف منك زيهم أنت وهو." قالت آخر جملتها وهي تشير لعثمان وهو...
كانت مكة جالسة تغلي بغضب من ذاك الواقف أمامها بثبات عجيب، خليط هو من كل شيء يجننها. أهو حنين أم قاسي؟ عصبي أم لطيف؟ من يكون هو؟ صعب الدخول واكتشاف مملكته. كان يختلس لها نظرات فلم ينتبه لكلام عائشة، فأشار لياسين:
"يلا بينا، تأخرنا!"
أومأ برأسه وما كادوا بالمغادرة حتى وقفوا على صياح أسماء:
"استنوا..."
دنت منهم باسطة راحتها أمامهم قائلة ببراءة:
"هاتوا اللي معاكم، عايزين نروح نشتري حاجات بكرة!"
ليهتف ياسين بحسم:
"ليه؟ هتشتروا إيه؟"
بغضب همست عائشة:
"بقولك إيه هتجيب ولا ناخد بطريقتنا."
همس ياسين متعجبًا:
"بطريقتكم اللي هي إيه؟"
حول بصره لأسماء قائلاً:
"أنتِ فين خطيبك؟ ما تاخدي منه."
ارتسم الحزن على ملامح وجهها. نبوءة أن هناك أمراً ما عليه أن يكتشفه. وأخرج ما بجيبه موزعًا ما بينهم بالتساوي. أخرج عثمان واهداء مكة وعائشة. وجاء أن يمد يده لمكة فشاحت بوجهها بعيدًا ليتنهد بحزن وأهداهم لأسماء.
تساءل ياسين بتعجب:
"هو حذيفة فين؟"
هتفت سمر التي جاءت من خلفهم قائلة:
"بره أكيد، مش هيرجع دلوقتي!"
صمت ياسين مليًا بتفكير وأشار لعثمان وغادروا. هلل الفتيات بفرحة، وشرعوا في التخطيط لما سيفعلونه ويجلبونه.
سرحت أسماء بما مرت، هل تكمل في هذه العلاقة؟ هل يمكن أن يتغير؟ ويصبح كما تريده حقًا أم هذا من المستحيل؟ هل تسير بطريقًا نهايته غير معلومة؟ أم تنهيه؟
هزتها مكة هزة خفيفة وهمست باهتمام:
"مالك يا أسماء؟ أنتِ كويسة فيكِ حاجة؟ ليه شارده ومش معانا!"
نظرت بابتسامة قائلة بهدوء:
"مفيش، أنا تمام." ولحتى لا ينتبه أحد نظرت لعائشة هامسة بمرح:
"وأنتِ يا بت ليه مقولتيش إنك نازلة؟!"
تصنعت الفخر هاتفة:
"عشان الأميرة كانت عاملة لكم مفاجأة وخلصت."
انفجرا ضحكًا لحركاتها، بينما نهضت سمر بتأفف مغادرة وهي تجيب على الهاتف مع أحد الشباب، وانشغلت بعد ذلك بتصوير نفسها وإرسالها له وعلى صفحة الفيس بوك التي لا يعلم بها أحد من عائلتها أو أخواتها.
جاءت رسالة لمكة من حذيفة يطلب منها أن تنزل إليه لأنه يريدها. فتنحنحت قائلة وهي تتأهب للمغادرة:
"طب يا بنات هخرج أعمل مكالمة مع واحدة صحبتي وجاية."
أومأت لها أسماء ولوحت لها عائشة، فتصنعت التحدث بالهاتف وهي تغادر.
هرعت مسرعة إليه فرأته يقف منزوياً بمكان بعيد عن الأعين بالحديقة. اقتربت منه وقد بدا عليها القلق والأرتباك وتساءلت قائلة باهتمام:
"مالك يا حذيفة؟ أنت كويس؟ في حاجة؟"
تنهد بوجع وبصدق قال بلهفة:
"أسماء كويسة؟"
صمتت مليًا قبل أن تعقب متسائلة:
"آه، ليه مالها؟ هو في حاجة؟"
تنهد بألم يعصر قلبه وهمس بداخله:
"بخير، هي لست بخير، إنها موجوعة وبهِ ألف ندبة بالقلب ولن تتحدث، ستظل كاتمة بفؤادها، فهو يعلم من هي أسماء جيدًا، لن تفصح بما يوجعها سوى لرب العالمين. يريد أن يطمئنها أنه سيتغير لأجلها، وحقًا هي كانت تلك اليد التي انتشلته من أشياء كثيرة قد تؤدي بحياته للهلاك، ومنهم غضب الرحمن عليه. ففكر قليلاً وبأن ما يفعله بالبنات فقد يعود عليه بأخته أو زوجته أو ابنته. فكر وفكر كثيرًا، فكانت هي ذلك الكوكب الدري الذي أضاء طريقه المظلم."
بدا عليه الحزن طاغيًا وهمس دون وعي:
"يبدو أنها مش هتسامحني؟"
تنبهت مكة لما قاله لتهمس باهتمام جلي:
"حذيفة، قولي إيه اللي حصل؟ ممكن أقدر أساعدك!"
كاد أن يستدير ليغادر فتسمر مكانه على جملتها يقلب به داخله. بلهفة ووجه سطع بهاؤه بأمل، التفت لها قائلاً:
"بجد هتساعديني؟"
أومأت برأسها بتأكيد وحثته على الكلام والبوح بما بداخله. فشرع بقص لها بتغيره وحبه لأسماء الذي بدأ يتوغل بفؤاده أو قد كان موجودًا ولكنه يتغاضى منذ الصغر. وقص لها ما حصل عند عزومته لها.
انتهى بقص ما لديه، فبدت الفرحة على وجهها قائلة:
"أنت بجد تغيرت، كنت كدا فعلاً."
همس محرجًا منها ومن نفسه:
"أيوه كنت أعمى، بس هي فتحت لي عيني وناوي أتغير بجد. صحيح مش هتغير كدا مرة وجدة، بس هتغير وهقرب من ربنا وههتم بآخرتي."
ابتسمت مكة ببهجة تسري بداخلها:
"اتغير وكمل في طريقك، وأنا متأكدة أن أسماء هتفضل مكملة معاك للآخر. أعمل زي ما قولت لك، اهو اتكلم معاها وفهمها كل حاجة، أنك تلحق نفسك من أول الطريق، فده شئ جميل."
همس بحزن دفين:
"أنا كنت زي شخص عايز يجرب حاجة شايفها حلوة من غير ما يعرف العواقب."
تنهد مردفًا:
"زي اللي ماشي في طريق وشاف حفرة ومليش حل قدامه غير تلاتة: يا يرجع من طريقه، يا يعافر، يا ما يلاقي نفسه في الحفرة ويكتشف بنفسه اللي فيها. يا أما مشافهاش ووقع بس اتمسك وعافر عشان يخرج ويكمل طريقه، أو عدى من غير ما يلتفت ولا ينجذب للاكتشاف. وده أنا كنت حابب الطريق ده مع إني عارف آخره، بس مكنتش خايف من حاجات. هي فتحت لي عيني عليها. أنا محظوظ بيها. أنا رميت نفسي في الحفرة وملحقتش نفسي، كملت وفضلت مكمل."
تنهدت مكة قائلة بابتسامة مبشرة:
"ربنا موجود وهو غفور رحيم، مش بيرد إيدين عبده خايبة أبدًا، وأنك تتوب وتعرف ذنبك، فربك غفار الذنوب."
ابتسم لها ممتنًا وقال بصدق:
"شكرًا يا مكة لأنك سمعتيني وهتساعديني. اطلعي دلوقتي عشان ميدوروش عليكي."
قطبت حاجبيها بضيق هامسة:
"إيه ده؟ إيه شكرًا دي؟ في أخ يقول لأخته شكرًا؟"
ابتسم بمناغشة قائلاً:
"مفيش شكرًا، يلا يا بت من هنا."
ضحكا سوياً وتعالت ضحكاتها التي سحرت عثمان الذي يدلف من الخارج. سرعان ما رقدت بعينيه غضب لا نهاية له وهو يراها مع حذيفة ضاحكة. اشتعل غضبًا وغيره وسارت نار بأوردته.
دلف مكة بتأنٍ للداخل فوجدتهم يضمون بعضهم منكبين بالبكاء سوياً، فتألم فؤادها وجعًا وتلألأ الدمع بعينيها. لم يشغل بالها معرفة لماذا يبكون، بل أنها قد ضمتهم وبكت كما يبكون، لبكائهم، لاسيما قد تعاهدا من الصغر على البقاء مع بعضهم، لاسيما كانوا لبعضهم كل شيء. فما هو معنى كلمة صداقة؟ إذا كان بلي صديق حين البكاء يبكي لبكائك، وحين الفرح يفرح لأجلك، يشاركك كل شيء، يكون ظلك الذي لا يفارقك مهما فارقك الجميع، يكون لك سندًا إن تخلى الجميع ويبقى حينما لا يبقى أحد ويضيء ظلام قلبك.
بكى ثلاثتهم لبعض الوقت، كفكفوا دموع بعضهم وجلست مكة ما بينهم وهمست بضحكة:
"هو إحنا بنبكي ليه؟"
هزت أسماء كتفيها قائلة:
"مش عارفه."
ضحكوا كما لم يضحكوا قبلًا بمحبة وهم يضمون بعضهم مرة أخرى، فماذا سيفرقهم ويقطع تلك اللحظات الجميلة؟ لعلها مجرد لحظات ولكنها تبقى أثرها عميقًا بالقلب.
كان الباب مواربًا يقف خلفه عثمان، الذي قد جاء ليخبرهم أنهم سيتأخرون ويعلموا الجميع. فأبتسم بسعادة لا توصف وهو يجدهم بكل ذاك الحب والترابط بينهما.
"رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا"
توقفت السيارة أمام البناية التي تقطن بها ورد. فبدون كلمة ترجلت من السيارة، فماذا ستقول؟ هل تبوح بألمها وتخبره ألا يرحل، ألا يبعد، ألا يتركها خائفة؟ أرادت فقط أن تضمه، فهو أمانها الوحيد. ترجل من السيارة فدنا منها بصمت وخيم الصمت إلا من حديث الأعين. لا تبتعد، لا تغيب، فإن غيابك كأنه قبر مظلم ليس به نور ولو ثغرة. لا ترحل، فلتترك يدك تضمني حتى أستكين لأعود لمسكني الوحيد الذي يحتويني. لا تترك ابنتك.
فاقت على صوته هامسًا بوجع دفين:
"اطلعي، ولو عاوزتي أي حاجة رني عليا."
تعلق الأعين بحديث العشاق، حديث ليس له نهاية، حديث لا يفهمه سواهم. أهو عتاب أم شوق وحنين أم حزن؟ أو ليكن كلًا منهم. ساد الصمت وامتلت عيناها بالدمع، فهمست وهوت دموعها:
"عمرو، أنا..." لا سبيل من الارتباك لتبتلع باقي كلماتها هامسة بوجع: "ابقى هات لي خديجة و..."
صمتت وطال الصمت، بينما أرادت أن تقول له لا ترحل، فلتبقَ حتى الراحة لفؤادي والسكينة لروحي وسعادة نفسي. لا ترحل، فبدونك يصبح قلبي قبرًا. لا تبتعد، فإن ابتعدت خطوة ستبتعد كل حياتي، فأنت وطني وقلبك سكني وروحك سكينة واطمئنان وأمان وظلك احتواء كغيمة تطل من فوقي لتحميني من أي شيء وكل شيء. لكن بقيت الكلمات عميقًا بالفؤاد، أبت الخروج وانعقد لسانها فلم تتفوه بحرف. لا سيما أنه الحب وأن قلبيهما واحد، فكيف لا يشعر بخوفها؟
همس قائلاً ليطمئنها:
"متقلقيش من حاجة، لأن مستحيل حد يأذيكِ طول ما أنا عايش. اطلعي نامي واطمئني ومتقلقيش، بكرة هجيب لك خديجة بس خليها معايا النهارده. ولو في أي حاجة كلميني."
أومأ لها مطمئنًا بعينيه. فتنهدت بوجع تشعر وكأنها أصبحت وحيدة. علمت الآن أن كل شيء عابر، حتى تلك اللحظات التي نختطفها من القدر لتسعد نفوسنا.
سارت تجر أذيال اليأس والخيبة خلفها. توقفت مضطربة لتلتفت تسرق نظرة إليه لعلها تبث لقلبها الأمان. غمضت عينيها بألم حينما التقت بعينيه وارتقت الدرج صاعدة للأعلى وهي تستمع لمغادرته.
دلف إلى شقتها، بحزن يعتصر فؤادها، تشعر أن الدنيا خالية من حولها. تلك الشقة أصبحت مظلمة، جدرانه حزينة، ليس هناك حياة بها. أبدلت ثيابها وتوضأت، صلت وبكت وتضرعت لربها رب العالمين، أبوابه مفتوحة دائمًا لا تغلق ولن تغلق، سيستجيب مهما طال النداء، سيختبرنا وسنتحمل.
أوت إلى فراشها تلتمس النوم ولو قليلاً من يوم شاق مجهد. علا رنين الهاتف لينتزعها، لتعંتدل متأففة لتتسع ابتسامتها عند رؤية اسمه. لم يضيء شاشة الهاتف فقط بل أضاء قلبها وكأنه كوكب دري حفا بالنور بمكان مظلم كحيل السواد. أجابته مسرعة ببهجة وقالت بابتسامة وهرب النوم من جفنيها:
"السلام عليكم."
رد السلام بهدوء وهمس متسائلاً قلقًا:
"أخبارك عاملة إيه دلوقتي؟"
لاحت على وجهها ابتسامة لتضيء بريق عينيها:
"الحمد لله تمام، أنت وصلت؟ خديجة عاملة إيه؟"
ابتسم بهدوء قائلاً:
"آه وصلت تمام الحمد لله كويسة، متقلقيش عليها."
ابتسمت وهي تسير ناحية الشرفة، لتقف مستندة على حافتها مستقبله الهواء وقالت متسائلة:
"بتعمل إيه؟ أكلت؟"
فرحة توغلت فؤادها فوارها متعجلاً وهو يقول بجدية:
"آه، أكلت، وأنتِ؟"
همست مازحة:
"لا مأكلتش، عجبك كدا يعني؟ أنت تأكل وأنا لا."
ابتسم باسترخائه هامسًا:
"لا ميصحش طبعًا." وبجدية قال: "مأكلتيش ليه؟"
هتفت مؤكدة:
"هأكل دلوقتي، أنت أكلت إيه؟"
ابتسم بخفة قائلاً:
"أهو باكل دلوقتي، تعالي كلي معايا."
ابتسمت بمزاح قائلة:
"بتأكل إيه؟"
ساد صمته بينما اختلست هي نظرة للأسفل لتجد سيارته ويستند هو عليها، رافعًا إحدى قدميه والهاتف على أذنه. رفعت حاجبها بتعجب شديد وقالت بصدمة:
"قولت لي أنت فين؟"
قالت جملتها وتوجهت على عجل للأسفل. زفر بنفاذ صبر قائلاً:
"في إيه يا بنتي؟ ما أنا بقولك في البيت وقاعد في الشقة كمان وكمان على السرير وبأكل، بأكل إيه؟ بأكل بيتزا، تاخدي حتة." فما تمالك أن ضحك من أعماق قلبه.
"# أه أكيد هات هاااا..." همس هذا الصوت بجانبه والذي لم يكن سوى ورد. أبعد الهاتف ناظرًا به بصدمة يحاول مرارًا وتكرارًا أن يدري من أين الصوت. نقرت بأصبعها على منكبه، ليلتفت لها برأسه رافعًا حاجبه، لتشير له بيدها، فعاود الضحك مرة أخرى، وهو يضع الهاتف على أذنه وهمس: "مش بعمل يا بنتي، بس الدنيا بقت برد أوي فقولت أخرج أشتم شوية هوا." قالها وهو يجلس على مقدمة السيارة.
لتقطب حاجبيها ملتفة له بدهشة:
"إزاي يعني برد فقولت تشم هوا شوية..."
انفجر ضحكًا، لاسيما كانت ضحكاته من صميم فؤاده، حيث منبع مسكنها به، فتلك الضحكة والبهجة لا تغمره إلا معها. انفجرت ضاحكًا هي الأخرى هامسة بمرح:
"بقا روحت البيت هااا وقاعد بتاكل كمان..."
غمز لها بعبث، وزاغ بصره على السيارة هامسًا:
"كدبتي بقا؟ قال يعني مقعدتش!"
عاودا الضحك مرة أخرى، ليسرح متأملًا ضحكتها التي اشتاقها حد الجنون وصاح فجأة:
"بس بس اسكتي انتِ، ما صدقتِ ولا إيه؟ يلا لفوق يا ماما، ومفيش ضحك!"
هزت رأسها بطاعة وهمت بالمغادرة، ليستوقفها قوله:
"ورد عايزك تنامي وتطمني، أنا قريب مش بعيد؟"
لم تدري ما تقوله فتوردت وجنتيها بحياء شديد واستدارت مغادرة، تكاد تقفز وتطير من شدة الفرحة. صعدت للشقة فجلست على فراشها، ابتسامة لا تزال تزين شفتيها، شاردة به، لا يغادر مخيلتها وطيفه يحفها بحنو.
علا رنين هاتفها منتزعًا إياها من أحلامها الوردية، لتجيب بعجلة قائلة:
"لماررر."
أتاها صوت خديجة قائلاً ببراءة تخطف القلوب:
"أنا ديجا يا ماما! وحشتيني؟"
استدمعت عيناها بشوق فاض بفؤادها وهمست:
"أنتِ اللي وحشتيني يا قلب وروح ماما، عاملة إيه؟ وخالتوا لمار عندك عاملة إيه؟"
صمتت خديجة مليًا بتفكير حائر، ما إن تخبر والدتها بتعب لمار أم لا، فهمست ببراءة:
"كويسة..."
وأسئلة ولهفة تساءلت:
"ماما قولي لي قصة النبي لما واسى طفل مات عصفوره، احكيهالي."
صمتت قليلاً وتساءلت:
"يعني يا ماما النبي محمد كان عارف الطفل ده؟"
سرحت ورد وهي ترجع برأسها للخلف وهمست بحب وشوق عندما لاحت لها ذكرى الرسول العطرة التي هفت شوقًا لرؤياه:
"رسول الله رقيق القلب والأرق بين أهله، وكان يمازح الأطفال. كان لأنس بن مالك الأنصاري أخو البراء بن مالك، ذاك الباحث عن الموت، وبن أم سليم الرميصاء، أعظم النساء مهرًا، كان له أخ يدعى أبا عمير. دخل النبي ذات يوم عند أم سليم فوجد أبا عمير حزينًا، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن سبب حزنه، فقالوا له إن عصفوره قد مات 'النغير'. فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يمازح الطفل الصغير ويقول له: 'يا أبا عمير، ما فعل النغير'."
تنهدت ورد قائلة:
"ديجا أنتِ معايا؟"
صمتت خديجة مقلبة الكلمات بنفسها وقالت ببهجة:
"يعني يا ماما الرسول واسى أخو أنس عشان مات عصفوره؟"
هتفت ورد مؤكدة:
"آه يا قلبي."
صمتت خديجة بحزن شديد:
"وأنا عايزة أشوف رسول الله يا ماما."
صمتت ورد بتمهل هاتفة:
"هتشوفيه إن شاء الله يا حبيبتي."
هتفت خديجة بتذكر متسائلة:
"ماما، هي ليه أم سليم اسمها الرميصاء أعظم النساء مهرًا؟ ويعني إن البراء وأنس إخوات الطفل اللي مات عصفوره؟"
هتفت ورد تلقائيًا:
"آه يا حبيبة قلبي، أم سليم لقبت بأعظم النساء مهرًا لأنها حقًا أعظمنا مهرًا، فقد أخذت مهرها هو إسلام أبو طلحة، الذي تقدم لها فرفضته وتعجبت أنها ترفضه وكان ثريًا، فقالت له لو أسلم هذا مهرها، فأسلم أبو طلحة حينما قالت 'إني فيك لراغبة وما مثلك يرد، لكنك رجل كافر وأنا امرأة مسلمة، فإن تسلم فذالك مهري لا أسأل غيره'."
وأسلم أبو طلحة وتزوجها.
صمتت خديجة بتفكير تقلب الكلام بنفسها وتحفظه. بينما همست ورد بتثاؤب:
"يلا يا ماما نامي وبكرة هجيلك."
همست خديجة بابتسامة:
"ماشي."
"رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ"
وقفت وعد أمام رحيم الذي بعث لإرسالها إليه "بالمندرة" غرفة يستقبلون بها الضيوف وللشورة. وقفت أمامه مرتبكة لأول مرة بحياتها. تنحنح رحيم وهو يهتف بحزم:
"اجعدي يا بشمهندسة."
جلست وعد بجوار والدته بصمت وحياء شديد ووجل يسري بعروقها. ذهبت شجاعتها هباءً أمام ذاك العملاق الذي يسير الرهبة بالقلوب، ذو وجه محبب ولكنه يبدو صارمًا قويًا ذا قسوة.
تنهد رحيم قائلاً بغموض:
"رجالتي بيقولوا أنهم شافوا رجالة بتحوم حوالين البيت اللي كنتِ بايته فيه قبل الحريق."
اشتعلت عيناها بغضب عاصف وتطلعت به لثوانٍ قبل أن تهتف:
"معرفش حد هنا أنا غير رقيه، ومأظنش إنها تأذيني."
صمت يحاول تصديقها، ولن أبي قلبه وعقله لذلك. دلف شابًا مستعجلاً أن يذهب معه فمضى معه، لتتنهد وعد براحة فور ذهابه لتربت والدته على منكبها هاتفة بمحبة:
"رحيم ميقصدشي يضايقج يا بنيتي، هو قلقان عليكِ!"
أومأت بهزة خفيفة برأسها، وتوجهت للأعلى حيث أخته التي تعرفت عليها وأصبح لها مكانة بقلبها. دلفت ورد بهدوء، تقلب كلام رحيم، يبدو أنه لن يجعل الأمر يمر مرور الكرام وعليها التعجل. رفعت بصرها لأخت رحيم غادة فوجدتها تجلس حزينة شارده.
دنت منها وقد بدا القلق والتساؤل جليًا على وجهها وهمست بلهفة:
"مالك يا غادة؟ فيكِ إيه؟ أنتِ كويسة؟"
همت أن تجيبها إلا أن وعد قاطعتها قائلة باهتمام وحيرة:
"غادة، لو أنتِ رافضة الجواز ده قولي لي، بص هتصرف إن شاء الله."
هزت غادة رأسها برفض قاطع وهمست وهي تجذبها من يدها لتجلس جوارها:
"لا يا بتي، إحنا بنتجوز هنا أكده، البت تكمل 18 يبجي تتجوز، دا أنا أشكر ربنا إن رحيم أخوي مش زيهم وصبر عليا السنتين دول، معندناش احنا حب ومسخرة، طالما المتقدم زين يبجي إيه المانع؟"
انقبض قلبها قائلة:
"بس يا وعد مش عشان سألته عنه يبقي تمام، ماهو الناس مش عايشة معاه ومتعرفش طبعه ولا قلبه."
تنهدت بقلة حيلة قائلة:
"راضية بنصيبي والحمد لله، لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا."
شردت غادة بحزن بدي على ملامحها، فتوغل القلق بقلب وعد قائلة بحدة معتادة عليها:
"ما تقولي مالك، في إيه؟"
نظرت لها غادة بتمعن لتهتف بتعجب:
"مالك؟ أول مرة تتكلمي كدا؟"
هزت وعد رأسها نفيًا وقالت:
"قولي بقا مالك؟"
تجلى الحزن والوجع على ملامحها وسرحت بالفراغ أمامها قائلة:
"جلبي وجعني على البنات اللي بيتخطفوا، معرفش بيودوهم فين ولا بيعملوا فيهم إيه؟ وجلبي وجعني على أهلهم اللي هيموتوا، لا عارفين بناتهم ميتين يترحموا عليهم ولا عايشين بيتعذبوا، والمخدرات والأسلحة اللي بتتهرب، معرفش أخوي رحيم بعد تعب أبوي وهو شايل حمل تقيل، ربنا يقدره."
سكن الغضب ملامح وعد وبسخرية هتفت:
"دا مش لو كان شايل حمل أصلًا؟"
تغاضت عن سخريتها وهتفت متسائلة:
"قصدك إيه يا وعد؟ مش فهماكي؟"
ابتسمت لها بخفة حتى تلاحظ أي شيء وقالت بحب صادق:
"مفيش خالص يا قمر، المهم أنتِ لو في أي حاجة قولي لي."
ثم فكرت مليًا قبل أن تقول بغموض:
"إلا قولي لي يا غادة، أمتي حصل الخطف ده وبيحصل في أي وقت ولا متعرفيش؟"
زفرت غادة مردفة بوجع:
"معرفش جوي يعني، بس أخوي رحيم سمعته كام مرة يجول عن أسلحة ومخدرات، بعد كدا خطف بنات، بس من فترة صغيرة بيجولوا في واحد ابتداء ينقذ أي بنت بتتخطف، وعم القرية الأمان بسببه، بيجولوا عليه جوي ومحدش يجدر عليه، وأنه بيطلع الجبل لوحده."
تنبهت وعد بكل جوارحها وحواسها لكلامها، لكل حرف هتفت بدهشة:
"الملثم قصدك هو ده؟"
أومأت غادة مؤكدة وهي تشير لها:
"أيوه يا ختي، هو ده اللي بيجولوا عليه."
صمتت وعد مفكرة بكلامها لتنظر لها متسائلة:
"ومحدش يعرف هو مين؟"
هزت رأسها مؤكدة وأكدت مردفة:
"أيوه محدش يعرف عنه أي حاجة، بس بيجولوا عنه زين جوي، ومن يوم ما ظهر خف الخطف خالص، بس يلا ربك يسترها مع الجميع، يا خوفي يخلصوا عليه، أكيد مهيسبوهوش في حاله ومترصدينه، بس ربنا ينجيه يارب، كل أم بتدعي له."
ونهضت هاتفة بتعجل:
"يلا يا ختي أسيبك، وجهز حالي وانتِ كمان عشان نحضر الفرح، يلا همي."
أومأت وعد برأسها. أجبرت غادة وعد على ارتداء دريس زادها جمالًا ورشاقة، فكانت كأنها كوكب دري في ليلها يسودها الظلام. هبطت الدرج لتخطف أعين رحيم الذي اختلس نظرة سريعة لها معجبًا وغض بصره سريعًا واستدار خارجًا باضطراب، بينما ابتسمت هي بخبث ومكر. تمسكت غادة بيدها وساروا خلفه حيث مقام الحفل، الذي يبعد قليلاً عن البيت، وقد ذهبت والدتهم من قليل قبلهم.
تسامر الفتيات وهم يسيرون خلفه ليشيروا لهم أن يصمتوا بحزم وغضب، فساروا بصمت خلفه. كان كل شيء ساكن إلا من أعين وعد التي لا تحيد عنه تراقبه خفية. تسمر رحيم موضعه على صوت بكاء طفلة وأنين خافت يأتي عن قرب. كان الطريق خاليًا، فبهذه المناسبات يتجمع الجميع بالعرس. فكان يدب الصمت المكان. أشار رحيم للفتيات فتصنتت وعد لثوانٍ وهمست لطريق جانبي:
"الصوت جاي من هنا؟"
سار رحيم أمامهم مشيرًا لهم بتتبعه، فسارت غادة خلفهم وأبت وعد السير خلفه. رأوا امرأة يظهر عليها الإعياء تجلس أرضًا وبجوارها طفلة. كادت وعد أن تهم ركضًا إليها إلا أن استشعرت شيئًا ما فتمعنت النظر بها، فبدت بحالة جيدة وهي تنظر إليهم بمكر واعتدل ظهر رجال ليحوطوهم من كل اتجاه. جذب رحيم بلهفة وقلق وعد خلفه وظلت غادة متشبثة به، وألقى رداءه عن ظهره وجال ببصره بهم، ووعد كذلك. لوهلة شعرت بالعجز، فإن قاتلتهم قد تسير الشك بقلب رحيم ويكتشف أمرها، وأن لم تقاتلهم لن ينجح رحيم في الإفلات وخاصة بتلك الأسلحة بيدهم.
رواية دموع العاشقين الفصل السابع 7 - بقلم ندى ممدوح
غادر النوم من جفنيها وأبي أن يزورها زيارة خفيفة، فظلت مستيقظة تلوح أمام عينيها ذكريات الأمس ورحيم خاصة. لا يشغل بالها سواه، وهو يقاتل الرجل حينما خبأها خلف ظهره العريض خائفاً. خوفه عليها، هل من كل ذاك تنبع تلك الأدناس والشبهات؟ هل ذاك الشخص هو ذاته المجرم الذي يقتل وينهب ويحرق القلوب، أم هو ذاك الممتلئ بالحنان والتواضع والرقة؟
ها هو النعاس يغلبها لتذهب في سبات عميق.
ولم يمد طويلاً على نومها، وفتحت جفنيها بتقاثل على صوت أذان الفجر يصدح عالياً لتنعدل جالسة. تهمس بفرحة غامرة بعد الأذكار التي حفظتهم من صغرها وتنهض ملبية النداء: "الصلاة خير من النوم".
توضأت، ونسمات الفجر العطرة تغلغل فؤادها لتشرحه، وتشرق وجهها. أنهت صلاتها فظلت على المصلى تذكر ربها تارة وتقرأ القرآن تارة أخرى. وأخيراً جذبت هاتفها لتشغيله على فيديو لشيخ تحب أحاديثه التي تزيد إيمانها.
نهضت حينما استمعت لأصوات آتية من الأسفل، فتوجهت للأسفل متسائلة: من تلك الأصوات؟ حتى رآتها غادة لتجذبها من يدها قائلة لأحد الغرف الخارجية:
"يا صباح الورد يا أحلى وعد. همي معايا وشوفي خبيزك وهعملك أحلى فطير هدية هتجولي مهبطلوش".
لم تعقب وسارت معها، وحقاً اندمجت معهم بفرحة لم تعتادها من قبل. فهم يعاملونها كأنها ابنتهم، ومنهم لم تشعر أنها غريبة قط. إصرارهم على بقائها ومعاملتهم وكرمهم جعلها تتعلق بهم.
جاءها اتصال من مراد يحثها على فعل شيء بأسرع وقت. فأنشغل فكرها بما ستفعل، ربما عليها اكتشاف تلك الأراضي وما بها. شرعت بالحديث مع الحجة صفية بخصوص شراء أرض للمشروع، فأكدت لها أن تحادث رحيم.
كانت تشعر وعد بالحزن الشديد، فقد نشأ بينها وبين تلك الأم وغادة روابط كثيرة وعميقة. ماذا لو عرفوا من هي ولما أتت؟ هل سيكرهونها؟ لقد سمعت عن رحيم وكم يكره الكذب، وابتعد عن صاحبه ولم يسامحه لأنه كذب. فعائلة صادقة تحب دون قيود بقلب يغمره حنان وطيبة ورقة. أظن ماذا لو فعلوا؟ لما تتأثر هكذا بهم؟
سكن الجمود ملامحها محاولة أن تضع مشاعرها جانبًا، فليس هناك مشاعر. فذاك المجرم عليه أن يأخذ حسابه.
لم يمد طويلاً حتى أشارت لها الحجة صفية هاتفه:
"همي يا بنتي مع ولدي هيأخدك يفرجك على الأراضي".
هزت وعد رأسها وهي تخرج من السرايا، فوجدته يقف يوليها ظهره بطوله وعرضه. ما أن شعر بها حتى خطى، وسارت هي خلفه مع غادة التي جاءت لتوها. بلغا مبتغاهم، فأشار لها رحيم، غاضًا بصره عنها، مسندًا على عصاه:
"شوفي يا بشمهندسة، كل الأراضي تحت أمرك، اللي تشاوري عليه".
لم تعقب وابتسمت بهدوء، وسارت بحذر وترقب تتفحص الأرض جيدًا لئلا يشك به. اقتربت منها غادة قائلة:
"ما تيجي نروح الأسطبلات ونتفرج على الأحصنة".
اكتفت بهزة خافتة ومضت معها. فتسمرت موضعها حينما رأت رحيم يأكل الفرس وهو يمسد عليه بحب وابتسامة لأول مرة تراها.
قفزت غادة بطفولة وهي تركض للجواد:
"هارون يا هارون، وحشتني جوي. أمال وين مني؟".
طاف بصرها لتتجه ركضاً بفرحة تهز جوانبها، ووقفت أمام إحدى الأحصنة لتضمها بمحبة وهمست:
"وحشتني جوي يا مني، ووحشتي أبوي جوي".
اقتربت وعد قائلة وقد استمعت لجملتها:
"احم احم، مين بقى يا ست غادة اللي وحشتك؟ هو في أغلى مني؟ وبعدين أكيد مش قصدك على الحصان، فاحكي بقى".
حاوطتها غادة بذراعيها هامسة بمداعبة:
"لا مش جوالك".
تظاهرت وعد بالحزن والزعل وهي تبتعد عنها قائلة:
"طيب يا ست غادة براحتك بقى".
علا الصدمة ملامح غادة، خشيت أن تكون قد فهمت مقصدها خطأ، فهمست بصدق موضحة:
"مبجيش عندي أغلى منك يا وعد. برغم إني معرفكيش من زمن، إلا أنك بجيتي غالية جوي والله".
وأردفت قائلة بصوت نما عن حزن دفين:
"آه صح، أنا مجصدش الفرس، أجصد عمتي اللي من يوم ما غابت، غابت فرحة أبوي معاها. لو ترجع وتشوفه وتعرف إنه مسامحها، ولا نوصلها".
جلا الاهتمام على ملامح وعد لتتساءل قائلة:
"هي عمتك هاربة؟ طيب متعرفوش بالتحديد فين؟"
قد نوت حقًا على البحث عنها من أجل ذاك الرجل الطيب. همست وعد منتشلة غادة من حزنها وهي تربت على منكبها مواسية:
"إن شاء الله هتلاقوها وترجع، اطمني".
صمتت ملياً بتفكير قائلة وهي تمتطي الجواد:
"أما أجرب مع إني مركبتش قبل كدا".
ما كادت أن تنهي جملتها حتى طار بها الجواد مسرعاً بغضب، كأنه يعاقبها على أنها امتطته دون إذن. صوت صهيله كان عاليًا ليجذب رحيم الذي جاء متلهفًا وقال:
"إيه في؟"
حدقت أعين غادة بصدمة. لم يكن هناك وقت لتثنيها حتى. ما الذي سيحصل الآن؟ كادت أن تشير لرحيم، ولكنه ركض معتليًا جوادًا مندفعًا خلف وعد التي تجاهد على التحكم بالحبس بثقة. ولكن، رفع قدميه لتسقط هي أرضًا متأوهة. فترجل رحيم كجواده مندفعًا بقلق يمزق فؤاده، ودنا منها قائلاً بلهفة لم يستطع إخفاءها:
"أنتِ زينة؟ طمنيني، حاسة بحاجة".
كتمت وجعها بصعوبة، فكم اعتادت على كتمانه، والسكوت مهما بلغ بها الألم. هزت رأسها.
استقام هو بحذر ومد يده لها قائلاً:
"محتاجة مساعدة".
هزت رأسها نافية، وكادت أن تقف إلا أنها سقطت متأوهة بصوت عال. أعانها على الوقوف، فنهضت بتثاقل. لم تستطع السير من ألم قدميها، فعاونها على امتطاء الجواد، وامتطاه خلفها واندفع عائدًا. وقد سبقتهم غادة التي أسرعت بأخبار والدتها لتحلق الأمر وتعالج قدم وعد.
أقبل أنس على ياسين بإبتسامة زائفة، ليستقبله ياسين مرحبًا:
"إيه يا بني كنت فين مش ظاهر ليه؟"
أشار له أنس للمكتب فدلفا سوياً. جلسا جوار بعضهم، ألتمس ياسين الحزن الذي يعتلي أنس فهتف بإهتمام وصدق:
"مالك يا أنس، فيك إيه؟"
تمعن بعينه قائلاً:
"في حاجة؟ في حد في البيت حصله حاجة؟ أختك وأمك كله تمام؟"
سكنت ملامحه ابتسامة زائفة بمهارة وقال بصوت نما عن حزن دفين من أعماق قلبه:
"يا ابني كله تمام والله".
"شاح بوجهه عنه قائلاً بابتسامة"
"أنا اتخطبت امبارح".
لجمت الصدمة ياسين، فقبض حاجبيه قائلاً:
"يعني إيه اتخطبت؟ أنت مش قولتلي إن فيه واحدة في قلبك؟"
قلبه ملعون، هو ذاك القلب، فقد أحب من لا يستحق الحب. أحب فتاة لا تدري للأخلاق شيئًا رغم حسن تربيتها. أحب فتاة لا تدري للحب معنى، فملعون هو، فيلقيه أرضًا، فهي ليست له، أصبحت لصديق عمره حتمًا. وكل شيء يمكن خسارته إلا صديق ك ياسين، صديق ضحى بنفسه لأجله يومًا، فهو قد يخسر نفسه إلا هو.
فاق على صوت ياسين قائلاً بحدّة:
"فهمني إيه؟"
ابتسم له قائلاً بخفة:
"مفيش صدقني، بس بجد أنا خلاص اتخطبت وهنحدد الفرح قريب، وهي دي البنت اللي أنا عايزها وبحبها".
لم يعقب ياسين ولكنه قد ألتمس كذبه. ربت أنس على كتفه هامساً:
"وبعدين؟ مقولتليش مبروك!"
هتف ياسين بحدّة:
"مبروك ويتمملك على خير".
أومأ أنس برأسه مبتسمًا وقال:
"أنت عملت إيه؟ هتوافق على سمر؟"
تنهد ياسين بصوت مسموع، صمت ملياً بتفكير وقال بجدية:
"أيوا، هوافق؟"
أغمض أنس عينه بعنف ووجع وحمد ربه.
تململ عمرو بكسل على فراشه ما أن لمسته تناثرات الماء على وجهه، فتح جفنيه بتقاثل، وأنتفض مفزوعاً ما أن وقع بصره على يوسف الذي يطل عليه من أعلى وهمس بزعر:
"إيه يا عم، في إيه؟ حد يصحّي حد كدا".
لوى فمه بمناغشة قائلاً:
"والله لولا لمار ما أكدت لي إنك عايش، كنت هشك إنك شبح أصلاً. في حد يرجع من الموت؟"
ابتلع حروفه حينما سحبه يوسف من ياقته قائلاً بجدية:
"قوم، أنت لسه هتتكلم وتشرح، أخلص. قدامك خمس دقايق تكون غسلت وشك وفوقت لي كدا، وإلا أنت عارف ممكن يحصل لك إيه؟"
ونظر بعينه على السقف بمعني سيربطه هناك. نظر عمر بصدمة لما ينظر، وبوجل مصطنع قال وهو يفر هارباً من أمامه:
"لا لا وربنا هواء، أنا مش مستغني عن نفسي نهائي".
أسرع خطواته للمرحاض ركضاً، ليبتسم يوسف بخفة وجلس على أقرب مقعد يقابله.
خرج عمرو بعد دقائق قليلة، صلى فرضه وجلس جوار يوسف هامساً باهتمام:
"إيه بقا محصيني كدا؟ أكيد في حاجة".
تطلع به يوسف، بينما كان عمرو قد بلغ به القلق منتهاه. تمعن النظر لعينيه وهتف بحذر وجدية:
"تحكي كل حاجة".
"وأشار بأصبعه محذرًا"
"وأياك تكذب ولا تخبي عني حاجة!"
انساب القلق في أوردته وأخذ عقله يجول ويصول بحل ينتشله من ذاك المأزق، وزج التوتر قلبه لأربكه وتلعثم قائلاً وهو يجاهد جهاد الفرسان:
"أ أقول إيه بس مش فاهم".
قال جملته وهو يجاهد كي لا تلتقي عيناه بعيني يوسف، وإلا يصطدمان.
بصوت معلنًا عن نفاذ صبره هتف يوسف بجدية وصوت حاد:
"سمعت قولت إيه؟ أنا عايز أعرف دلوقتي كل حاجة، أخلص؟"
"لمار معرفتش تأخذ منكم معلومة بس أنا لا يا عمرو. إيه اللي حصل يوم الشركة بالظبط؟ وايه حكاية البت دي؟"
التفت له عمرو بصدمة لا يصدق أنه على علم بكل شيء. أومأ يوسف بحدة وصاح:
"متتصدمش، أنا عارف كل حاجة. ومش عشان كبرت يبقى تعملوا اللي على مزاجكم. أنا لسه عايش. واحكي في إيه، كل حاجة حصلت بالظبط".
طال الصمت ولم يزل عمرو على صدمته وتحديقه به وتوتر قائلاً بصوت مخنوق والدمع لمع بعينه:
"أنا أنا زاني يا يوسف، زاني. أ أنا زاني".
وصاح بصوت عالٍ وهو يلقي كل ما على الكومود بقبضة يده:
"زاني، أنا زاني. عرفت ليه مخبي؟ عشان زاني".
ضمه يوسف بقوة لصدره، فبكى لأول مرة بصوت عالٍ كطفل صغير، توارى خلف والده كأنه قد فقد الأمان فجأة، وها هو يلجأ إليه.
ظلا لوقت يبكي بكاءً حارقًا ممزقًا للقلب وهمس من بين دموعه بصوت مخنوق موجوع:
"ربنا بيعاقبني. حرمني من بنتي وخسرت شركتي اللي فجأة لقيتها بتتحرق. ربنا مش هيسامحني أبدًا. وده عقابي، أنا أستاهل. بس مش عارف أنا عملت كل دا إزاي. أنا مش فاكر حاجة أصلاً. بس الحقيقة إني زاني. أنا شايل هم تقيل أوي، ذنب مستحيل يتغفر".
اعتصر قلب يوسف ألمًا وهتف بثبات لا يوافق ما بقلبه:
"عمرو، اهدا. ده مش عقاب، ده ابتلاء من ربنا ولازم نتحمل ونصبر. أكيد هيعوضنا دنيا وآخرة. وإذا مش فاكر، أنا متأكد إن في حاجة غلط. أنت مش زاني ومتحملش نفسك فوق طاقتها".
تنهد بضيق وهو ينظر للفراغ وهمس بذاته:
"أنا هعرف مين وراء كل اللي حصل وفرقكم".
عاد بصره لعمرو متسائلاً باهتمام جلي:
"وعد شافتكم سوا؟"
كفكف دموعه بتألم ورفع بصره به هامساً بابتسامة وجع وقلبه يئن بداخله:
"أيوه وصدقت. عارف يعني إيه؟ أكتر إنسان كنت متخيل إنه يكون واثق فيك وهيفضل جنبك يكون هو أول شخص يصدق ويبعد. سيبك أنها صدقت، بس موقفتش جنبي".
زفر يوسف بصدق قائلاً:
"يا عمرو، مين بس قال إنها مش بتثق فيك؟ هي لو مش واثقة هتتجوزك ولا هتحبك ولا تسلمك قلبها. مكنتش شفتك أمانها. كون منطقي، دي حاجة صعبة عليها إنها تشوف جوزها مع واحدة تانية. أي عقل بس هيفضل فيها؟ في الحالة دي لازم تعذرها، وكنت تديها وقت وتحاول تفهمها. مع إني واثق إنها حاليًا متأكدة إن في حاجة غلط وإنك مخنتهاش".
تنهد بحيرة وصمت ملياً بتفكير وأكمل:
"طب شوف نفسك مكانها والعكس، لو أنت شفتها مع حد هل هتعمل أ..."
لم يكمل جملته ليقاطعه عمرو صائحاً بغضب:
"هقتله وأقتلها؟"
ابتسم يوسف وقد وصل لمبتغاه وقال:
"بس هي معملتش كدا".
"ومع إنها بريئة بردوا".
زفر مربتاً على كتفه وهو ينهض متأهبًا للمغادرة:
"العين بتكدب أحيانًا، متصدقهاش. لملم الباقي من عمركم. العمر بيعدي بسرعة من غير أوان ولا تأهيل، فأخطف اللي باقي منه".
"هسيبك وفكر في كلامي".
أشار له مشجعًا وغادر من أمامه ليهمس بذاته:
"ليس كل ما تراه العين حقيقة، فالعين خائنة أحيانًا، فهي لا ترى ما بالقلوب ولا تحكم على أحد دون تأكيد".
شرد عمرو أمامه وسرقته عقله من ذاته، فأنشغل وأخذ عقله يجول ويصول مضطربًا بتفكير.
لج الغضب قلبه حينما تذكر ورد وزوج والدته يعتدي عليها، فاعتلاه الغضب ليلكم قبضة يده بالحائط. ولكن عقله توقف أمام نقطة ما، مهلاً، إنه لو لم يكن يعلم حقيقة زوج والدتها، لكان ظن سوءًا. ربما كان لن يرحمها. ألتمس لها عذرًا ونهض بهمّه ليرى ابنته.
أعتلا الغضب حذيفة وهو يقف مستندًا على السيارة بقلق تارة وغضب تارة أخرى. وقع بصره عليها وهي مقبلة تسير مسرعة يعلوها البهجة. وقف عائقًا أمام طريقها يجحدها بغضب وشرار كفيل بإحراقها وهمس بصوت كالفحيح من شدة الغيرة:
"كنتِ فين يا هانم؟ سايبة المستشفى وشغلك فين؟"
"وبصوت هادئ مخيف همس وهو يقترب أكثر بوجهه"
"ولا حبيب القلب مستناش وطلعتي تقبليه؟ هاااا مين ده؟ ورسمة علينا الشرف والسون وأنتِ دايرها باره".
قطع جملته حينما رفعت يدها لتهوي على وجهه بصفعة قوية لتخترق القلب بأثر صعب التأمه. تدفقت دموعها وهي تقول بغضب لأول مرة يراه، لأول مرة تلك الرقيقة تكون شرسة. ويحه، ألم يدري أن كرامتها أهم من قلبها؟ إن فكر على إهانتها، فإنها ستتحول لنار تلتهم كل ما يقابلها دون رحمة، فلتلقي بقلبها أرضًا وحبه الدامي:
"قطع لسان اللي يفكر يقول كلمة واحدة على بنت الشرقاوي، ولا عاش ولا كان ولا تخلق اللي يهمني ولا يغلط بحق بحرف. ومتفكرش إني عشان بحبك هسمحلك بكدا، لا فوق. أنا بنت يوسف الشرقاوي وأخت ياسين الشرقاوي اللي مستجرؤش اللي يرفع عينه حتى عليا بنظرة مش ولا بد لأني أمحيه. أنا برمي قلبي في الأرض، لكن إلا تغلط في أخلاقي. لأن اللي رباني واللي واثقين فيا في البيت مستحيل أخون ثقتهم".
"ويا بن عمي يا أستاذ يا محترم"
"أبتسمت بسخرية"
"أنا كنت عند طفل مريض بتابعه، ولما تعب جامد وأمه مش معاها حق الكشف، أنا روحت لها البيت لأن دا واجبي. مش بقولك عشان خايفة منك أبداً، عشان أعرفك إني مش زيك ولا هكون في يوم ولا زي اللي تعرفهم وبتمشي معاهم".
رمقته بنظرة مشمئزة وغادرة تحاول جاهدة كتم دموعها، وما أن وصلت لمكتبها حتى جلست خلفه منكبة تبكي حالها وحال قلبها. لا تصدق أن ذاك معشوق فؤادها قد اتهامها. من أحبت هي يا الله، لقد سلمت قلبها لشخص لا يستحق، لا يحترمها أو يقدرها.
ظل حذيفة موضعه، أصابعه حيث صفعتها، مصدومًا هو من كل شيء. معها حق أن تضربه. ها هو جاء ليصالحها ويفهمها الأمر، ولكن ماذا؟ لقد ساء الأمر أكثر. كيف استجرؤوا على إهانتها واتهامها؟ كيف قال ذلك وكيف خرج هذا الكلام من فمه؟ لم يشك به يومًا ولو قليلًا، فكيف أوصل لها هكذا؟
رفع يده ضاغطًا على شعره بغضب.
يكاد ينفجر قلبه من تلك الحمم بداخله. لا يريد البرق والرعد أن يهدأ، استحوذ الخوف ثنايا فؤاده، ودفع بقدمه السيارة وصعد غاضبًا ليقود مسرعًا. هيهات أن تسامحه، ولكنه لا يدري أن فرادها العاشق لم يحمل منه حتى يسامحه.
دلف عمرو بابنته لداخل مكتب المحاماة، يسير الرواق وهو يداعب ابنته التي فرحت لرؤية والدتها بشدة. وقف أمام السكرتارية سائلًا عن ورد، لتطلب منه الانتظار قليلاً وهي تتلقف خديجة لتضمها بلهفة وشوق.
ذهبت لتخبر ورد، التي لم تصدق في البداية وأخذ قلبها يخفق بعنف. تعلقت عيناها على الباب، فما أن طل عليها منه لم تصدق عينيها. ما هذا الذي تراه؟ أهو أمامها حقًا وترآه؟ وجاء لرؤيتها؟ خفق قلبها بجنون له وأنتفخت أوداجها وأبتسمت قائلة بتلعثم وهي تشير له:
"تعالي أدخل، قصدي اقعد".
قطع جملتها ابتسامته التي أذابت قلبها اشتياقًا وحنينًا، فتأملته بتعمق كأن ابتسامته أضاءت لها ظلام الليل الحالك. فاقت على صوته قائلاً بمرح:
"يا بنتي بتسرحي تروحي فين وتسبينا؟"
قالها وهو يقبل خديجة بمحبة من وجنتها. زاد التوتر حده، ألا يكفيها رؤياه وابتسامته والآن صوته. ما زال فؤادها به نار لا تخمد من شدته.
خيم الصمت فجأة، إلا أنه كان يداعب خديجة ويختلس النظر إليها. زاد حياءها حينما تطلع بها وهمس:
"هتمشي دلوقتي؟"
ابتسمت بحياء وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة من خفقان فؤادها وأبتسمت قائلة:
"آه هأخذ بس الملفات وهمشي".
وثب من مقعده مشيرًا لها:
"تمام يلا عشان أوصلكم. هنتظرك تحت".
أومأت برأسها ولم تعقب. ولكن زاد توترها، أخذت تنتقي بعض الملفات وجذبت حقيبتها، تكلمت مع السكرتيرة قليلاً، وتوجهت لأحد المكتب لتعطي المحامية ملفًا، شرحت لها بعض الأمور وأسرعت على عجل للأسفل. رآته يجلس بالسيارة مع خديجة. توجهت وصعدت بالخلف، فاستدار برأسه لها قائلاً:
"هتروحي؟ ولا هتيجي معانا؟"
زادت حيرتها وهي تنظر بتعمق لعينيه سائلة بتعجب:
"أروح ولا أجي معاكم؟ ليه رايحين فين؟"
ساد الصمت حينما التقت الأعين ببسمة ساحرة وفرحة من منبع القلب وانشراح يملأ جوانبهما. فاقا على صياح خديجة قائلة:
"ماما هتروح معانا الملاهي أكيد".
ونقلت نظرها لورد:
"صح يا ماما".
تلعثم كلاهما، تلجلجت الكلمات وهمست ورد:
"آه يا قلب ماما".
قاد عمرو مسرعًا يختلس النظر لها من المرآة وذهبوا الملاهي. ركبوا أكثر من لعبة وقضوا وقتًا ممتعًا. كان عمرو يتجنب ورد قدر الإمكان، فعقله منشغل. انتهوا أخيرًا فتجولوا. جاء عمر بالآيس كريم ل خديجة وورد. فهمست خديجة بزعل لعمرو:
"زعلانه منك، أنت جبت ليا ولماما ومش جبت ليك؟"
ابتسم عمرو قائلاً بحنو:
"حبيبتي مبحبوش، يلا كلي أنتِ".
أشارت له خديجة أن يحملها فحملها بين ذراعيه لتقرب الآيس كريم من شفتيه هامسة بحب:
"كل أنت وأنا هاكل".
لم يستطع الرفض، فكيف يرد من تلك الأعين البريئة التي تضيء سماه؟ فأخذ من يدها وقربه من شفتيها لتهز خديجة رأسها بالرفض وتغلق فمها بعنف وأشارت لورد.
تردد قبل أن يمد يده، زجت به الحيرة للهلاك. نظرت له ورد خجلًا وتوردت وجنتيها ولمعت عيناها بوميض العشق. لم يمد طويلاً لتمسك خديجة يد عمرو بقوة مقربة من فم ورد.
توتر الجو بينهم وعادوا بصمت تام وأخذ قلبه فالحنين. ها هو سيتركهم الآن، سيترك قطعة من قلبه ويرحل. يا له من فراق يقسم قلبه. ترجل من السيارة وعاون خديجة وفتح الباب لورد.
أشار لها بحدة:
"اطلعي وخلي بالك من ديجا".
نظرت له بدهشة ممزوجة بتعجب، فمن هو الآن؟ أشارت له هامسة:
"مالك يا عمرو؟ في حاجة ضيقتك؟"
صاح غاضبًا:
"قلت اطلعي".
وصعد سيارته مغادرًا، وأخذ عقله يفكر فيما عليه فعله.
أحتضنت ورد ابنتها بقوة شديدة. تريد أن تخبئها من كل شيء، منقبضًا فؤادها، تشعر أنه سيحدث شيء. قبلتها خديجة بنهم من وجنتها قائلة بصدق:
"وحشتيني أوي يا ماما. أنتِ طولتي ليه وليه لابسة أسود كدا؟"
قالتها وهي تشير إلى ملابس ورد. أنهمرت دموع ورد بحزن شديد اشتياقًا لوالدتها الراحلة، فهوت دموع خديجة لرؤيتها هكذا، وجلست مقابل لها صامتة إلا من دموعها.
استشعرت ورد دموع ابنتها لتزيحهم وهي تقبلها بفرحة تغمر جوانبها لتلك النعمة التي لا تقدر بثمن. وحذت خديجة حذوها ورفعت يديها تضمها بحنان وقالت:
"ماما مش هتسأليني؟"
ابتسمت ورد ببهجة وانشراح وقالت بحماس:
"هسألك طبعاً".
استشرق وجه خديجة وهي تحثها على التعجل، لتهمس ورد قائلة بتعمق بها:
"من هما رفقاء الحياة والموت؟"
صمتت خديجة لدقائق مهللة بأعين تلمع بالفرح:
"أبو حذيفة وسالم مولاه".
"ماذا يكون سالم مولاه لـ أبو حذيفة؟"
نطقت بذاك السؤال وعد فور إجابة ابنتها. صمتت خديجة بتفكير عميق ومن ثم نظرت لوالدتها قائلة بهدوء:
"كان سالم عبدًا لـ بثينة بنت يعار زوجة أبي حذيفة، وتبناه أبو حذيفة لما رأى فيه من رقة وخلق، وكان قبل الإسلام، وحينما جاء الإسلام أسلم أبو حذيفة وسالم، ثم لما يلبثا أن حرم الإسلام عادة التبني، وانصاعا أبو حذيفة وسالم لذلك، وكان عليه أن ينسبه لأبيه، ولم يكن سالم معروفًا، فقد وجب بحكم القرآن أن يدعى سالم أخًا لأبي حذيفة لقوله تعالى: "فإن لم تعلموا آباءهم فإخؤانكم في الدين ومواليكم" (سورة الأحزاب: 5)".
صمتت خديجة متطلعة لوالدتها بترقب، فابتسمت عيني ورد وأشرق وجهها وهمست وهي تداعبها:
"صح يا قلب ماما، كملي يلا".
"وزوج أبو حذيفة سالم لابنة أخيه عوضًا لما فاته من قرابة الأبوة. وكان يحرص كل الحرص أبو حذيفة أن يكون بينه وبين سالم قرابة لحبه له وأخلاقه".
صمتت خديجة لتتذكر وأكملت بتلعثم شديد:
"افترقا استجابة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فهاجر أبو حذيفة إلى الحبشة من أذى قريش، ويبقى سالم مع رسول الله ملازمًا له، يتلقى عنه كتاب الله وأصبح رابع أربعة من أوصى النبي بأخذ القرآن عنهم".
قطبت ورد حاجبيها متسائلة بجدية:
"من هم الأربعة؟ أنتِ نستيهم يا ديجا؟"
هزت ديجا رأسها بعنف قائلة وهي تعد على أصابع يدها:
"عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وسالم مولاه".
ابتسمت ورد برضى تام وهمست:
"يلا كملي".
صمتت خديجة ملياً بتفكير وتابعت قائلة:
"وكان الصحابة يقدمون سالم ليؤمهم في الصلاة في هجرتهم".
وابتسمت خديجة ابتسامة من منبع الفؤاد وأغمضت عينيها وهمست كأنها تشاهدهم أمامها:
"والتقى الأخوان على أرض اليمامة في معركة فاصلة بين الحق والباطل، حيث يقاتل المسلمون جيوش المرتدين الذين تابعوا مسيلمة الكذاب".
"وانطلق أبو حذيفة يشق الصفوف وهو ينادي: يا أهل القرآن، زينوا القرآن بفعالكم".
أهتز قلب ورد لتلك الجملة، فما أعظم تلك الحكمة، فحقًا ينبغي أن تزين أفعالنا بالقرآن وليس أصواتنا. "اللهم زين أفعالنا بالقرآن".
تجلى الحزن على وجه ورد. لتكمل خديجة حتى تخرج والدتها من صمتها:
"أكمل يا ماما".
اكتفت بهز رأسها لتكمل خديجة قائلة:
"وتأثر سالم مولاه بمقولة أخيه حذيفة فأجابه على الفور: 'بئس حامل القرآن أنا إن أتى المسلمون من قبلي'. وانطلق يقاتل وهو يحمل الراية بيمينه فقطعت يمينه فأمسكها بشماله فقطعت، فتوالت ضربات الأعداء على شماله وسقطت شماله لكنه لم يسقط، وأمسكها بعضديه، فسقطت".
شهقت خديجة باكية وهي تسأل باهتمام جلي والدتها:
"هو قدر إزاي يا ماما ايده تتقطع وهو مش همه ايده ومسك الراية، ولما قطعوا ايده التانية كان مصر إزاي يا ماما؟ واحنا لو اتجرحنا جرح صغير تألمنا وبكينا من شدة الألم".
بكت خديجة بحرقة وانهمرت دموعها وهي تهمس:
"إزاي استحمل يفضل حاضن بالراية وهما حواليه بيقتلوه بالسيوف والرماح لحد ما سقط جسده وحلقت روحه عاليًا. ولما انتصر المسلمون، وقف خالد بن الوليد ينظر نظرة وداع حانية لسالم ليحفر صورته في عقله وقلبه. ولما شاف سالم خالد سأله بما يهمه وقال: 'ما صنع المسلمون يا خالد؟'. فقال خالد: 'كتب الله لهم النصر.. وقتل لهم مسيلمة الكذاب.. وهزم لهم جند الباطل من أتباعه'. وسأله سالم: 'ما فعل أخي أبو حذيفة؟'. فقال خالد: 'مضى إلى ربه مقبلًا غير مدبر، وقتل شهيدًا في سبيل الله'. ورضيت نفس سالم بنصر المسلمين ورضي أن يصير للقاء أخيه وإلى محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه. ثم قال لأصحابه: 'أضجعوني بجوار أخي أبي حذيفة وادفنوني معه'. فقالوا له: 'ها هو ذا مسند عند قدميك'. فأغمض عينه مطمئنًا راضيًا وهو يقول: 'معًا هنا يا أبا حذيفة، ومعًا هناك إن شاء الله'".
فتحت خديجة عينيها لتنهمر دموعها شلالًا. لتحملها ورد على قدميها تزيح دموعها وهمست وهي تضمها لصدرها:
"عايزكِ يا ديجا تعرفي إن مفيش حد دائم ومحدش هيكون معاكِ ومحدش هيستحملك ولا هيفهمك ويحس بيكِ غير رب العالمين سبحانه وتعالى. خلي دائمًا صلاتك أهم من أي حاجة ومتفطريش فيها مهما كان. دا أول ما يسأل العبد هي الصلاة، اعرفي إنك ممكن بتصلي وصلاتك مش مقبولة، فصلي بجوارحك وروحك وقلبك، وأخشعي وأضعي وادعي واطلبي واسألي من ربك سبحانه وتعالى، وأوعي تأخري صلاتك عشان أي حاجة، مفيش أي حاجة هتنفعك يوم القيامة، واختاري صحباتك بعناية، اختاري الصحبة الصالحة اللي تأخذ بيدك إلى جنة الرحمن وتكون معاكِ دنيا وآخرة وتقف جنبك وتسندك لو وقعت وقوعك وتضيء لكِ الإيمان لو ضللتيه. واعرفي إن الدنيا مهما عشنا وحيينا فيها احنا مش دائمين وهنموت، وبيتنا هو القبر، واعملي لجنّتك وبس، سيبك من الدنيا وملاذاتها فهي مش دائمة".
أومأت خديجة برأسها وهي تحفر تلك الكلمات لتتابع ورد:
"اعملي ورد ليكِ يوميًا من القرآن حتى لو ختمتي، وساعة اذكري ربنا واستغفري وصلي على شفيعك".
لتهمس خديجة:
"صلى الله عليه وسلم".
"ونهضت قائلة":
"هروح أصلي يا ماما".
ابتسمت ورد وهي تنازلها يدها وتعتدل واقفة:
"خديني معاكِ".
تسللت وعد بحذر شديد وترقب للأسفل وهي تعرج تتلفت خلفها خفية من أن أحدًا قد يراها. خرجت من الباب الخلفي للدار والذي غالبًا يكون خاليًا من الجميع بهذا الوقت. وقفت لثوانٍ عيناها تجوب المكان. حتى أتاها صوت همس وهمهمات يأتي من خلف الجدار. كادت أن تلتفت خلفها إذ أن يدًا سحبتها خلف الجدار.
حررت معصمها قائلة بصوت هادئ يكاد يكون مسموعًا:
"إيه يا مراد؟ فيه إيه؟ فيه أي حاجة جديدة؟"
دارت برأسها وعينيها تترقب المكان جيدًا وأستطردت قائلة:
"لو حد شافك معايا دلوقتي هتحصل مشكلة كبيرة".
"نظرت له مردفة":
"قول اللي عندك بسرعة قبل ما أمشي".
سكن ملامحه القلق قائلاً بجدية:
"أنهارده في بنت اتخطفت حوالي الساعة أربعة بآخر النهار. اللي عرفته أنا كانت راجعة من كليتها بس كدا".
بدأ الغضب جليًا على وجهها وبسطة راحة يدها وقبضتها تحاول السيطرة على انفعالها قدر الإمكان وهمست بجمود:
"رحيم، والله ما هرحمك أبدًا".
صمت ملياً بتفكير وهمس متسائلاً:
"وعد، أنتِ قدرتي تمسكي حاجة عليه؟"
هزت رأسها نفيًا، وتطلعت به هامسة بحزم:
"أمشي دلوقتي وسيب الباقي عليا، وخلي بالك لحد يشوفك".
أومأ برأسه مطمئنًا لها وهمس بابتسامة:
"ماشي، خلي بالك من نفسك وعلي تواصل لو في جديد وأنا معاكِ وقريب منك".
هزت رأسها وعادت أدراجها متسللة للداخل. استمعت لأقدام أحد ما، أختلست نظرة مسرعة يمينًا ويسارًا، وعلى عجل ركضت متخبئة خلف الأريكة، ترفع رأسها لتري لمن تلك الخطوات.
حدقت عينها بذهول حينما رأت رحيم يخرج بهدوء للخارج يلتفت حوله كلص. أين تراه يذهب بذاك الوقت المتأخر؟ ولماذا يسير كلصوص هكذا إلا إذا ذاهب لمكان لا يريد لأحد أن يدري به. تأكدت شكوكها نحوه، وأقسمت على أن تدفعه الثمن غاليًا جدًا.
رواية دموع العاشقين الفصل الثامن 8 - بقلم ندى ممدوح
أستيقظت ورد بوجهاً بشوش متطلعة لأبنتها التي تصلي.
رفرف فؤادها عالياً بفرحة، وبنفسٍ حامدة شاكرة رفعت عينيها لتحمده على تلك النعمة التي رزقها بها، ولكن ما تلك القبضة؟ ما به فؤادها؟ ما تلك النغزة القوية به التي كادت أن تميتها؟
استحوذ الخوف والقلق ثنايا فؤادها، وانهمرت دموعها وعيناها ثابتة على ابنتها حتى فرغت من صلاتها.
لتدنو منها معتصرةً بداخلها، وفؤادها يحادث رب الأرباب أن يحفظها لها.
ابتعدت ديجا لتزيح دموعها بيدها الصغيرة، ورفعت يد والدتها لتقبلها بنهمٍ شديد، وتطلعت بها هامسة:
"ماما أنا بحبك أوي."
ورفعت ذراعيها لتعانقها، مغمضة العينين حيث الدفء والأمان وسكينة الروح وسعادة نفسها وانشراح فؤادها.
ثم ابتعدت متطلعة بها هامسة ببراءة:
"ماما ممكن تقولي لخالتوا لمار أني بحبها أوي."
انهمرت دموع ورد رغماً عنها مستشعرة أن هناك شيئاً سيئاً.
وضمت وجهها بكلتا يديها هامسة:
"حبيبتي احنا هنروح للمار وقوليلها كدا ماشي."
ابتسمت خديجة ابتسامة زادت من إشراق وجهها برضا وهمست ببراءة:
"ماما أنا عايزة أكلم وعد! ممكن أكلمها؟"
ظلت دموعها عالقة بمقلتيها وهي تؤمئ لها بابتسامة عكس ما بداخلها.
كادت أن تجذب الهاتف، فتمسكت "خديجة" يدها مانعة إياها من التقاطه قائلة:
"لا يا ماما صلي الأول."
ربتت ورد على رأسها بامتنان ونهضت لتتوضأ وصلت.
وما أن فرغت حتى نهضت لكي تأتي بالهاتف، لتمنعها خديجة وتمسك بيدها لتجلسها وتأتي لها بالهاتف وتتناوله لها.
نقرت بأصبعها عدة مرات ورفعت الهاتف على أذنها الذي لم يمد طويلاً رنينه وجاءها صوت وعد قائلة بلهفة:
"السلام عليكم."
ردت ورد السلام وسألتها عن صحتها وحالتها واطمأنت، وأخبرتها أن خديجة تريد محادثتها، ففرحت وعد واستعجلتها.
تناولت خديجة الهاتف رافعةً إياه على أذنها، ليأتيها صوت وعد قائلة:
"السلام عليكم ديجا يا قلبي عاملة إيه طمنيني عنك."
بنفسٍ متلهفة، وعينان تتوقان لرؤيتها هتفت خديجة:
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. الحمد لله، وعد أنتِ وحشتيني أوي."
ابتسمت وعد قائلة بجدية:
"وأنتِ كمان وحشتيني يا ديجا."
تمسكت بالهاتف جيداً، واقتربت من النافذة وهمست:
"أنتِ قربتي تيجي؟ أنا عايزة أشوفك."
صمتت وعد ملياً وقالت:
"وأنتِ كمان وحشتيني قربت وهرجع قريب وهفضل معاكِ لحد ما تزهقي مني."
بتلقائية صاحت ديجا:
"أنا مش بزهق منك أوي، وتعالي بسرعة علشان أنا عايزة أشوفك مش تتطولي، وأنا عايزة أقولك أني بحبك أوي ماشي."
همت وعد بالحديث ولكن انعقد لسانها على قول ديجا:
"أنا عارفة بإنك لما بتزعقي وبتباني إنك مش حلوة وأنك صعبة فأنتِ مش كدا، ويا وعد تعالي بسرعة وإلا ممكن مش أشوفك تاني."
انقبض قلب ورد، بينما ألقت خديجة عباراتها فسقطت تغزو قلب وعد بقلق شديد.
أغلقت معها بعد دقائق، وأبدلتا ملابسهما ومضيا إلى المنزل، ووصلا هنالك ولم تكن لمار موجودة، فجلست ورد مع هالة وتالا، وارتقى ديجا الدرج بهدوء ودون إصدار صوت.
تسللت على أصابع قدميها لداخل الغرفة، كان عمرو نائماً.
وقفت عند قدميه وداعبتها ليبعد قدمه بإنزعاج وهو يتقلب ليوليها ظهره.
اقتربت بجوار رأسه وبأظافرها صارت على وجنته، فتقلب على ظهره وهو يزيح يديها، لتكتم ضحكتها بكفها وهي تنحني مختبئة خفية أن يراها.
وحينما تأكدت أنه ما زال نائماً حتى استقامت بحذر، ومدت يدها ببطء ما كادت أن تمس وجنته حتى قبض على معصمها فاتحاً عينيه لتصرخ هي بفزع.
فما تمالك أن ضحك من أعماق قلبه وهو يرفعها ليضمها بفرحة يستنشقها بعشق.
ضمها بحضنه هامساً:
"بتغلسي ليه بقا."
لوت فمها قائلة وهي تضع يديها بجانبيها:
"لأنك نايم لدلوقتي. قوم عشان تصلي."
قبلها بمناغشة لتصيح هي وهي تتهيأ بالمغادرة:
"أنا هنزل عند ماما وأنت صلي وتعال هستناك."
هبطت خديجة الدرج بروح مرحة لتدب الحياة بالدار ضحكاتها وحركتها ولهوها كان يخلق جو لا ينسى يترك أثراً بالقلوب.
علمت أن والدتها قد رحلت لعملها، فمضت حيث الفتيات.
ذهبت إلى مكة من ثم إلى عائشة التي ظلوا يلهون سوياً بمشاكسة.
ليرن هاتفه فيشرق وجهها فرحاً وهي تجذب الهاتف على عجل وتخرج للشرفة وتجيب بابتسامة وحياء:
"وعليكم السلام الحمد لله أنا بخير وأنت."
ليأتيها صوت شاب قائلاً:
"الحمد لله إيه مكلمتيش أهلك."
هزت رأسها بأسف كأنه يراها وردت بحزن:
"لا لسه بس هكلمهم وأبلغك ودلوقتي سلام الحمد لله إني أطمئنت عليك."
أغلقت معه بابتسامة حالمة، وضمت الهاتف لفؤادها باشتياق.
"أنتِ بتكلمي مين؟"
قال تلك الجملة خديجة بتحذير.
لتستدير عائشة بدهشة قائلة لها:
"واحدة صحبتي يلا نلعب سوا."
🌼"رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ"🌼
تجلس ورد خلف مكتبها، لا يشغل ذهنها سوى ابنتها، قلقاً مستحوز فؤادها ودقات قلبها وجلة متألمة.
طرقات على الباب انتشلتها من تفكيرها لتأذن للطارق، لتدخل السكرتيرة بقلق جلي على وجهها.
أغلقت الباب خلفها واقتربت منها قائلة بتلعثم:
"ورد أحمد محمد بره الخصم ذات نفسه."
دب الزعر بعيني ورد بتوجس وابتسمت بهدوء وهي تشير لها:
"يتفضل طبعاً أهلاً وسهلاً بيه."
بدا الخوف على وجه نعمة قائلة:
"بس يا ورد..."
قطعتها ورد مشيرة بحدة:
"يدخل دلوقتي."
أنصاعت لأوامرها وفتحت الباب مشيرة له، ليدلف شاب متوسط الطول رفيع الهيئة ولكن ذو ملامح صلبة حادة قوية.
ابتسم لها ملقياً السلام، لترحب به ورد ملقية السلام ومشيرة له بالجلوس.
جلس وهو يضع شنطة أمامها وقال:
"جيت عشان نتكلم سوا."
انحنت قليلاً مستندة على المكتب وبإستماتة قالت:
"وأنا سمعاك أتفضل؟"
صمت ملياً قبل أن يقول وهو يقرب الحقيبة:
"الشنطة دي فيها مبلغ متحلميش بيه ومستعد أديك فوقهم وأكتر بس تسيبي القضية؟"
ابتسمت ورد بهدوء قائلة وهي ترمقه بنظرة ساخرة مستهينة:
"أو كل ده فلوس كتير أوي عليا بس أنا مش من النوع ده أنا مبترشيش، وأخوك مش هيطلع هيتعدم والبريء هياخد حقه."
قالتها وهي تدحجه بنظرة واثقة.
نظر لها بتمعن:
"مبحبش أعيد كلامي وأتنازلت وجيت لحد عندك بنفسي خدي الفلوس وسيبي القضية وانسحبي..."
قاطعته هاتفها وهي تنهض:
"بتحلم..."
أشارت له بيدها للباب:
"شرفتني زيارتك."
وقف مرتدياً نظارته جاذباً حقيبته وقال بحمود:
"أنا حذرتك وأنتِ الجانية على نفسك."
فتح الباب وهم بالخروج ليتوقف على صوتها قائلاً:
"شكراً إنك أكدتلي إن أخوك هو المجرم نتقابل في المحكمة ومتنساش تبقي تعيد الزيارة."
ورفعت رأسها بكبرياء ونظرة غاضبة.
التفت وجحدها بنظرة يتطاير منها شرار الغضب ورحل صافقاً الباب خلفه بقوة.
جلست وهي تزفر بارتياح، وطلبت نعمة لتأمرها على عجل بأن تأتي ببعض الملفات، ومن ثم خرجت بحثاً عن أدلة.
🌼"حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ"🌼
جلست مكة وعائشة وديجا على الفراش يتسامرون بضحكاتٍ عالية من أعماق أفئدتهم، لم تذهب أسماء إلى المستشفى بسبب حزنها الذي قد غلبها وغلف فؤادها وأبى أن يتزحزح، ينتزع فؤادها من صدرها، تتعذب ويصرخ فؤادها وكأن البرق والرعد قائم به لا يخمد، والنار المشتعلة به لا تهدأ ولا تنطفئ، جفت دموعها أما دموع القلب أبت ذلك، فكانت تضحك ولكنها تخفي ما بفؤادها وما أصعبه من وجع هو ذلك أن تصبح حياة قلبك ظلماً لا حياة بها ولا ضحكة، وترسم بسمة خفيفة لتخفي ما به، والجميع يظن أنها بخير لكنها ليست بخير.
طلعت عليهم بملامحها الواهنة، مدعجة العينين.
نظرة لها عائشة بصدمة واقتربت منها هامسة بشجن:
"مالك يا اسماء أنتِ كويسة؟"
ابتسمت بشجن وقالت مازحة:
"ما أنا كويسة أهوو مالي يعني بس إرهاق من الشغل مش أكتر."
قفزت خديجة أمامها بضحكة عالية وهمست:
"أنا عارفة هي زعلانة ليه."
ووضعت كفها على ذقنها بتفكير.
همست مكة واقفة بجانب خديجة لتشير لها:
"وأنا كمان عارفة يا ديجا."
همست عائشة بعدم فهم وهي تفكر:
"طب إيه في إيه؟"
نكزتها ديجا لتغمز لها مكة بخبث، وأنفجرت أساريرها بفرح وهي تؤمئ برأسها لهم موافقة على ما ينون فعله.
سرعان ما مدوا أيديهم لبطنها على غفلة منها يدغدغونها.
ارتفعت ضحكاتها عالياً وكادت بالسقوط أرضاً وهي تجاهد على أن تبعد أيديهم عنها، بلحظة أخذوا يدغدغون بعضيهما وسقطوا أرضاً ضاحكين ظلوا على هذه الحالة من الضحك لدقائق، حتى نظروا لأسماء التي فهمت نظراتهم وقبل أن ينقضوا عليها حتى نهضت مسرعة تركض للخارج وهما خلفها.
جابت عيناها لمكان عن مخبأ فهبطت الدرج ومنه إلى الحديقة وهم خلفها.
كانت تنظر خلفها، عندما صدمت بحذيفة الذي كان يدلف لتوه.
رفعت ناظرها لتتأسف ولكن حينما التقت الأعين ودق القلب بعنف انعقد اللسان، فاقت لذاتها حينما هجمت صديق كلماتها ذهنها لترتد للخلف بقوة وهي ترمقه بنظرة كره، واستدارت للفتيات الذين اصطفوا بجانب بعضهم يتصنعون الانشغال بالكلام.
اقتربت منهم وأخذتهم بعيد ليجلسوا، خيم الصمت لدقائق تأكدت مكة أن هناك أمراً لم تدري به بعد.
لم يجرؤ أحد على البدء بالكلام.
فهمست خديجة متسائلة ببراءة:
"أسماء هو أنتِ هتتجوزي حذيفة."
تطلعت بها متسائلة بينها وبين نفسها ولم تعقب.
"أيوه طبعاً هتتجوزي وقريب جداً وليكِ عليا أجيبلك أحلى فستان يوم فرحنا."
تجمد وجه أسماء ونظرة له بغضب عكس ما بفؤادها الذي انشرح من حديثه.
نهضت خديجة لتقف أمامه متسائلة بتفكير:
"يعني هتجيبوا نونو ألعب بيه؟"
انفجر الفتيات ضحكاً بينما نهضت أسماء بغضب ليصيح هو بصوت عال:
"طبعاً هنملي البيت عيال."
جال نظر ديجا حولها وهمست وهي تعد على أصابعها:
"البيت كله يعني كتير، هنسمي بلال وجعفر وحمزة وأسامة وزيد لا زيد في وهنسمي مصعب وخالد ومعاذ وذياد وعمر وبراء وسلمان."
رفعت نظرها به هامسة:
"هجمع أسماء الصحابة وهجيبهم ليك ماشي."
أشار لها ضاحكاً وهو يهز رأسه موافقاً.
🌼"رَبِّ اجْعَلْ هَـذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ"🌼
دب الدار بالعمل لاستقبال الضيوف القادمون لكتب كتاب غادة فكان الكل يعمل على قدم وساق، أما رحيم فكان يذبح الذبائح ويشرف على إرسالها للفقراء والجميع بفرحة تسري بمهجته، أم الحجة صفية فكانت تذهب وتجيء تعطي الأوامر بصرامة ليعملوا بجهد وسرعة.
بغرفة غادة، مكثت "وعد" معها ولم تخذلها، خفت قدمها قليلاً عما كانت قبلاً، تجلى الحزن بأعين "غادة" وهي تقول محتجة:
"شوفي يا وعد رحيم أخوي مسمحليش أشتري فستان جديد هحضر بقديم يعني أعمل إيه بس يا ربي دلوقت!"
صمتت وعد ملياً بتفكير وبإثناء تفكيرها استمعت لطرق على الباب، وغادة تتجه لفتحه وهي تهمس:
"يا بوي مش وقتك دلوقت."
فتحت الباب، لتطل عليها والدتها باسمة الوجه وبحب قالت وهي تناوله بعض الحقائب:
"أخدي أخوكِ رحيم بعتلك دول، أشارت لأحد الحقائب قائلة: وده الوعد وتعالوا سوا أما أشيعلكم."
جذبت "غادة" منها الأكياس مهللة بفرحة، وربت والدتها على منكبها وغادرت.
أغلقت غادة الباب ودلفت للداخل وركضت تجاه الفراش شارعة عليه ما بالحقائب، شهقت بذهول حينما وقعت عيناها على ذاك الفستان وردي اللون ذاك اللون الذي تفضله.
ابتسمت وعد لفرحتها وهي تقترب منها قائلة بمحبة:
"ربنا يتمملك على خير يا رب ويزيد فرحتك أكتر وأكتر وأهو مامتك فرحتك ومزعلتكيش وجبتلك فستان روعة ما شاء الله ذوقها حلو."
هزت "غادة" رأسها برفض وقالت وهي تضع الفستان على نفسها وتدور بفرحة:
"ماما إيه؟ دا رحيم أخوي اللي جايبه."
ضمت الفستان لصدرها وبدعاء وتمني وصوت خاشع قالت:
"ربنا يحفظه ليا ولا يحرمني منه مفيش أحن ولا أطيب منه."
صدمة سكنت ملامح وعد، وأنشغل ذهنها بالتفكير.
"وده ليكِ يا ست البنات يا قمر أنتِ أخوي رحيم جايبهولك."
اتسعت عيناها العسليتان، وتجلى فيهما الذهول، وابتسمت بتصنع قائلة:
"ليا أنا بجد؟"
أومأت غادة مؤكدة لتبتسم وعد بتكلف.
🌼"وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ"🌼
هل الليل بنسماته العطرة التي تنعش القلوب، وتوافدت النساء داخل الدار تستقبلهن الحجة صفية مرحبة، توافدت عليها المباركات على زواج غادة فقد تم كتب الكتاب عصراً.
دب الدار بالحركة وكثرة النساء، هبطت "غادة" الدرج برفقة وعد ليخطفوا أنظار النساء بجمالهما العادي دون مكياج.
أصرت غادة على المكياج ولكن استطاعت وعد على إقناعها فلم تضع سوى كحل لعيونها البنية.
تزاحمت النساء حول غادة بالمباركات والتهنئة فـ هي أخت كبيرهم، لم تترك غادة وعد بلا تمسكت بها بقوة كأنها تخشى غيابها عن عينيها.
علت الأغاني من الخارج من حيث مجلس الرجال، وتراقصت النساء.
بإثناء انشغال الكل انحنت غادة على أذن وعد هامسة بحذر:
"بت يا وعد ما تيجي نطل على أخوي رحيم أكيد بيرقص بالعصاية."
اتسعت عين وعد، وتجلى بهما الصدمة وهمست رافضة وهي تتمسك بقوة بها:
"لا يابت اسكتي ما ينفع..."
لم تكمل باقي جملتها، فسحبتها غادة من معصمها بقوة للخارج، لغرفة أخرى خالية فعلاً صوت وعد صائحاً:
"يا بت دلوقتي والدتك تدور علينا مينفعش كده."
شوحت لها واتجهت ناحية النافذة المطلة على مجلس الرجال.
فتحت ضلفة واحدة مواربة وطلت من خلفها فصاحت بفجأة وهي لا ترفع نظرها على وعد:
"يابت همي شوفي وياي رحيم أخوي على الحصان وبيرقص."
جذبها فضولها وقلبها ناحية النافذة بخطوات وئيدة وتطلعت به متأملة فقد كان يعتلي الجواد وممسك بالعصا ومقابل له بعض الرجال.
انتفضت وعد عندما تقابلت عيناها مع رحيم الذي ظل ينظر لها مسحوراً، وهوى من على الجواد ليجذبوه الرجال يشاركونه برقص الصعيدي.
خفق قلبها لأول مرة بابتسامة ليمتلك رحيم برقة قلبه وأخلاقه الطيبة الحسنة ورجولته وشهامته مهجتها وفؤادها ووجدانها كأنه سماً صعب الحصول على ترياقاً له.
هزتها غادة بعجلة صائحة سريعاً:
"وعد همي معاي أمي بتنده."
صارت بجانبها منشغلة الفكر، حفرت صورة رحيم بعقلها وفؤادها.
كأنه أغلق قلبها بالمفتاح فور دخوله، فكانت تائهة تماماً رحلوا النساء وأصبح الدار خالياً إلا من أصحابه.
تنحنح رحيم بصوت مسموع وهو يدلف بخطوات وئيدة وخلفه زوج "غادة" قاسم فتحي.
غضت وعد بصرها، بينما تورّدت وجنتا غادة بحياء شديد أربكها.
ألقى قاسم السلام وردوا جميعاً ما عدا غادة التي ردت بذاتها خجلاً.
رفعت وعد بصرها إليه بفضول شديد تمعنت النظر به فلم ترتاح له وأيقنت أن ذاك الشاب خلف زواجه من غادة هناك أمراً ما، فـ هي تقرأ جيداً الملامح والأعين وتحليلها، ألقت نظرة سريعة لـ غادة كم هي بريئة؟ طيبة القلب؟ ما أدراها هي بكل ذلك؟
ولكنها نوت إذا كان ينوي شراً لتذيقه العذاب لا سيما أنها عاهدت غادة أختاً لها ولن يجرؤ أحد أن يمس بسوء شخصاً يخصها.
استأذنت بأدب شديداً بالخروج، فخرجت من باب الدار حيث الهواء ينعشها ونسماته الباردة تشرحها وضؤه المميز لتستنشق رائحة الحقول ذات المنظر الخلاب بذاك الوقت.
عقدت ذراعيها وأغمضت عينيها باستسلام وطمأنينة برفقة تلك النسمات الجميلة التي تلامس فؤادها وروحها.
"جميل جوي المنظر ده مش أكدا؟ ولا الهوا بيكون ليه لذة تانية بالليل سبحان الخالق."
انتفضت ما أن تناهى لمسامعها ذاك الصوت الرجولي الذي لم يكن إلا رحيم.
لترتبك بشدة لم تدري ما تلك المشاعر التي تراودها لأول مرة، خفق قلبها وكأنه قارع الطبل زاد التوتر أكثر من حده وصام الصمت بينهما، قطعته هي هامسة:
"مبروك لـ غادة."
فرد باسمًا:
"الله يبارك فيكِ."
واستطرد قوله بلهجة ذات معنى وهو ينظر لها:
"عقبالك يا بشمهندسة."
ابتسمت بهدوء قائلة:
"إن شاء الله."
صمتت ملياً ثم قالت بتذكر بنبرة ذات معنى:
"عَو أنت متأكد من جوز اختك ده؟ مطمنله؟"
تلجلجت الكلمات بفمه لم يدري ما مكنون تلك الكلمات التي تفوهت بها فقال بصوت أجش:
"أيوه، ليه بتقولي كده؟ في حاجة ولا إيه؟"
هزت رأسها رافضة وهتفت وهي توليه ظهرها متأهبة للداخل:
"بس خلي بالك منه. متسمحش لنفسك أنك تعطيه كل الأمان."
ظل ناظراً لها بعدم فهم، لا يدري ما مقصدها ولكنه تيقن أن هناك أمراً ما.
همت وعد بالدخول للدار فتسمرت موضعها لثوانٍ وتراجعت خلف الجدار واقفة خلفه حينما تناهى لمسامعها صوت قاسم يقول:
"بجولك إيه أنهارده فيك تنزل تخطف، والأثار لازم تتهرب أنهارده فاهمني ولا لا؟"
"كلها ساعة وهكون عندك على الجبل في أي لحظة فاستناني مهتأخرش."
شهقت وعد وهي تستند على الجدار بصدمة، سكن الغضب عينيها وحدقت عيناها بذهول، ولكنها لم تستشعر بإثناء اصطدام ظهرها بالجدار قد تناهى لسماع قاسم.
كرة قبضتها يده بغضب وقفزت فكرة لذهنها.
أيمكن أن رحيم سمح لشريكه أن يتزوج أخته؟
أظن هل هو أخ حقيقي؟ ماذا ترى تفعل غادة أن علمت؟
جمعت شتاتها ودلفت للداخل حيث غرفة الضيوف.
ظل ذهنها منشغلاً بقلق كاد أن يفجر رأسها على غادة لا تدري ما عليها فعله، مهلاً هل تخبر والدها ولكن الرجل مريضاً وأيضاً قد لا يصدقها.
زفرت بيأس حينما دلفت غادة والفرحة تفيض من عينيها، وظلت تحادثها عن قاسم فما كان منها إلا أن تندمج معها في الحديث، ستفعل شيئاً لا بأس لن تتم تلك الزواج.
🌼"رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا"🌼
تجلس سمر على فراشها تحادث أحد أصدقائها من الشباب ترتدي بيجامة ضيقة للغاية، تدلى خصلات شعرها على ظهرها وهي فاتحة الكاميرا، سعيدة هي بتلك الأشياء والمغازلات تخشى أن يدلف أحد الغرفة ويرآها، ولكنها غفلة عن الأحد الصمد عن ربها، غفلة عن يوم الحساب ونار جهنم وظلمة القبر، غافلة هي بملاذات الحياة وكم تدين تدان.
أما ذاك الشاب الذي يحادثها فيجلس مع أصدقاء له وأيضاً يرونها خفية ويستمعون صوتها وانغمسوا أيضاً بملاذات الحياة.
كان يرمقها باستهانة إلا أن جاءت طرقات خفيفة على باب غرفة سمر لتغلق مسرعة، وينفجر الشباب ضاحكين وهم يلقون بأنفسهم أرضاً يتمددون بنظرات حالمة بها.
وضع أحداً منهم يديه تحت رأسه وهو يمد بصره في لا شيء:
"إيه البت دي يا عم دي جامدة أوي، بس عيلتها كويسة أوي انت هتعمل ليه كدا فيها؟"
اعتدل حسن جالساً وهو يفرد إحدى قدميه والأخرى أسند يده عليها وقال بنبرات تحمل الوجع:
"زي ما أخوها عمل في أختي بالظبط، هو علقها فيه وعشمها في الجواز وحبته ودمرها وسابها في حاله نفسية للآن مش عارفة تخرج منها وأنا بعمل زي بالظبط."
ابتسم بغموض قائلاً:
"وأكتر كمان."
قطب صديقه الثلاث حاجبيه بضيق لا يروق له كل ما يفعلونه وهمس يحاول إقناعه:
"يا عم اللي أعرفه عن البت دي إنها كانت كويسة وبنت حلال حرام عليك ابعد عنها وسيبها في حالها ما هو كل اللي حصل لأختك بردوا لنفس تصرف أخوك، اتقي الله بقا وانضف خليه يغفر لك محدش عارف موته امتى."
وقف حسن زافراً بضيق وقال بصوت أجش ذات معنى:
"كانت كانت كويسة فعل ماضي بس أنا زقيت عليها البت شهام وبقوا صحاب وهي بقا قامت بالواجب وزيادة وعرفت تلعب برأسها."
دنا منه صديقه واضعاً كفه على منكبه قائلاً بوجل:
"خاف ربك يا حسن دا مطلع على كل شيء ألحق نفسك وتوب من ذنبك وربك غفور رحيم قبل فوات الأوان والندم راجع نفسك يا صاحبي الدنيا مش دايمة وافتكر إنك ممكن تنام ومتصحش وتلاقي نفسك في قبر مظلم دا الواحد بيقشعر لما النور يقطع فما بالك دا القبر وحساب ونار جهنم راجع نفسك يا بني."
أومأ حسن برأسه إيجاباً ولكن بداخله عدم اقتناع واستهانة.
"إن شاء الله يوم كتب كتاب بنتي أسماء وحذيفة هنعمل خطوبتك على ابني ياسين."
قالها يوسف متمعناً النظر بابنة أخيه.
التي لم تصدق ما تفوه به عمها، رباه أهو حقاً يتكلم بصدق أم أنها بحلم جميل، لقد ظنته مستحيلاً ها هو يأتيها ذاك الحلم البعيد ليتحقق، يكاد فؤادها ينتزع من شدة فرحته.
ابتسم يوسف وهو يضمها بحنان أب قائلاً:
"مبروك يا بنتي وأنا متأكد إن حبك هيغير ياسين للأحسن وهتدخلي قلبه."
ابتسمت سمر بتيها لا تدري متى وكيف حصل كل ذلك وكيف يوافق ياسين الذي تخشاه وتحبه بذات الوقت، كم أن الأماني جميلة.
لم تسعها الفرحة فما أن ذهب يوسف حتى ظلت تقفز بفرحة وانبساط، وأسرعت خطاها لأسماء الذي كانت تتوجه للمستشفى على عجل لحالة طارئة.
وقفت عائقاً بطريقها تهمس بجنون عاشق ضاحكة وقلبها ضاحك:
"أسماء يا أسماء أنا أنا هتجوز ياسين."
ابتسمت أسماء بفرحة وحب ودعت بتمني أن تدوم فرحتها تلك وهمست متعجلة:
"عارفة اوعي بقا من طريقي عندي حالة وتأخرت باي."
دفعتها جانباً وهبطت الدرج ركضاً، بينما عقدت سمر ذراعيها بضيق.
وتوجهت لغرفة الفتيات.
طلت من خلف الباب فرأتهن جالسات وخديجة أيضاً يلعبون لعبة الصراحة.
فدنت منهم وجلست بجانب خديجة.
أبتهجت نفسها وتمايلت فرحاً.
وهمست بأعين لامعة بفرحة:
"ياسين هيكون ليا."
تعلقت أعينهم بها بفرحة.
فامتلأت عيناها بالدمع، دمعة خوف وقلق تجلت بهما ولكن أبت النزول فظلت كما حالها دمعة قاتلة للقلب تجعله وجلاً دائماً فـ همست بصوت موجوع:
"خايفة أكون في حلم وأصحى على واقع وحش أوي."
نظرت إليهم وهوت دموعاً حارقة من صميم القلب:
"لو كان حلم مش عايزة أصحى منه أبداً مش عايزة. خلوني فيه ومحدش يصحيني أو يجي جنبي يمكن أفضل سعيدة فيه."
أنهت كلماتها وارت وجهها خلف كفيها وأجهشت بالبكاء من ثنايا الفؤاد.
ترقرق الدمع بأعين الفتيات الثلاث، وربتت مكة على كتفها هامسة بتأثر وبكاء:
"متعيطيش يا سمر المفروض تفرحي انتِ في الواقع يا قلبي والحلم هيتحقق وهيكون حقيقة قريب جداً أبشري واطمني فـ ربك لو فيه خير ليكِ فـ هيكون ليكِ."
بصوت شجي متضرعاً هتفت متمنية:
"يا رررررب..."
صمتت ملياً وقالت بحزن يقطع نيات القلب بصوت يغلفه الوجع يئن بصمت:
"بس اللي أعرفه إن الأحلام مش بتتحقق."
ربتت عائشة على كفها هامسة:
"متقوليش كدا يا سمورة والله الحلم هيتحقق إن شاء الله."
ضمتها خديجة فوراً قائلة ببكاء:
"مش تبكي عشان مش أبكي عايزة أشوفك بتضحكي بس فـ اضحكي."
ابتسمت سمر ودقائق وأستطاعوا أن ينتشلوها من حزنها الدفين.
🌼"رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ"🌼
أوشكت أسماء على أن تستقل بالسيارة، ولكن وقف حذيفة عائقاً بطريقها.
نظرت له بأعين يغلفها الحزن والوجع وهمت أن تمرء من جواره دون حرف.
إلا أنه فرد ذراعه أمامها سائلاً برجاء:
"أرجوكِ استني يا أسماء واسمعيني."
"مش عايزة أسمعك وأبعد عن طريقي عندي حالة تعبانة لازم أمشي!"
نطقت بها أسماء بصوت خالٍ إلا من الجفاء ربما تود أن تظهر له عكس ما بقلبها؟ ربما.
كانت تتحاشى النظر إليه، فعيناه المهلكة قد تضعفها وترهقها شوقاً وحنيناً وحباً، ألا يكفي مهجتها؟
لم يسمح لها بالمرور، وظل عائقاً بطريقها، يفكر بحل كي تسمعه وتعطيه فرصة، فنظر لها ملياً يتجلى بهما الحب والندم وهمس بصوت وجل:
"ممكن تسمعيني طيب أسمعيني لآخر مرة؟"
رفعت يديها على جانبيها هامسة بإستماتة وتتجنب النظر له:
"حذيفة بقولك عندي حالة وأنا مريضي أهم من أي حاجة وكل حاجة."
أنهت جملتها وهي تدفعه ليتنحى جانباً، إذ أنه لحق بها صارخاً وهو يتراجع للخلف بظهره ونظره لها:
"طب هاجي أوصلك مش هسيبك تروحي لوحدك؟"
وقفت بغضب موضعها وهمست بجدية:
"شكراً أنا مش عايزة حد يوصلني."
ابتسم غامزاً لها وهو يفتح لها باب السيارة:
"فعلاً محدش يقدر يوصلك."
اتسعت عيناها بدهشة، ليغمز لها قائلاً:
"غيري طبعاً هو أنا حد مثلاً."
ابتسمت رغماً عنها وهي تصعد بالسيارة، ودار هو بفرحة تغمره كلياً ليصعد بجانبها وانطلق لوجهتهم.
مر الطريق بصمت تام إلا من نظراته لها خلسة بالمرآة أوصلها لمبتغاها ترجلت مسرعة للداخل بينما استند هو على سيارته لا يتزحزح نظره عنها حتى غابت عن ناظريه.
ولجت على عجل تباشر عملها بهمّة ونشاط من الفؤاد.
ظل هو منتظرها لا يرفع عيناه عن باب المستشفى، غابت عن عينه فأصبحت الدنيا خالية من حوله من كل شيء، طال انتظاره وأرهق عينه الشوق يريد أن تطل عليه لتضيء سماءه المظلم.
مرت الساعات كأنها سنين عجاف تأبى أن تزول.
وها هي تطل عليه ضاحكة الوجه، مهلاً هل تريد أن تقتله صريعاً بتلك الضحكة التي تذيبه وترفرف على جدران قلبه.
ولكن ضحكتها لها إيقاع خاص بمسكن قلبه فأنها تعيده للنبض مرة أخرى من بعد موت محتم.
وقفت أسماء بجانب صديقتها ولكنها لم تبصره بعد بلا قد ظنته قد ذهب، وقتما من المفترض أن هذه الساعات يقضيها مع إحدى الفتيات.
علا صوت ضحكات صديقتها رغماً عنها وهي تقول:
"لا ولا أم الطفل بتقولك حرام عليكِ عايزة تموتي ابنك!"
قهقهت أسماء برقة أذابت ما تبقى من ثباته وهمست برقة:
"والله ما في غيرها عايزة تموته."
صمتت فجأة صديقتها حينما وقع بصرها على حذيفة، فنكزتها وعيناها لا تحيد عنه:
"إيه دا يا بت الحقي! البأف بتاعك شكله مستخبي."
هزت أسماء رأسها نفياً وهي تقول بألم دفين:
"لا اطمني البأف بتاعي أكيد مش هنا أبداً."
نظرت لها صديقتها مشيرة بعينها:
"مش هنا إيه؟ أما مين اللي هياكلك بعنيه ده؟"
نظرت أسماء لما تنظر فتعلقت عينها بعينه تقدم خطوتين وهو يضع يديه في جيب بنطاله وغمز لها، بينما ابتسم قلبها وظل يخفق بعشق.
فـ يا قلب مهلاً لما الجنون، لما تريد الانتزاع من مسكنك والركض إليه حيث احتوائه ودفئه وأمانه حيث راحتك وفرحتك ومهجتك.
أيا روح توقفي لماذا تريدين مغادرتي والاختباء به لمسكنك.
مهلاً يا نفسي فـ سعادتك ها هي تقبع أمامك تمهلي لا تحلقي بعيداً فقد يغدر بكِ ويحطمك ويقذف بكِ لسابع أرضاً فلا تثقي كل الثقة فقد يتحين الغدر متى شاء.
تعلقة الأعين بلقاء ساحر وألتقات الأرواح بحضن دافئ، نظرة لعينه بتأمل كأنه يضمها بهما فلن تكفيها سنين فلن تمتلئ من ذاك الأمان كأن عيناه تضمانها لتنام بهما بأمان من تلك الحياة والبشر.
فحضن عينيه أمان غير أي أمان.
نكزتها صديقها ضاحكة وهي تقول:
"يخرب بيت عقلك دا أنتِ واقعة واقفة، طب هسيبك أنا بقا."
لكمتها أسماء بخفة هاتفة:
"واقعة إيه يا فقر اسكتي، يلا يابت من هنا أمشي يلا."
قهقهت عاليا وهي تلوح بيدها وغادرت.
تقدم حذيفة منها أثناء ذلك، وقف أمامها قائلاً:
"إيه مش هتمشي؟"
أومأت برأسها وسارت بجانبه جنباً لجنب ولكنها وقفت ضاربة جبينها بتذكر:
"ياااااختي أنا نسيت تلفوني على المكتب."
التفتت له قائلة:
"استناني هنا هجيبه بسرعة وأجي."
فرد ذراعه أمامها قائلاً برفض:
"لا استني هدخل أجيبه ليكِ بسرعة وأجي، أشار لسيارة بعينه: روحي اركبي واستني مش هتأخر."
هزت رأسها نافية وهي تقول على عجل:
"لا لا استني بس ثواني بس مينفعش أقف كدا لوحدي دقيقة هجيبه وأجي."
نظر حوله فرأى بعض الشباب فسمح لها قائلاً وهو يشير بيده:
"روحي متتأخريش."
أسرعت خطاها للداخل، متقدمة من مكتبها تولج مسرعة تلتقطه على عجل وخرجت كما أتت مسرعة، ولكن مرورها وقع بصرها على أحد الأطباء يذهب إلى حيث المبنى الآخر الذي لم يكتمل إنشاؤه بعد ولا يذهب إليه أحد ولكن لما يتجه هنالك بذاك الوقت وماذا يفعل، سحبها فضولها ووجدت قدميها تسوقها لتتبعه فتابعته خفية بترقب.
وجدته يدلف لأحد الغرف بخوف وهو يتلفت خلفه، فشعرت بشيء مريع يحدث يا ترى ما هو؟
انقبض قلبها بقوة بين صدرها، ودب الخوف ثنايا فؤادها، أسرعت ناحية نافذة مطلة من الغرفة، فوقفت خلفها ومدت يدها ببطء لتوارب إحدى ضلفتيها.
شهقت بفزع وهي تضع يدها على فمها ومتسعت العينين تكاد عينها تنتزع من شدة الخوف، أخذت الدموع مجراها تنساب بلا هوادة بصمت تام، لم تستطع قدميها التحمل فكادت بالسقوط أرضاً وهي تتمسك جيداً.
ظل عيناها مثبتة لداخل الغرفة، وعيناها كأنها سماء قد كانت متمسكة عن الأمطار وها هي تهطل كما لم تمطر من قبل.
صرخت بصوت مكتوم وهي تشدد من كتم فمها بينما يكاد يقتلع قلبها من شدة دقاته العالية الخائفة حينما رأت ذاك الطبيب ومعه أكثر من شخص أمامهم طفل ممد على فراش مليء بالدماء وبطنه المنفرجة، دارت بها الدنيا سرعان ما قفزت فكرة سريعة لذهنها فأسرعت بتنفيذها رفعت هاتفها على وضع الكاميرا تصور ما يدور بالداخل.
إلى أن استدار أحداهم فرأى طيفها وقد رأى وهي تصور أيضاً.
وصاح بصراخ:
"يا أغبياء دي بتصور امسكوها بسرعة بسرعة."
حدقت عيناها على اتساعها وهي تتشبث بالهاتف بقوة تعتصره بين يديها كأنه أغلى ما تملك وأسرعت خطاها ركضاً وهم خلفها.
بلغ به القلق منتهاه أكل ذلك تأتي بالهاتف قرر الدلوف ليرى إذا كانت تحتاج لشيء وليطمئن قلبه الوجل عليها.
هم بدخول المستشفى إلى أنها اتصدمت به باكية، اقتلع فؤاده ببطء وهو يرى وجهها الباكي وشهقاتها ورعدة جسدها بين ذراعيه فهمس بقلق شديد وهو ينظر لعينيها المتسعتين:
"في إيه حصل أنتِ مالك في إيه."
رمشت بعينيها تحاول الصمود وهي تشير له قائلة:
"خدني من هنا طيب بسرعة."
نظرت خلفها برعب فـ لم ترَ أحد لتصيح وهي تستدير له:
"لازم نمشي لازم أقول لخالتي بابا امشي."
نظر لها بجنون هاتفاً وهو يهزها:
"أهدي فهميني في إيه لازم أعرف."
اتسعت عيناها بغضب ونار شعلت بأوردته:
"حد ضايقك جوه."
أمسكت كفت يده وهي تسحبه بقوة:
"امشي طيب دلوقتي هفهمك بعدين أنا خايفة أمشي الله يخليك أمشي."
أنهكته دموعها التي تكوي قلبه كجمر تصهره لرماداً.
ما أن صعدا السيارة حتى قادها منطلقاً بسرعة.
ارتجاف جسدها ورعشة يديها وانتفاض قلبها قتله صريعاً بمحله.
ليركن السيارة جانباً وهو يستدير لها:
"أسماء أهدي طب أنتِ خايفة من إيه."
زادت شهقاتها كلما لاح لها ما رأته حتى صرخت بجنون كأنها انفجار قد كان متحين اللحظة المناسبة، كبركان مثلاً.
اقترب منها ببطء وهو يتألم وصاح قائلاً وهو يضم كفت يدها بين كفتيه:
"حبيبتي اهدي أنا جنبك متخافيش أنا هنا مفيش أي حاجة أنا جنبك متخافيش."
استكانت لكلماته وتوقفت دموعها راجعة من حيث أتت وهدأت شهقاتها ورجفتها هي هو يحتضنها بعينه كأنه طفلاً صغير لا ينام سوى بعينيه ولا يوجد مكان له غيره بأمان وراحة.
ساد الصمت إلى أن شعر أنها هدأت ويمكنها الحديث.
وتفوه قائلاً:
"قوليلي دلوقتي في إيه؟"
ضمت الهاتف لصدرها وهي تنظر له بتيهان وقالت:
"ممكن ترجعني البيت معلش؟"
أغمض عينه متنهداً وهو يقول:
"حاضر بس قوليلي مالك أنا بموت وأنا شايفك كده."
هتفت وهي تنظر للهاتف بتوهان:
"هحكيلك بس خدني على البيت دلوقتي طيب."
أومأ برأسه وهو يستدير منطلقاً وقال بجدية:
"أنا دايماً جنبك تأكدي من كدا، ومهما حصل ولو الدنيا اتقلبت هتلاقيني هنا جنبك وماسك في إيدك ومثبت كمان و وقت ما تحسي إنك تقدري تتكلمي هتلاقيني موجود دايماً حواليكِ وقريب منك."
ابتسمت بحنان وهي تنظر له.
وساد الصمت بعد ذاك إلى أن وصل لمبتغاه، فترجلت ركضاً للداخل، سألت عن لمار فلم تجدها فركضت لغرفتها مغلقة الباب خلفها.
ما الذي سيحصل لأسماء هل سيتركوها؟
أما أنها ستدفع الثمن غالياً جداً وتفقد أعز الناس؟
ما الذي ستفعله وعد لذلك الـ قاسم وما الذي سيفعله لكِ لا تكشف أمره.
هل سيحصل شيء حقاً لـ خديجة ما الذي سيفعله احمد محمد لانقاذ أخيه هل سيقتل؟
رأيكم وتفاعلكم.
لايك + 20 ملصق + رأيكم.
رأيكم أهم لأنه هيفرق معايا جداً الفصل صغير اعذروني بس والله تعبانة دعواتكم.
🌼 (إلهي: أنت سيدي وأملي، ومن به تمام عملي، أعوذ بك من بدن لا ينتصب بين يديك، وأعوذ بك من عين لا تبكي شوقاً إليك. إلهي: أنت الذي صرفت عن جفون المشتاقين لذيذ النعاس، وأنت الذي سلمت قلوب العارفين من اعتراض الوسواس، وأنت الذي خصصت أوليائك بخصائص الإخلاص، وأنت الذي توليت أحباءك واطلعت على سرائرهم، وأشرفت على مكنونات ضمائرهم...).🌼
رواية دموع العاشقين الفصل التاسع 9 - بقلم ندى ممدوح
سرى الخوف بمهجتها واستحوذ ثنايا فؤادها. لم تكن تدري ما عليها فعله. يجب أن يتم حساب هؤلاء الجزارين. ما زال جسدها يرتعد من شدة الخوف ومنظر الطفل أمام عينيها لا يغيب بتاتاً.
ضمت قدميها لصدرها واحتضنتهم بذراعيها ودفنت رأسها بهما وأجهشت بالبكاء عالياً بصوتاً مكتوم، كأنها تخشى أن يكون أحداً منهما يستمع صوتها. تمددت مكانها ونامت بوضع الجنين، بللت الوسادة من كثرة الدموع التي تنهمر بغزارة.
صرخة عالية شقت هدوء الليل الساكن بضجة كبيرة، لينتفض الجميع من نومه بقلق بالغ.
كان الأقرب إليها حذيفة، حيث كان يقبع أسفل شرفتها ينهشه القلق على تلك الحالة التي تركها بها. فما أن تناهى لمسامعه صوت صراخها الذي أقسم أنه من فؤادها وروحها، كمن رأى شبحاً، فأسرع ركضاً يلحقه قلبه وروحه إليها. فتح الباب بلهفة فوقف متسمراً وهو يراها تجلس تنتفض مكانها وتصرخ بهستيريا وهي تقول: "سيبوه، يا خالتوا أنا خايفة".
بخطوات وئيدة دنا منها وهو يقول بزهول:
"أسماء يا حبيبتي مالك فيكِ إيه؟ طب أنا هجيبلك خالتوا حاضر بس اهدي."
ما أن هم بالأقتراب منها حتى دفعته بقسوة ليرتد للخلف.
تجمع من بالبيت آتون ركضاً بقلق ينهش أفئدتهم ليشهقوا بفزع ما أن أبصروا حالة أسماء تلك.
نجح حذيفة بتقييد يديها وهو يضمها قائلاً:
"هشششش أهدي مفيش أي حاجة والله أنا جنبك."
تشبثت بملابسه باكية أكثر، وهتفت من بين بكاءها وهي مغلقة الجفون:
"قتلوه يا حذيفة قتلوه قتلوه من غير رحمة قتلوه يا رب قتلوه وفتحه بطنه."
شهقت باكية وهي تصرخ بجنون. لم يستطع حذيفة السيطرة عليها.
كانت قد آتت لمار لتوها من الخارج، فما أن تناهى لمسامعها صراخ أسماء حتى ركضت بلهفة لغرفتها فولجت كالأعصار وهي تهتف بوجل:
"في إيه كلكم كويسين؟"
صمت الجميع، أعينهم معلقة على أسماء، يبكون. نظرت لهم بتوجس وقالت:
"انتوا مالكم مش بتنطقوا ليه؟"
كانت تخشى أن تنظر لما ينظرون، كأنها سترى ما يقتلها، يقتل فؤادها وذاك الجزء الذي به تلك السعادة قابعة.
"خالتوا لمار!" هتفت بها أسماء ببكاء يمزق القلب.
أستدارت لمار بوئيدة، فهالها منظر أسماء التي فتحت لها ذراعيها، لتسرع لمار على عجل، وينهض حذيفة متنحياً جانباً. جذبتها لمار لأحضانها بينما تعلقت بها أسماء كالطفل الصغير.
أعتصرتها لمار بداخلها، وأشارت للجميع بحدة هاتفة:
"بره كله يطلع بره يلا."
نظرت لخديجة بأعين لامعة بفرحة وأشارت لها بيدها الأخرى:
"تعالي يا ديجا."
ابتسمت ديجا من وسط بكاءها وهي تركض لحضن "لمار" هي الأخرى. خرجا الجميع وأغلقت حبيبة الباب خلفها. ربتت لمار على ظهر أسماء وهي تقرأ قرآن، بينما أمسكت ديجا يدها بحنان وبكت لبكاءها.
خرجا الجميع بحزن وبكاء. همست عائشة لمكة:
"هي مالها طيب أول مرة أشوفها بالحالة دي."
أجهشت حبيبة بالبكاء وهي تجلس على الدرج، لتربت هالة على منكبها بمواساة.
دلف ياسين من الخارج مع عثمان، بدا عليهما التعب والأرهاق جلياً.
همس عثمان بتذكر وهو ينفجر ضاحكاً:
"أنا فجأة لقيت الواد طالع يجري من عندك قولت أباااا أنت أكيد موته."
ضحك ياسين وهو يقول بتذكر:
"أديته علقة موت وطلع يجري كأنه شاف عفريت."
صمتا الاثنان بصدمة وهما يريا الجميع يبكون، فتجلى بأعينهما القلق وهتف ياسين متسائلاً باهتمام:
"في إيه في حاجة حصلت."
تنقلا النظر فيما بينهما، وها أخيراً تقص لهما هالة كل شيء.
ليصعدا الدرج ركضاً يأخذا الدرجة درجتين بلهفة. طرقا الباب وولجوا بقلق، وجودها قد غفت ولمار بجانبها هي وديجا.
همس ياسين وهو يقترب ليقبلها من رأسها:
"في إيه يا خالتوا مالها أسماء؟"
هتفت لمار بهدوء باسمه:
"مفيش حاجة خير إن شاء الله. روحوا ناموا هي بس كانت في عمليات انهارده والمريض مات يلا روحوا ناموا."
أومآ إيجاباً وخرجا من الغرفة. أغلق ياسين الباب خلفه وهمس بغموض:
"حاسس أن عمته بتكدب. مش هو دا اللي حصل أكيد في حاجة."
وضع عثمان يديه بجذعه وهو يقول بتأييد:
"معاك بردوا أكيد في حاجة. بس دلوقتي تعال نشوف حذيفة فين خلينا معاه الفترة دي."
أومآ ياسين برأسه وأتجه للفتيات ليسألوا عنه، فهمست مكة وهي تنظر لياسين:
"أنا شفته نازل الجنينة."
همست عائشة تشاكس عثمان بمرح وهي تقف بجانبه:
"أنت يا بني مينفعش كدا."
قطب حاجبيه قائلاً بهدوء:
"مينفعش إيه؟"
ابتسمت بخفة قائلة:
"يبقي القمر ده كله قدامي يعني أعمل إيه، لا وكمان كل يوم بيحلو."
وأردفت قائلة:
"يا عم جننتوا البنات صحباتي."
ثم همست وهي تغمز له:
"ما تتجوزني يا قمر أنت وتكسب فيا ثواب."
اشتعلت الغيرة بـ مكة وكادت أن تحرق عائشة وشعرت بالضيق يقيدها.
جذبها ياسين من مؤخرة رأسها قائلاً بصوت رجولي حاد نمى عن غضبه:
"بتقولي إيه سمعيني؟"
أدارت ريقها الجاف وهي تقول بخوف:
"يا بنات هو أنا ليه حاسة بإن في جاموسة رافعني من وراء."
فقد كان ياسين رافعها بيد واحدة. انفجرا الفتيات ضحكاً مكتوماً وهم يترحموا عليها، حتى تصنعت البكاء وهي تشهق قائلة:
"يا ربي أمنا الغولة هتأكلني."
ثم تابعت بغناء:
"حاسة إني طايرة في الهواء، يا رحيم يا رحيم وهتعلق من كفيا أسترها يارب معايا أو ممكن ينفخ فيا أطير والقي نفسي عند ام اربعين."
كاد عثمان أن يسقط أرضاً من فرط الضحك والفتيات، بينما تهجم وجه ياسين وهو يقول بحده ويهزها وهو ما زال ممسك بها من مؤخرة رأسها:
"بتقولي إيه يابت أنتِ؟"
ضحكت ببطء وخوف وهي تهمس بدهشة:
"يا لهوووي دا نزلي يبقي هيعمل مني ملوخية ويديها للوحوش اللي معاه في السجن."
جذبها من يدها لتنظر له وهمس بصوتاً أجش:
"أنتِ اتجننتي إيه عقلك طار."
رفعت كتفيها بإستهانة قائلة:
"أنا أعرف بقا راح فين..." صمتت ملياً بتفكير وقالت وهي تقفز بفرحة كمن وصل لكنز خفي:
"عرفت أقولك طار فين."
همس ياسين بزهول وعدم فهم:
"هو مين؟"
أنحنت لأذنه هامسة:
"عقلي."
همست بها فركضت مسرعة من أمامه وصاحت:
"راح عند امك يا اخويا يعني هيكون راح فين."
حدق ياسين عينه بصدمة. فتفتحت باب غرفتها تطل برأسها منه وأخرجت لسانها هامسة:
"هربت منك ومعرفتش تلحقني."
كاد أن يذهب إليها ولكنها أغلقت الباب بسرعة. انفجرا من رأى كل ذلك ضحكاً، بينما همست مكة بغيظ:
"يضحك مع الكل ويشوفني أنا يركبه مية عفريت، يكونش أنا بحضر عفريت وأنا مش دريانة ولا إيه؟ عامل زي الهضبه كدا واللي يشوفوه يخاف وعليه صوت أعوذ بالله منه."
"سامعك على فكرة." همس بها عثمان واختفى، مع ياسين. لتحدق هي عيناها بصدمة.
بحثا بعيناهما عن حذيفة إلا أن رآه تراه يموت قلقاً الآن. جلسا جواره بصمت لثوانٍ وهمس ياسين مربتاً على منكبه:
"أنت كويس يا حذيفة؟"
هز حذيفة رأسه وهو يضع يديه خلف رأسه ويرجع برأسه للخلف:
"لا أنا مش كويس مش كويس نهائي ولا هبقى كويس طالما أنا شايفها كدا بتوجع قلبي بحس بنار قايدة مش عايزة تهدأ ومش عارف ازاي أطفيها ولا أنقذ نفسي وأخرج."
تنهد عثمان بوجع وهو يرفع يده خلف ظهره ويقربه منه:
"هتبقي كويسة وهتتقوي بيك طالما أنت جنبها هتعدي وكله هيعدي طالما أيديكم في أيدين بعض مستحيل أي عاصفة مهما تكون أن تبعدكم."
ابتسم ياسين بخفة هامساً:
"أنت يا عم عملت في البت إيه؟ وبجدية تابع، احكيلي كل اللي حصل."
انعدل ياسين شارعاً بروي لهم ما حصل كله.
***
بمنزل رحيم دب البيت بالقلق والخوف. زرعت الحجة صفية الدار ذهاباً وإياباً وهي تقلب كفيها ذات اليمين وذات الشمال وهمست:
"لا إله إلا الله يعني هتكون راحت وين البت عاد، يا وجع جلبي عليكِ يا وعد يا بتي."
بكت غادة كما لم تبكِ من قبل وقالت:
"مخبراش مخبراش يا أمي مين ليه يد يخطفها، كانت واقفه أهنا فجأة تختفي أكيد يا حبيبتي يا وعد عودي."
ولج رحيم من الخارج ملقياً السلام، فهبت غادة واقفة بأمل، لتتسائل والدته بقلق:
"طمني يا ولدي عرفت وينها."
هز رحيم رأسه بيأس، وبصمت تام صعد لغرفته. جلس على حافة الفراش واضعاً رأسه بكلتا يديه، وطيفها بمخيلته. ولاحت لها كل لحظة جمعتهما سوياً، أول لقاء ومن ثم كل لقاء، كأنها تربعت بقلبه لتصبح مالكته الوحيدة، كأن قلبه هذا ليس له بلا لها. أيا قلب ما بگ ذهبت لغريبة دون استئذان.
أنشغل ذهنه فأين يمكن أن يجدها، ومن له يد بأذيتها، لكنه لم يتوصل لحل. سأل رقية وأخبرته أنها لا تدري وتركها قلقة هي الأخرى. كأن الدنيا تضيق بما رحبت، كأن قلبه يضيق يضيق من كثرة الهموم وكأنها هموم العالم بأكمله. تنهد بقلق وهو يهتف داعياً:
"احفظها يا رب أنت اللي عالم هي فين وبيعملوا فيها إيه فـ أحفظها وابعتلها ولاد الحلال وفتح لي بصري عشان أرجعها وأنقذها قبل ما يحصلها حاجة يا رب."
أغمض عينه لدقائق يحاول أن يصل لحلاً. وقف زارعاً الغرفة ذهاباً وإياباً بقلق. ضاقت به الغرفة والحياة بقدر اتساعها فخرج صافقاً الباب خلفه.
توجه لـ غرفة والده، طرق طرقات خفيفة على الباب ليأتيه صوت والده يأذن له، ففتح الباب وطل منه وهمس بابتسامة:
"صاحي يا حج!"
أشار له والده بيده:
"تعال يا ولدي هم جنبي."
قالها وهو يشير له بيده على طرف الفراش بجانبه. تقدم رحيم ولثم كفت يده بعمق وحب وجلس بجانبه. ربت والده على فخذه قائلاً:
"شايل الدنيا فوق رأسك ليه يا ولدي؟ ضايع ومش لاقي روحك كأنها فارقتك من سنين! عايش وأتاريك مش عايش! الدنيا ضاقت بيك ومفيهاش ولا حد كأنك في أرض صحراء، جافة لا فيها حياة ولا أي شيئ مالك يا ولد صفوان جولي."
تنهد رحيم مبتسماً وقال:
"ولا حاجة يا بوي مفيش أنا زين."
"مش زين يا ولد صفوان جلبك مغادرك بلي رجعه ومبجاش ليك خلاص وجعت 'وقعت' روحك بين نارين ومنك مش داري بروحك تعمل إيه." ثم استطرد قائلاً بإستماتة:
"أنت حبيتها مش كِده."
نظر له رحيم بصدمة وتلعثم قائلاً وهو يتحاشى النظر له:
"حبيت مين بس يا بوي كنك كبرت وخرفت."
ضرب والده بيده على ظهره قائلاً:
"مخرفتتش يا ولدي، السنين اللي عشقتها دي اتعلمت فيها حاجات كتير أنت عاشجان يا ولد صفوان عاشجان."
ابتسم والده بسخرية هاتفاً:
"كنه الزمن ناوي يلعب بيك يا ولدي، متنساش أنك خاطب بت عمك، فكر يا ولدي وحكم قلبك، أنت داخل على أيام صعبة جوي مليانة عذاب وشوق وروحك اللي مفرقاك دي شوفلك حل فيها، الدنيا لازمك توجعنا يبجي قلبك رايد حد والدنيا تحكم عليك بحد ربك يسهلها يا ولدي اتوكل عليه وهتفرج هتفرج وروحك هترجعلك مفيش غيرك سكنها وأمانها يعني هتروح وين فـ طمن قلبك."
سعل بشدة، لينهض رحيم بقلق ليسند ظهره للمسند قائلاً:
"أنت بخير يا بوي."
ربت على منكبه قائلاً:
"بخير يا ولدي بس هملني أريح شوي."
أومآ رحيم برأسه، وهم بفتح الباب ليقف على مناداة والده له:
"رحيم"
أستدار رحيم ببسمة ليواري بها قلقه وارتباكه الذي لم يعهده قبلاً وقال بهدوء يعكس تلك العاصفة بداخله:
"تؤمرني بـ حاجة يا بوي."
هتف والده من بين سعاله:
"هتلاقيها وهترجعها يا ولدي هترجع مسكنها، رحيم اللي بيعمل أي شئ عشان السلام يعم هيقدر يرجع روحه فكر يا ولدي فكر بس يلا هملني وخد الباب في يدك."
ابتسم رحيم متنهداً وخرج مغلقاً الباب وراءه، ها قد دلف تلك الغرفة بهموم لا حصى لها والآن خرج منها مرتاح الباب مطمئناً راضياً بأمل ملأ جوانبه وكيانه ومهجته، لا سيما أن والده الوحيد الذي يفهمه فـ يدري كيف يداوي قلبه الجريح وأن أبتسم وبدا بأحسن حال.
***
بغرفة على الجبل يسودها الظلام الحالك كأنها ليلة شديدة الظلام تواري بها القمر خلف الغيوم. كانت وعد مقيدة اليدين والساقين، وهناك ربطة على عينيها وفمها. بغضب هادر أخذت تهمهم بصوتاً مكتوم. صوت فتح الباب جعلها تصمت كلياً، تسترق السمع جيداً. تحركت بعنف دليل على غضبها المشتعل بداخلها.
شعرت بيدين تفك عينيها فما أن شال المجهول الربطة حتى أغمضت عينيها من شدة الضوء الذي اخترقهما. وفك ربطة فمها وبصوتاً أجش قال:
"بجى أنتِ اللي خايفين منك وعاملين لك ألف حساب 'ترقع بأصابعه بوجهها قائلاً بفخر' أها إني دجايق جبتك تحت رجلي يا بت أدهم اسماعيل والشرقاوي بيقولوا أمك محدش يجدر عليها والكل يترعب منها بس يا ترى هتجدر تنقذك من يدي."
فتحت عينيها ما أن أعتادت على الضوء ورمقته بنظرة مشتعلة بلون أحمر قاتم وزفرت بصوتاً مسموع قائلة:
"قالوا لك عني أه بس اللي نسوا يقولوه أني بنت لمار نمر الداخليه واللي الكل أول ما بيشوفها يكش وبنت أدهم اللي الكل بيعمله ألف حساب وإذ دي ماما ودا بابا فـ ما بالك ببنتهم، أظن نسوا يقولوا لك يا قاسم أني مبرحمش أي حد بياذي أي بريء."
تعالت قهقهاته الساخرة بصوتاً عال وقال وهو يصفق بيديه:
"بس أنا أهو قدرت أجيبك بدجايق جولك إيه بجى."
ارتفعت ضحكاته باستهزاء وهتفت بإستماتة:
"لو مكنتش عايزة أجي وأوصلك مكنتش قدرت تطولني ولا تلمح طيفي."
أهتز قلبه بخوف من نظراتها الشرسة تلك وقولها وهتف بجمود بنبرة متحشرجة:
"هتفضلي هنا هدوجك العذاب ألوان من غير أكل أو شرب لحد ما تموتي وهتفرج عليكِ وكمان صفجاتنا هعملها جدام عينيك."
وخرج صافقاً الباب خلفه. ظلت وعد تتنفس مراراً وتكراراً تحاول بشتى الطرق أن تخرج تلك النار التي بقلبها والغضب الذي يشتعل.
***
دلف يوسف لغرفته بإرهاق جلي على وجهه من كثرة ما بذل من مجهود طوال اليوم. أغلق الباب وهالة حالة حبيبة المنكبة على الفراش تبكي بوجع. خلع جاكته وهو يلقي به جانباً وأسرع بعجل ليجلس بجانبها وقال وهو يضع كفه على منكبها بقلق:
"حبيبتي مالك في إيه؟ حد من العيال جراله حاجة؟"
رفع ذقنها إليه وأشار بعينه هامساً:
"مالك إيه كل العياط دا كله؟"
شهقت قائلة من بين دموعها بصوتاً مختنق:
"أسماء"
اتسعت عينيه وتجلى بهما القلق وهتف تلقائياً:
"مالها هي كويسة حصلها حاجة؟"
هزت رأسها وبدموع قالت:
"معرفش مالها كانت غريبة وبتعيط وتصرخ بس لمار دلوقتي معاها."
أطمأن يوسف وضم رأسها لصدره وهمس:
"يا حبيبتي مفيش حاجة طول ما لمار معاها هي في أمان لمار هتخاف عليها يمكن أكتر مننا فـ أطمني."
طوقته وشدته من ضمتها له بعشق، وأبتعدت عنه متذكرة:
"حبيبي قوم غير هدومك دي."
ضم وجهها بين يديه بحنان ولثم جبينها بقبلة عميقة وما أن هم بتقبيل وجنتها حتى انتفضت بزعر واقفة وهي تصيح:
"إلا صح يا يوسف يا حبيبي يا موز أنت."
حدد عينيه قائلاً بزهول:
"موز؟!"
تقدمت لتمسكه من قميصه ليقف وصاحت:
"بقى بتخوني مع الممرضات في المستشفى وتيجي هنا تعمل نفسك بتحبني."
أغمض جفنيه عدة مرات وهتف بصدمة:
"بخونك؟ مع الممرضات كمان؟!"
دفعته بحدة من صدره فـ لم يتزحزح فـ ظلت تدفعه من صدره وهي تصيح:
"بتخوني يا يوسف بعد السنين دي كلها؟ يا خاين يا غشاش!"
أمسك يدها وهو يقول بحزم:
"أنتِ اتجننتي ولا إيه؟ أخونك إيه بس هو أنا قادر آخد نفسي من المستشفى عشان أخونك بطلي هبل بقا وارحمني مش كل يوم نكد دي مبقتش عيشة."
ترقرق الدمع بعينيها. ليضيق صدره بغضب من ذاته، أغمض عينه ليهدأ من روعه وهمس وهو يضع يديه بجانبيه:
"يا حبيبتي أخونك إيه بس؟ هو أنا عيني شايفة غيرك؟"
عقد ذراعيها وهي توليه ظهرها. ابتسم بمكر وهو يقترب ليضمها بذراعيه ظهرها لـ صدره وهمس بأذنها:
"متزعليش يا حبيبي."
ظلت كما حالها جامدة الملامح إلا أن همس ليغيظها:
"في بنوتة جميلة كدا مجنناني في المستشفى حواليا طول الوقت، وبصراحة كده البت قمر يعني فـ إيه رأيك أتجوزها؟"
اتسعت عيناها وتجلى بهما الصدمة واستدارت لوجهه قائلة بجنون:
"بنوته؟ مين دي وتتجوزها دا أنت يومك مش معدي انهارده نهارك أزرق."
دندن وهو يرمقها ببرود تام ويخلع ساعته يضع على الكومود ويتجه للخزانة مخرجاً ما يريدته، تركها تثرثر كما تشاء دون أي اهتمام يذكر، وتوجه للمرحاض لتقف أمامه قائلة بغضب وهي تمسكه بقوة من ذراعيه:
"يوسف بطل برودك ده عشان مستفز ومين دي ان شاء الله."
رفع يديه ليزيح يديها ويتجه للمرحاض ببرود تام ويتركها مزهولة. جلست على حرف الفراش تهز قدميها بغيظ. خرج يوسف وجذعه عاري، فوقفت بعصبية مقتربة منه وقالت بصياح:
"بقا كدا يا يوسف...."
همس مقاطعاً لها بابتسامة ساحرة:
"قلب يوسف."
قالها وهو يقترب منها بمشاكسة، وهي تتراجع للخلف حتى اصطدم ظهرها بالحائط، أذردت ريقها بتوتر حينما حاصرها بين ذراعيه، لتقول بتلعثم:
"يوسف يا حبيبي مالك؟"
أشار لها قائلاً:
"أنا اتكلمت؟"
همست بغيظ طفولي:
"لا بس خونتني يا خاين."
بهدوء همس:
"طب خونتك امتى بس وأنتِ معايا في المستشفى ومعايا في البيت يعني حتى لو عايز أخون وأشوفلي واحدة كدا أو كدا مش هعرف."
دفعته بصدره قائلة بعصبية:
"يعني عايز تخوني؟ روح روح يلا روح مش هقولك لا، روح يلا أهو الباب مفتوح وشوف بنات كتير يلا."
ضحك ساخراً وهو يقول:
"يعني أروح؟"
أشاحت وجهها بعيداً عنه:
"هو أنا ماسكاك يعني."
أدار ذقنها له وتتمعن النظر بعينيها وهمس:
"يعني حتى بعد السنين دي كلها وعيالك اللي خلاص هيتجوزوه لسه طفلة، دا أنا مش بحس أنهم عيالي قدك، بحسك بنتي الصغيرة اللي مقدرش تعدي عليا ثانية من غيرها ومن غير شقاوتها أما عيالك دول عادي يغيبوه، فـ قوليلي دلوقتي عيني هتشوف غيرك إزاي؟ وأنتِ لوحدك ساكنة فيهم."
أبتهجت نفسها وتمايلت فرحاً وفركت أصابعها بتوتر وقالت:
"بجد."
طوقها بذراعيه غامزاً لها:
"ما تيجي نجيب أخ للعيال."
رفعت ذراعيها تحاوط عنقه وهمست:
"لا يا حبيبي مينفعش عيالك بقوا قدك خلاص."
أشار لها بدهشة لتؤمأ برأسها له قائلة:
"تعرف بغير عليك ليه؟"
أشار لها متنبهاً بكل حواسه لتتابع وهي تقبله من خديه:
"علشان أنا حبيبي وجوزي وابو عيالي موز أوي."
حدد بصدمة وهو يقول:
"مز بردوا يا بنتي جايبة الكلمة دي منين؟"
زمت شفتيها هامسة:
"قال وحشة يعني يا بني والله أنت مز بخاف وحدة تخطفك مني."
ابتعدت عنه مازحة وهي تقول:
"يا مز يا قمر أنت..."
***
أبتعدت خديجة تحادث والدتها قائلة:
"عاملة إيه يا ماما أنتِ كويسة؟"
قالت ورد مطمئنة:
"أنا بخير يا روحي أنتِ طمنيني عنك عاملة إيه؟"
هزت خديجة رأسها وهي تقول:
"أنا بخير الحمد لله..."
قالت جملتها وهي تجلس على الفراش حيث يتمدد عمرو بجانبها، منكباً على حاسوبه على قدميه منشغلاً بعمله. تابعت ورد قائلة:
"كل اللي عندك عاملين إيه، وأستردت قولها قائلة: متتعبيش خالتوا لمار يا ديجا ماشي."
همست ديجا بطاعة:
"الحمد لله. حاضر يا ماما."
وبتذكر قالت:
"ماما أنتِ هتنامي دلوقتي؟"
أجابتها ورد بنفي:
"لا يا قلبي قوليلي عايزة تقولي حاجة."
"آه عايزة..." همست بها ورد وهي تهلل بفرحة. انشرح صدرها وهي تهمس بشغف:
"ماما ممكن توصفلي النبي صلى الله عليه وسلم زي ما قالت أم معبد؟"
أغمضت ورد عينيها بسكينة واستمتاع وحب وقالت:
"عيوني..." وتابعت هاتفة بفرحة تهز قلبها "قالت أم معبد تصف النبي عليه الصلاة والسلام فـ قالت رجل ظاهر الوضاءة أبلج الوجه حسن الخلق لم تعبه ثجلة، ولم تزر به صعلة، وسيم قسيم في عينيه دعج، وفي أشفاره وطف وفي صوته صحل، وفي عنقه سطع وفي لحيته كثاثة، أزج أقرن، إن صمت فعليه، وإن تكلم سما وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاه من بعيد، وأحسنه وأحلاه من قريب حلوا المنطق فصل لا نزر ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن ربعه لا يائس من طول ولا تقتحمه عين من صقر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظراً، وأحسنهم قدراً، له رفقاء يحفون به، إن قال أنصتوا لقوله وإن أمر تبادروا إلى أمره محفود محشود لا عابس ولا منفذ."
صمتت خديجة بعد ذلك وهتفت:
"بس كدا دا حديث أم معبد."
أشرق وجهه ديجا وقالت باسمه:
"اشرحهولي يا ماما.."
انتبه عمرو بكل حواسه وجوارحه ليسترق السمع مع خديجة بينما اردفت ورد قائلة براحة:
"مر الرسول صلى الله عليه وسلم وجماعة من أصحابه بخيمتها يطلبون الماء وبعدما غادروا وصفته لجوزها وتعني بكلماتها أنه صلي الله عليه وسلم كان جميل حسن المنظر سواء عن قرب أو بعد. أبيض الوجه وضئ، ليس له بطن، ولا صلع بل شعره من مقدمة رأسه، الجمال في وجهه في كل عضو، شديد سواد العين وواسع العينين، طويل شعر الجفن، في صوته بحة وخشونة، طويل العنق، شديد بياض العينين وسوادهما، أسود الجفون اكحلهم، طويل الحاجبين، متوسط حجم الجسم، معظماً مكرماً من أصحابه يلتفون حوله، غير عابس الوجه.."
صمتت خديجة هامسة بفرحة:
"بكره تحكيلي تاني؟"
ابتسمت ورد مؤكدة:
"بكره وكل يوم واللي أنتِ تؤمري بيه ياروح الروح يلا هقفل ماشي خلي بالك من نفسك."
أومأت خديجة بابتسامة:
"حاضر..."
همت ورد أن تغلق الهاتف، ولكن خفق قلبها بجنون، وحلقت روحها بغير تصديق كأنها لا تصدق أنها تحلق الآن، فما أن تناهى صوت عمرو لآذنيها حتى شعرت أن لسانها قد انعقد واتسعت الحياة ببهجة واتسع فؤادها وأضاء.
"عاملة إيه انتِ تمام"
أذردت ريقها بتوتر كأنها لأول مرة تحادثه وهتفت بهدوء على قدر استطاعتها:
"الحمد لله بخير أنت عامل إيه."
أستند برأسه للخلف ويده الأخرى خلفها وبابتسامة قال:
"أنا بخير طول ما أنتِ بخير... وبسؤال همس: نفسيتك بقيت تمام؟ أقولك طمنيني عن نفسك ويومك وكل حاجة وبتأكلي كويس ولا لا."
صمتت ورد تحاول تجميع الكلمات وبتلعثم وتوتر همست بصوتا رقيق:
"الحمد لله أحسن بـ كتير، عادي مش بعمل يعني من المحكمة للمكتب للبيت بس وانت بتعمل إيه؟"
أخذهم الحديث طويلاً فـ لم يدروا بالوقت وظلوا يتحدثون بفرحة ها هي تتسلل خفية لأفئدتهم.
***
دَلفت لمار لـ غرفتها بتعب وإرهاق شديد أقبل عليها أدهم واقفاً أمامها قائلاً:
"عايزك في موضوع كدا."
بتعب همست لمار:
"أدهم خليه لـ بكرة أنا النهارده والله تعبانة وعايزة أنام ساعة."
بصوتاً عال وعصبية هتف أدهم بجنون:
"أيووه عندي وأنا عايزة تنامي دي مبقتش عيشة دي هو أنا اتجوزتك عشان ليل نهار في الشغل ولما أكون عايز أقعد معاكِ تقولي أنام."
بهدوء هتفت لمار تحاول تهدئته:
"حبيبي أهدا اتكلم أنا سمعاك أهووو أقول."
ابتسم بسخرية قائلاً:
"لا يا شيخة متشكرين عن خدماتك اتفضلي روحي نامي."
أمسكت لمار وجهه بين كفيه رغماً عنه وقالت بهدوء:
"أدهم إيه معصبك كدا؟ ما أنت عارف شغلنا إزاي ما أنت كمان بتبقى مشغول زيي فـ في إيه مالك إيه معصبك؟ أكيد في حاجة قولي يا حبيبي مالك؟"
ضمه أدهم بقوة كأنه طفلاً صغير وهي والدته وهمس بصوتاً مختنق:
"معرفش مالي حاسس كأن في فـ قلبي نار قلقان وخايف حاسس أني في حاجة وحشة هتحصل لـ وعد."
صمتت لمار ممسدة على ظهره بحنان تحاول مدارات قلقها هي الأخرى وهمست بحنان:
"حبيبي والله هتكون كويسة متقلقش، متنساش هي بنت مين؟ دي بنت أدهم ولمار يعني محدش يقدر عليها. فـ اطمن ربنا هيحفظها لينا ومش هيأذينا فيها أبداً لا هي ولا عائشة إن شاء الله."
أبتعد أدهم ناظراً لـ عينيها وهمس بأسف وندم:
"أنا لمار متزعليش مش عارف كلمتك كدا ا...."
قاطعته لمار واضعة أصابعها على فمه تمنعه من الحديث وهمست:
"لا يا حبيبي أنا مراتك من غيري هيستحملك وقت عصبيتك غيري يعني؟"
تركته وتوجهت للمرآة تخلع ساعة يدها، بينما همس هو وهو يضع يديه بجانبيه:
"شكلي كدا آخر ما أزهق هروح أشوف وحدة تانية وبدل!"
توقفت لمار عما كانت تفعله، ورمقته بنظرة قاتلة من المرآة ليذرد ريقه بخوف وهو ينظر للحائط يحادثه قائلاً:
"بس يا عم تخون مين أنت اتجننت؟ بقا في حد يسيب القمر ده."
تعالت ضحكات لمار هاتفة:
"يكملك بعلقك يا حبيبي يا رب، عالم مبتجيش غير بـ العين الحمراء."
بعصبية مصطنعة صاح أدهم:
"لا بقا بقولك إيه مش أنا الـ....."
"الـ. إيه؟" همست بها لمار بغضب. فـ ابتسم هو قائلاً:
"هو يا بت أنتِ حد كلمك؟ أنا بكلم حبيبتي مالك أنتِ؟"
ببرود توجهت لمار لتبديل ملابسها ليغمغم هو قائلاً:
"يا كسوفك يا أدهم. أدتك استمارة ستة."
***
تململت أسماء على الفراش، فخيل لها أنها كانت بكابوس بشع لـ علها تنسى جل ما مرت به، ولكن كيف تنسى ومنظر الطفل يصول ويجول بمخيلتها لا يفارقها. جالت عيناها الغرفة وأنسابت دموعها بوجع يعصر فؤادها. نهضت متسانده على نفسها لتتوضأ. توضأت وصلت وبكت على مصلاها كما لم تبكِ قبلاً.
أضنى الوجع بفؤادها، وأخذت تبث شكواها لـ رب العالمين فـ هو المطلع على القلوب لعل الضحى يشرق فؤادها وينيره لعل! ... ظلت كاسفة البال، منعزلة متفردة بذاتها متراقبة بخوف شديد تفكر.
طرقات خفيفة متتالية جعلتها تنتفض رافعة بصرها إليه بترقب كأن من سيدخل من ذاك الباب أحد الرجال الذين كانوا هناك لـ يقتلها. أنفتح الباب وطلت منه خديجة هامسة بمرح:
"القمر صاحي ولا لا؟"
خطت للداخل لتظهر من خلفها عائشة هامسة ويديها خلف ظهرها تتمايل شمال ويمين:
"يا قمر يا كلك سحر 'وبصوت جادي أجش قالت' ندخل ولا لا؟"
ضحكت أسماء ضحكة صافية من منبع الفؤاد ونهضت وهي تتطوى السجادة. ووقفت على صوت مكة، بعدما ظهرت من خلف عائشة.
"يا حرام شو عملتي فينا" ودلفت خطوة.
لتظهر سمر مترقعة بأصابعه متمايلة بخفة هامسة:
"متل الورق طيرتينا."
طل حذيفة بمظهر ساحر وهو ممسك بوردة بيده ودندن قائلاً بصدق من صميم قلبه:
"بدي الدنى عيشها معك يوجعني اللي بيوجعك.."
اصطف الفتيات بجانب بعضهن، وتقدم هو ووقف عن كثب منها مقدماً لها الوردة ببسمة أذابت فؤادها وهمس:
"عندك خبر شو حلوة أنتِ يا روحي أنتِ..."
أبتهجت نفسها ورقص قلبها فرحاً فـ هي سعادتها أمامها، لعلها تدوم يا ليت تدوم. هل ستدوم أم أنها لدقائق قليلة. خرجا الفتيات بينما تسللت خديجة عن كثب منهم.
همست أسماء لأغاظته وهي تعقد ذراعيها:
"قايل بقا كدا لـ كام وحدة غيري؟"
حدد بزهول وقال فوراً غيرتها المحببة لقلبه:
"كتيررررر كتير جداً متعديش يعني!"
تهجم ملامحها وهي تتخصر صائحة:
"يا سلام؟ طب يلا روح لهم بقا، وقول لهم كلام حلو وتجوزهم كمان."
عقد حاجبيه متسائلاً:
"أتجوزهم كلهم؟ بجد ينفع يعني الكل وأنتِ كمان من ضمنهم هاا قولتي إيه؟"
غمغمت بغيظ وأشارت له على الباب:
"حذيفة أطلع بره حالا."
قهقه عالياً وقال وهو يغمز لها ويشير لـ قلبه:
"والله بهزر مفيش غيرك هنا أصلاً ومن يوم ما فتحتي بصري وهديتي قلبي للنور قطعت كل علاقتي وعايز أبدا معاكِ من جديد، أفضلِ معايا لحد ما أتغير أكتر وأبقى أحسن خدي بأيدي للطريق المستقيم هااا قولتي إيه 'نظرة له بحيرة وتردد' ليكمل بنظرات صادقة: عايزك تثقي فيا بس وتصدقيني وتتأكدي إني مش هكدب عليكِ تاني أبداً، ولما كنت عازمك والبنت اللي سلمت عليا دي 'نظرة له بسخط ليكمل هو مازحاً' إيه إيه متتعصبيش متغضبيش اسمعيني، أنا قطعت علاقتي بيها بس هي اللي كانت بترن وبتلحقني بس كدا."
أرضاها قوله فابتسمت بسمة مشرقة صافية من الفؤاد. فأبتسم هو الآخر لعيناها التي ضحكت ووجهها الذي تورّد بإشراق كأنه إشراقة شمس. غمزة خديجة لـ أسماء وأشارت لـ حذيفة قائلة:
"لا يا أسما مش تصدقيه أنا سمعته وهو بيكلم حد وبيقول يا حبيبتي يا حياتي يا روحي وهنتقابل."
ضيقة أسماء وجهها بينما حلت الصدمة ملامحه. وقالت أسماء غاضبة:
"بقا كدا بتكدب عليا يعني مش هتجوزك روح شوف وحدة تتجوزك غيري."
نظر حذيفة لـ خديجة بغضباً مصطنع وقال:
"بقا كدا يا فصعونة أنتِ؟"
زمت خديجة شفتيها وهي تقول:
"أسماء بصي بيقول عني إيه."
نظر حذيفة لـ خديجة بغضباً وركض خلفها وركضت هي أمامه صائحة بإسم لمار. انفجرت أسماء ضحكاً ولكنها لم تدم إذ أن صدح رنين هاتفها. لتتجه إليه ببسمة ما زالت تزين ثغرها كان رقماً غير مسجل ولكنها أجابت باسترخاء:
"السلام عليكم مين؟"
جاءها صوتاً رجولي أجش:
"أهلاً بدكتورتنا القمر، ليه منورتيش المستشفى انهارده ولا حبيب القلب نساكِ موعدك. كويس أنه طلع عشان نتكلم برواق."
أرتجف جسدها وبرعشة تفحصت عيناها الغرفة وارتعدت ثنايا فؤادها. ليتابع قوله بسخط:
"فوقي لنفسك وأعرفي أنتِ وقعتي مع مين، واعرفي أن في ثانية ممكن تخسري كل عيلتك، أخوكِ ياسين وخالتك وجوز خالتك امم قولهم هيموتوا قنبلة صغيرة كدا وتقضي على الكل ومحدش يعرف مين السبب 'وبصوتا مرتفع أكمل' الفيديو اللي معاكِ لو حد عرف بيه أو شافه يبقي ودعي الكل عندك حلين ملهمش تالت، يا أما تكوني شريكة معانا والفيديو تجيبيه لينا يا أما تودعي عيلتك كلها 'بصوتاً منخفض نسبياً تابع' - خدي إجازة لحد ما تهدي وتفكري براحتك وهنستناكِ مكانك موجود معانا بس اياكِ يا حلوة الفيديو يشوفه حد متنسيش كلامي حطيه حلقة في ودنك باي يا سكر..."
هوت هوياً دموعها كشلالاً ووقع الهاتف من يدها ارتعد جسدها وجثت على الأرض بإنهيار.
***
بمنزل رحيم كان قد جن جنونه من كثرة البحث دون جدوي. ترك عمله وكل شئ ولا هم له سواها. كان القلق يحطمه كلياً أصبح عصبياً يخشى أن يصيبها شئ نارا تكوي فؤادها لا يمكنه الانتظار فقد أرهقه للغاية. يريد أن يطمئن قلبه، لا يدري أين يلقاها، أشتاق لها حد الهوس. وكاد أن يموت من كثرة اشتياقه. تتهيئ عينيه على رؤياها في كل لحظة ولكنها لا تأتي يظل نظره ثابتاً على الباب يريدها أن تطل عليه.
أستمع لصوت جلبه بالخارج، وصوت غفيره يصرخ بأحدهم وهو يركض خلفه:
"ميصحش كِده يا بيه اصبر يا بيه."
هم بإمساكه إلا أن دفعه بقسوة كادت بأسقاطه أرضاً، ليصيح رحيم بسخط:
"أنت اتجننت ولا إيه كيف تمد يدك على واحد من رجالتى وكمان في بيتي شكلك أتهبلت عاد؟"
أقترب مراد بغضب ووقف أمامه صائحاً وهو ينظر لـ عينه:
"فين وعد عملت فيها إيه؟"
ضيق رحيم عينيه وهتف بزهول:
"وعد وأنت تجرب لها ولا مين أنت عاد؟"
ابتسم مراد بسخرية قائلاً وهو يدفعه من كتفه:
"لا يا خفيف أنت تجاوب وبس وملكش دعوة أقرب لها إيه ودلوقتي فين...."
أبتلع باقي جملته عندما جز رحيم على أسنانه وأمسك معصم يده يكاد يكسره وهو يهدر به:
"والله لولا أنك ضيف حدنا لكنت وريتك جيمتك وازاي تمد يدك عليا وعلي جابر ولكن لـ حسن حظك مهجردرش أعملك أيتها حاجة الضيف ليه كرمه وأمشي دلوج من جدامي عشان مأجبش أجلك."
نظر له مراد صائحاً بتهديد:
"هتندم على كلامك ده، ولو وعد رجعتش أعتبر نفسك ميت سلام بس رجع لك."
***
عند وعد كانت حبيسة تلك الغرفة المظلمة تمكث مكانها لا تتحرك بقيد أنملة وبهزأ من الليل شعرت بقدوم أحد فتأهبت منتبه بكل حواسها للقادم، فولج شاباً يسير خلفه شابين كـ حرساً له. تقدم وجلس عن كُثب منها ولمس ذقنها محركه يميناً ويساراً يتمعن النظر بوجهها الذي يرمقه بسخط وأستماتة وقال بنظرات دنيئة:
"سمعت عنك كتير جوي بس مكنتش متخيلك بالجمال ده كله."
نظر من أعلاها لأخمص قدمها بنظرات دنيئة بشعة وقال وهو يبتلع ريقه:
"هقضي مع البنت اللي جوه شوية وقت أجيلك يا جميل أنت."
بصقت وعد بوجهه صائحة بصوتاً كهزيم الرعد:
"بتحلم فوق لنفسك مش أنا لكلب زيك يقرب مني، أنا أكسر لك إيدك وأنهيك من على وش الأرض أنت والكلاب اللي معاك."
ابتسم بهدوء قائلاً وهو يمسح وجهه بكفه:
"يعجبني السرش أنا، نظر للرجال قائلاً: يلا روحوا أنتوا للبنات اللي في الأوضة التانية وقضوا الليل عشان طويل، واستدار برأسه لـ وعد هامساً: وأنت يا جميل جيلك؟"
"متتعبش نفسك أنا اللي هجيلك." همست بها وعد بغموض. ليقول وهو يغلق الباب خلفه:
"يعجبني المطيع أنا..."
أخذ صدرها بالدق بغضباً، وظلت تلهث كمن كان يركض لأميال. حاولت فك قيدها، تفحصت الغرفة بعينيها فـ لم تجد أي شيئاً قد يساعدها بالأستخلاص منه، ظلت تحرك ذراعيها فـ بمهارة وثوانٍ استطاعت التحرر، وتحرر ساقيها. دلكت يديها بألم من موضع الحبال، وثبتت على عجل، ووقفت خلف الباب تقرع عليه بعنف، فـ لم يمد دقائق وهرع أحد الرجال فاتحاً الباب لتنقض عليه من الخلف بكل ما أوتيت من قوة ضاربته بعنقه. ألتفت لها وهو ممسك برأسه يترنح. كاد أن يلكمها فـ بلحظة لوت ذراعه خلفه وألقته أرضاً، وبكوعها هوت على معدته لينعدل صارخاً ويسقط أرضاً، لم يستمع احد فقد كانوا منشغلون بمتاعهم، أنهم أناس قد نسوا الله والجنه وهل يحق لهم أن يصنفوا للبشر؟ فإنهم حيوانات بشرية...
تنفست الصعداء وهي تقف تلتقط أنفاسها من ذاك الأسر. ألتقطت أحد العصيان التي ابصرتها، وتوجهت من تلك الغرف المنصوبة بالخشب. نظرت من فتحتها إلا أن وجدته ذاك الرجل الذي كان قد خرج لتوه من عندها. صوت صراخ فتاة مستنجدة بأحدهم وها هي تلبي النداء قرعت على الباب بجنون، وتوارت خلف الحائط متأهبة بالعصي. إلا انه فتح الباب صائحاً:
"مش قلت مش عاوز إزعاج يا بأف منك ليه إيه الدنيا هتخر...."
لم يكمل كلامه إلا أن وعد هوت على رأسه بالعصايه وهي تقول:
"وعدتك هجيلك ووفيت."
لكمته على وجهه امسكت باصابعه التى كانت ممسكة بوجهه وكسرتهما دون رحمة وظلت ترتوي منه وهي تزأر زئير الأسد. صراخه جعل كل الرجال يحاصروها تباعاً. صاحت هي بالفتاة التى كانت متشبثة بها:
"أمشي أنت وخدي باقي البنات وابعدي من هنا."
وضعت بكفها مفاتيح قد انتشلتها ببراعة من جيب الرجال وقالت:
"أكيد في عربية خدوها وابعدوا."
تمتمت الفتاة بخوف:
"بس وأنتِ."
صاحت وعد وهي كالثور الهائج تقترب من الرجال:
"نفذي اللي قلت عليه وامشي بسرعة يلا."
لوت ذراع أحدهما والآخر ركلته بقدمها لتطرحه أرضاً. تملكم الخوف من تلك الفتاة التي لا تهاب أحد كأنها أسد منطلق صعب ترويضه لا يشبع من لحومهم ولا يرتوي من دمائهم. ظلت تلكم ذاك وتركل الآخر، أحاطوها عن قرب كما يحيط الخاتم بالإصبع. ولكن من هم أمام تلك الفتاة التي لا تخشى الموت وإنما تبغاه! من هم أمام قلباً كقلب أسد لا يدري للرحمة معنى! إنها كالجبال الراسية لا تتزحزح وإن حاول الآلاف الرجال. لهثت بشدة وهي تنظر لهم جميعاً وتزأر. كاد أحدهم أن يقترب ليهوي على جسدها بحديدة ولكنها قفزت لأعلى منقلبة للخلف ومن ثم أمسكت يده لتنتشلها منه بمهارة ورفعته للأعلى وألقت به على زملائه. وفي حين ذلك جاء أحداً من الخلف وأخذ يهوي على مؤخرة رأسها بالضرب المبرح. فـ أمسكت رأسها وهي ترمش بعينيها تحاول الصمود وأستدارت لمن طعنها بالخلف. ومدت يدها التى غلفتها الدماء وكادت بخنقه إلا أنها سقطت على وجهها مغشياً عليها.
رواية دموع العاشقين الفصل العاشر 10 - بقلم ندى ممدوح
في الغرفة التي يسودها الظلام الدامس، يتسلل ضوء خفيف للغاية من الفتحات بين الأخشاب المتراصة. الباب مغلق بإحكام، ويقف خلفه عدد من الشباب ذوي جلباب صعيدي، ممسكين بأسلحتهم كأنها أغلى ما لديهم. كانت متأذية بطريقة بشعة، رأسها ما زال ينزف بالدماء، ملقاة على وجهها. وهناك من يتألم لأجلها، فهي تتأذى وهم يشعرون بذلك.
سعلت بوهن وهي ترمش بعينيها، تحاول فتح جفونها. فتحتهم ببطء ورفعت وجهها تتفحص الغرفة، وهي تستند على كف يدها. اعتدلت جالسة وهي تترنح. زحفت للخلف وألقت بظهرها مستندة على الجدار بتعب، وهمست بوهن وصوت ضعيف:
مياه. مياه.
تأوهت بألم وهي تمسك برأسها، وهمست وفؤادها يضناه التعب:
عايزة أشرب.
ضربت يديها بالحائط ففتح الباب وطل منه رجل ذو شارب كثيف في لحيته، وقال بصوت أجش:
خير يا حرمة، جاية بتولولي ليه؟ مهتعرفيش تسكتي، أياك توجعي دماغنا لحد ما نخلص منك.
جحدته بنظرة قاتلة وهي تتنفس عالياً، وقالت بجمود:
امشي جبلي مياه.
همس وهو يكرمش وجهه:
خدام عند أبوكِ، أياك أنا؟ أنتِ مخطوفة، مخطوفة، أيه مهفهميهاش دي؟ أبوها؟
هل نطق ذاك الرجل وذاك اللسان والدها؟
وقفت متسانده على ذاتها، ووقفت عن كثب منه، وبعزم أمسكته من ياقة جلبابه، قائلة بصوت عالٍ وأعين حمراء:
أبويا، بتقول أبوكِ أنت؟ اتجننت؟ اسم بابا أياك تجيبه على لسانك القذر ده.
دفعته بعنف ليسقط على الأرض، وأمسكت رأسها صائحة به:
امشي هاتلي أشرب ومشوفش وشك قدامي تاني.
أغلقت الباب ودلفت للداخل تتنهد بصعوبة. سمعت صوت أقدام، فرفعت نظرها على الباب حتى بدا ذاك الرجل الذي ضربته ليلاً، يرمقها بنظرات ساخطة. فابتسمت بسخرية وهي تشير له قائلة:
أيه رأيك في العلقة اللي أديتهالك؟ وكمان البنات قدرت أخرجهم. جاي ليه؟ مش خايف؟ ولا نفسك تاخد علقة تاني.
واستضحكت عالياً.
ولج للداخل بسخط ووقف عن كثب منها، قائلاً وهو يجثو أمامها:
أيوا صوح، أنجذتي البنات. بس جوليلي، هتنجذي إزاي البنات اللي خلاص سافروا لبلاد بره دلوج؟
احتل الغضب ملامحها، وبدت كوحش ثائر وهي تدحرج بنظرات نارية. أكمل هو:
كمان صفقات الآثار والمخدرات والسلاح، هتعملي إيه وأنتِ محبوسة؟ بس أطمنك، كل شيء هيتم قدام عينك. أمال أحنا أهل الكرم كله إزاي؟ هتجدي حدنا من غير أكل ولا مياه لحد ما تطلع روحك لخالقها.
ابتسمت له بسخرية ليتابع هو مشيراً لرجاله:
طلعوها.
وخرج مغادراً. ليقترب رجلان ممسكان بيدها. حاولت أن تبعدهم ولكن لم تستطع، فذاك الجرح والدم التي خسرته للتو جعلها هشة، ولكن قلبها ما زال جامداً لا يخشى شيئاً. كبلوا يديها وسحبوها للخارج تحت مقاومتها. وقفوا أمام زعيمهم الذي هتف وهو يشير على حرف الجبل وأحدى الصخريات كبيرة الحجم، حيث الشمس المحرقة ولهيبها تتكبد السماء، ترسل أشعتها الملتهبة التي تلهب الأجساد:
اربطوها هناك لحد ما الشمس تصهرها، تأكل جسمها، ومحدش يجرب منها.
دفعوها هنالك وأجلسوها عنوة، ظهرها للصخرة الحارقة، وأحكموا قيدها، وابتعدوا ركضاً من شدة الشمس. وتركوهما عرضة لها، تكوي الشمس الحارقة جسدها.
أما الرجال، فكانوا يشاهدوها بإستمتاع. فقدوا النخوة وحلت مكانها القسوة. أصبحت قلوبهم صماء كالحجارة أو أشد. تحسس جرحه التي سببتها له بالليل، ليهمس بغضب لأحد رجاله:
امسك العصاية دي، وتروح تضربها زي ما عملت فيا.
ابتسم الشاب بخبث وجذب العصا واندفع نحوها. نظر لها متأهباً ليطرحها بالعصا، بينما نظرتها كانت ثابتة، مبتسمة بإستماتة. فكانت منشغلة الفكر بماذا عليها أن تفعل لإنقاذ هؤلاء البنات. نظر لها الشاب مذهولاً وهمس:
وااه، أنتِ مخايفش ولا إيه؟
ابتسمت بسخرية وأشارت برأسها أن يقترب. فأقترب، لترفع رأسها لوجهه وتبصق عليه وتدفعه بقدمها، وصاحت:
غلطك إنك مربطش رجلي، مش وعد اللي تضعف، والشمس دي أطمن، أنا وهي صحاب، فمستحيل تأذيني.
كانت تهتف بثبات عكس ما تشعر به من ألم.
"رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ"
أصبحت منعزلة، متفردة بغرفتها، كاسفة البال، لا تجف دموع عيناها، جالسة على فراشها تضم قدميها إلى صدرها. يصرخ فؤادها ولا تدري أين السبيل لنجدتها، فزهدت من هذه الحياة. تناجي ربها بقلبها، فهي منعقدة اللسان.
دلف ياسين مبتسماً وهو يحمل صينية إفطار لها بعدما أخذها من والدته عنوة عنها. أضناه قلبه القلق واندفع نحوها بهلع، وتساءل قائلاً:
أسماء، شوفي مين اتكرم وجابلك الأكل.
وضع الصينية جانباً، وهو متعجباً من حاله، ولكن كله يهون لأجل أخته تلك ولأجل ضحكتها. قبل رأسها، ممسداً على ظهرها، وهتف بحنان وبصوت هادئ. لأول مرة يحادثها بتلك اللهجة، فالطالما كان الجميع يهابه ويهاب حديثه:
أسماء، مالك فيكِ إيه؟ حد عملك حاجة؟ حد ضايقك؟
ظل نظرها ثابتاً بالفراغ. فجذب كفت يدها بين راحتيه. فرفعت رأسها به كأنها تنتبه لتوها له. فهمس وهو يتمعن النظر في عينيها:
أنا أخوكِ، سندك واحتوائك. لو كان حد ضايقك في كلمة، أنتِ بس شاوريلي عليه، أخليه يندم على اليوم اللي لمحك فيه.
حتى ابتسم لها قائلاً بصدق عندما لاحظ دموعاً عالقة بجفونها:
أوعي عمرك تبكي بعيد عن حضن أخوكِ، أمانك وقوتك في الدنيا وسندك. أنتِ بتتأذي حتى لو من شوكة صغيرة، بس أخوكِ ظلك بيتألم.
ضم وجهها بكلتا يديه، وظلت نظراتها تائهة. وقال بصدق:
أنا عارف إني دايماً قاسي وصارم معاكم كلكم، وبعاملكم بجفاء أحياناً، ودايماً بزعق وعصبي، بس يوم ما يتعلق الأمر بدموع أختي، أنا أهد الدنيا كلها.
ألقت ذاتها بين ذراعيه، تتمسك بيدها الصغيرتين بجاكتة، وبكت بصوت عالٍ كما لم تبكِ من قبل.
"هل سمعت يوماً عن بكاء القلب؟ بكاء غريب من نوعه يجعلك تبدو جيداً، وبداخلك صراخ وبكاء ليس له حدود. أجربته يوماً؟ بكاء يجعلك تهوي هوياً بقاع الجحيم. كصمت القبور هو، إلا من دموعك التي تنساب بغزارة وبلا توقف، يليها بكاء القلب بوجعه. وأنت أنت ثابت كالجبال الراسية بإستماتة، صوتك يخرج كما لو أنه ليس بك شيء، فكيف ذلك؟ كيف لها أن تكون هكذا؟ مهما بلغ الألم منتهاه، كأنها لا تشعر به، كيف يصبح جزءاً منها، كيف تتعايش معه؟ كيف لعيونها من كثرة دموعها أصبح الدمع يهوي منها بغزارة دون أن يشعر أحد، مهما استرق النظر والسمع. وكيف لقلبها أن يصرخ ويبكي دون صوت؟ كيف؟ وها هي تبث كل شجواها لأخيها، لذاك الأمان والسند الذي يضمها بعينيه ليحفها بالأمان وسط جفونه. ها هو ظلها يعانقها بدفء ليبث لها الحنان والسكينة."
ظل يضمها وهي تبكي. كم لم تزورها الدموع يوماً، حتى تسأل بهدوء:
قولي بس مالك، في إيه؟ شايلة هم الدنيا ليه لوحدك؟ شاركيه معايا، وتأكدي أني هنا ومش هسمح لأي حاجة تأذيكِ.
علا نحيبها وهي تهتف بكلمات متقطعة:
أنا خايفة.
رددتها عدة مرات. قاطعها ياسين حينما لم يفهم حرفاً من تلك الأحرف المتقطعة، قبلها من جبهتها بعمق وهو ضامم وجهه بين راحتيه، وهمس:
يلا، أهدي كدا وصلي على حبيبك.
قالها وهو يزيح دموعها. فصلت على رسولها وهي تهدأ شيئاً فشيئاً. جذب صينية الطعام على قدميه وهو يقول بحسم:
يلا عشان تأكلي وتفهمني في أي، لأني نازل الصعيد عشان وعد.
اتسعت عيناها وتجلت بهما الصدمة وهي تقول:
وعد؟ مالها وعد؟ هي كويسة؟ حصلها حاجة؟
هز رأسه بالنفي قائلاً:
هتكون كويسة، متقلقيش.
"ودلوقتي كلي من إيدي يلا." همس بها بعدما قرب من فمها بلقمة. فتناولتها من يده بإبتسامة ظل يأكلها بحنان، حتى صدح صوت عالٍ ينادي عليه:
ياااااسين.
حَدَّق ياسين بذهول وفرحة تسري بروعة، وهمس وهو ينهض بإبتسامة بدت نواجزه:
بلاااااال.
ركض للخارج على عجل، ووراءه أسماء. وقف أعلى الدرج بمنتصفه، فرأى بلال تضمه لمار بحنان أم. رفع بلال رأسه مبتسماً:
وحشني يا ياسيييين، عامل إيه يا عم؟
هبط ياسين الدرج بإستماتة ويديه بجيب بنطاله. وقف أمامه قائلاً ببرود زائف:
وأنت موحشتنيش نهائياً.
زم بلال شفتيه ورفع إحدى حاجبيه وقال:
يا جدع، طب احلف كدا؟
ابتسم ياسين ليضمه بلال بهمجية وحب.
توالت عليه السلامات من الجميع، بينما كان بصره زاغاً هنا وهناك، تشتاق عيناه لترتوي. فأين هي يا ترى؟ لقد أضناه روعة الشوق وتشتاق الروح لضمه، والقلب لينير. فقد كان منشغلاً الذهن بها، باحثاً بعينيه عنها. عن أسماءه بلا لنقل سماءه التي تنير دربه، فأين السبيل إليها؟
ها هي تطل عليه من أعلى الدرج، ولقد أضناه قلبه رؤيتها هكذا. ما ذاك السواد الذي يحيط عينيها السوداوين؟ ما ذاك الوهن؟ لماذا أثر الدموع تلك على وجنتيها؟ ها هي تهبط الدرج لترج قلبه رجاً. فابتسم بحياء، ابتسامة ذات وميضٍ ساحر. رفع كفه بخصلات شعره يحاول أن يتحاشاها، فقربها يزيد من خفقان قلبه ونفسه.
ها هو يفيق على صوتها الذي أذاب قلبه وترنم به:
يا بني، أنت مالك؟ بقولك عامل إيه من أولها كدا سرحان.
ابتسم بحياء، فاتسعت ابتسامته شيئاً فشيئاً، وقال بعشق:
أنا بخير الحمد لله. أنتِ طمنيني عنك، عاملة إيه؟
كان يتحاشى النظر إليها، فيكفيه صوتها الذي يهلكه.
تجمهر الجميع حول بلال يرحبون به، فقد جاء لتوه من إحدى المهمات.
بغضب صاحت لمار ليتراجعوا:
بس كله يبعد عن بلال حالاً.
تراجع الجميع بخوف، ما عدا ياسين الذي وقف بثبات وبرود.
لتقطب لمار حاجبيها متسائلة وهي تقف عن كثب منه:
قلت الكل يرجع، كله رجع إلا أنت؟
هتف ياسين ببرود وثقة في النفس:
أنتِ علمتينا منسمعش كلام حد ونعمل أي حاجة بس نكون احنا عايزينها، ولا إيه؟
ابتسمت لمار بفخر وانكفأت على أذنه هامسة:
ماشي يا ياسين.
غمز لها مبتسماً، لتستدير هي كلياً لبلال الذي كان يسترق السمع لهم، وهمس مستسلماً ما إن استدارت له:
وربنا أبداً مش مستغني عن نفسي، هتقولي ابعد، أمشي، أموت، هعمل.
علت ضحكات الجميع بمرح، ليهتف ياسين وهو يضربه على منكبه:
يا جبان.
ابتسم بلال ضاحكاً وهتف:
لا يا عم، أنا بس مش مستغني عن نفسي.
ضمت يده بين راحتها وأخذته ليجلس، وجلست بجانبه عن كثب وهمست بحنان أم:
طمني عنك، عامل إيه؟
همس بلال مبتسماً، بينما قلبه يشتاق ليرتوي من رؤيتها، فهمس بصوت مختنق:
الحمد لله بخير، كله تمام.
نهض بعد دقائق قائلاً بإبتسامة:
هروح عشان أسلم على ماما.
بحسم جذبته لمار ليعاود الجلوس بجانبها وقالت:
والله ماهسيبك غير لما تأكل معايا.
همست هالة بمرح:
دا أنا عاملة البشاميل اللي بتحبه.
ابتسم منصاعاً لهما، لتهمس عائشة بمرح:
ألحق أرن على الإسعاف قبل ما نأكل.
ضربتها هالة بخفة على ظهرها هامسة وهي تغادر:
بس يا ماما، والله لأوريكِ.
حدقت عائشة بمرح:
وجه اللي يدافع عني، يخليك ليا يا رب يا بلال.
جاءت خديجة ركضاً من فوق، تتحدث مع بلال، وابتعدت لمار وقتما جاءها اتصال. أنهته وعادت لتركض لها خديجة قائلة بزعر:
ألحقي، ألحقي.
همست لمار وهي تحملها:
الحق إيه؟ مالك يا ديجا؟
همست ديجا وهي تشاور لبلال:
بلال.
همست لمار وهي تنظر لبلال الذي يكتم ضحكته.
ديجا ببراءة: قالي على حاجة!
همست لمار ضاحكة:
قالك إيه الواد ده؟
أكتفت ديجا على أذنها هامسة بصوت يكاد يكون مسموع:
بيقولي هاتي بوسة يا قمر.
ووضعت يدها على فمها وهي محدقة العينين. فعلت لمار المثل وذات الصدمة وهي تقول ضاحكة:
قليل الأدب ده، قالك كده؟
هزت ديجا رأسها بالإيجاب:
آه.
لتقول لمار بغضب مصطنع وهي تتركها:
والله لأوريه، الواد ده عاوز يتربي.
نظرت له ديجا ضاحكة:
أحسن، تستاهل، وهقول لبابا يضربك.
نهض بلال متصنع الخوف، بينما صرخت لمار به:
تعال هنا.
اندفع نحوها، لتشير لمار لـ ديجا:
خدي حقك يا بت، يلا.
ركض بلال وديجا خلفه لينفجر الجميع ضاحكاً.
ظل يركض ولم تستطع مسكه، إلا أن اصطدم بعمرو الذي رحب به وضمه بفرحة.
وفجأة صاحت ديجا:
يا بابا، اضربه.
نظر لها عمرو متسائلاً:
اضربه؟ ليه بس يا ديجا؟
وانكفأ هامساً لبلال:
ولا عملت إيه؟
جاء بلال أن يجيبه لتصح ديجا:
لا، عيب، مش هقولك.
رفع عمرو حاجبه هامساً بدهشة:
عيب؟
مسك بلال من ياقة قميصه صائحاً:
ولا عملت إيه لبنتي؟
تحرر بلال من يده قائلاً:
يا عم، مقولتش حاجة. بنتك اللي حلوة، أعمل إيه يعني؟
نظر له عمرو بغضب، فركض بلال من أمامه.
جثى على قدميه أمام ابنته وتساءل وهو يضم وجهها:
قلك إيه الواد ده؟
صاحت ديجا بسخط:
مش خليته يمشي.
وعقدت ذراعيها وشاحت وجهها عنه. ليهمس هو بحنو:
دا أنا مش هخلي حتة سليمة فيه. ماله بس، عمل إيه؟
صمتت ديجا ملياً بتفكير وهمست:
بيقولي هاتي بوسة يا قمر، مش عيب يقولي كده؟
نظر لها عمرو غير مستوعب، لينفجر ضاحكاً رغماً عنه.
لتضرب ديجا الأرض بقدمها وهي تتجه لياسين صائحة:
يا ياسين...
فانفجر ياسين ضاحكاً، وما إن اقتربت منه متذمرة حتى انحنى قليلاً هامساً لها:
ما تجيبي بوسة.
اتسعت عينا ديجا وغطت وجهها بيديها وهي تصرخ عالياً وتركض من أمامه، ليقهقه هو عالياً.
"اعرفكم ببلال. بلال من فريق وعد، وياسين ابن المرأة التي تعمل لدى لمار، وله أخت، ووالده متوفي. يعشق أسماء من صغره، ولكن لا أحد يعلم بذلك."
"رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ"
ضاقت بها الدنيا، واكتظ فؤادها بالهموم. أصبح الهم جاثماً بروعها، يجعلها كاسفة البال، أزق قلبها وليس له مخرج أو طريق. تحتاج فقط لقلب يشاركها الهم والحزن، ولكن من يشعر بها؟
لما تشعر بالوحدة بعدد جل الناس حولها؟ ما ذاك الألم الذي يأكل بفؤادها دون رحمة؟ صوت ذاك الرجل بذهنها لا يفارقها.
كانت تسير بالحديقة لا تدري لأين تسوقها قدمها، تائهة هي، غريبة عن نفسها.
"السلام عليكم."
قالها قائل من خلفها، لتستدير مبتسمة لبلال قائلة:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
ابتسم بلال وهو يضع يديه بجيب بنطاله وهتف متردداً متوتراً:
بصراحة، أنا كنت بس خارج كدا أتمشى شوية، فـ لقيتك، فقولت يع...
قاطعته أسماء قائلة بدون تعبير:
لا لا، متبررش. مفيش حاجة. أخبارك إيه؟ والمهمة نجحت بخير؟
ابتسم قائلاً بحياء:
آه الحمد لله، كله تمام.
ساد الصمت لدقائق، وبحيرة رفع رأسه هامساً متسائلاً:
أنتِ كويسة؟
هزت رأسها وهي تغض بصرها:
الحمد لله كويسة.
"مش واضح نهائي إنك كويسة، مصدومة وشايلة هم، والظاهر كدا واقعة في مصيبة مش عارفة تعملي فيها إيه؟"
همس بها بلال بثقة وثبات. لترفع هي نظرها بصدمة غير متوقعة. هل هي كتاب مفتوح له؟ كيف شعر وفهم ما يدور بها؟
صدمتها تلك أكدت شكوكه، ليبتسم بثقة قائلاً بصدق بكلمات ينطق بها فؤاده قبل لسانه:
متأكد إن في حاجة، ومتأكد بردوا أني جنبك لو احتجتي لأي مساعدة.
ابتسمت بسكينة وأمل يتسلل رويداً رويداً بمهجتها.
رآها حذيفة واقفة معه، فأحرقت الغيرة فؤاده وأوقدت النيران بمهجته. قبض راحت يده بسخط وبسطها وهو يندفع إليهم، تطلق عينه شرارة الغضب. هي له، له وحده. يغير إن رأى أحداً غيره ابتسامتها، وتضني الغيرة قلبه. فكيف له أن يتحمل رؤيتها واقفة مع غيره؟
أخفى بمهارة غيرته وعصبيته ووقف عن كثب منهم قائلاً:
بلال، طمني عنك، عامل إيه؟
ابتسم بلال وصافحه قائلاً:
بخير الحمد لله، وأنت؟
ليهتف حذيفة له ونظره لأسماء:
بخير الحمد لله. مش هتقولنا مبروك؟ أنا وأسماء اتخطبنا.
صدمة جعلته جاثماً في مكانه، هزت نفسه، واتسعت عينيه وتجلت بهما الصدمة وسكن الحزن بهما. تعلق بصره بها، واكتظ قلبه الألم، ألم لا مثيل له، وجع سكن روعه. ما أحوجه الآن للصراخ. كابد على أن يبتسم في حين قلبه يضج بالأننين الصامت. ابتسم بأعين تلمع بها الدمع، وجاهد دمعة كادت بالنزول، وكابد ليبدو صوته طبيعياً، وابتسم من بين صرخات فؤاده قائلاً:
بجد؟ ألف مليون مبروك، يتمم لكم على خير.
زاغ بصره بتوهان كما تيه قلبه وهمس:
طب، طب، أستأذن أنا. لازم أروح الجهاز. سلام.
كلمات متقطعة مجلجلة همس بها وهو يتراجع بتوهان، ليستدير مسرعاً حيث مسكنه. فما أن ولج، جلس على فراشه واضعاً رأسه بين يديه. لهيب استحوذ ثنايا فؤاده وتملك به.
ما الذي سمعه لتوه؟ هل هو بحلم أم كابوس؟ أم أن الحياة أصبحت مقبرة فجأة؟ لا يدري، ولكن كل ما يضني فؤاده، هل ستصبح لغيره؟ هل سترتدي الأبيض لغيره؟ كم تخيلها به؟ كم حلم بها وصنع أحلاماً وبيوتاً ليسكنوها سوياً؟ كيف تهدمت بغمضة عين؟
هل ستكون ملكاً لرجل غيره؟ يضمها متى شاء، وتصبح أماً لأولاده؟ وهو هل لا يمكنه بعد اليوم النظر لها أو التفكير بها؟ ما بها الحياة؟ لماذا يشعر بأنه توفي وليس بعائش؟ ما ذاك الألم الذي يضني قلبه؟ لماذا لا يمكنه الصراخ؟ لعله يرتاح قليلاً وتخمد تلك النيران قليلاً قليلاً فقط لا غير، فإنها فوق احتماله.
ما ذاك المرار؟ إنه مرارة الألم، مرار ذي مذاق صعب، أصبح جاثماً بقلبه.
ما بها مهجته؟ هل هربت من أوردته؟ فكانت هي مهجته، فكيف يعيش بعد اليوم؟
لأول مرة منذ وفاة والده، تهطل دموعه كأنها براكين منفجرة، وصراخ بصوت تنطلق عبراته من وجع قد انقسم لأشلاء. يريد الجبر والثبات والتحمل والصبر. "يا ررررررررب."
نطق بها بصوت يبعث الألم لمن يسمعه، وهوت دموعه تهوي هوياً دون وجع، وما زالت النيران مشتعلة بقلبه.
بإثناء ذلك، ما زالوا أسماء وحذيفة واقفين سوياً.
غمغم حذيفة قائلاً:
مش عايزك تقفي مع حد.
تنحنحت أسماء قائلة بتعجب:
ليه؟
غير مجرى الحديث هامساً:
مقولتليش بردوا مالك؟ أنا هبقى جوزك قريب، يعني المفروض تشاركيني كل حاجة ومتخبيش؟
خفق قلبها برعب يسري بإوصالها، وتذكرت كل ما حصل كأنه قد حدث لتوها. فتاهت الكلمات بتوهان غريب، بدا في عينيها.
رن هاتفه مقاطعاً ذاك الصمت الذي ساد، ليجذبه مجيباً وهو يقول بتوتر شديد:
هرد على التليفون وجاي. ادخلي أنتِ دلوقتي.
هل كانت تنتظر أن يؤذن لها بالدخول؟ لتركض للداخل تحتمي بغرفتها. ليرن هاتفها، فارتعشت بفمها مفتوحاً بخوف. لم تجب، وظل يرن وجسدها يرتعد.
إلى أن وصل إشعار رسالة، لتسرع بفتحها وقرأتها. وضعت يدها على فمها بصدمة واتسعت عينيها وانسابت دموعها، فقد كان محتواها: "متنسيش يا قمر، قدامك لحد بكرة بس، بكرة بالليل تكوني مكان ما شفتينا. وإياكِ بأي غدر، هتندمي صدقيني هندمك. متنسيش يا حلوة."
بينما بالأسفل صاح حذيفة على الهاتف:
اسكتي بقا، هخلاص هقابلك، بس قسماً بالله أي حد هيعرف، هندمك.
صمت قليلاً وهتف:
تمام، تمام، خلاص جاي.
وأغلق الهاتف بوجهها.
"رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ"
ذهب ياسين لمكتبه، بعدما حادث أنس الذي أصبح زفافه قريباً.
ومضى لمكتبه منكباً على بعض الملفات. انتهى بعد مدة ليست بطويلة، وتنهد براحة وهو يرجع رأسه للخلف، لتداهمه الذكريات فجأة. ذكريات لها أثر جاثم بالقلب. على قدر السعادة التي يشعر بها ما إن يتذكر، بقدر وجع قلبه القابع بين ثناياه. أجل، لا يلقاها ولا يراها، ولن يراها. يظنه نسيها، ولكن كيف له أن ينساها؟ وهي التي تحيا بفؤاده وروحه ونبضه، هي حياة قلبه.
هبط الدرج بغضب شديد ما إن تناهى لمسامعه صوت بكائها، تاركاً التدريب مع خالته لأجلها، ويقسم أنه لن يرحم من كان سبباً في بكاء صغيرته. دنا منها وساندها على النهوض، وظل ممسكاً بيدها وهتف بلين:
مالك بتعيطي ليه؟ حد كلمك؟
هزت رأسها نفياً وهي تبكي وهمست من بين دموعها:
كل اللي يشوفني يعيب عليا ويعيرني، أنا ذنبي إيه بس؟
قبض يده بغضب وربت على منكبها هامساً:
مين اللي قالك كده؟
هزت رأسها نفياً وهي تشهق باكية وقالت:
لاا يا ياسين.
أزاح دمعاتها بحنان وهو يقول:
طب ممكن متعيطيش تاني؟ عشان دموعك دي بتوجعني.
هزت رأسها ببراءة قائلة:
حاضر.
ثم استطردت قائلة:
عثمان بيضربني.
ضغط على يدها قائلاً بغيرة:
هو كلمك ووقف معاكِ؟
هزت رأسها بخوف، ليستدير منادياً بصوت عالٍ لعثمان ولكمه بقوة، وتمت مشاجرة بينهما.
فاق لواقعه بإبتسامة ألم، بشوق أضنى قلبه. يكابد طول الوقت ليبدو أنه قد نساها، لكن ما لا يعرفوه، كيف لروح أن تنسى ساكنيها؟
قست عليه الحياة حينما انتزعتها منه، لا سيما أنها كانت تحيي قلبه. حملها بين ذراعيه رضيعة، فأصبحت ضحكتها الملائكية ترفرف قلبه وتشرحه، ولكن لماذا انتزعها الموت منه وأخذها دون رجعة؟ ليس هي فقط، بل بدون رحمة انتزعوا معها قلبه وروحه، وهو فـ هو ليس حياً، إنه يموت في اليوم أكثر من مائة مرة.
صورتها لا تفارق ذهنه. يا الله، ماذا كانت لتفعل به أكثر من ذلك لو هي حية ترزق؟
ابتسم هامساً بصدق من فؤاده:
وحشتيني.
صمت لدقائق وأكمل:
وحشتي يا ياسين، يا قلب ياسين. اااه لو أنك موجودة، كان زماني متجوزك وعايشين مع بعض في بيتنا اللي حلمت بيه دايماً. وحشتيني. الله يرحمك يا حتة من قلبي. الحمد لله.
ابتسم بحزن يسكن وجهه وعينيه التائه المتعبه المشتاقة لحد الجنون. مشتاقة لرؤيتها، لضمه، تحيي مهجة قلبه وتعيده للحياة. لضمه فقط، أو لمسكة يد إلى وجودها ويكفي.
فتح الدرج بلهفة وشوق، والتقط بعض الغوايش المنكسرة وتأملهم بنظرات عاشقة. يكاد يأكلهم بعينيه، يتلامسهم برفق ويضمهم لقلبه. ثم لاحت له ذكرى غالية جداً.
ولجت من الخارج بضجر برفقة وعد، لتصيح فجأة بحزن:
غوايشي اتكسروا، وهما دول اللي كنت بحبهم. أعمل إيه دلوقتي؟
صمتت وعد ملياً بتفكير، ونظرت لها قائلة:
متزعليش، بكره هجبلك غيرهم.
جلست محتجة وهي تقول باستنكار:
أنا عايزة زيهم، مش عايزة غيرهم.
تنهد ياسين بثقل لحزنها، وخرج مسرعاً ليجلب لها ما يسعدها بعدما أصر على والده بالذهاب معها.
عاد ليلاً بعد بحث دام لساعات، وها أخيراً يأتي لها بمثل ما أرادت. دلف باحثاً بعينيه عنها، وما إن وقعت عيناه عليها جذبها قائلاً من يدها:
تعالى معايا دقيقة.
نظرت له لمار مستفسرة:
على فين؟ مش هتخرجوا.
ابتسم لها قائلاً بصدق:
خمس دقايق، مش هنتأخر، ومتقلقيش عليها طول ما هي معايا.
ابتسمت لمار ليجذب هو يد فاطمة.
لم تعقب وسارت بجانبه، فهو أكثر أحد بأبناء عمامها تثق به.
تعلقا باقي الفتيات بياسين، ولكنه أبى أن يأخذ غيرها بحسم.
سارا بهلعاً من الليل على مرأى من النجوم، متشابكي الأيدي بحنان، بصمتاً تام. قاطعته هي قائلة ببراءة:
عاوزة آيس كريم.
أومأ برأسه موافقاً، ووقف أمام المحل الذي كان قريباً وجلب لها آيس كريم، لتتناوله منه بفرحة لا مثيل لها. أمسك يدها ووقفا قريباً من الباب. وقف أمامها ممسكاً بكفت يدها بين راحته، ويده الأخرى ممسكة بعلبة فضية اللون.
وهمس قائلاً وهو يفتحها ويجذب منها الغوايش:
جبتلك غوايش بدل اللي اتكسروا وزيهم بالظبط.
همست بفرحة عارمة وهي تقفز:
بجد ولا أنت بتضحك عليا؟
ابتسم بسمة رجولية وهو يقول:
لا بجد. أنا إمتى كدبت عليكِ يعني؟
وأمسك كفت يدها ليلبسهم لها، فتتحسسهم هي بفرحة لتتأكد أنهما مثل الذي اتكسروا قبلاً.
ابتسمت بفرحة وهي تهمس ببراءة:
الله، دول زي اللي اتكسروا بجد. أنا بحبك يا ياسين وبحب الغوايش دول أوي، مش هشيلهم أبداً أبداً.
ابتسم لها بحنان. ولكن فجأة، وقفت سيارة سوداء اللون، ليترجل منها رجال ذوو قامة طويلة وجسد عريض. جذبها ياسين خلف ظهره وهو يدفع بالرجال، ولكنهم دفعوه بعيداً ليسقط أرضاً على رأسه.
فاق ياسين على صوت طرقات الباب. فجاهد لكلا تنحدر دموعه وهو يأذن للطارق بالدخول. دلف العسكري مؤدياً التحية باحترام ووقار، وقال:
أحمد بيه، طالب حضرتك.
أومأ ياسين وهو يشير له ليغادر. العسكري ويتنهد ياسين بثقل، وانتصب مندفعاً لأحمد، ليقابله عثمان أيضاً متجهاً إليه.
"رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ"
الهدوء يغطي المكان بأكمله. صوت أنفاسها المتقطعة بوهن تصاحبها نظرات باحثة، متحيرة، خافتة بانحاء الغرفة. أصوات أقدام خافتة تقترب منها. لا تدري ما تفعله، إلى متى ستظل بهذا المكان؟ فاقت آلام جسدها تحملها، فمن الذي سينقذها من هنا؟ وبتلك الدوامة، فاقت على صوت خافت أمام باب غرفتها. تحركت وعد زاحفة متحاملة على آلامها، كثب الباب، تسترق السمع ليأتيها صوت خافت متسائلاً:
أنت عايز تشوفها؟
جاءها صوت معتاد لمسامعها يهمس بخفوت:
أنت اتجننت؟ أشوف مين؟ خلص عليها في أقرب وقت.
هدوء ساد بعد ذلك. حاولت تذكر ذلك الصوت، لم تستطع تذكره، فالصوت كان خافتاً للغاية. من يريد قتلها؟ هي لا تخشى الموت، بل ترجوه. أن تصبح شهيدة وتحلق روحها إلى الرحمن بجانب الصحابة ونبيها، هي ترجوه ليأتي لتستقبله بترحب شديد وفرحة غامرة تهز جوانبها. يا ليته يأتي، لتموت به فخر، أن تموت لإنقاذ الكثير. ولكن من ذلك؟ لا بد أنه رحيم، يريد قتلها لكي لا تكون عائقاً أمامه.
كسى الألم وجهها وضنى قلبها الوجع. أغمضت عينيها باستسلام، تاركة الأمور للرحمن. تذكرت بتلك اللحظة والدتها، ماذا لو أنها ماتت؟ هل تتحمل والدتها صدمة أخرى؟ ألا يكفيها عذاب؟ كم تشتاق لرؤيتها الآن. تذكرت الجميع، فابتسمت بخفوت شديد. شعرت بحركات ودربكة بالخارج، فنظرت من بين الأخشاب المتراصة بفتحة صغيرة للغاية، فوجدت ناس كثيرة وتسليم صناديق ينقلوها فوق عربيات النقل، فغامت عيناها بالغضب الشديد.
ونهضت متسانده وهي تحاول بكل ما أوتيت من قوة فتح الباب.
ليفتحه آتٍ من خلفه، ونظر لها بشماتة صائحاً:
وعدتكِ بإنك هتشوفي صفقاتنا، وأهو أوفيت بوعدنا.
بحركة مباغتة منها مدت يدها لعنقه لتلفه وهي تنتشل منه السلاح، موجهة فوهته لرأسه، وقالت وهي تشد من خنقه بذراعها القابض عليه:
أياك تتحرك، هفجر المسدس في رأسك، ولا يرفلي جفن.
أومأ برأسه ورفع ذراعيه للأعلى، فدفعته للخارج، ليقف كل الرجال عن العمل ناظرين إليها. هتفت بصوت كهزيم الرعد:
كله يسيب اللي في إيده حالاً، وإلا اقروا الفاتحة على روحه.
قهقهات عالية ساخرة أتت من خلفها، وقال قائل من وراءها:
لاه، بجد؟ متخيلة إننا عشانه هنجف كل حاجة.
رصاصة واحدة كانت كفيلة للذي بين يديها يسقط غارقاً في دمائه. ليقف قاسم أمامها قائلاً:
إيه يا بشمهندسة؟ يا ترى رحيم لما يعرف كذبك، عينيه هيعمل إيه؟ أنتِ هتموتي قبل ما يدري، متجلجيش.
كانت نظراتها له كفيلة لتحرقه وتسري الخوف بروعه. وهم عدداً من الرجال مقيدين يديها عنوة عنها، وباشروا عملهم على مرأى منها، بينما تجلس هي كبركان يستعد للانفجار بأي لحظة.
"رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ"
ضاق صدرها وللآن لا تدري ما عليها فعله. تخشى أن تخبر أحداً، فـينفذوا تهديدهم. بمن تطلب العون؟ هل بلال أم حذيفة أم والدها أم خالتها؟ أم هل تذهب غداً وتسلم له الفيديو وتسكت عن كل ما رأته وتلازم الصمت؟ وأن لم تتحدث، كيف لضميرها أن يجعله صامتاً؟ ولكن ضميرها أقل وجعاً من وجع الفقد.
حسناً، عليها غداً أن تذهب إليهم وتعطيهم وعداً أنها لن تؤذيهم، لعلها لا يؤذونهم أو يؤذون عائلتها. صدح رنين هاتفها لتنتفض وهي تنظر بنظرات مرتجفة لتقرأ اسم المتصل "حذيفة". ها هو الأمان يتسرب إليها شيئاً فشيئاً. لماذا يرن ليلاً؟ ولما؟ آبت أن تجيب ليأتيها رسالة منه، كان محتواها: "ممكن تنزلي دقيقة، واطلعي على طول." ترددت حائرة، لتتخذ أخيراً قرارها بالنزول. خرجت من غرفتها لتقابل مكة التي تخصرت أمامها بسخط قائلة:
وبعدين يعني معاكِ، مش راضية تقعدي معانا ليه؟ هااا؟ قولي يلا.
ابتسمت لها بخفوت وهمست بوهن:
هاجي أقعد معاكم، بس حالياً عايزة أبقى لوحدي شوية.
ابتسمت مكة قائلة بحب:
حبيبتي، أهم حاجة راحتك. شكلك تعبانة، ارتاحي. ولو عاوزتي أي حاجة، أنا موجودة. وهعرف مالك بردوا، بس لما تتحسني شوية.
ابتسمت أسماء بحب. لتستطرد مكة سائلة:
رايحة فين كدا؟
هزت أسماء منكبيها قائلة:
هشوف حذيفة، وأنتِ نازلة ليه؟
ابتسمت مكة وهي تتوجه للنزول:
هنزل أعمل ليا وللبنات كم سندوتش وعصير كدا، وطلع، وهعمل حسابك، أوك.
ابتسمت أسماء بمرح:
أوك.
اندفعت للخارج على عجل، ودنت منه هاتفه بغيظ:
بترن ليه؟ وعايزني ليه دلوقتي؟
لم يعقب، وإنما أخرج يده من خلف ظهره بعلبة مغلفة مدها لها هامساً بإبتسامة:
دي ليكِ.
نقلت أنظارها بينهما وهمست بتعجب:
إيه هو اللي ليا؟
أشار بعينيه للعلبة هامساً:
شوفي بنفسك.
احتجت قائلة بضجر:
لا مش هشوف.
ابتسم رافعاً حاجبه وأعاد يده قائلاً:
والله أنتِ اللي خسرانة، براحتك بقا! أما آكل البيتزا دي لوحدي.
وتصنع السير لتتسع عينيها بحماس وهي تصيح:
استنى استنى، بتقول بيتزا؟ لا لا خلاص، تعالى.
ابتسم بإنتصار وهو يعود أدراجه لها ووقف أمامها كاتماً ضحكته:
عايزة إيه؟ مش قولتي مش عاوزة.
لمعة عينيها ببراءة وهي تقول:
لا عايزة، هات بقا.
بمداعبة أشار لها:
تدفعي كام؟
زمت شفتيها قائلة:
يا ررربي، هتجيب ولا أطلع؟
نظر لها بدهشة متسائلاً:
أجيب ولا تطلعي؟ يعني كمان بتتأمري!
بغيظ قال وهو يمد يده به:
امسكِ يا ستي، مش عاوز منك حاجة، أهو.
تناولتها منه بحماس، ليبتسم بحب قائلاً:
بالهناء والشفاء ليكِ، وهتلاقي شوكولاتة كمان.
ابتسمت بامتنان قائلة:
شكراً.
قطب حاجبيه متسائلاً:
شكراً؟ شكراً على إيه بس؟ افهم، أنتِ بنت عمي وخطيبتي وهتبقي مراتي وأم عيالي وحبيبتي وأمي.
تورّدت وجنتيها بحياء وابتسمت قائلة بجدية:
أنت أكلت؟
كبت ضحكته قائلاً بمشاكسة ما إن أحس أنه استطاع إخراجها من حالتها الكامنة بداخلها ولو قليلاً:
لا مأكلتش، أصل ماما الفترة دي معرفش مالها وبطلت تهتم بقا ونسياني، فـ آكل إزاي؟
حاولت كتم ضحكتها فلم تستطع، لتهمس قائلة:
لا بصراحة، معهاش حق. ماما دي أخص عليها.
همس مشاكساً:
طب إيه؟
همست ببراءة وهي تتجه للمرجوحة خاصتها:
هديك حتة، بس متمتّمعش، حتة صغيرة خالص، تمام كدا؟
وقف عن كثب منها، لتمد هي يدها بقطعة قائلة بتحذير:
دي وبس.
نظر لها بدهشة:
إيه البخل ده.
همت بأكل القطعة هي وهي تقول:
عنك ما تاخد.
ليلحق بها منتشلاً إياها من يدها صائحاً:
عندك، استني، هاتي.
نظر لبعضهما وانفجرا ضاحكين بمحبة وشوق، ليتوهها ببعضهما.
بينما على الجانب الآخر، يوجد هنالك من يتقطع قلبه وينزف ألماً حينما شاهدهما هكذا، ولكنه تمنى لها السعادة من صميم قلبه.
هل سينساها يوماً ما؟ كيف؟ كيف وهي مهجته؟ فهل للإنسان أن يحيا دون دم، دون قلب، روح، نبض؟ فـ هي قلبه، وهو النبض. كم ذلك الألم صعب، صعب للغاية، فإنه يراها بكل الوجوه. أصبح قالبه فارغاً إلا منها. يحرقها الشوق كنارٍ أوقدت به، يشتاق إليها وإذا أمامه، فكيف؟ كيف يعبر نسيانها؟ كيف يهدأ نيران قلبه؟
يا ليته فقط يخبرها أنه يحبها، بل يعشقها، أنها حياته. هل للإنسان أن يعيش دون حياة؟
وإذا أشرقت الشمس وكبدت السماء وانتشرت بالأرض، لن تشرق قلبه أبداً، فـ هناك ظلمة كظلام القبور.
تنهد بثقل اكتظ به قلبه وزفر، رافعاً بصره للسماء يناجي مولاه:
ألطف بقلبي العاشق يا الله، فقلبي قد عشثها دون حسبان للجروح والألم. جبرك يا رحمن، فمن غيرك استعين بك. ألطف بقلبي الذي أحرقه الشوق لرؤيتها، عن ضمها وطمئنة قلبه. أخرجها من فؤادي، لعلي أرتاح قليلاً، فإني أشعر أن تلك الحياة قاسية للغاية، وفراقها قد قسم قلبي. أفرج شجون قلبي ليلاً نهاراً، يا الله، أدعوك أن تكون لي، والحمد لله، فقد رضيت، ولكن عذاب قلبي، من لي غيرك يداويه؟ إنها ستغيب ولن تعود، ولكن كيف تغيب عن قلبي؟
نظر لهما نظرات دامعة وعاد راجئاً للداخل.
"رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُون"
دلف عثمان من الخارج على عجلة حتى يجهز نفسه للسفر.
فجأة ظهرت أمامه مكة تصرخ برعب شديد وهي تقفز هنا وهناك.
كاد أن يجن وهو ينظر لها أينما ركضت، فكاد أن يحول عينيه.
أمسكها من ذراعيها صائحاً بصوت عالٍ:
بس، في إيه؟
صمتت قليلاً وخفق قلبها حينما تقابلت أعينهما. دقائق قليلة وعادت الصراخ مرة أخرى بصوت عالٍ كاد أن يفقده سمعه.
فتركها ساداً أذنيه بأذنه وبأعين يتطاير منها الشرار، صاح:
قلت بس، وإلا قسماً بالله أديك قلماً يفوقك.
أنهى جملته وهو شارعاً يديه عن كثب من وجنتها، لتنظر ليده برعب وانعقد لسانها واتسعت عينيها ليتجلّى بهما الرعب، وازدرات ريقه هامسة:
لا لا لا، أنا سكت أهووو.
ومن ثم وضعت كفها على فمها.
لينزل يده قائلاً بسخط:
في إيه؟ إيه كل الصراخ ده؟
تمركز بصرها على نقطة ما، اتسعت العينان وصاحت وهي تقفز فوق ظهره:
فار، فار، فار، فار، عاااااااااااا.
صدمة سكنت وجهه بذهول لتلك الطفلة، ولكن كيف كبرت وما زال عقلها صغيراً؟ من ماذا هي خائفة؟ من فأر؟
سحقاً لتلك البلهاء! التي أفقدته ثباته، وهيبته ووقاره. أنزلها برفق من على ظهره، لتصيح هي بخوف وهي تقفز أمامه، قدماها غير ثابتتين:
اقتله طيب، اقتله بدل ما ياكلني.
نظر لها بتعجب سائلاً:
مين اللي يأكلك؟ الفار؟
أغمض عينيه يحاول الثبات قدر الإمكان، ثم انفجر ضاحكاً لأول مرة من عمق فؤاده.
احتد بها الغيظ وقالت وهي تضرب قدمها بالأرض:
ادخل موته وهات لي الأكل اللي جوه.
نظر لها ببرود ليثير غيظها وتخطاها قائلاً:
وأنا مالي؟
لحقت به لتمسك ذراعه كطفلة صغيرة قائلة:
لا لا لا، وربنا مهسيبك غير لما لما تموته وتجيب لي الأكل اللي جوه.
حاول نزع يده إلا أنها تشبثت به بقوة وهي لا تكف عن الكلام.
لـ يقرر أخيراً تجنب ثرثرتها اللامتناهية ويفعل لها ما تريد.
دلف للداخل، بينما تبقت هي تترقب خروجه بخوف شديد.
ذهب لبعض الوقت وخرج حاملاً بيده السندوتشات، لتقترب هي على عجل ما إن رأته وقالت بتساؤل:
هااا، ماتتت؟ قتلته صح؟
قالتها وهي تصفق بيديها. لهث من شدة ما بذل من مجهود شاق للعثور على الفأر، ومد يده لها بالصينية، فبفرحة كمن انتصر بالحرب، تناولتها منه مهللة بفرحة تهز جوانبها. استدارت قائلة وعيناها على السندوتشات:
شكراً.
ما كادت أن تخطي حتى قفز الفأر من الصينية على وجهها، لتصرخ وتترك الصينية من يدها مصدرة صوتاً عالٍ وتراجعت برجفة. في حين ذلك، اتصدمت به، ليختل توازنه ويقعا سوياً أرضاً. كانت مازالت تصرخ وهي مغمضة العينين:
الفار يا عثمان، الفار على وشي، شيله، شيله.
لم يستطع مقاومة ضحكاته، لينفجر ضاحكاً ويظل قلبه يتأملها بعشق.
تنبهت أنها مازالت واقعة فوقه، ولكن لماذا هو هادئ لذا الحد؟ التفت برأسه له فوجدته يحدق بها بنظرات أول مرة تراها، فـ تنحنحت بخجل وركضت لغرفتها.
يا ترى من سينقذ وعد؟
ما الذي سيحدث مع أسماء وماذا ستفعل؟ ومن سيكون الضحية؟