تحميل رواية «دموع العاشقين» PDF
بقلم ندى ممدوح
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
أمام أحد المساجد، توقفت سيارة سوداء اللون. انفتح بابها لتترجل منها طفلة صغيرة. نظرت يمنًا ويسرًا، ودارت عيناها بحثًا عن أحد. لمع الفرح في عينيها وسطعت بريقهما وهي تهمس بطفولة: "خالتو لمار". وقع بصر لمار عليها لتفرد ذراعيها ببهجة تغمر قلبها. اندفعت ورد مسرعة من السيارة وهي تصيح خلف الطفلة: "يا ديجا استني يا حبيبتي هنا؟" التفتت برأسها لها قائلة: "لا رايحة عند خالتو!" "ديجا يا قلبي تعالي." هتفت بها لمار بفرحة. عانقتها الطفلة بسعادة ومحبة، ولمار كذلك. لتحملها لمار وهي تضمها بعشق أمومي هاتفة: "وحشتين...
رواية دموع العاشقين الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ندى ممدوح
الظلام يسود المكان، القمر لم يكن يضيء ولكنه توارى خلف الغيوم، ليسود الظلام أكثر. تقف لمار حائرة تتفحص المكان بجهد وترقب.
صوت علا لفتاة صارخاً:
"مامااااا."
فما أن همت بالذهاب إليها حتى آتاها صوت من الخلف يأن بتعب:
"ماما."
وقفت حائرة تتلفت هنا وهناك. كلاب سوداء تركض خلف فتاة تتعثر في ركضها إلى أن سقطت ولم تستطع النهوض. اقتربت الكلاب منها، لتتسع عين لمار بنغزة شديدة في القلب. همت أن تتجه نحوها ليأتي شاب وينتشلها وتختفي الفتاة.
صوت متاوهاً جاءها، فلم يكن سوى وعد. أبصرت أشخاصاً يعذبونها دون رحمة لتذرف عيناها الدمع. همت إليها، لتتسمر مكانها على صوت استغاثة من أسماء وأطفال كثر. اختلطت الأصوات ببعضها لتسد أذنيها وهي تجثو صارخة بثقل دون تحمل، بعبرات من الأسى.
انتفضت بفزع من نومها وهي تلهث وتحدق في الفراغ. كان جسدها يرتعش وتتصبب عرقاً. تتنفس بصوت عالٍ وشديد كأن الأكسجين قد تسرب دون عودة. دارت عيناها بالغرفة لتتنهد بارتياح وهي تهدأ من روعها. تجرعت كوباً من الماء كان بجانبها. انشغل فكرها بالحلم فأخذت تفكر واحتد بها التفكير. نهضت لتصلي لعل الله يلهمها الطريق الصحيح وينقذ بناتها. ولكن من تلك الفتاة التي لم تتعرف عليها؟ هل شخص قريب؟ أجل، فهي تشعر بذلك.
تململت أسماء على الفراش وهي تفرك عينيها. أيقظها من أحلامها الوردية التي قابع بها حذيفة على صوت هاتفها. جذبتها وهي تفتح تلك الرسائل بكسل شديد. رأت مضمونها تهديد صريح: إما القتل، أو أن تكون معهم، ولديها وقت لليل فقط. دارت بها الدنيا وضنى قلبها الألم والحيرة. انسابت دموعها تهوي دون هوادة. بما ورطت نفسها؟ يا لها من ورطة جعلتها محطمة القلب، كاسفة البال، شظايا روحها لا تلتئم. ضمت نفسها بذراعيها محاولة منها استمداد الأمان من نفسها. يا ليتها تعود للنوم حيث أمانها قابع هناك ليس به سواه. يا ليت النوم يجفيها مرة أخرى لعلها تنسى كل ما تمر به. يا ليتها لم تفق لكانت الآن معه.
أدركت نفسها لتنهض لتتوضأ وتصلي وتتضرع لربها أن يكون معها، أن يدلها للطريق الصحيح حتى لا تضله، وأن ينيره لها. ثم ما لبثت أن ظلت تقرأ في كتاب الله بيقين وثقة وراحة أن الله معها، فلما الخوف؟
ورب الكون موجود، وليس الله بظالم لأحد. يا الله، هل سخرها الله لتكتشف ما يدور ويتم في هذه المشفى؟ لا سيما أنها منذ الصغر تسعى لأن تنهي دراستها وتصبح طبيبة وتعمل مع والديها في مشفاهما الخاص. ولكن فجأة دون سابق إنذار بعد تخرجها آبت ذلك وأثرت على العمل في مشفى آخر. هل كانت مجرد سبب؟ لذا عليها الآن أن تخبر أحداً بما رأته ولا تحمل هماً لشيء ليحصل ما يحصل، هي لا تعبئ بكل ذلك.
نهضت على عجل تضع حجابها بعشوائية وتأخذ هاتفها وتتجه للأسفل سائلة عن خالتها. فقدت الأمل حينما لم تجدها، فماذا عليها أن تفعل الآن؟
جلست على أقرب مقعد بقلب أضناه الهم وتنفست بتثاقل. لحظات وكان يهبط الدرج حذيفة وهو يعدل من ساعة يده. ليطالعها محياها تجلس بهم، واضعة يدها على خدها كأن جل هموم العالم بفؤادها. فاقترب متلهفاً وتساءل بمودة:
"أنتِ كويسة؟"
لم تسمعه، لم تشعر به، لم تنتبه لوجوده حتى، كأنها في وادٍ آخر.
لوح بيده بقلق أمام وجهها وهو يهتف:
"أسماااااء، فينك؟ دا أنتِ مش هنا خالص."
رفعت رأسها لتطالع عيناه القلقتين. عيناها الدامعتان أكدت شكوكه أن هناك أمراً.
فجلس على حافة الطاولة مقابلها وهتف بقلق:
"أسماء، احكي لي، في أي، إيه اللي حصل يوم المستشفى؟ قولي لي، ممكن أقدر أساعدك. احكي في إيه؟"
نظرت لعينه بتمعن وحيرة من أمرها، ولا هناك سبيل إلا إليه. ولكن ماذا؟ هل ستخبر حذيفة الذي لا يعبئ بشيء، لا يحمل هماً ولا مسؤولية، المستهتر؟ وماذا سيفعل وهو لا هم له سوى الفتيات فقط؟ إنه يبدو أحياناً كطفل صغير. فهل تثق به؟ أجل، إنها تثق به وتطمئن له، إنه أمانها. ولكن ماذا عليه أن يفعل؟ ولكن عليها التحدث لتفرغ كل ما تخزنه من هم بـ جعبتها.
انسابت دموعها بصمت تام. لينتفض هو بدوره هامساً في لوعة:
"دا باين كدا إنه موضوع كبير، أول مرة أشوفك بالحالة دي."
وهم ناهضاً وهو يستعجلها:
"قومي نخرج واحكي لي كل حاجة، وإن شاء الله خير."
علت شهقاتها وارتجاف جسدها ليزيد قلقه من كل ذاك الرعب والهلع بعينيها. ألتفت حوله ليدرك أن لا أحد يراها بتلك الحالة والضعف. فأسماء قوية وستظل قوية أمام الجميع. قال لينبهها:
"أسماء، بلاش حد يشوفك بالحالة دي، امشي معايا."
لم تستطع الكلام، فاكتفت بمؤاماة بسيطة من رأسها وصارت معه بعدما كفكفت دموعها، ربما تجد معه الحل ويشاركها قلقها ويجعلها تسير بالطريق الصحيح ولا تنزوي.
استقلا السيارة وانطلق لأحد المطاعم وقصت عليه كل شيء. أصطدم من كل ما تفوهت به، ليسارع أخذ الحذر والتفكير فيما عليه فعله، والأهم حمايتها.
فبأعين متسعة يتجلى بها القلق قال بلهفة بعدما ظل يفكر لدقائق:
"خالتوا لمار."
تطلعت به بلهفة وأمل، سرعان ما حل مكانهم اليأس. ليسرع قائلاً بلهفة:
"يا بنتي، مالك؟ خالتوا لمار هي اللي هتحل كل ده."
هزت رأسها نفياً بقلق:
"لا، هخاف يأذوها لو حصلها حاجة، مش هستحمل."
أغمضت عينيها بوقدة في فؤادها وتنهدت بقهر قائلة:
"خلاص، أنا هعمل اللي هما عايزينه."
لم يعقب، وإنما أسقمه جاذباً إياها من معصمها، صائحاً وهو يضع الحساب على الطاولة:
"قومي معايا بسرعة، يلا."
صاحت به قائلة وهي تسير على عجل معه:
"استنى بس، هنروح فين؟"
"هتعرفي دلوقتي،" قالها وهو يفتح باب سيارته، "اركبي يلا."
صعدت كما طلب وانطلق هو بها ملتمساً حيث عمل لمار. لم يمد إلا دقائق ولاحظ حذيفة من المرآة سيارات تتبعه. حملق بهما بذهول وخطف نظرة سريعة لـ أسماء وقال:
"أسماء يا حبيبتي، لو متنا دلوقتي اعرفي إني بحبك هااا."
قطبت حاجبيها بعدم فهم وهمست:
"بتقول إيه؟"
دقق النظر فرأى رجلاً يخرج جذعه من نافذة السيارة وبيده سلاح مصوباً نحوهما. فهمس ضاحكاً:
"هنموت يا حزينة، يا اللي مدخلتش دنيا، يا حذيفة، يا عمرك اللي جري بدري، ياااا اختي."
اتسعت عيناهما على أخرهما وهي تقول بصدمة وعدم فهم في آن واحد:
"أنا مش فاهمة حاجة، هنموت إزاي يعني؟"
أشار لها قائلاً:
"بصي ياااختي، وراكِ كدا!"
فما أن همت أن تلتفت وصرخة بصوت عالٍ عندما تناهى لمسامعه صوت الطلق الناري.
تعالت ضحكات حذيفة وهو يمد يده على رأسها لينزلها للأسفل وهو يقول:
"عرفتي يا ختي هنموت إزاي؟ وربنا ما أنا ميت غير لما أتجوزك."
بخوف ضمت ذاتها وأخذت دموعها تنفجر بغزارة وهي تقول بشهقات:
"هو دا وقت تضحك."
"يا ستي خلينا نموت واحنا مبسوطين."
دقائق وكان هناك سيارات آتية من أمامهم، وكان من ضمنهم أنس وبلال. ابتسم حذيفة قائلاً بمرح:
"أي دا؟ شكلنا مش هنموت النهارده. الأخ أنس وبلال جم."
توغل الأمل قلبها ووقف حذيفة بالسيارة على إشارة من بلال ليترجل منها مندفعاً لأسماء وأخذها سريعاً إلى سيارة بلال الذي صاح بهم:
"امشي يا بني بيهم دلوقتي."
آبى حذيفة تركهم بتاتاً ولم يستطع بلال ثنيه، فرحلت أسماء وتبقى هما. استطاعوا إصابة بعض الرجال، أما الباقين فلم يصمدوا طويلاً وانسحبوا.
ترجلت أسماء من السيارة مندفعة نحو مجلس لمار التي تلقفتها بين ذراعيها تهدئها بحنان. أما هي فزاد بكاؤها وشهقاتها خوفاً وهي تضمها. أجلستها لمار وناولتها ماء لتهدأ. هدأت بعد قليل، فنظرت لـ لمار متسائلة:
"هو أنتِ عرفتي إزاي؟"
طبطبت لمار على ظهرها:
"سيبك من كل ده دلوقتي، رني على الرقم اللي بيكلموكِ منه واسألهم إنك محافظة على كلامك بأن محدش يعرف حاجة، فـ ليه حاولوا يقتلوكِ؟"
بجنون هزت أسماء رأسها برفض:
"لا يا خالتوا، لا، مستحيل."
بهدوء تام قالت لمار وهي تناو لها الهاتف:
"أنا جنبك ومستحيل حاجة تحصلك وأنا موجودة. أمسكي يلا واتصلي."
أزاحت دموعها ومسكت بكفها الآخر بين راحتيها. توغل الأمان قلب أسماء ووضعت الهاتف على أذنها منتظرة الرد، وجاءها صوتاً رجولياً حاد يقول وهو يجز على أسنانه:
"هربتي بس هتروحي مننا فين؟ رجالي هتجيبك بردوا وأهلك هيدفعوا التمن."
ارتعد جسدها لتشير لها لمار بعينيها أن تكمل. وفي أثناء ذلك، دلفوا الشباب للداخل. ازدرت أسماء ريقها الجاف كصحراء خاوية وهمست بهدوء:
"انتوا اللي خلفتوا بالوعد وحاولتوا تقتلوني، وطالما كدا الفيديو اللي معايا هوريه لخالتي، وانت أكيد سامع بـ لمار الشرقاوي؟"
ابتسمت لها لمار مشجعة. فهمس الرجل بشك:
"يعني انتِ مبلغتيش؟ أمال طلعتي ليه من البيت؟"
أغمضت أسماء عيونها وقالت بهدوء:
"واحدة وخطيبها خارجين هيبقي ليه؟ ما أنا لازم أتعامل عادي عشان محدش يشك. بس انتوا هتجبروني أعمل حاجة تاني وهوديكم في داهية؟"
"لا لا، بصي نتقابل في موعدنا المحدد ونتفق تمام."
أغلقت أسماء باكية لتربت لمار على كتفها هامسة:
"يا بنتي أنا موجودة معاكِ، متخافيش. سيبى الأمور عليا."
وقف حذيفة عن كثب منها قائلاً بمرح:
"لينا عمر جديد، أنا جعان، أكلوني."
انفجرت أسماء ضاحكة، أما لمار فضربته على كتفه قائلة لـ أسماء:
"هتتجوزيه إزاي دا لو عايزة تخلعي؟ شاوري بس أنتِ."
وقف بلال محدقاً بها، واقفاً أمامها يولي ظهره لـ أسماء:
"إيه يا خالتوا، تخلع دي؟ ما صدقت البت وافقت."
ظلوا يتحدثون وغفلوا عن ذاك الواقف خلفها، لا تحيد عيناه عنها، يتمنى لو يأخذها لحضنه ليخبرها أنه هنا لن يمسها سوء، فكيف يسمح بذلك؟ وإن أصابها سوء أصابه أضعاف. ابتلع غصة قاتلة بقلبه وتلك الندوب أضنت روحه. فرحل من المكان محاولاً إشغال ذاته، لكن لا مهرب، فلا غيرها مستقر بذهنه. سكنت وتملكت وأبت الرحيل وتركته بمنتصف الطريق تائهاً وحيداً. فأين السبيل إليها وكيف ينساها؟ فهل للجسد حياة دون روح؟
تراجعت للخلف مستندة بظهرها على مقعد مكتبها، متنهدة في إرهاق جلي، من كثرة ما بذلت من مجهود بالمحكمة ومن ثم في الذهاب لأخذ خديجة التي اشتاقتها حد الجنون والفقد أضنى فؤادها. وها هي تستريح من تعب اليوم، لتغمض عينيها متمنية قليلاً من الراحة. وتذكرت ذاك اللقاء الذي جمعها لدقائق مع عمرو حينما كان يهبط الدرج بخديجة وابتسامته تلك أذابت قلبها، ولكنه تعامل معها كأنها غريبة لا يعرفها، إذ أنه لم يلقي عليها السلام حتى. ما أغربه من رجل! لوهلة ظنت أنها لا تعرفه وغريباً عنها، لما بلحظة يتبدل حاله من حالٍ لحال؟
سرعان ما تذكرت ذاك اليوم المشؤوم الذي أفقدها حياتها وجنتها، جعلها محطمة القلب، روحها ما زالت مغادرة، حتى ضحكتها أبت العودة. دمعت عيناها وذاك المشهد كأنها تراه للتو، وهو مع فتاة أخرى. انقسم قلبها وتلك الجروح انفتحت أكثر مما كانت. فتحت عينيها متنهدة وهي تكفكف دموعها. جفت دموعها، ولكن كيف لها أن تخمد وقدة فؤادها وشظايا روحها؟
هزعت نفسها وهي تنتفض من مكانها حينما تذكرت تأخر خديجة التي نزلت لتبتاع شيئاً. وضعت يدها على قلبها حيث تلك النغزة التي تملكتها فجأة وأسرعت بطلب السكرتارية طالبة منها أن تذهب وترى ها.
لم يمد طويلاً وجاءت نعمة راكضة، لتنتفض ورد مكانها ما إن لمحت تعابير وجهها القلقة، لتهتف نعمة وهي تلهث بفزع:
"خديجة!"
وأخذت تلتقط أنفاسها.
وقع قلبها من صدرها وتجلى الخوف بعينيها وهي تقول:
"مالها خديجة؟ بنتي فين يا نعمة؟"
تقهقرت نعمة للخلف واستندت على الجدار قائلة بتلعثم:
"خديجة مش موجودة في أي مكان!"
صمت عم المكان تحاول استيعاب تلك الجملة التي يأبى روعها تصديقها بتاتاً. وانتبهت لذاتها لتهمس بجنون وهي تدفع نعمة من أمامها وتركض كالمجنونة للأسفل:
"يعني إيه بنتي مش موجودة؟ أنتِ اتجننتي؟ أوعي من قدامي، هتكون فين؟ أكيد هنا."
خرج الجميع على صوتها. سرعان ما شاركوها البحث عن خديجة، تلك الطفلة المحبوبة لقلب الجميع. دارت بكل ركن وزاوية بالشركة في البحث عنها دون فائدة والجميع معها. وأخيراً سارت بالطريق تبحث عنها، تشبه امرأة قد فقدت عقلها وتسير دون وجهة.
جثت على ركبتيها ما إن فقدت الأمل، صارخة بصوت عالٍ رج الأرض رجاً لصراخ روحها المذبوحة: "خديجه".
بكت في قهر، بكاء يدمي القلب. لتقترب نعمة هامسة بشفقة على حالها وهي تربت على كتفها:
"متقلقيش، هترجع دلوقتي، دي روحها فيكِ يعني هتكون فين؟ أكيد هترجع؟"
صرخة عالية: "آآآآآه!" كل ما صدر منها، لتضم نعمة رأسها لصدرها ويتدفق الدمع من عينيها بغزارة لحالها وقلقها.
"والله هترجع إن شاء الله، أكيد هي هنا أو هنا، ادعيلها."
همست ورد بوهن وهي تحاول الثبات وقد أثارها الدوار والوهن، وظلت تغلق وتفتح بعينيها وهي تهمس:
"يا رب، يا من لا تضيع عنده وديعة، استودعتك بنتي، استودعتك بنتي يارب، ياررررب."
سواد حالك عم المكان وأغشى عينيها، ولكن كان يحيطه وجه خديجة الباسم متلالئاً. وسقطت رأسها بين ذراعي نعمة التي صرخت بدورها. ليتجمهر الناس حولها لينقلوا جسدها المسجى عند باب شركتها الصغيرة والجميع يغلفه الحزن والبكاء.
رمشت بوهن ما إن لامس وجهها تناثرات الماء التي تنثرها نعمة بقلق بالغ، ففتحت عينيها بهزل تبحث وسط الوجوه عن حياتها الضائعة. انتفضت مسرعة وهي تقول:
"بنتي فين؟ خديجة فين؟"
تمسكت بها نعمة تحاول مساندتها قدر الإمكان، إلا أنها أبعدت يدها واتجهت تترنح من أثر الدوار لتستقل سيارة أجرة.
ما إن قفزت لذهنها تلك الفكرة: أيمكن أن تكون ذهبت عند لمار أو والدها؟ ولكن منذ متى تذهب وحدها؟ بلا، إنها ذهبت، إنها بخير، بخير، وبخير. كانت ترددها مراراً وتكراراً تحاول إقناع واطمئنان ذاتها وقذف تلك الأفكار السيئة عرض الحائط.
جاءها اتصال من رقم غير مسجل لترد بلهفة:
"الوو، خديجة."
اتسعت عينيها وفغر فاهها، وقع قلبها طريحاً وذبحت روحها ما إن تناهى لمسامعها صوت رجلاً يقول بصوت أجش غليظ:
"اسمعيني كويس، مفيش داعي تدوري على بنتك أبداً، وكمان أنسيها، اعتبريها في عداد الموتى. إلا..."
وصمت. لتصرخ هي بانهيار وهي تمسك الهاتف:
"بنتي معملتش حاجة، سيبها، موتني بس سيبها، حرام عليك، حسبي الله ونعم الوكيل، اياك تأذيها، أقسم بالله أشرب من دمك بنفسي."
صوت ضحكاته الساخرة أرعد جسدها لترتجف وتتدفق الدموع من عينيها كأنها أمطار غزيرة أو فيضان.
همس بسخط:
"هقفل، بس أي كلمة أو بلاغ عن اختطاف بنتك وقتها اقري عليها الفاتحة. هسيبك دلوقتي ولينا مكالمة تاني أقولك فيها اللي عاوزاه."
كانت كمن حقاً فقد روحه، كأن الدم قد تسرب من أوردتها بوجهها الشاحب وعينيها الحمراوين من أثر البكاء وروحها التي تصرخ بلا هوادة ودون انقطاع. فكيف تداوي شظايا روحها وإرجاع قلبها لمكانه؟
صوت السائق الذي صاح بها وهو يركن دليل على وصولهما لتعطيه الأجرة وتترجل بآلية تكاد قدماها أن تحملاها بجهد عظيم منها. دارت عيناها بالمكان بتيه وأخيراً تمالكت ذاتها ودلفت للداخل تسير بؤيدة، لا ترى أمامها بذات الغشاوة المكبّلة عينيها بالدموع لتنصدم بأحد وكادت بالسقوط ليتلقفها بين ذراعيه ناظراً لها بزعر وقال وهو يعدلها برفق:
"ورد، مالك؟ في إيه؟ خديجة كويسة، مالك؟ شكلك تعبانة، تعالي."
لم تعقب، وإنما سارت كما أجلسها. أهداها كوباً من العصير الذي أسرع لجلبه. ووقفت تالا وهالة وسمر وعائشة ومكة بقلق بالغ لا يدرون ما يجري.
كانت تتطلع بالمكان بصمت على أمل أن تظهر ابنتها أو يأتيها صوتها لتطمئن قليلاً فقط، إنها فلذة كبدها ومن ذا قد يشعر بفؤادها الذبيح؟ الذي يأن ويصرخ في آن واحد.
عنوة عنها جعلها تشرب العصير بقلق لحالتها المزرية وهمس وهو يتمعن بها:
"فين خديجة؟"
خديجة؟ هل ستكون هناك خديجة؟ هل ستعود لأحضانها لتؤنسها وحدتها وتشاركها ضحكاتها وحزنها؟ أين هي يا ترى وماذا يفعلون بها؟ أكيد أنها تموت رعباً الآن.
همست هالة بقلق وهي تضع يدها على كتفها لتنتبه لها:
"مالك يا ورد؟ فيكِ إيه؟"
تطلعت بها بتيه وازدردت ريقها قائلة بثبات عجيب:
"أنا تمام، مفيش حاجة، وخديجة تمام مع نعمة، بس كنت قريبة منكم هنا فـ قولت أجي بس."
همس عمرو بشك:
"متأكدة؟ أنتِ كويسة بجد؟"
اكتفت بمؤاماة من رأسها، ليهمس هو بنفسه:
"ولكن ذاك القلب ليس بخير، إنه يميتني حياً بذاك الشعور القاتل. أشعر أن تلك الحياة تحولت لجحيم لا معنى لي بها. لماذا أنا لست بخير؟"
استأذنت ورد مغادرة بعد جهد عظيم بعدما تركوها، لتتجه لأحد تستطلع رقم الهاتف الذي أكد لها أن هذا الرقم غير موجود نهائياً.
جاءها اتصال من نعمة تحسها على القدوم بأسرع ما يمكن. فتوجهت على عجل متمنية أن ترى خديجة، ولكن خاب ظنها.
ما إن رأت نعمة التي ركضت تجاهها صائحة:
"تعالي، لازم تشوفي الفيديو دا."
وجذبتها من يدها لداخل السوبر ماركت الذي ما إن علم صاحبه باختفاء خديجة، تلك الصغيرة التي كانت تأتيه وتجعله يضحك من قلبه، فقد كان رجلاً كبيراً بالعمر على حد ما. ها هو يكبلة الحزن والقهر. شرع في تشغيل الحاسوب لـ ورد الذي رأت امرأة تتصنع الوقوع لتسرع خديجة إليها بقلق تحاول أن تفعل أي شيء، إلا أنها وضعت فمها بمنديل ليغمى عليها وحملتها على كتفها كأنها نائمة وهي تتلفت حولها، وقد كانت سيارة عن كثب منها جداً. استقلت واندفعت مسرعة.
"خلف السوبر ماركت برواق ضيق يفصل ما بين السوبر والشركة."
هتف الرجل العجوز بقهر:
"سامحيني يا بنتي، يا رتني كنت طلعت ووقفت لحد ما أتأكد إنها وصلتك."
وطأطأ رأسه أسفاً لتهز ورد رأسها نفياً وهي تهمس بتيه:
"لا، أنت مالكش ذنب، دا كله ذنبي أنا."
ربتت نعمة على كتفها بحزن، وهي تبكي بصمت. فأستطرد الرجل هامساً:
"دا دليل تروحي بيه القسم عشان يحاولوا يلاقوها، وهترجع والله هترجع يا بنتي، اطمنتي، بنتك في رعاية الله."
ابتسمت ورد ببريق الأمل بعينيها، ليسود الصمت وهي منشغلة الفكر، إلا أن تذكرت تلك القضية وذلك الرجل بالأخص الذي هددها "أحمد محمد". حملقت بصدمة وهي تندفع للخارج مسرعة، ركضاً تصطدم في كل من يقابلها وهي لا ترى أمامها من شدة خوفها واضطرابها.
دفعت ورد الباب للخلف، وخلفها يصيح مدير أعمال ذاك الرجل يحاول إيقافها، لينتفض أحمد مزهولاً من دخولها وحالتها المزرية تلك.
"فين بنتي؟ عملت فيها إيه؟"
قالتها وهي تهجم عليه تمسكه من قميصه بقسوة وعنف، وأعين لا تبشر بخير تكاد تحرقه مكانه.
قطب حاجبيه بتعجب، دون محاولة منه أن يبعد يدها أو يدافع عن نفسه. أشار لمدير أعماله بالمغادرة لينصاع لأمره ويخرج، غالقاً الباب خلفه. عاود نظره إليها ورق قلبه لحالتها تلك ودموعها وهمس دون فهم:
"بنت مين؟ وفين إزاي يعني؟ وتقصدي إيه بـ عملت فيها إيه؟ بجد أنا مش فاهم حاجة؟!"
ضغطت بعنف جاذبه من قميصه وأظافرها طالت رقبته لتجرحه وهي تصرخ بجنون:
"يعني إيه مش فاهم حاجة؟ ليه بنتي عملتلك إيه؟ إيه ذنبها طيب؟ ليه تحرق قلبي كدا حرام عليك."
عن ماذا تتحدث؟ هو لا يدري ولم كل تلك التهم؟ فأمسك يدها بغضب شع من عينيه ودفعهم بعيداً وهو يصرخ بها:
"أنتِ مجنونة يا ست أنتِ! بنت مين وعملت إيه؟"
همت بالصراخ ليرفع سبابته بوجهها محذراً:
"كلمة زيادة واقسم بربي أرميكي من الشركة، كفاية إهانة بقا وأنا سكتلك، كفاية بجد لحد هنا."
تدفق الدمع من عينيها وهي تحدق به صارخة وعادت لمسكه مرة أخرى من مقدمة قميصه:
"كفاية كفاية إيه؟ فين بنتي يا مجرم! أنت هددتني آه بس إلا بنتي."
أنزلت يديها عنه منكسرة مقهورة تشعر أن روحها تنسحب ببطء شديد ولا تدري كيف تنقذ ذاتها ولا بمن تستغيث:
"رجع لي بنتي، دي كل اللي ليا في الدنيا، هسيب القضية ولو عايز أسيب شغلي كله هسيبه صدقني، أنا مكنتش أعرف إنك هتنفذ تهديدك وتاخد بنتي مني، رجع لي، قولي هي فين وطمن قلبي."
ساد الصمت فجأة إلا من شهقاتها. أما هو حاول أن يستوعب ما قالته، خاطف؟ ومن أبنتها؟ ألهذه الدرجة تظن به سوءً؟ أهذه هي حقاً الفتاة الشجاعة العنيدة حادة الطبع التي لا يكسرها أحد ولا يهزمها ولا يهمها أحد؟ يا الله! من ذاك الزمان.
بهدوء شديد همس بإنتباه:
"خطف؟ خطف إيه؟ أنا يوم ما هددتك كان مجرد كلام، ممكن أوقع شغلك أخسرك، لكن خطف أنا مستحيل أعمل كدا."
دارت الدنيا بها وهي لا تسمع ما يقوله، هي في عالم آخر تائهه خائفة. همست بصوت موجوع من صميم القلب بهدوء:
"عشان خاطري رجعلي بنتي، صدقني هي مش ذنبها حاجة، طب موتني أو أقتلني بس بنتي لا، الله يخليك رجعها لي، رجع لي روحي."
قالت تلك الجملة وهي تنكب لتلثم يده، ليبعد هو يده بذهول وهو يقول بتأثر:
"والله العظيم ما أعرف بنتك فين، أحلفلك بـ إيه إن يوم تهديدي كان كلام بس لقلقي على أخويا."
صرخة بكل ما أوتيت من قوة وهي تجثو على ركبتيها لينزل هو بمستواها بدموع. رفعت رأسها متطلعة به هامسة وهي تقاوم الإغماء وترمش بعينيها:
"أنا عايزة خديجة، عايزة بنتي، آآآه يا بنتي أنتِ فين."
بحنان همس بدموع:
"طب احكي لي كل اللي حصل بالتفصيل، بإذن الله هنلاقي حل وهنرجعها، خلي ثقتك في الله."
تطلعت به هامسة بوهن:
"يا ررررررب."
وارتخت رأسها على صدره ليصرخ باسمها وهو يحملها رافعاً إياها بين ذراعيه. لم يستطع أن يحملها فقد تثور عليه مرة أخرى، فنادى بصوتاً عالٍ لمدير أعماله وأرسل لأخته التي جاءت فوراً وساندتها على الأريكة. همت بإن تستفسر عن مجيئها، لكن نظرة واحدة منه كانت كفيلة بإسكاتها ويسرع بإحضار الطبيب، وعاد هو جالساً بجوارها قلقاً وهو منشغل الفكر بأبنتها.
لم يمد طويلاً وجاء الطبيب ليفحصها مؤكداً له أنها بخير، فقط ضغط واطئ وحالة انهيار وتحتاج لراحة. علق لها محاليل وأهداه الورق المدون بها العلاج وغادر، ليظل هو بجانبها قلقاً ساعات وساعات تمر دون أن تفيق، كأنها استسلمت لأحلامها، لعل بها ابنتها؟
ها هي تفتح عينيها ببطء هامسة:
"خديجة؟"
فتحت عينيها تستطلع المكان، إلا أن أبصرته لتنتفض فزعاً جالسة وهي تتطلع حولها وبه:
"إيه اللي حصل؟"
"أغمي عليكِ وجبت لك دكتور ولازمك راحة تامة وإلا."
لم يكمل باقي جملته لتقاطعه هي قائلة بحسرة وخوف:
"راحة؟ هي فين الراحة وبنتي مش قدام عيني؟"
ابتسم بهدوء قائلاً:
"لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً."
"لازم ترتاحي عشان تفكري هتعملي إيه وترجعي بنتك وأنا معاكِ وبإذن الله هنلقيها، لازم تصبري وتحمدي ربنا، وإن شاء الله هترجع، أبشري. حالياً تعالي أوصلك البيت تستريحي."
معه حق، يجب أن تفكر جيداً لتصل للحل المناسب وتدرك ما عليها فعله. لكن ما يسير شكها؟ هل هو حقاً صادق ذاك الرجل؟ أم هو فقط يحاول تشتيتها؟ ماذا لو هو الخاطف حقاً؟ فهل تثق به؟
انتبهت من شرودها على قوله:
"أكيد بتفكري، ياترى تثقي فيا ولا لا؟"
نظرة له بصدمة ليبتسم مكملاً:
"أنا مش قاتل قتلة، مش طفلة صغيرة الأذيها، موصلتش لكدا ولا عمري أفكر كدا، فـ اطمني رجاءً وثقي فيا بس."
اكتفت بـ إيماءة بسيطة من رأسها وتساندت على نفسها لتغادر، ليصر هو على توصيلها حتى تصل بأمان وتخضع هي لإصراره بعدما طمأنها أن تعامله كـ سائق أجرة. قد استقلت معه السيارة.
كان الطريق طويلاً باهتاً على قلبها، موحشاً للغاية، كان يخيم الصمت عليهم إلا من نحيبها وذاك الألم الذي يعصر قلبها. فهي هادئة، لكن بداخلها صراع مخيف.
فاقت من شرودها على إيقاف السيارة ليستدير هو لها متسائلاً باهتمام:
"ممكن تقولي كل اللي حصل بالتفصيل؟"
نظرت له لثوانٍ قبل أن تقص عليه جل ما حصل بصوت نمى عن ألماً دفين.
أحتد غضبه وهو ينظر أمامه ما إن ألقت على مسامعه ما حصل. كانت تجلس بالخلف، أما هو أمام عجلة القيادة. طال صمته لتستحثه قائلة بقلق من معالم وجهه التي تبدلت:
"مالك؟ في حاجة؟ أنت قدرت تعرف حاجة؟"
لاحت له ذكرى خديجة حينما رآها، لقد رآها مرة واحدة وكم أحبها حقاً، فهي بريئة وطيبة للغاية، لديها روح مرحة ورجاحة عقل لطيفة.
همس بألم وهو يستند بمرفقه على النافذة متطلعاً من خلفها:
"ادعي بس إن يكونوا اللي خطفوها بس عايزين فلوس، دي حاجة أمرها سهل."
كلماته كخنجر غرس بفؤادها وأسهم اخترقت قلبها وتمتمت بخوف وهي تذدرد ريقها:
"تقصد إيه؟"
تعلقت عيناها به تترقب ما سيقول بخوف، ليقول بحدة أرعدتها وهو يلكم عجلة القيادة:
"يعني ادعي ميكونوش من اللي بيسرقوا الأعضاء، فهمتي؟"
بكاء حاد بحرقة وشهقات من قلب يحترق كان كل ما سمعه منها ليشعر بمدى قسوة كلماته. بهدوء هتف:
"متبكيش، إن شاء الله خير، هخلي رجالة تبحث عنها في كل مكان، أنا هتصرف، بس دلوقتي اطلعي استريحي."
ترجلت من سيارته دون كلمة مندفعة للأعلى تسبقها دموعها الحارقة، فما إن وطأت قدماها الشقة وشعرت بجفاء غريب بها، كأنها هي الأخرى قد فقدت حياتها!
صرخت وهي تسد أذنيها وتغمض عينيها بعنف وتسقط أرضاً حينما تناهى لمسامعها صوت خديجة، كلماتها وضحكاتها وصوتها، جلجلتها في البيت التي كانت تعطيه الحياة، وأخيراً رؤيتها أمامها بابتسامة تنير وتشرق وجهها.
فأخذت في البكاء عالياً ونهضت لتصلي وتبكي وتبث شجواها للرحمن الرحيم. كان بكاؤها حقاً مؤلم إذ أنه يعصر فؤادها الموقد به ناراً لا تخمد، قلق وخوف ووجع يتملك بأوصالها ومستحوذ فؤادها.
رفعت كفيها أمام وجهها متضرعة وهي تدعي خالقها بعجز تام وتضرع وخشوع وتبث له ما بجعبتها.
صدقة! قفزت تلك الكلمة بذهنها. كما هي حقاً تستحق ما يجري لها. كيف لها أن تنسى أمراً كهذا؟ كيف؟ لقد أخذ عملها جل وقتها لتتناسى صدقتها الشهرية، لا سيما أنها تعيل إحدى العائلات الفقيرة والتي منهم من يحتاج لأدوية. يا الله كيف نسيت ذلك؟ يارررب..
كفكفت دموعها وهي تنهض على عجل جاذبة حقيبتها مسرعة بطريقها لتخرج "صدقة"، ولكن أكثرت تلك المرة بجل ما تملك إلا ما يخص العمل. وكم كانت فرحتها وهي ترى تلك البسمة على وجوه المرء والأطفال.
ابتسمت مطمئنة رافعة نظرها للرحمن تطلب منه العفو، فقد حقاً تأخرت كثيراً عن تلك العائلة ولولا حضورها لكانت ماتت تلك العجوز لعدم تناولها الدواء، لتسرع ورد بإحضاره وبمجيء ما يلزمهم وتعطيهم ما يحتاجون من مال، طالبة منهم الدعاء لابنتها أن تعود سالمة. أخذت وقتاً وهي تدور هنا وهناك على مستشفيات ودار أيتام وجمعيات متبرعة، فما سيلزمها المال؟ هل ستأخذه معها عند موتها؟ هل سينفعها عملها؟ لا، لن ينفعها سوى صدقة جارية تنير قبرها المظلم.
اطمأنت وهدأت واستراحت وعادت للبيت ناظرة به، ماذا سينفعها هو أيضاً؟ كيف وكيف استطاعت أن تنسى؟ كيف ظلت تستغفر وها هي تستودع ابنتها لرب العالمين مطمئنة أنه سيحفظها لها، فقد استودعتها عند الأحد الصمد سيردها أكيد، ذاك اختبار ستتحمله، لا بأس، سيزول حتماً.
بغرفة ما يضيئها ضوء خافت ليس بها أساس سوى كم مقعداً وأغلبهم لا يستحق الاستعمال للكسور، الغبرة تعم المكان كأنها لم تنظف منذ شهور، يتخلل زواياها العناكب. كانت مجسية خديجة على أحد المقاعد بإهمال بجوارها رجل بعمر الثلاثين فما فوق يجلس عاقداً ذراعيه، يشع الغضب والإجرام من وجهه، وعلى الأرض يجلس آخر بذات عمره.
تململت خديجة وفتحت عينيها وهمت بالاعتدال جالسة فتنفزع لمرأى ذاك الرجل لتبحلق به قائلة:
"عمو أنت مين؟"
جالت عيناها المكان لتعاود النظر به، هاتفة وهي ترفع كتفيها:
"وأنا فين؟ فين ماما وبابا وخالتوا لمار؟"
نظر لها والشرر يتطاير من عينيه وبيده اليمنى هبط بها بعنف على المقعد الذي يجاورها محاولة منه لإخافتها وصاح بصوت عالٍ يتغلفه الحدة والسخط:
"بقولك إيه؟ كلام كتير مش عايز، متصدعنيش دماغي وضيعلي البرشمتين اللي يلا ضاربهم، فاهمة؟"
ظن أنه سيرعبها، سيبث لقلبها الرعب، ستبكي وتنزوي بأحد الأركان، إلا أن خاب ظنه عندما مالت بجذعها نحوه متفرسة النظر به قائلة بنبرة غير خائفة:
"لاااااا، أنا مش فاهمة، ودلوقتي تقولي فين ماما؟"
جز على أسنانه قائلاً من بينهم وهو يضغط على ذراعها بقسوة:
"بت، متعصبنيش، مش طفلة زيك تعلي صوتها عليا."
أزاحت يده بعنف طفولي وهي تتتمعن النظر به:
"لا، مش هوطي صوتي، أنا فين؟"
"مخطوفة وهتموتي قريب على أيديا، خافي وكشي بقا ومسمعش صوت أمك ده ولا تصدعيني؟"
رمقته خديجة بغضب قائلة:
"أنا مش بخاف غير من ربنا عز وجل، ماما قالت لي كدا وأنا مش خايفة منك، أنت اللي لازم تخاف مش أنا."
لوت فمها بطريقة طفولية وهي تعقد ذراعيها، لا تحيد عيناها عنه.
تعالت صوت ضحكاته الساخرة وهو يقترب يواجهها بوجهه قائلاً بغضب:
"أنا اللي أخاف؟ وأخاف ليه بقا؟ وأخاف من مين؟ منك أنتِ؟"
قاطعته مستغفرة بصوت عالٍ وهي تصيح:
"هو انت جاهل يا عمو؟"
كبح غضبه بصعوبة لـ تستطرد هي قائلة:
"تخاف من ربنا مش مني أنا."
قالتها وهي تشير لذاتها وأردفت قائلة:
"ماما دايماً بتقولي إن في يوم للحساب وهنتحاسب على أعمالنا كلها، لو أعمالك كويسة انت هتدخل الجنة، لو لأ يبقي النار، ربنا يصرفها عنا يا عمو، طب أنت تعرف إن إحنا لو بس اتلسعنا بنتألم، فـ إزاي النار؟ وهي دايمة وكمان إن لله وإن إليه راجعون، أرواحنا دي أمانة، متى شاء الله أخذها، ماما قالت لي كدا عشان كدا أنت خاف من ربنا مش من حد تاني."
حدق بها مزهولاً وأخذ يقلب بكلماتها بقلبه وعقله. أما الآخر فما زادته إلا قسوة ليقف صائحاً بصوت أرعبها حقاً:
"اسكتي خالص وتكتمي وصوتك دا ميطلعش نهائي، بدال والله أحبسك في أوضة ضلمة لوحدك."
ضمت خديجة قدميها إلى صدرها بخوف، ليس من كلماته وأنما لنظراته لوجهه لشكلِهِ. فنظرت له وهمست بصوت مسموع:
"خالتوا لمار دلوقتي تيجي وهتموتكم كلكم."
كز على أسنانه قائلاً وهو يتوجه نحوها صارخاً:
"أنتِ إيه مبتسمعيش؟ بقولك متصدعناش، ولمار مين دي كمان؟ تيجي بس وهيبقي آخر يوم ليها زيك كدا، هتموتي وهتدفني هنا."
وقفت خديجة على المقعد وهي تقول:
"مش هموت غير لما ربنا يأذن ومش هسكت، وأنا مش خايفة منك."
"وأنا هخليكِ تخافي."
قالها وهو يرفع يده ليصفعها، لتغطي خديجة وجهها بكفيها وهي تشهق. ولكن لم تشعر بشيء لتزيح أصابعها مستطلعة الأمر، فتجد الآخر ممسكاً بيده من قبضة من فولاذ وهو يقف أمامها يوليها ظهره، يقف بوجه الآخر.
هدأ الشاب وجلس جميعهم. فجأة صوت بكاء زال الصمت، فلم تكن إلا هي.
ليشير لها الرجال الجالس بجانبها بتأفف:
"شكلك هتخلينا نستعمل معاكِ طريقة مش هتحبيها خالص، بتبكي ليه؟ حد جه جنبك ولا انتِ اللي من لما قعدتي بتدينا حكم ومواعظ لقلوب مش قلوب أصلاً عشان نفهم."
صمتت ملياً قبل أن تقول:
"أنا عايزة أتوضأ أصلي."
حدق الرجل بها مزهولاً، أتلك الطفلة تصلي؟ ربما، ولكن لماذا تصر أن تصلي وهي مخطوفة هكذا؟ ألا تخشى أصلاتها أهم؟ ربما لا يهم.
أشار لها بيده على المرحاض:
"الحمام اهو، روحي اتوضئي."
تبهرج وجهها وهي تنهض بلهفة متوجهة للوضوء. بينما صاح الآخر بزميله:
"انت إزاي سبتها تقوم..."
قاطعه قائلاً:
"دي طفلة، طفلة، مستحيل تعرف تهرب، ولحد الباشا ما ييجي ويقولنا نعمل إيه، نسيبها وبلاش وجع دماغ، إحنا في غنى عنه."
قالها وهو يشير لرأسه. ثوانٍ وخرجت خديجة لتسأله عن القبلة وتصلي. كانت خاشعة، صوتها عذب، تلت ما تحفظ من آيات العذاب كأنها تعطي لهم دون وعي إشارة ما. أنهت صلاتها وقالت أذكارها ونهضت لتعود الجلوس حيث كانت وتطلعت به قائلة ببراءة:
"عمو،" نظر لها لتردف قائلة، "ممكن تحكي لي قصة من الصحابة؟"
"من إيه؟"
قالها دون فهم وهو يعقد حاجبيه.
لتضرب هي جبينها بيأس قائلة بحسرة:
"أنت مش هتعرف،" "ويـا بحماس قالت،" "يبقى أحكيلك أنا وأمري لله."
صمتت قليلاً وتسألت ببراءة:
"عمو، هو انت ليه مصلتش؟"
نظر لها دون أن ينبث بكلمة، لا يدري ما يقوله، أيخبرها أنه أبعد ما يكون عن الصلاة؟ ليهمس أخيراً ما إن لوحت بيدها أمام وجهه:
"مبصليش؟"
شهقت خديجة وهي تضع كفها على فمها بصدمة وتحلق به لتهتف قائلة:
"حرام يا عمو، أنت كبير وهتتحاسب، طب تعرف إننا لما نموت إن هنتسأل عن الصلاة أول حاجة."
صمتت وهو يتطلع بها فقط، لتقول بتذكر:
"أنت اسمك إيه؟"
"صابر."
همس بها بتلقائية وهو يتحدث بأريحية معها.
حرقت خديجة ذراعيه قائلة ببراءة:
"صابر، الله اسمك حلو يا عمو، جاي من الصبر، لو شلنا الألف هتكون صبر، أنت عيالك مخطوفين زيي؟"
حدق قائلاً بزعر:
"بعد الشر على عيالي، ربنا يحفظهم."
نكست خديجة رأسها هاتفة بتمني:
"أسأل الله أن يحفظهم لك ويكونوا ذرية صالحة لك."
ثم صمتت كأنها تتذكر شيئاً ما. ليقول هو بتعجب:
"أنتِ جايبة الكلام دا كله منين؟ دا انتِ رغاية."
هزت رأسها نفياً:
"أنا مش رغاية خالص، جايبة الكلام منين، من ماما، ودلوقتي بس عشان هستغفر."
"هتعملي إيه؟"
قالها بحدة، لتهمس هي بخفوت:
"وطي صوتك عشان الغول ده ميسمعناش."
قطب حاجبيه متسائلاً بغباء:
"مين الغول ده؟"
أشارت بيدها لصديقه بتذمر ونظرة له قائلة:
"أنا هستغفر فـ متتكلمش تاني."
ظلت خديجة تستغفر وهو يرمقها بذهول وتعجب في آن واحد والآخر يدخن سيجار.
ملقاة على أرض صلبة، شاحبة الوجه كشحوب الموتى، جسدها هش للغاية، تنتفض من شدة البرد القارص لها، كم يوم دون طعام وشراب، تشعر بروحها تنسحب ببطء، ومع ذلك تبدو قوية. إن دلف إليها أحد، كانت قلقة وأضنى قلبها السهد، هناك غصة تخنقها من ذاك الحلم الذي رأتها فيه، تري فتاة تناديها مستنجدة بها تطلب احتوائها، صوت خديجة أيضاً، أسماء، ولكن صوت آخر لا تعلم هويته بعد.
تناهى لمسامعها صهيل جواد يرج الأرض رجاً وصوت يزأر ويصرخ كـ هزيم الرعد، ضجة وحركات غير اعتيادية، قتال يدور بالخارج، ولكن ما الذي يحصل بالخارج؟ استندت على الحائط وهي تنهض مقتربة من الباب تحاول بجهد فتحه. تراجعت للخلف ما إن انفتح بعنف ليطالعها شاب ملثم فوق جواد أسود اللون. لم يكن هناك وقت لتحديقها به، لذا ودون كلمة انكفأ عليها يحملها لتجلس أمامه وهو يحاول تفادي إطلاق النار. انطلق الجواد بهم، ولكن كان الظلام لا يجعلهم يرون حتى أصابع أيديهم، لذا ضل الطريق.
أحس أخيراً ببطء حركة جواده ليتلمسه فيعلم أنه قد أصيب.
فأنزلها دون كلمة وسحبها ركضاً خلفه. وقفت حينما تعثرت بأحد الأحجار لتسقط مستندة على كفيها وتهمس بوهن:
"كفاية، مش قادرة، مش هقدر أكمل."
نظر بالمكان يحاول إيجاد مكان مناسب لجلوسهم قليلاً، لذا ساندها على الوقوف وسار بها قليلاً نحو صخرة كبيرة ليسندها عليها. وبحث عن بعض الأخشاب ليشعل بها النار، ولحسن حظه قد وجد مما أدى ليرها جيداً، منهكة متعبة شاحبة، يحيط عينيها هالات سوداء، هناك آثار لجروح أيضاً. جز على أسنانه يحاول كبح غضبه وهو يقبض راحته.
عم الهدوء المكان، قاطعته هي قائلة باهتمام:
"أنت مين؟ وليه أنقذتني؟"
نظر قليلاً دون كلام ليهمس بتوتر وهو يحاول قدر الإمكان لإخراج صوته:
"أنا مين؟ فاعل خير، ليه أنقذتك؟ لأني مبحبش أشوف مظلوم بيعاني."
اعتدلت بحلستها للأمام ناظرة بتمعن به وقالت:
"امممم، تمام. على العموم شكراً."
هز رأسه فقط وشاح بوجهه عنها قائلاً:
"تقدري نكمل دلوقتي؟"
رياح شديدة وعاصفة هلت، هي من أجابت عنها لتنطفئ النار فوراً ويزداد الجو برودة، لتهمس هي برضى:
"الحمد لله، حفظك يارب."
كانت الريح قوية تقلع كل ما يقابلها، لذا اضطر بالاقتراب منها جالساً أمامها بعرضه كحاجز لتلك الرياح والأتربة.
ضمت ذراعيها على نفسها وهي تحاول الصمود.
ليمسك هو كفها بين راحته بحنو قائلاً:
"قومي بسرعة."
أومأت برأسها وهي تنهض منصاعة له، وذاك الأمان يتغلل بفؤادها تدريجياً. سار بها قليلاً حتى انزوى إلى مكان يشبه الكهف، فجلسا بصمت تام حتى غلبها النوم بعدما جافاها الليالي التي كانت بقبضتهم. أيمكن هذا بسبب ذاك الأمان؟ ربما، لما لا، إنه شعور مميز، الأمان، الراحة، الاطمئنان، السكينة. فغطت بالنوم براحة حتى سمع غطيطها ليبتسم حامداً ربه.
خلف المشفى تقف السيارة بجانبًا مظلم بعيداً عن الأعين، إذ أنه مكان خالٍ أيضاً نسبيًا.
تضم لمار بحنو أسماء تحثها على الذهاب تطمئنها.
"أنزلي وتكلمي معاهم بهدوء واحنا هنقتحم."
رفعت أسماء رأسها بدموع وهزت رأسها رفضاً:
"لا، مستحيل أروح."
ضمت لمار وجهها وازاحت دمعها قائلة بهدوء:
"هتخافي ومامتك جنبك؟ هل لو في واحد في المية خطورة على حياتك أنا هخاطر بيكِ؟ أنا جنبك."
تدخل حذيفة وهو يستدير لهم بجذعه قائلاً:
"إيه يا حجة؟ جنبها جنبها، هو أنا كيس جوافة قاعد؟"
نظر لأسماء قائلاً بصدق وهو ينظر بعمق عينيها:
"أنتِ بتثقي فيا؟"
لم ترد ليعيد هو سائلاً بحدة:
"بتثقي ولا لا؟ جاوبيني؟"
هزت رأسها بالإيجاب ليبتسم قائلاً بحنو:
"أسماء القوية هتنقذ الأطفال والناس دي وأنا جنبك هفديكِ بروحي، فـ اطمني يلا!"
كفكفت دموعها مبتسمة ليترجل هو فاتحاً الباب لها. لتهبط تكلم معها يبث لها الأمان ويمدها بالشجاعة التي زادتها ثقة بنفسها ومضت ناحية المشفى.
ليتملك القلق بلال وحذيفة والجميع. سرعان ما أهدت لهم لمار إشارة بالتحرك داخل المشفى وأخذ أماكن قريبة منها.
دلفت أسماء لهم ليقفوا مرحبين بها كأنهم قد وجدوا غنيمة. فزين لهم أن تعمل معهم وهكذا عمتها وأخوها وأقاربها يكونوا تحت رهن إشارتهم.
جلست ليتكلم أحداً منهم قائلاً:
"مبسوط إنك عرفتي تختاري صح، هتلعبي بالفلوس لعب ولا مين شاف ولا مين دري، إحنا بس بناخد ياما كلية أو كبد بمعني أثناء أي عملية بنسرق عضو."
ظلت أسماء تجريهم بالحديث، كانت تستلقي السمع له لمار حينما وضعت جهاز تنصت بحيبتها دون علمها حتى لا تخاف.
دقائق وكانت الغرفة يحيطها الشرطة من كل جانب. ودارت حرب كانت مدفونة، نصر لمار. ولكن على حين غرة انتشل أحد الرجال سلاح وجذب أسماء من عنقها موجهاً فوهة السلاح برأسها. وقال بصوت أجش صارم:
"ارموا أسلحتكم يلا وتحركوا على جنب."
جز حذيفة على أسنانه بغضب والقلق ينهش قلبه وهو يراه يخرج بها طالعاً بظهره.
فجأة انقض بلال عليه من الخلف محرراً أسماء ويهجم عليه بغل وكل ما يسيطر عليه دموعها وأمسكه لها. أبعده أنس من فوقه لينتبه لذاته وهو يسبه بأفظع الألفاظ ويقترب منها دون وعي قائلاً بلهفة:
"أنتِ كويسة؟ هو عملك حاجة؟ يا حبيبتي؟"
تعلقت الأعين به بذهول وخاصةً أسماء التي تمنت أن ما رأته بعينيه ليس سوء وهم. فنظرت له بصمت. انتبه لذاته وأحس الآن بما قاله ليتنحنح بحرج قائلاً بوجع:
"أنت بمقام أختي عشان كدا."
ابتسمت أسماء له شاكرة، بينما عينا حذيفة تكاد تحرقه. أما لمار فدخلت بحرب مع ذاتها تمنت أن ما أحسته الآن كذبة. ابتعد بلال ما كاد أن يستدير ليرى ذاك الرجل أمسك بالسلاح نحوها ليركض واقفاً أمامها وتأتيه الرصاصة بقدمه لتتلقفه هي وهي تقع معه أرضاً.
ياترى من الذي خطف خديجة؟ أهو أحمد محمد أم تلك الجماعة التي وقعت معها أسماء؟ من الذي أنقذ وعد؟
رواية دموع العاشقين الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ندى ممدوح
أشرقت الشمس بأشعتها الذهبية لتنشر ضوءها في الأرجاء. تململت وعد بكسل. خفقات مترددة قلقة استحوذت ثنايا قلبه وهو يراها شاحبة هكذا. فخرج دون أن ينبس ببنت شفة. ولم يطل غيابه وعاد على الفور بزجاجة ماء. مد يده قائلاً:
"اتفضلي، خدي شربي. أكيد مش شربتي ولا أكلتي اليومين اللي كنتِ فيهم معاهم."
رفعت رأسها قليلاً لتقابل عينيه وعقدت حاجبيها قائلة بتساؤل:
"وأنت عرفت إزاي؟"
قالتها وهي تتناولها منه وتشرب. حمدت ربها بعد ذلك وملأت كفها لتغسل وجهها، فشعرت بالنشاط قليلاً. جلس هو عن كثب وهو يجيبها بعد أن صمت لدقائق:
"ماهو خطفوكي، أكيد هيقتلوكي. هيعملوكي إزاي مثلاً؟"
تنهد بصوت عالٍ متسائلاً:
"بس السؤال الأهم هنا، إنتِ عرفتي إيه؟"
"وأنت بتسأل ليه؟ ويخصك في إيه؟"
لم تجبه، فكيف تعطيه الأمان وهي لا تدري عنه شيئاً؟ لتزفر بضيق قائلة عندما جاءها ذاك السؤال: "هو مين ده؟ بيتكلم مصري كويس، أظن هو مش صعيدي. هل هو ظابط؟ ولكن كيف؟ لكان علمت قبل حتى أن تأتي."
نظرت لها بعينين يتجلى بهما الاهتمام وبنبرة مهتمة قالت:
"أنت من القاهرة؟"
قطب حاجبيه وحرك يده بتساؤل:
"القاهرة؟ شمعنى يعني؟ عشان لغتي وكده؟"
أومأت برأسها ليردف بهدوء:
"أيوه، أنا من القاهرة بس عايش هنا."
"غريبة، سايب القاهرة وعايش هنا؟"
قالت وهي تنظر له، لتشير لوجهه قائلة:
"أنت ليه متلثم؟ شيله!"
أزدَردَ ريقه بتوتر شديد وهمس بارتباك:
"عادي يعني، أنا بعمل خير وكله لربنا سبحانه وتعالى، فمش عايز حد يعرفني."
لم تصدقه، وإنما أنتابها أن هناك أمراً آخر. لتبتسم قائلة:
"ماشي، بس أنت ليه مابلّغتش عن الناس دي؟"
ليقول ساخراً:
"أبلغ؟ أبلغ مين؟ هنا مفيش حد مستعد يخوض حرب معاهم."
"قومي نمشي عشان أوصلك، بقيتي أحسن."
ابتسمت له بهدوء قائلة:
"آه الحمد لله. طب مش هعرف حتى اسمك إيه؟"
نظر لها ملياً بتفكير وقال:
"الملثم. ناديني كدا."
نهضت بتثاقل تحاول تحمل الألم وتساءلت مرة أخرى:
"شكراً إنك ساعدت."
هز رأسه وهو يسير أمامها مشيراً له بتتبعه حتى يأمن لها الطريق. بداخلها ألف عاصفة من البرق والرعد تريد أن تعلم اسمه، أن تدري من يكون، أن ترى وجهه حتى تتمنى بصدق ذلك. لاح لها ذكريات الأمس، كيف ضحى بنفسه لإنقاذها. ياترى لو كانت وحدة أخرى هل كان ليفعل ذلك؟ ابتسمت ساخرة بداخلها وهي تقول: "وهل هو يعرفني؟ هو جاء لينقذ من يحتاج المساعدة فقط. لماذا أشغل بالي به؟ من هو ليقتحم تفكيري؟"
تنبهت لذاتها حينما تعثرت قدمها ليتلقفها هو بيده قائلاً:
"على مهلك، انتبهي."
أومأت برأسها، وانتبهت بكل حواسها وهو يهمس:
"أنا مش هقدر أوصلك لداخل القرية، بس هسيبك قريب يعني. تمام كدا؟"
أومأت برأسها باقتضاب شديد. وذكري الأمس لاحت أمام عينيها. مهلاً، فقد جلس أمامها محيطاً إياها بكفيه من تلك العاصفة التي هلت. ابتسمت دون وعي وهي تحاول أن تشغل ذهنها بأي شيء آخر. شعرت بالدوار من السير وعدم الطعام وجسدها الهزيل. فكادت بالسقوط لتسرع يده بإلتقاطها ويساندها لتكمل. ولكن زاد الدوار بها حتى شعرت بالإغماء والشمس الحارقة، ليحملها وهو يكمل طريقه. لتغمض عينيها مستسلمة للإغماء وهي تضع رأسها على كتفه بسكينة وأمان. لم تعهدهما من قبل، وهي التي كانت دوماً أمان للجميع.
همست وعد وهي غافية تماماً دون وعي:
"طب أنت هتسبني ومش هشوفك تاني ليه؟"
هم بالإجابة ولكنه سمع صوت أنفاسها المنتظمة فعلم أنها فقط تهذي بكلمات لا تعيها. ليبتسم بخفوت. شددت يديها على عنقه وهي تهمس:
"أنت فين يا ياسين؟"
تهجمت ملامحه بالغضب لتتحول عيناها لشرارات نارية وهو يتساءل بداخله: "من ياسين؟ ولماذا تريده؟ فالشخص في عز احتياجه يكون أحوج لأكثر أمان له بالحياة، فمن ياسين؟ من أمانها ذاك."
تجمع الجميع حول بلال الراقد على فراشه، ملفوفة إحدى قدميه بالشاش. تجلس جواره لمار، ضمه رأسه بصدرها. اعتلى أنس الفراش جواره ولطمه على وجنته بخفة قائلاً بغيظ:
"كدا كسرت ضهري يا شيخ! من المستشفى لـ هنا ارحموني، أنا داخل على جواز."
صرخ بلال بوجهه، بينما ردت لمار الضربة لأنس قائلة:
"أياك ترفع إيدك عليه تاني."
لوح لها أنس بغيظ وهو ينهض واقفاً بجانب حذيفة ليقول:
"أيوه أيوه، أفضلي دافعي عنه أنتِ لحد ما يوقعنا."
نظرت له لمار بنظرة حادة قائلة:
"أنت شكلك اتوحشت التدريبات ولا إيه؟"
اكتسى الخوف وجه أنس ورفع حاجبه لها قائلاً:
"ياااا اختي بقولك داخل جواز، جواز. عايزة إيه يعني؟ عايزة الولية تقول عني إيه؟ عريس خرع متشلفط. حررررراااام يا بشر."
لوى فمه وهو يلوح لها قائلاً:
"وربنا لنا ماشى، مش مستغني عن نفسي أنا."
استند بلال على يده ليرتفع قليلاً ويقول بغيظ له:
"أحسن بردوا، هوينا."
ابتسم أنس واضعاً يده اليمنى على صدره قائلاً بامتنان:
"تسلم يا حبيبي، تسلم يا غالي، تسلم يا خويا. دا من ذوقك."
حك بلال رأسه بدهشة ورمقه بتعجب وهو يقول:
"أنا بشتمك على فكرة."
استدار أنس متأهباً للمغادرة ورفع يده ليضربه على مكان الجرح وهو يقول:
"عارف ياباشا، لما يجي ياسين بس."
"اااااه." تأوه بلال متصنعاً الألم ليلتقط وسادة من جواره ويلقيها عليه وهو يقول:
"امشي من قدامي. لما يجي ياسين بس."
ضحكت لمار من قلبها بينما غادر أنس. لتهمس وهي تنظر لطيفة الذي غادرها بتمني وصدق، وعيناها لا تحيد عن تلك النقطة:
"ربنا يداوي قلبك المجروح يا أنس. بتضحك بس من جواك ميت. يارب يرزقك ببنت الحلال اللي تنسيك اللي مالكة وساكنه قلبك. لو أعرف مين هي بس."
وتنهدت بضيق. فما أصعبه هو من ألم أن تضحك وترسم البسمة على وجوه من حولك، وبداخلك ألف آه ليس بينها ثغرة بهجة. تلك الأعين سراً لا يدري أحد مكنونها، تتحمل وجع الكون ومع ذلك تجد أن لا أحد يستطيع قراءتهم. فالأعين هي بحر عميق مليء بالأمواج، وكل موج به سر صعب لأحد أن يقرأهما أو يفك شفراته إلا من هواه وأضناه العشق. غريبة تلك الضحكة التي تنبع وخلفها ألف صرخة بالخلف والروح. ومع ذلك تجد الإنسان رغم ما به يخفي جل ما بقلبه ببسمة جميلة يصدقها الجميع. فهم لا يبصرون القلب، لكن الرحمن يبصره وسيداويه. غشاوة من الحزن غلفت وجه بلال، دموعاً على مشارف الهطول، ولكن أبت. فهذه هي الحياة، دائماً ما تسلب منا أغلى الناس وتتركنا بعالم يشبه القبور، مظلم كظلمتها، مخيف مثلها، ولكن بينهما فرق، فالقبر سكن وهذه خراب وضجة عذاب وألف عذاب. تنهد بقلب أضنته الندوب وهمس وهو يتطلع بها قائلاً بابتسامة مزيفة:
"إيه دا بقا؟ أنا هغير كل الدعوات الحلوة دي ليه؟ أنا مليش نصيب ولا إيه؟"
ضربته لمار بخفة على ظهره قائلة:
"لا، ملكش. اسكت بقا."
ثم صمتت ملياً بتفكير وامتد بصرها للفراغ. هل تسأله أيحب أسماء؟ ولكن ماذا بعد؟ ماذا لو كان ما أحسته حقيقي؟ كيف تداوي قلوب أبنائها؟ كيف والحب ليس له دواء، وإنما عذاب وسهد ليالي وقلب ميت لا محالة، وحيد حزين مكوي بنار الاشتياق. لاحظ بلال انشغالها فرفع رأسها قاطباً حاجبيه وهو يقول:
"إيه؟ روحتِ فين؟"
لم يجد رداً فطرق أصابعه أمام وجهه لتنتبه له وتشير له بـ "إيه". ليقول هو ضاحكاً:
"ولا حاجة يا باشا، شكلك خدتي لفة عند عمو أدهم ولا إيه؟"
قالها ضاحكاً لتشاركه الضحك.
"ألف سلامة عليك يا بطل."
امتدت أعينهم للصوت لتدلف حبيبة وهالة والفتيات وأسماء وبيدها حساء ساخن. ما أن وقعت عينه عليها ليخفق قلبه بجنون. أما روحه فذهبت لتحلق معها لعالم آخر. إذ بنفسه تترقق بسحر الحب لتضمها عينيه بأمان وسكينة وراحة، لتتسع ابتسامة هائمة على وجهه تدريجياً. كان يتابع حذيفة وهو جالس بصمت تام ما يدور، كأن لسانه قد انعقد وطفق عقله يجول ويجول بالتفكير. لا غرو أن بداخله ألف سؤال ليس لواحد منهم إجابة. انتبه بلال ليحيد عينه سريعاً عنها على صوت حبيبة قائلة:
"ألف سلامة عليك يا غالي، عامل إيه دلوقتي طمني عنك."
هم بالإجابة لتجيب والدته وهي تدلف من الخارج:
"زي القرد بسبع أرواح."
كبت بلال ضحكته وهو يهمس:
"مش قرد يا ماما، دا قط."
توافدت عليه السلامات والجمع يطمئن عليه، الفتيات حتى. لتبعدهم أسماء وهي تمر ناحية الفراش بغيظ قائلة:
"اوعوا كدا، الواد مش هيعرف يأكل منكم يعني؟"
أفسحا لها الطريق لتجلس لمار منعدلة وهو يتأملها بعشق. لتضع هي الصينية عن كثب منه وتشير بحزم وهي ترفع سبابتها بوجهه:
"لازم تأكل الأكل ده كله، وإلا؟"
شقّت الابتسامة وجهه ولكنها أشرقت من فؤاده ليقول وهو هائم بها بنبرة حب:
"وإلا إيه؟ هتعملي إيه؟"
جلست على طرف الفراش وجهها للمار مقابلها، ووضعت قدم فوق الأخرى وبتعالٍ قالت:
"ولا حاجة، ولكن ياسين هو اللي هيعمل؟"
قالتها وهي تشير له بتحذير. ليرفع يديه بنظرة شقاوة قائلاً:
"لا لا، عليها بـ إيه؟ أنا هاكل أهوو وهكله كله، كفاية أصلاً إنك أنتِ اللي عاملة. تسلم إيدك."
كان يدري علم اليقين أنها هي من أعدته، لذا شعر بالجوع الشديد، ليس جوعاً أو تلذذاً بالطعام، وإنما لشيء منها، من يديها، بسمة عينيها. اندمجت أسماء بالحديث مع الفتيات وخرجت معهم وهي تقص عليهم جل ما مرت به لتقول بفخر:
"مش أقولك بقا لمار تقولي متدخليش، افتراض اتأذيتي و.."
توقفوا ناظرين لها باهتمام لتهمس مكة:
"هااا؟ وبعدين؟"
أشارت لها أسماء:
"يا بت استني، متقطعينيش. أهو هتكلم."
ونقلت أنظارها بهم قائلة:
"طبعاً كلهم كانوا خايفين ويقولولي لا، بس أنا طبعاً قلت أبداً لازم أدخل، أمال إيه؟ أنا هخاف ومن مين؟ منهم ليه يعني؟"
قالت آخر جملتها بفخر. لتحسها سمر على التعجل قائلة:
"ما تخلصي يابت، متشوقيناش."
تنهدت أسماء قائلة وهي تحرك يديها بالضرب:
"دخلت والكلام جاب بعضه وهجمت عليهم، أشي بوكس، أشي ضربة برجلي." (قالتها وهي تحرك قدمها) "وخلصت عليهم. وفي الآخر قال إيه؟ هما جاه بعد ما قضيت عليهم."
"أمال إيه؟ هما مفكرني فاشلة؟ ميعرفونيش للأسف."
قالتها بتكبر وهي تتخصر. همت الفتيات بالإثناء عليها بعدما ارتسمت على ملامحهم الذهول والفخر. ليأتيهم صوت حذيفة الضاحك بصوت عالٍ قائلاً بسخرية:
"لا يا شيخة؟ عملتي كل دا؟"
شعرت أن مزاحها الكاذب سيكشف لتشير له بسبابته محذرة:
"أنكر. انكر."
رفع يديه باستسلام قائلاً:
"مش هنكر، بس بشرط."
أخفض صوته بحيث يصل لها فقط:
"تحضريلي كوباية قهوة كدا."
ابتسمت بجدية قائلة:
"لا قهوة بعد الأكل. هحضر الأكل وناكل كلنا."
ابتسم قائلاً:
"اللي تؤمري بيه."
تورّدت وجنتاه ليصفر هو بمرح ويغادر. وتجذب هي الفتيات وتهبط لتجهيز المائدة.
قد تبدأ الحكاية صدفة، لكنها تسطر النهاية قبل البداية. ليصبح الفراق يرافق الفؤاد. وتدمى قلوبنا عشقاً يرهقها ويفقدها لذة الحياة. فهل من حياة بحياة رسم به الحبيب الفراق من أول لقاء؟
تململت وعد بتعب شديد، بهزلاً للغاية، وأخذت تهذي بهمهمات غير مفهومة. تحركت بتأوه منبهاً لعودة لوعيها. فأسترق رحيم النظر لها بتتمعن وهو جالس على مقعد عن كثب منها. ما أحوجه أن يروي ظمأ قلبه بالاطمئنان عليها. أنه يكابد بجهد عظيم ألا يأخذها بين ذراعيه ليطمئن فؤاده. ها هي تلبي نداء قلبه فتفتح عينيه ليرتوي منهما كما يحتاج.
فتحت جفونها بكسل ليطالعها وجهه. الحاجة صفية تطل عليها من عُلاها لتهلل ببهجة تسري بعروقها وأوصالها وهي تكبر قائلة بلهفة:
"الله أكبر، بسم الله ما شاء الله. أيوه كِده، جومي عشان تردي فيا روحي. أكده بردك توجعي قلبي عليكِ يا بتي. أنتِ زينة. حاسة بشيء؟"
أين هي؟ متى جاءت ومتى وصلت؟ أين هو؟ أين ذاك الذي أنقذها؟ الذي حملها بين ذراعيه دون ملل أو تعب وهو يسير بها دون يأس؟ الذي كان سداً منيعاً أمام العاصفة! شعرت بالحسرة وهي تنتفض تبحث بعينيها بالغرفة متسائلة:
"أنا جيت هنا إزاي؟ وهو فين؟ راح فين؟"
دَلفت غادة مسرعة تضمها بشوق ولهفة وعدم تصديق وهي تبكي من بهجتها بها ورؤيتها لها بخير. ابتعدت وعد عن غادة قليلاً سائلة ذاك الذي لم يتزحزح من مكانه:
"هو أنا وصلت لهنا إزاي؟ مين جبني؟"
وقف بثبات مخيف وأستماتة وهو يقول بصوت أجش:
"إيه يا بشمهندسة؟ في عربية وصلتك لباب البيت. من الصدمة وعدم تصديقنا وانشغالنا فيكِ، الرجل اختفى بالعربية بلمح البصر. ليه؟ مين دا اللي أنقذك؟ هااا، خبريني؟"
صمتت وعد بحسرة، هي حتى لم تشكره، فلولاه لكانت بعداد الموتى الآن. تطلعت برحيم بسخط تكاد تقتله. ولكن مهلاً، فلكل شيء له أوان.
"محدش. مش عارفة أصلاً مين جابني ولا اتخطف ليه؟"
لم يدري مكنون نظرتها الكارهة تلك ولما؟ نظرات غريبة لم يرآها من قبل، مزيج من الشجاعة والضعف، العند والكبرياء، اللين والقسوة، الاحتواء والأمان والحنان. من هي تلك الفتاة لتسلب هكذا؟ تنحنح قائلاً:
"خير يا بشمهندسة، كله خير وهيبان. وحقك هيرجعلك، استريحي دلوج. الأهم رجوعك بالسلامة."
وأقترب منهم ناظراً لوالدته قائلاً بثبات:
"حضرِّيلها لقمة يا أمي، أكيد مدخلتش الذاد من يوم ما غابت. هااا، همي."
ابتسمت الحاجة صفية قائلة وهي تندفع للخارج:
"أنا عنيا للبشمهندسة، أحلى وكل هيكون حداها دلوج."
ابتسمت وعد لها بامتنان لتعاود غادة ضمها قائلة:
"بردك أكده طلعتي غالية جووي. كنا هنموت من جلجنا عليكِ، حتى أبويا الحاج."
وتنهدت قائلة:
"الحمد لله إنك رجعتي. هروح أصلي ركعتين شكر لله."
ابتسمت وعد قائلة:
"الحمد لله. وأنا كمان هصلي دلوقتي."
توجهت كل فتاة للصلاة وشكر الرحمن والتضرع. انتهت وعد صلاتها ونهضت لتطوي سجادة الصلاة وتتحمل على ذاتها وتهبط للأسفل بغموض وكرة دفينة بداخلها تجاه رحيم. ولم تنس بطريقها والده، فذهبت لتطمئن عليه الذي لم يقل فرحاً عنهم وحمد الله أنها بخير. هبطت وعد الدرج فسمعت ضجة بالخارج وأصوات كثيرة. توجهت ناحية الباب وهي تسأل الحاجة صفية قائلة:
"إيه كل الأصوات دي؟"
ابتسمت الحاجة صفية وهي ترص الأطباق قائلة وهي ترفع نظرها بها:
"دا رحيم ولدي بيديح عشان يفرح لرجوعك بالسلامة."
وغادرت للمطبخ وتترك تلك المصدومة من كل ما يدور حولها. نفضت كل ما يدور بذهنها وأندفعت للمطبخ تساعد الحاجة صفية. دقائق وكان يجلس الجميع يتناول طعامه. أما الحاجة صفية فكانت مهتمة بإطعام وعد بنفسها. لتهمس غادة مازحة:
"لااااه، هغير منها أنا كده، كل العشق دا والاهتمام لـ ميار وأنا مليش فيه شوية."
همت الحاجة صفية بتوبيخها ليأتي صوت آتٍ من خلفهم لرجل:
"السلام عليكم."
تعمقت أنظارهم بذاك الرجل وتلك الفتاة الصعيدية. وقف رحيم مرحباً بعمه. لتقترب ابنته قائلة وهي تقبل صفية من وجنتيها مرحبة:
"كيفك يا مرات عمي؟ زينة، وحشاني جووي."
لتهامس الحاجة صفية رابته على ظهرها:
"زينة بخير يا بتي، أنتِ زينة؟"
هتفت وهي تتجه مرحبة بغادة التي قابلتها باقتضاب:
"زينة يا مرات عمي، متحرمش منكِ. كيفك يا بت يا غادة؟ يعني محدش شايفك!"
ردت غادة باقتضاب قائلة:
"زينة يا خيتي! يعني هروح فين، اديني قاعدة."
جلست رابحة وهي تقول:
"وعمي زين ولا تعبان؟"
ردت الحاجة صفية بحسم:
"زين زين يا رابحة." (ونهضت قائلة) "الحمد لله."
استدارت رابحة برأسها حيث والدها ورحيم واقفون وقالت بصوت عالٍ ليسمعها:
"كيفك يا واد عمي، يا رب تكون زين."
رد رحيم من بين أسنانه قائلاً:
"زين."
وعاد لحديثه مع عمه. كانت تجلس وعد غير مهتمة بأحد، فقط تتناول طعامها بهدوء. لترفع نظرها بسخط لـ رابحة التي قالت بنبرة تشبه الصدمة والخبث لحظة وعد:
"واااه! مين دي وجاعدة حداكم؟ أياااك."
ردت الحاجة صفية بامتعاض:
"أيوه، البشمهندسة هتشرفنا لحد ما تخلص شغلها. عندك مشكلة؟"
نهضت رابحة بصدمة واضعة يدها على صدرها وهي تشهق:
"كيف ترضى بحرمة غريبة يا مرت عمي تجعد في البيت؟ وفي واد عمي اللي هو فترة وهيبقى جوزي."
انتبه والد رابحة لـ وعد ليصرخ هو الآخر بحقد:
"إيه اللي هتقوليه دا يابت؟ صح يا رحيم، الحرمة دي قاعدة حداكم."
قالها وهو ينظر بغضب لرحيم الذي أطلقت عيناه شرارات الغضب وصاح:
"ده دار أبويا وهو يجعد اللي رايده. وبلاش أسمع كلمة عفش، ما هتخليش خير بينا خالص يا عمي. البشمهندسة ضيفة حدنا لحد ما تخلص شغلها. وأبويا اللي أمر كدا. إيه؟ مش عاجبك حدتي في حاجة ولا في إيه؟"
ابتلع عمه ريقه بخوف وقال بغضب مصطنع:
"وكيف أخوي يجبل بحرمة غريبة تجعد حداكم وسط راجل لوحديكم."
استندت وعد بظهرها على ظهر المقعد وهي تعقد ذراعيها تشاهد بإستمتاع. لتميل غادة لأذنها هامسة:
"دول جاايين والشر يطل من عينيهم. اتفرجي وانبسطي."
كتمت وعد ضحكتها هي وغادة. بأثناء ذلك صاح رحيم:
"لوحدينا؟ كيف لوحدينا يعني؟ وتجصد إيه؟ هه، يا عمي، هو أمي وأختي مش ماليين عينيك ولا إيه؟ وحتى لو مفيش، طالما أبويا قال كلمة يبقى تتنفذ في الحال غصباً عن عين الكل. واللي مش عاجبه الكلام يروح يضرب راسه في الحيط. وحاجة كمان، رحيم اللي ماسك القرية كلها يعرف في الأصول زين، مش مستني حد يجولي." (ونظر بأعين حارقة لعمه وهتف بحده) "أنا بنام في الدار البراني. أظن خلص الكلام يا عمي." (ونظر بعيداً ببرود)
"ونظر لابنة عمه قائلاً بحزم: "ومحدش يجرؤ يجول كلمة على البشمهندسة وجتها هيقابل رحيم. صوح؟ وهيواجه غضبي."
وتابع قائلاً بنبرة خفت من حدتها قليلاً باحترام:
"أتفضل يا عمي، أجعد. منورنا والله وكلامك فوق راسي."
"بعد إيه؟ بعد إيه يا ولد أخوي؟"
قالها عمه وهو يضرب بعصاه الأرض ويندفع للخارج، لتصيح رابحة قائلة وهي تندفع خلفه:
"استنى بس يا بوي، أكيد رحيم ما يجصدش يزعلك. بردوا كدا يا رحيم."
انفجر الجميع ضاحكين، حتى رحيم ابتسم وهو أدري الناس بعمه وحقده.
تتطلع من خلف النافذة، تستند برأسها على الجدار بحزن، ولكن عينيها لا تنتبه لشيء، فقط صورته تضيء أمام عينيها وهي تبتسم له بحب يغمرها. أضاءت أمام عينيها ذكريات آخر للقاء، حينما كانت تتوجه لياسين تسأله عن وعد، لتنصدم بأحد ما، لتقول بتذمر قبل أن ترفع عينيها وهي تمسد جبينها:
"اااااه يا ربي، إيه القرف ده. حيطة دي ولا جبل؟ رأسي يا غبي أنت."
رفعت عينيها لتقابل عينان كالجحيم. أزدَردَ ريقها برعب وتراجعت للخلف وعيناها لا تحيد عنه. جز عثمان على أسنانه بغيظ وغمض عينيه يحاول كبح غضبه. وبلمح البصر وقف أمامها صائحاً بنبرة أرعبتها:
"أنتِ عامية مبتشوفيش نهائي؟ كل شوية تخبطي في أهلي وتغلطي، وإن شاء الله لسانك ده هقطعولك."
نظرت له مكة بأعين بريئة وبغباء قالت:
"أهلك؟ بس أنا مش بخبط في أهلك!"
رفع عثمان كفه يحاول أن يسيطر على ذاته وعروقه برزت. نظر لها لدقائق وقال بصوت مخيف:
"أياكي تطلعي في وشي تاني، وقتها مش عارف هعمل فيكي إيه؟"
لم تستمع له، وإنما كان نظرها على الحقيبة بيده، إلى أين هو ذاهب؟ لماذا شعرت بالضيق هكذا؟ نظر لما تنظر له ورمقها بنظرة متعجبة لترفع هي عينيها الدامعة معه وهي تقول بتلعثم:
"أنت رايح فين؟"
نظر لها ببرود وقال بسخط:
"أنتِ مالك؟ متحاوليش تقربي مني ولا تعملي نفسك مهتمة بيا ومتسأليش على حاجة متخصكيش."
توقفت دقات قلبها من كلماته الموجعة ونظرت له بأعين دامعة:
"أولاً مسمحلكش تكلمني كده، أنا غلطانة أصلاً إني بسألك وبهين نفسي."
همت بالرحيل ليمسك معصمها قائلاً بصدق ونبرة حنونة:
"استني، متزعليش."
استدارت برأسها مصدومة تماماً من نبرته التي تبدلت كلياً وعينيه. ترك يدها وهو يتجه للأسفل قائلاً:
"عندي مهمة، مش هطول فيها، أطمئني."
اتسعت عيناها بذهول. وما أن استجمعت شتات أمرها حتى وجدته قد رحل. فنظرت بأسف. ولكن مهلاً، هذا البارد القاسي تخلى عن بروده. هتف بأثره وهي غائبة عن الواقع وهائمة كأنها تراه:
"إيه الجمال دا كله؟ القمر دا إزاي يمشي لوحده في الشارع؟ إيه المز دا ياربي؟ صاروخ أرض جو. لا لا، صاروخ إيه دا؟ صاروخ مركبة فضائية."
جاءت عائشة وقفت بجانبها وهي تميل للأمام تنظر بها بدهشة وهتفت وهي تلوح بيدها أمام وجهها:
"مالك يا بت يا مكة؟ أنتِ بتكلمي نفسك؟ اتجننتي؟"
هتفت مكة دون انتباه:
"شكلي كدا اتجننت بسببه!"
عقدت عائشة حاجبيها بتعجب. هل مكة تحب؟ من ياسين؟ فهي تعتبره أخاها. عثمان أجل، هذا عثمان لا غيره. رفعت حاجبها بغيظ وهي تقول بمكر:
"مين دا ياختي اللي اتجننتي بسببه؟"
هتفت مكة وهي ما زالت على حالها هائمة بطيفه:
"المز صاروخ أرض جو."
بغباء قالت عائشة بزهول:
"حبيتي صاروخ؟ طب إزاي يعني؟"
نظرت لها وأمسكتها من كتفيها وهزتها وهي تقول:
"أنتِ يا بت مالك؟ ياخرب بيتك، في إيه؟"
نظرت لها مكة بتوهان قائلة:
"شكلي كدا وقعت ومحدش سمى عليّ."
توقفت عائشة عن هزها وهي تقول بتعجب:
"محدش سمى عليكِ؟" (وضعت كفها على رأسها) "بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم إن كان هذا سحراً أبْطِله، ولو جن طلعوا منها وابعت." (يديها مستطردة) "وقعتي إمتى وفين؟"
"لا لا، أنا شكلي وقعت فيه. في البارد المتوحش اللي مش بيفهم اللي دايماً بيزعق فيا."
تركت عائشة كتفيها وهي تضحك وقالت:
"عثمان؟ متوحش وبارد؟ أه، لو سمعك دلوقتي كان عملك كفتة."
ضربتها مكة بخفة وهي تقول:
"مش هيحن عليه."
ضحكت عائشة وهي تقول:
"لا يا حتي المز صاروخ أرض جو ممكن يدعسك."
توالت الضربات عليها من مكة وهي تحاول الفرار منها. فاقت مكة من ذكرياتها على فتح الباب ودلوف عائشة قائلة بمرح:
"أكيد الجميل بيفكر في الصاروخ أرض جو."
همست مكة وهي تتنهد دون النظر لها:
"فعلاً دا وحشني أوي، على الأقل هنا كنت بشوفه مرة أو مرتين صدفة."
ضحكت عائشة بمناغشة قائلة:
"يا يعني على الحب أما يبدل صاحبه."
ضربتها مكة بخفة وهي تقول:
"هو محدش لسه جه من عند ريم؟ أنا جعت."
عائشة بتأييد وهي تجلس على المقعد:
"والله وأنا كمان. تعالي ننزل نشوف أي حاجة ناكلها."
وقفت مرة أخرى وهي تجذب مكة خلفها، التي صاحت:
"يابت استني يخرب بيتك يا مجنونة أنتِ."
هبطوا للأسفل فوجدوا أسماء تجلس تبكي. نظر الفتيات لبعضهم دون فهم. سرعان ما ركضوا إليها بلهفة وهم يقولون بذات الوقت:
"أسماء مالك؟ بتبكي ليه؟ في إيه؟"
جلست كل واحدة بجانبها وضموها سوياً وقالت مكة بقلق:
"مالك يا أسماء؟ في إيه؟ ليه بتبكي كدا؟ حصل حاجة؟"
لم تجب، وإنما أزداد بكاؤها. نظرت مكة وعائشة لبعضهما بقلق وحزن شديد وقالت عائشة وهي تمسد على رأسها:
"مالك يا أسماء؟ في إيه؟ قوليلي."
رفعت أسماء بسبابتها دون كلمة تشير للتلفاز، لينظر الفتيات لما تشير دون فهم وينظروا لبعضهم بقلق. فجأة همست أسماء وهي تبكي:
"البطل مات. كان قلبه تاعبه ومات."
صمتت ملياً وازداد بكاؤها. وشهقاتها بينما الفتيات اتسعت أعينهم بصدمة وفغر فاهم. لتكمل أسماء باكية:
"كنت بسمع كال هونا، هو ومات في الآخر."
أجهشت بالبكاء عالياً، لتلتقط عائشة نعلها ومكة كذلك وتوالوا عليها بالضرب وهي تصرخ بفزع. عائشة وهي تضربها:
"بقا يا جزمة يا مفترية بتبكي عشان إيه؟ بتبكي ليه يا اختي؟ سمعيني."
كانت أسماء تتمدد على الأريكة ومكة تقف بجانب قدميها وتضربها بالنعل. أما عائشة فاعتلت ظهرها وهي تضرب بيدها.
"يالهووووي همووووت. في حد هنا يا عاااالم؟ ااااااه سيبيني يابت منك ليها ياااا ماماااا."
ثم قالت بصدمة وصوت عالٍ:
"يااااسين! مش أنا والله."
ارتفعت الأيدي من فوقها متسمرة بصدمة وخوف وهم يزدَردون ريقهم برعب شديد. ابتسمت أسماء بخبث واستغلت تخشبهم ونهضت بخفوت شديد تتسلل ببطء. بينما استداروا الفتيات برؤوسهم لم يجدوا أحد. وتعالت ضحكات أسماء وهي تركض للخارج. ولكن استطاعت عائشة التصويب جيداً لياتي نعلها في أسماء التي وقفت تغطي وجهها بكفيها وتقفز وتصرخ.
ركضوا الفتيات خلفها وهي تركض بين المقاعد وضحكاتهم عالية. توقفوا جميعهم على صوت صدح عالٍ بمرح:
"بتعملوا إيه يا ولاد المجانين؟"
ما أن وقع نظر أسماء على حذيفة ركضت تتواري خلفه قائلة:
"ألحقني يا حذيفة من المجانين دول، هيموتوني."
أدار رأسه رافعاً حاجبيه وهو يقول:
"يموتوكي؟ ليه؟ عملتي إيه؟"
أجابت عائشة بهدوء قائلة:
"كنا نازلين لقيناها بتبكي. وقعت قلبنا من خوفنا عليها، وفي الآخر قال إيه؟"
قالت آخر جملتها وهي تضع يدها على ذقنها. ليقول حذيفة بتساؤل:
"إيه؟"
أدار رأسه لأسماء وتابع بقلق:
"بتبكي ليه؟"
أنظرت أسماء نظرها للأرض ببراءة لتقول عائشة بغيظ وهي تمد يدها تضربها وحذيفة حائل بينهم:
"قال إيه يا خويّا؟ البطل مات. ما يموت ولا يتحرق."
ابتعد حذيفة مصدوماً:
"البطل؟ مات! لا اقتلوها يا باشا، تستاهل فعلاً."
انقض الفتيات عليها مرة أخرى وهي تصرخ مستنجدة به، ليرق لها ويهتف صارخاً بهم:
"بس."
كفوا جميعاً وتنحوا جانباً ليهمس هو بغمزة لها:
"أي خدعة."
تورّدت وجنتا أسماء تدريجياً بخجل. ليبتسم لها وهو يقول بتذكر:
"با جماعة الواحد جعان، هو مفيش أكل هنا ولا إيه؟"
ابتسمت عائشة قائلة بمرح وهي تستند بمرفقها على كتف مكة:
"اااه والله يا بني، وأنا هموت من الجوع."
اتسعت عينا أسماء وهي تقول بهدوء:
"هو أنتوا مش يلا واكلين؟ مكملتوش كام ساعة، بس تصدقوا أنا كمان جوعت."
لتنظر ببراءة لحذيفة قائلة برقة:
"وزهقانه كمان من البيت."
حدجها حذيفة وهو يرفع حاجبه وقال وقد فهم أنها تريد الخروج:
"هااا وبعدين يعني؟"
صاحت مكة وعائشة سوياً:
"نخرج ونأكل بره وتودينا الملاهي."
حذيفة بجدية:
"لا طبعاً، مفيش خروج نهائي."
نظر الفتيات لأسماء لتنظر له قائلة برقة:
"عشان خاطري يا حذيفة."
نظر لها حذيفة بحب يغمره وقال:
"الله على حذيفة اللي طالعة منك دي، دا أنا حبيت اسمي بسببك."
نظرت أرضاً بخجل ليصيحوا الفتيات ضاحكين وهم يصفرون ويصفقون. ليَتَنَحْنَح هو قائلاً:
"هستناكم في العربية خمس دقايق وتكونوا جاهزين."
ركضوا الفتيات للأعلى وهم يجذبون أسماء.
توجهت وعد على عجل بلهفة مع رقيه لمنزلها بعدما جاءت لأخذها وأخبرتها بياسين وعثمان يريدون رؤيتها. وذهبت بعدما وعدت الحاجة صفية لعدم تأخرها، وإلا تقلق. دلفت للداخل ليطالعها ياسين أولاً. فقد كان يقف أمام الدار يتحدث بالهاتف. ما أن وقع عينه عليها فأغلق مسرعاً ودنا منها قائلاً بلهفة وقلق في آن واحد:
"وعد حبيبتي، أنتِ كويسة؟ فيكِ حاجة؟ طمنيني عنك، حد أذاكِ في حاجة؟"
صاحت وعد بنبرة حادة قليلاً:
"أديني فرصة أتكلم. أنا كويسة، مفيش أي حاجة!"
وأشارت له للداخل:
"تعالى نتكلم جوه أفضل."
دلفت وهو يتبعها ورقيه أيضاً. وقف عثمان ما أن رآها مقترباً منها بقلق:
"وعد، أنتِ كويسة؟ حد عملك حاجة؟"
هزت وعد رأسها وجلسوا جميعاً بجانبها. واستأذنت رقيه لتغادرهم. كل الأعين تعلقت بوعد التي تجلس مقابل لهم على مقعد منفرد. تنهدت بصوت عالٍ وقالت:
"كل اللي في البيت عاملين إيه؟"
صمت ياسين، جز على أسنانه:
"أظن إن أحنا جايين نطمن عليكِ. كلهم كويسين. احكي بقا كل حاجة."
زفرت وعد وقصت عليهم كل شيء وهي تنقل نظرها بينهم. همس ياسين بجدية:
"بس مين الملثم ده؟ إحنا لازم نعرفه..."
قاطعته وعد قائلة بحدة:
"هعرفه أنا اللي هعرفه. أنتوا هترجعوا. أديكم اطمنتوا عليا، مفيش حاجة تاني."
كبح ياسين غضبه بصعوبة ونظر لها بغضب ونبرة غاضبة قال:
"يعني إيه الكلام ده؟"
وعد وهي تنهض أمامه وتصيح بغضب:
"يعني اللي سمعته يا ياسين. ثانياً، كنت فين أنت وهو؟" (أشارت عليه وعثمان بسبابتها وتابعت بحدة) "لما أسماء يهددوها وانتوا مرزعين يبقي إيه؟"
"لما تبقى حياتها في خطر يبقي إيه؟"
"وتواجه الموت وانتوا فين من كل دا؟ قاعدين على عماكم."
وقف عثمان بهدوء ووقف عن كثب منها وقال:
"ومين قالك إننا على عماانا؟ ولا هي لوحدها؟ متنسيش مامتك وبلال وأنس وخالك. الكل معاها."
رفع ياسين سبابته بوجهها قائلاً وهو يكابد على خمد غضبه:
"لأول وآخر مرة صوتك يعلى تاني."
أحست وعد بغلطها، فمهما يكن هو أخاها، ما كان يجب عليها أن تحدثه هكذا. صمتت قليلاً وهي تنظر له بأسف وهمت بالحديث ليقاطعها صياح ماجد باسمها وهو يركض نحوها وضمه بشدة. لتبادله هي الفرحة وهي تحمله وتقبله، وهو يقبلها بطفولة من وجنتها. ضيق ياسين عينيه وهو يقول لـ عثمان ومراد:
"إيه؟ الواد اللي داخل يبوس على طول ده؟ هو مش شايف أخواتها واقفين؟"
نظر له ماجد ببراءة وهو يستند برأسه على رأس وعد وهمس:
"هو الراجل ده زعلان مني؟"
هزت وعد وهي تقبل خده قائلة:
"دا غيران مش زعلان."
رفع ياسين لها حاجبه لتبتسم هي بصفاء لماجد وجلسوا يتحدثون إلى أن بعث رحيم لها سيارة فغادرت. وحمدت الله أنه لم يأتِ حتى لا يرى ياسين وعثمان. ودعتهم لمار بعدما قرروا السفر بأمر منها ومن لمار وتركها هي تنهي كل شيء. لم يطل الوقت ووصلت وعد مبتغاها. دلفت للداخل وهي تتساءل عن غادة والحاجة صفية ليأتيها صوتهما من المطبخ. فدَلفت بابتسامة مشرقة وقالت بتعجب:
"إيه ده؟ انتوا بتعملوا إيه؟"
قالت الحاجة صفية وهي ممسكة بخشبة تفرد بها العجين أمامها على طاولة خشبية:
"بنعملوا مخروطة، هوكلك صوابعك وراها."
ضمت وعد فمها واقتربت جالسة جانب غادة وتقول:
"يعني إيه مخروطة دي؟"
أدارت غادة رأسها لها. وقد كان أمامها مكنة صغيرة تضع بها العجين وينزل منها بحجم صغير جداً:
"شوفي يا ستي، دي حاجة كده بالعجين والسمنة البلدي، هتاكليها وهتقولي مش هعاود بلدي تاني وهفضل وياكم."
ابتسمت مكة لها من صميم فؤادها وضربت كتفها بيدها قائلة بمرح:
"قولي كدا بقا، أنتِ عايزة تجعديني وياكم صوح يابت؟"
ضحكت غادة ضحكة عالية وهي تقول:
"أبااااااي منك، تعلمتي بسرعة حدَيثنا."
ضحكت وعد لأول مرة من فؤادها حتى دمعت. سرعان ما أحست بالحزن. فماذا لو اكتشفوا كذبها؟ لا هي لن تسمح بذلك، سترحل قبل أن يعلموا عنها أي شيء. فمحبّتهم تلك ستظل ذات أثر عميق بالقلب. فقد جاءت مكتملة، لكنها ستعود ناقصة. ستنقص روحها ها هنا. استأذنت وعد وصعدت للأعلى وهي تفكر. قطع سيل أفكارها ورقة على الكومود. استغربتها وهي تقلب بها بذهول. فمن قد جاء بها؟ ولكنها فتحتها ليقع نظرها على رقم الملثم وهو يخبرها أن تتصل به كي يطمئن عليها. أدمعت عيناها وهي تبتسم وضمت الورقة لقلبها كأنها ذات قيمة غالية. ففرحتها لا تقدر بثمن. شعرت أنها بعالم آخر.
بمستشفى الأميرة كانت حبيبة ترتقي الدرج بتعب شديد وهي تتنهد بصعوبة وتوبخ نفسها. لماذا اختارت طب؟ ولكنها حقاً تعشق ذاك العمل! ولكن هذا شاق للغاية، فهي تظل لساعات واقفة على قدميها. بينما يوسف يؤمر فقط، ولكن هو أيضاً يتعب. زفرت بغيظ وهي متوجهة لتقتص منه. فجأة رأت بعض الممرضات يقفن يتهامسن ويتضاحكن بصوت هادئ. توجهت لهن بسخط وهي تقول:
"خير؟ واقفين كدا ليه؟ إن شاء الله مش وراكم شغل ولا إيه؟"
نظروا لها الفتيات جميعاً بتوتر وارتباك. بينما تقدمت واحدة منهم وقالت بهدوء:
"بصي يا دكتورة حبيبة، أنتِ لازم تعرفي اللي بيحصل من وراكِ."
جذبت إحدى الفتيات يدها وهي تقول:
"بس اسكتي يخرب بيتك، متفتحيش بقك."
جذبت يدها وهي تعاود النظر لحبيبة التي حثتها على الكلام وقالت:
"ما هو مينفعش، دي المستشفى كلها بتتكلم وعارفة."
غضبت حبيبة بشدة وهي تقترب منها قائلة:
"كلام إيه اللي المستشفى كلها عارفة؟"
صمتت الفتاة ملياً وقالت:
"الممرضة أميرة عبد النبي ودكتور يوسف في بينهم حاجة."
إلى هنا وكفى. قد فاق غضبها حده وشعرت بنيران بثنايا قلبها. وأمسكت الممرضة من ذراعها بنظرة غاضبة وقالت:
"أنتِ هبلة؟ إيه الكلام ده؟ جوزي ميعملش حاجة زي كده أبداً."
صمتت الممرضة قائلة وهي تبعد ذراعها بأدب:
"بس يا دكتورة، مش أنا اللي بقول، دي أميرة."
رمقتها حبيبة بنظرة كالنيران وقالت:
"هي فين؟"
ردت الممرضة بهدوء:
"عند دكتور يوسف. بتديه ملف المريضة اللي جأت امبارح."
ما كادت تنهي جملتها وقد كانت حبيبة اختفت من أمامها. مدت يدها لمقبض الباب ودفعته للخلف ليصدر صوتاً عالٍ. ونظرت بشرار لـ يوسف الذي صاح بها:
"إيه؟ في إيه يا حبيبة؟ مالك؟ وإيه اللي عملتيه ده؟"
أبعدت نظرها للفتاة واقتربت منها جاذبة إياها من حجابها وواقعتها أرضاً وضربتها بغل. لم يدري يوسف ما يحصل أمامه. تجمع من بالمشفى من دكاترة وممرضين. ليحمل يوسف حبيبها ويبعدها عن الممرضة وهو يحاول السيطرة عليها. ظهرها لصدره ويده محاوطها، إلا أنها كانت تحرك يديها وقدميها بالهواء وتقول:
"اوعي يا يوسف، سبني عليها. بتقول إنكم على علاقة. أوعي."
أنزلها يوسف بغضب وهو يرى نظرات الرجال لها. فأمسك ذراعيها وضغط بقسوة وبأعين متسعة بها غضب وشرار صرخ بها بصوت عالٍ:
"غوري! امشييي من قدامي دلوقتي، يلاااااا."
ارتعبت حبيبة وهي تنتفض للخلف ونظرت له نظرة أهلكت روحه وخرجت مسرعة من أمامه. صاح هو بالجميع بالمغادرة ليختفوا جميعهم من أمامه. كان الطابق الذي به غرف الأطباء بعيداً عن المرضى. فلحسن الحظ لم يستمع أحد. شدد على شعره بغضب وأطاح بقدمه المقعد وجذب جاكته وخرج وراءه. استقلت حبيبة سيارة وهي تكابد على ألا تنحدر دموعها. يئن قلبها ولا تصدق، أحقاً قد علا صوته عليها أمام الجميع؟ ولما؟ من أجل تلك الفتاة؟ من متى يعاملها هكذا؟ وهو دائم يعاملها كطفلة وليس امرأة لها أولاد. تشعر بخنجر بمنتصف صدرها يقبع.
وصلت وهبطت راكضة لغرفتها بعدم تصديق. كأن العالم لم يعد به أحد عداها هي. انكسر قلبها. ألقت بحقيبتها ومن ثم ألقت بذاتها على الفراش وأخذت دموعاً بحرقة تسيل بغزارة. ليضنيه الألم. بكت كما لم تبكِ من قبل. بلغ الألم ذروته ليعلو نحيبها وتتابع شهقاتها دون توقف بلحظة. شعرت بيدين تحوطها من الخلف بتملك. أنفاسه الساخنة تلفح وجهها وهمس بجانب أذنيها:
"متزعليش مني، والله ما أقصد يا حبيبتي أزعلك. بس مستحملتش حد يبص عليكِ. دا أنا مش بسمح لك تقفي مع أي راجل غيري في المستشفى ولا تدخلي غرفة العمليات مع حد. فمتزعليش يا بنتي. ولو على الممرضة، أنا أصلاً طردتها. بس كله إلا زعلك."
ازدادت شهقاتها ليقول هو بتساؤل:
"حبيبة، أنتِ صدقتي إني بخونك؟"
استدارت برأسها له وهي تهز رأسها بعنف ليلثم جبينها قائلاً:
"بس إيه الشراسة دي كلها هااا؟"
ضربته بخفة على كتفه. ليزيح دموعها بأنامله ويقبل عينيها وقال:
"ربنا يديمك ليا أنتِ والعيال. انتو مليتوا حياتي واديتوها طعم. أنا مكنتش عايش بس بقيت عايش بسببكم وليكم."
ضمته حبيبة بحب وهي تهمس بخجل:
"ويديمك لينا يا حبيبي."
تطلعت بعينيه متذكرة شيئاً ما وصاحت وهي تنتفض جالسة وتعقد ذراعيها وقالت بحركات طفولية:
"بس أنت زعقتلي قدام الكل."
نظرت له بأعين طفولية براءة وقالت برقة:
"في أب يزعق لبنته قدام الناس؟"
لمعت عينيه بإشراقة غريبة من نوعها وبسمة ارتسمت تدريجياً على وجهه لتزيد من وسامته وغمز لها قائلاً:
"بس بابا بيغير أوي على بنته، يعمل إيه يعني؟"
امتلأت عينيها بالألم والدموع وهي تقول بغيرة موقدة بقلبها:
"البت دي كانت ليه عندك في المكتب؟"
اقترب منها يحاوط كتفها بذراعه يجذبها بحضنه يشدد من ضمها إليه وقبل رأسها قائلاً:
"أنا عمري عيني ما شافت غيرك ولا هتشوف. وحاسس إني مفيش بنات على وجه الأرض غيرك."
وبمناغشة وأعين لامعة قال:
"طب تصدقي بـ إيه؟ بحسك بنتي. غير إحساس ياسين وأسماء، بحسهم مش عيالي أصلاً. بحسك أنتِ اللي بنتي."
أسندت رأسها على صدره بفرحة تغمرها من كلماته الصادقة النابعة من فؤاده بأمان. أغمضت عينيها مستكينة بموطنها وسندها ودفئه.
كان يقف ياسين وعثمان ومراد بجانبهم. ماجد بجانب إحدى الأراضي الزراعية يتأملون الأشجار من حولهم ويستنشقون عطره المميز وهواءه الذي ينعش الأفئدة. نظر عثمان لـ ياسين وتساءل:
"هنمشي الساعة كام؟"
تنهد ياسين بصوتاً مسموع وقال:
"لما نشوف الحجز."
أومأ عثمان موافقاً وعقد ذراعيه أمام صدره ولاحت له صورة معشوقة فؤاده التي استحوذت فؤاده منذ الصغر. ساد الصمت بينهما لدقائق، كلاهما منشغل بأفكاره. قطع سيل أفكارهما صوت مراد متسائلاً وهو ينقل نظره بينهما:
"حد منكم رن طمن لمار؟"
هز الفتيان رأسهم بتذكر وسخط من أنفسهم. ليهمس مراد وهو يخرج هاتفه من جيب بنطاله:
"خلاص هكلمها أنا وأطمنها؟"
في أثناء ذلك كانت لمار تجلس بمكتبها شاردة الذهن تزرف عينيها الدمع بكسرة وقهر أضنى قلبها العذاب. تضيق الحياة وتنزف روحها. كانت تمسك بقلم تخبط به على المكتب بهدوء تستند بظهرها للخلف تحرك المقعد بعشوائية وهمست بقهر وأعين دامعة متألمة:
"وحشتني أوي يا أياد. وحشتني يا فرحتي اللي ضاعت. أنت خدت كل حاجة فيا معاك. سبتني جثة لا بتتحرك ولا بتتكلم ولا فيها روح."
وأضاءت أمام عينيها ذكريات ما مضى تلوح كأنها قد حصلت لتوها. بمكتب يوسف بالمنزل تجلس لمار أمامه وهو يقول بحدة وهدوء في آن واحد يفهمها ببطء يحاول إقناعها بشتى الطرق:
"يا بنتي يا حبيبة قلبي افهمي بقا. أياد ابتدأ يخف بدليل أنه بدأ يعقل ويتعامل عادي. مفيش داعي للسفر."
رمقته بغضب وبإصرار قالت:
"ليه سنين يا أياد؟ سنين وبيخف بالبطيء. هيسافر يعني هيسافر، وده آخر قرار عندي."
تنهدت بوجع وهي تقول:
"من يوم ما شاف اللي هاجموا علينا والرصاصة وهو طفل. عارف يعني إيه؟ عارف إحساسي بيه وهو كبير كدا وبيتعامل كطفل صغير. آه بيخف وخف وحالته تحسنت شوية، بس أنا عايزاه يخف خالص. مش عايزاه يتعب. افهمني."
نهض يوسف من مقعده، وجذب الكرسي المقابل لها عن كثب منها وضم كفيه براحتيه وبهدوء قال:
"أنا عارف والله وعارف إنك عايزة تشوفيه أحسن واحد، بس صدقيني مفيش داعي للسفر. هو خلاص بقى تمام."
جذبت لمار يديها وهبطت بهما بقوة على المكتب وهي تنهض قائلة:
"متدخلش يا يوسف، أحسن لك. دا ابني وأنا عارفة فين مصلحته."
اشتد بينهما النزاع وأخيراً يسافر أياد ومعه زيد ووالدته أمل. فاقت لمار لواقعها على رنين الهاتف لتزيح دموعها وتنهدت تنهيدة طويلة وردت بهدوء:
"الوو مراد."
رد مراد مسرعاً:
"أيوا، عاملة إيه؟"
صمتت لمار قليلاً تحاول إظهار نبرة صوتها عادية وقالت:
"الحمد لله. أخباركم إيه؟ ووعد تمام؟ حصل حاجة؟ لقيتوها؟"
ابتعد مراد عن عثمان وياسين وبنبرة حزينة باكية قلقة قال بأسف:
"مش عارف أقولك بس."
ابتَلَعَت لمار ريقها ذو غصة خانقة وهمست بخوف بصوت يكاد يكون مسموع:
"بس إيه؟ انطق."
تنهد مراد بألم متصنع البكاء:
"عايزك تكوني قوية، وإن كله اختبار من ربنا، وإن إليه وأن لله راجعون."
أزدَردَ ريقها بخوف وخفق قلبها خفقة جنونية ليهدأ تارة أخرى كأنه يخرج من بين أضلعه وروحها تنسحب. لم تستطع أن تستنجد بأحد لينقذها من تلك الخنقة وهمست بصوت متلعثم متردد:
"ب ن ت ي مالها يا مراد؟ حصلها إيه؟"
مراد بألم ونبرة حزينة متألمة:
"وعد ملقوهاش. ووصلنا لبسها عليها دم. وجالنا تأكيد أنها ماتت. وكمان ياسين وعثمان راحوا يستلموا الجثة."
دلو من الثلج انسكب فوقها أو مغلى انصب عليها. خنقة شديدة تملكتها. ضاقت بها الدنيا. أجربت ذاك الشعور أن تشعر بروحك ميتة فجأة لا روح بها؟ أجربت صدمة غير متوقعة طرحتك أرضاً؟ أجربت أن تشعر بأحد يمسك برأسها وتنكفأ بحوض به ماء يحاول قتلك ولا تدري كيف النجاة؟ أن تشعر فجأة أن العالم أصبح فارغاً من كل شيء إلا القبر. أن تصبح حياتك قبر مظلم وصامت. أجربت يوماً أن تشعر بالاختناق وأن هناك ما يندفع نحوك ليحوطك ويعتصرك ويتركك جثة. أجربته؟ شعوراً قاتل هو يفقدك كل شيء. والفرق الوحيد بينك وبين الميت أنك فقط تفتح عينيك وتتنفس بالنور. مشابه لظلام غريب مظلم داخل الفؤاد.
وقع الهاتف من يديها وسقطت يدها باسترخاء وعينها محدقة بالفراغ دون كلمة. مراد على الهاتف يهتف ضاحكاً:
"أنتِ صدقتي صح؟ أنا بهزر. بنتك كويسة يا حجة. الوووو، لمار، روحتِ فين؟"
اقترب منه ياسين قائلاً بقلق وهو يشير له:
"في إيه؟"
مراد بدهشة:
"دي صدقت. أنا بس حبيت أمزح معاها فقولتلها وعد ماتت."
صدمة حلت على ياسين وعثمان لينظروا بصمت قليلاً يستوعبوا ما قال. ماذا قال ذاك الأبله؟ حطمها. ألا يكفي ما تعانيه؟ ألم يكفيها ما مرت به والأحباب الذين غادروها. أسودت عيناه كالجحيم وأقترب بهدوء وهو يقول بنبرة كالفحيح:
"بتقول عملت إيه؟ دمرتها؟ حطمتها؟ قتلتها؟"
انقض عليه كالثور أو الأسد الذي يجد فريسته فينتقض ليلتهمها سريعاً. هجم عليه وظل يضربه بكل ما أوتي من قوة. أما عثمان برغم قوته التي تعادل ياسين لم يستطع إبعاده عنه، فهو الآن متغيب عن الواقع، ليس ذاك الجبل الراسخ. حدق عثمان بـ مراد الذي غاب عن الوعي وينزف بغزارة. ضم ياسين يسحبه من فوقه:
"أبعد يا ياسين، هيموت في إيدك. فوق بقا فوق."
لكمه بوجهه ليبتعد أخيراً وعينيه لا تبشر بخير. فدنا من الحائط يلكمه بقوة. ليساند عثمان مراد للداخل تحت أنظار رقيه التي لا تدري شيئاً وابنها يضمها باكياً بخوف. هدأ ياسين فنظر لـ ماجد قائلاً بابتسامة وهو يلهث ويمسح وجهه بكفه:
"تعالى يا ماجد، متخافش يا حبيبي."
استدار له ماجد وركض ليضمه بقوة ويمسد ياسين على ظهره. أحمد كان يتجه لمكتب لمار بلهفة واشتياق. حس أنه له سنين لم يرها مع أنه قد غاب فقط ساعات ليس إلا. كانت الفرحة تتطل من عينيه. فتح الباب وعلى وجهه ابتسامة ساحرة سعيدة وقال:
"لمورتي، وحشتيني."
فتح الباب أكثر ودلف بهدوء لتتسع عينيه بدموع وهو يتجه ناحيتها صارخاً باسمها.
يا ترى ما الذي سيحصل لورد؟ ما الذي أصاب لمار؟ حباً ها هو يتولد بقلوبهم، فهل سينتهي مكة وعثمان؟ أم أن القدر والموت والفراق لهم رأي آخر؟ ما الذي سيحصل مع وعد؟
عارفة أنا ليا أكتر من أسبوع منشرتش، بعتذر جداً والله غصب عني، كنت مركبة كلينو ومش قادرة أكتب وحرفياً بخلصه الفصل النهاردة، فـ قراءة ممتعة واعذروني.
(يا من يملك حوائج السائلين، ويعلم ضمائر الصامتين. يا من ليس معه ربٌّ يُدعى، ويا من ليس فوقه خالق يُخشى، ويا من ليس له وزير يُؤتى، ولا حاجب يُرشَ. يا من لا يزداد على كثرة السؤال إلا جوداً وكرماً، وعلى كثرة الحوائج إلا تفضيلاً وإحساناً... يا من لا يشغله شأن عن شأن، ولا سمع عن سمع، ولا تشتبه عليه الأصوات، يا من لا تُغلِّطه المسائل ولا تختلف عليه اللغات. يا من لا يُبْرمه إلحاحُ الملحين، ولا تضجره مسألة السائلين، أذقنا بَرْدَ عفوك وحلاوة مناجاتك)
•
رواية دموع العاشقين الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ندى ممدوح
تأخذ وعد الطرقة ذهاباً وإياباً، تنتظر رحيم الذي خرج من ساعات ولم يعد. تأخر كثيراً، وليس هذا عادته. تنهدت بضيق، وهي تحسم أمرها بأن تدفعه الثمن غالي جداً، وستجعله يندم لا محالة. ستجعله يعلم معنى كلمة عائلته وبلده وانتمائه، والمحافظة عليها. ابتسمت بمكر ما أن وقعت عينيها عليه وهو يتجه لصديقه الجالس. لم يطل الوقت، وبدأ العزف على عود صغير. اندمجت مع موسيقاه بفرحة، والملثم لا يفارق مخيلتها. لتنتبه لذاتها، وتنظر قليلاً تجاه رحيم. اندفعت خارجة من المنزل نحوه مباشرةً.
وقفت أمامه مترددة، حائرة، مرتبكة. لا تدري لماذا كل ثباتها يتسرب كأنه لم يكن يوماً. متى كانت هكذا؟
وقف رحيم بدوره، ناظراً لها بعجب على وجودها بالليل هكذا. بادر متسائلاً:
"أيه في؟ وليه صاحية لدلوج؟ وليه من أساسه مهملة أوضتك؟"
أدار رأسه بغضب وأشار لغفير بالذهاب. ليذهب على الفور. تنهد رحيم وهي يجدها محدقة به فقط. فقال بمزاح، لأول مرة يمازح أحداً، حتى غادة، فقد كان دائماً صلباً غاضباً، يقضي وقته بالعمل:
"عجبك جوي كِده لدرجة متشيليش عينك عني؟"
خفق قلبها، وأخذ صدرها يعلو ويهبط، وهي تفرك أصابعها بتوتر شديد. أغمضت عينيها، بلعت ريقها وهمست:
"أأصل هو يعني؟"
قاطعها قائلاً بتساؤل وعيناه تحسها للحديث:
"يعني إيه؟ جولي اللي رايده، سامعك أهوو."
عيناه الحادتان كانت تربكها كثيراً. فكانت تغمض عينيها حتى لا تتلاقى عيناه، ولكنهم يتلاقوا دون إرادة منهما. أخذت نفساً عميقاً. ليرمقها بتعجب قائلاً:
"واااه، كل دا عشان تخبريني؟ دا بين أنه موضوع صعب جوي. تعالي نتمشى بالجنينة وخبريني."
تخطاها، ليلتفت ويجدها كما هي فعلاً. صوته قائلاً: "يا بشمهندسة". استدارت له ليشير لها بالسير. فتسير بجانبه بصمت تام وحياء شديد.
لتقطع أخيراً صمتها، قائلة بنبرة متلعثمة وهي تنظر له:
"كنت عايزة أقولك حاجة بخصوص قاسم جوز غادة."
وقف مستديراً لها، ليقف أمامها مباشرةً، وقطب حاجبيه قائلاً بنبرة متعجبة:
"قاسم؟ ماله خير؟ في حاجة ولا إيه؟ في حاجة حصلت معرفهاش؟"
استجمعت وعد ثباتها وهي تنظر بعينيه، قائلة:
"حاسة أن وراه حاجات خطيرة. أنت كده بترمي أختك في النار. لازم تعرفه كويس وتعرف حياته ماشية إزاي، وأعرف ماضيه وحاضره. هتلاقي بلاوي!"
ابتسم رحيم بسمة صغيرة ليخبئها، قائلاً بغموض:
"مش رحيم اللي تخفى عليه حاجة. أطمني. وأختي أفديها بروحي وعمري. ما أوديها النار بأديه. مش والد لقناوي اللي حد يضحك عليه. قبل ما يفكر كده يكون محضر كفنه أحسن له."
صمت قليلاً، وأكمل بتساؤل وهو يضيق عينيه:
"بس أنتِ ليه بتجولي كده؟ مفيش أخ يسلم أخته لواحد ميعرفوش؟ قاسم شخص زين قوي، وكومان هو من طرف عمي وشاب أخلاقه كويسة."
"عايزك تطمني. أختي في عيوني، دي بنتي قبل ما تكون أختي. واللي يفكر يأذيها أمحيه من على وش الأرض. متجلجيش، كل حاجة ماسكة بيدي."
قال آخر جملته وهو يكور قبضة يده بمعنى التمسك، وغموض بمقلتيه.
عم الصمت المكان. لم تكن تدري ما قاله وما يعنيه، ولكن كرهه قد زاد بقلبه. فقد أحست أنه لا يهمه أخته، وأن مصلحته وجمع المال أهم.
تنحنت قائلة بجمود وكره:
"طب تمام، هطلع أنا."
وتابعت قائلة بفحيح:
"بس خلي بالك. العين عليك، والشر عمره ما بيدوم. وفي عاصفة هتهب عليك، هتخسرك كل اللي بنيته وجمعته، وهتسافر قريب."
ابتسمت له بسخرية وأسرعت خطواتها للداخل.
ظل نظره مثبت عليها، إلا أن دلفت بزهول وتعجب وصدمة في آن واحد. لم يدري مقصدها. عاصفة؟ شر؟ يسافر؟ عن ماذا تتحدث؟ والأهم، ما ذاك الكره؟
زفر بضيق وهو يقول:
"ياترى حكايتك إيه يا ميار؟ أكتر حاجة بكرهها الكذب، ومبعرفش أسامح. وأنتِ استوطنتي بقلبي."
تنهد وهو يرفع نظره للسماء. دقائق، وصدح رنين هاتفه ليجيب مبتسماً بمكر:
"الوو؟ السلام عليكم. مين معي؟"
قالها وعلى ثغره ابتسامة بهجة تسري بمهجته، وأندفع لغرفته، ولج بها وهو يتمدد على الفراش، وقال بجدية مصطنعة:
"لا، الصراحة مش فاكرك. مين أنتِ؟"
قالت وعد بيأس ونبرة حزينة:
"مش أنت الملثم؟"
بجدية، أومأ برأسه كأنها تراه، وقال:
"أيوا أنا. أنتِ مين بقا؟"
أزدردت وعد ريقها قائلة بحزن وطفولة:
"أنت نسيتني؟ على العموم أنا ميار اللي انقذتها النهارده. كنت حابة أشكرك."
شكرته وعد، وأخذ الحديث مجراه عن الحادثة وما حصل معها.
بالحافلة، طفقا ياسين وعثمان ينطلقون للقاهرة بعدما اطمئنوا على وعد. جلسوا بجانب بعضهما، وكلا منهما منشغل الفكر بمن ملكة الفؤاد وسكنته، لتصبح أسيره به للأبد.
علا رنين هاتف عثمان وأجاب تلقائياً:
"الوو؟ السلام عليكم."
لم يأتيه صوت، ليكرر سؤاله مرة أخرى:
"الوو... الوو... مين معايا... الوو."
جاءه صوت أنفاسها الذي عشقه حد الجنون، وهمس هائماً:
"مكة؟"
صمت هو الآخر بإستمتاع، وها قد أصبح متيقناً أنها هي. فتنهد قائلاً:
"طب ردي بدال ما أقفل. عاملة إيه؟"
كلمة واحدة هي كل ما نطقت به، كانت كفيلة لتذيبه عشقاً وتروي ظمأ قلبه قليلاً، للغايه:
"تمام."
وأغلقت فوراً. لينظر للهاتف بصدمة، سرعان ما ضحك ساخراً وهو يقول:
"مجنونة."
أرجع رأسه للخلف وهو باسماً. فجأة أحس بأعين ياسين محدقة به، وهو يرفع حاجبه وقال بغيظ:
"مالك يا عم العاشق؟ كلمة عملت فيك كده ليه؟ يعني فين اللي تعلمته؟"
بنفي، قال عثمان بتردد:
"مفيش حاجة يا ياسين. كلمة إيه وعشق إيه بس؟"
بسخرية، همس ياسين مازحاً:
"أيوا أيوا، هو حدا قال كده. عشق إيه دا؟ قال يعني مبتحبش. " ضرب بيده على قلبه وتابع: "قال يعني دا مبيحبش. أنسي يا عثمان، وحب مكة كويسة ومش هتلاقي زيك. تحسها طفلة كده بريئة جداً ورقيقة وحساسة. إنسانة جميلة بمعنى الكلمة."
قبض راحته بغيرة شديدة وجز على أسنانه قائلاً وهو يلكمه بحدة:
"خليك في حالك عشان مزعلكش؟"
تنهد ياسين وهو يغمض عينيه:
"يا عم أنا مالي ومالك، بس متبقاش تيجي لما تخسرها وتندم يا باشا."
أغمض ياسين عينيه، لتقفز بذهنه ذكرى... ذكرى لم تكن عابرة أبداً. ما دامت لها أثر بعد طول هذه السنين، ما زالت تسعده وتنير وجهه وقلبه كلما لاحت. ما زال يعيش لأجلها، وتحيي قلبه الميت.
كان يقف ياسين يضم ابنة خالته بحنان ويربت على ظهرها، وهو ينظر بغضب لمدير مدرستها الخاصة للكفيفين.
طرقات على الباب، وولوج يوسف بقلق شديد وملامح الزعر على وجهه، وهو يقول:
"السلام عليكم، خير؟ في إيه؟ بنت أختي جرالها حاجة."
استمع لشهقاتها، ليستدير ويجد ابنه يضمها بحنان يهدئها. وعلى كفيه دم وملابسه ووجهه. نغزة قلق استحوذت فؤاده، وهو يسرع إليهما، وقال لـ ياسين:
"في إيه يا ياسين؟ مين عامل فيك كده ومالها بنت خالتك؟"
عيناه أصبحت كالجحيم، وهو يستدير بجسده للمدير ويضرب المكتب بغضب:
"مين اللي عمل كده في ابني؟"
المدير وهو يحاول تهدئته:
"أهدأ يا أستاذ يوسف، ابنك هو الـ..."
صاح ياسين بغضب وهو يقاطعه بجنون:
"أهدأ أهدأ إزاي؟ مااااال ابني وبنت أختي."
مسك المدير من مقدمة جاكته، صائحاً:
"مين اللي عمل كده في ابني؟ انطق."
ابتلع المدير ريقه برعب من نظراته الحارقة ونبرته، وأشار بيده لركن ما. استدار يوسف وحدق بصدمة بشاب وجهه متشوهاً للغاية، ويمسك ذراعه بألم.
ليأتيه صوت المدير ساخراً:
"أتفضل، هات حقهم. ولا عشان مش عيالك؟ ابنك يا أستاذ اتهجم على طفل زي ما أنت شايف."
نقل يوسف نظراته لـ ياسين متسائلاً:
"أنت عملت كده يا ياسين؟"
أومأ ياسين بأدب وهو يقول بأذن فاطمة:
"هش، خلاص يا فطومتي. أنا جنبك يا حبيبتي، أهدي."
نظر يوسف للمدير وللطفل قليلاً، وبهدوء قال:
"المطلوب مني إيه؟ أي تعويض هتتكفل بيه؟ بس اللي متأكد منه أن ابني عمره ما بيمد إيده على حد، غير لو حصل حاجة، وحاجة تستاهل كمان."
همس بآخر جملته للمدير، وصاح دون النظر لأبنه:
"خد بنت خالتك، وستنوني في العربية، يلا؟"
ياسين مقاطعاً:
"بس يا بابا؟"
صرخ به يوسف وهو يشير للباب:
"سمعت قولت إيه؟ حالاً."
خرج ياسين وهو ما زال يحوطها بحنان، حتى بالسيارة. دقائق وانطلق بهم يوسف للمنزل، ودلفا للداخل، لتستقبلهم هالة بفرحة وريم وبسنت، وضج المنزل بأصواتهم وهم يهدئون من فاطمة التي تبكي. لتقص عليهم عن مضايقة أحد الأطفال لها وهي تخرج من المدرسة، وضرب ياسين له.
لتشجعها هالة قائلة:
"جدع يا واد يا ياسين إنك ضربته."
أقترب ياسين يحمل فاطمة من على قدم هالة، وهو يقول ببرود وحدة:
"متشلهاش تاني."
خرج يوسف من صمته، وهو يشير لـ ياسين:
"ورايا، تعالى ورايا، يلاااا. وكله فوووق، يلا."
لحظة، كانوا الفتيات يهرولون للأعلى، وتتعالى ضحكات ياسين عليهم، وهو يدلف لوالده بثبات ويغلق الباب خلفه. وقف أمامه باحترام.
فقال يوسف بغضب:
"إيه اللي عملته ده؟"
بأدب، قال ياسين:
"عملت إيه يا بابا؟ معملتش حاجة غلط؟ واحد كان عايز يتأدب، وأدبته."
جذب يوسف المقعد وجلس، وياسين أمامه كالمذنب. وقال:
"ليه ضربته بالطريقة دي؟ عايز سبب دلوقتي."
رفع ياسين بصره به، وقال بغضب وهو يكور قبضة يده بتذكر:
"الكلب كان بيضايق فاطمة، وكان هيوقعها. فعلمته الأدب."
نظر له قائلاً:
"أنا كده غلط؟ دي فاطمة يا بابا، اللي يبص بس عليها أفرمه تحت رجلي."
ابتسم يوسف وقال بجمود:
"تدافع عن بنت خالتك، مفيش مانع، بس مش بالهمجية دي." أشار له بعينه للخارج: "أمشي دلوقتي."
أطاع ياسين والده، وما هم بفتح الباب، ليقول يوسف:
"خليك دايماً عينها اللي بتشوف بيها، وأياك تمل ولا تزهق بسبب عينيها. وخليك دايماً سندها واحتوائها، وأوعى تتغير."
أستدار يوسف مبتسماً، ليبادله يوسف البسمة مشجعة.
أفاق ياسين بدموع غرقت وجهه، ويد عثمان على كتفه، قائلاً بحزن ووجع:
"لسه فاكر يا ياسين؟ هتنسى إمتى؟"
مسح ياسين دموعه مسرعاً، ونظر له بجمود، وقال بنبرة غاضبة:
"أنسى مين؟ أنسى روحي؟ أنسى الملاك اللي شلته بإيديه أول ما جه على الدنيا؟ ولا أنسى قلبي اللي ضاع لما راحت من بين إيديه وأنا عاجز مقدرتش أعمل حاجة ولا أحميها. أنسى صوتها وهي بتستنجد بيا؟ ولا أنسى نهاري وشمسي اللي بطلوا يشرقوا، وبقيت حياتي كلها ليل؟ أنسى ضحكتها الصافية البريئة الطيبة. أنظر في كل الوشوش حواليك، هتلاقي ضحكتهم خبيثة مليئة بالحقد والمصالح والغل، لكن هي ضحكتها كانت صافية طالعة من القلب."
"أنا قلبي مات يا عثمان، مش قادر أنساها. لو بس ترجع، أنا بحاول بس مش قادر. عايز بس أشم ريحتها، وأخدها في حضني. عايز أحميها وأكون العين اللي بتشوف بيها. أنا بتحرق يا عثمان، والنار قايدة مولعة."
تنهد وهو ينظر له بوجع، وأعينه يغشاها الدمع والعذاب، ونبرة ميتة متألمة قال:
"وحشتني، وحشتني أوي. مش قادر والله، وحشتني بقدر ملهوش وصف ولا حدود. هي عايشة جوايا. لو بس تيجي، هضمها ومش هسيبها تبعد لحظة عن حضني. مش هسمح لحد يفرقنا. بس ليه ماتت وسابتني؟ ريحتها وصورتها وضحكتها، براءتها ورقتها عايشين جوايا مش مفرقني. أحياناً بحلم بيها، الحاجة الوحيدة اللي مطمنة قلبي إن بشوفها في حلمي، ببقى مش عايز أصحى. أنا عايش في عذاب من غيرها، مش قادر. العيشة، الدنيا نزعتها مني، ونزعت قلبي وروحي وضحكتي، وكل حاجة حلوة فيا معاها."
شعر عثمان بالوجع يتملكه على حال أخيه ورفيقه الذي يموت حرفياً، وهل هناك يوم في أيامه أصبحت متشابهة؟
ربت عثمان على كتفه، وقال بجدية:
"وسمر؟"
تنهد ياسين بقهر، وقال:
"هتجوزها يا عثمان، دا قرار نهائي."
زفر ياسين وهرب مغيراً الحديث، وقال:
"الغبى مراد ده، والله لو لقيت لمار فيها حاجة ما هرحمه."
قال عثمان مطمئناً:
"إن شاء الله خير."
بالمنزل، صوت حركة خافتة واصطدام شيء جعل أسماء تنتفض فزعة من نومها. تملكها الخوف، ونهضت لتخرج من الغرفة على أصابع قدميها. فجأة صرخة منتفضة حينما شعرت بيد أحد على كتفها.
لتقول مكة صائحة:
"هش، دا أنا."
همست أسماء برعب:
"خوفتيني يا شيخة، حرام عليكي، قلبي كان هيقف."
جاءها همس حذيفة قائلاً:
"سلامة، قلبك يا قلبي."
شعروا بأصوات مرة أخرى. أقترب منهم يوسف وفيكتور والفتيات جميعاً. ونظر يوسف بحزم لحذيفة:
"تأخد البنات وتدخل جوه وتقفل الباب، وخليك معاهم عشان منضمنش ممكن حد يدخلهم."
أومأ حذيفة برأسه وجذب الفتيات بحِدة للداخل تحت اعتراضهم.
نظر يوسف ببسمة لـ حامد، وغمز له قائلاً بفرحة:
"يبدو أننا سنسترجع شبابنا يا رفيق."
غمز حامد بدوره قائلاً:
"هو في أجمل من كده لنستمتع."
رفعا كفيهما ببعضهما، وأخذ كل شعر بصعود أحد ليختبئ كلاً منهم.
في حين ذلك، كان يصعد أحد ممسكاً بسلاح. خرج يوسف أمامه ممسكاً بالسلاح بيده، دافعاً رأسه للخلف ثم للأمام بجبينه، ليرتد صريعاً. وأمسك مسدس الشاب وأطلق على كل من يقابله. وفيكتور يقفز عليهم، ولا صوت سوى تكسير عظامهم وأعناقهم.
بالداخل، لطمت حبيبة باكية:
"يالهوووي، مين دول وعايزين مننا إيه؟ يارب احفظ لي جوزي يااارب."
أنهارت تالا باكية على الأرض وهي تقول:
"أنا خايفة أوي."
ضمتها أسماء لحضنها مواسية، وهي تبكي:
"مفيش حاجة والله هتحصل دلوقتي. خالتوا لمار تيجي، هي هتيجي عشان أنا خايفة."
شعر حذيفة بنغزة في صدره لدموعها التي تكويه وخوفها، ليغمض عينه بألم وهو يقول:
"متخافوش والله مفيش حاجة غير كل خير. أنا موجود يا أسماء، متخافيش."
جلسا الفتيات بجانب بعضهما بخوف، بينما تربعت مكة على الأريكة وجذبت طبقاً صغيراً يحتوي على لب وجلست تاكل بتسلية. فنظروا لها بتعجب. لتنتبه لنظراتهم وتقول ساخرة:
"إيه مالكم؟ بتبصوا عليا كده ليه؟ أنا يا أختي مش خايفة منك ليه."
مدت يدها بالطبق وقالت بغباء:
"خدوا تسلوا، محدش واخد منها حاجة. إيه العزاء اللي انتوا عاملينه ده؟ بدل ما كل واحدة تمسك حاجة وتطلع تحارب. يا عيني على الستات اللي ضاعت، يا عيني."
أنفجروا جميعاً ضحكاً عليها. وفجأة، استمعوا لصوت أحد يأتي من الشرفة موجهاً سلاحه نحوهم. ليقفوا الفتيات برعب خلف حبيبة وهالة وتالا، ومكة تأكل غير مهتمة، وحذيفة يقف أمامهم فارداً ذراعيه.
نظر الشاب الذين يأتوا واحداً تلو الآخر، وهمس بغضب وهو ينظر بوجوههم:
"فين أسماء."
جذبت حبيبة ابنتها خلفها بقوة، وأسماء تتشبث بها.
لتقف مكة وهي تنفض كفيها ببعضهما، وقالت:
"إيه ده، انتوا جايين عشان أسماء؟ طب مش تقولوا من الأول يعني؟ ليه الرعب ده؟ ليه محدش علمكم يعني إنكم تطلبوا الحاجة باحترام؟"
نظروا لها الجميع بخوف، بينما رمقها حذيفة بغضب. لتقترب هي منهم بالطبق قائلة:
"خد يا راجل، منك ليه، اتسلى. دا لب جميل وعسل أوي."
صرخ بها إحدى المجرمين وهو يوجه السلاح نحوها:
"قلت فين أسماء؟"
انزلق الطبق من يدها، ورفعت يديها مستسلمة، وهي تهمس:
"ياا ختي عليا. شكلي قومت عفاريتك ولا إيه؟ أنا أسماء أهوو قدامك بشحمي ولحمي. مش عيب يا خويا تعمل فيا كده؟" بكت بإصطناع وشهقاتها علت: "مش حرام تسيبني أنا وعيالك للناس تنهش في لحمنا؟ ليه كده يا قاسي؟ معندكش قلب."
كان الجميع من هول الصدمة لا يتحدث. بينما نظر الرجال لبعضهم وقالوا:
"دي مجنونة دي."
وأشار أحداهما للآخر:
"هاتها."
توجه ناحيتها، لتهمس هي وهي ترفع كفها:
"، عندك يا باشا. والله ما أنت متحرك، متتعبش نفسك، أنا جيالك."
رفع مسدسه بها قائلاً بغضب:
"امشي يابت قدامي."
أمسك حذيفة أحداهما، وكال له الضربات. دقائق، وكان بلال يتسلق الشرفة وينضم له بالقتال، وهو يتحامل على قدمه المقدمة بصعوبة كبيرة.
بينما مكة أمسكت فوهة المسدس بكفها وهي تدور بالرجل قائلة:
"واحد، اتنين، تلاتة، هوووب." دفعته ناحية البنات وصرخت: "انقضوا عليه، اديلووااا."
هجموا الفتيات على الرجال أيضاً، يضربون بقسوة. تقدم يوسف من حامد المقبل عليه، وتعانقا. ليهمس حامد بمرح:
"استمتعنا مش كده."
أبتعد يوسف غامزاً له:
"كتيررر... إحنا لسه شباب يا بني."
ضيق حامد وجهه بضيق وتنهد بصوتاً مسموع، بدأ بتفكير وقال:
"إذا لسه شباب وبصحتنا، فـ ليه لا؟"
"# لا إيه؟" قالها يوسف بتعجب وذهول.
رفع حامد ذراعه محاوطاً به كتف يوسف، وهو يقول ضاحكاً:
"نشوف بنتين كده ونجدد شبابنا، بدل الستات اللي عجّزت دي. إحنا لسه شباب، ليه ندفن نفسنا بالحيّ معاهم؟"
يوسف بتفكير ورضى:
"طب والله فكرة يا بني. اشطا، نشوف بنتين كده عسلات ونجدد. ليه نعجز نفسنا مع الستات دي."
صمت عم المكان، حينما جاءهم صوت آتٍ من خلفهم. أستداروا ليطالعهم وجه تالا وحبيبة. سينفجرون.
همست حبيبة بزهول شديد وهدوء:
"تالا، سمعتي اللي سمعته؟"
هزت تالا رأسها إيجاباً، وقالت وهي تنظر بغضب لـ حامد:
"سمعت... سمعت ياااختي."
أشارت حبيبة لنفسها بصدمة:
"ستات؟"
تالا بذات الصدمة:
"ودافنين نفسهم بالحيّ معانا."
أسماء وهي تتقدم لتقف بجانبهم:
"وستات عجّزت؟!"
عائشة وهي تقف بجانب أسماء:
"ويجددوا شبابهم."
مكة وهي تقف بجانب حبيبة من الجهة الأخرى:
"هيطلقوكم ويشوفوا بنتين حلوين بعد العمر ده كله."
تقدم حذيفة هامساً بجانب أذن تالا وحبيبة، وهو يقف بالخلف:
"ياااختي، أمال لو عرفتوا إنهم بيجيبوا ستات في شقة مشبوهة."
همست تالا وحبيبة بصدمة:
"مشبوهة."
حذيفة وهو يكتم ضحكاته:
"أيوه، وكانوا يجبروني أستتر عليهم وما أقولش لحد."
تقدمت مكة لوالدها، منسكة رأسها، وقالت بزعل مصطنع:
"أخص عليك يا ولدي، كل ده يطلع منك؟ وبعد العشرة دي كلها عايز تسبنا نشحت في الشارع ونبيع فل ولا مناديل، وانت عايز تتخلى عنه؟ مكنش العشم. هئ هئ هئ."
تصنعت البكاء. تقدمت أسماء، واضعة كفها على منكبها، هامسة بتأثر:
"مش عارفة إيه الرجالة دي؟ ياخدونا لحم ويرمونا عضم."
نظرت لوالدها بحزن مصطنع:
"كده برضه يا بابا؟ عايز تتجوز على ماما اللي شالتك على كفوف الراحة وكانت معاك على الفقر؟ ولما بقى معاك فلوس عايز ترميها؟"
تغاضت عن نظراته المحذرة، ونظرت لوالدتها قائلة ببكاء مزيف:
"سامحيني يا ماما، خبيت عليكِ، بس كنت عايزة أحافظ على بيتنا الصغير الجميل، اللي بابا عايز يهده ببساطة ويرمينا نشحت. أنا كنت بسمعه بالليل بيتكلم في التليفون مع واحدة. استغفر الله العظيم يا رب. فيديو يا ماما، بعد ما يتسلل من جنبك زي الحرامي."
همس يوسف وهو يشير لنفسه بصدمة وينظر لـ حامد:
"حرامي؟! أنا؟؟ وبكلم واحدة؟ أنا ااااه يابت الـ........"
ركض الفتيات لأعلى بصحبة حذيفة، وخلفهم يوسف الذي وصل للدرج وتوقف على صوت حبيبة قائلة بصوتاً غاضب:
"اقف عندك يا يوسف."
تقدم منها بابتسامة قائلاً بخوف:
"حبيبتي، متصدقيش أولاد الجزمة دول بيضحكوا عليكي."
عقدت ذراعيها وهي تهز قدميها، وقالت بسخرية:
"والله... وعلى كده اللي قولته من شوية ده إيه؟"
رفع يوسف كتفيه قائلاً:
"ده شيطان يا قلبي، ودخل بينا. آه والله."
أقترب حامد ملتصقاً به، وهمس وهو ينظر لهم بخوف:
"هما ابتدوا يتحولوا ولا إيه؟"
أبتلعا الشباب حلقهم، وهم يتراجعون للخلف يؤيدون.
فجأة، صرخ الفتيات وهم يقذفون بوجههم كل ما يقابلهم، وهم يركضون حول المقاعد، يمنى ويسرى، حتى استطاع النجاة من بين أيديهم، وهرعوا لغرفة حامد، مغلقين الباب خلفهم، ليستندوا سوياً عليه وهم يلهثون. ثم وضعوا أيديهم على قلبهم وهمسوا سوياً:
"لقد نجونا. We survived."
أبتسم حامد قائلاً:
"We survived."
ساد الصمت لثوانٍ، حتى انتظمت أنفاسهم المتلاحقة، وهمس حامد وهو يتمدد على الفراش ويضع كفيه أسفل رأسه:
"الله، تخيل النهاردة هنام أنا وأنت زي ما كنا زمان سوا، من غير وش ولا رغي كتيررر. يا سلااام."
دفعه يوسف بحدة وهو يتمدد بجانبه:
"أبعد يا عم كدا! هنخرج إزاي بكرة من غير نكد."
تمدد حامد على جنبه وهو يرفع رأسه قليلاً مستنداً على يده، وقال:
"هما عندهم حاجة أفضل من النكد؟ نام يا ابني ومتفكرش. دا ليلة ولا ألف ليلة."
تعالت ضحكاتهم، بينما كانوا الفتيات يموتون غيظاً وقلقاً وتفكير.
ركض بأروقة المشفى بهلع. ما أن علم أنها قد جاءت، ولكن لماذا؟ دقات قلبه تنبئ أن هناك أمراً ما، أمراً لن يتحمله. يخشى فراقها، فهي له كل شيء. ما أن حادثة أحمد بأنه نقلها للمشفى، وهو يكابد ليبدو بخير، لكن هو داخلياً ليس بخير. فأحياناً هناك وجعاً بسويداء القلب لا ندري كيف نعبر عنه أو نصفه. أمسك يد الممرضة التي تمر من جانبه، يستوقفها وهو يسألها بقلق:
"في مريضة اسمها لمار جت النهارده من المخابرات، ألاقيها فين؟"
ردت الممرضة على عجل:
"امشي لآخر الممر، الأوضة اللي على إيدك الشمال."
ركض أدهم ما أن أنهت جملتها. وقعت عيناه على أحمد يجلس بهم، واضعاً رأسه بين كفيه. هرع إليه بقلب يئن وهزه قائلاً بأعين تترقب:
"أحمد، في إيه؟ ليه لمار هنا؟ هي كويسة، مش كده؟"
وقف أحمد بتيه، عيناه زائغة، وهمس وهو يهز كتفيه ودموعه تسيل:
"مش عارف!"
أهتز قلب أدهم برعب، يخشى أن يكون قد أصابها شيء. فأغمض عينيه وهو يقول بتلعثم:
"يعني إيه مش عارف؟ لمار حصلها إيه؟"
أعاد فتح عينيه ناظراً لـ أحمد الذي قال بتوجس وصوت خافت:
"مش عارف... أنا مش عارف حصلها إيه."
بجنون، صرخ به أدهم وهو يهزه:
"يعني إيه؟ أنت بتستهبل؟!"
وأستطرد هامساً بخفوت:
"هي فين؟"
أشار أحمد بصمت بيده لغرفة بجانبه. لينظر أدهم دقائق ويركض نحوها، فاتحاً الباب، ليتسمر مكانه دون أي خطوة، وهو يطالع لمار الراقده على الفراش جثة هامدة. فاتحة عينيها تنظر للسقف فقط، ولا تحرك ساكناً. ليس بها سوى دقات قلب تنبض، وأنفاس خافتة. أما هي فروحها تتمزق. هربت من ذاك العالم لعالم آخر صنعته لذاتها فقط، كي لا يكون معها أحد يوجعها بفراقه.
دنا منها بخطوات وئيدة، وهطلت دموعه بوجع لمرآها هكذا. وجلس بجانبها ممسكاً بيدها، مقبلاً إياهم، وهمس بابتسامة:
"لمار حبيبتي، مالك فيكي إيه... حاسة بـ إيه؟"
لم يأتيه رد، ظلت على حالها لا يرتجف لها جفن حتى. فخفق قلبه بقلق. وأسرع للدكتور الذي قص عليه حالتها، وأنها بحاجة لطبيب نفسي مختص، لأنها بصدمة شديدة وانهيار عصبي.
علم أدهم في تلك اللحظة أن الكبت الذي بداخلها ها هو ينفجر ويقذف حممه. تلك التراكمات ظلت تمتلئ حتى اكتظت بدرجة مخيفة، وأنهد الجبل، فلم يعد راسخاً، راسي، إنه جمل منهار متشقق.
خرج أدهم وأحمد بها من المشفى ليعودوا للدار. ولكن قبل أن تصل السيارة بقليل، تشنج جسدها بشهقة قوية عالية، وهي تحدق أمامها لنقطة ما.
صوت انفجار علا فجأة، لينحسر بأذنيها فتصدهم فوراً، وهي تصرخ بجنون بأسم:
"أياااااااد! أنا هنا، هطلعك، متخفش!"
حاولت فتح باب السيارة، إلا أن أدهم قيد يديها وضمها لصدره، وهي تصرخ بهستيريا وتكيل له الضربات ليتركها.
توقفت السيارة بعدما دخلت من البوابة الضخمة عالية الأسوار. ترجلت هي مندفعة، ليصيح أدهم بصوتاً عال للحارس:
"أقفل الباب بسرعة."
همت أن تخرج، لينغلق الباب أمامها، فأخذت تقرع على الباب وهي تصرخ ببكاء:
"افتحوا الباب، أياد هيتحرق، هيمووووت، ياااا أياددد، أياددد يا حبيبي، أنا جاااايه، افتحوااا الباب، حرام عليكم."
ركضت ناحية الحارس وأنقضت عليه. همت بضربه، ليبعدها أدهم واحمد محاولين تهدئتها، حتى شلت قدماها فلم تعد قادرة على الوقوف، وتقع بين أيديهم، فاتحة عينيهم وتردد فقط:
"مااااات، مات ابني، مات بسببكم."
خرج الجميع ركضاً من الداخل على صوتها، متسمرين أماكنهم. إلا أن ركض يوسف جاذباً إياها بحضنه، وقلبه يكاد ينقلع من بين صدره لمرآها هكذا.
# اهدي يا لمار يا حبيبتي، مفيش حاجة، صدقيني.
همست لمار وهي ترمش بعينيها وتجف دموعها:
"وعدددد، ماتت بنتي، ماتت أياددد."
ابتسمت ابتسامة خفيفة، وأغشى عليها.
ليحملها يوسف وهو يصرخ بـ أحمد وادهم، ويشير لفيكتور ليتبعه:
"إيه اللي حصلها؟ وعد مالها؟ رنوا على ياسين ولا عثمان دلوقتي، اعرفوا فيه إيه. لو في أي حاجة، قوليلي وأنا هتصرف."
وصرخ بالفتيات الذين هجموا عليه:
"اوعوا من وشي، الساعة دي محدش يبكي."
وضعها على الفراش بحنان وضمها لصدره، وسالت دموعه بوجع لما تعانيه. ماذا مصنوعة هي؟ تحملت الكثير والكثير ولم تشتكي. مشاكل الجميع كانت مشاكلها. تحملت الآلام وحدها. كانت صلبة، قاسية، ولكن تحمل قلباً من ذهب. ما فقدته كانت تعطيه لغيرها دون تأنٍ، دون بخل ولا حقد، حتى يا الله.
شرع يوسف وفيكتور بأعطائها بعض الأدوية. أما الفتيات فأجهشن بالبكاء. فتلك أول مرة يرونها هكذا ضعيفة، هشة، باكية. أجل، إنه أول مرة ذاك الجبل يتزحزح. ولقد سقط بجل حمله وما يعبئه. ولكن هي هي، أمٌ لا يستطيعون الاستغناء عنها. هي سنداً وصدا! منيعاً أمام أي عاصفة مهما كانت قوتها، يتوارون خلفها من أذى الأيام دون خوف. ولكن من تلك الضعيفة التي على فراش الموت؟
تقف بالشرفة، تترقب قدوم طفلتها لتقر عينيها بها وتطمئن. ولكن هل لقرة عينها أن تعود؟ هناك أناس تذهب وتجيء، وسيارات تمر، ولكن لما لا ترى الطرق خاوية؟ ليس بها أحد. لماذا لا تبصر أياً منهم؟ كانت لا تقف عن البكاء، لا يرقأ لها دمع. لا تدري أحية ابنتها، فترجو الله أن يعيدها لها لتفرح. أم ماتت لتحتسب أمرها وتيأس من لقائها.
تنظر يمنى ويسر لعلها تبصرها آتية من بعيد، كما تتخيلها. فقلبها يحترق من فؤادها بسويداء القلب جرحاً غائر، خائفة من أن لن تعود، فستموت حتماً. رفعت مقلتيها اللتين أحاطهما هالة سوداء، ووجهه الذابل كثيراً، ورفعت كفيه بتضرع وهمست بخشوع وثبات وأمل ويقين، ودموعها تنهمر:
"يا رب، استودعتك بنتي، ياررب رجعهالي. وقف في طريقها أولاد الحلال، يارب، واحفظها لي يا رب. هموت لو حصلها حاجة وهي بعيدة عني. ولكن أنت القريب، يا رحمن، أغثها ونجيها. استودعتها عندك يا رب... يارب، أنت المجيب القريب، الحنان، المنان، الكريم، الرحيم. ردها لي وطمن قلبي، أثلجه يا الله برؤيتها. اللهم صلي وسلم وبارك على حبيبك محمد، يارررب."
هناك دعوات قد تخرج من سويداء القلب بيقين وتوكل وأمل وثناء، فتخترق عنان السماء كالسهم، فيتغلل من الأبواب، ليستجيب الرحمن. ما كانت انهت دعاءها وهي تزيح دموعها، حتى علا رنين هاتفها معلناً عن رقم مجهول غير مسجل.
ردت بلهفة وهي تهمس بتعب:
"الوووو."
"_ ماماااا."
نطقت بها خديجة على الجانب الآخر ببكاء، ما أن أحست بدموع وتعب والدتها.
أنفطر قلب ورد بعدم تصديق، وهي تحدق بلا شيء. لتسرع خديجة قائلة بعجالة:
"ماما، أنتِ تعبانة؟ مالك يا ماما."
هبطت دموعها كالـشلال دون توقف، وقالت بتلعثم، وبسمة فرح، ورفعت مقلتيها للسماء ضاحكة:
"خديجة، بنتي حبيبتي! أنتِ فين يا قلب ماما؟ أنا أنا هاجيلك، أنتِ فين يا حبيبتي."
بعجل قالت خديجة:
"لا يا ماما، متجيش، هيقتلوكِ. أنا كويسة، وعمو الحلو هو خلاني أكلمك، متخافيش عليا. أنا بعمل كل يوم زي ما علمتيني، بحفظ قرآن وبصلي زي ما كنا بنعمل سوا. بس أنتِ متزعليش، أنا هاجيلك قريب. سلميلي على خالتوا لمار أوي وبابا وعلى الكل يا ماما، وقوليلهم إني بحبهم أوي."
أنهارت ورد على الأرض، هاجشة بالبكاء، وصوت نحيبها يعلو، وهمست من وسط بكائه:
"طب أنتِ فين يا قلب ماما؟ أنا هاجيلك، أنتِ فين يا قلب ماما؟ أنا هاجيلك، متخافيش عليا، هاجي أنا ولمار، اديني عمو."
أنقطع الخط فجأة. لم يأتيها صوت، فردت قائلة:
"الوووو! خديجة يا بنتي؟ لااااا يا خديجة، متقفليش، يا بنتي لاااا."
صرخت بقلب منفطر بجرح غائر بسويداء القلب.
بأعين يغرقها الدمع، نظرت خديجة لـ صابر، الذي جذب منها الهاتف. تألم لذاك الوجع الذي رآه بعينها. دقائق، وأنفتح الباب وطل منه رجلاً آخر، وقال بتلقائية:
"فيه إيه يا عم صابر؟ كل ده بتديها الأكل، ولا القعدة مع البت دي عجبتك؟"
أزدرد صابر ريقه بتوتر وهمس بثبات خرج بجهد عظيم:
"ما هو أنا هستناها تخلص، وهجيب الصنية وأطلع."
أشار له بيده:
"روح أنت، وأنا هاجي وراك."
خرج الرجل صافقاً الباب خلفه. ليتنهد صابر صعداء، وهو يضع يده على موضع قلبه. نظر لـ خديجة، التي نظرت له بحزن وهي تكتم دموعها. أبتسم بألم، وهو يجلس على ركبتيه أمامها، وقال بحنان:
"متزعليش بس..."
قاطعته خديجة مستعبرة ببكاء مزق قلبه:
"انت خدت التلفون وكنت لسه مش خلصت كلام ليه؟ دلوقتي ماما تزعل مني."
عقدة ذراعيها وشاحت بوجهها بعيداً.
أنفطر فؤاده على تلك الملاك التي أمتلكت قلبه بأيام قليلة، وأصبح يخشى عليها بشدة. همس بحزن قائلاً:
"ما هما لو شافونا هيقتلونا أنا وأنتِ، فـ كان لازم آخد منك التلفون."
أومأت خديجة برضا. لبرق عينيها بلمعة فرحة وبلهفة، قفزت وهي تصفق بيدها وتقول:
"يلاااا، نبدأ. أنهارده هحكيلك عن زيد بن حارثة، حب رسول الله صلى الله عليه وسلم."
أبتسم صابر بصدق وجلس وهو يقول بفرحة:
"موافق يا ستي، يلا نبدأ."
ربت على المقعد الذي يليه:
"اقعدي الأول."
تنهدت خديجة بصوتاً عال بعدما جلست، ونظرت له قائلة:
"مين الصحابي الذي ذكر اسمه في القرآن الكريم؟"
ساد الصمت، بينما نكث صابر رأسه بحياء، بأنه لا يدري ولا يعلم شيئاً. هو حتى لا يقرأ أو يستمع للقرآن الكريم قبل ولوج خديجة لحياته.
أبتسمت خديجة وهي تعقد قدميها وتعتدل مقابل له، وقالت بهدوء:
"الصحابي هو زيد بن حارثة."
نظر لها الرجل باهتمام شديد، وكان ينصت لها بكل حواسه. لتكمل خديجة بقلب مشتاق وروحاً تهفو:
"خرجت والدة زيد لزيارة أهلها، فأقتحموا عليهم القبائل المجاورة وأسروا زيد، وباعوه في سوق عكاظ. واللي حضر السوق كان منهم حكيم بن حزام بن خويلد، بن أخو السيدة خديجة، وكان حكيم ثرياً من أثرياء أهل قريش. واشترى زيد وبعض الغلمان، وعاد إلى مكة."
"وعرفت السيدة خديجة بعودة ابن أخيها، فذهبت لتسلم عليه. ففرح رحيم بقدومها له، وقال لها عن الغلمان، وأن من شئت منهم تأخذه، فهو لها هدية. فوقع اختيار خديجة على زيد، لما رأت به من سمات المروءة والشهامة، ويكون أميناً لسر بيتها، وأحسن ظنها بـ زيد."
"وتزوجت خديجة بالنبي، وكان قبل نزول الوحي، وأهدته زيد كهدية أثمن الهدايا، وبكده بقى زيد ظل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمين لسره، وكان الرسول لزيد خير رفيق وأب وأخ."
"وكانت أمه تبكي عليه، ووالده يبحث عنه. وفي يوم خرجت جماعة من قوم حارثة قاصدين البيت الحرام للطواف. وهناك رأوا زيد، وعرفوه وعرفهم، فسألوه وحكى لهم كل شيء."
"وعادوا القوم وأسرعوا ليبشروا حارثة، ففرح حارثة وأعد لرحلته، وأخذ من المال ما يكفي ليفدي به ابنه، وأصطحب أخوه كعب، وذهبوا لمكة. وراحوا لرسول الله، وقال حارثة: "يا بن عبد المطلب، أنتم جيران الله، تفكون العاني، وتطعمون الجائع، وتغيثون الملهوف. وقد جئناك في ابننا الذي عندك، وحملنا إليك من المال ما يفى، فأمنن علينا وفاده لنا بما تشاء."
"فـ الرسول مكنش يعرف إنهم يقصدوا زيد، فسألهم عن من ابنهم."
"فأخبروه زيد."
"فـالرسول قالهم إنه هيطلب زيد ويخيره، إن اختارهم ذهب معهم من غير فدى، يعني مال. ولو اختاره، فهو هيفضل معاه."
"وجاء زيد، وسألوه الرسول عنهم، فعرفهم زيد. فسأله النبي يروح معاهم ولا يفضل معاه."
قاطعه الرجل قائلاً باهتمام جلي:
"أكيد اختار أبوه وعمه وهيمشي."
هزت خديجة رأسها بالرفض. فقطب حاجبيه بتعجب وتساؤل:
"أمال إيه طيب؟"
أبتسمت خديجة قائلة:
"هحكيلك، استنى."
"وبعد كده زيد اختار الرسول، فأبوه تعجب، وقاله انت تختار العبودية على أبوك وأمك."
"فرد أسامة قائلاً له: "إني رأيت في هذا الرجل شيئاً، وما أنا بالذي يفارقه."
"ولما النبي رأى حرص زيد على صحبته، أعلن أنه ابنه يورثه ويرثه، وعرف بين الناس بـ زيد بن محمد. بعدها نزل الوحي وحرم عادة التبني. "ادعوهم لأبائهم هو أقسط عند الله" {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله}."
"وزي ما زيد حب النبي، فـ النبي كمان حبه، وكان يشتاق له لو غاب ويفرح بعودته. وأصبح زيد يلقبونه بـ زيد الحب، حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمين سره، وقائداً لجيوشه."
"بعث الرسول لملك بصري كتاباً مع الحارث بن عمير يدعوه للإسلام، فقتلوه. ولم يقتل لرسول الله أحداً. فجهز الرسول الجيش وقال: لو قتل زيد بن حارثة، فتكون القيادة لـ جعفر بن أبي طالب، ولو قتل، فـ لعبد الله بن رواحة."
صمتت خديجة بدموع. ليقول عبد الله بقلق:
"بتبكي ليه؟ مش هتكملي؟"
همست خديجة ببكاء:
"ذهب الجيش لقتال الروم، ومزقت الرماح جسد زيد، وخر صريعاً. وكان ابنه أسامة في الحرب وشافه، ومات جعفر من بعده، وبعدها بن رواحة."
هز صابر رأسه بحزن شديد طغى على ملامحه، وهتف:
"ماتوا التلاتة وخسروا المسلمين؟"
"# لا لا. بعدها أمروا الناس بأن تكون القيادة لـ خالد بن الوليد، وأنقذ الجيش."
"وعرف الرسول بموت قادته الثلاثة وحزن عليهم، وذهب ليعزي. فلما وصل لمنزل زيد، لاذت به ابنة زيد باكية، فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم."
"فقال له سعد بن عبادة: "ما هذا يا رسول الله؟" قال: "هذا بكاء الحبيب على حبيبه."
أجهشت خديجة في البكاء ما أن انهت حديثها بتأثر، واكتسى الحزن وجه صابر.
وهتف بزهول:
"أنتِ صغيرة، أنتِ؟ قدرتي ازاي تحفظي كل ده؟"
استطاع اخراجها من حاله الحزن التي طغت عليها، لتبتسم له وهي تزيح دموعها بكفيها، وقالت:
"عشان ماما بتحفظني، وقربت أختم المصحف حفظ."
أبتسم الرجل بسعادة. لتقول خديجة بحسم طفولي:
"أنت بتصلي زي ما علمتك ولا لا؟"
أومأ برأسه مسرعان:
"بصلي، بصلي، وبعمل كل اللي قولتيلي عليه."
ببراءة، رفعت خديجة كفيها داعية بتمني:
"يارب، أسألك أن تجعل عمه من أهل الجنة، واجمعني بيه هناك."
أبتسم الرجل بفرحة وقلب مشرق ببهجة بسويداء القلب.
أشارت له خديجة قائلة:
"بكرة نكمل، ماشي."
هز صابر رأسه وخرج من الغرفة، مغلقاً الباب خلفه، بعدما لوح له بيده. وتوجه لمقعد من معه من الرجال، واستمع إليهم. قال أحدهم:
"مش عارف هو هيقتلها ولا هيبعها."
قال من يجلس أمامه وهو يضع ورقة الكوتشينة:
"أظن هيبعها مع باقي البنات، وكده كده يعني، هي ميتة ميتة. دي ماهو لو باعها هتبقى من فتيات الليل والدعارة والكبريهات."
قالها وهو يقهقه بصوتاً عال. لينقبض قلب صابر بتفكير.
بعد وقت، جلس بجانبهم يحاول أن يعلم منهم معلومات كافية. هو لن يسمح لهم بأن يؤذوها. ابتسم قائلاً:
"على كده البت دي هتفضل قد إيه؟"
رد أحداهما دون النظر إليه، وتركيزه باللعبة:
"مش عارف، بس الباشا بيقول لما أدوخهم شوية، يبدو أنه انتقام شخصي. يلا، إحنا مالنا؟ إحنا فلوسنا وخلاص يا عم أنت."
أندمجوا الجميع باللعب، بينما حاصرته الأفكار والقلق والخوف في آن واحد. يخشي عليها من جل شيء.
بجوف الليل، كانت ورد ساجدة بين يدي مولاها تدعو أن يحفظ لها ابنتها. لم يرقأ لها دمع، ولن تثلح حرقة قلبها. تهفو روحها شوقاً لرؤية صغيرته. تصلي ولكن بمفردها، عكس قبل، كانت برفقة طفلتها الحبيبة التي هي شبه ميتة الآن هلعاً عليها.
دلفا ياسين وعثمان للمنزل، فوجدوه هادئاً للغاية. شعروا بالغرابة.
أغلق عثمان الباب خلفه، ونظر بتعجب لـ ياسين وهتف بنبرة قلقة:
"هما راحوا فين؟ ليه البيت هادي كده؟"
هز ياسين منكبيه وأشار له قائلاً:
"مش عارف. المهم دلوقتي تعالى نشوف خالتوا ونفهمها كل حاجة."
أومأ عثمان ووضع حقيبته جانباً، وحذا ياسين حذوه، وصعدا للأعلى سريعاً، متجهين لغرفة لمار من توهم.
وقفا أمام الباب، ومد ياسين كفه للمقبض وفتحه، وهو يطرق طرقات خفيفة ويهمس:
"خالتوا، أنا ياسين، ممكن أدخل؟"
لم يأتيه رد، فـطل برأسه، فـاتسعت عينه بصدمة، وهو يرى والدته وخالته والفتيات، جالسون بجانب بعضهم يبكون بصمت بدموع لا تتوقف، ووالده محتضن خالته التي تشبه الجثة، فقط تتنفس وتحدق فلا شيء. وزوج خالته يجلس بهم بجانبه زيد وأحمد وأيهاب وعمرو، والكل في حالة بأس شديدة. ملامحهم تنبئ أن هناك أمراً خطيراً. فها هو عمود البيت قد سقط بجل حمله، وأنفطر.
بصمت تام، تنقل النظر فيما بينه وبين عثمان بدقات قلب وجله، وجرحاً غائر بسويداء القلب.
دلفوا للداخل بخطوات وئيدة خائفة. همس عثمان لوالده متسائلاً:
"مال خالتي يا بابا؟ إيه اللي حصل؟"
بينما أقترب ياسين كالمسحور لخالته، واضعاً كفت يده على وجهها، وهمس بدموع وصوتاً مختنق:
"مالك يا لمار؟ فيكِ إيه؟ بس أنتِ مش لمار. لمار عمرها ما كانت ضعيفة كده. إيه اللي حصلك؟ يا لماررر."
شهقوا الفتيات بصدمة واعين متسعة بعدم تصديق وفاه فاغراً، حينما دوى صوت صفعة مزلزلة بالغرفة من يوسف لـ ياسين.
رواية دموع العاشقين الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ندى ممدوح
دوى صوت صفعة قوية من يوسف لابنه، جعل ياسين متسمراً مكانه بصدمة لا مثيل لها، متسع العينين ينظر لوالده بنظرات موجعة، واضعاً كفه موضع الصفعة. عم الهدوء المكان بهيئة مخيفة.
أن يحدث لك ما كنت تظنه لا يحدث يوماً، حتى أنه لم يحدث بصغرك، فذاك يضني قلبك بالألم.
نظر يوسف ليده بزهول، كأنه لا يدري كيف فعل ذلك، ولكن لوهلة وقع بصره على لمار، فعاد لجموده وقسوته مرة أخرى، فأمسك ياسين من مقدمة جاكته وهو يصرخ به بنبرة مرتجفة خائفة على أميرته:
"أنت قلت لها إيه عن وعد؟ هي كويسة؟"
نظر له ولعثمان يتحجر بمقلتيه الدمع:
"قلتم لها إيه وصلها للحالة دي؟ عملتم إيه فيها؟"
مد بصره بعيداً للفراغ وصمت قليلاً وقال بحزن دفين:
"دي ماتت، مش كفاية أوجاع فيها. دي ومن هي صغيرة شافت اللي محدش شافه، دي شافت أبوها بيدبح قصاد عينها وأمها مقتولة."
نظر له الجميع بصدمة مصحوبة بدهشة دون فهم مما يقوله، ليكمل بتلعثم وهو ينهار جالساً بجانبها:
"دي فضلت عايشة لسنين وحيدة شايلة هم الكل وهم جبال على قلبها، ولا يوم اشتكت ولا بكت ولا حزنت ولا لحظة اهتزت. بعد كدا لقيتني عايش أنا وأمها، وبعد كدا الزمن خد ابنها، أول ما خف اللي هو أياد أخوها، وبعدين بنتها. ارحموها بقى."
رفع بصره لياسين وقال متهكماً:
"قلت لها إيه؟"
نظر له ياسين بوجع، فهيهات أن يحس أحد بما يشعر به، بجرحه الغائر بسويداء قلبه أضناه الألم لا ريب، فنظر له وهز رأسه بأسف وغادر الغرفة. فكيف يشك به؟ كيف يمكنه التفكير حتى أنه قد يؤذي عمته التي لم تكن عمته يوماً، بلا أم وحنان وسند ورفيقة.
دنا عثمان محتجاً من يوسف وقال بأسف:
"ليه كدا يا عمو؟ ياسين مكنش يعرف بمقلب مراد لما قالها أن وعد ماتت. بالعكس تماماً، دا ضربه حرفياً مسبش فيه حتة سليمة. وجه على هنا فوراً وطول الطريق قلقان عليها. مكنتش أتوقع منك كدا."
عيناه دارت بالجميع وهتف وهو يلتفت مغادراً:
"عن إذنكم، لازم أكون معاه."
بصمتاً تام خرج بعده حذيفة وبلال، بينما هتف عمرو بغضب وهو يضع يده بجذعه:
"ليه كدا يا يوسف؟"
نظر له يوسف بدموع وهمس بألماً دفين دون النظر له:
"مش عارف، أنا مش حاسس أصلاً بنفسي، مش عارف بعمل إيه ولا بقول إيه، أنا بس خايف."
بكت حبيبة بحرقة وصوت نحيبها علا، واقتربت من لمار جالسة بجانب يوسف واحتضنت كفها وهمست:
"وعد كويسة يا نور، فاكرة يا نوري الاسم دا؟ طب فاكرة أيامنا سوا؟ فاكرة إسماعيل وهدى."
انكبت على يدها تلثمها وتبكي وقالت بصوتاً مختنق:
"قومي عشان حبيبة مش قادرة تشوفك كدا. طب أنتِ فاكرة يا نوري لما كنتِ مبتسمحيش لحد يزعلني، حتى أدهم. فاكرة لما دفعتي عني؟ فاكرة كنتِ بتقوليلي إيه؟"
صمتت ملياً بتذكر، ولاحت لها ذكريات الماضي أثناء فقد لمار للذاكرة، شهقت بصوتاً عالٍ قائلة:
"كنتِ بتقوليلي أننا واحد، واحنا فعلاً واحد. واحد لأن قلوبنا مربوطة ببعض أقوى من أي رابط دم. بس الرابط دا مستحيل يكون من غير قلبك. دا أنا أحياناً بحسد نفسي أنك في حياتي. بس قومي عشان تجيبلي حقي من أخوكِ دا، عاوز يتجوز عليا، عجبك كده؟"
بكت بدموع لا حصى لها وتابعت هامسة:
"أنتِ ليه مبترديش عليا؟ هااا، ردي."
اقتربت أسماء، ربتت على كتف والدتها، ليهمس يوسف متذكراً شيئاً:
"حبيبة، رني على عمي يمكن لمار تتحسن بوجوده!"
أومأت حبيبة برأسها. دقائق أقل من الدقائق وقبل الاتصال كان قد جاء لتوه. فهل هناك شيئاً قد يمنع نداء القلوب ولب النداء؟
تجمهر الجميع حاول لمار، بينما إسماعيل يقرأ لها القرآن، ولكن لكبر سنه، كان يسعل بين الكلمة والآخرى ويصمت بتعب.
بهم جلس ياسين على إحدى المقاعد بالحديقة، تائه ضائع. هو ومن جل شيء. لحظات وكان ينضم له عثمان وبلال وحذيفة.
لم يستطع أحد التفوه بكلمة، فساد الصمت لدقائق، قاطعه عثمان وهو يضع كفه على منكبه هامساً بوجع لوجع رفيقه:
"ياسين، متزعلش نفسك، أكيد عمو ما يقصدش!"
لم يجب ياسين، وظل نظره ثابتاً مطأطأ الرأس بين كفيه. فبحزن همس بلال مازحاً يحاول قدر الإمكان إخراج رفيقه مما به:
"إيه يا عم، أنت سرحان في إيه كده؟ مين دي اللي واخداه عقلك يا ريس؟"
ابتسم بخفوت ما أن نظر له ياسين، رافعاً حاجبه ليستطرد هو قائلاً وهو يغمز له:
"طب إيه؟ مش هتعرفني عليها؟ ولا هي طلعت مش حلوة وتخميت؟"
قالها مقهقهاً، ليشاركه حذيفة المزحة قائلاً:
"أنا عارف سبب حزنه؟"
نظر له بلال متسائلاً بجدية مصطنعة:
"إيه؟ عارف وساكت كل دا؟ قول قول، أشجيني!"
وقف حذيفة ملقياً قنبلته، مستعداً للركض من أمام حجيم ياسين:
"أصلها طلعت كحلة وحولة وعورة وشعرها سلك مواعين وطخينة قوي فوق ما تتخيلوا، وأسنانها طالعة لبره. بالعربي كده، معدي عليها كساح ناسفها."
نظر له بلال وهو يكتم ضحكاته وهمس:
"ياااا راجل، بس مين دي؟"
همس حذيفة بصدمة:
"أنت متعرفش؟ إزاي!"
قلب كفيها بيأس مصطنع وقال:
"مراته يا بني، يعني هتكون مين."
تضحكوا جميعاً حتى عثمان، بينما نظر له ياسين بغضب وهم بالوقوف، فركض حذيفة مسرعان.
هتف ياسين وهو يشير لنفسه بزهول:
"بقا أنا مراتي حوله وكحلة وطخينة يا كلب."
صاح صوت حذيفة عالياً:
"أيوه أنت، هننكر يعني؟"
ركض ياسين خلفه وحذيفة يختبئ خلف عثمان مرة، وبلال مرة أخرى، بينما هما وقعوا أرضاً من شدة الضحك.
صرخة ولكنها ليست كأي صرخة، كأنما صرخة من سويداء القلب، لم تكن إلا من لمار باسم وعد، جعلت الشباب يتخشبوا أمكانهم. ما تلك الصرخة التي جعلت قلوبهم تنفطر؟ نظروا لبعضهما البعض ثوانً، وهرولوا للأعلى بسرعة.
كان يوسف يضم لمار بقوة، مكبل يديها وهي تصرخ وتضرب به حتى يبتعد. أما أدهم، كان يقف بعيداً بعجز، فرؤياها هكذا تميته وتفطر قلبه وروحه. أما الفتيات، علا نحيبهم عالياً.
جاء فيكتور من الخارج يمسك بحقنة. ثبت يوسف ذراعها بإحكام ليحقنها بوريدها فتهدأ، رويداً حتى ارتخى جسدها ورحلت بعيداً لعالم آخر.
عم الهدوء بعد ذاك، فساد الصمت إلا من شهقات الفتيات. بكت سمر وخرجت دون حرف. لا تصدق ما ترى وما سمعت، شعرت بالتوهان. لأول مرة ترى عمتها بتلك الحالة، تلك العمة التي رأتها دائماً قدوة لها وسند. أجل، كانت تسخر بها عادةً من كونها بالمخابرات ولا تصلح إلا للرجال، كانت تراها دائماً شجاعة، صلبة، لا تهتز من أي شيء. فما بها الآن؟ هل حقاً عانت كل ذاك؟ كيف أنها ما زالت عايشة للآن؟ فلو كان أحداً غيرها لمات من فور، فكيف استحملت هي جل ذلك.
صعدت سيارتها وانطلقت بسرعة دون وجهة، أضنى قلبها لوعة وألم، يخفق قلبها بخوف، أحست أنها وحيدة وأن الحياة تضيق تضيق بدرجة مخيفة عليها. كانت يديها ترتعش وجسدها يرتعد وتغشى عيناها الدموع، فكادت لا ترى، ولكنها تكابد حتى تصبح بمكان بعيداً تصرخ به أو تختبئ بأحد، لعل هناك أحد يطمئنها أن عمتها ستصبح بخير، أن بيتهم سيظل قائماً وعموده ثابتاً.
لحظة، صرخة بصوتاً عالٍ حينما اخترق عينيها ضوءً قريب، فغطت وجهها بكفيها و......
طرقات خفيفة على باب المنزل، فنظروا الفتيات لبعضهم، وبادرت مكه قائلة وهي تهم للمغادرة:
"أنا هشوف مين؟"
أومأت لها تالا. كان ما زال يوسف يضم لمار، وإسماعيل جالس بجانبهم على الفراش بحزن على ابنته. أما أدهم، فلا ريب، وجع قلبه جعله محطم منهاراً، جالساً على الأرض بجانبه أحمد وزيد.
وقفوا الشباب مستندين على الحائط، بهم بأعين يغلفها العذاب. والفتيات بجوار بعضهم على المقاعد.
دقائق وكانت تطل ورد من على باب الغرفة، هاتفة بقلق:
"إيه مالها لمار؟ فيها إيه؟"
خفق قلبها برعدة قوية هزته بثناياه، تخشى أن تستمع لشئً آخر يميت قلبها. هي ليست حمل أي شئ آخر.
نظرت بكل الوجوه، وجدت الدمع هو من يجيب، فنخلع قلبها من صدره، وبرجفة خطت للداخل بخوف. نظرت للمار التي بإحضان يوسف، وركضت تجاهها هامسة وهي تضع كفها على وجنتها:
"مال لمار؟ إيه اللي حصل؟"
نظر لها يوسف بدموعاً تأبى النزول وقال:
"مراد كلمها وقالها أن وعد ماتت...."
شهقة عالية صدرت منها مصحوبة بدموع الوعة. ونظرت له بصدمة. ليبادر عمرو قائلاً وهو يلحق بها ممسكاً بها قبل أن تسقط أرضاً:
"وعد كويسة، دا كان مقلب!"
وضعت ورد يدها على موضع قلبها بتعب ونظرات زائغة:
"...."
نقلت ورد بصرها بينهم جميعاً وهمست بجمود وهي تشير بيدها للخارج:
"كله يطلع برا دلوقتي. سيبوني معاها لوحدنا. كله يروح يستريح. لمار قوية وهتقوم، ومحدش يوقف أي حاجة ولا شغله، لأن لمار هتزعل لما تفوق منكم. يلا."
ظل الجميع كما هما، لا يرجف لهم جفن، حتى انظارهم متعلقة بلمار. لتصيح ورد بحسم:
"سمعتوا قولت إيه؟"
نهض يوسف بعدما عدلها على الفراش واشار للجميع:
"بره كله بره. يلا. سيبوا ورد معاها لوحدها. يلا."
خرجوا جميعاً، حتى هو توجه لغرفته مباشرةً. فما أن ولج للداخل جثى أرضاً وسمح لدموعه أن تسيل گ الفيضان. فظل يبكي ويبكي بقهر. فجأة وجد يداً تضم رأسه على صدرها. فتشبث بحبيبه ودفن رأسه بحضنه، وظل يبكي گ طفلاً صغير، وهمس بصوتاً مختنق:
"أنا خايف، خايف أخسرها وتبعد عني، خايف يحصلها حاجة. مش هستحمل والله، أنا استحمل أي حاجة إلا أن أتأذى فيها. والله ما هقدر. دي بنتي مش مجرد أخت وبس."
علا صوت نحيبه وحبيبه تربت على ظهره وهي تبكي.
أستأذنت تالا وتوجهت لغرفتها. فتحت الباب وقد أيقن ظنها، ففيكتور يجلس يضم رأسه بين كفيه، يجاهد أن لا تنحدر دموعه.
فنظرت له بحزن وأغلقت الباب وتوجهت جالسة عن كثب منه، ورفعت يدها على منكبه هامسة بألم:
"حامد، يا فيكتوري."
ظهرت ابتسامة صغيرة على ثغرها دون أن ينظر له، يحلق بالأرض فقط. فمدت كفها لذقنه ليلتفت لها وهمست بأعين دامعة:
"كل حاجة هترجع زي الأول وهتبقى أفضل. اطمن، لمار غالية علينا كلنا، هترجع لنا وهترجع أقوى وأحسن."
أومأ حامد باسماً وهمس بكلمات تضني القلب وروحاً تتمزق:
"حاسس أنه بيبكي ومش هقدر أروح أوضته. أكيد حبيبة هناك ومش هينفع، مش هينفع أكون جنبه."
وضع كفت يده موضع قلبه وهمس وهو ينظر لعينها وأنسابت دموعه:
"حاسس بإني دموعه كأنها أسهم بتخترق قلبي، بتوجعني. بس مش ميت، مش بموت، بتوجعني أوي."
ضمت تالا رأسه وبكت هي الأخرى. سرعان ما كفكفت دموعها وهي تتذكر شيئاً لتخرجه من براثن حزنه. ضربته بخفة على منكبه لينظر لها بدهشة رافعاً حاجبه. انكمش وجهها وهي تقول بتذمر:
"بقا أنا عجنت وعايز تجدد شبابك مع بنوتة صغيرة؟"
حدق بها متصنع الصدمة وهمس وهو يشير لنفسه:
"مين؟ أنا؟ محصلش طبعاً، إحنا هنكدب يعني؟ بتتبلي عليا؟"
ردت غاضبة:
"والله. متقلقش، أنا بنفسي هشوفلك بنوتة حلوة."
ابتسم غامزاً لها لتقف بمكر وهي تقول:
"دا أنا هجيبلك بنوتة قمر تجددلك شبابك كله وترجعك أصغر من بنتك."
رفعت قدمها لتطيح بقدمه، فيتأوه صارخاً وهو يرفعها بيده. لتضحك هي بشماتة وتتركه وترحل.
نظرت أسماء حولها باحثة بعينيها عن سمر فلم تجدها، فتملكها القلق واستحوذها، لتهمس للفتيات بتساؤل:
"بنات، أنا ليه مش شايفة سمر نهائي؟ محدش شافها؟"
هزت مكه رأسه:
"لا، مشفتهاش غير لما كانت خارجة دلوقتي. تيجي، متقلقيش."
رفعت عائشة الهاتف لهم وهي تقول:
"هرن عليها أشوفها فين."
قالت جملتها بعيداً وأبتعدت تجيب على أحد ما وردت بهمس قائلة:
"أيوه يا بني، عامل إيه؟"
رد الطرف الآخر قائلاً بعصبية نوعاً ما:
"كل دا برن عليكِ ومبترديش ليه؟"
قاطعته عائشة قائلة بصدق:
"غصب عني والله."
همس بإهتمام قائلاً:
"مالك، في إيه، قولي؟"
أنسابت دموعها بإنهيار وقالت بشهقات:
"ماما تعبانة أوي… أنا خايفة عليها… ومحتاجاك أوي."
صمت قليلاً قبل أن يقول بإهتمام:
"أنا جنبك وهفضل دايماً، بس قوليلي مامتك مالها؟"
أخرجت زفيراً طويلاً وروت له ما حدث، ثم أخرجت زفيراً مريحاً كأنما أنزاح ذاك الجبل من قلبها.
جلست أسماء ومكه بجانب هالة وريم الذين يضمون بعض كأنما هناك برداً قارص يستمدون الدفء من بعضهم. كانت ريم تبدو غريبة، نظراتها زائغة، خائفة، تتلفت حولها كأنما تأخذ حذرها وهناك من سيقتلها غدراً. فضمتها هالة لتكون هي ذاك الأمان.
كان الجو أيضاً مشحون بحزن غريب عجيب، لأول مرة يعيشونه، ولكنه قاسياً للغايه. يا ليته يمر سريعاً، يا ليت.
بالغرفة كانت تجثو ورد على قدميها بجوار الفراش، حاضنة كفة لمار بين راحتيها، وتهبط دموعها بصمت تام عكس ضجيج قلبها وروحها. قبلت كفها وشهقت ببكاء:
"قومي يا لمار، وعد كويسة والله هترجعلك قريب، دا كان مقلب من مراد. قومي يا حبيبتي ومتوجعيش قلبي. دا أنا مليش لا أب ولا أم ولا أخت، أنا مليش حد غيرك في الدنيا دي…"
صمتت قليلاً وهي واضعة جبهتها على كف لمار، وقالت وهي ترفع رأسها بعد ثوان:
"قومي عشان بنتك التانية خديجة. وعد مني مش هبعدها عنك وهجيبهالك تقعد معاكِ، مش كنتِ دايماً بتطلبي مني كده. لكن لو مقومتيش بنتك هتموت بجد، هتموت يا لمار. لازم تقومي، محدش غيرك هينقذ بتك غيرك. دي بتحبك. قومي قلبي وجعني أوي، مش عارفة أتوجع عليها ولا عليكِ. طيب مين غيرك هيشيل همي؟ أنا نفسي أنام في حضنك زي زمان وأصحى في حضنك في الأمان. تصدقيني لو قولت أن معرفتش معنى أمان من يوم ما بطلت أنام جنبك؟ أنتِ فاكرة؟ اااااه، خديجة هتروووح مننا يا لماررر اااه.."
بكت كم لم تبكِ قبلًا وهي منكبة على كفها. في حين ذلك فتحت لمار جفنيها بقوة تحدق بصدمة.
هدأت ورد بعد فترة وجلست بجانبها، واضعة كفها على رأسها تتلو القرآن. وتقص عليها قصص الصحابة تارة هكذا وتارة أخرى تتلو.
يقف أنس مع بعد الزملاء قبل أن يغادر خارج القسم، يهنئونه لأنه قريباً سيقيم زفافه. يتحدثون ويتضاحكون.
قال أنس بصدق لبعض، يخاطب زميله:
"لاااا، مستحيل أعمل حاجة قبل ياسين ما يكون موجود."
لم ينهي جملته فتسمر مكانه وهو يرمش بعينيه من مرأى سمر التي تتقدم ناحية القسم، هناك جرحاً برأسها وتبكي. وقع قلبه من صدره وركض تجاهها بقلق ظاهراً بمقلتيه. وقف أمامها هامساً بقلق وهو يحدق بها:
"سمر؟ أنتِ هنا بتعملي إيه؟ ياسين وعثمان مفيش حد منهم هنا."
شهقات متتالية ونحيب يعلو كل ما يصدر منها وجسد يرتجف. تلعثمت قائلة وهي تؤمي برأسها:
"ع عارفه، أ أنا جيالك أنت."
صدمة جديدة احتلت قلبه لوهلة من جملتها، لا يدري ما أن تفوهت به، هل حقاً ما تقصده أم ماذا.
وصل إليه همس الشباب ليحجب رؤيتهم عنها بطوله وهو يقف أمامها حاجزاً، وأشار لها تجاه السيارة قائلاً:
"تعالي بس بعيد كدا واحكيلي مالك وايه الجرح ده."
سارت بجانبه حتى ساعدها بالجلوس داخل السيارة. ظل فاتحاً الباب ناحيتها وجذب زجاجة مياه يملئ كفه ويغسل ذاك الدم النازف من وجهها. يتألم قلبه بوخزات متتالية لمرآها تتألم.
ساد الصمت يحاول الثبات من قربها وهمس:
"اهدي وبطلي عياط عشان تفهميني في إيه؟"
أزاحت دموعها بيدها وهمست وهي تعاود البكاء مجدداً:
"أنا عملت حادثة وخايفة. لقيت رجلي جايبني عندك، مش عارفة ليه بس حسيت أني محتاجالك. أنا آسفة لو أزعجتك. أنا..."
قاطعها هو قائلاً بعصبية:
"بس طيب، كلام عبيط. مفيش حاجة من اللي بتقوليها. ودلوقتي اهدي. أنا معاكِ واحكيلي إيه اللي حصل وفي إيه؟"
أخذت نفساً طويلاً وقصت عليه كل شئ من بداية عمتها لتوها.
ليقول أنس وهو يلكم السيارة بغضب:
"الغبي مراد ده حسابه بعدين. أنا لازم أكون مع الشباب دلوقتي، بس الأول تعالي أوصلك عشان محدش يقلق عليكِ، وأنا إن شاء الله هتولى كل حاجة. متقلقيش."
هزت رأسها نفياً:
"لا لا، أنا مش هروح، خليني معاك لحد ما تشوف اللي كان في العربية دا كويس ولا لا."
قال أنس باسماً وهو يجلس بجانبها ينطلق بالسيارة:
"إحنا هنقعد شوية في مكان هادي لحد ما تبقي أحسن، لأن مينفعش ترجعي كدا هتقلقيهم أكتر، ومتقولش لحد حاجة، أنا هتصرف."
"بس يا أنس مين......"
نطقت بها بتلقائية، ليقاطعها هو قائلاً:
"خلص الكلام، سمعتي قولت إيه؟"
أدارت بصرها أمامها، أما هو فقد حلقت روحه بسماء العاشقين، فها هي محبوبته ما أن أحست بالخطر لاذت به، هذا يعني أن هناك شيئاً له بقلبها. أهذه البداية أم ماذا؟ ولكن لما، لماذا حصل ذلك بعد فوات الأوان؟ فهو قد خطب وزفافه قريباً، يستحيل أن يرجع بكلمته ويظلم شخصاً ثالث ليس له ذنب. ليفرح والدته وكفى، وليعيش تلك اللحظة فلن تتكرر مجدداً، وليحفرها بسويداء قلبه، لعلها تخفف جرحه الغائر قليلاً وتشفي فؤاده الذي أضنته الندوب.
وصل لكافيه قريباً وترجل من سيارته وفتح الباب من جهتها وأشار لها للداخل، فسارت معه للداخل وسحب لها مقعد لأقرب طاولة وجدها خاوية وجلست وجلس هو مقابل لها. طلب لها عصير وقهوة له. أقترب بجذعه سانداً يديه على الطاولة ونظر لها بحب وتساؤل بفضول وأهتمام:
"بس بردوا مقولتليش أنتِ كنتِ خارجة رايحة فين؟ ماشي معاكِ أنك اتخنقتي وكنتِ خايفة على عمتك وحابة تتكلمي مع حد."
أشار بعينيه:
"هااا، كنتِ رايحة فين؟"
فركت أصابعها المتشابكة على الطاولة بتوتر وارتباك، زاغت عينيها تتحاشى النظر لعينيه، وبدت الحيرة والتردد بهما. لاحظهم ببساطة، أزدردت ريقها وهمست بتلعثم:
"اصل هو أنا يعني؟"
حسها على الكلام هامساً:
"هااااا، قولي؟"
همت بالحديث ليقاطعهم النادل وهو يضع العصير أمامها والقهوة أمامه، ليشكرهم أنس ويعاود النظر لها قائلاً:
"هااااا، قولي."
بتلقائية قالت:
"أنا كنت جيالك."
فركت يديها وصمتت ملياً كأن الأحرف قد هربت من فمها، واردفت بصدق:
"حسيت أن روحي بتتخنق ومش قادرة أتنفس، كنت خايفة. حسيت لوهلة أني ممكن أتيتم. أنا كنت دايماً بسخر من عمتي أنها شرطية، بس بهزر، مكنتش أعرف أنها عاشت كل دا."
أستدمعت عينيها وتابعت قائلة:
"لقيت نفسي بخرج مش عارفة أروح فين، بس أنت أول واحد جه في بالي، مش عارفة بجد."
قالت آخر جملتها وهي ترفع بصره به.
تلاقت أعينهم بنظراتً مرتبكة، أتسعت تدريجياً ابتسامة على ثغره، فهمس:
"وليه أنا؟ ليه لما حسيتي أنك محتاجة حد جيتيلي أنا؟"
صمتت بتردد وحيرة، لا تدري بما تجيبه، ولكنها أجابت بصدق:
"مش عارفة."
رد وهو ينظر بعمق عينيها:
"ليه مش ياسين خطيبك؟"
ردت بتلقائية:
"معرفش، بجد مش عارفة. … أنا عايزة أمشي دلوقتي."
قالت آخر جملتها و وثبت واقفة.
ترك بعد المال على الطاولة وخرج خلفها. صعد السيارة وانطلق بصمتاً تام، كلاً منهم منشغل الفكر. وقف أمام منزلها. همت بفتح الباب ليقول هو بجمود ونبرة جافة عكس نبرته قبلاً:
"متقوليش لحد بخصوص الحادثة، هتصرف وهبلغك. اتفضلي أنزلي."
نظرت له لدقائق، همت أن تسأل ما الذي غيره لتلك الدرجة، ولكنها تراجعت وترجلت من السيارة على عجل.
بينما تعلق نظره بأثرها وهمس بتنهيدة وجع:
"كل شئ أنتهى يا سمر، للأسف. أنتِ دلوقتي ملك صديق عمري، أقرب ليا من نفسي."
زفر بضيق ورجع رأسه للخلف وهو يقول:
"يا رررررررب."
ثوانً وانطلق مغادراً.
خرجت ورد من غرفة لمار تدلك رقبتها بألم، مطأطأة الرأس، تشعر بثقل على قلبها الذي فجأة أحست بنغزة قوية به.
"مااالك فيكِ إيه؟"
رفعت ورد رأسها وابتسمت ما أن طالعها وجه عمرو، فأبتسمت تلقائياً بنظرة عامرة بالحب وهزت رأسها وقالت:
"مفيش، أنا كويسة."
هز رأسه بجدية وإصرار:
"لا مااالك، عينيكي فيهم هم كبير وأثر الدموع على وشك وقلبك مش فيكِ؟"
هزت رأسها بإبتسامة وقالت:
"صدقني مفيش، أنا تمام."
رد باقتضاب:
"براحتك."
وتسأل بحيرة:
"خديجة فين؟"
ساد الصمت فجأة، فتوترت هي وارتبكت، لم تدر بما تجيب، ولكنها ابتسمت ابتسامة هادئة بسيطة وقالت وهي توليه ظهرها:
"ديجا عند نعمة، أصلها متعلقة بعيالها، فعشان كدا سبتها معاها وبس."
شعر بارتباكها، فكذبها أحس أن هناك شيئاً تخبئه. فأمسك مرفقها يديرها إليه ونظر لعمق عينيها وقال:
"أتمنى يكون كلامك صح وأحساسي ملوش معنى."
أكتفت بإشارة بسيطة من رأسها. ولكن روحها كانت تهفو لتغفى بحضنه أو حضن عينيه قليلاً لتطمئن. احتل سويداء قلبها وتخلل بشغافه، فلما ابتعد لما كان الفراق من نصيبهم، لينقسم قلبيهما؟ طال الصمت بينهما، تتلاقي بها الأعين وتبث شجواها وشوقها وحنينها ولهفتها ولضمها. حضن عينيه لن يكفيها تلك الدقائق ولا سنين، فحضنهما أمان، لا تريد البعد عنهما. قطع الصمت وهو هائماً بها وهمس دون وعي:
"أنا ليه حاسس أني بقيت غريب من لما ابتعدت."
صمتت وفاضت عيناه بالدمع، ودت لو تقول: "لم تكوني يوماً من الغائبين، كنت دائماً حاضراً بالقلب، كنت بسويداءه تتخلل شغافه." لم يكن ذنبه أو ذنبها، فقد فرقتهم السبل بطريق ملئ بالأشواك.
قطع صمتهم، انتفاضت ورد برجفة من فؤادها على رنين الهاتف بيدها معلناً عن اتصال من أحمد محمد. نظرت لعمرو بقلباً يرجف شغافه وهمست:
"هرد على التلفون، دي دي وحدة صحبتي."
رمقه بعدم تصديق وضيق عينيه قائلاً بجمود:
"أنا مسألتكش ليه متوترة كدا؟"
هزت رأسها سريعاً:
"أبداً، مش مرتبكة."
نظرت لغرفة لمار وأشارت له:
"ممكن تفضل جنبها لحد ما أجي."
أومأ برأسه إيجاباً وتوجه للغرفة، بينما ابتعدت هي قليلاً وعاد الأتصال الذي انقطع.
هرولت للخارج بعدما حدثته ليبلغها أنه بالخارج. وقفت أمامه تلهث من تعب الركض على عجل. تحدثت بكلمات غير مفهومة من شدة لهاثها وأنفاسها المتلاحقة:
"خديجة، قولت عرفت مكانها؟"
أشار بيده قائلاً بهدوء:
"اهدي الأول كدا عشان أفهم بتقولي إيه."
وضعت يدها على فؤادها تحاول تنظيم أنفاسها، فما أن هدأت قالت:
"خديجة فين؟ أنا هروح لها بس قولي العنوان."
أشار بيده مطمئناً:
"ممكن تهدي؟ هنروح سوا، بس الأول اركبي."
ما كاد ينهي جملته حتى هرولت هي لسيارة بالأمام ولف هو صاعداً خلف عجلة القيادة وأنطلق بصمت تام عكس الضجة التي بداخلها.
لا تصدق أنها سترآها آخيراً، ستضمها لحضنها وتروي عينيها منها. أدمعت عينيها وهي تبتسم بفرحة غامرة وروحاً تهفو للقاء.
ركن أمام بيتاً مهجوراً رث الهيئة عن بعد منه بقليل، وأخرج مسدساً رفعه شاداً إياه مستعداً للإطلاق بأي لحظة، بينما ترجلت ورد مسرعة وركضت، ولكن شدها أحمد جاذباً إياها وصاح بصوتاً گ الهمس حتى لا يسمعه أحد:
"مينفعش، اهدي، في رجالة استناني في العربية."
هزت رأسها بجنون وبأمل وفرحة قالت:
"لا لا، استنى إيه؟ بنتي جوه، لازم أدخل."
أشار لها مطمئناً:
"هتبقى كويسة والله، بس اهدي وخليكي قريبة مني. تعالي ورايا."
هزت رأسها وسارت خلفه تتلفت خلفها بين اللحظة والأخرى بقلق، حتى دلفوا لذاك المكان الذي بدا غريباً، ليسري القلق ثنايا أفئدتهم. ولجوا للداخل، بحثوا بأعينهم فلم يجدوا أحد، بقلب يرتعش، ظلت تبحث عن ابنتها گ المجنونة هنا وهناك، حتى وقع بصرها على إحدى حذائها، بهلع، مسكته بين يديه، منهاره على الأرض تصرخ بوجع وهي تضمه لصدره.
فاضت عيني أحمد على حالها واقترب منها قائلاً بأمل:
"أنا آسف، بس صدقني أول ما بعتيلي الرقم تتبعته. أكيد في حاجة غلط، يمكن أكتشفه كمان."
بكت ورد بقهر وقلب أضناه الوعة والأسى والوجع. صرخة هزت الأرض وفؤادها.
بدموع قال:
"قومي نمشي، وإن شاء الله هترجع."
دلفت ورد لدار لمار بقدمين تجرهما جراً، تاركة قلبها هناك حيث كانت تقبع صغيرتها. تلمع عيناها بالدمع وتهوى بصمت تام، منعقدة اللسان، تائهه ليس بها روح، إذ أن ابنتها هي روحها، فكيف تحيي سويداء قلبها غير بوجودها؟ قلبها، اااه من قلبها، فهناك ناراً مقيدة به لا يمكن إخمادها أبداً، ناراً تحرقها لتصبح جثة بدون روح.
كيف تطمئن حالها ولهج الخوف يتملكها، ولكنها على يقين أنها ستعود أكيداً، فقد أستودعتها لدى الرحمن.
تبدد عقلها، جالت عيناها، فهمت بالتوجه للدرج لتقف على صوت عمرو من خلفها:
"مين دا اللي كنتِ معاه دلوقتي؟"
توقفت للحظات بعقلاً مغيب متبدد، أبتلعت ريقها بتوتر وألتفت له بارتباك جلي وهمست بحزن:
"عادي، دا أخو صحبتي."
هز رأسه وصمت ملياً قبل أن يقول:
"ماااااالك؟ ومتقوليش مفيش. لو كدبتي على الدنيا كلها أنا مش هتعرفي. ليه حاسس أن في حاجة أنتِ مخبيها؟ حاسس بقلق وقلبي بيتقبض. أنتِ مخبية إيه؟"
استعبرت وفاضت عينيها بالحزن. تمزق قلبه وتعسر عليه مرآها هكذا. أسرعت خطواتها نحوه تلقي بذاتها بين ذراعيه تدفن رأسها بصدره تبكي بلوعة، ليضمها بحنان لصدره مربتاً على ظهرها هامساً بحنان:
"مااالك بس في إي؟"
أبعدت وجهها تنظر له بأعين تفيض بالدمع، أعين منطفئة يغلفها الحزن والقلق والوجع، وهمست بصوتاً شجي:
"أنا كدبت عليك؟"
أمسكها من مرفقيها عاقداً حاجبيه بعدم فهم:
"كدبتي عليا؟ ليه وفين وامتى؟"
تحاشت النظر له وتنهدت بصوتاً مسموع وصمتت ملياً بتفكير. هي لم تعتاد أن تكذب عليه هو خاصةً أو أن تخبئ عنه شئ، دائماً كان الأب والسند والأمان. عادت بعينيها تتأمل عمق عينيه قليلاً وقالت ببكاء:
"كدبت عشان اللي رن كان واحد اسمه أحمد محمد، أخو شخص متهم بقضية، ولما رجعت أنا كنت معاه."
لم يستطع مدارت تلك الغيرة التي تملكتة، فحاول جاهداً أن يهدأ وهمس بحدة:
"ليه وكنتِ معاه فين؟ ومخبية إيه تاني؟"
هي لن تستطع أن تقلقه، أن تخبره أن ابنته التي رآها بعد تلك السنين ويمكن أن تفارقه بلا عودة مخطوفة، لن تستطع أن تشغله وهو يقضي جل وقته بعمله، فكيف توجع قلبه؟
نظرت له وهي تفرك يديها ولا يرقأ لها دمع:
"مش هقدر أجاوبك دلوقتي، مش هقدر والله، بس في الوقت المناسب هقولك، وأعرف أني مستحيل أعمل حاجة...."
قاطعها وهو يدنو منها محتضناً رأسها براحتيه وهمس باسماً:
"أنا متأكد و واثق فيكِ، وعارف أنك مستحيل تعملي حاجة غلط ولا تغضبي ربنا، وعارف بنتي كويس لأنها تربيتي. هااا، بس خلي بالك من نفسك واتاكدي أني جنبك دايماً، و وقت ما تحبي تحكيلي في أي وقت هكون مستعد أسمعك."
قبل جبينها وأزاح دمعاتها بسبابته وقبل عينيها التي ينهمر منهما الدمع، وضمها لصدره مستكيناً وهو يهمس بصوتاً شجي:
"ربنا يديمكم ليا وميأذنيش فيكم أبداً."
أطمئنت واستكانت وظلت بحضنه لوقتاً طويل دون الشعور به، لتبتعد أخيراً خجلة وهمست بصوتاً مرتجف:
"هروح أشوف لمار."
هز رأسه، فهرولت هي هاربة من أمامه ليبتسم ضاحكاً لفعلتها.
دلفت غرفة لمار بهم على عجل، أقتربت واضعة رأسها على منكبها تضمها باكية تناجيها بفؤادها. هدأت قليلاً وتوجهت لدورة المياه تتوضأ، وسجدت للرحمن مستعينة به.
بإحدى الفيلات الكبيرة التي ينتشر حولها الحرس يحفونها من كل جانب، بالداخل صوت صراخ حاد كان يخرج من صابر نتيجة الضرب المبرح به بشدة، إذ أن وجهه كان ينزف بغزارة، أصبح گ جثة من فرط الضرب، إذ أن لم يبق مكان سليم به.
ملقاه على الأرض تتململ بخفوت، لا تتذكر سوى حينما دلفوا الرجال وأقتربوا منها ورشوا شيئاً ما على أنفها، فلم تشعر بشيء بعدها. أغلقت خديجة أعينها، سرعان ما فتحتهم بصدمة حينما تناهى لمسامعها صوت صراخ لصابر، فسندت بيدها التي كانت تسند رأسها عليها ورفعت جذعها، وجدتهم يضربون به وهو يصارع الموت أرضاً والدماء تنهار من جسده وتفيض. وثبت سريعاً راكضة تجاهه وصوت نحيبها يعلو. أستطاعت أن تمر من جنب الرجال بسبب جسدها الضئيل وضمة رأسه التي تنزف، لينهالوا عليهما بالضرب غير مهتمين بها. توقفوا عن صوت ذا هيبة آتٍ من خلفهم يقول "بس كفايه كدا، سيبوهولي."
نظرت خديجة للخلف فوجدت شاباً يرتدي بذلة سوداء اللون يبدو عليه الثراء، ممسكاً بسلاح بيمينه. كانت خطواته ثابتة تجاهها حتى جلس، مقابل لها بصمت. ليشدد صابر من أمساكها بوهن، يخشى عليها منه.
نظر لها من رأسها إلى قدميها وقال باسماً:
"عملتيلي مشاكل كتير وبسببك كنا هنروح في داهية، بس كمان تستاهلي، هيدفع فيكِ دهب."
كانت نبرته هادئة، ليصيح فجأة بصوتاً عالٍ وهو يقف شاهراً السلاح لصابر:
"ودلوقتي خليني أخلص من الخاين."
بجنون هزت خديجة رأسها ووقفت أمام فوهة السلاح فارده ذراعيها الصغيرتان وهي تقول بصوتاً باكي بلوعة من شغاف القلب:
"لا، أنت مش هتموته يا عمو، لا."
ابتسم ذاك الشاب ساخراً، وأمسك السلاح بيسره وتقدم خطوتين ليمسكها من مقدمة ملابسها ويدفعها للحائط دون رحمة كأنها ليست بطفلة، وهمس ساخراً وهو يقهقه:
"هموتهولك قدام عينك يا حبيبة عمو."
لم تهتم لحديثه ولا رأسها التي شجت وأصبحت تنزف. هزت رأسها نفياً وركضت مرة أخرى، بينما كان مستدعياً ليطلق الطلق الناري، فقالت باكية بصوتاً عالٍ:
"هو مكلمش حد، أنا سرقت منه التلفون من غير ما يعرف وكنت حافظة رقم ماما."
"لم تكن تحفظه، وإنما صابر جاء به من إحدى التلفونات الخاصة بهم."
أرجع الشاب مسدسه وهو يرمقها بتعجب مشوباً بالصدق. تقدم منها بخبث وجلس على ركبتيه ليصبح وجهه أمام وجهها، لتنظر له خديجة بثبات بعينيها الشبيهة لأعين لمار.
همس بتعجب ومكر:
"بقا أنتِ اللي كنتِ هتودينا في داهية."
نظرت له بجمود وثبات وهي تنظر لعمق عينيه بحدة:
"أيوه أنا، ومتزعقش فيا تاني."
مد يده لعنقها قائلاً وهو يجز على أسنانه:
"لا عاش ولا كان اللي يكلمني كدا."
لوهلة تذكرت بعد حركات لمار التي كانت تعلمها إياها حينما تكون لديهم، فأمسكت بذراعه تلويها له بحدة، ليقول بغضب وهو يشير لرجاله التي يحفونه حوله:
"أنتِ شايفه كل الرجالة دول بيترعبوا بس يسمعوا اسمي. أما أنتِ بجحة مبتخافيش، أنتِ هنا تحت رحتمي، وقت ما حب ممكن أموتك."
نظرت له دون خوف، وأنما شجاعة، نظرة تملأها اليقين والتوكل على الله، وقالت وهي ترمقه بحدة:
"أنا مبخافش من حد، أنت اللي لازم تخاف."
أشار على نفسه ساخراً:
"أنا أخاف منك؟ من مين؟ منك."
ارتفعت صوت ضحكاته الساخرة. لتشير له خديجة ببراءة:
"لا مش تخاف مني، خاف من ربنا ومن خالتي عشان هتموتك دلوقتي لما تيجي."
أقترب منها وشرارت الغضب تتأرجح بعينيه، وأمسك فكها قائلاً بكره:
"خليها بس تيجي، ووقتها اقري عليها الفاتحة. هموتهالك قدام عينك الحلوين دول."
أبعدت خديجة يده ونظرت له بإستهزاء وقالت:
"لا، هي هتموتك."
نظر لعينيها فلم يجد خوفاً بتاتاً، لوهلة استحوذ الخوف ثنايا قلبه وسرى بعروقه وأوصاله.
قفزت سريعاً فكرة بذهنه، فأقترب منها بخبث شديد وهو يهمس بصوتاً هادئ:
"أول مرة أشوف طفلة لابسة حجاب. وبما أننا كدا كدا هنبيعك، فـ ليه لا."
لم تفهم ما يعنيه ولا بما يدور بعقله، ولكنها أحست بالخطر فجأة، ظلت تتراجع بخوف حتى اصطدمت بالحائط وهو أمامها يحاصرها. مد يده بأبتسامة ماكرة يبغي نزع حجابها، فما كاد أن يلامسه حتى انقضت على يده بأسنانها، ليتأوه بألم وهو يدفع برأسها للحائط، فقال بغضب لا مثيل له يلفظها بأبشع الألفاظ:
"يا بت الـ********، بقا أنتِ تعملي فيا كدا."
قاطعته قائلة:
"أيوه، عشان متفكرش تاني مرة تشيل حجابي. أنت لسه مشفتش أي حاجة. خالتوا هتموتك وربنا يسامحك."
قهقه بضحكة غاضبة وقال وهو يجز على أسنانه:
"يسامحني؟؟؟ وخالتك تموتني؟ هو انتِ بتحلمي؟"
"يا باشا الريس على التلفون."
قالها قائل من خلفه، ليلتفت له ويتناول منه الهاتف مجيباً وسار للأمام، ولكنه وقف مستديراً لها:
"هرجعلك وهندمك على عضتك دي."
نظرت له بثبات. كاد ينفجر من بروده وشجاعتها، ولكنه تابع سيره للخارج يملأه الغيظ والحقد والكره ويتوعد لها، وخلفه حراسه.
أندفعت خديجة فور خروجه لصابر، وجدته قد فقد الوعي. بحثت بعينيها عن ماء لغسل وجهه، حتى وقع بصرها على دورق به ماء فركضت مجيئه به. تنهدت بهم عندما لم تجد قطعة قماش، لتشق حجابها وتثبته جيداً على رأسها، وبالقطعة الصغيرة بللتها بالماء وظلت تمسح بوجهه وهو يهذي باسمها واسم فتاة أخرى.
مر الوقت حتى بدأ بالتأوه وهو يفتح عينيه ليطالعه وجه خديجة ودموعها التي تنهمر بغزارة، فانتفض جالساً بتعب وهو يقول بقلق ينهش بقلبه الذي انفطر:
"خديجة، أنتِ بتبكي ليه؟ هما عملولك حاجة؟"
هزت رأسها نفياً بسرعة، لينتابه القلق أكثر وهمس:
"طيب امال إيه بس مالك بتبكي ليه؟"
همست بصوتاً مختنق بالبكاء وشهقات تعلو:
"عشان أنا كدبت."
تنهد براحة مطمئناً أنها لم تنصاب بأذى، وبرقت عينيه بفرحة ونظر لها مطمئناً ساكناً:
"خديجة، متزعليش، أنا السبب في أنك تكذبي."
كفكفت دموعها وهي تهز رأسها سلباً:
"لا يا عمو، متقولش كدا."
ساد الصمت لثوان، لتقول خديجة بتذكر كأنها تخشى أن تنسى مرة أخرى:
"عمو، أنت ليه بتشتغل مع الناس الوحشة دي؟"
زفر صابر بقلب أضناه الألم ورجع بظهره مسنداً على الجدار ممداً قدميه وقال:
"أحياناً يا بنتي بنمشي في الطريق لا عايزينه ولا عايزنا. الخوف أحياناً بيرمينا فـ مفترق طرق وتسود الحياة فـ وشنا إلا طريق واحد. الفقر والمرض بيعمل أكتر من كدا، بس ربنا بعتك ليا عشان تنوري بصري قبل ما أغرق."
نظرت له خديجة ببراءة وأعين مهتمة بريئة تبرق بالحب:
"يعني إيه؟"
ابتسم لها قائلاً:
"أنا بنتي عندها سرطان."
قالها وعيناه تفيض بالدمع.
هوت دموع خديجة بحزن لمرأى دموعه وقالت ببراءة:
"متخفش يا عمو، أنا هقول لأسماء وخالو يوسف يعالجوها وهتخف وهتبقى كويسة، بس اختبار من ربنا ليك وليها."
ابتسم الرجل بحنان وتمنى لو كانت تلك ابنته حقاً، فهي أصبحت كذلك. تربع أمامها هاتفاً بحماس:
"مش هتحكيلي قصص عن الصحابة انهارده؟"
صفقت خديجة بفرحة ولمعة عينيه بفرحة غامرة وهتفت:
"اكيد، اكيد هنتكلم عن أبو الدرداء حكيم هذة الأمة."
بكل جوارحه وحواسه أنصت لها وزلت هي تروي على مسامعه.
صباح اليوم الثاني لم يحدث شيئاً جديداً. جلسوا الفتيات بالحديقة بهماً شديد بعدما اطمأنوا على لمار تجلس معهم ورد، ولكنها ليست معهم، فهي منشغلة الذهن، خائفة، قلقة، نغزات بقلبها تميتها. فهل قلبها ينبض أصلاً؟ كانت كل واحدة منهم بعالم آخر، جحافل الخوف تسيطر عليهم بلهج.
أقبلت هالة عليهم، يطغى الحزن وجهها، يستحوذ الخوف والقلق ثنايا قلبها ويسري الرعب بأوردته. همست بتنهيدة وجع:
"تعالوا يلا عشان تفطروا."
"لا، أنا شبعانة."
نطقوا بها الفتيات سوياً دون حياة، دون شهية لأي شئ. جالت أعينهم ببعضهما لينفجروا ضاحكين. فابتسمت هالة وصاحت بهم:
"يلا يا بنت منك ليها، الأكل محطوط، قومي يا أسما، يلا يا سمر أنتِ وعائشة ومكه، ويلا يا ورد."
بنبرة مليئة بالحزن وأعين تلمع بالهم، همست ورد وهي تشير لها:
"والله شبعانة، لو كنت جعانة كنت هاجي على طول، أنتِ عارفة."
بعد مناهدات شوحت لهم هالة وهي تغمغم:
"والله يا ورد لبعت لك عمرو، وأنتِ منك ليها لبعتالك ياسين."
رن هاتف سمر بإشعار رسالة، لتنتفض برجفة وهي تبتلع ريقها، فكانت من أنس يطلب منها أن تخرج. وقفت مستأذنة منهم أن تخرج لتشم هواء قليلاً وخرجت. ذهبت إليه فوجدته واقفاً يتحدث بالهاتف، لم ينتبه لمجيئها، ففركت يديها وتورد وجهها مسروراً بحياء وهمست منادية له:
"أنس." انعقد لسانه وهو يستمع صوتها، وثب قلبه وثبة عنيفة رجت صدره رجاً لينبض بجنون. أبعد الهاتف متغيباً واغلقه بوجه الآخرى وهو يلتفت لها بصمت متأملاً إياها. عيناه تبرق بفرحة، رآها گ فراشة نسمات الفجر العطرة، كانت كوكباً درياً تضيء له عتمة الليل الحالك.
تنحنح وهو يقترب خطواتين منها وقال بنبرة مرتجفة غير متوازنة گ قلبه:
"الشاب والبت اللي خبطتيهم في العربية بخير الحمدلله، إصابات سطحية بس مفيش أي حاجة. اطمني، أنا حليت الموضوع."
أكتفت بإبتسامة أمتنان ونظرة تبرق بالحب والحياء والشكر.
أغمض عينه مستغفراً وقال وهو يتحاشى النظر لها:
"دايماً هكون جنبك، وهكون الأيد اللي بتنقذك من أي حاجة، فخليكي متأكدة أن وقت ما تحتاجي هتلاقيني."
أبتسمت له ولم تدر ما تقول، فتلك البهجة سرت بمهجتها بفرحة. فتعلقت عيناها بعينيه، لينتزعهم من أنفسهم رنين هاتفه معلناً عن اتصال من خطيبته ليجيب قائلاً:
"أيوه يا زينب… تمام، ماشي، شوية وجي، جهزي بس أنتِ… لا، أنا حجزت القاعة خلاص… لا، هوصلكم وهمشي، اختاري انتِ وأم..."
صمت وانعقد لسانه لمرأى دموعاً تتنحسر بمقلتيها، صفعة قوية بنغزة اخترقت قلبه بهلع، ليقول سريعاً وهو يغلق الهاتف:
"طيب طيب سلام."
أشارت له هامسة بقلق وهي متخشبة:
"مين دي؟ قاعة إيه؟!"
ابتسم بوجع ابتسامة هادئة، وضع يديه خلف ظهره وقال بصوتاً نمى عن حزن دفين:
"دي خطيبتي، والقاعة اللي هعمل فيها الفرح."
أغمضت جفونها بجرح غائر بسويداء القلب، لا تدري سببه، وجاهدت أن لا تنحدر دموعها وقالت:
"بجد؟ الف مليون مبروك، ربنا يتمم لك على خير."
ابتسم بعذاب وأعين يتأرجح بها الوجع التي هاجمت جحافلها عليه:
"الله يبارك فيكي، عقبالك أنتِ وياسين."
أحست بدموعاً على مشارف التدفق، لتدير جسدها للبحر تنظر له لتنعشها نسماته وتسلب موجها عقلها وهمست بصوتاً مختنق:
"أنت ليه كنت بتعمل كل دا عشاني؟ كنت بتساعدني وبلقيك دايماً ليه؟"
أقترب واقفاً بجانبها شارداً بالبحر وهمس بوجع:
"هتفهمي كل دا في الوقت المناسب، لما تبدأي أنك متلاقيش حد جنبك."
"قصدك إيه؟"
نطقتها بتلقائية وهي تنظر له، لينظر بتمعن لها قائلاً:
"صدقيني هيجي يوم وتعرفي إجابة سؤالك، بس خايف تعرفي متأخر أوووي وتندمي، بس اتأكدي أن اللي ليكِ هيفضل ليكِ، مستحيل حد تاني يملكه."
لم يعطيها فرصة الحديث مرة أخرى ووجه بصره للبحر يطالعه وهمس بنفسه: "وقلبي ليكِ مستحيل يبقي لغيرك، حتى للي هتشيل اسمي."
بصباح اليوم الثاني لم يحدث شيئاً جديداً. جلسوا الفتيات بالحديقة بهم شديد بعدما اطمأنوا على لمار، تجلس معهم ورد، ولكنها ليست معهم، فهي منشغلة الذهن، خائفة، قلقة، نغزات بقلبها تميتها. فهل قلبها ينبض أصلاً؟ كانت كل واحدة منهم بعالم آخر، جحافل الخوف تسيطر عليهم بلهج.
أقبلت هالة عليهم، يطغى الحزن وجهها، يستحوذ الخوف والقلق ثنايا قلبها ويسري الرعب بأوردته. همست بتنهيدة وجع:
"تعالوا يلا عشان تفطروا."
"لا، أنا شبعانة."
نطقوا بها الفتيات سوياً دون حياة، دون شهية لأي شئ. جالت أعينهم ببعضهما لينفجروا ضاحكين. فابتسمت هالة وصاحت بهم:
"يلا يا بنت منك ليها، الأكل محطوط، قومي يا أسما، يلا يا سمر أنتِ وعائشة ومكه، ويلا يا ورد."
بنبرة مليئة بالحزن وأعين تلمع بالهم، همست ورد وهي تشير لها:
"والله شبعانة، لو كنت جعانة كنت هاجي على طول، أنتِ عارفة."
بعد مناهدات شوحت لهم هالة وهي تغمغم:
"والله يا ورد لبعت لك عمرو، وأنتِ منك ليها لبعتالك ياسين."
رن هاتف سمر بإشعار رسالة، لتنتفض برجفة وهي تبتلع ريقها، فكانت من أنس يطلب منها أن تخرج. وقفت مستأذنة منهم أن تخرج لتشم هواء قليلاً وخرجت. ذهبت إليه فوجدته واقفاً يتحدث بالهاتف، لم ينتبه لمجيئها، ففركت يديها وتورد وجهها مسروراً بحياء وهمست منادية له:
"أنس."
انعقد لسانه وهو يستمع صوتها، وثب قلبه وثبة عنيفة رجت صدره رجاً لينبض بجنون. أبعد الهاتف متغيباً واغلقه بوجه الآخرى وهو يلتفت لها بصمت متأملاً إياها. عيناه تبرق بفرحة، رآها گ فراشة نسمات الفجر العطرة، كانت كوكباً درياً تضيء له عتمة الليل الحالك.
تنحنح وهو يقترب خطواتين منها وقال بنبرة مرتجفة غير متوازنة گ قلبه:
"الشاب والبت اللي خبطتيهم في العربية بخير الحمدلله، إصابات سطحية بس مفيش أي حاجة. اطمني، أنا حليت الموضوع."
أكتفت بإبتسامة أمتنان ونظرة تبرق بالحب والحياء والشكر.
أغمض عينه مستغفراً وقال وهو يتحاشى النظر لها:
"دايماً هكون جنبك، وهكون الأيد اللي بتنقذك من أي حاجة، فخليكي متأكدة أن وقت ما تحتاجي هتلاقيني."
أبتسمت له ولم تدر ما تقول، فتلك البهجة سرت بمهجتها بفرحة. فتعلقت عيناها بعينيه، لينتزعهم من انفسهم رنين هاتفه معلناً عن اتصال من خطيبته ليجيب قائلاً:
"أيوه يا زينب… تمام، ماشي، شوية وجي، جهزي بس أنتِ… لا، أنا حجزت القاعة خلاص… لا، هوصلكم وهمشي، اختاري انتِ وأم..."
صمت وانعقد لسانه لمرأى دموعاً تتنحسر بمقلتيها، صفعة قوية بنغزة اخترقت قلبه بهلع، ليقول سريعاً وهو يغلق الهاتف:
"طيب طيب سلام."
أشارت له هامسة بقلق وهي متخشبة:
"مين دي؟ قاعة إيه؟!"
ابتسم بوجع ابتسامة هادئة، وضع يديه خلف ظهره وقال بصوتاً نمى عن حزن دفين:
"دي خطيبتي، والقاعة اللي هعمل فيها الفرح."
أغمضت جفونها بجرح غائر بسويداء القلب، لا تدري سببه، وجاهدت أن لا تنحدر دموعها وقالت:
"بجد؟ الف مليون مبروك، ربنا يتمم لك على خير."
ابتسم بعذاب وأعين يتأرجح بها الوجع التي هاجمت جحافلها عليه:
"الله يبارك فيكي، عقبالك أنتِ وياسين."
أحست بدموعاً على مشارف التدفق، لتدير جسدها للبحر تنظر له لتنعشها نسماته وتسلب موجها عقلها وهمست بصوتاً مختنق:
"أنت ليه كنت بتعمل كل دا عشاني؟ كنت بتساعدني وبلقيك دايماً ليه؟"
أقترب واقفاً بجانبها شارداً بالبحر وهمس بوجع:
"هتفهمي كل دا في الوقت المناسب، لما تبدأي أنك متلاقيش حد جنبك."
"قصدك إيه؟"
نطقتها بتلقائية وهي تنظر له، لينظر بتمعن لها قائلاً:
"صدقيني هيجي يوم وتعرفي إجابة سؤالك، بس خايف تعرفي متأخر أوووي وتندمي، بس اتأكدي أن اللي ليكِ هيفضل ليكِ، مستحيل حد تاني يملكه."
لم يعطيها فرصة الحديث مرة أخرى ووجه بصره للبحر يطالعه وهمس بنفسه:
"وقلبي ليكِ مستحيل يبقي لغيرك، حتى للي هتشيل اسمي."
رواية دموع العاشقين الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ندى ممدوح
مرت عدة أيام لم يحدث فيها شيء يذكر سوى زواج أنس من زينب.
تحسنت حالة لمار بعدما حادثتها وعد، فمع العلاج خرجت من حالتها، كانت تتحدث معهم ولكنها تبدو غامضة بعض الشيء، تخرج وتغيب دون علم أحد، شاردة دائمًا.
توطدت علاقة وعد مع ذاك الملثم الذي لم تدر حتى الآن عنه شيئًا، أصبحا يلتقيان خفية واقتربا من بعضهما البعض.
ورد ما زالت كما هي، فاقدة للحياة، تكابد لتبدو بخير، أدعجت العين وأصبحت هزيلة للغاية، ما زالت تبحث عن ابنتها دون جدوى، تستقبل تهديداتهم التي تزيد الرعب بمهجتها، ولكنها لم تيأس، لم تمل، ما زالت على يقين أن الله سيردها لها.
أما عثمان ومكة، ما زالت خناقاتهم كلما تلاقوا، وحدته وعصبيته.
أسماء وحذيفة، علاقتهما مميزة لحد ما، لكن هل تظل هكذا؟
عائشة ما زالت تخفي شيئًا.
أما سمر، فهي ضالة الطريق، تفعل ما حرمه الله ونسيت أن الرحمن يراها.
بفزع من الليل، عادت وعد خفية للبيت، كانت برفقة الملثم، يلتقون خلف السرايا.
دلفت للسرايا من الباب الخلفي الذي عادةً لا يكون به أحد.
لم تقابله لأمر ما، ولم يدر حتى الآن باسمها الحقيقي أو عملها، ولكنه أكد لها أنها تعلم أحدًا بالشرطة، لذلك تأخذ منه جل المعلومات التي تحتاجها.
ولكن أصبح مقيمًا بقلبها وله مكانة عظيمة بشغاف القلب وسويداه، برجولته وحسن أخلاقه وجدعنته وطيبة قلبه.
صعدت لغرفتها تتسلل خفية للأعلى، تمددت على الفراش ببسمة حالمة، لا تفارق صورته ذهنها، بل إنها قابعة بروحها وسويداء قلبها ووجدانها وكيانها وجوارحها، كل ما بها أصبح يحيي به فقط.
كلماته، صوته، حركاته، كل شيء أصبح له مكان في ذهنها.
اعتدلت جالسة، تنظر يمنى ويسرى على هاتفها، فلم تجده، ثم ثبتت مسرعة وعيناها جابت الغرفة دون أثر له، لتتذكر أنها قد نسيته حينما كانوا يجلسون.
ضربت جبينها بيأس، وهمست بذاتها:
"يا ربي، يعني لازم أنزل تاني دلوقتي."
زفرت بضيق، وتوجهت للأسفل بتسلل على أصابع قدميها.
طلت برأسها من خلف الباب ونظرت يمنى ويسرى، فلم تجد أحدًا، ففتحت الباب، همت بالخروج للمكان الذي كانا به، ليظهر فجأة أمامها الملثم، يلتفت بقلق حوله، يسير شبه راكضًا ناحية إحدى الغرف الخارجية بسرايا رحيم.
عقدت حاجبيها بدهشة وذهول في آن واحد.
ظلت مكانها قليلاً تستوعب ما رأته، واخترقت جحافل الأسئلة ذهنها.
"ما الذي يفعله هنا؟ ولما بتلك الغرفة؟ ولماذا لم يذهب؟ ما الذي جاء به؟ ما ينوي فعله؟"
لهجت بالأمر ومعرفة ماذا يصنع بتلك الغرفة، فسارت بـ وئيدة ناحية الغرفة.
تباطأت قدماها حينما اقتربت من الغرفة، من إحدى النوافذ القريبة كادت بالنظر من بين ضلفتيها، ليصدر الباب صوتًا معلنًا عن خروجه، فتراجعت للخلف بزعر مختبئة خلف المنزل، تترقب بعينيها خروجه لتدلف هي للغرفة.
ولكن اتسعت عيناها وتجلى بهما نظرة صدمة، وسطع الزهول والدهشة بهما، ولم تصدق ما تراه عينيها، دلف الملثم وخرج رحيم.
هذا يعني أن رحيم هو ذاته الملثم، لا، هناك شيء آخر.
زلت جاثمة مكانها لا تتحرك قيد أنملة، تنظر له وهو يولج السرايا بجلبابه وعمامته التي تزيده هيبة ووقار.
حملقت بأثره، فاقت من صدمتها، مستندة بظهرها للخلف، وأغمضت عينيها بعنف، تستجمع لحظاتها مع الملثم ورحيم، كيف غفلت عن كل ذلك؟ فالعينان نفسهما، الصوت شبيه جدًا، ذات الجسد، الطول المفرط، عريض المنكبين، كيف لها أن تغفل عن شيء كهذا؟
أم أن تعلقها به جعلها مغفلة، غافلة، عمياء القلب قبل العين؟
لكن لماذا هي حكمت على رحيم لمجرد اسم مدون على ورق؟ فقد يزيف ذلك أحد.
لماذا غفلت عن ذلك أيضًا؟ يبدو أنها لم تصل لشيء بعد، فالظاهر لها الآن أن هناك شخصًا يكره لـ رحيم الخير، يخطط لوقوعه حتى يفعل ذلك ويجعل جل الصفقات باسمه، ماذا إذًا من يكون يا ترى؟
سارت بعيدًا عن تلك الغرفة، واقفة أمام باب السرايا تتأملها، ووضعت كفيها بجذعها وهمست:
"يبدو أن الأسرار كثيرة ولسه مكشفتش ولا واحد."
تنهدت بضيق، وتوجهت لترى أين نسيت هاتفها، فوجدته أخيرًا وصعدت للأعلى سريعًا.
وتوضأت لتصلي قيام الليل.
تكبدت الشمس السماء ترسل أشعتها الفضية المتلألئة.
تقلبت وعد على الفراش، فاتحة عينيها على يوم جديد، نهضت لتؤدي فرضها، وهبطت للأسفل، وجدت رحيم يودع والدته، والسيارة بإنتظاره بالخارج، والشنطة ينقلها غفير، وعمه يقف على الباب متكئًا على عصاه.
عقدت حاجبيها بتعجب، وأقبلت نحو غادة التي قابلتها بابتسامة تتسع تدريجيًا:
"صباح الخير يا ميور."
ابتسمت وعد لها وردت باسمه:
"صباح النور يا قمر."
وأشارت لها بفضول وهي تتساءل:
"إيه؟ رحيم رايح فين؟"
"مسافر مصر في شغل وراجع."
نطقت به غادة وهي تتجه مصافحة لـ رحيم، الذي ظلت عيناه مثبتة على وعد ما إن وقعت عيناه عليها.
فبادلته النظرات كأنها تودعه بلغة أخرى.
أقترب رحيم من عمه، واضعًا كفه على كتفه وقال بثقة:
"هسيب أمي واختي وأبويا في أمانتك لحد ما أرجع، فـ انتبه منهم. أنا واثق فيك يا عمي."
قال عمه باسمًا:
"اتوكّل على الله وشوف شغلك، واطمن انت هتوصيني على أخوي."
ابتسم رحيم وغادر، ولكن اخترقت صدره نغزة قوية رجته رجًا، وغصة عالقة بحلقه تخنقه فيكاد يموت منها، لكنه لم يعطِ بالًا لها، وصعد سيارته لينطلق السائق الخاص به.
ناجت وعد ربها بفؤادها ليحفظه ويرده بخير.
كانت تسير دون أن تنظر أمامها، نظرها فقط متعلق بالهاتف وهي تعبث به، لحظة وانصدمت بأحد بقوة جعلها ترتد للخلف، لتغلق عينيها بعنف وقوة وهي تقول بصوت عال:
"يارب يكون مش هو، يارب يكون مش هو، يارب أكون بحلم ولسه نايمة، يارررررب، يارب مش هقدر أتصبح بيه على الصبح وأتهزق."
فتحت عينيها ببطء لتقع عينيها عليه، ذاك الغاضب، عيناه تشع شرارة الغضب، هم بالحديث.
لتضيق هي وجهها متصنعة البكاء وقالت:
"والله ما أنت تاعب روحك ومتكلم، أنا عارفة إني عادية مبشوفش ولازم أفتح وألبس نضارة، وإن تلفوني وكاميرتي هيودوني في داهية، أنا عارفة الكلمتين دول."
كانت تقلد صوته وحركات وجهه الغاضبة، فكبت ضحكته متوعدًا لها، لتهرول من أمامه هاربة حتى لا تستمع لتوبيخه.
تطلع بأثرها مستمتعًا بجنونها.
ولجت مكة مسرعة لتنظر لها أسماء قائلة:
"إيه يا بت مالك بتجري ليه كدا؟"
جلست مكة مربعة قدميها وهي تقول:
"البعبع يا أختي."
ضحكت أسماء حتى أدمعت عيناها، ونظرت لها قائلة:
"مين؟ متقوليش إن قصدك عثمان."
"هو فيه غيره بعبع."
قالتها مكة مقهقهة، لتتابع بتنهيدة حالمة قائلة بشرود:
"بس الواد قمر كدا، الله يحرقـه."
أشارت لها أسماء أن تصمت وهي تضع سبابتها على فمها، فلم تعطِ مكة لها بالاً وتابعت بهيام:
"الواد طول بعرض، حاجة كدا تتاكل أكل، أنا اللي عشت في بلاد برا مشفتش في جماله."
ظلت أسماء تشير لها حتى يأست.
"تقول لي صاروخ أرض جو؟ حاجة خيالية كدا، لولا عصبيته ببقى عاوزه أموته وأخنقه، وبعدها أبوسه."
"وإيه؟"
تخشبت مكانها فاغرة الفاه، اتسعت العينان بزهول، تتمنى أن الأرض تنشق وتبلعها، وإلا يكون ظنها صحيحًا وقد تكون تتخيل.
كانت تطمئن نفسها أنه ليس هنا.
أدارت رأسها ببطء ناحية الباب ليغمز لها، فتحملق به بصدمة.
كبت ضحكاته بأعجوبة وهمس لأسماء:
"تعالي كلمي ياسين عايزك قبل ما تخرجوا."
أومأت أسماء رأسها، ذهب هو بعدما اختلس نظرة بها، فكانت كما هي تحملق بأثره.
ضحكت أسماء بشدة، ضربتها بخفة على كتفها قائلة:
"حصل خير، ما أنا عاملة أشاور لك تسكتي، لكن أبداً ما صدقتي اتفتحتِ."
نظرت لها مكة ما زالت بصدمتها وهمست بعدم تصديق:
"ده سمعني، أنتِ متخيلة؟ سمعني؟ آه والله، هيفكر إزاي دلوقتي؟"
ضحكت أسماء رغماً عنها، وأبتسمت قائلة:
"عثمان عمره ما هيفهمك غلط، أنا متأكدة."
همست مكة:
"يفهمش غلط إيه؟ اسكتي."
أسماء بجدية:
"قومي خلينا نروح يلا."
أومأت مكة ونهضت لتبدل ثيابها للخروج.
توقفت السيارة أمام إحدى المولات الكبيرة، لتترجل أسماء ومكة وعائشة وسمر، التي كان يطغى عليها الحزن دون أن تدر مكنونه، فقد يحدث ويستقر بالقلب خنقة وضيق لا تدر مصدره ولا كيف تعبر عنه، فقط بكاء القلب من له صوت بداخلنا ببكاء حاد.
دلفوا الفتيات للداخل، بينما تركتهم مكة تسير وهي تصور كل ما يقع عينها عليه، ولم تدلف معهم للمول.
رأت بعد الأطفال يلهون كرة قدم، فطفقت تصورهم صورًا عدة، والبسمة لا تغادر وجهها، كانوا يلهون جانبًا برواق أزق.
فوقفت عن بعد منهم تصورهم بحماس، وضحكة تطل من عينيها وتوهج وجهها.
أحست بشيء اصطدم بقدمها، فنظرت للأسفل فرأت الكرة، وتنبهت لصياح الأطفال أن تردها لهم.
أحست لوهلة أن تريد اللعب معهم، فجالت عيناها المكان لم تبصر أحد، فتراجعت خطوتين وركلت الكرة لهم، ليتلقاها إحدى الأطفال وهو يصيح لها، لتصفق هي بطفولة وفرحة تسري بأوردتها.
همت بالموافقة ولكن تملكها الحياء لتثني رأيها بالعودة، ظلت تصورهم قليلاً حتى وقفوا يتسامرون معها، ثم ودعتهم ورحلت.
ريثما كانت تسير، سمعت همهمات وصوت آهات مكتومة، بحثت بعينيها وهي تجول المكان، فأبصرت رجلاً يحمل طفلاً ويخدره ويسرع به لآحدى السيارات، أسرعت ركضًا دون تفكير ناحية السيارة وصعدت بالخلف وأغلقت عليها جيدًا، وودعت هاتفها جيدًا بملابسها.
مر الوقت بعد وقتاً لا بأس به، انتظرت قليلاً فعليها انتظار خروجهم من السيارة حتى لا يكتشفوا أمرها.
وهجت حتى تعلم من يكونون.
أحست بصمت غريب، فهمت برفع الباب قليلاً، فانصدمت رأسها دون انتباه، مصدره صوت عالٍ، لينتبهوا لأمره، وتيقنوا بأن أحدًا ما بالسيارة.
رفع أحدهما المسدس ممسكًا به بكفيه أمامه مصوبًا، وهم بالسير للسيارة، ليمسك زميله بكتفه موقفًا إياه وقال بحده:
"سيبك، دا صوت عادي، متهتمش، هيكون مين يعني؟"
هز رأسه نفيًا وهو يقول بجدية:
"ما يمكن حد لاحظ علينا!"
قهقه الآخر وهو يقول:
"بذمتك حد ممكن يكون لاحظ علينا ولسه إحنا هنا؟ كان زمانا في الكلبش."
شوح الآخر له بيده:
"على قولك، كان زمانا في الاستجواب."
هز الآخر منكبيه واستدار متوجهًا للداخل وهو يهتف بأمر:
"هات الواد اللي في العربية وتعالى ورايا."
أومأ الآخر وهو يتمتم وحمل الطفل بهمجية حتى إن رأسه اصطدمت بالسيارة، ولحسن حظه أنه غائبًا عن الوعي.
تنفست براحة، كان همًا وانزاح عن قلبها، وتابعت خروجها من السيارة، مدلكة ظهرها بألم، وجالت عيناها المكان لتسير بوئيدة ناحية إحدى النوافذ التي وجدتها يتراص بها أفرع الحديد، فوقفت خلف الحائط تطل برأسها من بين فراغتها، فوجدت رجالًا يتحدثون.
أسترقت السمع جيدًا بعدما حاولت أن تبصر الطفل الذي وجدتهم يأخذوه، فلم تبصره.
فسمعت رجلًا يتحدث بالهاتف يقول بالإنجليزية:
"يومان وستستلم الأطفال بموعدنا، لن نغيره."
صمت قليلاً وقال بهدوء:
"لا، لن نختلف عن المقابل، فـ هو مثل المرات الأخرى."
"حسناً إذاً، ماذا تريد؟ هما فتيات، بعضهم صغار وبعضهم الآخر فتيات، سيكونوا جاهزين للعمل فور وصولهم."
قهقه عاليًا بعد لحظات:
"يمكنك أن تفعل ما تريده بهم، تأخذ أعضاءهم، تقتلهم، تجعلهم يعملون، لا يهمني غير المصاري، المصاري فقط."
اتسعت عيناها وتجلى بهما نظرة صدمة وزهول وخوف، وصدرت منها شهقة عالية وهي تضع يدها على فمها.
ارتعد قلبها وارتج بخوف، وظل يرتطم بحدة، أخذ جسدها بالأرتعاش، ورفعت هاتفها تبحث عن رقم ياسين بأنامل مرتجفة للغاية، كابدت حتى على إمساكها بين رجفة يديها، ظهر فورًا رقم عثمان لتضغط عليه وتضعه على أذنها، لحظات وجاءها صوته الغاضب:
"خير، عايزة إيه؟"
وثب واقفًا، وجزعت نفسه، تسارعت دقات قلبه وتجلى بعينيه القلق ولمع بهما الخوف، وقال بلسان متلعثم متلهفًا:
"مكة، فيه إيه؟ مالك؟ ليه بتبكي؟ فيه حاجة؟"
علا نحيبها وتعالت شهقاتها لينفطر قلبه، سلب الخوف عقله ليصبح القلب هو الحاكم، فبلوعة وألم لا حدود له من دمعاتها قال:
"أنتِ فين؟ بتبكي ليه؟ حد أذاكِ؟"
صمت حينما استمع لحروف اسمه المتقطعة فمن فمها الذي أذاب جليد قلبه هلعًا، ليلاقي بغضب كل ما أمام مكتبه وهو يصرخ:
"فيه ااااااايه؟ أنتِ فين؟ بتبكي ليه؟"
أحس برجفتها وتمتمة كلماتها الوجلة وهي تقول بمهابة:
"أنتوا عايزين مني إيه؟"
صاح بصوت عالٍ ويكاد قلبه ينخلع وروحه تنسحب لتغادره، أحس لوهلة أنه قد يخسرها، لا التفكير بذلك حتى يميته، لن ترحل، لن تتركه، لن تبعد بجنون، قال:
"مين دول؟ أنتِ فين؟"
آخر ما تناهى لمسامعه صرختها التي فطرت قلبه، ظل يصيح على الهاتف حتى وجده قد أغلق، عاود الاتصال دون جدوي، ليطرحه أرضًا بعرض الحائط دون اكتراث، وهو يتمتم كمن يطمئن نفسه بأعين متسعة:
"هي كويسة، آه، هتبقى كويسة."
جلس كمن كان گ عمود وانهار، واقعًا على أقرب مقعد لامسه.
بينما أقتربوا الرجال من مكة وهي تتراجع حتى اصطدمت بالحائط، فأغمضت عينيها بقوة مستسلمة وتداهمت شتى الأفكار البشعة ذهنها، فماذا سيفعلون بها؟ هل سيقتلوه أم يبيعوها أم يأخذوا أعضاءها؟ ماذا يا ترى؟
هم أحد بالهجوم عليه وأمسكها وهو يصيح:
"أنتِ تبع الشرطة صح؟ جيتي للموت برجليكي."
صرخت وهي تحاول التملص من بين براثنهم، لتتلقى ضربة على رأسها وأغمي عليها، ليتلقفها أحدًا منها فأطرحها أرضًا وهتف بجمود:
"قول للمعلم إننا مسكناها."
ظل يبحث گ المجنون يحاول الوصول إليها أو أن يتوصل لشيء عنها أو مكانها، أما الفتيات فتملك منهما الرعب والخوف عليها، وعادوا للبيت ليصبح البيت بحالة قلق غير معهودة لهم.
تجلس خديجة بتلك الغرفة، لا يؤنس وحدتها سوى مولاها ربها بقلب مطمئن متيقن مليء بالأمان، تخترق السكينة جدران قلبها لتريح فؤادها.
حرموها من رؤية عبد الله، فظلت بتلك الغرفة التي تحتوى على عدد كبير من الفتيات، فكانت تتجنبهم بركن بعيدًا عنهما، تصلي تارة وتتلو ما تحفظه من كتاب ربها ليؤنسها ويطمئن قلبها ويبث لها الأمان، وتارة أخرى تناجيه أن يحفظ والدتها وأحبتها، وتناجيها تسبح وتحمده وتكبر وتستغفر وتصلي على حبيبها وتذكر الرحمن، كانت أيامها شبيهة لبعضها عكس الفتيات الأخريات الذين يرمقوها بنظرات متعجبة وبعدها ساخرة.
كان من بينهم عدة شباب، اقترب أحدها منها جالسًا بجانبها وهي تتلو بصوتها الشجي العذب، تربع بجانبها وتسأل:
"أنتِ بتعملي إيه؟ أنتِ مش خايفة؟"
ألتفتت له باسمه يتوهج فؤادها بنور الإيمان وهمست بهدوء:
"أنا بقرأ قرآن، ومش خايفة لا عشان ربنا معانا."
همس الطفل بإنبهار:
"صوتك جميل في القرآن."
ثم استكمل بنبرة تحمل همًا وحزنًا:
"يعني ممكن حد ينقذنا ونعيش."
صمتت خديجة تسترق السمع تحاول أن تدري هذا الصراخ من من؟ فقد انتفض قلبها بدليل أنه لأحد تعرفه، فمن؟
كسى وجهها الحزن وهي تتذكر الفتيات، مرحهم ولهوهم، هل ياترى ستراهم مرة أخرى؟ لاحت لها ومضات ما مضى معهم، كل ذكرى، كل همسة، كل لحظة، فاستدمعت عينيها بدمع الحنين والروح للقائهم.
أزاحت دموعها، وبـ لحظة استمعت لصوت إطلاق نار، انتفض جل الأطفال واقفين ملتصقون ببعضهم بخوف، إلا خديجة التي تعلق نظرها بالباب، كان بالخارج شيء غالي، نظرت يمنى ويسرى حتى وجدت مقعدًا رثًا، فوضعته أسفل النافذة واعتلته رافعة قدميها تنظر منه للخارج.
وصل عثمان يطلق النار على كل ما يقابله، ودفع الباب بقدمه ووقف يرمقهم بأعين مخيفة للغاية.
ليقف الرجال وهجم عليه البعض ليقاتلهم بمهارة، حتى وقع عينه عليها على إحدى المقاعد تغلق عينيها، إذاً ماذا فعلوا بها؟ تألم قلبه وتمزقت روحه لمرآها هكذا، فهرع إليها غير عابئ بمن حوله، جثى أمامها يلطم وجهها برفق يحاول جعلها تفيق بأي ثمن، فتحت عينيها بتثاقل لا ترى شيئًا كأن هناك غشاوة على وجهها، كان كل من يقترب منه يسدد له اللكمات ليسقط صريعًا.
تعالى صوت بكاءها ما إن رأته، فأمسكت بكفه وهي تعتدل واقفة متوارية به، هامسة بصوت مختنق بالبكاء:
"دول دول خاطفين عيال يا عثمان."
ما أن استمع لفظها بتلك الجملة تخشب مكانه، لتتحول عينيه من الحنان لمرآها بخير لقطعة من جهنم تحوطها هالة مخيفة، أبعدها خلف ظهره وهو يستدير لهم غاضبًا، عينيه تعلقت بذاك الشاب الذي يبدو من هيئته أنه يعمل لحساب أحد ما، اقترب منه بلمح البصر وعلى غفلة انقض عليه كالليث يسدد له اللكمات والضرب المبرح.
"حااااسب يا عثمان."
صرخت بها مكة وهي ترى شخصًا يقترب منه حاملاً سكينًا بيده، كاد بطعنه، لتسرع هي مهرولةً، ممسكة بالسكين بقوة بكف يدها التي غرقها الدم وظل ينساب بغزارة.
رأى دمائها سقوطها أرضًا، طارحًا بها ذاك الشاب الذي كاد بطعنه مجددًا، ليمسك هو بيده مسددًا عدة لكمات بوجهه مشوهًا له، ولوى ذراعه كاسرًا إياه، مسك برأسه بقوة حينما داهمته ضربة قاسية على رأسه، فتضعضع وانقضوا عليه جميع الرجال التي يزدادون أتيون من الخارج يضربوه بشدة، وهي مهجشة بالبكاء.
"خلاص، سيبوه كدا، ابعددددوا."
صرخ بها ذاك الشاب، ليبتعدوا رجاله عنه عن كثب، وقف وهو يقول:
"مين باعكم؟ ووعد هطلعكم من هنا بخير."
أشار بسبابته بوجهه:
"ولكن هتكذب يبقى متلومنيش على اللي هيحصلكم."
جلس ليصبح مقابلًا له وجهًا لوجه وهمس بحده:
"فـ مين باعكم؟ تبع مين أنتم؟ مستعد أديك المبلغ اللي تأمر بيه، ها؟ قلت إيه؟"
رمقه عثمان بنظرة تتأرجح بها الغضب، ناظرًا له بإستماتة وقال بصوت أجش وهو يلكمه بحدة:
"قولت كدااااا."
جذب المسدس من يده وأطلق على قدمه، وباقي الرجال على أقدامهم.
سار بأعجوبة من جروحه جاذبًا إياها من يدها السليمة، لا سيما فالأخرى تنزف بغزارة، خرج بها مسرعًا محتضنًا كفها بكفه، ولكنه توقف مكانه متسمرًا على صوت نداء باسمه، ليهمس بعفوية:
"دددددديجااا."
ترك كف مكة ناظرًا حوله بهلع وهمس وهو يدور گ المجنون وعيناه تتفحص المكان بدقة:
"خديجة، أنتِ سمعتي صوتها."
هزت مكة رأسها، واقتربت مكة وهي تضغط على كف يدها تحاول وقف نزيفه، لتهمس بوهن:
"لا، مفيش صوت لأي حد."
لم يستمع لها، لم يهتم بكلماتها، وولج للداخل متسانداً على نفسه محاولاً الثبات، يواري ألمه، بحث وأخذ بالبحث بذاك المنزل، فاتحًا غرفة واحدة تلو الأخرى، ليجد بعض الفتيات، فأخرجهم بهدوء، لحظات وكان ينضم له ياسين برفقة بعض القوة.
أقترب ياسين ركضًا من مكة ناظرًا لها بتمعن والقلق يقتله:
"أنتِ كويسة؟ حصلك حاجة؟"
هزت مكة رأسها، ليقع بصره على جرحها، فيبسط كفيه ضاماً كفها وهو يقول بلوعة تسري بروحه:
"لا، إيه؟ والجرح ده؟"
أغلقت جفونها عدة مرات بقرب عثمان الذي لم تستمع ما يقولونه، وأسودت الدنيا بوجهه، فلم تشعر بشيء بعدها.
تلقفها عثمان بيديه ناظرًا لها بقلب يأن لمرآها بذاك الضعف.
ليصرح به ياسين:
"بسررررعة اطلع بيها على المستشفى، وأنا هقفل كل حاجة."
أسرع على عجل ليضعها بالمقعد الخلفي وذهب.
توقف ياسين مكانه حينما تناهى لمسامعه صوتًا صارخًا باسمه، فالتفت حوله وهز رأسه وهو يقول:
"معقول؟ بتخيل صوت خديجة ولا عشان وحشتني؟ البت دي."
أسرع خطواته للداخل ليكمل عمله.
بكت بحرقة كما لم تبكِ قبلًا بدموع حارقة بلوعة، بقلب أضناه الأشواق والقلق، اخترق اليأس قلبها ليرجه رجًا، فيزداد بكاء قلبها وصراخ روحها وندوبها ودموعها، لتضرب رأسها بحديد النافذة وهي تنهار جالسة منكبة على قدميها التي ضمتهم وهي تضم نفسها بذراعيها مجهشة بالبكاء.
زاغ بصر ياسين ودق قلبه بألم، أحس أن نبضه توقف لوهلة من تلك النغزة، وأدمعت عيناه، لا يدري لماذا، فأول مرة يحصل معه ذلك، تلاشت أنفاسه وتلاحقت، كان الأكسجين نفذ وروحه ستفارقه، أكمل عمله بتقاعد وجمعوا الرجال وذهبوا.
استمعت لصوت السيارات تعلن مغادرتها، لتقف مرة أخرى بالنافذة متشبثة بأعمدتها وتصرخ باسمه دون ملل، ولكنه لم يستمع ولم يلب النداء، فزاد نحيبها وهي تقول:
"أنا خديجة يا ياسين، تعالى طلعني من هنا، أنا خايفة، تعالى يا ياسين لخديجة، متسبنيش لوحدي، خديجة حبيبتك."
ارتعشت وهي تحاول الجلوس مجددًا، وأخذت تناجي ربها وتستغفره.
وصلت ورد بالمكان المحدد، كان مكان فارغ لا يوجد به أحد ولا تدب به حياة، أنتاب القلق قلب عمرو الذي لا يدري ما تفعله بذاك المكان.
رآها تترجل من السيارة تسير بوئيدة وخوف، أحسه وهي تلتفت يمنى ويسرى وجسدها يرتعش برعدة قوية، ممسكة بالحقيبة بيدين مرتجفتين، ولكن على بغتها منه حصل شيء غير متوقع، لتقع أرضًا صارخة صرخة قوية رجت المكان رجًا.
رأاااااايكم وتوقعاتكم..
ما الذي سيحصل لـ خديجة؟
هل تستطيع لمار إنقاذها؟
كيف ستكون حالة ورد من بعدها؟
ماذا لو اكتشفت سمر حبها لأنس؟
ماذا لو عاد حب ياسين الغائب من سنين ينير دربه وأيامه الحلكة المظلمة؟
كل هذا وأكثر مع "دموع العاشقين"
ولج للداخل ركضاً ناظراً للمكان الذي بدا بساحة حرب، ليصيح بالرجال من خلفه:
"إيه اللي حصل؟ الغبي دا إزاي يمسكوه؟ لازم نتصرف قبل ما يفضحنا."
نظر للرجال خلفه:
"هات العيال اللي جوا دي، خلينا نخلص ونبيعهم يلاااا."
بادر عبد الله قائلاً بلهفة:
"أنا هجيبهم."
وأسرع على عجل ناحية إحدى الأروقة الأزقة، واقفًا أمام الجدار ضاغطًا على زر ما ليندرج الجدار موازيًا.
كاد أن يموت بمكانه وهو يرى خديجة بتلك الحالة المزرية جالسة تضم نفسها بذراعيها، دافنة رأسها مجهشة بالبكاء.
هرول إليها قائلاً بقلب أضناه القلق والخوف:
"فيه إيه؟ خديجة حبيبتي، أنتِ كويسة؟ مااالك بس فيه إيه؟"
رفعت عينيها المكتظة بالدموع لتميت قلبه من خوفه عليها، وضمه باكية وهي تهمس:
"ياسين وعثمان ومكة كانوا هنا، ناديت عليهم كتير بس مش سمعوني."
ربت على ظهرها بأعين أغرقتها الدموع وقال:
"متقلقيش يا حبيبتي، خير."
جمع الأطفال وخرج بهم، استقلوا سيارات ومضوا من طريق خالٍ إلى فيلا ذاك الرجل، كانوا الأطفال لا يشعرون شيئًا من ذاك المخدر، ونقلوهم ما أن ولجت السيارة ناحية الفيلا المأمنة لإحدى الغرف.
وجلس ذاك الرجل على مقعد ذو اللون الذهبي بالأسود وهو يقول ببسمة غامضة:
"بت لمار هنا، خلينا نلعب مع أمها شوية قبل ما نسافرها وناخد منها نفع بردوا."
أشار لأحد الشباب:
"تعالى يا بني."
اقترب منه الشاب ليناوله هاتفًا قائلاً:
"رن عليها وبلغها تتقابلوا ومعاها مليونين."
أومأ الشاب ونفذ ما أمره به.
أضناه الشوق لصغيرته لرؤياها، ليرتوي منها ويضمها لصدره لتبث لفؤاده الأمان والراحة والسكينة والطمأنينة، اشتاق لها لحد اللامعقول.
كأن قلبه صحراء خاوية رمضاء وهي من سترويه وتثلجه.
ابتسم وهو يتخيلها، ليتنهد براحة وترك قلمه ووثب خارجًا من مكتبه مسرعًا خطواته واستقل سيارته وغادر مسرعًا.
ورد أصبحت كاسفة البال، أضنى الخوف قلبها وهزعت نفسها، تتمنى فقط أن ترى ابنتها لتبدد أيامها الحلكة المظلمة لنور يهديها ويطمئنها، جاءت بكل ما كانت تدخره من مال لإنقاذ ابنتها، عيناها لا تحيد عن ساعتها، يدق فؤادها بعنف، الوقت لا يمر كأنه جاثم، لا يرقأ لها دمع، انتفخت أوداجها من شدة الخوف والحزن وانقطع وتينها.
من هي دون ضياء حياتها ورونقها؟
من هي دون تلك الضحكة الصافية التي تنير أيامها الحلكة؟
إنها كوكبها الدري الذي يضيء لها ليالي الدجى.
كيف تحيي لو حصل لها شيئًا؟ فإنها صباحها ونهارها وليلها، فنظرت عينيها البريئة تبهرها وتوهج وجهها ضياءً.
أخذ عقلها يصول ويجول دون هوادة، تطمئن ذاتها أنها الليلة ستنام بحضنها، لن تفارق عيناها مرة أخرى.
تسارعت دقات قلبها گ الطبل وهي ترى حينما دقت الساعة معلنة عن موعد ذهابها لتسليمهم المصاري وتأخذ طفلتها.
رباااه كم تشتاق لضمها بسويداء القلب، أن تحفظه بشغافه، أن ترتوي عينيها منها.
نهضت بدموع أغرقت عينيها لتهرب لوجنتيها، وألتقطت الحقيبة وأسرعت خطواتها على عجل ناحية السيارة لتستقلها.
كاد عمرو أن يهم بالنزول من سيارته ركضًا للداخل، ولكن تخشبت يده وهو يراها تخرج بيدها حقيبة وتستقل السيارة، أغلق بابه مرة أخرى وانطلق خلفها.
وفي أوان ذلك لدى لمار، كانت تخرج من الغرفة وهي تلهث، يقطر من جبينها العرق بعدما ظلت تضرب ذاك الشاب خاطف خديجة، ولكنها لم تتوصل منه لأي معلومة تريح فؤادها.
تطلعت بالشباب دون اهتمام، وألتقطت زجاجة لتروي ظمأها، ونظرت لهم وهي تغلقها وهمست ساخرة:
"أول مرة أحس إني معلمتش صح؟ أنتم متستحقوش الأماكن دي."
تطلع عثمان وياسين لبعضهما البعض دون فهم، لتضرب قبضتها بالمكتب وهي تصيح:
"إزاي تروحوا تجيبوا خاطف خديجة ومهتمتوش تعرفوا هي فين؟"
صدمة علت وجوههم، فاتسعت أعينهم يحاولون استيعاب ما تقول، اعتراهم القلق، نظروا لبعضهم في قلق شديد، خديجة انخطفت؟ منذ متى وكيف لا يدرون؟ كيف لم يعلموا بذلك؟ أهذا يعني أن صوتها لم يكن مجرد تهيؤ لهم؟ لقد كانت تستقوي وتستغيث بهم، لقد خذلوها؟ خديجة حبيبتهم تلك الصغيرة التي يذيبون فيها عشقًا.
صاح صوت لمار تنتزعهم من حالتهم تلك وصدمتهم:
"إيه اتصدمتوا يا أستاذة؟ إزاي محستوش؟ ورد خافت تتكلم عشان بنتها، دا حتى معرفتش غير بمرضي، أنتوا إزاي عملتوا اسم هنا، أما خديجة تنخطف من بينا."
فاضت أعينهم بالدمع لوهلة، وصدى صوتها المصاحب بالبكاء والنداء يتردد على أذن كل واحد منهم.
تنقل النظر فيما بينهم بلحظة، باغته ركضوا معًا سوياً للخارج ومن المبنى، مستقلين السيارة وانطلقوا بقوة البرق.
توقفوا أمام ذاك المكان وترجلوا ركضًا للداخل، وأخذ كل واحد ناحية يدرون حول أنفسهم ك المجانين يصرخون باسم خديجة، يفتحون كل الغرف باحثين بدقة عنها.
بعد وقت من البحث، اعتراهم اليأس والقهر من أنفسهم، وأضنى الوجع سويداء أفئدتهم، فجلسوا مرة واحدة منهارين أرضًا، ضرب عثمان رأسه بالجدار وهو يقول بنبرة موجعة:
"مش عارف أنا إزاي سمعتها وحسيت بيها ومشيت، بس والله دورت ملقتش حد، فعشان كدا فكرة إني بتخيل."
خفض ياسين الطرف يواري ألمه ووجعه وقال بثقل:
"كانت بتبكي وبتنده عليا، أنا حسيت إنها محتاجاني، قلبي فجأة وجعني، بس مش عارف أنا إزاي مفكرتش إنها هنا."
ساد صمت معبأ بالخوف، ليقفا مغادرين هما الاثنان.
وصلت ورد بالمكان المحدد، كان مكان فارغ لا يوجد به أحد ولا تدب به حياة، أنتاب القلق قلب عمرو الذي لا يدري ما تفعله بذاك المكان.
رآها تترجل من السيارة تسير بوئيدة وخوف، أحسه وهي تلتفت يمنى ويسرى وجسدها يرتعش برعدة قوية، ممسكة بالحقيبة بيدين مرتجفتين.
ولكن على بغتها منه حصل شيء غير متوقع، لتقع أرضًا صارخة صرخة قوية رجت المكان رجًا.
رواية دموع العاشقين الفصل السادس عشر 16 - بقلم ندى ممدوح
وصلت ورد للمكان المحدد، كان مكان فارغ لا يوجد به أحد ولا تدب به حياة. أنتاب القلق قلبها، الذي لا يدر ما تفعله بذاك المكان.
رآها تترجل من السيارة، تسير ببطء وخوف. أحس بها وهي تلتفت يمنى ويسرى، وجسدها يرتعش برعدة قوية، ممسكة بالحقيبة بيدين مرتجفتين.
ولكن على بغتها، حصل شيء غير متوقع، لتقع أرضاً صارخة صرخة قوية رجت المكان رجاً.
جاءت سيارة مسرعة بلمح البصر، لم تدر كيف مرت، ليسحب أحد ما من النافذة الشنطة وتقع هي أرضاً صارخة.
اتسعت عينا عمرو بنفضة رجته، وهو يترجل من سيارته راكضاً إليها. يكاد يقسم أن قلبه توقف حينما رآها تقع. هرع إليها، كانت تحاول استيعاب ما حصل. فما أن وقعت عيناها على عمرو الذي يصيح بها، ولكنها لا تنتبه لكلماته، نطقت باسمته جعلت قلبه يرفرف كـ الذبيح: "خديجة".
علت وجهه الصدمة، ونظر لها بنظرة يفعمها الرعب والفزع. تملك قلبه الزعر وهمس بنبرة ثقيلة:
"خديجة مالها؟ هي فين؟ انتِ بتكذبي عليا صح؟ أنا حاسس."
هزها بعنف:
"انطقي، بتعملي إيه في المكان المقطوع ده؟"
أجهشت بالبكاء بقلب أضنته الندوب. انعقد لسانها بغصة مريرة، فلم تستطع النطق وتحاشت النظر له.
صرخ بوجهها وهو يهزها مرة أخرى:
"فين بنتي؟ بنتي فين؟"
ارتجفت وارتعدت، وبتلعثم همست:
"معرفش، معرفش هي فين. كل اللي أعرفه إنها عايشة، مش هتسبني."
لجمته الصدمة، فتسمر موضعه لا يتزحزح ولا يرمش له جفن. لا يحيد نظره عنها. أعترته الصدمة، يحاول استيعاب ما لفظت به مراراً وتكراراً. وطفق عقله يجول ويعود، وهو يعيد آخر كم لقاء بينهما. كانت نحيلة، شاحبة الوجه، هشة، حزينة، يتملكها الشجن. تتلعثم إن جاء أحد باسم خديجة. لا، هي بخير، طفلته بخير. حاصرته الأحزان ليقول بأعين زائغة:
"يعني إيه؟ أنا بنتي فين؟"
وضعت رأسها بين راحتيها بغم وغم، وقصت عليه منذ علمها باختطاف خديجة إلى وقتها ذاك.
صاح كـ المجنون بعد أن صمت ملياً بتفكير:
"كل دا حصل لبنتي؟ ولسه فاكرة تقوليلي؟ أمال كنتِ هتقوليلي امتى لما تموت؟"
علت صوت نحيبها، جعله يبلع كلامه. دقق النظر بقسمات وجهها الهزيلة الخائفة، ليجذبها بصدره معتصرها بداخله.
"هاااا! عملتي اللي في بالك وسكتي؟ ارتحتي دلوقتي لما مقولتيش لحد؟"
اتسعت عينا ورد وعمرو من صوت لمار الصارخ. فرفعت رأسها تقابل عيناه، كأنها تتسأل ما استمعت إليه حقيقة أم ماذا؟ ليفهم ما تعنيه، ليؤمئ بعينيها. كادت بوشك الالتفاف لتجذبها لمار من يدها بقوة، قاذفة لها الحقيبة لتتلقفها ورد بكفيها. صاحت لمار بها بصوت عال ونظرة حادة يفعمها القلق والخوف:
"آآآآيه! كنتِ متوقعة إيه لما تسلميهم الفلوس؟ إنهم هيدوكِ بنتك مثلاً؟"
بنظرات ذات هالة مخيفة من الغضب والنيران، أشارت لها بسبابتها وهي تصيح:
"لو قولتيلي من أول ما اتخطفت، مكنش كل ده حصل؟"
"كانت بينا دلوقتي. لو فضلت عايشة معانا، مكنش كل ده حصل. ودلوقتي لو حصل لخديجة حاجة، أنتِ المسؤولة. مفيش غيررررك."
ساد الصمت بينهم. تحاول أن تدرك ورد ما الذي تتهمها به. ولكن مهلاً، هذه ليست لمار. إنها الخوف الناطق. إنها تخشى الفقد مرة أخرى، أن تداهمها الأحزان أكثر من ذي قبل، إذاً.
اقتربت ورد تجاهها دون كلام، وجذبتها لحضنها، مربتة على ظهرها باكية وهمست بتثاقل:
"خديجة هترجع لينا، متقلقيش. أنا مطمنة إنك هترجعيها، وواثقة إن ربنا مش هيردني خائبة اليدين. هيردهالنا، وأوعدك مش هنفارق وهنعيش معاكِ."
عبأ الحزن الآفاق. أصبح الدار كئيباً للغاية، يفعمه الحزن والهم.
جلسا الجميع بقلق، وكل منهم منشغل الذهن بـ خديجة.
تجلس لمار تهز قدميها، تخفض الطرف. عاتب الجميع ورد، وأخذوا منها موقف. لم يحادثها أحد، حتى لمار من بعد عودتهم. لا تحرك عينيها عنها، تبكي بحرقة. لاحظت أسماء نظراتها للمار وبكاءها الصامت. أحست أنها بحاجة لحضن ما، لتخرج ما بجعبتها لترتاح فؤادها قليلاً. اتجهت وجلست بجانبها وضمتها بحنان لصدرها، وهتفت بنبرة حزينة قلقة:
"هتبقي كويسة. متنسيش خديجة قوية والله، وهترجع، فـ اطمني. لأني مطمنها وقلبي حاسس إنها بخير. يمكن عمتي بس بتلوم نفسها عشان زعلتك، لكن هي مستحيل تزعل من بنتها. ومتنسيش إن خديجة دي عوض فاطمة ليها."
انكبت ورد بحضنها تبكي بحرقة، بقلب أصبح قبر حالك السواد، مظلم، يشتاق ويحن لكوكبه ونجومه لتضيئه وتعيد له الأمان والنور.
وقف يوسف ببغته، ينظر حوله ثم قال بسخرية:
"يعني خديجة اتخطفت طول الوقت ده واحنا موجودين؟ كأننا مش موجودين؟ وانتِ تخبي؟ طب كويس والله."
رمقته ورد بنظرة ألم. همت بالحديث، ليشير لها قائلاً:
"متتكلميش. الغلط مني، كان لازم انتبه للكل."
يجلس عمرو واضعاً رأسه بكفيه. وثب واقفاً مغادراً من أمامه للخارج، ليلحق به حذيفة بإشارة من حامد.
نظر يوسف لصديقه نظرة ذات معنى، ليلحق به ويغادرون.
دقائق، ونهضت لمار دون حرف، مشيرة لـ ياسين وعثمان بحدة:
"وراياااا."
لم يعتادا مناقشتها، فكان يجب عليهم تلبية طلبها دون استفسار.
كادا على وشك الخروج، ليوقفا الشباب متراجعين ناحية ورد. جلس عثمان بجانبها، ووقف ياسين أمامها قائلاً بصدق:
"سامحيني. أنا سمعت صوتها ب..."
قاطعته ورد وهي تلتفت له بعفوية بأعين ضاحكة، وهتفت:
"سمعت صوتها فين؟ أنا... أنا بنتي عايشة؟ عايشة صح؟"
فاضت عينيها بالدمع، ليبادر عثمان قائلاً:
"لما كنت بنقذ مكة، وكنا خارجين سمعت صوتها بتناديني. بس صدقيني دورت في المكان كله، مكنتش بينهم نهائي ولا لمحتها. ظنيت إني بتخيل."
نكس رأسه بحزن، تداهمه جحافل من الذكريات مع خديجة، حبيبته الصغيرة، ووجهها الباسم الضحوك، وأعينها التي تسطع بالبهجة. أغمض جفنيه، يخشى فقدانها. مجرد التفكير بخسارتها يؤلمه قلبه للغاية، كأن هناك من ينزعه.
علت البسمة وجه ورد وهي تقول:
"يعني هي عايشة؟"
"الحمد لله يا رب. أنا متأكدة إنها هترجع. يارررب رجعهالي بخير."
قاطعها ياسين بنبرة أضنتها الوجع:
"وأنا كمان سمعتها. بس افتكرت إني بتخيل عشان وحشتني. بس أوعدك هترجع، حتى لو هضحي بروحي. إلا خديجة."
ابتسمت له ورد باكية. رحلوا الشباب بعدما طمأنوها، ليضمها الفتيات جميعهم مجهشون بالبكاء معها.
كان الوقت قبيل غروب الشمس، حينما ولجت لمار بغضب هادر يشعل بمقلتيها لأحدى الفيلات، ومعها قوة من العساكر، وياسين وعثمان.
وقف رجل كبير بالعمر، وقبل أن يصيح بها، بادرت لمار قائلة:
"فتشوا الفيلا كويس، وأياكم تسيبوا شبر حتى."
"صاحت منادية لعثمان وهي تشير له: أنت خد دا، وياسين دا. يلا بسرررعة."
قالتها وهي تشير لهم يمنى ويسرى. وعادت نظرها لذاك الرجل بنوبة غضب شديدة دون كلمة، ولكن كانت عينيها كفيلة لتميته وتبث الرعب بأوردته.
أقترب منها بغموض، عينيها مليئة بالانفعال:
"فيه إيه؟ وازااااي تدخلي بيتي كده؟ أنتِ مش عارفة أنا مين؟"
ابتسمت لمار ببرود تام وسخرية، وتوجهت لمكتبه، وهو خلفها. أخذت تبحث بكل ركن به وبالأوراق، وهمست ساخرة:
"لأ، عارفة طبعاً يا سليم بيه. هو حد ما يعرفكش؟"
"وتأكد إن نهايتك وحبل المشنقة على إيدي!!! ودلوقتي فين الأطفال؟"
صرخت به بعصبية ونرفزة ونظرات مفعمة بالغضب.
هز رأسه متسائلاً:
"أطفال إيه؟ أنتِ إزاي تداهمي بيتي كدا؟ معاكِ إذن من النيابة؟"
ظهرت ابتسامة ساخرة على قسمات وجهها، وهي تقترب منه حتى وقفت أمام وجهه قائلة بفحيح:
"بنتي فين؟ خديجة فين؟"
أبتلع ريقه بخوف، والرعب سرى بأوردته وأوصاله، وهمس بغضب:
"خديجة مين دي؟ وأنا أعرف منين هي فين؟"
ابتسمت لمار ببرود، وتوجهت لخارج المكتب:
"كله هيبان دلوقتي يا باشا، لما رجالي يجيبوا العيال."
أبتسم بمكر وهو يخرج بعدها، ويقول:
"دورواااا براحتكم، واللي تلاقوه طلعوه."
وجلس على أقرب مقعد بكبرياء.
لحظات، وخرج عثمان خلفه القوة التي اصطفوا بجانب بعضهم، لتنظر له لمار باهتمام. ليقول عثمان بأسف وهو يهز رأسه:
"ملقناش حاجة يا فندم!"
نظرة له لمار بألم، ودقات قلبها تتسارع خوفاً. حتى كاد أن ينخلع، ولكن أمل تسلل لفؤاده، حينما خرج ياسين صائحاً:
"ملقناش حاجة يا فندم!"
اتسعت أعين لمار بهالة مخيفة للغاية، وهي تصيح بهم وفؤادها ينخلع من موضعه:
"يعني إيه مفيش حاجة؟ انتوا دورتوا كويس..."
قاطعتها ضحكات سليم، وهو يتوجه نحوها، ووقف أمامها هامساً:
"كان لازم تفكري مليون مرة قبل ما تداهمي بيتي. ولأني أحسن منك، هسيبك. بس نصيحة، دوري في مكان غير ده، مش بيتي. ودلوقتي اتفضلوا."
أشارت لمار للشباب بالخروج، لينصاعوا فوراً. استدارت برأسها له ببسمة باردة، وهتفت:
"بس مش معني كده إنك تمام. طالما لمار حطت عينها عليك، يبقى اتأكد إنها هتعمل المستحيل عشان تقضي عليك."
غمزة له بمكر وغموض، واستدارت مغادرة. وقفت على أسكفة الباب، مستديرة له برأسها، وأشارة بأناملها على عينها، ثم إشارة، وغادرت بهيبة مخيفة.
أعد عبد الله أكواباً من الشاي للرجال الذين بصحبته، يستعدون حتى يذهبوا بالأطفال للطريق الذي سيسافرون به عن طريق البحار.
احتسوا جميعهم الشاي، ونقلوا الأطفال بالسيارات التي ستنقلهم قريباً من موقع التسليم. كان نصف الرجال فقط، أما البعض منهم ما زال لم يأتوا بعد.
دقائق، ووقع الجميع مغمياً عليه بسبب المنوم الذي وضعه عبد الله.
ليبتسم وهو يبصق عليهم، وهتف بسخط:
"يا كلاب، بتضيعوا آخرتكم عشان كام قرش."
"ثم صمت ملياً بحزن، بدأ بتفكير، وأكمل قائلاً: قال يعني مكنتش هعمل زيهم. الحمد لله."
"الحمد لله من غير خديجة، كنت هفضل طول عمري شايل هم كبير وذنب مستحيل يتغفر. الحمد لله يارب، اشكرك وأحمد فضلك."
ابتسم وهو يزيح دموعه التي خانته، وهوت واحدة تلو الأخرى.
أسرع ركضاً للداخل، شبه راكضاً.
فتح السيارة المحملة بالأطفال، وأشار بيده لهم للنزول:
"يلا بسرررعة، تحركوا."
مد يده لـ خديجة:
"هاااتي إيدك يا خديجة."
"يلا، مفيش وقت. كله ينزل؟!"
أصطف الأطفال حوله بهلع، يهشم قلوبهم. نظر له عبد الله، ولم يدر ماذا يفعل، ولماذا الشرطة لم تأتي بعد!
حاول فتح بعض السيارات التي بداخلها فتيات، فلم يستطع. فهو استطاع أخذ مفتاح للسيارة التي بها خديجة فقط.
شعر بالتوهان. لن يستطيع تحريرهم، أو تركهم. إذاً، ماذا عليه أن يفعل؟
صوت سيارات آتية، جعله يتسمر موضعه بفزع، وقلبه يكاد يتوقف من فرط الخوف على هؤلاء الأطفال.
نقل الأطفال لعربية أخرى قد جاء بها قبلاً. سرعان ما انطلق بسرعة.
لحظات، ووجد سيارات كثيرة تأتي خلفه بقوة. حاول تشتيت انتباههم، ولكنه محاصرينه.
على الجانب الآخر، بعد أن رحل عبد الله، داهمت لمار على المكان الذي قد وصل إليه من كان يجب أن ينقل البنات وسيسافر بهن. تبادلوا إطلاق النار الذي أصبح كالمطر يقع من الجانبين. رجالاً كثيرة مصرعين في بحر من الدماء.
استطاعت لمار بمهارة محاصرتهم، فقد كانت كـ المغوار، تزأر لهم زئير الأسد من أجل طفلتها. كانت لا ترحم أياً منهم.
ركضت لأقرب سيارة، والتي كانت محملة بأجهزة طبية والبنات خلفها. أخذت تخرجهم جميعاً بلهفة، عيناها تدور وتبحث عن طفلتها.
حذا ياسين وعثمان وعمرو، الذي أصر على مصاحبتهم. حذو حذوها.
خاب أملهم حينما لم يجدوها. ولكن ترقع يوسف أصابعه بعد تفكير، هامساً بصدق:
"في عربية متفرغة، معني كده إن الشخص اللي وصلنا المعلومات دي هربهم."
"أو خاطفهم؟"
همس بها بلال مفكراً.
ليرمقه حامد بسخرية قائلاً:
"ولو عايز يخطفهم، هيتصل يبلغ ليه؟!"
همس يوسف بصدق:
"يجوز كان خايف إننا نوصلش في الوقت المناسب، وعشان كده ساعد على قدر ما يقدر بتهريبهم، خاصة إن بعض الرجال شاربين منوم."
هزت لمار رأسه تأييداً.
ليسارع يوسف قائلاً:
"وده يعني إننا لازم نبحث عنه، لأن ممكن بردوا يكونوا لحقوه."
أمرت لمار أنس وبلال بالعودة، إلا أن أبى عثمان وياسين بشدة، بدون العودة بلا خديجة.
ظل عبد الله يقود دون وجهة بالطرقات، حتى وقف بطريق به ناس. بعد الشيء، فتح السيارة وصاح بالأطفال:
"أنا لازم أسيبكم هنا. هما هيفضلوا يلاحقونا."
"اشار على شارع جانبي: اقفوا هنا. لو فضلت عايش، هرجع لكم. لو مرجعتش..."
"نظر لـ خديجة: وقفي أي حد، بس مش أي حد وخلاص. والله ما عارف يا بنتي، بس أهم حاجة تروحوا للشرطة."
هم بأن يصعد السيارة مرة أخرى، ولكن يداً تعلقت به، منعته من التقدم. لينزل عينه على خديجة التي ملأتها الدموع، لتهمس خديجة وهي ترفع رأسها له بدموع لا تحصى:
"انت هترجع يا عمو؟ أنا هشوف تاني؟"
نظر لها نظرة لن ينسى مهما حي. هبط لمستواها، وعيناه تذرف الدمع، وضمها لصدره بحنان أب، مجهشاً بالبكاء، ممتناً لتلك الصغيرة. ولكنها أبعد ما تكون عن صفة الصغار، فتلك الفتاة التي عقلها يكبر سنها برجاحته، أهدته لطريق النور، وانتشلته من الضلال. لقد أنارت حياته، وأخذت بيده لطريق الهداية، وأظهرت له أن الحياة تلك لا تعني شيء، وهو فقط عليها كـ غريب أو عابر سبيل. كان مقدماً بطريق لهلاك آخرته، وذنوباً لا حصى لها، وقتل أرواحاً بريئة. فـ بلحظة، جاءت هي كنسمة ريح عطرة تحمله من الضياع، لتضعه بطريق يتمنى به مغفرة من الغفور الرحيم.
أبتعد عنها وهو يزيح دموعه التي كلما أزاحها، انسدلت بغزارة:
"تعرفي يا خديجة، أنتِ بنتي اللي مخلفتهش. أنا ممنون ليكِ بحياتي، بس انتبهي على نفسك. أنا لازم أمشي قبل ما يلاحظوكم."
ركض متجهاً للناحية الأخرى، وصعد وقاد مسرعاً.
دقائق يقود بهدوء، لا أثر لهم. ليخرج سيارات بوجهه، محاصرينه من كل جنب. وعلى بغته، هجموا عليه وأطرحوه أرضاً. واقترب سليم منه، ودفعه بقدمه في معدته، وصاح:
"بقى بتبلغ عني يا كلب، ليه؟ فلوس واديتك، قولت علاج بيتك، دخلتهالك أكبر مستشفى، وفي الآخر دا جزاتي..."
سعال مصحوباً بدم، كل ما صدر منه.
لمح عبد الله خديجة تختبئ خلف السيارة، فـ بدا له أنها صعدت معه دون أن يراها. حملق بها بخوف، وهو يطرف عينيه عدة مرات بوهن شديد.
أشار لها بعينه أن ترحل، إلا أنها كانت تهز رأسها بنفي، وشلالاً من الدموع ينهمر على وجنتيها بقلب موجوع، يدق بألم لألمه. نبض كأنه الخناجر تنغرس بها بلا هوادة.
لاحظ سليم نظراته وأشاراته، ليلتفت للخلف، ليشير لها عبد الله بنظرة إصرار يفعمها الترجي بالذهاب. لتركض خديجة قبل أن يراها، توشك على السقوط مراراً لهالة الغشاوة من الدموع التي تحجب رؤياها.
وقف صائحاً بمن أمامه، مطأطأ الرأس:
"يعني إيه؟ الصفقة اتلغت؟ أنت عارف شركتنا لو فضلت على الحال ده، إيه هيحصلها؟ هنفلس."
قال الآخر دون أن يرفع رأسه:
"استاذ زين، أنا بعمل اللي بقدر عليه، ولكن إن شاء الله هطمنك وأبشرك."
أومأ زين وهو يكبح غضبه بشتى الطرق، وقال بهدوء جاهد ليبدو كذلك:
"إن شاء الله خير. روح أنت دلوقتي، وبكرة هتتحل."
خرج الشاب، بينما جمع هو ملفاته، وجذب مفاتيحه وهاتفه، وغادر.
وقف أمام أسكفة الشركة لدقائق، ثم أقترب ليضع الملفات بالسيارة، وتوجه لسوبر ماركت قريب، وجلب علبة سجائر، ووقف شاعلاً واحدة، منثفاً دخانها بتنهيدة حيرة وقلق وتفكير.
صوت شهقات، جعله يسترق السمع ليعلم مصدره من أين يأتي. ألقى سيجارته وسحقها بقدمه. سار ذهاباً وإياباً، يلتفت لمصدر الصوت.
وقف قريباً من الصوت، لكنه لم يبصر أحد. ليصيح بصوتاً عال:
"فيه حد هنا؟"
صمت قليلاً، فتوقف صوت البكاء. ليتابع قائلاً:
"مين بيبكي؟ حد محتاج مساعدة؟ مين؟"
تابع السير قدماً، وهو يدقق النظر بعينه، لكنه لم يرى أحد، ولم يستمع الصوت. هز منكبيه، وعاد أدراجه لسيارته، وهو يخلع جاكت بدلته. فتح باب سيارته، وألقى الجاكت على المقعد المجاور، وجلس أمام عجلة القيادة، ليشغل السيارة مصدراً صوتاً قوياً. هم بالانطلاق، ليبصر بالمرآة طفلة صغيرة ترتجف، تخرج من أحد الأورقة الأزقة. دقق النظر بها، كانت تبكي، يديها ترتعشان، وجسدها يرتجف برعدة قوية، ودموع تنسدل بغزارة، محجبة. نظرته تحولت لتعجب مفعم بالدهشة. عاد فتح الباب، وترجل بهدوء. همت هي بالأختباء، ليركض هو ويلحق بها، ممسكاً بمرفقها. همس ضاحكاً:
"هو أنا عفريت بتجري مني؟"
حاولت نزع يديه، وهي تغض الطرف. ليثبتها هو، ممسكاً بمنكبيه، ويهبط بمستواها، هامساً بحنان:
"ممكن أعرف القمر ده بيبكي ليه؟"
زاد نحيبها، ليتنهد بصوتاً مسموع، وقال:
"طب ممكن أعرف فين ماما أو بابا، أو أنتِ بتعملي إيه لوحدك؟"
أجهشت بالبكاء أكثر، ليدري الآن أن هناك أمراً، وأنها مفقودة. همس وهو يزفر:
"طيب ممكن توقفي عياط عشان أفهم منك فيه إيه، وهوصلك عند بابا وماما."
لم تجبه سوا دموعها فقط. جالت عيناه المكان، ليتنهد بضيق لبكائها، ويقف مغادراً.
زاد بكاء خديجة ثوانٍ، وعاد هو ومعه زجاجة مياه. ناولها لها قائلاً:
"ممكن تشربي طيب وتهدي كدا."
أخذت من الماء، لترتوي، وأعادتها له. ليملأ كفه، غسلاً وجهها، وابتسم لها قائلاً:
"فهميني بقا، ومتخافيش مني، مش هأذيكِ. هساعدك، بس قوليلي أنتِ منين."
صمتت خديجة وهي تنظر له بتفكير، لا تدري بما تجيبه، فهي لا تدري المنطقة التي يسكنونها بها بماذا تسمى.
زفر بملل قائلاً:
"على الأقل ردي عليا عشان أقدر أساعدك، كدا مش هعرف أرجعك."
فاضت مقلتاها البريئتان بالدمع، وهي تنظر له بأسى. ليقول هو بنفاذ صبر:
"والله ما هأذيكِ، أنا حابب أساعدك صدقيني، بس قوليلي أنتِ منين، أو اسم بابا حتى، واهدي، بلاش عياااط."
همست بصوتاً خافت:
"عمرو."
تطلعت له بتعجب، وقطب حاجبيه سائلاً:
"عمرو مين؟"
همست خديجة بهدوء:
"بابا أسمه عمرو، وماما ورد، وخالته لمار."
ضحك لبرائتها قائلاً وهو يجلس على الأرض، غير عابئ ببدلته الباهظة:
"أوك، ودلوقتي توهتي إزاي، ولا إزاي سابوكِ كدا؟"
جلست بجانبه، وهمهمت قائلة:
"أنا مش توهت، في ناس وحشة خدوني."
"أختنق صوته بالبكاء بوجع، وهي تقول: وعمو عبد الله الحلو ضربوووه."
أبدى اهتمام، تطلعت بها دون فهم، وهمس متسائلاً:
"بمعنى إنك كنتِ مخطوفة، وفي حد ساعدك، وهو ساعدك فعلاً، بس مسكوه، صح كدا؟"
أومأت خديجة مؤكدة له، ليهمس بقلق:
"كانوا خاطفينك ليه طيب؟"
ببراءة، هزت خديجة منكبيه، هاتفة وهي تنظر له:
"معرفش. أنا كان فيه أطفال كتير."
"دي عصابة بقا؟"
قالها باهتمام جلي، لتهز هي منكبيه دون علم بذلك.
هتف وهو ينهض:
"طب قومي يلا."
تطلعت به بأعين خائفة، يفعمها الرعب. أستشعر خوفها، ليهمس بحنان:
"قومي تعالي معايا البيت عندي، لحد ما أقدر أوصل لأهلك. مهو مينفعش تفضلي هنا لوحدك، ممكن يلاقوكي، وممكن ولاد الحرام يستغلوكي، ومتلاقيش حد كويس زيي. مش كل مرة تسلم الجرة."
ضحكة خديجة لآخر جملة نطق بها، وهزت رأسها:
"لأ، روح أنت. أنا هستنى، أكيد خالتوا لمار هتيجي."
نطق بإصرار يحاول ثنيها:
"وافتراض مجتش؟ وحد خدك؟ قومي معايا، ومتخافيش. عندي أختين في البيت، مش هتكوني لوحدك."
نهضت قائلة ببراءة:
"و ماما وبابا؟ مفيش؟"
همس بألم شديد:
"لأ، توفوا الله يرحمهم."
هز رأسه مشيراً للسيارة:
"يلا بينا."
ظلت متسمرة مكانها، تفكر، لتعزم أمرها بالمضي قدماً معه.
صعدت بجواره بصمت تام وحياء، وقاد هو مندفعاً لداره. دقائق، كان الصمت يخيم عليهم، حتى وقف أخيراً، وركن سيارته، وترجل منها. دق قلبها بخوفاً، وأدمعت عينيها، تشتاق لوالدته. ما ذاك العالم الذي أصبحت به فجأة دون إنذار؟ إنه عالم مخيف، كل شيء به غريب. أين حضن والدتها الذي كان هو وطنها وعالمها؟ أين هم من كانوا محورها؟ أشتاقت لهم إلي حد اللامعقول.
لم تشعر سوى حينما دلفت معه للداخل، وصوت فتاة انتشلها من أفكارها، تقول بصدمة:
"يخرب بيتك يا زين، أنت طلعت للشركة؟ رجعتلنا مخلف مين دي؟"
تقدمت من خديجة تفحصها بدقة، وقالت بإنبهار وإعجاب:
"بس إيه يا أد القمر ده؟ دي بنتك؟ إزاي؟ أنت مش قمر كدا!!"
"مع أنها طفلة، بس غريبة، مش عارفة ليه."
هبطت قليلاً لمستواها، وهمست:
"أنتِ اسمك إيه؟"
قال زين بغيظ من أخته:
"إسراء يا زفتة، قومي بطلي لماضة، وخدي خديجة غيريليها لبسها. أنا بعت حد يجيبلها حاجة كدا، واهتمي بيها."
صاحت بفرحة وهي تقفز:
"الله! اسمك خديجة، وكمان هتقعددددي معانااا؟ هيييييييييح! أخيراً حد يونسنا."
"فين سجى؟"
لفظ به زين متلهفاً، مشتاقاً، متسائلاً.
أوشكت أن تجيبه، ليقاطعهم صوت أقدام تهبط الدرج، قائلة:
"أنا هنا يا زين، أنت جيت إمتى؟"
أشرق وجهه مسروراً، وطلت الفرحة من مقلتيه، ووثب كـ قلبه ما إن رآها، وركض للدرج نحوها، ممسكاً بكفها بحنان ولطف، وقال:
"على مهلك."
همست هي برقة:
"مكنش في داعي، أنا عارفة الطريق."
صرخت منفعلة ما إن حملها، وهو يقول:
"بما إنك قولتي كدا، يبقى أشيلك بقا."
ارتفعت صوت ضحكاتها. لتشير إسراء لخديجة:
"شوفييي يا أختي، الحب ده كله ليها؟ ولا كاني أنا كمان أخته."
لم تفارق البسمة وجه خديجة.
أنزل زين سجى برفق وحنان، وهمس وهو يتوجه للصعود:
"هطلع آخد دوش وأنزل."
ظلت خديجة مكانها، وجلة، خائفة، لا تدري إلى أين سيأخذها القدر. ولكنها اطمأنت لهؤلاء الأشخاص.
فاقت على صوت سجى قائلة:
"هو مين هنا؟"
نظرت خديجة بعدم فهم لأسراء، لتشير لها أسراء لعينيها أنها لا ترى. لتشهق خديجة بصدمة، أتلك الفتاة الجميلة لا ترى؟
تقدمت سجى وهي تتلمس بيديها، وهمست:
"خديجة، هي فين؟"
ركضت خديجة نحوها، ممسكة بكفها بحنان، وهمست:
"أنا هنا أهو."
جلست سجى على ركبتيها أمامها، وقالت لها بحنان:
"متخافيش، أنتِ معانا هنا في أمان. زين هيساعدك وهيلاقي أبوكِ ومامتك."
همست خديجة ببراءة:
"حاضر يا قمر."
همست سجى بحزن:
"قمر؟"
همست خديجة بحنان وهي تقبلها من وجنتيها:
"آه، أنتِ قمورة، وأنا حبيتك أوي."
همست سجى بألم يطل من شرفة عينيها:
"ولا قمر ولا حاجة. أنا واحدة عمياء، حتى مش هقدر أشوفك."
هزت خديجة رأسها بجنون، وهي تقول:
"مين قال كدا؟"
"مسكت كفيها لتقربهم من وجهها، وهمست: آهووو، شوفييني، وبدأ كمان."
وضعت كفها الآخر على قلبها.
لتهمس سجى وهي تتلمسها:
"أنتِ لابسة إيه؟"
همست خديجة بحنان:
"دا حجاب."
"أنتِ محجبة، بس أنتِ لسه صغيرة؟"
همست خديجة:
"لأ، أنا مش صغيرة."
صمتت ملياً، وقالت:
"أنا حبيتك أوي."
قاطعتهم إسراء قائلة:
"لأ بقا، أنا كدا هغير منك، وأنا فين من الحب ده؟"
ضحكوا عليها، وهبط زين. فجلسوا جميعاً يأكلون. أبت خديجة، ولكن ظلت الفتيات تطعمها.
صوت زين العالي على موظفيه كان صدى ليسمع بشركته بأكملها، وهو هائجاً بهم، حتى اقتربت سجى منه، فهدأ هدوءاً تام، وطلب من الجميع المغادرة. أخذته سجى ليجلس بجانب خديجة الجالسة بهدوء، وهي تنظر له، فهي من أول ما رأته، لم تره بتلك الحالة الهائجة أبداً. فهو منذ أن دخل لشركته، وتبدد كلياً، اختفت ابتسامته، كأنه لا يدري كيف يبتسم، والجدية والغضب والحدة ارتسمت على محياه، كأنه لأول مرة يراه، وأول ما خرج موظفيه، وأصبحا بمفردهما، حتى تبدد حاله وتغير وجهه الغاضب العبوس، ليصبح وجهاً ضاحكاً باسمًا. نظرت له بتعجب شديد، أيتحول أبداً، شيء أم ملبوساً هو؟ جحافل من الأسئلة اخترقت ذهنها، لتنهض واقفة على الأريكة، مقتربة منه، وتضع كفها على جبينه. ليصمت، ويكف عن الحديث هو وسجى، ونظروا له مزهولين متعجبين.
علا صوت خديجة ببعضاً من آيات القرآن بصوتاً شجي، عذباً، رقيقاً، هادئاً.
وحينما انتهت، شكرها زين مبتسماً، وقال بصدق:
"تصدقي، حسيت براحة فعلاً وسكينة. ولا مرة حسيتها."
وضعت خديجة يدها أسفل ذقنها، مفكرة، وعيناها تجوب المكتب، لتهامس وعيناها زائغة:
"أنت لازم تتلبس. مفيش قرآن خلص. عليك عفريت يروح ويجي."
انفجرت سجى ضاحكة، رغماً عنها. ليحلق هو مزهولاً، لا يستوعب ما تفوهت به:
"ملبوس؟"
ردد بصدمة، وهو يشير لنفسه:
"ملبوس؟ أنا ملبوس وبعفريت يروح ويجي."
أومأت خديجة ضاحكة. ليقف هو محدقاً بها بأعين غاضبة، تكاد تفتك بها:
"بقا أنا يابت بتقوليلي ملبوس؟"
لم تخف كما توقع، وإنما صاحت متخصرة:
"مش بخاف على فكرة يا عم ملبوس."
انفجر زين ضحكاً لحركتها وقولها، وهمس بصدق وهو يجلس:
"والله يا خديجة، يبدو إنني هغير رأيي ومش هرجعك لأهلك."
لفت خديجة لتجلس على قدمي سجى، وهي تضم رأسها، وقالت:
"لأ، همشي، وهاخد سجى معايا."
وأخرجت لها لسانها، معيطة إياه.
ليرفع هو حاجبه:
"يا شيخة."
أومأت خديجة برأسها، وهمست بجدية:
"ماما بتقول عشان ربنا يبارك لنا، لازم نطلع صدقة."
"ضيق حاجبيه بعدم فهم، لتكمل هي: ماما بتقول إننا لازم نسعد غيرنا، ونطلع صدقة عشان ربنا يبارك لنا في الشغل وفي الفلوس، وأنت لازم تعمل كدا عشان شغلك."
ارتسم الزهول على وجهه مجدداً، بعدم فهم، وبمقلتيه تعجب شديد.
"ماما بتقول إن الصدقة ليها أجر وثواب، وتذهب الخطايا، ووقاية من النار."
"تنبه زين لها، صاغياً، لا يصدق ما يستمع إليه. أتلك طفلة حقاً أم ماذا؟"
ابتسمت له خديجة وهي تتنهد، وهمست:
"قال الرسول ﷺ: 'فاتقوا النار ولو بشق تمرة.' وقال أيضاً: 'إن الصدقة تطفئ الخطيئة كما تطفئ الماء النار.'"
كانت سجى تسترق السمع، وهي تضمها لصدره، حتى همست:
"أنا مكنتش أعرف عن الصدقة."
ابتسمت لها خديجة بحنان، وخللت أصابعها بخصلاتها، وقالت:
"أنتِ لما نروح، نتكلم عشان تتحجبي."
قالت سجى باسمة:
"أنتِ يابت! أنا هنهشك إنك طفلة؟!"
تنبه زين، وقال لـ خديجة:
"سيبك من البت الفاضية دي، وكملي."
ضربته سجى بخفة، لتكمل خديجة ناظرة له:
"عن عقبة بن عامر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: 'كل امرئ في ظل صدقته حتى يقضي بين الناس.' يعني الصدقة بتظلنا يوم القيامة. وقال الرسول بردوا إن سبعة يظلهم الله بظله في يوم لا ظل فيه إلا ظله، وذكر: 'رجل تصدق بصدقة، فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه.'"
وتابعت باسمة له، وهي تتنهد براحة، وأكملت:
"وكمان الصدقة شفاء للأمراض، عن الرسول ﷺ قال: 'داووا مرضاكم بالصدقة.' وإن المتصدق، ربنا بيبارك له في ماله، وقال: 'ما نقصت صدقة من مال.' وربنا بيضاعف الأجر، بمعنى أن الصدقة تظلنا يوم القيامة، ويتغفر خطايانا، وكفاية الفرحة اللي بنشوفها على الوشوش."
صمتت حينما تطلعت به زين مصدوماً للغاية، لتهامس برفق:
"بتبصلي كدا ليه؟"
تطلعت به من رأسها لأصابع قدميها، مزهولاً، ونطق دون استيعاب:
"أنتِ طفلة، متأكدة؟"
هزت خديجة رأسها. ليضع هو كفه على رأسها، ونهض جالساً خلف مكتبه، ليفعل ما استمعه من تلك الصغيرة، ويطبقه، فيبدو أنه سيتعلم الكثير لدينه منها.
ظلت تتحدث هي مع سجى عن الحجاب، لعلها تقتنع بارتدائه.
ريثما انتهى زين من عمله، واجتماعاته، وأخذهم للملاهي، ليقضوا وقتاً جميلاً سيظل أثره بقلب خديجة، لن يزول. إذ أن زين كلف رجاله بالبحث عن عائلته، بعدما قالت له اسم والدها وعمتها، لكنه لم يتوقع أن تكون هي ذاتها لمار. عادوا للمنزل بعد يوم طويل استمتعوا به كثيراً، دلف زين سعيداً لسعادتهم، وخلفه سجى وخديجة.
"بن أخويا الغالي، كدا مبتسألش على عمك؟ كنت فين؟"
"مال للامام قليلاً، ناظراً لسجى، وهو يقول: ولا هسأل ليه؟ ما أكيد مع البرنسيسة."
تقدم زين منه، وهو يدس كفيه بجيب بنطاله، ووقف أمامه بتعالٍ، صائحاً:
"البرنسيسة ملكش دعوة بيها، واااه! هي برنسيسة فعلاً، أنت بقا مالك؟ عايز إيه؟"
بالخارج، تخشبت أقدام خديجة، ما إن تناهى لمسامعها ذات الصوت، لتترك يد سجى بخوف شديد، منهم جميعاً، وتحجرت دموع عينيها بمقلتيها، وتراجعت للخلف بخوف، سرى بمهجتها، وهشم فؤادها، وأضناه غصة مريرة، علقت بحلقه، كادت روحها أن تخرج، وانقاسها بالتوقف، وحبست دموعها، وهي تتراجع، وتركض مغادرة بعيداً، وتهز رأسها قائلة:
"هما هيدوني لعمو الوحش."
ظلت تركض بعيداً، وهربت دموعها على وجنتيها. سارت بالطرقات دون وجهة.
تنبهت سجى أن خديجة ليست بجانبها، فمدت كفيها تتحسس المكان، وهي تقول بقلق:
"ديجااا! أنتِ فين؟"
على بغته، شيء ما دفعها من كتفها، لم يكن سوى عمهما، ليتلقفها زين بذراعيه، وهو يسبه. لتمسك به سجى، تمنعه من الذهاب خلفه، وهي تقول بلوعة وصوت مختنق:
"ديجااا يا زين! ديجااا! مفيش. كانت هنا واكتفت؟!"
تنبه زين لكلماتها، هامساً باطمئنان:
"يا حبيبتي، أكيد دخلت ولا حاجة."
قاطعتهم إسراء قائلة:
"لأ يااا زين، ديجااا مفيش، ومدخلتش."
بكت سجى بقلق، ووجهها انطفأ بريقه، وهي تقول:
"خديجة يا زين، شوفها ورجعها."
أومأ زين برأسه، وأشار لاسراء:
"خديها وادخلي، وأنا هدور هنا. هي أكيد بتلعب هنا، أو هنا."
أمر زين الخدم والحرس بالبحث عنها، دون جدوى أو أثر. فلم يروها، فقد غفلتهم، وهي تهرب من ذاك المكان الذي ظنت أنه نجدتها.
صرخة مدوية شقت هدوء الليل الساكن، لتنتفض غادة من نومها. أما وعد، التي كانت تدلف لتوها، بعدما جاءت خفية من بعض الرجال الذين قرروا مساعدتها، مضحيين بحياتهم. خرجت مشرعة، تتبع الصوت الذي كان يصدر من الحجة صفية بغرفة زوجها.
تسمرت قدماها على أسكفة الغرفة، وهي تجد والد رحيم جثة هامدة، لا تتحرك. جسده تيبس، والحجة صفية منكبة عليه، تضمه وتصرخ بألا يتركها. أما غادة، ارتعد جسدها، وهي تهز رأسها بجنون، لا تصدق عينيها أن والدها قد رحل. وجع، وجع لا يحتمل، تخلل فؤاد وعد، وهي تنظر له بألم، ألم شديد. لقد كانت منذ ساعات بجانبه، لهالسبب كان يوصيها على غادة وزوجته. وأعلمها أنه يعلم أنها شرطية، لا تدري كيف عرف. طفقت دموعها تهوي كـ شلال على وجنتيها، وركضت تجاهه، تقبل يديه وتبكي. كان عليها أن تكون قوية لأجل غادة، التي انهارت وأغمي عليها، والحجة صفية، التي هدأت من نوبة بكاءها، وتمسك يد زوجها، وتحادثه كأنه يجيبها ويستمعها.
التوقعات والرأي...
كان الحزن يخيم بالآفاق، كئيباً، وهماً، وغم، وقلق. كان الجميع في حالة كأن الزمن توقف. ورد لا ترقأ لها دمع، القلق يهشم فؤادها لفتات صغيرة، روحها تتمزق ألماً ووجعاً. ولا يقل حال الفتيات عنها، فهم أيضاً عيناهما تذرف الدمع. أما أسماء، فكانت أكثرهم شعوراً بما تشعر به ورد، فهي عاشت ذاك الخوف الذي يميت بالبطيء، دون هوادة، ولا يستطيع الإنسان أنقاذ نفسه.
لم يعد أي من الشباب ما زالوا يبحثون بالطرقات، بكل ركن وزاوية، لا يهدأ لهم بال، كاسفي البال، يتألمون. ولكن عمرو، فالخوف من الفقد مسيطر عليه. طفلته الصغيرة لا يدري أين هي، وماذا يفعلون بها. يفكر ماذا لو حصل معها شيء، كيف يواجه الأمر؟ كيف أمام تيار الحياة التي يقذف بالإنسان دون إنذار، ويتركه أما حي، فهو حر. كيف تعيش وسط ذاك البشر، وبعضهم أبعد ما يكون عن صفة البشر. ماذا لو هجم عليه شيء؟
قلبه؟ هل يوجد قلبه؟ هل ما زال موجوداً؟ فهناك ضجيج جعل القلب ينتزع من صدره. يصرخ فؤاده صرخات شقت القلب شقاً، وبكاؤه لا يهدأ. ولكن ماذا عليه أن يفعل؟
لمار، رباااااه! هل هي تعيش؟ فأين روحها؟ أين غادرت؟ أضنت الندوب فؤادها. ندوب تخللت بشغاف القلب وسواده، كـ أسهم تخترق فؤادها، فلا تستطيع الاستنجاد. الأكسجين هرب من حولها، فتختنق، ويختنق صدرها، وروعه على طفلتها التي أملت حياتها سعادة. تقسم أن روحها ذبحت، مثل فؤادها الذي يرفرف ذبيحاً.
صباح اليوم التالي، استيقظت سجى، تحسست الفراش بجانبها، لم تجد خديجة به. هلعاً رددت اسمها، ليأتيها صوت تكبير من خديجة، فتطمئن وتسكن، والبسمة أشرقت وجهها.
طرقات على الباب، وأذنت للطارق. ففتح للباب، وطل زين الذي تبقى ممسكاً بالمقبض، ويطل برأسه فقط. ألقى السلام، وأبصر خديجة تصلي، لينبهر مزهولاً بإعجاب شديد. ومد بصره لـ سجى التي وقفت مقتربة من الباب، ليلحق هو ممسكاً بكفها، قائلاً:
"مش يلا عشان منتأخرش؟"
كانت البسمة لا تفارق وجهها المستدير، وشفتيها الصغيرتان، وعينيها البنتين. وهمست:
"آه، هنمشي، بس عايزة أقولك حاجة."
همس زين باسمًا، يحسها:
"قولي يا بنتي، فيه إيه؟ قولي، أنتِ تؤمري يا قلبي؟"
فركت يديها بتوتر شديد، ليهمس هو:
"سجى يا قلبي، فيه إيه؟ قولي."
"مش عايزة تيجي انهارده؟"
هزت سجى رأسها نفياً، وهي ترجع خصلات شعرها البنية الممزوجة بالأسود:
"لأ، لأ، أنا عايزة أجي."
رفع حاجبه، هامساً بتعجب:
"امال إيه طيب؟ قولي."
رفع ذراعه يحاوط كتفها إليه، وقبل رأسها بحنان، لتهمس هي تلقائية، كأنها تخشى أن يعود توترها، وينعقد لسانها:
"بص، أنا عايزة آخد خديجة معانا."
بسمة ساحرة، زينة، سماه، وهو يقول:
"بس كدا؟ التوتر ده كله عشان تقوليلي كدا؟"
"أنا أصلاً كنت ناوي آخدها."
قاطعتهم خديجة قائلة:
"هتخدوني فين؟"
تعلقت أعينهما بها، وهمست سجى وهي تهز زين بخفة:
"سيبنا يا عم لوحدنا لحد ما نجهز، يلا."
رفع زين كفيه مستسلماً، وهو يغادر باسمًا:
"آخرتها بطرد، ماشي، ماشي."
ظبط الجاكت المسند على ذراعه، وخرج، غالقاً الباب خلفه.
لتتجه خديجة بحنان لسجى، ممسكة بكفها، وهمست:
"انتوا رايحين فين؟"
ابتسمت سجى وهي تنظر أمامها، قائلة:
"رايحين الشركة مع زين، وبعد كده هنخرج ندور على أهلك، يمكن نوصل لحد منهم."
هلل وجه خديجة بفرحة، وهي تصفق، لتضحك سجى بصدق. دلفت إسراء لتساعد سجى على تبديل ملابسها، وتجهزوا، وهبطوا تناولوا فطورهم، واستقروا السيارة التي انطلقت بهم.
صوت زين العالي على موظفيه كان صدى ليسمع بشركته بأكملها، وهو هائجاً بهم. حتى اقتربت سجى منه، فهدأ هدوءاً تام، وطلب من الجميع المغادرة. أخذته سجى ليجلس بجانب خديجة الجالسة بهدوء، وهي تنظر له، فهي من أول ما رأته، لم ترآه بتلك الحالة الهائجة أبداً. فهو منذ أن دخل لشركته، وتبدد كلياً، اختفت ابتسامته، كأنه لا يدري كيف يبتسم، والجدية والغضب والحدة ارتسمت على محياه، كأنه لأول مرة يراه، وأول ما خرج موظفيه، وأصبحا بمفردهما، حتى تبدد حاله، وتغير وجهه الغاضب العبوس، ليصبح وجهاً ضاحكاً باسمًا. نظرت له بتعجب شديد، أيتحول أبداً، شيء أم ملبوساً هو؟ جحافل من الأسئلة اخترقت ذهنها، لتنهض واقفة على الأريكة، مقتربة منه، وتضع كفها على جبينه. ليصمت، ويكف عن الحديث هو وسجى، ونظروا له مزهولين متعجبين.
علا صوت خديجة ببعضاً من آيات القرآن بصوتاً شجي، عذباً، رقيقاً، هادئاً.
وحينما انتهت، شكرها زين مبتسماً، وقال بصدق:
"تصدقي، حسيت براحة فعلاً وسكينة. ولا مرة حسيتها."
وضعت خديجة يدها أسفل ذقنها، مفكرة، وعيناها تجوب المكتب، لتهامس وعيناها زائغة:
"أنت لازم تتلبس. مفيش قرآن خلص. عليك عفريت يروح ويجي."
انفجرت سجى ضاحكة، رغماً عنها. ليحلق هو مزهولاً، لا يستوعب ما تفوهت به:
"ملبوس؟"
ردد بصدمة، وهو يشير لنفسه:
"ملبوس؟ أنا ملبوس وبعفريت يروح ويجي."
أومأت خديجة ضاحكة. ليقف هو محدقاً بها بأعين غاضبة، تكاد تفتك بها:
"بقا أنا يابت بتقوليلي ملبوس؟"
لم تخف كما توقع، وإنما صاحت متخصرة:
"مش بخاف على فكرة يا عم ملبوس."
انفجر زين ضحكاً لحركتها وقولها، وهمس بصدق، وهو يجلس:
"والله يا خديجة، يبدو إنني هغير رأيي ومش هرجعك لأهلك."
لفت خديجة لتجلس على قدمي سجى، وهي تضم رأسها، وقالت:
"لأ، همشي، وهاخد سجى معايا."
وأخرجت لها لسانها، معيطة إياه.
ليرفع هو حاجبه:
"يا شيخة."
أومأت خديجة برأسها، وهمست بجدية:
"ماما بتقول عشان ربنا يبارك لنا، لازم نطلع صدقة."
"ضيق حاجبيه بعدم فهم، لتكمل هي: ماما بتقول إننا لازم نسعد غيرنا، ونطلع صدقة عشان ربنا يبارك لنا في الشغل وفي الفلوس، وأنت لازم تعمل كدا عشان شغلك."
ارتسم الزهول على وجهه مجدداً، بعدم فهم، وبمقلتيه تعجب شديد.
"ماما بتقول إن الصدقة ليها أجر وثواب، وتذهب الخطايا، ووقاية من النار."
"تنبه زين لها، صاغياً، لا يصدق ما يستمع إليه. أتلك طفلة حقاً أم ماذا؟"
ابتسمت له خديجة وهي تتنهد، وهمست:
"قال الرسول ﷺ: 'فاتقوا النار ولو بشق تمرة.' وقال أيضاً: 'إن الصدقة تطفئ الخطيئة كما تطفئ الماء النار.'"
كانت سجى تسترق السمع، وهي تضمها لصدره، حتى همست:
"أنا مكنتش أعرف عن الصدقة."
ابتسمت لها خديجة بحنان، وخللت أصابعها بخصلاتها، وقالت:
"أنتِ لما نروح، نتكلم عشان تتحجبي."
قالت سجى باسمة:
"أنتِ يابت! أنا هنهشك إنك طفلة؟!"
تنبه زين، وقال لـ خديجة:
"سيبك من البت الفاضية دي، وكملي."
ضربته سجى بخفة، لتكمل خديجة ناظرة له:
"عن عقبة بن عامر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: 'كل امرئ في ظل صدقته حتى يقضي بين الناس.' يعني الصدقة بتظلنا يوم القيامة. وقال الرسول بردوا إن سبعة يظلهم الله بظله في يوم لا ظل فيه إلا ظله، وذكر: 'رجل تصدق بصدقة، فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه.'"
وتابعت باسمة له، وهي تتنهد براحة، وأكملت:
"وكمان الصدقة شفاء للأمراض، عن الرسول ﷺ قال: 'داووا مرضاكم بالصدقة.' وإن المتصدق، ربنا بيبارك له في ماله، وقال: 'ما نقصت صدقة من مال.' وربنا بيضاعف الأجر، بمعنى أن الصدقة تظلنا يوم القيامة، ويتغفر خطايانا، وكفاية الفرحة اللي بنشوفها على الوشوش."
صمتت حينما تطلعت به زين مصدوماً للغاية، لتهامس برفق:
"بتبصلي كدا ليه؟"
تطلعت به من رأسها لأصابع قدميها، مزهولاً، ونطق دون استيعاب:
"أنتِ طفلة، متأكدة؟"
هزت خديجة رأسها. ليضع هو كفه على رأسها، ونهض جالساً خلف مكتبه، ليفعل ما استمعه من تلك الصغيرة، ويطبقه، فيبدو أنه سيتعلم الكثير لدينه منها.
ظلت تتحدث هي مع سجى عن الحجاب، لعلها تقتنع بارتدائه.
ريثما انتهى زين من عمله، واجتماعاته، وأخذهم للملاهي، ليقضوا وقتاً جميلاً سيظل أثره بقلب خديجة، لن يزول. إذ أن زين كلف رجاله بالبحث عن عائلته، بعدما قالت له اسم والدها وعمتها، لكنه لم يتوقع أن تكون هي ذاتها لمار. عادوا للمنزل بعد يوم طويل استمتعوا به كثيراً، دلف زين سعيداً لسعادتهم، وخلفه سجى وخديجة.
"بن أخويا الغالي، كدا مبتسألش على عمك؟ كنت فين؟"
"مال للامام قليلاً، ناظراً لسجى، وهو يقول: ولا هسأل ليه؟ ما أكيد مع البرنسيسة."
تقدم زين منه، وهو يدس كفيه بجيب بنطاله، ووقف أمامه بتعالٍ، صائحاً:
"البرنسيسة ملكش دعوة بيها، واااه! هي برنسيسة فعلاً، أنت بقا مالك؟ عايز إيه؟"
بالخارج، تخشبت أقدام خديجة، ما إن تناهى لمسامعها ذات الصوت، لتترك يد سجى بخوف شديد، منهم جميعاً، وتحجرت دموع عينيها بمقلتيها، وتراجعت للخلف بخوف، سرى بمهجتها، وهشم فؤادها، وأضناه غصة مريرة، علقت بحلقه، كادت روحها أن تخرج، وانقاسها بالتوقف، وحبست دموعها، وهي تتراجع، وتركض مغادرة بعيداً، وتهز رأسها قائلة:
"هما هيدوني لعمو الوحش."
ظلت تركض بعيداً، وهربت دموعها على وجنتيها. سارت بالطرقات دون وجهة.
تنبهت سجى أن خديجة ليست بجانبها، فمدت كفيها تتحسس المكان، وهي تقول بقلق:
"ديجااا! أنتِ فين؟"
على بغته، شيء ما دفعها من كتفها، لم يكن سوى عمهما، ليتلقفها زين بذراعيه، وهو يسبه، لتمسك به سجى، تمنعه من الذهاب خلفه، وهي تقول بلوعة وصوت مختنق:
"ديجااا يا زين! ديجااا! مفيش. كانت هنا واكتفت؟!"
تنبه زين لكلماتها، هامساً باطمئنان:
"يا حبيبتي، أكيد دخلت ولا حاجة."
قاطعتهم إسراء قائلة:
"لأ يااا زين، ديجااا مفيش، ومدخلتش."
بكت سجى بقلق، ووجهها انطفأ بريقه، وهي تقول:
"خديجة يا زين، شوفها ورجعها."
أومأ زين برأسه، وأشار لاسراء:
"خدبها وادخلي، وأنا هدور هنا. هي أكيد بتلعب هنا، أو هنا."
أمر زين الخدم والحرس بالبحث عنها، دون جدوى أو أثر. فلم يروها، فقد غفلتهم، وهي تهرب من ذاك المكان الذي ظنت أنه نجدتها.
رواية دموع العاشقين الفصل السابع عشر 17 - بقلم ندى ممدوح
لقد كانت خديجة تسير في الطرقات دون وجهة، لا تدري أين هي ولا أين تذهب، فقط تسوقها قدماها إلى مكان مجهول لا تعلم عنه شيئاً. لم يرقأ لها دمع، مما أدى إلى عدم رؤيتها جيداً، فقد كانت الدموع تحجب عنها الرؤية إلا ضباباً. تتخبط بهذا وذاك، وتتعثر وتسير قدماً، زائغة العينين، تتلفت من حين لآخر وقلبها يدق خوفاً. تتمنى فقط أن تبصر أحداً ما، أي أحد تعرفه. تود لو تغمض عينيها وتصرخ حتى تثلج تلك النار التي اجتاحت سويداء قلبها وتخللت شغافه. تود لو تنشق الأرض وتبتلعها من ذاك الخوف الذي يمزق فؤادها ويجعله فتاتاً. شيئاً ما يكتم نفسها وصدرها، لا تدري مكنونه. تائهه، ضائعة، خائفة، وجلة، تنتظر أن تأتي عاصفة أخرى وتحملها.
هبت نسمات الفجر العطرة مصحوبة بـ "الله أكبر الله أكبر".
رددت خديجة الأذان مع المؤذن الذي صدح صوته بالأرجاء بصوت يرج الأرض رجاً. تردده مصحوباً بدموع كالشلال.
ومضات مما مضى لاحت أمام عينيها، فبذاك الوقت كانت تصلي مع والدتها.
جلست على الأرض منهارة من البكاء، أما لسانها فأخذ يردد مع المؤذن. حتى نهضت بثقل، بقدمين يكاد يحملانها. سارت تتبع الأذان، لعل الله ينجدها. هي ليست خائفة من أي شيء، فمعها الله الواحد الأحد يؤنسها وينير قلبها. ولكنها تخشى أن لم تر الأحباب مرة أخرى. لا تفكر ما قد يحصل معها، فكل ذلك لا يهم. ما يهم هو أن الله معها، طريقاً وضعها الله به وستحمله صابرة، مستعينة، متيقنة به أنه خيراً لا محالة. ما ستراه بطريقها اختباراً وستخرج منه ناجحة، صابرة، حامدة، شاكرة.
قادتها قدماها ناحية المسجد، وقفت على حائطه مسندة رأسها بتعب شديد، وهي تتنفس بصعوبة وترتجف برداً.
أقترب منها شاب كان خارجاً من المسجد بعجلة وقال بقلق:
"مالك يا بتي؟ خير؟ بتبكي ليه؟"
فتحت جفنيها بتثاقل، كانت مقلتاها مكتظة بالدموع اللامعة. رفعت رأسها به وصمتت.
ليجلس الشاب ليكون بمستواها وقال باسماً:
"بتبكي ليه؟ أنتِ كويسة؟"
دققت النظر به، رأته شاباً ذا لحية نامية، طويل القامة، عريض المنكبين، ذا عينين حادتين وملامح خشنة رجولية، ولكن عينيه بهما حنان. رأتهم قبلاً بوالدتها ولمار ووالدها والجميع. هزت رأسها وهمست بدموع تهوي بغزارة:
"أنا عايزة ماما، أنا خايفة!"
تألم لنبرتها الموجعة تلك ونظر لها متسائلاً:
"طب هي فين؟ أنتِ تايهة؟"
هزت رأسها إيجاباً. فصمت ملياً، بدا لها بتفكير وشرود عينيه بالفراغ أمامه. وطال صمته، قطعه بعد وقت وهو يعود النظر لها:
"أنا مش عارف أعمل إيه؟ أوديكِ القسم؟ طيب ممكن أهلك يكونوا مبلغين باختفاءك أو عندهم معلومة."
نظرة أمل مفعمة بالبهجة وهي تنظر له مستنجدة. نظرة جعلته يقسم ألا يتركها إلا بتسليمها لوالديها. همس بحنان وهو ينهض وصوته الرجولي محتفظ بنبرته الحادة:
"يلا! تعالي معايا، هنروح القسم سوا."
تخشبت قدماها بخوف شديد ليردف مطمئناً إياها:
"مش عايزك تخافي، تعالي."
همت خديجة بالسير معه قدماً، ولكن دارت بها الدنيا، كمن أصبحت فجأة داخل لعبة تدور تدور بلا هوادة. وتوقفت لتمسك رأسها وهي تغمض جفنيها عدة مرات، حتى اسودت الدنيا أمامها ولم تشعر بشيء سوى ارتطام جسدها بالأرض. ليهرع إليها الشاب ليحملها وقاد بها لمركز الشرطة. ولكن قبل أن يصل، جاءه اتصال جعله يتخشب وهو يحجب دموعه بجهد عظيم للغاية. وجحافل من الأسئلة والقلق اخترقت ذهنه وفؤاده. وتطلع بخديجة الراقدة تماماً لا تعي شيئاً. ماذا لو أوصلها القسم وتركها ولم تتوصل لأهلها؟ أين سيذهبون بها؟ إلى ملجأ أكيد.
نظرتها الخائفة، الوجلة، المتوسلة، المستنجدة به، لا تفارق عينيه. صورتها المرتجفة احتلت قلبه. لينظر لها عازماً أمره بالمغادرة. ليقف بعد وقت ملتفتاً للخلف، ناثراً بعض الماء من زجاجته بوجهها وهو يحاول إفاقتها. لياتيها شيئاً لتأكله، لترفض ديجا رفضاً تاماً وعاقدة ذراعيها دون كلمة، دامعة العينين، تردد ذكر الله بفؤادها، شاردة تنظر للفراغ أمامها. واقتربت، ساندة رأسها على النافذة، وراحت عينيها تتأمل النجوم اللامعة الساهرة معها. لم تسأل إلى أين يأخذها، فقط سلمت أمرها لله، لن يخيبها أكيداً.
"اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك."
ولج رحيم شبه راكضاً متجهاً لغرفة والده. يكاد يبكي ويصرخ، ولكنه يجاهد أن يبقى ثابتاً كالصخر، لا يظهر ضعفه لأحد أياً كان. لمحته وعد وهو يتجه للدرج فور دخوله، لترمقه بنظرة متألمة لحاله. ربتت على كتف غادة التي تضمها بحنان، لتبعد عنها، خارجة من وسط النساء المزدحمة بمندرة البيت. لتصعد خلفه. كان الباب مفتوحاً. أوشكت بالدخول، ولكن مهلاً، ها هي ترى ذاك الجبل قد انهد وتفتت، يبكي؟ أجل، هو مجهشاً بالبكاء بنشيج ونحيب وهو محتضناً والده كأنه لا يصدق أنه غادر من تلك الحياة وتركه وحيداً بها. شعر بظهره قد انحنى وشلت قدماه. أدمعت وعد لمرآه هكذا.
رفع رحيم رأسه من حضن والده وأزاح الغطاء من فوق وجهه وقبل رأسه. ومضات معه ظهرت أمام عينيه، ليرتج جسده وهو مهتاج، صارخاً بصوتاً مكتوم. تقسم وعد أن تلك الصرخة شطرت قلبه وقلبها.
ضم رأس والده وتكلم بصوتاً ثقيل، مخنوق، صوتاً مفعم بالوجع:
"ياااا اباااا! هتسبيني كيف لوحدي يا حبيبي؟ الحمل تقيل قوي اللي كان مصبرني ومشجعني ع الحمل التجيل دا وحدك يا بوووي. ااااه يا حبيبي مكنتش عارف إنك هتفرجني بسرعة كِده."
انكب باكياً مرة أخرى بصوتاً يمزق نياط القلب ويقطع وتينه.
هوت دموع وعد بغزارة، وكسف قلبها واجتاح بالهموم. أما روحها فخرجت تفارقها لمحبوبها، تضمه لعلها تهون عليه. ويحها! أهناك أحداً يستطع إثلج قلب موقد بالنيران؟ أهناك شيء يبرده؟ لا وألف لا. فصرخ القلب ليس له صوتاً يسمع. أسهم مشتعلة بالنيران تحرق دقات القلب. دموعاً من الدماء تهوي من سويداء الفؤاد، ليس لها دواء! الفقد، الفراق، فهو صعب على قلوب المحبين، يجعل الحياة كاسفة، ضيقة، مهما كان اتساعها.
لم تستطع وعد الوقوف، فسارت كالمسحورة نحوه، ومدت كفها المرتجفة من بكائه لكتفه. فنظر لها نظرة لم ترها من قبل. نظرة قضت على فؤادها المحترق لأجله. لتجهش بالبكاء هامسة بصوتاً مرتعش:
"إن لله وإنا إليه راجعون. ربنا خد أمانته خلاص."
أخفض الطرف وكفكف دموعه سريعاً، ونظر لها بألم بأعين تفيض بالدمع وهمس بصوتاً به وجع الكون:
"الفراق صعب جووي. تخيلي حد تصحي عليه وقبل ما تنامي آخر حد تشوفيه، وفجأة كِده يغادر من الدنيا بحالها. عذاااب ملهوش أول ولا آخر. نار جايدة جوايا مش عارف كيف أطفيها ولا إزاي أخمدها. ومش عارف إزاي هصحي بعد كِده من غيره. دا كان سندي وضهري. مش أني، كنت باخد رأيه في كل حاجة قبل ما أضل الطريق وأتعوج. بيلحقني. هو دلوقتي مين هيلحقني من الضياع غيره؟ الحمد لله ياررب. راضي بس الوجع اللي جوايا دا جووي جووي."
لم تستطع وعد مقاومة تلك الرغبة بضمه، لتضم رأسه باكية هي الأخرى، تشعر بألمه. فقد أحبته بصدق، فكيف لها أن لا تشعر بمحبوبها؟ وضيق وطنها.
بعد وقتاً قليلاً، كان أهلك فيه رحيم من كثرة البكاء، بات واحداً آخر حزيناً، كاسفاً. الوقت لا يمر. ها هو يحمل نعش والده على كتفه. كان ثابتاً كالجبل الراسخ، شامخاً، لا يبدو عليه الوهن أو البكاء. سار بوالده محمولاً وقت الظهيرة، يجاوره عمه وأبناء عمه يحملون معه. نظرت غادة لهم وهي وسط الطريق، لا تصدق عينيها. تنظر للبيت تارة وللنعش تارة أخرى، حتى صرخت بعزم ما بها. تمسك بها وعد بقوة كي لا تفلت منها وتركض خلفهم. وقعت بين يديها. مدت يدها وهي تصرخ ببكاء يمزق الفؤاد:
"متسبنيش يا باااابااااااااا! متسبنيش! ااااه..."
كان الصراخ يضج المكان، حتى انتهى الدفن. وعاد رحيم واقفاً بأول الصوان يستقبل المعزين، بجواره عمه وغفيرة يوزع الشاي بحزناً طاغٍ. تختلس وعد من حين لآخر النظرات إليه خفية، تراه واقفاً ممسكاً عصاه بشموخ، لا يظهر عليه الوهن، كاتماً صراخه وبكاءه لقلبه، لكنه لم يغفل عنها تلك الدموع الحبيسة بمقلتيه.
صوت صرخ منادياً باسمها مرات عدة. على بغتة، ضمتها خديجة من قدميها باكية.
تخشبت وعد وجثمت موضعها، لا تتحرك بتاتاً. تحاول استيعاب ما يدور حولها. أهذه خديجة حقاً التي تضمها وتبكي؟ دق قلبها بعنف وحركت نظرها للأسفل. سرعان ما هبطت جاثية على قدميها تضم وجه خديجة الباكي وتهتف بقلق ولهفة:
"خديجة حبيبتي! أنتِ كويسة؟ حد عملك حاجة؟ أنتِ فيكِ حاجة؟ هااا؟ ردي عليا..."
زاد بكاء خديجة وهي ممسكة بملابس وعد وهتفت بوهن:
"أنا خايفة يا وعد."
مدت وعد ذراعيها تضمها بشدة لحضنها، تخفيها من كل شيء. تعتصرها بداخل فؤاده. لا تصدق أنها بخير، لكن كيف أتت؟ منذ متى وكيف علمت مكانها؟
صوت همهمات تناهى لمسامعها. فنظرت حولها، وجدت أعين جل النساء عليها. غادة والحجة صفية أيضاً، حتى رحيم الذي اقترب يطل من عينيه القلق، ونظرة لم تفهمها، لكنها تسللت شغاف قلبها بقلق ووجع.
حملت وعد خديجة وهي ما زالت تضمها وأخذتها ورحلت إلى حيث رقيه لتقص لها خديجة منذ اختطافها حتى وجدت رحيم الذي جاء به معه، على وعد العودة بها للبحث لأهلها فيما بعد.
كانت وعد تضمها بقوة وتقبلها بحنان وتطمئنها، وخديجة ساكنه بحضنها مطمئنة تماماً. أما رقيه فكانت تهتم بهما بعدما أشارت لـ عد هنالك وأخذتها من بيت رحيم وأسرعت بالاتصال بـ أحمد و وعد بـ ياسين.
"اللهم اهدني وسددني، اللهم إني أسألك الهدى والسداد."
كان البيت خاوياً، كئيباً، مغموماً، لا حياة ولا صوت به. حتى الهدوء يعمه. من يسكنون به كأنهم أموات، لا نفس لهم ولا صوت. كل شخص وحيد، لا ينطق، لا شيء ينجلي. لا الغم ولا الهم ولا الحزن يولي.
ضج فجأة حينما ولجوا عثمان يتبع ياسين مهللين بفرحة، مشرقي الوجه، منشرحي الصدر، وهم يصيحون:
"خديجة عند وعد."
صدمة حلت على الجميع بعدم تصديق. فتعلقت أعين الفتيات جميعهن بهن مندهشات، غير مصدقات، لعلها مزحة؟ لكن منذ متى هؤلاء يعرفون المزاح؟ ولكن كيف لخديجة أن تصبح فجأة بالصعيد بلا ولدي وعد؟
قطع ياسين الصمت والتعجب ذاك قائلاً بجدية:
"وعد كلمتني وقالت إن خديجة دلوقتي عندها ورايح أجيبها حالاً."
قال أخر جملته وتعلقت عينيه بأعين ورد الدامعة، الزابلة، الوهنة، المدعجة بكثرة بسواد شديد، هزيعة. ليهمس لها بصدق، يأكد لها لتطمئن:
"خديجة راجعة، هجيبالك خلاص بكرا وتكون في حضنك وسطنا كلنا."
لا تنبس بحرفاً، ولكن هوت دموعها أكثر. لطف الجو عثمان حينما دفعه بكتفه صائحاً به:
"هنرجعها سوا، مش هترجعها."
رفع ياسين حاجبه له. لتقطع حديثهم ورد قائلة بيأس ونظرة يفعمها الأسى:
"انتوا بتضحكوا عليا؟ من يومين قلتوا إنكم هترجعوها ومجتش. كفاية بقا."
"# لا لا هي راجعة فعلاً."
قالها أحمد بهدوء وهو يدلف من الخارج ببسمة متلألئة على ثغره.
نظرة له ورد بأمل، بوجهاً لا يوحي سوى بالألم. ليكمل هو بصدق:
"رقية يلا قافلة معايا وديجااا عندها. اللي عرفته إن واحد اسمه رحيم لقاهاااااا. بس كدا وهي دلوقتي مع وعد فعلاً."
وقفا الفتيات فرحين، لتنظر ورد لهم غير مصدقة ما سمعته، ودموع الفرحة تهوي من مقلتيها. وهتفت لأسماء التي اقتربت منها:
"اسمعتي قال إيه؟ ببنتي راجعة، بنتي راجعة."
ضمتها أسماء باكية وهي تؤكد لها:
"آه راجعة خلاص."
اقتربت عائشة برفقة مكة وسمر يضمونهم بفرحة. بينما اقتربت حبيبة وهالة وريم يضمون ورد بفرحة. ولكنها ما زالت لا تصدق ما تفوهون به.
اقتربت ريم من أحمد هامسة بدموع وهي تقف أمامه:
"بجد يا أحمد ديجااا راجعة."
"# بجد يا قلب أحمد."
قالها وهو يجذبها لصدره مهدئاً. ليصيح ياسين وهو يقترب من ورد ممسكاً بكفيها بين راحتيه:
"هغير بس وهروح أجيبها لك. فـ اطمني، ساعات بس وهتكون عندك."
نظرة له ورد بأعين لامعة بدموع الفرحة، مفعمة بالأمل. ليقول عثمان وهو يجذب الفتيات جانباً:
"مش عاوزين دموع تاني بقا. كفاية كدا البيت هيشتكي منكم والله. هنروح نجيبها وقبل ما نوصل هنرن نقولك."
ضحكة ورد ضحكة مشرقة، رقيقة، غامرة ببهجتها.
دقائق وبالفعل تحرك الشباب للصعيد.
_ بالصعيد تركت وعد خديجة لدى رقية وذهبت لبيت رحيم. لن تتركهم بمحنتهم تلك. كانت طول الوقت تواسي غادة التي تضمها وتبكي فقط.
بمنزل رقيه، جلست خديجة جانباً خجلة، متوترة. ما يطمئنها وعد التي وعدتها بالعودة قريباً ومجيء ياسين وعثمان بالطريق ليأخذوها. رباه، كم اشتاقت لهم جميعاً. يشرق وجهها، وتلمع عينيها كنجمة ساطعة، وتبتسم بسمة ساحرة كلما تخيلت وتذكرت أحداً منهم. فقط اشتاقت لهما جميعاً، لوالدتها ووالدها ولمار والفتيات، للجميع.
اقترب منها ماجد متسائلاً رغم عنه بكره بأمر من رقية:
"همي نلعب بره؟"
هزت خديجة رأسها رفضاً:
"لا مش عاوزة ألعب!"
شوح لها بكفه وهو يغمغم:
"أحسن بردك."
ولكنه توقف وعاد أدراجه قائلاً بكره:
"وعد ما بتحبكش على فكرة، هتحبني أنا بس."
احتجت خديجة ثائرة وهي تصيح:
"لا وعد بتحبني أنا بس، أما أنت لا. هي بتخرج معايا وبتدربني، أما أنت لا." (وأخرجت له لسانها)
صرخت بتاوه حينما جذب يدها ضاغطاً عليها وقال بسخط:
"اسمعتي جولت إيه؟ هتحبني إني وهتجوزها."
وترك معصمها وغادر خارجاً يلهو مع رفقائه.
مر وقت حينما دلف يتجرع الماء ليتناهى لمسامعه صوت ساحر عذب يرتل القرآن بشجي. ليقترب متسللاً من الغرفة، يسترق النظر لها بإعجاب.
ينصرف الناس تباعاً من منزل رحيم. حاولت وعد جعلهم يأكلوا شيئاً، ولكنهم أبو بشدة. فيأست بحزن وغم.
توجهت الحجة صفية لغرفة زوجها رفيق دربها. كانت خاوية بلا حياة، كأنها أصبحت قبراً مظلماً، لا بها حياة أو نور. كانت تبكي بحرقة وهي مستندة بظهرها على الباب. عيناها تجوب كل ركن بالغرفة بحنين لأيام مضت لن تعود. يبقى أثرها، ثغرة باقية بالقلب لا يزول ويستحيل أن يزول. فتلك الثغرة هي مصدر بهجتها ووجعها. من الآن بكت اشتياقاً لروحاً غابت لن تراها مجدداً. احتضنها القبر وهو ينزع قلبها وروحها معه.
أما غادة فدثرتها وعد بفراشها وهي حزينة لحالتها وصدمتها التي لم تخرج منها بعد.
نزلت منتظرة رحيم قد يأتي، لكن تمر الساعات دون أن تبصره حتى.
دلف أخيراً، زائغ العينين، تائهاً، ضائعاً، منكسراً. أقتربت منه بعجل مسرعة وهمست:
"رحيم أنت كويس؟"
نظر لها بصمت تام لدقائق وقال بجفا:
"ملكيش صالح كويس ولا لأ."
تخشبت وعد مكانها بصدمة، بينما أكمل هو طريقه. ارتقى أول درجة، ولكنه وقف مكانه ملتفتاً لها واستدار عائداً نحوها وقال بتساؤل:
"صاحية ليه لدلوقتي؟"
نظرت له وعد وقالت بحدة:
"عشان حد ميستاهلش." (غيرت نبرتها بعد صمت طال لثوانٍ) "أحطلك تأكل."
تنهد بضيق وهز رأسه رافضاً:
"لاه مليش نفس لأي حاجة." واستطرد قائلاً: "اطلعي نامي."
صمتت وعد متسائلة:
"هو انت مش عايز تسأل عن أي حاجة؟"
"# أبويا قالك إيه؟"
سألها باهتمام جلي.
ارتبكت وعد والبسمة لا تفارقها، لتواري بها ارتباكها وهمست:
"مقالليش حاجة." وتابعت هاربة: "أنت هتنام."
زفر بضيق وقال:
"لا النوم طار خلاص، كيف أنام وقلبي قايد نار؟"
نهى جملته وخرج من الدار بأكمله. لتتبعه وعد حتى وقف بعيداً شارداً، ناظراً بالفراغ أمامه. قالت وعد تنتشله من شروده وحزنه قليلاً:
"لازم تقوى عشان أختك وأمك. والدك دلوقتي في مكان أحسن من هنا وفي بيته الحقيقي والأبدي."
ألمع الدمع بعينه وذكريات ما مضى لاحت أمام عينيه، حتى تنهد بصوتاً عالٍ قائلاً:
"ممكن تسبيني شوية لحالي؟ همليني دلوج، حابب أفضل لوحدي."
ابتسمت وعد وهتفت وهي تغادر:
"هسيبك ومش هسيبك."
وقفت حينما اتاها صوته سائلاً:
"# كيف يعني؟"
التفتت له باسمه وقالت:
"افهمها زي ما تحب."
رمقته بنظرة لم يفهمها وغادرت. ليهمس هو لنفسه:
"هسيبك ومش هسيبك. وااااه! تقصد إيه دي؟ ياك تكون اتخبلت في نفوخها ولا أنا اللي اللي عجلي طار."
صعدت وعد للغرفة تتابعه بعينيها من خلف النافذة.
"اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت، ومن شر ما لم أعمل."
هلت الشمس تتلألأ بالسماء تنشر أشعتها الفضية بالصباح الباكر. وقفت خديجة على أسكفة الدار تنظر للمرء من حولها وهم يسيرون نحو الأراضي الزراعية يجرون المواشي خلفهم. لهو الأطفال حولها ومشاكسة ماجد التي لا تمل. هبت نسمات عطرة لتملأ صدرها منها كي تنتعش مرحبة بها باستمتاع. حتى رأت سيارة تقف قريباً ويترجل عثمان وتبتعد السيارة. حدقت خديجة بأعين ذات بريق ساطع وهي تهلل ببهجة استحوذت سويداء فؤادها ونادت صارخة باسمه وهي تقفز بفرحة وركضت نحوه.
ارتسمت على ثغره بسمة متسعة مشرقة وهو يجثي فارداً ذراعيه.
لترتمي هي بحضنه شوقاً وهي تشدد من احتضانها لعنقه.
ضمه بحنان، لا يصدق عينيه أنها أمامه وبخير. شدد من ضمها لقلبه الذي خفق مستكيناً، مرتاحاً من بعد أيام وليالي اعتراه فيهم الألم والحزن والخوف والعذاب. أغمض عينيه لدقائق معدودة حتى ابتعد، ضاماً وجهها براحتيه وقبل وجهها بحب، كالمعتذر لأنه لم ينقذها حينما استنجدت به.
"# لا بقا يا ديجاااا بتخونيني؟ ارسي على واحد فينا هتتجوزي مين."
لفظ بها ياسين بأعين مبهجة مشرقة، لتبعد ديجا عن عثمان رافعة ذراعيها لـ ياسين الذي تناولها ضاممها لصدره مطمئناً بها أنها بخير أمامه.
خرجت رقية وزوجها يستقبلهم مرحباً بهم للداخل.
فجلسوا الشباب وظلت ديجا على قدم ياسين الذي همس بأذنها:
"لو كنتِ قلتي إنك نفسك تيجي الصعيد، كنا جبناكي ليه التعب دا يعني. أنتِ كنتِ متوحشة الصعيد لدرجة دي؟"
ضحكت ديجا ببراءة وهمست:
"شكلي كدا."
تضاحك الشباب عليها وهمس عثمان:
"طب ياااختي اطلعي روحي باريس ولا لندن، أنما الصعيد؟"
صرخت ديجا متأففة:
"يوووه بقا اسكتوا."
جاءت وعد لتركض إليها خديجة ببهجة تغمرها كلياً. جلست مع الشباب إلى أن هموا بالمغادرة. تمسكت بهم رقية وزوجها، ولكنهم لم يستطيعوا ثنيهم عن الذهاب من أجل ورد التي تتقطع حنيناً لأبنتها.
وقفا بالخارج وهمس ياسين لـ وعد:
"هو مين اللي ساعد خديجة؟ حابب أشكرُه جداً."
همت وعد بالإجابة لتصيح خديجة بفرحة:
"عمووو رحيم..."
تعلق الأعين بخديجة التي ركضت تجاه رحيم المقبل نحوها ببسمة صادقة. صافحها بحنان وهو ينزل لمستواها وهمس:
"هما دول قرايبك؟"
همست خديجة ببراءة وهي تشير للشباب ووعد:
"آه دا ياسين ودا عثمان ودي وعد، يعني أخواتي أنا."
نظر رحيم لـ وعد التي غضت بصرها وهي تتحاشى بكل الطرق النظر له. بينما كانت نظرته مفعمة بالأسى والوجع والقهر، وجحافل من الأسئلة اخترقت ذهنه. توارت خلف بسمته المصطنعة وهو يعتدل بوقفته بثبات ووقار وهيبة، مصافحاً الشباب الذين شكروه.
ليتمسك بهم رحيم بقوة عن ذهابهم قبل أن يضيفهم شيئاً. فلم يستطع الشباب الرفض أو إثناء رحيم بتاتاً، فلبوا دعوته وذهبوا معه. وعزوه. أما خديجة فاتجهت لغفير رحيم الذي استقبلها برفقته. حينما دلف رحيم للداخل شبه راكضاً، متغيباً، حتى أبصرت وعد.
ذهب الشباب بعد ذلك مغادرين، رافقهم رحيم لسيارتهم مع وعد. ودع خديجة بحزن تخلل شغاف فؤاده لبراءتها وأخلاقها ورجاحة عقلها رغم صغر سنها.
مضوا الشباب بطريقهم. فنظرت وعد لرحيم وهمست باسمه وهي لا تدري بما ستقوله أو تبرر أو بما تبدأ، وهل سيغفر لها ذاك العاشق.
رفع رحيم كفه بوجهها وهو يستدير مغادراً هاتفاً بحنق:
"مش عايز حديث دلوقتي يا حضرت الظابطة. همي وراي، مينفعش تقفي كِده."
سارت وعد خلفه بصمت وحزن حتى دلفا للدار.
"اللهم أكثر مالي، وولدي، وبارك لي فيما أعطيتني."
ساعات مرت وها هي تتوق لرؤية طفلته بشوق شديد وحنين. تقف بالخارج ناظرة، تترقب الطريق بصمت تام، وعينين تشتاق وروحاً تهفو.
كأن الوقت واقفاً والساعات لا تمر، كأنها سنين وما شابه ذلك. لذا كانت عينيها لا ترى أحد بالوجود، لا المارة أو السيارات التي تذهب وتجيء. فقط تتجسد صورة طفلتها لوجهها الضاحك أمام عينيها بكل الوجوه.
هااا هو القدر يرفق بحال فؤادها المطعون وينقذه من موت محتم. أذ أن توقفت السيارة وترجلت خديجة راكضة تجاه والدتها. ووقفا ياسين وعثمان بجانب بعضهما، عاقدي الذراعين، مشرقي الوجه، باسمين بسعادة تغمر صدورهما، وهم مستندون على السيارة ينظرون لذاك الموقف الذي يقدر بكنوز الحياة جميعها.
ذراعيها تتلقفها بشوق كبير وهي تضمها لصدرها بقوة حتى سقطت على الأرض كمن أصيب بالعجز فجأة. تقبل كل إنش بوجهها. سعادة نفسها وروحها ووجدانها وقلبها تغمدتها ببهجة ليس لها مثيل. بهجة سرت بمهجتها وروعه لتفعل فيه عمل السحر أو أشد.
اقتربت لمار لتضم خديجة لحضنها، وخديجة أيضاً. وكذا فعل الفتيات. وحذوا حذوهم يوسف وفيكتور وحذيفة. أما عمرو كان يقف بعيداً بأعين تلمع بالدمع، لا يصدق أنه كاد يفقدها، ولا يصدق عينيه أنها أمامه.
جالت عيني خديجة بهم وهي تهمس:
"هو بابااا فين؟"
بحث الجميع بعينيه حتى أشارت مكة قائلة لمكان يبعدهم قليلاً:
"هناك أهو."
افتربت خديجة من والدها بصمت تام، ووقفت أمامه بصمت قبل أن تقول:
"هو انت زعلان مني؟"
هز عمرو رأسه وجثى على ركبتيها يضمها وحملها وهو يدلف به للداخل، فتعقبه الجميع.
"لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات، ورب الأرض، ورب العرش الكريم."
دلف أنس إلى شقته بعدما اطمئن على والدته ووالده وصعد لأعلى. بعد عمل شاق أصبح يقضي جل وقته به حتى لا يعود لذلك الألم وهو يشعر بتأنيب الضمير بالعجز والحزن مصحوباً بالوجع والجرح وألم الحنين لمن توغلت سويداء القلب فأصبحت وتينه، الذي إذا انقطع مات من فوره. احتلت فؤاده ليس جزءاً منه، بلا كله، حتى جدرانه أصبحت تنطق باسمها. يعلم أنه من الخطأ أن يفكر بها، ويا ليت له القدرة على قلبه ليمسكه بقبضته وينتزعها من أوصاله، لكن كيف؟ يعلم أنه ظلم زوجته. حاول بشتى الطرق أن يحبها، لكن أبى قلبه أن يعشق غير معشوقته. ليستدرك أن حبها لعنة لا يمكنه النجاة منها أبداً.
أستقبلته هي ببسمة مشرقة قائلة بنبرة رقيقة:
"حمد لله على السلامة. عامل إيه؟ قلقتني عليك والله كل دا حتى من غير ما تتصل!"
غصة مريرة استحكمت حلقه فخنقته بشدة وهو يشعر بالذنب، ذنب شديد لتلك الزوجة. أغمض عينيه متنهداً، وبسمة خفيفة صغيرة مصطنعة جاهد على رسمها وهو يقول باسماً:
"الله يسلمك. معلش شغل، أنتِ عارفة شغلي بقا."
قالها وهو يدلف للداخل وهي خلفه تهمس:
"عارفة. ربنا معاك يا رب."
ثوانٍ وهحضرلك الأكل.
هز رأسه قائلاً:
"لا روحي أنتِ، أنا هستريح الأول. جعان نوم."
واستلقى على السرير واضعاً ذراعه على عينيه هارباً منها.
أحست زينب بالوجع. لم يهتم بها، مجرد تأدية واجب. لعل هناك من تحتل قلبه غيرها. أجل، إنها فتاة وتشعر بذلك، لكن لن تستسلم. فقد أصبح زوجها رفيق دربها، قوتها وشجاعتها وأمانها. لن تتخلى عنه، ستفعل جل ما بوسعها لتحتل فؤاده الكبير المفعم بالحنان. لقد رزقها الله بزوجاً كانت تتمناه. حسناً، بعض من الوقت لن يضر، ستحاول جاهدة على إخراج عدوتها من فؤاده. ستصبح هي ملكة قلبه وحياته ومحورها.
تنهدت وهي تخرج متجهة للمطبخ، تعمل له جل ما يحبه ويشتهيه، بعدها اهتمت بحالها. لكن هل تستطيع زينب احتلال قلبه وإخراج سمر منه؟
"اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت."
تجمهر الجميع حول خديجة التي اشتاقوها بشدة. البهجة لا تسع أفئدتهم والضحكة لا تفارق وجوههم المشرقة.
خلقت خديجة روحاً من المرح والسعادة التي افتقدوها.
استرقت السمع للفتيات اللاتي يتحدثن عن عثمان بخفوت شديد، لتطرق بذهنها فكرة، فأسرعت بتنفيذها. أبعدت ذراع لمار التي يحاوطوها وتوجهت ناحية عثمان الذي يتحدث مع ياسين باهتمام، لتشد جاكته وهي تناديه هامسة:
"عثمان، عثمان."
تنبه لندائها ليميل قليلاً عليها وهو يقول:
"عيون عثمان. نعم."
رفعت ديجا ذراعيها محاوطة عنقه وهي تستدرك أن أعين مكة عليهما الآن، وهمست بجانب أذنه بصوتاً لا يسمعه إلا هو، ولكنها لم تدرك أن ياسين يسترق السمع إليهم:
"أنا عايزة آكل آيس كريم دلوقتي."
أبعد عثمان بوجهه وهو ما زال محاوطها بذراعيه وهمس متعجباً:
"آيس كريم ودلوقتي......"
قاطعه ياسين، قاطباً حاجبيه مزهولاً:
"من امتى وأنتِ بتأكلي آيس كريم."
صمتت ديجا ملياً بتفكير وهمست ببراءة ونبرة صادقة:
"من سوسو وعمو الملبوس."
نقلا الشباب النظر وهمسوا مدهوشين بصوتاً واحد:
"ملبوووس؟"
أومأت خديجة بإصرار:
"أيوه. ويلاااا خرجوني فسحوني لوحدنا وهاتولي آيس كريم." وتصنعت البكاء وهي تكرمش وجهها متصنعة الحزن: "ولا أرجع أتخطف تاني يعني؟!"
رفع عثمان حاجبه هامساً بدهشة:
"تتخطفي عشان آيس كريم."
ضحكة برقة قائلة وهي ترفع ذراعيها تدعيه ليحملها:
"أيوه هتخطف وأمشي. مش عاوزاكم. ويلااا."
حملها عثمان وهو مقبل وجنتها. هم بالرحيل بها وهو يقول:
"هخرج أنا وخديجة شوية."
أومأت ورد وعمرو باسمين. لتهمس خديجة ناظرة للفتيات:
"لوحدنا، لوحدنا."
رمقتها مكة بنظرة غيرة مفعمة بالغيظ، بينما نهض خلفهم ياسين:
"ثواني جي معاكم."
ضمت ديجا عنقه وهي تضع رأسها على كتفه. وأخرجت لسانها لـ مكة.
قهقهوا الفتيات، بينما هاجت مكة وهي تنهض محاولة إمساك خديجة. ليتمسك بها الفتيات قابضين على ذراعيها يعاودونها للجلوس. تابعت خديجة ضاحكة وهي تقبل عثمان عدت مرات وتغيظ مكة.
فضحك الفتيات حتى أدمعت أعينهما، واستشاطت مكة غيظاً وغيره.
خرجت خديجة مع الشباب. فذهبوا طالبين لها آيس كريم.
نظر ياسين لها بعدما سأله البائع ما الطعم الذي يريده:
"عايزة بطعم إيه؟"
همست خديجة وهي تتذكر سجى:
"عاوزة بطعم المانجا والشكولاتة."
تنحنح عثمان مبتسماً وهو يطلب لها بصمت تام. بينما تسمر ياسين موضعه. ولاحت بعينيه نظرة وجع مصحوبة بحنين لأيام فاتت لن تعود. سيبقى لها أثر مهما حيي. ذكريات جميلة قابعة بسويداء قلبه مع من ملكته منذ أن حملها بين ذراعيه وهي طفلة صغيرة. بكى قلبه اشتياقاً ودق قلبه وجعاً.
عادا للمنزل، بينما ياسين يسير جسداً بلا روح. كل ذكرى، كل همسة ولحظة تضيء أمام عينيه، كأنه يحياها من جديد.
"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين."
بغرفة الفتيات تجمعوا سوياً، جالسون على الفراش يتحدثن بعمل عائشة بإحدى الشركات، حتى دلفت خديجة وهي تأكل آيس كريم وقالت مغيظة إياهم:
"يا بنااات معايا آيس كريم."
تعلق الأعين بها، بينما نهضت مكة بسخط منها وقبضت على معصمها صائحة:
"بقا يا زفتة بتغيظيني وتبوسي في الموز اللي تحت دا؟ إيه يابت أنتِ؟ عايزة تشليني صح."
هزت خديجة رأسها ببراءة:
"لا أنا وعثمان هنتجوز."
ضغطت مكة على معصمها قائلة:
"تتجوزي مين يا بت أنتِ؟ اتجننتي؟ قال تتجوزيه قال. كنت كلتك بسناني."
نظرت خديجة ناحية الباب صائحة:
"يااا عثمان الحقني من أمنا الغولة."
تركت مكة يدها بخوف وهي تتلعثم وتنظر للباب ببطء:
"لا والله أنا معملت......"
لم تجد أحداً وظهرت خديجة تغيظها على الباب:
"يا أمنا الغولة هتجوزه أنا."
ركضت مكة خلفها، وسبقتها خديجة بالركض حتى ظهر أمامهم عثمان، لتتواري خديجة به هامسة:
"الحقني يا عثمان، عايزة تضربني."
حملها عثمان بخفة هامساً بتساؤل مصحوباً بسخرية:
"مين دي اللي تضرب مراتي وأنا عايش."
جزت مكة على أسنانها وهي تتخصر وتتوعد لـ خديجة التي هزت منكبيه قائلة وهي تشير على مكة:
"أهي البت دي."
قبل عثمان وجنتها هامساً:
"سيبك منها، البت دي."
همست خديجة:
"صح عشان هي أمنا الغولة."
استشاطت مكة غيظاً وضربت الأرض بقدمها عدة مرات واستدارت متجهة للغرفة. فقهقهوا عليها الفتيات.
"يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك."
"# استني يا ورد."
نطقت بها لمار قبل خروج ورد من غرفتها برجاء.
فأستدارت ورد لها قائلة ببسمة صافية:
"نعم."
تقدمت لمار ممسكة بكفيها وقالت بحنان أم:
"متزعليش من آخر كام يوم، كنت بقولك كدا من خوفي والله. متزعليش مني."
ابتسمت ورد براحة وهي تضم كفيها وتشير لها بعينيها:
"هو في بنت تقدر تزعل من مامتها؟ أنا عارفة إنك مكنتيش أنتِ بتتكلمي، دا كان خوفك على بنتك. خديجة مش بس بنتي دي بنتك كمان وأنا عارفة الإحساس ده. وعشان كدا أنا خلتها تنام معاكِ النهاردة."
ضمتها لمار بدموع تلمع بعينيها، وسعادة نفس وراحة قلب وسكينة روح بأمان وحب وحنان.
"# يا أدي النيلة! خاينة في بيتي وأوضة نومي. لا كده كتير، مينفعش."
قالها أدهم بمشاكسة وهو يدلف للداخل.
لتنظر له لمار وورد وخديجة وهي تقترب من لمار التي ضمتها بحنان.
ابتسمت ورد قائلة:
"طب هستأذن أنا بقا."
قال أدهم بمرح:
"بالسلامة يا أختي، خدي بنتك معاكِ، أكيد نسيتيها صح."
تعلق خديجة بـ عنق لمار أكثر لتهمس لمار وهي تنزلها:
"دقيقة يا حبيبتي. بقولك إيه يا عم انت."
نظر أدهم بحب:
"قلبه."
اقتربت لمار برقة، ليتغيب هو بعينيها هائماً بطفلته المدللة وزوجته. دفعته لمار للخلف بحدة وهي تغلق الباب وتدفع ورد للداخل:
"لمؤاخذة يا أدهومي، أنت اللي تطلع بره، هنام مع بناتي النهارده."
صاحت ديجا مصفقة، بينما انفجرت ورد ضاحكة بشدة.
وصاح أدهم بالخارج مغتاظاً وهو يتمتم وهبط منضماً للشباب الذين انفجروا في الضحك وقد تناهى لمسامعهم طرد لمار له.
أوى للفراش لتضمهم لمار بحنان وراحة وسكينة، تسأل الله أن يحفظهم لها ويحفظ تلك السعادة.
بينما ورد كانت تشعر بالأمان والراحة، وغفوا ثلاثتهم بإطمئنان، كأنهم لم يناموا من فترة. وحقاً لم يغمض لهم جفن منذ اختفاء خديجة.
"اللهم إني أسألك [اليقين] [والعفو] والعافية في الدنيا والآخرة."
ترقبت حينما هدأ الجميع للنوم، لتتسلل خارج غرفتها وهي تعدل حجابها على رأسها، متجهة لغرفة عثمان. فقط تريد التدريب. ماذا لو حصل معها شيء بالمستقبل أو تعرضت لشيء كهذا؟ ماذا لو اختطفت مرة أخرى؟ ستتدرب مهما كلفها الأمر.
أردفت ريقها بتوتر شديد وهي واقفة أمام باب غرفته، تغمض عينيها تحاول طمئنة ذاتها. فتحتهن وهي تأخذ نفساً بصوتاً عالٍ، كان الأكسجين سيزول بعد قليل.
مدت يدها لتطرق الباب، ولكن ارتجفت يدها بتردد.
ترددت كثيراً أن تطرق وتعزم ما نوت فعله، أو تعود أدراجها من حيث آتت.
عزمت أمرها وطرقت الباب بتنهيدة قلقها. عدت مرات.
لحظات وكان الباب يفتح بعنف، ويطل هو أمامها بشراراً يتطاير من عينيه لمن أيقظه ما أن غفت عينيه وعرفت للنوم سبيلاً.
غضت بصرها وأنعقد لسانها وتحير فكرها، ولم تدري ماذا تقول. لذا فركت أصابعها بارتباك وهي تتحاشى النظر بعينيه.
عقد ذراعيه رافعاً حاجبه بدهشة من وجودها أمامه. هم بالحديث، ولكنه أحس بالقلق. فيبدو أن هناك أمراً ما، أمراً مهماً للغاية لتأتيه لغرفته دون أن تنتظر صباحاً حينما يهبط للأسفل. تقدم بقلق واقفاً أمامها سائلاً بلهفة:
"مكة!! إيه في إيه؟ في حاجة ولا إيه؟ أنتِ كويسة؟"
لم تجب، لم ترفع عينيها حتى. فصاح بنفاذ صبر:
"رددددي بقولك! في إيه مااالك؟"
رفعت بصرها به هامسة بصوتاً مرتجف هادئ:
"كنت عايزة أطلب منك طلب."
قطب حاجبيه متسائلاً بدهشة وهو يرمقها بنظرة مفعمة بالحيرة:
"طلب إيه دا؟ قولي في إيه؟"
لم تتكلم، وعم الصمت واستحكمت تلك اللحظة. ضحك هو متذكراً شيئاً. فنظرت له بدهشة وتعجب من ضحكته التي ليس لها سبب.
هدأت نوبة ضحكته وهو يقول بمرح مصحوباً بالمشاكسة، ليسير حنقها:
"متقوليش جاية تنفذي اللي سمعتك بتقوليه لأسماء."
قهقه بصخب ما أن أنهى جملته وهو يغمز لها مستمتعاً بغيظها الذي ثاره.
اتسعت عينيها وتجلت بهما نظرة صدمة مفعمة بالدهش، وفغر فاهه مصدومة، لا تصدق ما لفظ به للتو. ماذا قال ذاك الوقح؟
استشاطت غيظاً وخجلاً بآن واحد وتوردت وجنتيها. فضربت الأرض بقدمها بطفولة وهي تتصنع البكاء لتوري حياءها وصاحت به بتذمر:
"تعرف إنك قليل الأدب وأنا غلطانة إن جاية أقولك تدربني عندك."
رمقته بنظرة ساخطة وهي تستدير لتغادر.
"# تدربي؟ تدربي إيه بس؟ أنتِ هتقدري تستحملي أصلاً! أنتوا كل همكم شكلك ومنظركم وبس."
استدارت له غاضبة وأشارت له بقوة وشجاعة:
"ومين قالك أصلاً إننا للمطبخ والميكب والفساتين والاهتمام بمنظرنا وطبخ وغسيل بس؟"
رمقها بسخرية يؤكد لها حديثه، لتشير هي له بتحدي:
"مكنتش عمتي دلوقتي أقوى من مائة راجل وعملت اسم بيخلي المجرمين يترعبوا كأنهم عيال صغيرة."
ابتسمت له بكبرياء وتحدي:
"وأنا هوريك إننا مش بس للي بتقول عليه، وهوريك إني هدرب وهبقى أحسن منكم كلكم، مش ليا بس عشان لما أشوف حد محتاج مساعدة أكون مستعدة أقدمها من غير خوف أو جبن."
لم يستطع اخفاء إعجابه بقوتها وكلامها ذاك. ولكن زالت تلك البسمة ليحتل الغضب والشرر مقلتيه وتبرز عروقه حينما قالت وهي توليه ظهرها مغادرة:
"غلطانة إن جيتلك تدربني. هشوف ياسين."
"اه والله أنا غلطانة وأستاهل. إيه اللي جابني للاخ المتكبر دا."
"ياترى بيعاملني كدا ليه؟ شمعنا خديجة يعني؟ إيه ده؟ أكون قتلتله قتيل."
كانت تتمتم بهذه الكلمات وهي مغادرة، إلى أن تخشبت مكانها بخوف حينما صرخ بغضب ولهجة صارمة:
"استنى هناااااا! رايحة فين؟ مخلصتش كلامي."
بلمح البصر كان يقف أمامها والغيرة تكاد تحرقه مكانه.
نظرة له بخوف شديد، ليجز على أسنانه قائلاً:
"الساعة ستة تكوني تحت في أوضة التدريب. فاهمة."
حملقت به بعدم تصديق وأعترتها الصدمة. ليردد سؤاله بحدة وصوتاً عالٍ قليلاً:
"فاااهمة."
همست وهي تتراجع للخلف بعشوائية هاربة من أمامه غضبه وجحيم عينيه، تهز رأسها:
"آه آه آه فهمت طبعاً فهمت."
أستدارت سرعان ما صرخت بتاوه وهي تتحسس جبينها من قوة الاصطدام بالجدار.
قال هو باسماً:
"أنتِ محتاجة إعادة تأهيل للمشي والكلام ولعينيكِ، لكلك على بعضك."
غمغمت قائلة وهي تدفعه بغيظ:
"حسبي الله ونعم الوكيل."
"# بتقولي إيه؟"
صرخ بها محذراً.
لتتلعثم هي قائلة:
"ولا حاجة."
واستطردت بأسى:
"هو مينفعش يبقى التدريب في الظهر يعني؟ أصحى ستة إزاي."
ببرود، ولاها ظهره مغادراً وهو يقول:
"الساعة ستة بالظبط تكوني قدامي، وإلا العقاب هيبقى أشد."
وألتفت رامياً نظرة مسلية، لتتمتم هي تلعن اللحظة التي قررت بها التدريب على يديه.
"اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة."
يجلس زين واضعاً رأسه بين كفيه، بهم شديد، مستنداً على مكتبه.
الحزن كسى وجهه. بذل جهد عظيم بالبحث عن خديجة بلا جدوى، كأن الأرض انشقت وبلعتها. يحمل نفسه مسؤولية اختفاءها، ولكنه مشكوراً لها، فبسببها توصل لأفعال عمه ويجب أن يضع له حداً.
جحافل من الأسئلة استقرت بذهنه. القلق ينهش بصدره والألم يمزق صميم الروح. يشتاق لخديجة ويخشى أن يكون قد حصل لها شيئاً. يتمنى فقط أن تكون بخير. ومن كلفهم بالبحث عنها يجودها لتقر عينيه ويهدأ قلبه وتجف دموع حبيبته التي لا ترقأ لها دمع منذ غياب تلك الطفلة التي امتلكتهم.
_ تبكي سجى بقلب أضنته الندوب وأضنتها الأيام، بروح فاقدة للحياة ولجل شيء. لا ترقأ لها دمع. تشتاق لتلك الصغيرة التي رسمت البهجة على وجهها وجعلتها سرت بمهجتها. تلك التي تخللت شغاف فؤادها التي لم تتمنر عليها وأحبتها دون أن تهينها أو تمسها بكلمة. سوى بسبب عينيها الكفيفة، كما يحدث دوماً. ويسموها العمياء، كلمة يطلقونها بها على سبيل المرح واللهو والمزاح، لا يدرون أنها تسبب ثغرة بسويداء القلب، ذو جرح غائر لا يزول، وندوب بصميم الروح تقطعها أرباً، كخنجر استقر بوسط فؤادها جاء بغتة دون إنذار أو استئذان. إنها كلمة لا يدرون أنها تميت فؤادها. لتظهر لهم أنها غير مهتمة وبداخلها آهات لا يعلم بها إلا الله. تنتظر فقط أن يجيء ليلها لتعتكف بغرفتها، تاركة العنان لدموعها. عالم خاص قد صنعته لنفسها لتهرب متى شاءت إليه، حيث رفيقة دربها تلك الوسادة التي تستقبل دموعها بقلب رحب. وتلك النجوم الساهرة تبصر حال قلبها.
أما خديجة فقد ضمتها بحنان واحتواء أشد. حقاً قد غفت تلك الليلة بأمان غريب، دون كوابيس أو شيء يزعجها، دون صراخ، دون وحدة أو شعور بفراغ فؤادها وروحها وأيامها بلا حياتها. حياتها الحالكة، تلك فجأة ظهر نور بعيداً، كأنه كوكب دري أو نجم ساطع بسماء خاوية إلا منه. يلمع بمفرده، كانت هي خديجة.
_ منشغل الذهن بمن رحلت دون وداع وتركته لوحدته بمفرده، وذاك الحنين القاتل.
يتمدد ياسين على الفراش واضعاً ذراعه على جبينه، يحاول النوم، لعله ينسى قليلاً وجع قلبه. يريد الصراخ أن يهدأ من أوجاع قلبه.
علا رنين هاتفه منتشلاً إياه من دوامته الخاصة الموجعة. ليزفر بضيق، معتدلاً بجلسته، ونظر بالهاتف ليجد رقم غير مسجل. تنهد مغمض العينين وهو يجيب:
"الووو السلام عليكم...."
لم يأتيه رد، فصمت ثوانٍ وقال وقلبه يخفق بشدة:
"الووو؟ من معايا؟"
وثب واقفاً بأعين متسعة و....
لدي سؤال ضروري رأيكم به "ما رأيكم بقرار أنس؟ هل أنتم معه او ضده؟" خاصةً وإني أعرف ناس بتحب من طرف واحد وتجوزت حد مش بتحبه وظلمته بمعني أنا مش ضد الفكرة، ولكن كان يدي نفسه فرصة مثلاً أننه يحاول ينسى عشان ميظلمش حد. فـ رأيكم إيه في أنس، هل هو غلط لما اتجوز وهو ما زال بيحب سمر وشايفين أنه هيكمل مع زينب ولا لا، وهل في نصيب بينه وبين سمر بجد؟ رأيكم يهمني جداً. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...
"اللهم إني أعوذ بك من فتنة النار وعذاب النار، وفتنة القبر، وعذاب القبر، وشر فتنة الغنى، وشر فتنة الفقر. اللهم إني أعوذ بك من شر فتنة المسيح الدجال. اللهم اغسل قلبي بماء الثلج والبرد، ونق قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب. اللهم إني أعوذ بك من الكسل والمأثم والمغرم."
رواية دموع العاشقين الفصل الثامن عشر 18 - بقلم ندى ممدوح
منشغل الذهن بمن رحلت دون وداع وتركته لوحدته بمفرده وذاك الحنين القاتل.
يتمدد ياسين على الفراش واضعاً ذراعه على جبينه يحاول النوم لعله ينسى قليلاً وجع قلبه، يريد الصراخ أن يهدأ من أوجاع قلبه.
علا رنين هاتفه منتشلاً إياه من دوامته الخاصة الموجعة، ليزفر بضيق معتدلاً بجلسته ونظر بالهاتف ليجد رقم غير مسجل، تنهد مغمض العينين وهو يجيب:
"الووو السلام عليكم."
لم يأتيه رد، فصمت ثوانٍ وقال وقلبه يخفق بشدة:
"الووو من معايا."
وثب واقفاً بأعين متسعة وقلب يخفق بجنون، ها هو يحيا بعد موت دام لأعوام.
لم يصدق ما يستمع إليه، ما ذاك الإحساس الذي انتابه فجأة.
من هو؟ أين هو؟ لماذا هو؟ أين ذهب؟ أين مكانه؟ أتغيب أم ماذا؟ ولكنه حقاً ليس على الأرض الآن، لعله يحلق.
رباااااه أبكل هذا الجمال اسمه، وأن صوتها كنغمة ساحرة تسحر المرء لعالم آخر، كأعزوفة تراقصت على أوتار قلبه لتتخلخل لشغاف فؤاده ووتينة قلبه.
رباااه ما ذاك الصوت الناعم الرقيق الذي نطق حروف اسمه بكل ذاك الإحساس والرقة.
غرق قلبه بذاك اللحن الأثر، نغمة رقيقة عذبة أتته تملأ قلبه بالبشر والسرور والحياة والعودة لها.
"ياسين" لم يستمع لشيء آخر سوى لحنها الساحر.
رفرف قلبه دنيا الأحلام، وعلت دقاته، حقاً أنه ذاهد في هذه الحياة بسبيل صوتها وتلك الراحة التي غاص بها.
عم الصمت إلا من صوت أنفاسهما العالية، ها هو يفوق لذاته على صوت شهقاتها ليحملق بقلق وهو يقول بلهفة مطلقة:
"سجى أنتِ كويسة في حاجة؟"
ثم بنبرة قلقة مفعمة بالألم، كان دموعها شرارة من نار كالحمر تتقاذف على فؤاده دون هوادة فتصهره صهراً:
"بتبكِ ليه؟ مالك فيكِ أيه؟"
صمت بألم يعصف بفؤاده، أراد ماذا أراد؟
أن تكون أمامه ليضمها لصدره يطمئنها، يحتويها بين ذراعيه، يزيح دموعها ويجعل البهجة فقط داخل تلك العينين.
قاطعة ذاك الصمت وهي تهمس بصوت مختنق ثقيل بالبكاء، مفعم بالحنين والشوق الصادق من سويداء فؤادها:
"وحشتني."
يا الله ماذا قالت؟ أتريده أن يموت الآن؟ ما ذاك الشعور؟ شعور غريب من نوعه، ماذا يكون يا ترى؟
لماذا قلبه يخبره أنه وجد مسكنه وراحته؟ يخبره أنها ليست غريبة وأنها أحدًا يعرفه جيدًا، شخصًا لطالما تمنى وجوده بجانبه أبد الدهر.
تلجلج صدره كحال لسانه وهم فاتحًا فاهه للحديث، لتقاطعه هي قائلة بنبرة ذات شجن من صميم الروح:
"أنت وحشتني بجد، عارفه أنك ممكن تفهمني غلط بس والله مش عارفه قولت كدا إزاي، أنا بس محتاجالك حاسة إني وحيدة ومليش حد، حاسة إني تايهة ومش لاقيه مأوى، حاسة بالدنيا بتضييييق أوي ومش لاقيه مخرج ومستنياك تأخدني."
صمتت مليًا وعلى نحيبها وتابعت بلهجة باكية وصوت يقطر الألم من قلب مجروح يئن:
"حاولت أنساك من بعد ما قابلتك معرفتش، حاجة غريبة صح؟"
"آه غريبة، أنا شفتك مرة مرتين بس أنت بقيت حاجة كبيرة أوي."
"أنا بس محتاجالك خايفة ومحتاجالك، طمني بس لأني مش قادرة أفضل كدا، أنا عايزة أنام."
أنصت إليها بصمت تام وضج قلبه ضجيج غريب، تألم، تمنى لو كان بجانبها، همس بحب ليهدأ:
"طب اهدي، أنا جنبك أهو ومعاكِ متخافيش، طول ما أنا فيا النفس محدش يقدر يضرك حتى بكلمة، نامي واطمني أنا حنبك ومهاكِ."
"متسبنيش عشان خاطري."
همست به ببكاء أشد وهي تضم الوسادة وتغلق عينيها.
فجلس هو على الفراش في ذات الوقت مستندًا بظهره للخلف وهو يقول:
"حاضر مش هسيبك وعد."
شهقت شهقة شقت قلبه وقلبها وهي تهمس:
"هتقفل دلوقتي وتسبني لوحدي صح؟"
أغروقت عيناه بدموع حنين غريب لا يدري لمن، وهمس بصدق:
"والله مش هقفل، نااامي مطمنه."
همست باكية وهي تغمض عينيها مجددًا:
"يا ريتني ما حبيتك، هو أنا ليه حبيتك كدا."
"ليه حاسة إني من غيرك مليش سند وظهر، حاسة إنك بابا وأني بنتك الصغيرة، حاسة إني عايزة أعاتبك عشان سبتني وعشان بعدوني عنك، حاسة مش عارفة أنا حاسة بإيه، هو حاجة بتوجعني في قلبي ونار مش عارفة إزاي بس مش عارفة حاجة."
صمتت قليلاً وذاد نحيبها وأكملت هامسة:
"أنا وحيدة ليه من غيرك؟ ليه سبتني سبت بنتك ليه؟"
همس تلقائيًا وهو يهز رأسه بحنون وتخيل ذاك اليوم الذي به نزعوا منه محبوبته ليتخيلها أمامه تهمس باكية:
"لماذا تركتني لهم؟ لقد كنت أردد اسمك مراراً وتكراراً لكنك تركتهم يأخذوني، أخذوا حبيبتك منك، لماذا تركتهم ينتزعوني منك؟"
"ما سبتكيش والله ما سبتك، غصب عني..."
قال جملته واختفى طيفها من أمامه، فوثب ناهضًا كقلبه الذي ارتج رجًا وهو يدور حول ذاته باحثًا عنها، حتى أتاه صوت سجى على الهاتف ترد ببكاء يهدأ رويدًا رويدًا بشهقات، ليعلم الآن أنه تخيل محبوبته، فاطمأنته الخاصة:
"بس أنت سبتني ومسألتش عني تاني وخلتهم يخدوني منك لبعيد وبعدوني عنك."
هز رأسه نافيًا وبجمود تحدث:
"سبتك امتى فين وهسيبك إزاي أصلًا؟ هو أنا أعرفك؟ أنا شفتك غير مرة أو مرتين، أنتِ بتستهبلي."
لم يأتيه صوت أو همس حتى، فخمن أنها غفت، فأغمض عينيه متنهدًا بألم واستلقى بدوره واضعًا الهاتف بجانبه، لعل صوت أنفاسه تثير الأمان بمهجتها، وهو يفكر مستغربًا لماذا حادثته ولما هو؟
مر ليله طويل مليء بالحزن والكآبة والسعادة والراحة لقربها.
بغرفة التدريب باشر عثمان تدريبه اليومي وهو مرتدي بنطال رياضي أسود وتيشرت باللون الأبيض، ها هي الساعة اقتربت من السادسة وهي لم تأتِ، فتبسم ضاحكًا وهو متيقنًا أنها لن تأتي، ولكن خابت كل ظنه وطارت عرض الحائط وقتما جاء صوتها هامسة برقة:
"صباح الخير، جيت على الوقت أهو."
نظر لها وهي تتقدم منه، فوقف ناهضًا بعدما كان يفعل تدريب الضغط، نفض كفيه وهو ينظر لها بتمعن:
"جيتييي تمام جدًا يلا نبدأ."
لوت فمها وهي تضع كفها الأيسر بجانبها وهمست بغيظ وهي تقلده:
"تمام جدًا يلا نبدأ."
"تطاير الشرار من عينيه، نظرة واحدة كانت كفيلة لتلوذ بالصمت."
وبعدها صاحت بغيظ:
"هو إيه اللي يلا نبدأ؟ مفيش صباح النور ولا تعالي نفطر الأول، على طول كدا تعالي نبدأ إيه دا بجد إيه."
لم يعطها اهتمام وتخطاها مشيرًا لها:
"وراياااا يلا."
لوت فمها بغيظ وهي تمثل خنقة بيديها، فنظر للخلف بنظرة محذرة، فتعتدل بوقفتها قائلة وهي تركض خلفه لتحلق به:
"استنى إيه وهو مش المفروض من باب الذوق تردي عليا ولا إيه؟"
وقفت حينما وقف هو واصطدمت بظهره العريض، لترتد للخلف وتلحق ذاتها قبل السقوط، همت أن تفتح فاهها للحديث، فأسرع هو واضعًا كفه على فمها صائحًا بتحذير ونبرة لا تحمل النقاش:
"بقولك إيه تقفلي بقك دا خالص، النفس مأسمعوش، أنتِ فاهمه؟"
لم يأتيه رد، ليصيح مشيرًا بغضب:
"فاهمه."
همهمات عالية صدرت منها وهي تشير بيدها ليده المطبقة على فمها، فنظر لكفه مبعدًا إياه وهو يوليها ظهره بارتباك هامسًا:
"فاااهمه؟"
لم يأتيه رد مرة أخرى، تأفف بنفاذ صبر باسط كفت يده قابضًا عليها يكبح غضبه واستدار لها زافرًا بضيق وهو يقول بلهجة غاضبة:
"مش بتتزفتي تردي ليه؟ وانتِ صوتك مش بيفصل ولما نكلمك ت..."
بلع باقي حروقه محدقًا بغيظ بها وهو يرى أنها تضع يدها على فمها.
دفع كفها من فمها صائحًا:
"أنا لو جرالي حاجة هيكون بسببك، في إيه؟"
تلجلجت قائلة بما يشبه الهمس:
"أنت قولتلي مسمعش نفسك."
استشاطت غضبًا وجاهد ألا يكسر رأسها، وأغمض عينيه متنفساً مرات متتالية وهو يبتعد عنها كم خطوة وعاد صائحًا:
"إنتِ غبية؟ ولا عايزة تجنني؟"
رفعت كفها مشيرة بإصبعين، فأبتسم رغماً عنه بمحبة وعاد قائلاً بجمود:
"أول تدريب الجري."
أشار بعينه على الحديقة:
"هتجري الحديقة دي كلها."
حدقت به بأعين متسعة بعدم تصديق، ليشير برأسه مؤكدًا بالإيجاب، ورفع أصابع كفها بوجهه قائلاً:
"خمس مراااات."
دارت حول نفسها وعيناها تجوب الحديقة وهمست بصدمة:
"خمس مرااات ليا أنا."
"قدامك ثواني يلا استعدي، هتتأخري هذود تلات مرات هااا."
نظرت له بصدمة وقالت:
"لا لا مش هقد..."
قطع كلماتها قوله:
"واحد اتنين تلاته بسرررعه."
وركض من جانبها لتحدق هي بذهول وتسرع خلفه كي تلحق به.
تركض قليلاً وتقف لاهثة أو تجلس قليلاً، فمر هو بجانبها مبطئًا حركته واشار لها بضحكة:
"أيه دا بقا فين الإصرار والعزيمة اللي كانوا امبارح؟ يلااا بسرعه شدي حيلك."
تأففت بضيق وهي تهمس له مزهولة:
"أنت لحقت تجري وتوصل كمان."
غمز لها بمكر وهو يقول:
"طبعاً هو أنا زيككككك."
قال جملته واختفى بعيدًا بلمح البصر، لتهمس هي بصدمة:
"زيي يقصد إيه ده؟ يلا يا مكة لازم تسرعي يلاااااا."
وركضت خلفه.
ظلت دقائق تركض حتى أحست بالوهن الشديد، فظلت تلهث ونظرت حولها فرأت مقعدًا فاقتربت ملقية بذاتها عليه تلتقط أنفاسها المتلاحقة، مر عثمان من أمامها ملقيًا عليها نظرة ساخرة مستهزئة، لتشير لها بكفها أن يأتي وهي تصيح:
"تعالى تعالى استنى عايزك في حاجة."
هز رأسه باستمتاع وركض نحوها وجلس بالمقعد المجاور، اتسعت عينيها به بتعجب وهي تحلق به.
مال بجذعه مستندًا بذراعيه على قدميه واشار لها متسائلاً:
"ايه في أي؟ بتبصيلي كدا ليه؟"
نهضت مقتربة منه تنظر إليه بتمعن عن كثب، فهمس وهو يتراجع للخلف برأسه بذهول:
"ايه في أي مالك هتأكليني؟"
وقفت مليًا بتفكير وتساءلت:
"هو أنت اتعبتش من الركض دا كله؟"
أشارت بيدها على الحديقة:
"انت لفيت دا كله وتلف كذا مرة ركض متعبتش نهائي، أنت أيه؟"
قالتها وهي تقترب بوجهها منه وهو يرجع رأسه بتلقائية.
ندت عنه ضحكة جذابة وهو يعتدل واقفاً ويدفعها للخلف بخفة:
"مجنونة وربي، يلا ورايااا عشان التمرين التاني."
اتسعت عينيها بعدم تصديق وهتفت وهي تتمسك بكتفه وتسرع لتقف أمامه:
"لا لا لا لا كدا حرام والله تمرين إيه تاني، أنا خلاص مش هقدر، ممكن أموت منك وتسجن بسببي."
أزاح يدها وهتف بمكر:
"وماله لما اتسجن، مش بعيد كمان يكفوني إني ريحتهم من ثرثرتك."
قالها وهو ينظر لها بمكر مستمتعًا بإغظتها.
لتضرب الأرض بقدميها صائحة:
"تتكافى على موتي ليه يعني."
تركها راحلاً ببرود وهو يشير لها أن تتبعه، لتسير خلفه وهي تهمس:
"حسبي الله ونعم الوكيل."
دلفت خلفه داخل غرفة مليئة بآلات التدريب، لتهمس بذاتها:
"ياااا ختي داشكله هيموتني بجد، فينك يا ياسين."
"يلا جاهزززه قربي هنا."
أشار بيده لإحدى الآلات، لتسير برعشة وهي تتمتم بخفوت ورعب.
دقائق وخرج قليلاً لتصيح وهي عالقة تتمسك بيديها بحديدة ما، تضرب الهواء بقدميها ولا تدري كيف تهبط، صاحت وهي تتمسك بعزم ما به:
"عثماااااان انت يا عم سبتني ورحت فييييين."
بنشقيق هتفت:
"يا رررربي حد يجي ينزلني هقع وتكسر، يخرب بيتكم أنا لسه صغيرة، منك لله يا عثمان أشوف فيك يوم وتتشعلق كدا زيي."
"مين اللي منه لله."
همس بها عثمان ببرود وهو يقف أمامها عاقد الذراعين، ينظر لها بمكر.
همست هي مستنجدة:
"عثمااان الحقني والله خايفة أقع، لو وقعت هتروح فيها أنت كمان وتسجن."
رفع حاجبه وهو يقول ببسمة باردة:
"لا مش بتدعي عليا يبقي خليكِ كدا." واتجه ناحية إحدى المعدات وأخذ يتمرن.
علا صوتها صارخة:
"يا عثماااان عشان خاطري نزلني متعملش فيا كده."
لم يعرها أي انتباه، فصمتت قليلاً وقالت بحزن:
"هو انت ليه بتعمل معايا كدا."
ترك ما كان بيده منتبهًا لها ونظر لها بتمعن:
"عادي بعمل إيه."
ونهض متجهًا لها ووقف عن كثب منها ووضع مقعدًا قريبًا من قدميها وهمس:
"انزلي أهوو على مهلك."
أعادته لمرحها صائحة به وهي تتصنع البكاء:
"لا لا وأنا أش ضمني متزقش الكرسي."
لف متجهًا أمامها واضعًا يديه بجذعه:
"مفيش ضمان، هو أنا عيل صغير، انزلي."
همست وهي تسند قدميها بهدوء وترقب:
"طب امسكه كويس لحد ما أنزل."
ابتسم بخفوت وهو يهمس:
"أنا عملت إيه في حياتي بس يا ربي توقعني في عيلة."
تناهى لمسامعها قوله فصاحت:
"أنا مش عيلة، قدرك كدا هنعمل إيه يعني."
بسط راحته لها قائلاً:
"هاتي إيدك وانزلي على مهلك."
أسندت قدميها براحة ومدت كفها لكفه بهدوء، همت بأن تدلي قدميها فتقهقر المقعد لتقع فوقه ويسقط هو على إحدى المعدات من شدة هجومها المفاجأ صائحًا بألم في ظهره، بينما صاحت هي وهي تسقط عليه وقالت:
"أنا قولت مش هيسكت غير على موتي."
صرخت بتاوه حينما دفعها وأوشكت على السقوط لولا يده التي لحقت ممسكة بمعصمها وجذبها إليه وهو يقول:
"بذمتك مين فينا هيموت التاني؟"
تاهت متأملة ملامحه الرجولية الجذابة وذقنه النامية ذاته وسامة، هامت به بقلب يخفق بعشقه وروحًا تهفو لحنانه وروحًا تشتاق أن تمكث بمسكنها وتستوطنه، وراحت عينيها ترتوي منه ظمأ قلبها وتستكين قليلاً مطمئنة بذاك الأمان الذي لن يدوم.
تحفر صورته بفؤادها لعلها تستحضرها ليلاً، أو ليس الليل بقريب طويل على قلوب العاشقين، لتهدأ من روعها وترتوي منه بمفردها لتطمئن وتستكين، انغمست وضاعت تائهة به.
تأمل تلك المجنونة التي سلبته من نفسه، يحبها بلا فقلبه لم يدري للحب سبيل، فقد تخللت شغاف ساكنه بسويداءه محتلته ليصبح عاشق وليس محب.
ولكنه أبى إظهار ذلك مخافة أن يدركه الموت قريبًا، فعمله ذاك يجعله يواجه الموت يوميًا، لا يريد أن يتركها وحيدة من بعدها، لا يريد، فهو رأى حال والده من بعد ما وافتهم والدته، يا الله ماذا عليه أن يفعل.
رسم الجمود وهو يدفعها للخلف بغضب وعنف وتركها راحلاً وقلبه يرتج رجًا من عذابه في بعدها وعذابه بقربها.
أدمعت عينيها بلوعة وتملك الشجن قلبها من معاملته، لا تدري من هو، لحظة هو أحن منه لا يوجد، وبلحظة أقسى منه محالة أن تجد.
دلفت عائشة بغرفة الفتيات ملقية التحية ووقفت أمامهم تدور حول ذاتها هامسة:
"قولولي بقا حلو كدا ولا إيه؟"
ابتسمت أسماء وهي تنهض مقتربة منها ووقفت أمامها مشيرة بحب:
"قمر يا عيوشه طبعًا وواثقة إنهم هيقبلوكِ لأنك مجتهدة وشاطرة."
على عجل قبلتها عائشة من وجنتها سريعًا.
وأشارت لها:
"يعني قمر؟"
همست أسماء باسمه:
"قمرر والله."
قطع حديثهم ولوج مكة صافقة الباب بقوة ودون كلمة جلست على الفراش بصمت.
اقتربت منها خديجة ورفعت يديها تزيح دموعها وهمست:
"مكة أنتِ بتبكي ليه؟"
أجابت مكة بغيظ:
"مش ببكي."
بأعين بريئة مفعمة بالحزن وتفيض بالدمع همست خديجة بصدق:
"أنتِ زعلانه مني؟ أنا مش كان قصدي أزعلك أنا بحبك."
ضمتها خديجة بحنان لتبادلها مكة الحضن بحب شديد.
فتساءلت أسماء بقلق:
"مكة يا حبيبتي مين مضايقك بس؟"
هزت مكة رأسها بسخط وهمست:
"مفيش حاجة متقلقيش أنا تمام."
ونظرت لـ عائشة بابتسامة وهي تقول:
"عيوشه حبيبتي إيه القمر دا، انهارده هتروحي المقابلة؟"
أقتربت مكة واضعة كفها على منكبها تتسائل بحب:
"مالك يا مكة مين مضايقك؟"
جذبت مكة كفها التي على منكبها بين راحتيها هامسة بحب:
"مفيش صدقيني، لما تيجي هنحكي، أنا أصلًا مبسوطة عشانك أنتِ."
همست عائشة وهي تهلل:
"طب يلا همشي أنا بقا ادعولي؟"
أوشكت على الخروج فتوقفت على صوت خديجة وهي تقف على الفراش متخصرة:
"على فكرة لو روحتي من غير ما تبوسيني مش هتفوزي."
قهقهوا الفتيات بحب وأقتربت عائشة راكضة ولثمت وجنتيها بحب وهبطوا جميعهم للأسفل.
وجدوا الجميع سوياً يجلسون يتسامرون ويبدو أنه موضوع هام، فالفرحة قد بدت على وجوههم.
أشار يوسف للفتيات بالجلوس:
"تعالوا يا بنات اقعدوا دقيقة."
أشار يوسف لـ أسماء بالجلوس بجانبه وهمس لها وهو يضمها لصدره:
"إحنا قررنا حاجة ولازم تعرفيها؟"
حقًا قد استحوذ الخوف عليها، تخشى أن تسمع ما لا تتحمل سماعه، ولكن ذاك الهدوء يريحها ويطمئنها.
ابتسمت وهي تعتدل بجلستها ملتفتة له باسمه تحثه على الحديث:
"قول يا حبيبي سمعاك إيه الموضوع؟"
قبل يوسف رأسها بحب وهمس بأعين يفعمها الدمع ونبرة مبتهجة:
"قررنا نفرح بيكم إن شاء الله بعد رجوع وعد بالسلامة ونكتب كتابكم أنتِ وحذيفة ونخطف لياسين سمر، قولتي إيه؟"
تورّدت وجنتيها ونكست رأسها بحياء شديد جعلها تنفصل عن الحياة، لا تصدق أخيرًا ستبقى له ومعه، لن يكون هناك مرة أخرى، ستصبح زوجته، هو وحده من تمنته ودعت أن يكون من نصيبها ليلاً ونهارًا، ها هو المولى يستجيب.
لم تستمع لنداء يوسف الذي تكرر حتى ظن أنه ابنته قد سرقت من نفسها.
"يا عمو هي تقدر تقول حاجة؟ السحوت علامة الرضا أكيد موافقة ومش مصدقة."
نطق بها حذيفة لتنظر له بخجل فغمز لها فتوارت بكتف والدها خجلًا.
هلل الجميع سعداء، بينما نهض يوسف ممسكًا بكف أسماء وقال باسمًا:
"تعالي معايا دقيقة."
سارت معه لداخل المكتب وأغلق الباب خلفه واشار لها بالجلوس وجلس مقابل لها وامسك كفيها براحتيه وهي تنظر له بترقب منتظرة أن يبدأ حديثه، صمت وطال صمته يستحضر كلماته، فأخذ نفسًا طويلاً وهمس وهو يرفع عينيه بها:
"حبيبة قلبي أنتِ موافقة على حذيفة من كل قلبك؟"
نظرت له بتعجب ليقرأ عينيها وما يدور بذهنها من تساؤلات، فوضح قائلاً:
"حذيفة كويس وطيب وحنين وراجل وهيقدر يصونك ويحافظ عليكِ وبيحبك بيعشقك من وانتوا صغيرين، متأكد."
تورّدت وجنتيها وخفضت بصرها، فابتسم هو وتابع متنهدًا بثقل:
"بس السؤال هنا هل أنتِ هتقدري تستحمليه؟"
وتنهد مرتاحًا كأن همًا قد أُزيح من على عاتقه ونظر لها بتمعن وعناية مترقبًا حديثها، فنظرت له بدهشة وقالت متعجبة:
"يعني إيه أقدر أستحمله؟ أكيد يا بابا هقدر؟"
أشار بسبابته بوجهها بالرفض ومال بجذعه للأمام قليلاً واردف:
"أسماء أنا عارف إنك بتحبيه وبتعتبريه زي ابنك ومن وانتوا صغيرين كمان، بس قلبك هيستحمل إنه يشوفه مع غيره؟!!!"
"حذيفة ليه علاقات كتير ومش بسهولة هتنقطع، ولو اتقطعت لفترة هترجع مش هقول مؤكد ولكن احتمال، فـ إيه؟"
أزرّدت ريقها الجاف كحال قلبها وخفق قلبها بلوعة واهتز روعها واخذت تقلب كلمات والدها.
ماذا لو ابتعد وتبدل بعد الزواج؟ هي لن تستطيع أن تراه يحادث أخرى، ولو توفت حتى، ذاك الشعور قاسي كنار تصهر القلب تطرحه رمادًا.
خيم الصمت لدقائق قاطعه يوسف متنهدًا بصوت عال:
"حذيفة كل اللي مر بيه بسببنا لما موت أياد وكلنا دخلنا في حالة حزن ومهتمناش بيكم بالقدر الكافي، بس أنا متأكد إن جوا حذيفة محتاج لأيد عشان يخرج، وأنتِ لو تحبي كوني الأيد دي اللي تنتشله من الضلال لطريق النور وجنة الرحمن، اهديه لطريق الخير ومتأكد إنه هيتغير."
"فقولتي إيه هتكملي؟"
عم الصمت الأرجاء مفعم بالحيرة والتردد، ولها إجابة ببسمة تلقائية:
"أنا موافقة يا بابااا."
ابتسم يوسف ونهض مقتربًا منها لتنهض بدورها، همس وهو يضمها لصدره:
"أخيرًا البيت ده هيدخل فيه فرح وهموت وأنا مطمن على ولادي."
خرجت من حضنه هائجة منفعلة وهي تصيح والدموع تذرف من عينيها:
"انت بتقول إيه يا بابا؟ ربنا ميحرمنيش منك... أحنا منقدرش نعيش من غيرك."
شهقت بقوة:
"متقولش كدا تاني لو سمحت."
أزاح دموعها بحنان وأعين تلمع بالدمع وقال بصوت هادئ مصحوبًا بالشجن:
"والله ما مصدق إنكم كبرتم خلاص وخلاص هتتجوزا."
ابتسمت هي بخفة فائقة بمرح:
"محسسني يا عم إننا هنهاجر، هنفضل قاعدين على قلبك مش هنبعد."
ضحك بخفة وهو يضربها بمؤخرة رأسها:
"اه صح، المفروض نخلص منكم مش تفضلوا على قلبنا طول العمر."
ضيقت وجهها وهي تهمس:
"بقا كدا يا بابا؟"
أحاط كتفها بذراعه وهو يسير بها للخارج يتحدثون بضحك وتم اتفاق على يوم للزفاف وها هي البهجة تطل من أعين الجميع.
غادرت عائشة بعدما باركت لهما.
بينما اقترب حذيفة من أسماء مشيرًا لها بهمس:
"مبررروك عليكِ أنا."
كثى وجهها الخجل وتوردت وجنتيها وأخذت تفرك يديها بتوتر وارتباك وهمست بخفوت وصوت يكاد يكون مسموع:
"مبررروك."
همس بجانب أذنها:
"مبروووك عليا أنتِ يا أمي وحبيبتي وأنا."
أزرّدت ريقها بتوتر، أهلكتها أنفاسه التي لفحت وجهها، وخفق قلبها من قربه فتلجلجت.
تلك الرقة الخجل والهدوء، توترها، عينيها سحرته، شدته فصلته عن نفسها، هي؟ هي نسمة جميلة عطرة تهب فجأة لتنعشه وتمتع فؤاده لتزيح به أي هم قابع به.
هي والدته التي يذهد من الدنيا بسبيل أن يلقي بذاته به بنبع حنانها ودفئها.
هام به كالمسحور الذي لا يصدق عينيه وأن تلك الحورية أمامه.
فتبسم وهو ما زال هائمًا بها وهمس بحنان وصدق:
"مش مصدق يا حوريتي إنك هتكوني ليا."
خفق قلبها بعشقه؟ اسمه مرسوم بنقش على جدار قلبه معلنًا ملكيته، فتبسمت بدورها خجلًا وشعورًا من الأمان توغل سويداء قلبها، دفء سار بأوردتها غريبًا جعلها تسمرت مكانها.
حتى علا صوت ياسين وهو يضرب كتف حذيفة بقوة:
"ألف مبرووووك وانت ابعد عن اختي دلوقتي."
نظر له جزًا على أسنانه وصاح به:
"في إيه يا عم مراتي مراتي يعني انت بره."
رفع ياسين حاجبه وهو يجذب أسماء لصدره، فضحت هي بمرح وقالت:
"مرات مين؟ بإشارة واحدة يتلغي كتب الكتاب دا أصلًا."
هز حذيفة رأسه بجنون:
"لا لا إيه اللي ينتهي حرام عليك، هو أنا اتجوزت؟"
ثم نظر لأسماء قائلاً:
"أنا جعاااان."
"دا اللي فالح فيه."
قالها عثمان مغيظًا إياه وهو ينضم لهم.
بينما كان هناك قلب قد شطر لتوه ينزف دمًا بغزارة، دموعًا تفيض بعينيه تأبى الهبوط، إذ إن فؤاده يتدفق غارقًا بالدمع.
ستصبح لغيره، كيف سيحيي بدونها؟ كيف لحياته أن تكتمل ببعدها عنه؟ هل هو أصلًا مكتمل؟ أنها هي من ستكمله.
هو وحيد ضائع بدون فؤادها وضحكتها التي تضيء حياته وتشرق قلبه.
هي من تجعله يحيي للآن، أظن كيف سيراها مع غيره؟
سيكون وحيدًا من الآن، عاشقًا لليل الذي يشاركه عذاب قلبه ووحدة فؤاده.
خرج يسير كمن غابت روحه عنه دون وجهها بقلب شارد وروح غائبة وجسد يتحرك بلا هوادة كأنه لا يعي شيئًا.
دمعة حارقة هوت هاربة من مقلتيه، يتتبعها أنهار من الدموع، دموع قهر، احتياج قلب جريح وسيقى جريحًا.
كيف له أن يبوح بما في صدره؟ يتمنى أن يصرخ بملء ما به، لكن انعقد لسانه، ماذا حينما يشتاق إليها لرؤياها وضحكتها هدوئها.
ماذا هو فاعل حينما يأخذه الحنين إليها.
تبًا له، لقد خفق قلبه وكل دقة تنبض بشوق إليها.
هجرته روحه الجريحة بلا عودة ذاهبة لدى محبوبتها، تمكث بقربها لعلها تأنس.
إنه بحاجة ماسة كي تهاجر روحه لمكان ليس به سواه، ليس به حنين أو ألم أو طيفها كي يمحوها وينتزعها من فؤاده؟
هو عصفور سجين بين قبضان عشقها، لا يدري كيف التحرر والنجاة من لعنتها؟
تأوه بلال بصوت عال مسموع حينما وخزه قلبه وازاح دموعه التي تدفقت أكثر وتنهد واقفًا بمكان بعيدًا على الشاطئ ينظر لسكون البحر ويساقبل نسماته الباردة لعلها تدفئ قلبه؟
شهدت الشمس عذابه الأثير وجثى على ركبتيه صارخًا بقوة مخرجًا ما بجعبته وبكى كطفل صغير فقد والدته أثناء حشد من الناس.
شكى للبحر شجونه، فشاركه دون ملل أو كلل واستقبل دموعاته مرحبًا.
أثمة شيء يوصف وجع القلب ودموعه؟ لا والف لا، إنها عذاب، وأي عذاب؟ عذاب يظل قابعًا مقيدًا لا يهدأ، يظل يلتهم الإنسان بلا هوادة.
لحظات ورفع بصره داعيًا لها بالسعادة ونهض بثبات مغادرًا لعمله.
ترجلت عائشة من سيارة الأجرة واقفة أمام شركة ضخمة وكبيرة للغاية تدب بها العمل، نظرت لعليها وأدوارها بإندهاش ولونها الخاطف للأنظار وزخارفها كانت سوداء اللون يتخللها زجاج يسحر العين بمنظر خلاب منقوش، توترت ببادئ الأمر لتحسم أمرها بالدخول وهي تتنهد بصوت عال ودلفت للداخل تسير بثبات وثقة.
ذهبت لموظفة الاستقبال وحادثتها عن المقابلة، فطلبت منها الجلوس بالانتظار حتى يحين دورها.
جلست مترقبة بتوتر شديد وارتباك حتى سمعت النداء باسمها لتوثب واقفة وهي تأخذ نفسًا وتخرجه بهدوء ومضت حيث مكتب المدير، دلفت للداخل فكان يجلس زين خلف المقعد مولياً ظهره.
تقدمت واضعة الملف أمامه وهي تقول بهدوء وبسمة:
"السلام عليكم."
أدار المقعد نحوها وهو يستند بمرفقه على طرف المقعد ونظر لها باسم الوجه.
اتسعت عينيها وتجلى فيهما نظرة صدمة وحلقت مزهولة به، نهض متجهًا واقفًا عن كثب منها وترفع أصابعه أمام وجهها لتنتبه له وهي تنظر له بعدم تصديق وقالت ببهجة لم تستطع إخفاءها:
"أنت زين أنت هنا بتعمل إيه؟"
استند على المكتب عاقد الذراعين واشار لها:
"أنتِ شايفة بعمل إيه؟"
همست بذهول وأعين متسعة:
"أنت صاحب الشركة؟"
صمت مليًا وهمس بخفوت:
"يعني حاجة زي كده، دي شركتي أنا وبن عمي."
نظرت له بتمعن متسائلة:
"زين أنت كنت عارف إني هاجي."
هز رأسه نفياً موضحًا:
"لا بس لما قريت اسمك عرفتك على طول."
أنهى جملته واشار لها بالجلوس وجلس هو خلف مكتبه رافعًا سماعة الهاتف طالباً لها عصير وظل يتحدثان بأمور عدة حتى تم قبولها بالعمل.
تنهد وهو يرجع بظهره للخلف وقال:
"سيبك من الشغل بقا حياتنا أهم، عملتي إيه لازم تجيبلي موعد في أقرب وقت."
ومال بجذعه للأمام وهو شابك الأنامل ببعضها مستندًا بكفيه على المكتب وهمس:
"عايزك تنوري بيتي قريب ومش قادر أعيش من غيرك أكتر من كدا، أنا من يوم ما شفتك في الكلية وأنتِ معذبتني معاكِ."
ندت عنها ضحكة رغماً عنها وهي تتذكر أول لقاء بينهما وكيف تشاجرا سوياً حينما انصدمت به مما أدى لوقوع ما بيده من كتب وكيف أصبح يلاحقها وقتذاك وهي تصده حتى رضخت واستحوذ ثنايا فؤاده وصميم روحها، تورّدت وجنتيها بحياء من أثر كلماته التي عرفت مرساها ولجت لسويداء القلب دون اعوجاج.
أشرق وجهها ضياءً وسطعت عينيها بنور العشق وتوارت روحها خجلاً ونكست رأسها متوترة مترددة تحاول الحديث ولكن تعقد لسانها وتحير فكرها.
"طب إيه مش بتتكلمي ليه؟"
نطق بها زين متسائلاً، لترفع هي نظرها به هامسة بحب:
"إن شاء الله هكلم بابا وأخدلك معاه معاد، ويمكن لو وافقوا نعمل خطبة يوم كتب كتاب بنت خالي."
أنهت جملتها سريعًا ونهضت على عجل بحياء وقالت:
"أناااا أنااا هطلع."
أشار لها ضاحكًا:
"اهربي اهربي براحتك بردوا مسيرك هتقعي."
واستطرد قائلاً بجدية:
"لحظة هعرفك على سجى أختي وإسراء بكرة بإذن الله ودول طبعًا محور حياتي ودنيتي كلها باللي فيها من بعدك طبعًا."
اتسعت ابتسامته وهي تهرول للخارج، لتختفي ابتسامته وهو ينقر على القلم بالمكتب وتعالت عينيه بأثرها بغموض.
لم يلبث ونهض متوجهًا للخارج وجدها تقف بانتظاره تفرك يديها زائغة العينين بتوتر، حتى وصل لها وهمس بتساؤل:
"ايه مالك في إيه؟"
نظرت له قائلة:
"مش عايزة حد يعرف إني أعرفك، عايزة أكون مجرد موظفة مش أكتر."
أومأ برأسه مبتسمًا وهمس:
"طب ماشي مفيش مشكلة."
وقع بصره على سجى.
فراح يتأملها بهيام وهمس باسمًا من عمقه:
"دي سجى اتعرفي عليها."
ابتسمت له وتوجهت ناحية مكتب مفتوح بابه تجلس فتاة منكبة على الحاسوب تعمل بعناية وتركيز مستندة بمرفقيها على المكتب ترتشف من كوب قهوة موضوع أمامها، نظرها ثابتًا بالفراغ لا يحيد عنه ويديها تعمل بجهد.
طرقات على الباب بخفة لتأذن سجى للطارق فدلفت عائشة متمعنة النظر لها ومدت يدها قائلة:
"أنا عائشة أكيد زين كلمك عني؟ أنت سجى صح."
صاحت سجى بنبرة هادئة فرحة:
"بجد أنتِ عائشة، زين حكالي كتير عنك."
أعادت عائشة يدها بسخط وصاحت بغيظ:
"آه ما هو باين فعلاً."
أحست سجى بكلماتها ونبرتها الساخرة فهمست متسائلة:
"هو أنا زعلتك في حاجة؟"
هزت عائشة رأسها وقالت بسخرية:
"لا خااالص مزعلتنيش بس عايزة أقولك إن السلام دا مش هينزل من تكبرك ولا حاجة... مفيهاش حاجة لما تمدي إيدك تسلمي على غيرك."
همت بالرحيل لتقف موضعها على صوت سجى الذي هتف بنبرة حزينة وروحًا تئن:
"بس أنا مش متكبرة..."
قاطعتها عائشة وهي تلتفت لها بعصبية:
"يبقى عامية؟"
قاطعتها دموع سجى وهي تهمس بألم:
"دي حقيقة أنا مبشوفش."
صدمة حلت على روح عائشة تمنت بها لو كانت توفت قبل أن تقول ذلك وتجرح ذاك الملاك البريء ذو ملامح ملائكية وبشرة مائلة للسواد قليلاً، تلجلج صدرها وانعقد لسانها وفتحت فاهها تحاول الاعتذار عما بدر منها فلم تستطع، فهمست بصدق بعد جهد ودموعها تنحدر بلوعة:
"أنا آسفة بجد مكنتش أقصد صدقني أنا بجد آسفة سامحيني."
هزت سجى رأسها وقالت ببسمة ساحرة:
"فيش أخت تزعل من أختها وأنا حبيتك من كلام زين عندك، فمتقوليش آسفة ماهو أنتِ كنتِ هتعرفي إزاي، المهم نتعلم من أخطائنا."
صمتت مليًا وتابعت موضحة:
"أكيد بتسألي إزاي بكتب عادي وأنا مبشوفش."
تعجبت من علمها ما يدور بذهنها لتتابع سجى:
"أصل زين علمني وعشان كدا بعرف وحافظة بعمل إيه وهعمل إيه."
دلف زين كاظماً غضبه بعد استماعه لما قالته لسجى فهمس ببسمة مصطنعة وهو يقترب من سجى:
"شايف إنكم عرفتوا بعض."
ابتسمت سجى وهي تضغط على كفها:
"آه وحبيتها جدًا ونبسوطة جدًا إنك عرفت تختار صح."
شرد بحزن ونخرة اخترقت جرحه الغائر ليثور أكثر وهمس:
"كويس بس القدر أحيانًا بيمشينا بطريق مش عايزينه ولا ناس عاوزينها."
قطبت سجى حاجبيها بضيق وهمست:
"إزاي؟"
ابتسم وهو يضمها:
"مش كله بنفس طيبتك يا قلبي."
ابتسمت برقة فخاطب عائشة:
"عجبتك الشركة؟"
"جداااااا."
همست بها عائشة بجدية وظل يتحدثان بأمور شتى.
ذهبت كلًا منهم إلى عمله حتى ورد بينما ظلت هالة برفقة ريم بالحديقة يتحدثون ويخططون للحفل وماذا يرتدون.
ذهبت مكة لمقابلة بعد الأصدقاء الذين تعرفت عليهم بالخارج بفرحة ولا تصدق ما استمعت إليه، فكانت البهجة لا تسعها.
بقيت أسماء وخديجة جلسوا بالغرفة تحفظ أسماء خديجة القرآن الكريم.
طوت أسماء المصحف بيدها وهي تضعه جانبًا وقالت بإنبهار وهي تنظر لخديجة:
"بسم الله ما شاء الله ربنا يزيدك ويفتحلك قلبك كمان وكمان يا ديجا دا انتِ بتحفظي أحسن مني."
اعتدلت ديجا بتلقائية على ركبتيها لترفع ذاتها قليلاً وطبعت قبلة على وجنتها قائلة بحب:
"أنا مكنتش هقدر أحفظ من غيرك."
قبلتها أسماء بحب وهي تمسك بوجنتيها:
"آآه يا بكاشة مني ولا من ورد."
صمتت خديجة مليًا بدأت بتفكير ورفعت إصبعين أمام وجهها هامسة:
"انتوا الاتنين وكلكم كنتم بتعلموني."
تعانقا بمحبة فهمست خديجة وهي تنهض:
"تعالي نشوف البت سمر فين؟"
نهضت أسماء بدورها ممسكة بكفها:
"تعاااالي يلا بينا."
مضوا لغرفة سمر فطرقت أسماء طرقات خفيفة فجاءها صوت سمر تأذن لهما، ففتحت أسماء الباب وطلت منه هي وخديجة وهمسوا سوياً:
"ندددخل ولا نرجع."
توجهت سمر فاتحة الباب أكثر وهمست:
"ادخلي يابت أنتِ وهي."
دلفوا الفتيات وأغلقت ديجا الباب، نظروا لها بصمت بينما لاح لها ببصر أسماء الغضب والحدة والخوف في آن واحد.
همست سمر وهي تنقل بصرها بينهما:
"إيه مالكم بتبصوا عليا كدا ليه؟"
"أنتِ خارجة كدا رايحة فين؟"
قالتها أسماء بحدة وهي تشير عليها من أعلاها لأسفلها.
لتحتج سمر بغيظ وهي تلوي فمها بدون اهتمام وهتفت بتأفف:
"أسماء حلي عني أنا مبسوطة كدا ومستحيل ألبس زيك دريسات وخمار، قوليلي فين الموضة؟"
جذبتها ديجا من ملابسها لتنتبه لها سمر وتنظر لها لتقول ديجا ببراءة وهي تنقل نظرها بينهما بتتمعن:
"بس بصي أسماء جميلة إزاي؟ لكن بصي لبسك أنتِ وشوفي البنطلون ضيق إزاي والتيشرت."
(كانت ترتدي بنطال ضيق للغاية ملتصقًا بجسدها وتيشرت لحد الخصر ضيق أيضًا واضعة حجابًا ولكن يظهر منه شعرها)
تابعت ديجا بأسف:
"ماما قالتلي إن اللي بيلبس كدا بيكونوا من الكاسيات العاريات وبيدخلوا النار وربنا مش بيحبهم."
نظرت لها بدموع:
"أنتِ مش عايزة ربنا يحبك وتكوني معانا في الجنة؟"
ثم نظرت لأسماء باسمة وبصرها يبرق ببهجة:
"بصي أسماء قمورة إزاي؟ بصي الخمار مخليها زي القمر والفستان."
تأففت سمر بضيق هامسة:
"والله يا خديجة مش ناقصاكِ أنتِ كمان!!"
نكست ديجا رأسها بحزن وقلب مفطور وروحًا تئن وجاهدت كي تخفي دموعها حتى لا تنحدر.
بينما ربتت أسماء على منكبها قائلة بأسف وأسى وهي تهز رأسها:
"براحتك يا سمر اعملي اللي انتِ عايزة، إلبسي على الموضة وعيشي حياتك وكوني سلعة لكل شخص بيشوفك، تعرفي ليه لازم الواحدة منا تلبس لبس فضفاض عشان دا ستر؟ لما تغطي صدرك بالخمار والفستان يكون واسع مش مبين منك أي حاجة، أنتِ كدا ملكة وأميرة وحورية وملاك، لكن لبسك دا أي واحد هيشوفك في الشارع مش هيشيل عينه من على جسمك."
رفعت بصرها متمعنة النظر بها بأسف وأعين تفيض بالدمع مفعمة بالأسى وتنهدت بنفس عال هامسة:
"متفكريش في دنيتك وترضي مين وتعجبي مين، دا في إيه في كتاب ربنا بتقول 'وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون'."
انحدرت دموعها وتابعت بصوت أضناه الألم والحزن:
"هي إيه الدنيا إحنا عليها مجرد ضيوف... عيش في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل."
"إحنا على الدنيا دي للاختبار ومصيرنا الموت، تخيلي كدا وأنتِ طالعة كدا ومترجعيش عربية تخبط مثلًا ولا تعملي حادثة ولا تقعي تموتي فجأة تلاقي نفسك في قبر مظلم وهتكوني مجرد ذكرى يمكن كمان يفتكروها أو لا، يبقي سيبتي إيه ولا خدتي إيه معاكِ لآخرتك ولا حاجة والله ولا حاجة، هتتحاسبي لوحدك، أرضي ربنا يا سمر وفكري في آخرتك وإزاي تدخلي الجنة دي، كفاية إن فيها الحبيب وخليكِ فاكرة إن يوم القيامة وفيه جنة وفيه نار."
"ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما."
"عارفة يا سمر لما تموتي والله ما في حاجة هتنفعك، فجأة هتلاقي نفسك بياخدوكِ القبر وبيسيبوكِ جواه وهو دا بيتك تحت التراب، تخيلي يا سمر إنك تموتي بكل الذنوب دي، شوفي قد إيه شباب بتموت من غير إنذار فجأة كدا، اعملي لآخرتك عشان تكسبي جنتك عشان وأنتِ طالعة لفوق تكوني خفيفة من الذنوب ومش تقيلة، مش قادرة تطلعي خلفي ربك."
"خلصتي خلاص حكمك ومواعظك؟"
همست بها سمر بغيظ وعدم تأثر، لتهز أسماء رأسها بأسف وهمست:
"هتندمي يا سمر صدقيني هتتدمي."
شوحت لها بيدها وارتدت فستاناً سريعاً وحجاباً آخر حتى لا يراها أحد وتركتهم وغادرت.
نظرت ديجا لأسماء بحزن وأعين باكية، فضمتها أسماء بحنان وهمست:
"هتتعدل والله تعالى نصلي وندعيلها."
أومأت ديجا لها وتلاشى حزنها بفرحة وذهبوا ليتوضؤا.
أقبلت ورد ببسمة تجاه أحمد محمد وهي تغض بصرها، فما إن اقتربت حتى ترجل من سيارته واقفاً أمامها قائلاً بوجه مشرق وبصر نافذ لامع ببهجة:
"بجد والله مش مصدق خديجة رجعت؟ الحمد لله يارررب والله مش عارف أوصفلك فرحتي إزاي؟ الحمد لله الحمد لله."
ابتسمت ورد وهي تغض بصرها لا ترتفع عليه وقالت بامتنان:
"أنا مش عارفة أشكرك إزاي على وقفتك جنبي وخوفك على بنتي بجد بشكرك ربنا يجزيك كل خير ويفرج عن أخوك."
ابتسم أحمد لها متنهدًا بارتياح:
"مفيش شكر ولا حاجة، خديجة دي حبيبتي والله."
"بس بجد عايز أشوفها لو أمكن؟"
بادرت ورد قائلة:
"أكيد أكيد تشوفها في أي وقت يعجبك لو تحب تيجي والله تنورنا."
هم أن يجيبها ولكن صوت صاح من خلفهم بغضب:
"مين دا إن شاء الله؟"
تلجلجت ورد وهي تنظر للخلف لعمرو المقبل إليهم قابضًا راحته بغضب هادر واشرار يتطاير من عينيه التي اسودت.
صاح من بين أسنانه وهو ينظر لأحمد:
"مين دا؟"
رفعت ورد بصرها به لخوف من غضبه، بينما مد أحمد يده مصافحًا:
"أنا أحمد محمد."
صافحه عمرو وهو يضغط على كفه حتى كاد على كسرها وهو يقول:
"وأنا جوزها."
نظرت ورد بأسف لـ أحمد وهي تجذب يد عمرو:
"سيبه يا عمرو."
ترك كفها ليسحب أحمد يده سريعًا بألم.
أخذها من يدها لسيارته قائلاً:
"حصلنا الشرف يا أستاذ مع السلامة."
سحبت ورد يدها بسخط وهتفت بجمود:
"إيه اللي انت عملته دا وازاي تسحبني كدا؟"
جز على أسنانه وهو يكظم غيظه واقترب ممسكها بقوة من ذراعيها مقربًا وجهه من وجهها قائلاً بغضب وأعين كفيلة بإحراقها من شدة غضبه:
"عشان أنتِ ليا ليا لوحدي ومش عايز أشوفك واقفة مع أي حد في الدنيا خاصةً لو راجل الصنف أياكِ أشوفك واقفة مع حد منهم ولا بتتكلمي صوتك ليا لوحدي فاهمممممه."
اتسعت عينيها بصدمة لا تصدق ما يقوله، مهلاً؟
أيخبرها أن لا تقترب من رجل غيره وتبتعد عن كل الرجال.
وهي التي لا ترى غيره في الوجود كأن الحياة امحيت منها كل الرجال إلا منه، فعيناها تراه في كل الوجود، أنه مالك قلبها مقيمًا به إلى أبد الدهر، فكيف يخبرها بذلك؟
هي لا تكتمل سواه، ولكن غيرته تلك تعشقها لحد الجنون، تشعرها أنها فقط له ملكه هو فقط.
مهلاً يا الله لو يدري حالها بدونها، فهي ليست عائشة، فهو الوجود والحياة، هو سندها وأمانها وظهرها.
فاقت لصوتها على صوته ونبرته المحتده وهو يهتف:
"مش دا الراجل اللي شفتك معاه قبل كدا؟ هو إيه ومين بالظبط وبينكم إيه؟"
همست ورد وهي تدفع كفيه عن ذراعيها:
"مفيش بينا حاجة واكيد انت متأكد من كدا، وأيوة هو ومين هو، فظن إني قولتلك ومخبتش ولا كدبت، هو وأخ شخص اتهم بتهمة قتل."
وضع ذراعيه بجانبيها لا يدري كيف قال تلك الجملة وهو أدرى الناس بها، أنها ابنته قبل أي شيء، يعلم من هي أكثر من ذاتها، فأقترب هامسًا بضيق من نفسه:
"ورد أنا آسف مكنش قصدي والله، أنا عارف ومتاكد مش محتاج أعرفك تاني ولا أي حاجة، ممكن أشوفها تزعزع صورتك في قلبي، أنتِ بنتي تربيتي بجد مش عارف، معلش بس لما شفتك واقفة معاه مستحملتش."
يا الله أين هي الآن، إنها تحلق كطائر عاشق بسماء العشاق.
قلبها رفرف من شدة ابتهاجه وهربت مهجتها من أوردتها ليتخلل حبه بدلًا عنها.
وقفت أمامه بنفس مرتبكة كأنها طفل معاقب، فابتسم هو قائلاً:
"تعالي نجيب خديجة ونخرج سوا، قولتي إيه؟"
أومأت برأسها بسرور وبهجة تسكن حناياها وبصر سطع بفرحة، فها هي بقربه، فوداعًا للحياة بجانبه.
انسدل الليل بظلامه الحالكة، فبعد منتصف الليل كانت تقف ورد مغادرة من دار رحيم متوجهة للجبل وهي تتحدث بالهاتف مع مراد بالخطة ووقت هجوم القوة.
يدًا جذبتها بقوة وهي تهتف بحنق:
"ما توقفي مطرحك يا حضرة الظابطة، كيف مش تستنيني ولا إيه؟"
كمشت وجهها بتعجب وعدم فهم وتساءلت:
"رحيم أنت بتعمل إيه؟ واستناك ليه؟"
"بعمل إيه ميخصكش، كل الناس دي إني المسئول عنيهم."
"وتستنيني ليه، فإني لازم أعرف مين دا اللي عايز يوجعني."
هزت وعد رأسها:
"بس مش هينفع تروح."
ببرود سار يتخطاها متقدمًا وقال بنبرة لاذعة:
"دي شيء ميخصكش، أنا لازم أروح عشان المخفي قاسم لازم أوجعه، ما هو مش إني اللي يضحك عليّ."
لحقت به بثبات... بعد وقت دام لقرابة ساعة وقفوا قريبًا من كهف يختبئون به هؤلاء المجرمين.
كان يقف رحيم بجانبها، أنظارهم ثابتة ثاقبة بتمعن وترقب على الرجال، تقرأ وعد شفتيهما حتى تدري ما يقولون بمهارة.
اختلت نظره لرحيم فلم تجده بجانبها، كالمجنونة نظرت حولها باحثة عنه فلم ترى له أثر، فاستدركت أنه بدأ خطته.
رفعت هاتفا عن كثب من فمها وتحدثت به دقائق، وكان مراد يتقدم ومعه قوات من رجال الشرطة وفوات آخرون يحيطون بالجبل.
دقائق أخرى وضج المكان بصوت القنابل وصراخ وهتافات من رجال الجبال.
احترقت كل الأسلحة بلحظة وأصبحت رمادًا، ازدادت رجال الجبل يتبادلون إطلاق النار الذي أصبح كرذاذ المطر.
تسللت وعد شاهره سلاحها تطلق على كل من يقابلها حتى استطاعت الدخول ناحية الكهف ومنه لباب سري حديدي، ولجت بداخله بترقب وأعين ثاقبة نافذة، كان الممر مندرجًا للأسفل فتنبأت أنها غرفة تحت الأرض، سمعت لأصوات كثيرة وعلى غفلة منها كان عم رحيم يغلق الباب من خلفها، فأصدر صوتًا جعلها تلتفت للخلف بزعر لترفع بوجهه السلاح ليبتسم هو ابتسامة ماكرة وهتف مقهقهاً:
"أكِده بردوا فتحنالك بيتنا دا بكون رد الجميل؟"
رمقته بنظرة ساخرة وقالت بازدراء:
"يا شيخ ويرضيك تخون عشرة عمرك أخوك وابنه؟ دا انت كل صفقة عاملها باسم رحيم، حتى إمضته المزيفة."
ابتسم ابتسامة خاطفة وقال بسخط وكره:
"واااه أنتِ متعرفيش إياك مبهرش في حياتي كليتها جدتهم 'قدهم'، أخويا اللي علا ابنه علي وقدره ولا ابن أخويا اللي مهيحبش غير حاله وعايز ينهب الأراضي والبلد لوحده."
نظرت له بأعين تشع سرار وقالت بسخط:
"وليه منقولش إن غيرتك عمت على قلبك فبقي صخرة قلب أناني وطماع وبس ومش بيحب الخير لحد. ومعمي القلب."
"بس دلوقتي هسلمك لرحيم."
قهقه عالياً وجاءها صوت قاسم قائلاً:
"مش لو خرجتي من هنا عايشة؟"
التفت وعد وهي مصوبة السلاح، فهالها جل الرجال الذين يحوطونها، فعلمت أنها وقعت في فخ على ما يبدو، فكيف مأمنين ذاك المكان وأنفسهم إلا إذا كان لديهم معلومات بهجومها آنذاك.
سلاحها لن يقتلهم جميعًا، فحست أنها النهاية، ولكنها لم تظهر سوى الجمود والثبات كجبل راسخ شامخ، وأطلقت رصاصة على قدم عم رحيم وهمست:
"أنا مش هقتلك، لأن لازم رحيم ياخد حقه."
هجموا عليها وهي تهاجمهم وتصد ضرباتهم بعناية وتضربهم بمناطق تميتهم على الفور، فأخذ كل من يقترب منها بأن يخر صريعًا.
قيدوا ذراعيها فأقترب قاسم متوالياً باللكمات بوجهه بكره لا مثيل له وهو يسبها بأفظع الألفاظ، وأخذ الدم يسيل من فمها وأنفها حتى وهنت، بلحظة اقتحمت قوات الشرطة المكان بصحبة رجال آخرون، بينما تركوها هي لتسقط أرضًا بتعب شديد، فرأت عم رحيم يركض مسرعًا بعيدًا، فاسندت على ذاتها ونهضت لاحقة به واستطاعت أمسكه ولكنه قاومها، فدارت بينهما معركة لتصبح ضحيتها هي، فعلى غفلة دفعها بقوة من فوق المنحدر.
فتنبأت أنه كان يدفعها حتى يسقطها، فهي لم تر ذاك المنحدر قبلاً.
أسرعت متشبثة بالخصور قابضة عليهم، وأسندت قدميها، ألقت نظرة سريعة للأسفل، فبسبب الظلام لم يتبين شيء، ولكنها أحست أنها النهاية، فإن وقعت ستموت لا محالة.
انحدرت قدمها حينما تفتتت تلك الصخرة من أسفلها لتسقط قليلاً صارخة مستنجدة "يا ررررب".
انحدر كفها الأيسر، فشهقت بفزع و.......
توقعاتكم.
ما الذي سيحصل لوعد؟
هل ستموت أم تحيي؟
هل من منقذ أم لا؟
رواية دموع العاشقين الفصل التاسع عشر 19 - بقلم ندى ممدوح
انحدرت قدمها حينما تفتفتت تلك الصخره من أسفلها لتسقط قليلاً، صارخة مستنجدة بـ "يا ررررب".
انحدر كفها الأيسر، فشهقت بفزع. أغمضت عينيها بعنف مستسلمة، مهلاً.
هي لم تسقط، أنها بخير. لولا تلك اليد لكانت الآن جثة. أنها يد رحيم الذي تمسك بها بقوة من فولاذ.
همس بلهجتها:
- لا لا، مش هتموتي النهارده. لازم ترجعي لأهلك وأنتِ رافعة رأسك أنك خلصتي المهمة ورجعتي بخير.
يا الله، لولا يده ما كان حالها الآن. لكانت متوفاة من فورها. إن لها عمرًا جديدًا.
ابتسمت بأعين ضاحكة.
همس هو وهو يجذبها للأعلى:
- هااا، يلا يا وعد ساعديني. مش هسمحلك تموتي.
هم أن يرفعها، ولكن رصاصة اخترقت ظهره بغتة. جعلته يحدق وهو يكتم ألمه ويغمض عينيه محاولًا الثبات. حاول رفعها، ولكن ما أوهن جسده الآن والدم يفيض من جرحه. صوت قهقهات علت فجأة لعمه جعلته بحالة لا يرثى لها. لا يصدق عمه؟ بلا، أنه عمه. من يخطف ويهرب أسلحة ومخدرات، أنه مجرم عمه. يا الله، لم يتوقع هذا حتى بأحلامه. لقد شك بالجميع إلا هو. هذه هي الحياة، فانتظر الغدر من أقرب ما لك.
رفع بصره بوهن متمنيًا أن يكون مجرد تهيؤ لا غير.
ولكن خابت كل آماله حينما رآه ينظر له ببسمة تغمر وجهه.
شعر كأن الرصاصة تلك اخترقت نصف قلبه وليس ظهره.
أضنى الوجع فؤاده وانحصر بداخله. سرعان ما تنبه لوعد التي تجاهد على الثبات.
حاول رفعها بشتى الطرق، مخافة أن تنزلق يدها من بين كفيه. ولكن زاد الألم حده وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة.
فأقترب عمه ببسمة غاضبة ماكرة وقال:
- سيبها، ولا هتسيبها كيف؟ ما أنت خلاص حبيتها يا ولد جناوي وبتي هااا، خبرني؟ عايز سمعتها تنزل الأرض وتبجي على كل لسان؟ سيبها عشان تعيش حياتك مقابل حياتها.
ألتفت له بغضب. لو يمكنه فقط أن يخنقه، أن يسأله لمه لعله يجد ما يريح قلبه ويخمد ناره.
وهمس جازًا على أسنانه:
- أنت يا عمي وراء كل دا؟ طب ليه ناجصك إيه؟
أخرج عمه سكينًا طعن ذراعه التي تتمسك بوعد. فجز رحيم على أسنانه كاتمًا ألمه وصرخ عمه:
- هملها بجولك، سيب يدها؟
# على مووووتي.
صرخ بها رحيم وهو يدفع عمه ويحاول جذب وعد التي خارت قواها وضعفت من كثرة ما ضربها قاسم.
تصبب العرق منه وأخذ يلتقط أنفاسه بصعوبة. وبوهن تحدث:
- ساعديني يا وعد عشان تطلعي، حاولي أنتِ قدها، يلا.
همست هي بوهن وبسمة تشرق وجهها:
- مش مهم أموت ولا لا، المهم إني اتأكدت أنك بتحبني. سيبني يا رحيم، سبني.
رمش بعينيه مبتسمًا:
- أسيبك كيف؟ جوليلي، وكيف الجسد يسيب روحه ولا يبعد ويعيش من غيرها.
هم أن يغلق جفونه لتصيح هي وهي تحاول الصعود مستندة على الصخور:
- رحيم، أنت بخير صح؟ مش هيحصلك حاجة. إياك تسبني.
فتح جفنيه بوهن وابتسم قائلاً بمحبة:
- هسيبك كيف يا روح رحيم؟ جولتلك الجسد ميقدرش يفضل من غير روح.
قالها وهو ينظر لعينيها وبكل قوته سحبها للأعلى ليتدفق الدماء من الجرح بغزارة.
سعلت وعد وهي تستند بكفيها على الأرضية ونظرت لـ رحيم وجدته غاب عن الوعي. بإنفعال دنت منه وأخذت تضرب وجنتيها بوئيدة وهي تقول:
- رحيمممم، رحيم فوق، هتبقى كويس.
نظرت للدماء التي تخرج من الجرح فأسرعت بوضع كفها عليه وهي تصرخ مستنجدة.
فاقت من شرودها على صوت صرير الباب يفتح، فتنبهت بترقب، وثبتت بإنفعال ولهفة وروحًا تهفو لتلك الغرفة القابع بها محبوب فؤادها. همست ونظرها يراقب الغرفة تحادث الممرضة:
- هو كويس، أنا عايزة أشوفه.
وقفت الحجة صفية وغادة بجانبها بإهتمام وترقب.
هتفت الممرضة تستعجلهم:
- إن شاء الله، ادعوا له بس. محتاجين دم ضروري ومش متوفرة عندنا. فياريت تعملوا التحليل بإسرع وقت عشان لو حد مطابق للمريض.
دون تفكير أو تردد أشارت وعد لذاتها قائلة:
- أنا، أنا مستعدة أعمل التحليل وخدوا مني زي ما هو عايز.
همت وعد بالذهاب، ولكن يد الحجة صفية منعتها. لتنظر لها وعد بتعجب. فحدجتها بنظرة غاضبة خاوية من كل شيء. نظرة أول مرة تراها مذ عرفتها. فـ يا ترى ما سبب ذلك.
بنبرة جافة حانقة قالت وهي تدفعها للخلف:
- محدش هنا طلب منكِ حاجة. خليكِ مكانك ويكون أحسن لو فارقتينا.
بنظرة ألم رمقتها وعد وهي لا تعي ما تلك المعاملة الجافة، ولكن عليها التمهل قليلاً والتأني من أجل رحيم ذاك القابع بين الحياة والموت.
ذهبت الحجة صفية وغادة من أمامها.
تحير فكرها مخافة أن تمنعها الحجة صفية من رؤية رحيم، ولكن فليكن بخير قبلاً.
لم تحملها قدماها، فبعجز جلست على المقعد ووضعت رأسها بهماً وغم بين كفيها.
تخشى أن يغادرها، فكيف ستحيي بدونه؟
لقد أخذ قلبها وروحها، فهل لها أن تعيش بدونهما؟
إن قلبها النابض ينبض لأجله هو فقط.
إنه دنيتها التي تحيا بها، هو مسكنها الذي تقيم به.
ولا تريد الخروج فتهلك وتضيع.
لحظاااات ودقائق تمر كأنها سنين عجاف، كأن الوقت لا يمر واقفًا.
فؤادها، ما أدراكم ما فؤادها؟ إنه ينبض بألم ووجع. صورته وهو مغمض الجفون لا يعي بشيء محفورة بداخلها فتذيبه كـ الجليد.
عادت غادة برفقة والدتها، جالسون بهم. بينما بعد قليل جاءت الممرضة تخبرهم أنه لا يوجد أي منهما مطابقًا له. فتملكهم اليأس والقلق. وتوجهت وعد على عجل مع الممرضة رغماً عن الحجة صفية. فأنقاذ حياة معشوقها أهم بكثير من أي شيء، حتى لو فارقته بعد ذلك لا يهم. الأهم أنه بخير وسيكون بخير.
أجرت الفحوصات وظلت منتظرة على نار، تأخذ الطرقة ذهابًا وإيابًا بقلق ينهش حنايا صدرها، وروحًا تئن خوفًا، ونفسًا فقط تشتاق لمرآه أمامها بخير. تجمدت الدموع بمقلتيها، ولكن صراخ فؤادها كان له صدى يسير الرجفة والحزن بالقلوب.
تجمع الفتيات داخل الغرفة ما عدا سمر التي تجنبتهم طيلة اليوم.
ومن ضمنهم خديجة التي أبت المبيت مع والدتها، وظلت معهم تقص عليهم قصة جعفر بن أبي طالب "أبو المساكين ذو الجناحين".
كان الوقت بعد منتصف الليل حيث كانوا مستيقظون من أجل السحور لصيام الخميس.
تربعت خديجة جالسة أمامهم على الفراش وقالت بحب وأعين تلمع وتبرق بالبهجة والأشتياق:
- جعفر يبقي بن عم رسول الله ﷺ. وعن أسامة بن زيد أنه سمع النبي يقول لجعفر: "أشبه خلقك خلقي، وأشبه خلقك خلقي. فأنت مني ومن شجرتي". كان أشبه الناس برسول الله ﷺ.
توفي جعفر يوم مؤتة وفقد ذراعيه، حيث أخذ يصول ويجول في صفوف أعدائه فقطعت يمينه، فمسك الراية بشماله فقطعت، فجمع الراية بعضديه إلى صدره، فتوالت الرماح والسيوف على صدره حتى فاضت روحه.
وعن ابن عمر قال: "فقدنا جعفراً يوم مؤتة، فوجدنا فيه بين طعنة ورمية بضعًا وتسعين. وجدنا ذلك فيما أقبل من جسده".
أنهت ديجا جملتها بأعين دامعة.
والفتيات يجلسون بصمت ينصتون لها بإهتمام، لا لأنهم لا يعلمون تلك القصة جل المعرفة ويحفظوها على ظهر قلب، ولكنهما يميلون لسماعها مراراً وتكراراً بلهجاً شديد. فما أروعه من مجلس يعطره سيرة صحابة رسول الله ﷺ.
تلجلج صوت ديجا وبدت كأنها تفكر، ثم قالت:
- مات جعفر وحزن عليه رسولنا. فـ عن أسماء قالت: "دخل علي رسول الله ﷺ حينما بلغه مقتل جعفر بمؤتة، فدعا بني جعفر فرأيته شمهم وذرفت عيناه، فقلت: يا رسول الله، أبلغك عن جعفر شيء؟ قال: نعم، قتل اليوم، فقمنا نبكي ورجع فقال: اصنعوا لآل جعفر طعامًا فقد شغلوا عن أنفسهم".
وعن عائشة قالت: "لما جاءت وفاة جعفر، عرفنا على وجه النبي ﷺ الحزن".
ذرفت عينان ديجا الدمع وتوهجت عيناها وهي تقول بفرحة:
- كان لجعفر منزلة عظيمة بقلب النبي.
وبعد وفاته شاع ذاك اللقب بين الصحابة، فقد كان بن عمر إذا سلم على ابن جعفر قال: "السلام عليك يا بن ذي الجناحين".
وعن عبد الله بن جعفر قال: قال رسول الله ﷺ: "هنيئًا لك أبوك يطير مع الملائكة في السماء".
وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "رأيت جعفر بن أبي طالب يطير مع الملائكة".
وفي رواية أخرى قال: "مر بي جعفر الليلة في ملأ من الملائكة وهو مخضب الجناحين بالدم".
ومن حب النبي لجعفر أيضاً أنه لما رجع جعفر وأهله من الحبشة وكانوا قد هاجروا إليها في بادئ أمرهم لما اشتد بهم أذى المشركين، فخرج النبي لاستقبال جعفر فرحًا وكان قد عاد من فتح خيبر، فقال: "ما أدري بأيهما أنا أُسَرّ؟ أبفتح خيبر أم بقدوم جعفر".
عم الصمت يعم الآفاق مرة أخرى دون همس حتى.
حتى تثاءبت مكة قائلة وكانت لاول مرة تصوم الخميس:
- هو إحنا ليه هنصوم بكرة؟ دا أنا لازم أصحى بدري وكمان عندي تدريب مع دراكولا.
قهقت عائشة وأسماء، بينما احتجت ديجا قائلة بحنق:
- متقوليش على جوزي كدا.
أخرجت مكة لسانها بطفولة وهمست:
- بس يابت اتنيلي اسكتي.
لوت ديجا فمها ولاذت بالصمت لحظة وصاحت فرحة مسرورة:
- أنا هقولك ليه هنصوم. "ونظرت لأسماء" اسكتي أنتِ، أنا اللي هقول.
وضعت أسماء كفها على فمها وهزت رأسها أنها لن تتكلم.
وجهت بصرها لـ مكة قائلة بحنو:
- لأن صيام يوم الاثنين والخميس تعرض فيهما الأعمال.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "إن النبي ﷺ كان يتحرى صيام الاثنين والخميس".
وعن أبي هريرة قال: "إن النبي ﷺ قال: تعرض الأعمال كل اثنين وخميس فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم".
وعن أبي قتادة أن النبي ﷺ سئل عن صوم يوم الاثنين فقال: "ذلك يوم ولدت فيه، وأنزل علي فيه".
فهمتي؟ لأن يوم الاثنين ولد فيه رسولنا، ونزل عليه الوحي.
ولأن الأعمال تعرض على ربنا فيهم إثنين وخميس، عشان كدا بنصوم.
وعشان بناخد أجر وثواب ومغفرة من ربنا وتكفير خطايانا.
قاطعتها مكة قائلة ببراءة:
- بس أنتِ يا ديجا صغيورة لسه؟
بهدوء أجابت ديجا بنبرة حانية خافتة:
- بس أنا بصومهم زي ما كان الرسول بيصوم عشان أنا بحبه.
ابتسمت لها مكة بحب، فتابعت ديجا قائلة:
- وهقولك حديث تاني عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: "الصيام جُنة وحصن حصين من النار".
نظرت لها ديجا بتمعن وهمست:
- بنصوم عشان نتقرب من ربنا ويحبنا ويغفر ويعفو عنا وعشان ينجينا من نار جهنم.
وعشان نصوم لازم تكون بنية بأن ننوي الصوم لله.
ويقول رسول الله ﷺ: "من صام يومًا في سبيل الله، باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا". يعني سنة.
ولأن الصيام شفيع لنا يوم القيامة.
وكمان بيدخلنا الجنة من باب الريان وهو باب يدخلون منه الصائمون.
توجهت عيناي مكة واشرق وجهها بسكينة وراحة وقالت بصدق:
- الله! كل دا؟ أنا من النهارده وعد مش هسيب صيام إثنين وخميس أبدًا.
نهضت ديجا مقتربة منها بمشاكسة وهمست:
- وأنا مش هخليكِ متصوميش أصلاً.
نهضت مكة هامسة بعدما قبلت ديجا وقالت وهي تتثاءب بنعاس:
- هروح بقا أنام. السلام عليكم.
دلت قدميها وهمت بالوقوف لتجذبها ديجا من ملابسها وهي تصيح:
- لا، ننام سوا.
انصاعت لها مكة وأخذت مكاناً وتمددوا الفتيات بجانبها لتفتح ديجا ذراعيها تضمهم ثلاثتهم بحنان وحب. سرعان ما غفوا وهم يعانفوا بعضيهما.
جلست وعد على المقعد تعد الثواني والدقائق، تضم نفسها بذراعيها كأنها تستمد الدفء من نفسها، ولكن أين الدفء إن حصل له شيء؟
أغروقت عيناها بالدمع وتدفق فجأة. لا هي لم تبكِ قبلاً، فقد تعلمت أن لا تظهر ضعفها حتى لنفسها. فهل يفعل كل ذلك الحب بها؟
كم هو قاسٍ يا الله، يا ليتها كانت تعرف معنى الحياة بدونه لما كان حالها وحال قلبها هكذا. فإن قلبها به وجع صعب وصفه.
الحب مجرد تلاقي للأرواح والقلوب. لو علموا أن نهاية ذلك أنهم سيعودون أغراب كما كانوا لما تلاقوا.
أغمضت عينيها وهي تسند رأسها للخلف وتذكرت شاردة برحيم وصدى صوته اخترق أذنها ليتردد مراراً وتكراراً.
"خلي بالك من أمي واختي، دول أمانة عندك".
بسمته الهائمة التي ظهرت على ثغره بعد تلك الجملة انحفرت بثغره بسويداء القلب ذو جرح غائر. وتريث قليلاً وعاد هامساً بخفوت ووهن: "وخلي بالك من وعد وقلب وروح وعد، عشان دي قلب رحيم اللي محدش قدر يكسره أبداً".
رفع سبابته مزيحاً دمعاتها، العين تلي الأخرى، ورمش بعينه وهو يغلق جفونه بثقل وهمس: "يا روح رحيم، مش عايز أشوف دموع في عيونك لأنها بتقتلني، فاااهمة؟ خلي بالك منك لأنك أنتِ أنا. ولو حصلي حاجة، إياكِ تسيبيهم يا وعد، خليكِ أنتِ رحيم تاني ليهم، سند وظهر وأمان واحتواء. أنا. أنا."
صمت يلتقط أنفاسه وهمس بنبرة متقطعة: "بحبك".
وأغلق جفنيه رحالاً من تلك الحياة الغدارة التي صعب بها أن تجد أحدًا يحبك بصدق. هنيئاً حقًا لذاك الذي يجد شخصًا يهواه، ويا حبذا له بوجوده فيغنيه عن العالم بما جمعت. هيهات أن يجد الشخص أحدًا يكن له الروح حقًا ويحبه كـ نفسه، كـ ظله، كـ هو ولا فرق، يتمنى له الخير ويحفظه دون حروف. لكن إن وجد، فهنيئًا له.
فطر قلبها وارتجف جسدها وارتجف قلبها خوفًا أن يتركها وحيدة بعدما أعد هو عالمها ومملكتها. إنها أصبحت تخاف أن ابتعد وتطمئن أن أقبل.
رفعت قدميها على المقعد تحيطهم بذراعيها ودفنت رأسها بهما مجهشة بالبكاء.
ساعات تليها أخرى وانفتح باب غرفة العمليات وخرج الطبيب، فهرعت وعد نحوه وكذا فعلت غادة ووالدتها. فبادرت وعد متسائلة بوجل ونبرة لاذعة وهي تكابد أن تبدو بخير وقد كفكفت دموعها:
- طمني يا دكتور، رحيم كويس مش كدا؟
بدا الارتياح والسكينة على وجهه الباسم بوهن مما بذل من مجهد وقال:
- الحمد لله، هو حاليًا في حالة أحسن بكتير وتعدى مرحلة الخطر، ولكن هيفضل تحت الملاحظة لحين يستعاد وعيه. ادعوا له وحمد الله على سلامته.
هوت دموع وعد مصحوبة بضحكة فرحة مسرورة وتوهج وجهها وعادت لها لمعة عينيها. وضعت يدها على قلبها وهمست مغلقة الجفون:
- الحمد لله يا رب، الحمد لله.
ونظرت للحجة صفية بحب بإبتسامة. فتلاشت ابتسامة الحجة صفية ورمقتها بغضب. فلم تعطي وعد لها اهتماماً وهمست بحب تعبر عن فرحتها:
- رحيم بخير، هيقوم. أنا أنا هروح أصلي وأشكر ربنا.
أنهت جملتها وكانت اختفت بلمح البصر.
بينما الحجة صفية جزت على أسنانها وهي تكظم غيظها.
استيقظت مكة بفزع وهي تنظر للساعة لتعلم أنها تأخرت عنه وما ينتظرها صعب للغاية. نهضت مسرعة وتوضأت لتصلي. وما أن فرغت من صلاتها حتى هرولت للأسفل مقبلة لغرفة التدريب.
دلفت للداخل بحذر تتلفت هنا وهناك، ولكن كان المكان يعمه الهدوء والسكون. لم تجده بعدما بحثت عنه. فوقفت بمنتصف الغرفة هامسة بتفكير:
- يا ترى راح فين؟ ولا بيعمل إيه؟ وهيعمل فيا إيه عشان اتأخرت؟ يا ررربي، كان مالي ومال المجنون دا.
ثم صمتت مليًا وجابت عيناها الغرفة حتى أبصرت أقرب مقعد فمضت جالسة عليه بتريث وحادثتها نفسها قائلة بوجل:
- أكيد بيخطط يعاقبك إزاي، مش هيسكت على تأخيرك دا أبدًا.
يا ترى هيعمل فيا إيه؟ قالتها بصوت مسموع ولاذت بالصمت مرة أخرى وزمت شفتيها وهي تفكر. فاتسعت عينيها وتجلى بهما نظرة صدمة وهي تهب واقفة وقد خيل إليها ما سيفعله بها وهمست بنبرة جافة وأعين يلمع بها الدمع:
- يا ربي، هيعمل فيا إيه؟ أكيد هيموتني ومش بعيد كمان يعمل مني فراخ مسلوقة.
صمتت لثوانٍ وعادت قائلة لنفسها:
- بس أنا مش بحب المسلوقة، بحب المشوية.
ثم وضعت كفها أسفل ذقنها بتفكير وتابعت قائلة:
- ولا يكون هو مش بيحب الفراخ ويعمل مني كفتة؟ يا ترى هيعملني إيه؟ فراخ محمرة؟ طب يا ربي، هيمسكني يقطعني ويأكلني ويهرسني؟ يا مامااااا.
# إيه؟ أنتِ اتجننتي؟ بتكلمي نفسك؟ ولا عقلك طار خلاص؟ أنتِ مش طبيعية والله؟ أنا أول مرة أقابل واحدة كدا!!
هتف بهما عثمان وهو يدلف من الخارج بشموخ.
حتى وقف قبالتها واضعاً ذراعيه خلف ظهره.
تلجلج صوتها وتسمرت مكانها وتملكها الإرتباك والتوتر الشديد وقالت موضحة:
- أبداً، أنا مش بكلم نفسي ولا حاجة. هو أنا اتأخرت غصب عني.
هتف بهدوء ونبرة باردة:
- تمام، مفيش مشكلة. "ثم وهو يوليها ظهره" يلا نبدأ، جاهزة؟
# آه.
همست بها وهي تؤمئ برأسها. وصدى كلماته تخترق أذنيها حاصةً تلك الجملة "أنا أول مرة أقابل واحدة كدا". ماذا يعني؟ هل له علاقات مع فتيات أخريات؟ هل يحب إحداهن؟ هل هي لا شيء بالنسبة له؟ قلبه ليس لها؟ ولكن لماذا هو استحوذ بعنوة فؤادها وجثم به؟
أدمعت عينيها وفطر قلبها وأضناه الألم. غابت عن ذاتها، لم تكن معه، كانت شاردة لا تعي شيئًا. فاقت على صوته وهو يتساءل بنبرة باردة بوجه جامد خالٍ من التعبير، ولكن يتوارى خلفه هلع وخوف. ما إن رأى دموعها:
- مالك؟ أنتِ كويسة؟ لو مش قادرة النهارده نكمل بكرة؟!
رفعت بصرها به وتلاقت الأعين. ويا ليتها لم تلتقِ، فقد اخترق بصرها فؤاده كـ سهم مسموم من دموعها تلك المتحجرة بمقلتيها. تمنى لو يزيحهم بذاته وأن يعرف سبب ذلك الحزن الذي عتم عينيها الجميلتين اللتين تنعش فؤاده وتبتهجه.
هزت رأسها وهي تزيح دموعها التي انحدرت على بغتة وتريثت قليلاً وقالت هامسة:
- موافقة، يلا نبدأ وهيكون آخر يوم.
قطب حاجبيه بتعجب ودهشة. لا يدري ما أصابها. أتلك هي حقًا التي كانت تجاهد كي تتمرن مفعمة بالحيوية؟ لا ينكر إعجابه بمسكتها بالأمر، ولكن ما بها الآن؟ هز منكبيه بإستهانة وجذب قفازات وقذف بهما إليها وهو يقول:
- امسكِ.
تلقتها بدورها بصمت وارتدتهم وهي تحذو حذوه.
أشار بيده لها كي تقترب وبدأ يعلمها كيف تصد اللكمات وماذا هي فاعلة إن هاجمها شخص من الخلف وقيد ذراعيها.
بعد وقت وقف لاهثًا قبالها:
- يلا نبدأ، أنا همسك وريني بقا هتضربي إزاي، تمام؟
أومأت برأسها والحزن ما زال يخيم عليها يقيدها، فكانت منطفئة، ليست المجنونة الثرثارة التي طالما عرفها ولا تكف عن الحديث.
وقف خلفها مقيدًا ذراعيها، ففعلت كما علمه إلا أنها فشلت. فهمس مكررًا المحاولة:
- مفيش مشكلة، مش هنيأس، هنحاول تاني وتالت، يلا.
عاد لتقيدها، فترددت جملته على أذنيها مرة أخرى وانشغلت بها. فهمت أن تمسك بيده وتلويها، فلم تستطع لقوة بنيانه. فكان كـ لوح ثلج صعب زحزحته وصعب ذوبانه. فمن هي تلك النحيلة الضئيلة أمامه؟ ولكنها لا تنكر أنها حقًا تعلمت الكثير والكثير منه. همت وهي تدفعه أن تسقط، فجذبها هو من خصرها إليه، فأصبحت قريبة منه للغاية، لا يفصل بينهما شيء. وتعلقت الأعين وألتقى الأرواح وتحالفت القلوب بعهود العشق وما شبه.
هلكتها أنفاسه القريبة، فأغمضت جفنيها تحاول الثبات أو أن تبتعد. كابدت على ذلك فلم تستطع، فكل ما به ينطق باسمه. فتحت جفنيها تتلاقي بعينيه الهائمتين بها بحنان وهمست بحروف متقطعة:
- أنا بـ حـ ـبـ ـك.
اتسعت عينيه وحملق بها وخفق قلبه سريعًا. ابتعد للخلف خطوتين، فتلعثمت هي وقالت بخفوت وصدق:
- أيوه، أنا بحبك. مش عارفة حبيتك امتى، بس بحبك. أنت أنت بقيت كل حاجة. قلبي بقي ينبض باسمك وروحي. أنت بقيت سعادة نفسي وراحة قلبي وسكينة روحي.
لاذت بالصمت، وأنسدلت دموعها ببطء. بينما أغمض هو عينيه بصراع مع ذاته وبدا كـ المتفكر. لذا فتح عينيه بوجه مرعب وأعين تحيطها هالة مخيفة محمرة. ودنا سريعًا جاذبها من مرفقيها:
- أنتِ هبلة ولا بتستهبلي؟ حب إيه دا؟ ولمين أحبك أنتِ؟
رفعت نظرها بصدمة. لم يكن المقبض مساويًا لألم فؤادها وقلبها الجريح وكرامتها. تحاشى النظر لعينيه واتسعت ابتسامة هازئة ساخرة على جنب فمه وهو يقول:
- ليه رخصتي نفسك كدا؟
ولاها ظهره، وسهام ورماح تخترق صدره بلا هوادة توخزه دون رحمة. وتلجلج صدره وتابع قائلاً:
- أنا مش بحبك وعمري أصلاً ما أفكر إني أحب. ومين أنتِ؟ لا لا، اللي بتعترف بحبها تبقى رخيصة ومتستاهلش.
أمسكت ذراعه لتديره تجاهها ورفعت كفها تود صفعه، ولكن كفه كان أسرع، فأمسك بذراعها حائلاً قبل الوصول لوجنته. وبأعين يتطاير منها شرار الغضب همس بصوتاً مخيف:
- لا عاش ولا كان اللي يرفع إيده عليا، أنتِ سامعة؟ أنا أمحيكِ في ثانية؟
نظرت له بجمود ونظرات خالية وهي تقول بثبات وقوة:
- أنت مفكر نفسك مين عشان تهني بالأسلوب دا؟ يا أخي ملعون أبو الحب اللي يزل صاحبه كدا! الحمد لله أظهرتلي إنك متستاهلش حبي ولا قلبي أصلاً. ولا تستاهل إنك تتحب. أنت مين أصلاً؟ واحد متكبر وشايف نفسك معرفش على إيه.
بسط راحة يده وقبضها وبرزت عروقه بغضب هادر وقال بصوتاً أشبه بالفحيح:
- امشي. امشي يا مكة من قدامي دلوقتي.
عقدت ذراعيها وهي ترمقه بنظرة ثاقبة وهمست بعند:
- لا مش ماشية، وريني هتعمل إيه؟
# قووووولت أمشي من قداااامي.
صرخ بها بصوتاً عالٍ وهو يرفع يده ويهوي بها على لوحًا من الزجاج الذي كان مصنوعًا به الطاولة.
أنفزعت وهي تسد أذنيها وتنتفض للخلف صارخة معه.
وقف لاهثًا أمامها كـ الثور الهائج وصوت أنفاسه يعلو وعينيه تتسع.
وبسط كفت يده التي يسيل منها الدم.
هوت دموعها تهوي هوياً بخوف وأقتربت مجهشة بالبكاء وهي تتمسك بكفته بقلق تكتم الجرح بكفيها وهي تهمس بشهقات تتزايد ونحيب يعلو:
- وجعك صح؟ طب طيب ليه عملت كدا؟ حرام عليك والله حرام عليك، ليه تعمل فيا كدا؟ أنا مقدرش أشوفك بتتألم، قلبي بيوجعني.
تبدلت نظرته الغاضبة لنظرة حانية عاشقة.
أخذت بيده وأجلسته وهو تاركًا ذاته لها دون معارضة. أسرعت تجيء بعلبة الإسعافات الأولية وضمدت جرحه ولفتها بشاش أبيض. ونظرت له بأعين معاتبة. طالعها هو بنظرة مؤلمة أسفة مغممة بالأسى. يود أن يطلب السماح، يود أن يعاقب نفسه لأنه كان سببًا في دموعها العزيزة على قلبه.
يا ليتها تدري أنه وجع فؤاده وأماته وجاء عليه قبل أن يقول ذلك. فهو حكم على قلبه بالعذاب وحرقة الألم وجرحًا لن يلتئم.
أدمعت عينيها وفاقت لذاتها وهي تتذكر كلماتها. فهرولت من أمامه باكية.
أغمض عينيه متأسفًا كاسف البال. يدق قلبه دقًا عنيفًا يصرح يريد اللحوق بها واحتوائها بين جدرانه.
نظراتها المنكسرة التي طالعته بها وعينيها التي بثّت له الكره ودموعها الجارحة وقلبها الهزيل دق حصون قلبه بقوة، فحكمه فانتزع قلبه منه وانسحبت روحه تهفو إليها تطوف حولها.
صعدت مكة مهرولة لغرفته ولجت غالقًة الباب خلفها وهرعت متوارية بفراشها تبكي بصوت يقطع نياط القلب بداخل حناياها نار مقيدة تأبى أن تخمد. فطر قلبها وأخذت دموعها تنحدر بلا تأني.
كلماته ما زالت تتردد على مسامعها كأنه يصرخ بهما ولا يكف. فانعدلت صارخة وهي تصد أذتيها:
- ببببببس! كفاية بقا.
أنا عملت كدا إزاي بس؟ والله مش عارفة، أنا ليه اعترفتله؟ يارررب.
بكت كما لم تبكِ قبلاً بدموعًا ليس لها نهاية.
لا تدري كيف نطقت تلك الكلمة، كيف خرجت حروفها من فمها؟ لم تفكر يومًا أن تخبره، فما بالها الآن؟ لما اعترفت؟ هي ليست سائغًا سهلاً، هي غالية، غالية للغاية.
ربااااه! كلماته كـ سكين ينغرز بفؤادها ويخرج ويعاد طعنه. أهذا هو حبيبها؟ الذي عشقته؟ ها هو أهانها دون أن يعبئ بكرامتها. كيف أحبته؟ كيف لقلبها أن يلهج بعشق شخص كهذا قاسي القلب؟
ولج هو لغرفته كالح الوجه وأخرج حقيبته ونقل بها كل ملابسه من الخزانة. حينما انتهى من إعدادها أغلقها ووضعها جانبًا. وجلس على طرف الفراش واضعًا رأسه بين كفيه. وأسبلت عبراته واعتلج الهم صدره. انغمس بالآحزان وجرحه الذي يؤلمه ولا يدري كيف يداويه. روعة أصبحت كتلة من نار، يريد أن يعاقب نفسه التي آذاها بتلك الطريقة، لكنها غالية، غالية للغاية. ويجب أن تدري أنه هو من يبادر باعترافه وليس هي.
لا يريد الارتباط به ولا أن يرحل ويتركها خلفه تتعذب بقلب لن يدري للسعادة شيئًا. لذا عليه الابتعاد قدر الإمكان.
بدل ملابسه وذهب لعمله وظل يعاقب نفسه بما لا تستطع عليه صبرًا. فقلبه مريض بعشقها.
تجلس أسماء كعادتها على المرجوحة بحديقة الدار، منشغلة الذهن بـ مكة التي لا تدري ما بها وآبت أن تتحدث وتخبرها ولم تبرح فراشها.
ممسكة بين كفيها إحدى الروايات لكنها غير منتبهة لأي شيء.
# أي دا؟ هي الكتب بقت تتقري بطريقة تانية؟
قالها حذيفة المقبل نحوها وهو يرى الكتاب مقلوبًا.
فرفعت نظرها به بعدما وقف أمامها وهمست سائلة:
- طريقة تانية ليه؟ مش فاهمة؟
همس وهو يجلس بجانبها:
- القمر سرحان في إيه؟ وإيه اللي شاغل عقله؟
توردت وجنتيها وزاد توترها وارتباكها وارتج فؤادها ودقت بعنف وازدلت ريقها وهمست باسمة برقة وغباء:
- مين القمر؟ يا الله! قربه مهلك، يجعلها تحلق بالآفاق، كـ نسمة عطرة باردة هلت فجأة لتنعشها وتنعش فؤادها.
همس وهو يتمعن النظر بها:
- مين القمر؟ بتسألي؟ هو في قمر غيرك هنا؟ قمر ينير قلبي وعقلي وسمايا؟ دا أنتِ نجمتي الساطعة اللي بتنير حياتي، لولاها لكانت حياتي وقلبي كاحلة السواد.
توردت وجنتيها وتألقت عينيها ببسمة ساحرة وتوهج فؤادها مسرورًا وغضت بصرها وفاق توترها الحد وهمست:
- شكراً.
قهقه رغماً عنه وهمس:
- إيه يا حبيبتي شكراً؟ العفو يا ستي.
# قولت الكلام دا لكام واحدة قبلي؟
همست بها أسماء وهي تتحاشى النظر له وقد انطفأ توهجها.
سؤالًا كان يحيرها وما زالت حائرة الفكر به. تغلي الدماء بأوردتها من فكرة أنه قد قالها لغيرها. حقًا ستتحطم وستنكسر كليًا وستصبح جثة لا حياة بها.
صمت قليلاً بتريث وتلجلج صدره ونظر أمامه بالفراغ. وعلا صوته قائلاً:
- ليه السؤال دا؟
تنحنحت قائلة وهي تنهض بهدوء مبتعدة قليلاً وهمست:
- لازم أعرف، هتفرق كتيررر.
وقف بدوره مقتربًا منها وقال بعد صمت دام لدقائق:
- الماضي مش هيفرق، الحاضر بس هيفرق معاكِ ومعايا. الماضي راح وأنتهى. أحنا دلوقتي في الحاضر وبس. وأي كلمة هقولك بتكون من قلبي، قلبي اللي بينطق بيها قبل لساني. كلام بحس بيه فبقولهولك. واعرفي، لا اتأكدي إن مفيش ولا واحدة قبلك ولا هيجي بعدك واحدة هقولها أي كلمة من قلبي.
ألتفتت ناظرة له بتمعن وهمست وهي تفرك يديها:
- هو أنت أي بنت كلمتها...
صمتت بتوتر وارتباك ولم تدري ما تقول فـ لاذت بالصمت. فحثها على الإكمال قائلاً:
- قولي، مالهم البنات؟
# عملت مع أي واحدة علاقة؟
همست بها سريعًا مخافة أن ينعقد لسانها مرة أخرى.
هز رأسه نفيًا وبصدق تابع:
- لا لا والله موصلتش لكدا. آآه بكلم وبخرج وممكن أه بقول بحبك ومعرفش إيه والكلام الحلو دا، لكن غير كدا لا.
رفعت بصرها بعينيه وهمست بنبرة لاذعة:
- بجد ولا بتقول كده وخلاص؟
هز رأسه أسفًا و ولاها ظهره هامسًا بضيق:
- أنتِ ليه مش بتثقي فيا؟ فين الثقة اللي بينا؟ وعشان تطمني "استدار مقتربًا منها ونظر بعينيها وتابع": والله ما بكذب عليكِ ولا كان في بيني وبين أي واحدة علاقة. اطمني، قلبي وأنا ملاكك أنتِ وبس.
توردت وجنتيها بحياء فغضت بصرها بإرتباك.
أقترب ممسكًا بكفها فأرتعشت وسحبت يديها سريعًا وهي تقول:
- لا يا حذيفة حرام كدا.
قطب حاجبيه وتساءل بتعجب:
- حرام؟؟ أنتِ هتبقي مراتي.
همست باسمة وهي تتطلع لمحياه:
- هبقى لكن لسه؟ ولحد ما أبقى فـ حرام، أنت ابن عمي يعني.
قاطعها مكملاً جملتها:
- ابن عمك وابنك واخوكِ وحبيبك وزوجك إن شاء الله. ومبسوط إنك من نصيبي ومش مصدق إنك هتبقي ليا. دا حلم كان بعيد أوي صعب أوصله.
صمت بعد تلك الجملة لتنظر له بتعجب وحثته على الكلام قائلة:
- ليه صعب؟
أقترب من أذنها هامساً بسرعة:
- هقولك لما تبقي مراتي.
وغمز لها بمكر واستدار ناحية الأرجوحة جالسًا عليها وألتقت الرواية قائلاً:
- أما شوف بتقري إيه!! وحش الغابة؟ أنتِ بتقري رعب؟ مش خايفة؟
قالها بتعجب شديد وهو يصرف بصره عليها. فابتسمت وهي تقترب جالسة على طرف الأرجوحة بعيدًا عنه وهمست وهي تجذبها من يده:
- وحش الغابة هي... آه، رعب شوية بس رومانسية كمان وجميلة. وبتتكلم عن السحر.
تسأل بذهول:
- سحر؟ ليه؟ هو في حاجة زي كدا؟
أومأت برأسها مؤكدة:
- السحر موجود وياما أمراض ناس وفرق أزواج وموت ناس. السحر دا بيعملوه الناس الحاقدة اللي بتغير. يا ما يعملوه بالمرض ويفضل الإنسان مريض ومفيش أي دواء جايب نتيجة. يا ما بالموت، يا ما بيفرقوا بيه الزوجين. حاجات كتير أوي.
هز رأسه غير مقتنع بكلامها وقال:
- لا لا مفيش حاجة زي كده أكيد!!
ابتسمت بتفهم وهي تقول:
- في يا حذيفة، في بيوت كتير مبتلية بالسحر دا، ربنا يفرج عن الجميع.
أمن لقولها ونظر لها هائمًا والفرحة تغمر روحه. تأملها بحب.
تنبهت لشروده بها فهمست بتساؤل:
- مالك بتبصلي كدا ليه؟
أزدلت ريقه ونظر لها بأعين تتألق وتسطع بعشقها وقال بمشاكسة:
- دا عيوني؟ مش أنا بتسأليني ليه؟ اسأليهم هما.
لوت فمها بحنق وهمست محتجة:
- يعني أسأل عنيك إزاي أنا؟
# أنا جعاااان.
قهقت رغماً عنها وهمست من بين ضحكاتها:
- طب ما تروح تأكل؟ إيه اللي منعك؟
ابتسم هامساً وهو يعتدل بجلسته مقابلًا لها:
- اللي منعني إن ماما بتطلب تهتم بابنها.
تصنعت الإنزعاج وهمست:
- لا لا، أخص عليها. ملهاش حق تنسى ابنها؟!
# قوليلها ياااختي.
همس بها حذيفة وهو ينظر أمامه متصنع الزعل.
فـ وثبت أسماء قائلة:
- ماما أصلاً متقدرش تنسى ابنها. هي محضراله اللي بيحبه.
تجلس ديجا على الفراش تضع قبضة يدها على قلبها التي تضم بها ورقة كأنها تخشى على شيئًا عزيزًا للغاية فتضمه لفؤادها. أضنى الحزن فؤادها وتدفقت الدموع من عينيها وهي تتذكر عبد الله وقتما قبل أن يصعد السيارة ضم رأسها بين كفيه وتسال وهو يجثو على ركبتيه أمامها:
- خديجة، أنا لو وصيتك على حاجة تعمليها أول ما ترجعي، وأنا متأكد إنك هترجعي لأهلك بخير إن شاء الله.
هزت ديجا رأسها وهي مجهشة بالبكاء. ليخرج عبد الله ورقة ورفعها أمام وجهها قائلاً:
- الورقة دي فيها عنوان بيتي. لو حصلي حاجة ومرجعتش، روحي قوليلهم يسامحوني لأني السبب في كل دا. وخلي بالك منهم، أنا متأكد إنك هتخلي بالك منهم لأن قلبك كبير وأبيض. ولو رجعت وجيتي هنتقابل. بس لو مرجعتش ادعيلي دايماً واوعي تنسيني، خليكِ فكراني ومتنسيش من دعواتك وسامحيني.
علا نحيب ديجا وهي ترتجف. فلثم عبد الله جبينها وضمها لصدره بحنان أب وهم بالابتعاد. لتتمسك ديجا بملابسه وشهقاتها تعلو ونحيبها.
ربت عبد الله على يدها وقال بتعجل:
- لازم أمشي يا ديجااا ومتنسيش اللي قولتلك عليه.
قالها ودموعه تهوي هوياً على وجنتيه وابتعد عنها مستقلاً السيارة.
فاقت ديجا على يدًا تهزها بقوة وصوت لمار تقول بهلع:
- دددديجااا، مالك يا حبيبتي؟ بتعيطي ليه؟ في إيه؟
علا بكاء ديجا وهي مغمضة الجفون. فأخذتها لمار بين ذراعيها وجلست وهي تضمها أكثر لصدرها. ربتت على رأسها متسائلة بقلق وقلب يتألم كأن دموعها أسهم تخترق فؤادها فتترك به أثرًا لا يزول:
- ديجااا، مالك؟ حد زعلك طيب؟
هزت ديجا رأسها وشدت من قبضة ذراعيه حول عنقها وهمست بصوت مختنق من كثرة البكاء:
- عمو عبد الله.
جاهدت كي تتذكر ذاك الاسم لاسيما قد استمعت إليه قبلاً. جاهدت لمعرفة من صاحبه. فهمست وهي تحاول التذكر:
- عبد الله، متهيألي إني سمعته قبل كدا بس مش فاكرة فين.
ابتعدت ديجا وقد هدأت قليلاً وقصت عليها كل شي.
انحصر الألم قلب ديجا وأضناه الوجع مصحوبًا بالأشتياق والحنين. ودت لو تراه، أن تطمئن عليه فقط؟ أن ترتوي من ملامحه وتسكن قلبها الهائج، أنه بخير.
علت وجهها ابتسامة مشرقة. ووقع تلك الكلمات على قلبها كما تقع قطرات الماء على أرض يابسة متلهفة للسقيا.
"خلاص ولا تعيطي ولا أشوف دموعك الغالية دي، إحنا هنروح نطمن على عيلته وعليه. وليكِ عليا لو مرجعش أنا مش ههدا غير لما ألاقيه وأشكره إنه رجع لي قلبي اللي كان غايب ونفس اللي بتنفسه".
قالتها لمار وهي تزيح دموع ديجا التي توهجت ببريق البهجة.
فبشاشة قالت ديجا والفرحة تطل من عينيها:
- بجد والله هنروح؟
داعبتها لمار من وجنتها تشاكسها وقالت بحب:
- بجد والله هنروح، كله إلا زعل بنتي حبيبتي. وكمان هنمشي دلوقتي.
صفقت خديجة بكفيها بقلب يتراقص فرحًا وروحًا تهفو للقاءه.
عانقت لمار وظلت تقبلها بحب.
دقائق واخذتها لمار ليستقلوا السيارة وتنطلق للعنوان المدون بالورقة بعدما أخذتها من ديجا التي كانت تضمها كـ شيء غالي تخشى فقده بقوة تود لو تخبئه أو كأن قلبها هو ما بين قبضتها؟
ترجلت لمار من السيارة بوئيدة تتلفت حولها وعينيها تتفحص تلك الحارة التي مبانيها رثت الهيئة، والوحل الذي غطى على عجلات القيادة حتى قدميها لم تسلم منه. تطلعت بالمكان بريبة. ضجة عالية أتت من خلفها لتلتفت برأسها إذ بأطفال كثيرة تلهو بفرحة وضحكاتهم تعبئ تنشر البهجة. فأبتسمت تلقائياً بسعادة وراحة. تنبهت لصوت ديجا لتستدير ممسكة بالباب وبسطت كفها الآخر وهمست:
- هااتي إيدك يا ديجا وانزلي براحة.
أنصاعت ديجا على الفور ووضعت كفها بكف لمار وترجلت بتريث وترقب وعينيها تتفحص المكان بغرابة وتعجب.
رفعت رأسها تود أن تعلم ما ذاك المكان ولما المنزل بتلك الهيئة فتساءلت ببراءة:
- خالتوا لمار، هو عمو عبد الله ساكن هنا ليه البيوت كدا؟
نظرت لها لمار بتريث وبدا عليها التفكير وهمست:
- أه، هنا البيت أكيد.
ثم صرفت بصرها للطريق وحينما مرا من جانبها أحد سألته عن منزل عبد الله الذي كان كاملاً بالورقة. وأشار لها الرجل على مبنى رث الهيئة بعيدًا كم خطوة لا غير. فشكرته لمار وقبضت على كفت ديجا وأخذت بيدها هنالك. ارتقيا الدرج للدور الذي به الشقة وطرقت لمار طرقات خفية، فآتاها سكون فقط. فعادت الطرق مرة أخرى ولم تجد رد وسكون آتٍ من الداخل كأن لا أحد يسكن به.
صوت صرير باب آتٍ من خلفها جعلها تتنبه له، فـ استدارت إذ بالشقة الأخرى تفتح وتطل من خلفه امرأة غمغمت قائلاً وهي تنظر لهما بتفحص:
- مفيش حد في الشقة. أنتِ عاوزة مين؟
تقدمت لمار بضع خطوات بـ ديجا وهمست باسمة:
- كنت عاوزة عبد الله أو زوجته. متعرفيش فين ألاقيهم؟
كسى الألم وجه المرأة وقالت بنبرة مفعمة بالحزن:
- يا عيني عليها أم سيد مبترجعش من المستشفى ببنتها وسايبة باقي عيالها عند أختها. وسي عبد الله من يوم ما غاب مرجعش.
ضغطت ديجا بألم على كف لمار وضنى الوجع فؤادها وأسبلت عينيها. التفتت لها لمار تطمئنها بنظرة ولسان حالها يهتف بقلق:
- طيب متعرفيش المستشفى فين؟
# أعرف يا حبيبتي أمال معرفش إزاي؟ دا أنا كل يوم عندها؟
ثم صمتت قليلاً بدا بتفكير وتساءلت:
- أوصفلك الطريق ولا تستني أروح معاكم؟
تبسمت لمار قائلة:
- هستناكٌِ مفيش مشكلة ونروح سوا لأني مش هعرف المكان هنا.
بادرت المرأة بفتح الباب لآخره وتنحت جانبًا مشيرة بيدها للداخل مرحبة ببهجة:
- تعاليوا اتفضلوا شرفونا لجوه لحد ما أغير بس.
بشكر وامتنان قالت لمار باسمة الوجه والعينين:
- لا لا شكراً، أنا هستناكِ تحت في العربية.
أقتربت المرأة تجذبهم للداخل وهي تقول بانفعال:
- لا والله أبداً ما يحصل، لازم تدخلوا متستنوش في الشارع.
انصاعت لمار ودلفت معها إلى أن بدلت ثيابها ورحلوا سوياً حيث المستشفى. لم تكن بعيدة نسبياً عن تلك الحارة. فوقفت السيارة بعد وقت وترجلوا يسيرون خلفها.
هالها منظر المرء خارج المستشفى، فعدد هائل جالس منهم من يبكي ومنهم من يضع رأسه بهم بين كفيه. فما أن دلفت للداخل وخزها فؤادها وهي ترى صريخ أم تحمل طفلها بين ذراعيها تبكي. توجهت لمار لرؤية زوجة عبد الله التي رحبت بها بشدة وعرفت خديجة. فقد كان عبد الله قد أخبرها بكل شيء عن ذاك العمل الذي وقع ضحيته هو. فرحبت بها بشدة.
جلست خديجة بجانب ابنة عبد الله الذي دائمًا ما كان يحكي عنها لها. كانت شاحبة الوجه مدعوجة العينين وهنة نحيلة جدًا.
بعد وقت قررت لمار نقل الطفل بمستشفى يوسف حتى تتم العملية، بينما بكت بحرقة زوجته وهي لا تصدق أن طفلتها ستفعل العملية.
توجهت لمار بعد ذلك لمدير المستشفى وتبرعت. ورنت بـ يوسف تطلب منه سيارة لنقل الطفل ولبى النداء ولم يخب. فما هي إلا دقائق ووجدت أخاها يقبل عليهم وتم نقل الطفلة للمستشفى. وكُلفت لمار أشخاصًا بالبحث عن عبد الله.
جلسوا الفتيات بجانب بعضهم يتسامرون وهم يعدون الطعام.
بينما أتاهم صوت ياسين المتعض هاتفاً:
- يعني إيه ماشي؟ أنت اتجننت؟
هرعوا الفتيات للخارج فرأوا ياسين يحاول منع عثمان الذي ممسك بحقيبة ويبغي الخروج.
هتف عثمان بصوتاً حانق:
- ابعد يا ياسين لو سمحت وسيبني امشي.
دفعه ياسين من صدره للخلف وهو يصرخ به:
- هو إيه اللي أسيبك تمشي؟ مش هتمشي.
زفر عثمان بضيق وقال بهدوء:
- ياسين، مش هاغيب كم يوم كدا بس وهرجع، صدقني.
بعد منازعات ووقت دام لدقائق صدح صوت أدهم صارخًا بهم:
- في إيه؟
أقترب من عثمان متسائلاً بدهشة:
- وأنت رايح فين بشنطتك؟
نفخ عثمان بضيق وتحدث وهو يصرف بصره على مكة وراح يرتوي منها:
- مفيش، بس هروح شقتي كم يوم كدا وراجع.
خفق قلبها لقوله وأدمعت عينيها. صرخ أدهم به:
- لملم هدومك كلها عشان كام يوم بس؟ أنت بتستهبل؟ وبعدين إيه السبب؟ مفيش حد هيطلع؟
أقترب عثمان منه هامسًا له بهدوء:
- معلش يا عمو خليني أمشي، صدقني أول ما أحس إني هقدر أرجع هرجع.
لاحظ أدهم نظراته لمكة وفي ذات الوقت نظرات مكة التي يغلفها الحزن والألم والكسرة والوجع. فتنهد مفسحًا الطريق له وضرب على كتفه قائلاً:
- روح وهجيلك نتكلم.
أومأ عثمان بينما صاح ياسين بغضب:
- يعني ااايه يروح؟ أنت سمعت قلت إيه؟
ربت أدهم على كتف ياسين قائلاً:
- سيبه وخلينا نبقي نروح نتكلم معاه ونعرف السبب.
كانت عينه لا تحيد من عليها يرتوي منها ويحفر ملامحها أكثر وأكثر بقلبه ويغمر روحه من عينيها التي تبث له السعادة. وغادر فـ أنسدلت دموعها واحدة تلو الأخرى بحرقة على حبها الذي ضاع على كرامتها التي انهدرت وصعدت هاربة من أمام الجميع تلوذ بغرفتها تبكي وتبكي وهي تتخيل نظراته الحانية حينما أنقذها، كيف كان ملهوفًا عليها؟ أحقًا ذاك القلب لم يهواها أم أنه يخبئ شيئًا ما؟
أمسكت هاتفها بعد وقت متصلة بأحد ما تطلب منه اللقاء. فمن هو؟ و على ماذا تخطط؟
رواية دموع العاشقين الفصل العشرون 20 - بقلم ندى ممدوح
بإحدى الكافيهات دلفت مكه بخطوات ثابته متزنه.
تبسمت لبعض الفتيات والشباب وهي تتقدم منهم، فما أن وقفت بقربهم صافحتهم بمحبه وجلست فتسامروا قليلاً.
وقف شاب ناصع البياض ذو أعين خضراء، نحيل الجسد، طويلاً. خاطب مكه قائلاً:
"مكه، هل تأتي قليلاً؟ أريدك بشيء على انفراد."
هبت واقفه قائله بإبتسامة:
"حسناً."
نظرت للفتيات وتابعت قائله:
"أستأذنكم لبعض الوقت، لن أتأخر."
أومأوا لها بإبتسامة. بينما خرجت خلفه خارج الكافيه بمكان منزوٍ عن الطريق. وقفت بعيداً عنه قليلاً، فبادر هو قائلاً:
"أخبرتيني على الهاتف أنكِ أخذتِ قراراً بطلبي، أود أن أسمعه."
صمت بقلب راجف يخشى أن تقول ما سوف يحطم فؤاده، لذا صمت بخوف.
كان بداخلها صراع فيما ستفعله، وبذاك القرار الحاسم الذي سيقلب حياتها رأساً على عقب. ولكنها تود أن تخرجه من فؤادها، أن تثبت له أنه لا شيء.
كانت حائرة الفكر، لا تدري هل توافق أم ماذا، وهل ما ستفعله صحيح أم لا. أغلقت جفونها بتوتر شديد وارتباك، وتنهدت بصوت عالٍ كأنها تخرج تلك الأفكار من رأسها. نظرت له قائلة بثبات:
"قراري هو إني..."
نظر لها بعمق وتساءل بأمل:
"إنتِ ماذا؟ هيا تحدثي."
زاغ بصرها، ترددت كثيراً وتحير فكرها وخفق قلبها. تحادث نفسها قائلة:
"لا تفعلي هذا، هكذا ستظلميه وستظلمي قلبك. تمهلي قليلاً، فكري أكثر، خذي وقتك، ستندمين."
طال صمتها، فأنتابه القلق من أن ترفض. فهمس يحثها على الحديث والإقبال:
"مكه، ما بكِ؟ أنتِ بخير؟ أود أن أسمع قراركِ، فأخبريني. لا يمكنني الانتظار أكثر من ذلك، فلتثلجي قلبي."
"موافقة."
نطقت بها سريعاً قبل أي تراجع، وتنفست الصعداء وهي تأخذ شهيقاً وزفيراً تباعاً.
لكن قلبها ما زال مفعماً بالحزن. مهلاً، هل هذا سؤال؟ فمن اليوم سيظل الحزن والوجع جاثمين به، سيكن العذاب رفيق روحها والدموع ملاذها ليلاً، وسيكون الليل ونيسها.
فلتأتي يا دنيا بما عندك، فلم يعد هناك شيء أكثر وجعاً مما بقلبها.
هل سيعلم فؤادها كيف يضحك من اليوم؟
أهلاً ومرحباً بالأحزان والهموم، من اليوم فهم دنيتها فيما بعد.
أو لعلها تحب ذاك الذي وافقت على الزواج به، من يدري بالغيب؟ سيعوضها الله أكيداً على حرقة فؤادها ودموعها وتعبها، سيفرج همها كأنها لم تعِ للحزن يوماً، وسيتلاشى بيوم ما.
فاقت من شرودها على تلويح كفه أمام وجهها، فتنبهت له وهمست باسمه:
"سآخذ معاداً مع أبي وسأخبرك."
تبسمت عينيه وتوهج وجهه إشراقاً وسروراً. وهمس بنبرة صادقة:
"يا ليتكِ تدرين كم أسعدتِ قلبي الآن... أنا حقاً لا أصدق... أني سعيد، سعيد للغاية. سأجعلكِ أسعد فتاة على وجه الأرض ولن أجلكِ تحتاجين شيئاً. فمنذ أن وقعت عيناي عليكِ، وقع قلبي أيضاً يا فتاة أحلامي. أعشقكِ وأود لو أتزوجكِ اليوم قبل الغد."
وضع يده على قلبه وأغمض جفنيه هامساً:
"آه، سأبرد نار قلبي الآن وأطمئنه أن معذبته له."
فتح جفنيه ناظراً بعمق عينيها وقال بعشق:
"مكه، إني أحبك فوق ما تتخيلين. أعشقكِ، كلكِ، أخلاقكِ، وقلبكِ الذي أسرني. أنتِ يا فتاة أسيرة داخل فؤادي ولن أحررك أبداً، ستظلين بمسكنك."
أين هي؟ هل جربت يوماً أن تنسحب روحك منك ويتوقف نبض القلب ومع ذلك يبقى جسدك باقياً بالحياة، وقد اختفت الحياة من قلبه؟ إنه فقط بحاجة لقبر يضمه وينتظره ولا يأتي.
أظن ما هي الحياة؟ أين هي؟ لا عقلها ولا روحها أو فؤادها موجودين. إنهم راحلون إلى الحبيب معشوقهم حيث سكنهم ومأواهم.
لم تستمع لحرفاً مما قال، فصورة من عشقته قابعة أمام عيناها لا تغيب، وصدى صوته يدوي، فلا تسمع غيره. فصوته مصدر أمانها وراحتها واطمئنانها وسكينتها.
تنبهت له حينما هم بإمساك يدها، لتبعد يدها وتتراجع للخلف خطوة.
فأسرع برفع ذراعيه هامساً بضحكة:
"أعتذر، لا أقصد ذلك. فقط كنت أحاول جذب انتباهك. أنتِ هنا وليست هنا، فأين أنتِ؟"
بدموع لامعة بمقلتيها، تبسمت بخفة وهدوء وقالت:
"لا، فقط انشغلت قليلاً. لا بأس، أنا معك. ماذا كنت تقول؟"
أشار بيده وما زال تأثير الفرحة يشع بنور من مقلتيه:
"هيا بنا نخبر رفقاءنا بهذا الخبر السعيد ولنحتفل قبل عودتك للمنزل."
سارت خلفه للداخل مطأطأة الرأس، كاسفة البال، تود لو تخرجه من فؤادها وتقذفه خارجاً، أن توقف التفكير به، وتعاتب فؤادها. لماذا... لماذا هي موجودة؟ تشعر بأن به شيئاً... لقد غاب كأن القمر غاب ذات ليلة، أو الشمس لم تشرق. هذا هو حالها، قلب بلا نبض، جسد بلا روح، تود لو أن تحلق إليه وتعانقه وتشكِ له منه إليه.
وتختبئ من العالم به.
لم تدر كيف وصلت للطاولة، فكانت كالمتغيبة. فاقت لذاتها على صوت التهنئة من صديقاتها واخت "علي"، وتوالت عليها المباركات.
ضمت أخته، فما أن أوشكت بالإبتعاد حتى رأته جالساً وأمامه فتاة. ترتدي ماذا ترتدي؟ هي لا ترتدي شيئاً بذاك الفستان القصير للغاية.
مهلاً، ممسك بيديها أيضاً ويحادثها.
حملقت مزهولة به، وتجمدت الدماء بأوردتها، وأخذ صدرها يعلو ويهبط. أشعرت يوماً بنيران تصهرك؟ هي الآن رماد.
تسمرت مكانها، تود لو تقلع له عينيه الآتي تنظران لها، وليديه الممسكتين بكفيها. استشاطت غيرة.
تلاقت أعينهم بلحظة عاتبة مؤلمة، تبث الشجون بلغتها المحببة لدى العاشقين.
أقترب "على" (مصري الجنسية، ولكن والدته أجنبية وكل حياته بالخارج) هامساً بقلق:
"مكه، أأنتِ بخير؟ على ماذا تنظرين؟"
تنبهت له، فأستدارت بإتزان وبسمة تزين ثغرها، وهتفت برقة:
"لا أنظر لشيء. أنا فقط أفكر كيف ستكون حياتنا، وأطفالنا، وبيتنا أيضاً."
ابتسم بحب وهم بفتح فاهه للرد، ليجذبه عثمان ولكمه دون كلمة. ليرتد على للخلف مصعوقاً دون أن يعي شيئاً. وقبل أن يعي، تلقى لكمة أخرى أسقطته أرضاً. وهجم عليه عثمان كالثور الهائج، وهو لا يرى أمامه سوى حديثه مع محبوبته، ضحكتها، لها، نظراته التي يعرفها جيداً.
شهقت مكه وهي متسعة العينين، وأرتجفت كلياً.
هوت دموعها بخوف، بينما تجمع كل من بالكافيه يحاولون إنقاذ ذاك الذي أُغشي عليه، غارقاً في دمائه.
أقتربت مكه ممسكة بقبضته ببكاء وهي تقول:
"لا، لا. سيبه، هيموت. حرام عليك."
نهض مهتاجاً وهو ممسك بذراعها الذي كاد أن ينكسر من قبضة يده، وصاح بأعين يغلفها السواد:
"إيه! خايفة عليه؟ والله لأموتهولك! بتعملي إيه هنا؟"
تلجلج صدرها، لم تدر كيف تجيب وهي ترتعد خوفاً هكذا منه. فتعالى نحيبها بحرقة.
فلأن فؤاده قليلاً، وما زالت غيرته تسيطر عليه. جذبها من معصمها للخارج، ووصل بها للسيارة وفتح بابها.
استجمعت قواها الخائرة، ونظرت له بجمود، وتجمدت دموعها. وسحبت ذراعها الذي ازرق من قبضته:
"أوعى إيدك كدا."
أغلقت الباب بعنف، ونظرت له، ثم دفعته من صدره وهي تصرخ به:
"إنت عملت إيه فيه؟ كنت هتموتوا يا أخي، إنت إيه؟
إنت مش طبيعي والله."
أتسعت عينيه بهالة مخيفة، وعاد إمساك ذراعها لتتأوه بألم. وصرخ بوجهها:
"إيه! خايفة عليه ليه؟ إنتِ مش شفتيش بيبصلك إزاي؟
كنتِ مفكرة هسيبك معاه؟ افتراضا أذاكِ؟"
ظهرت ابتسامة ساخرة على جانب فمها، وغمغمت قائلة بوجع:
"هو مستحيل يؤذيني، بس إنت اللي بتؤذيني. وحل عني وابعد عشان بجد حرام كده. والله أنا تعبت. كفاية بقا ارحمني وابعد عني!"
أشار لذاته مزهولاً، وتمتم بنبرة لاذعة:
"أنا؟ أنا يا مكه هأذيكِ؟"
أرادت أن تعاتبه، أن تخبره أنها بحاجة إليه كي يحميها من كل شيء، حتى نسمة هواء قد تمرضها.
يكفيني رؤياكِ لكي تنبع ضحكة صافية من بين ثنايا القلب لا يغشاها شيء.
لا تترك يدي. اجعل كفك يضم كفي للأبد يا وطني. فلنمضِ سوياً إلى جنة الرحمن. فلتكن السعادة لنفسي، والراحة لقلبي، والسكينة لروحي. كن لي كوكباً درياً وسط الظلام الحالك، ولتتمسك بيدي ولا تتركها.
لكنك تركتها بأول الطريق. يا ليتني لم أعرفك يوماً أو أراك.
لاذت بالبكاء، وقلبها يصرخ. حتى أزاحت دمعاتها بكفت يدها، وهمت بأن تعيد أدراجها ناحية الكافيه. ولكن يده قيدت معصمها، وصرخ بغضب:
"إنتِ رايحة فين؟"
التفتت له بثبات وجمود، ونبرة خالية من كل شيء، وصاحت وهي تدفع يده:
"ملكش دعوه اروح فين اجي منين. ملكش حق تسألني ولا تعرف. أنا بكرهك يا عثمان. بكرهك وكرهتك. فأبعد عني عشان كرهي ما يزيدش أكتر من كده. خليك الأخ اللي ما زال بقلبي وبس. مضيعش دي كمان."
أبتعد خطوتين وهو يغلق جفونه بعنف.
وخفق قلبه الذي أضناه الوجع وأصبح حالك السواد.
تكرهه؟ حبيبته؟ ابنته؟ تكره؟ ولكنه يستحق. فقد أوجعها وأهانها وجرحها. يستحق أكثر من ذلك.
أهذه هي حقاً أميرة قلبه التي كانت مفعمة بالحيوية والنشاط كفراشة تحلق وبأي مكان تنشر البهجة وتملأ الدنيا وتغمرها حناناً.
أهذه هي من أنارت جدران قلبه الحالك لتذيقه من أنوار الحياة أبهاها؟ منطفئة، حزينة، فما انكسر لا يتصلح أبداً، وهي تحطمت كلياً.
ساد الصمت وعم. قاطعته هي هامسة بنبرة مفعمة بالحزن والوجع والثقل، أضنى فؤادها والغيرة تسيطر عليها:
"رووووح للبنت اللي كانت معاك. مينفعش تسيبها لوحدها. تنفعك ولايقة عليك. ذوقك حلو. ربنا يسعدكم ياررب."
قالتها بسخرية وابتسامة هازئة ممتعضة على ثغرها، وقالت بنبرة لم تستطع إخفاء الغيرة بها:
"روووح امسك ايدها وكلمها. أم فستان بين أكتر ما مداري. دي روح أشبع بيها. يارب تتحرقوا سوا."
قالتها وهي تغادر من أمامه بغضب وغيره متوجهة للبيت.
ليزفر هو بضيق. سرعان ما ابتسم ضاحكاً لقولها.
وأسرع على عجل خلفها شبه راكضاً. أمسك ذراعها قائلاً:
"استنى عندك هنا."
التفتت له بوجهها الغاضب وبحنق هتفت:
"خير، عايز إيه تاني؟"
أشار للسيارة:
"امشي اركبي، خليني أوصلك."
وضعت يديها بخصرها وبسخط هتفت:
"وأنت توصلني ليه أصلاً؟ روووح وصل اللي كانت معاك. مينفعش تسبها كدا، عيب."
ببرود تام جذبها من يدها عنوة وهو يقول:
"اسمعي الكلام وأنتِ ساكتة."
فتح الباب ودفعها للداخل. حاولت بشتى الطرق أن تتحرر من قبضته، لم تستطع حتى النزول من السيارة.
استقل السيارة وأنطلق بها. نظرت من خلف النافذة للطريق بشرود ودموعها تهوى على وجنتيها بألم. لاحظ دموعها من مرآة السيارة التي كانت تتقاذف على قلبه كالجمر.
دون أن ينظر إليها قال متسائلاً:
"مكه، أنتِ كويسة؟ ماااالك بتعيطي ليه؟"
"مفيييش."
نطقت بها بجفاء وحدة وهي تعقد ذراعيها.
وفاضت عينيها بالدمع أكثر.
كثّ الضيق وجهه... وخفقت دقاته بوجع... وأضنى الحزن روحه ونفسه وروعه... لذا ركن السيارة على جانب الطريق... وعم الصمت والهدوء إلا من شهقاتها هي.
"وبعدين."
نطق بها عثمان بنبرة حانية وهو يستدير بجلسته قبالتها.
أختلست نظرة بطرف عينيها، ولوت فمها بطفولة وهي تقلده:
"وبعدين."
"متجننيش."
"وأجننك ليه؟"
نطقت بها مكه وهي تلتفت له. فأخرج منديلاً ورقياً وهم بتجفيف دمعاتها، فأرجعت رأسها للخلف بجمود وامتعاض.
فتنهد وهو يكابد على كبح غضبه وتساءل بنبرة هادئة:
"ممكن أعرف بتعيطي ليه؟"
تأففت وهي تنظر أمامها متأملة الطرق وهتفت بنبرة حادة:
"يهمك في إيه بعيط أو لأ. مش خلاص عملت اللي عليك وهنتني قدام صحابي كمان وضربت على."
تخللت الغيرة ثنايا فؤاده وغلت الدماء بعروقه ودق قلبه بعنف.
كيف لها أن تنطق اسم رجلاً غيره؟ هو فقط من يحق لها أن تنطق حروف أسمه بصوتها الرقيق الذي يترنم بأعذوفة عذبة تريح فؤاده وتبهج روعه.
لكم النافذة بغضب وهو يصرخ بأعين متسعة تشع شرارة الغضب:
"اسكتييييي! مسمعش صوتك بيجيب اسم أي راجل تاني على لسانك."
أنتفضت برعدة ونظرت له قائلة بتريث:
"ليه يعني؟ وبعدين الرخيصة دي إزاي تركبها عربيتك وتقعد جنبها كده؟ لا وكمان كنت عايز تمسح دموعها."
تألم قلبه وغض بصره وانعقد لسانه فلاذ بالصمت. يود أن يقول إنها ليست كذلك، بل أنتِ أغلى من كل شيء. آه لو تدري أن كل دقة تدق من أجلها، وأنها شمساً تضي فؤاده المظلم وتنيره.
بصمت قاد السيارة حتى توقف أمام الفيلا، لتترجل هي ركضاً مهرولة للداخل.
غادرتها روحها تهفو ناحية رحيم الذي استعاد وعيه.
طلت البهجة من شرفة عينيها، وتوهج قلبها مسروراً مشرقاً، وأنشرح صدرها. كانت كنسمة تسير شبه راكضة بشوقاً تقبل ناحية الغرفة والبسمة لا تفارق وجهها. تراقص قلبها وتمايلت روحها فرحاً. فما أن أوشكت على الدخول حتى ظهرت الحجة صفية تسد الباب وهي فاتحة ذراعيها بوجهها كي لا تعبر، وهتفت بنبرة حادة جافة ساخطة:
"وه وين رايحة؟"
نظرت لها بأعين تذرف الدمع، تترجاها أن تفسح لها الطريق أن تتلاقى مع روحها التي بالداخل لتطمئن ذاتها قليلاً وتسكن هيجانها.
همست بتلعثم وهي تشير للداخل بنبرة مترجية:
"معلش خليني أدخل بس أطمئن عليه وأرجع على طول. ولو مش عاوزين تشوفوني همشي، بس أطمئن عليه."
دفعتها للخلف وأغلقت الباب وراءها، ورفعت سبابتها بوجهها تصيح بها بنبرة لاذعة.
انتفضت وعد بخوف من أن لن تراه وتملكها الاشتياق أكثر وفاق الحد، وخفق قلبها بوجع.
"عايزة تشوفيه ليه؟ ما هو مين مرقد الرقدة السودا دي غيرك. وولدي كنت هخسره بسببك. عارفة يعني إيه كان هيموت ومش هشوفه تاني؟"
تلجلجت قليلاً وفاضت عيناها بالدمع وتابعت من بين شهقاتها:
"كنت هخسره هو وأبوه بشهر واحد. ليه؟ إنتِ شايفاني إيه؟ دا ولدي."
ضربت بكفها موضع قلبها:
"ولددددي اللي جوه دا لو كان حصله حاجة كنت روحت فيها. معرفش أعيش من غيره. دا سندي، دا بيتي. عارفة يعني إيه؟ أنا فتحتلك باب بيتي ورحبت بيكِ وحبيتك كبنتي بالظبط، ويمكن أكتر كمان. بس كفأتيني بإيه؟ إنك طلعتي وحدة كدابة. كنتِ جاية تسجني ولدي، وفي الآخر إيه؟ أهو متلقح ما بين الحياة والموت لولا ستر ربنا. امشي يا بتي، متخلينيش أكرهك أكتر من كده. لو مكنتيش دخلتي حياتنا، مكنش كل دا حصل لوالدي."
هزت وعد رأسها بجنون، وأسهم محمية بالنار ترسى داخل فؤادها.
أشارت وعد لها بتوسل:
"هشوفه من بعيد بس. إنتِ معاكِ حق تزعلي عشان كدبت عليكم، بس دا شغلي. صدقيني، أنا حبيتك أكتر من عيلتي والله."
همت أن تعبر من جانبها للغرفة، فبيد من فولاذ قبضة الحجة صفية عليها وجذبتها بحدة تسير بها للخارج رغم معارضة وعد.
وعلى بغتة، تسمروا موضعهم، وتركت الحجة صفية وعد وهي ترى قوة من الشرطة أمامها.
بجمود وثبات اقتربت وعد سائلة بثبات ونبرة جادة:
"في إيه؟"
"عندنا أمر بالقبض على رحيم لقناوي."
ضربة الحجة صفية على صدرها بصدمة. بينما لم تتأثر وعد وهتفت بحدة:
"إيه السبب؟"
مد الشاب يده ببعض الأوراق وقال:
"أنا بنفذ الأوامر بس يا فندم."
أومأت وعد برأسها إيجاباً وهي تتفحص الورق، وأخبرته بجدية وعملية أن رحيم ما زال مريضاً، وأول ما يتحسن ستأتي هي به.
غادرت القوة، بينما انشغل ذهن وعد بالتفكير وهي تقبض على كفت يدها.
اقتربت الحجة صفية منها وجذبتها من ذراعها تديرها نحوها، وبلهجة غاضبة قالت:
"أهوو شفتي مصايبك؟ هتودينا لحد فين؟"
بهدوء تحدثت وعد:
"دي مش مصايبى. أنا أخو زوجك هو اللي متهم. رحيم وكل العمليات بإسمه. أخو زوجك اللي هو عمه السبب، وهو اللي وقعه. دي حاجة أنا مليش فيها. واحمدي ربنا إني هنا، لأني هبرئ ابنك وهثبت براءته. فكري بقا لو مكنتش، كنتوا هتعملوا إيه؟"
صمتت الحجة صفية بتفكير، تقلب كلماتها، فتنبهت أنها محقة بكل ما قالته.
زفرت وعد بضيق وقالت:
"لحد ما نقبض على قاسم، فخلي بالك من رحيم وغادة، وأنا رايحة القسم. لو عاوزتوا أي حاجة، رني عليا، هتلاقيني عندك، تمام؟"
أومأت الحجة صفية برضا، وتوجهت وعد للمغادرة، وهي لغرفة رحيم.
دلفت الحجة صفية لداخل الغرفة التي بها فلذة كبدها. شاردة الذهن تنظر بالفراغ أمامها تفكر بوعد وبما قالته. تقلب كلماتها مراراً وتكراراً بداخل فؤادها. ما يؤلم فؤادها أنها كذبت عليهم، اسمها ليس اسمها، وهي لا هي لمين؟
لقد أحبتها كابنة وأكثر. أتتكفئها هكذا بالآخر؟
لو كانت فقط أخبرتها من هي ولما جاءت حقاً، لم تكن لتحزن أو تحمل لها بقلبها شيئاً. على العكس تماماً، لكانت ساعدتها. ومضات بلحظاتها معها لاحت أمام عينيها، ففاضت عيناها بالدمع حزناً وألماً، وخفق قلبها بوجيعة تضنى روحها.
فاقت لواقعها على صوت غادة وكفها على منكبها:
"مالك يا أمه؟ إنتِ زينة؟"
ثم أستطردت بنبرة فرحة:
"رحيم فاق يا أمه وزين."
"صوح يا بتي؟"
همست بها الحجة صفية بعدم تصديق. فما أن وقع بصرها على رحيم ذو الوجه الشاحب الهزيل، فأقتربت بلهفة وروحاً تهفو. تطل البهجة من شرفة عينيها، وضمت وجهه بين كفيه وهمست دامعة بسرور ووجهها مشرقاً كالبدر ليلة تمامه:
"رحيم يا جلب أمك، طمني عليك. إنت بخير يا ضنايا؟ حاسس بحاجة؟"
هز رحيم رأسه بالرفض، وجذب ظهر يدها مقرباً من شفتيه، وطبع قبلة حانية وهمس:
"ولدك زين يا أمه، متجلجيش إنتِ. إنتوا زينين كلكم. وعد زينة."
جابت عيناه الغرفة بحثاً عنها، فلم تقع عيناه عليها، فانحصر بداخله القلق وتساءل وهو يعيد النظر لوالدته:
"وينها وعد يا أمه؟ ليكون حصلها حاجة؟ هي زينة؟"
ظهر الامتعاض بوجهها وقالت بنبرة ساخطة:
"يهمك في أي هي زينة ولا لا؟ هي السبب في اللي إحنا فيه. وبسببها كنا هنخسرك وهتموت."
رفع رحيم جذعه قليلاً وهو يعتدل وتحدث قائلاً بتعجب:
"كيف يعني هي السبب؟ وهي دخلها إيه؟"
زفرت الحجة صفية بضيق:
"ما هو لو مكنتش خدتك معاها، مكنش حصلك حاجة!"
حملق بها بزهول وبنبرة جادة قال:
"يا أمه، خدت مين بس؟ وهش دخلها؟ أنا اللي روحت لحالي. وبعدين لولا إني روحت، مكنش زمنا اكتشفنا حقيقة عمي."
رمقته الحجة صفية بعدم تصديق وقالت:
"إذا كِده، أمال روحت ليه أهناك؟ ليك إيه إنتِ عجل؟"
تحاشى رحيم النظر لها وتصنع الانشغال بالأشياء. بحنق قالت الحجة صفية:
"عمك والله دا راجل مكنتش بطيقه، بس بردك بنته ملهاش ذنب."
تنبه رحيم لجملتها، فألتفت لها قائلاً:
"لا يا أمه، وأنا من إمتى بأخذ حد بذنب حد تاني؟ بنته هتبقى مراتي إن شاء الله، وأنا جد كلمتي."
وقع بصره على غادة المنزوية على المقعد تبكي بصمت، فناداها:
"غادة، بتبكي ليه؟ تعالي هنا!"
كفكفت دموعها وجاهدت على حبسهم بمقلتيها، ونهضت مقبلة نحوه، فمد يده لها وهو يقول:
"ما لكِ يا حبيبتي؟ أنا بخير اهو قدامك، هتعيطي ليه عاد؟"
ناولته كفها، وأستعبرت عينيها بحزن، ثم انكبّت على صدره مجهشة بالبكاء، وقلبها يتضرع بالشكر لربها أنه نجى أخاها. حمدته.
لم تكن تصدق حواسها أنه ها هو أمامها بخير، ولكن فكرة فقدانه تجعل قلبها يشعل بالنار يكويها كوياً.
شدد من ضمها يحتويها بين ذراعيه، يبث لها الأمان والراحة ويدثرها بدفئه.
فما أن استكانت وهدأت قال باسماً بخفوت:
"خلاص عااد يابت، مكنتش أعرف إني غالي عليكِ قوي كده!!"
ضحكت من بين دموعها وبريق عينها يتلألأ، وضربته بخفة قائلة بمشاكسة:
"لاااه مش غالي ولا حاجة، امال إنت مفكر إيه يعني؟"
ثم بنبرة يفعمها الحزن والثقل والخوف:
"إني مليش غيرك بالدنيا كليتها. من غيرك أنا ولا حاجة. لما قالولي إنك عملت حادثة مصدقتش، حسيت إن الدنيا ضاقت جوووي وإنت مش موجود. كنت خايفة."
ابتسمت الحجة صفية رافعة كفيها تدعي:
"يا رب يا رحمن احفظهم لي وديمهم سند وأمان لبعض، وماتميزنيش في حد فيهم واصل يا رب."
آمنوا على دعائها، ثم استطرد رحيم بقلق وعينيه متعلقة بالباب على أمل أن تطل عليه لتضيء ظلام روحه الحالك:
"برضك مجولتليش وين وعد؟"
وعد؟ وعد؟ ترددت تلك الكلمة، وحادثته نفسه: وعد، تلك الفتاة التي كذبت عليك. لم تعبأ بأن تخبرك الحقيقة، أو حتى حقيقة اسمها. فقط ميار؟ من ميار؟ أظن الذي عشق كل حرفاً من اسمها. وعلى حين غرة، ليس هناك ميار، أو حتى اسمها. لماذا؟ بماذا لعبت بهم هكذا؟
لماذا لم تخبره بالحقيقة؟ أيعاتب فؤاده أنه أحبها، أم يعاتبها هي؟
يا ليت الحب له موعد، حتى لا يتأذى الإنسان هكذا بلهيبه.
"رحيم يا ولدي، فيك إيه ومالك سرحان؟ هتفكر في إيه؟"
قالتها الحجة صفية بتعجب من ابنها الشارد. ليتنبه لها وهز رأسه قائلاً:
"مفيش يا أمه. وين تلفوني؟"
تطلعت الحجة صفية حولها حتى وقعت عينها عليه، فجذبته لتناوله لها وهي تقول:
"برضك مش هتقولي إيه وداك الجبل؟"
بامتعاض تحدث رحيم:
"بكفياكِ عاد يا أمه. حولتلك موضوع كده وحصل اللي حصل. إيه هنعترض على قضاء ربنا يعني؟ وبعدين ما أنا زين آهه."
تطلعت به بشك وهتفت بحنق:
"أقطع يدي يا ولد بطني لو مكنتش مخبي عني حاجة."
"خد التلفون أهو. هطلع أشوف الدكتور وأتصل بميار."
ثم تراجعت متذكرة:
"قصدي اسمها إيه دي؟ وعد؟ إنك فوقت عشان طالبينك في القسم."
أومأ رحيم وتناول منها الهاتف. انتظر خروجها، فبادر بالاتصال على أحداً ما. دقائق وهتف بجدية وحسم:
"عملت اللي جولتلك عليه؟"
رد الطرف الآخر قائلاً:
"أيوه يا رحيم بيه. كله تنفذ زي ما أمرت، ومتجلجش. متوصين بيه زين جوي."
ابتسم رحيم بغموض ومكر، وأعتراه الكره وهو يقول بنبرة مخيفة:
"عااال عال يا ولد. روقوه لحد ما أجيله، وعينكم متغفلش عنيه واصل."
"من عنيا يا رحيم بيه. دا إنت تؤمر. هنروفه آخر رواق، ومتشلش هم. إنت أهم حاجة ترجع لنا بخير وسلامة وتخلي بالك من صحتك."
رد رحيم بامتنان:
"تسلم يا رب. يلا السلام عليكم."
رد الآخر التحية وأغلق، فتنفس رحيم بصوتاً عال.
بمنزل لمار جلس يوسف وحامد وزيد وأيهاب مع علي الجالس بتوتر بجانب حامد.
تحدث حامد مخاطباً علي:
"كيف حالك يا بني؟ ووالدك ووالدتك، ما أخبارهم؟"
تنحنح علي بتوتر مصحوباً بالحياء قليلاً من ذاك الموقف وتمتم:
"بخير يا أونكل."
همس حامد:
"لماذا لم تخبرني بمجيئكم إلى هنا؟ لقد حزنت منكم كثيراً."
رد علي بلهفة:
"لم تسمح لي الفرصة بإخبارك، وها أنا قد أتيت."
ثم استطرد قائلاً بإرتباك:
"ولكني قد أتيت لشيء آخر."
أخرج يوسف صوتاً بدليل نفاذ صبره، فحثه فيكتور على الحديث قائلاً:
"تكلم، ما السبب؟"
تنحنح علي وهو ينقل بصره بينهما، وهم بالحديث ليقاطعه دخول ياسين وحذيفة ملقيين السلام. فرد الجميع وجلس ياسين بجانب علي، وحذيفة من الجانب الآخر. ألتصق علي بينهما، فغمغم بضيق.
أمسك ياسين بوجهه وهو يتمعن النظر به وتمتم:
"بسم الله ما شاء الله! مين يا بني معلم عليك كدا وعملك خريطة مصر العربية؟ دا أنت مطشفلط شفليط."
"وريني كدا؟!"
قالها حذيفة وهو يتمسك بذقن علي ممعناً النظر به، وحملق به وهو يتحدث بصدمة:
"إيه دا يااالهوي! دي مش خريطة مصر العربية، دي خريطة العالم."
أنهى جملته وهو يضحك بصخب. فشاركه يوسف الابتسامة هو وايهاب وزيد، بينما رمقهم حامد نظرة خانقة.
نظر لهم علي بزهول، وأبعد كفوفهم وصرف بصره لحامد قائلاً:
"أود أن أطلب منك يد مكه، وإن تم القبول سأجلب أبي وأمي إلى هنا، وأنت تعلم عني كل شيء."
هم حامد أن يجيب، فقاطعه يوسف قائلاً بضيق وحسم:
"معندناش بنات للجواز."
رمقه حامد بضيق، ثم خاطب علي قائلاً:
"إن شاء الله يا بني، سآخذ رأي مكه وأرد عليك."
تبسم علي ببهجة تسري بعروقه وأوصاله، وهو يعلم رأيها.
لحظة ودلف عثمان شبه راكض، وعلى وجهه غضب كفيل بأن يحرق الأخضر واليابس.
تبسم يوسف وهو يتكأ للخلف بإستمتاع، بينما تمتم زيد:
"دا احنا هنشوف أيام!"
غمغم حامد راداً على زيد:
"الله يرحم مكه بنتي."
لكمه إيهاب قائلاً بضحكة:
"قول الله يرحم الراجل الغلبان دا. والله كان ابن ناس وراجل كويس."
قبل وصول عثمان لعلي، توقف ياسين بوجهه حائلاً أمامه من المرور، وغمغم بجوار أذنه:
"اهدأ يا عثمان، والدك ووالدي قاعدين. اهدأ وخلّينا نتكلم بعدين."
رمقه عثمان بغضب وكظم غيظه قائلاً من بين أسنانه:
"حسابك بعدين."
نظر علي لعثمان، فتذكره سريعاً، فأنتفض بفزع وهو يتحسس وجهه.
تبسم عثمان بسخط وهو يكظم غضبه، وأقترب منه ومد يده ليصافحه وهو يقول:
"أهلاً بعريس بنتنا. عامل إيه؟"
ابتلع علي ريقه بصعوبة، وأتسعت عينيه بفزع وخوف، بينما كبت حذيفة ضحكاته وهو يميل لأيهاب قائلاً:
"حد يلحق المرحوم يا جدعان."
صدرت ضحكة من الجميع خافتة.
بينما برعشة مد علي كفه مصافحاً عثمان، فضغط عثمان على كفه بكل ما أوتي من قوة، فتأوه علي بصوتاً عال، ولكن شدد عثمان من قبضته حتى كاد أن يكسر كفه بين يديه.
تركها أخيراً بعد دقائق، كأنه يعطيه إنذاراً بعدم الاقتراب منها.
وقف علي بخوف وهو يتمتم بكلمات غير مفهوم:
"أنا ذاهب، أقصد سأذهب، أقصد سأغادر الآن، وانتظر رد حضرتك."
صافحه حامد وهو يخرج معه للخارج. كان ينظر لجسده ويديه بخوف، كأنه يحاول تصديق أنه خرج سليماً من الداخل.
نظر عثمان لياسين بغضب وقال بما يشبه الفحيح:
"تعالى عايزك."
"لاااا! تعالى، أنا اللي عايزك!"
قالها يوسف وهو ينهض مغادراً ناحية المكتب. فهمس عثمان بأدب:
"حاضر، جي اهو."
ثم نظر لياسين بنظرة ذات معنى وقال جوار أذنه:
"بقا عشان كده طلبت مني أجي، ماشي."
نظر ياسين له ببرود. فمضى عثمان للمكتب، طرق الباب، فأذن له يوسف فدلف غالقاً الباب خلفه.
أشار له بالجلوس، فجلس مقابله. تنهد يوسف وهو يتكأ للخلف بظهره وهتف:
"خيرررر! في إيه؟ عايز أعرف؟ مخبين عني إيه؟"
هز عثمان رأسه سريعاً:
"مش مخبين حاجة. هيكون مخبين إيه؟"
مال يوسف بجذعه قليلاً وغمغم قائلاً وهو يمعن النظر به:
"عثمان، إنت بتحب مكه بس خايف."
قاطعه عثمان قائلاً بتوتر ظاهر جلياً بمقلتيه:
"أبداً، حب إيه بس، مش بحب حد خالص."
هز يوسف رأسه بإصرار:
"لا بتحب وخايف تتجوزها وتموت وتسيبها تتعذب من بعدك، وحاطط صورة بباك قدامك وحالاته مع بسنت وموتها كئيب."
نكس عثمان رأسه، وجحافل من الذكريات اخترقت ذهنه وروعه مع والدته حبيبته وعائلته السعيدة التي لم تدم، وسرعان ما تشتت بفراقها. ومضات لها تضيء أمام عينيه، فادمع.
ربت ياسين على قدمه وهو يقول:
"أنا عارف إن الفراق صعب، وحالة بباك كانت أصعب. بس الموت علينا حق، والأعمار بيد الله. وربنا يديمكم لبعض. استغل الحياة قبل ما تستغلك، استغل كل لحظة فيها معاها، واخلقوا دنيا حلوة مع بعض وذكريات جميلة، وقربوا لربنا سوا عشان تكونوا في جنته. يا بني، هي دي الدنيا، إحنا عليها مجرد ضيوف ولينا وقت وهنفارق، فاستغلها وتوكل على الله وبلاش الخوف ده لأنه هيعذبك أكتر. وألحق الفرصة قبل ما تضيع من إيدك."
تألم فؤاده، فهي قد ضاعت حقاً. ونظر له بألم وقال بوجع:
"أظن أنها ضاعت خلاص!!"
تحدث يوسف باسماً:
"مفيش حاجة ضاعت. الحاجة اللي بضيق بتضيع بس لما إحنا نسمحلها بكده، لكن عمر ما في حاجة بتضيع طالما إحنا متمسكين بيها. اعمل كل اللي تقدر عليه، وصلح اللي كسرته."
ابتسم عثمان لعمه، ورفرف فؤاده وانشرح. ها هو يتولد من جديد، والفضل لذاك العم الذي يفهمه من نظرات عينيه، وينتشله من الضلال إلى طريق مستقيم ليس به اعوجاج.
بغرفة مكه جلست معها أسماء يتسامرون عن العريس، بينما مكه شاردة غائبة تفكر بقاسي القلب الذي لا تدري بما يفكر. لحظة تشعر أنه يعشقها، وبلحظة يكرهها. فمن هو العاشق أم القاسي متبلد القلب؟
دلفت ديجا وهي تأكل شوكولا تلتهمها بتلذذ. جلست بجانبهم، فصمتت.
ونغرتها أسماء متسائلة:
"إيه اللي حصل تحت يا بت؟ اتكلمي."
أشارت ديجا لها:
"لما أكل الشوكولا عشان جوزي جابهالي لما كنت عنده."
أنهت جملتها وهي تنظر لمكه مغيظة إياها. فأستشاطت مكه وجذبتها من يدها قائلة:
"طب هاتي دي، مش هتأكليها."
زمت ديجا شفتيها قائلة:
"مش عايزها، خوديها. هو جاب لي كتير لما كنت أنا وبابا عنده."
"عااااااا."
صرخت بها مكه وهي توثب واقفة لتغادر. وقبل أن تفتح الباب قالت ديجا بصوتاً عال لتسمعها:
"بس العريس دا مش حلو، أنا جوزي أحلى."
ثم بهمس لأسماء قالت:
"اصل أنا كنت مستخبية في المطبخ، وجه عثمان والعريس فلسع."
"فلسع."
نطقت بها أسماء ومكه التي اقتربت بزهول.
لتؤكد ديجا بإيماءة من رأسها:
"أه، أول ما شافه مشي وهو خايف."
دفعتها مكه بخفها وهي تقول:
"وهو جه ليه دا؟"
ثم استدارت مغادرة وهي تحادث نفسها حتى ارتدت للخلف نتيجة اصطدامها بأحد، فلم يكن سوى عثمان الذي قال:
"يا بنتي، فتحي! مينفعش كده كل شوية تتخبطي فيه، أكيد مش صدفة."
نظرت له بسخط وهي تتحسس جبينها وتمتم وهي تنظر للحقيبة بيده:
"إنت رجعت؟ وأنا أقول الدنيا ضلمت ليه؟"
أقترب بمكر وهي تتراجع حتى اصطدمت بالحائط، فالتصقت به وهي تكش على ذاتها. فعمس بجانب أذنها:
"اكيد قلبك دلوقتي مش مصدق إنه شايفني ونور كمان."
دفعته بغيظ للخلف وبجمود قالت:
"إنت بتحلم."
تخطته مغادرة، فتمتم هو:
"هنشوف."
وابتسم بإستمتاع.
استطاعت وعد بمهارة تبرئة رحيم من كل التهم المنصوبة إليه من جهة عمه، حيث جعلت رحيم يقابله ووضعت كاميرا برفقته لتسجل كل ما يدور بالداخل. لذا سجلت الكاميرا اعتراف عمه بكل ما ارتكبه، وهو يعترف لرحيم بكل جريمته من أول ما بدأ إلى أن تم الإمساك به.
كان رحيم على وشك الخروج مغادراً من القسم، فالتقى بـ وعد صدفة، فتسمرت قدماهما قبال بعضهما، لقاء كانت تنتظره كثيراً.
فبادر هو قائلاً بإبتسامة وهو يقطع المسافة بينهما:
"كيف حالك زينة؟"
أومأت وعد باسمة:
"الحمد لله. إنت بقيت كويس؟"
أومأ برأسه حمداً ربه واستطرد متسائلاً:
"شكراً ليكِ. لو مكنتيش كان زماني في السجن دلوق شايل تهم أنا بريء منها."
ابتسمت وعد وهي ترفع رأسها به وهمست:
"أبداً، دا واجبي. أنا معملتش حاجة."
تعمق النظر لها كأنه يحفر صورتها بقلبه وتساءل بوجل وهو يتذكر شيئاً:
"على كده يا بشمهندسة ميار؟"
فقاطعته هي بلهفة:
"وعد، وعد يا رحيم."
غرق هائماً بها، وصدى صوتها الناطق لاسمه يتردد على مسامعه.
فحادثته نفسه قائلة:
"أنا ليست لها، وهي ليست لي. ستكون لغيري زوجة وأبنة وسكن ووطن وأمان. هي لا تحق لك ولا يحق النظر لها. أنساها! ولكن كيف أنساها وقد توغلت حصون قلبي؟ أبيت الرحيل."
ظهر الضيق بأساريره وتمكن من حناياه، وفاق على صوتها المنادي باسمه بقلق، فتنبه لها، لتهمس متسائلة:
"إنت كويس؟ مااالك؟ حاسس بحاجة؟"
رمقها بحب وبنبرة حانية ووجه باسم قال:
"أنا بخير، متجلجيش."
ثم بنبرة وجلة هتف بترقب:
"كنت عايز أعرف بس. بما أنك خلصتي القضية وتقفلت على كده، هترجعي بلدك؟"
صمتت ملياً، بدأت بالتفكير وهي تغض بصرها، فبعد دقائق نظرت له قائلة:
"أيوه، المفروض أنا كده دوري خلاص وهرجع. بس لسه لما نمسك قاسم."
كث الحزن وجهه وألم الفراق فؤاده، وتنهد قائلاً:
"متشليش هم قاسم، همي معايا."
قطبت وعد حاجبيها بعدم فهم وهي تتساءل:
"أجي معاك فين؟"
تخطاها رحيم وهو يقول بجدية:
"همي، وهتعرفي دلوج."
تعقبته وعد واستقلت السيارة إلى داره. ترجلا من السيارة، وتوقفت وعد بحياء من أن تدخل. توترت، فنظرت له هامسة:
"إنت ليه جبتني هنا؟"
أشار رحيم للداخل:
"ادخلي دلوج لحد ما أجي."
هزت وعد رأسها بالرفض:
"لا، أنا مستحيل أدخل."
بحسم أشار لها بعينيه وهو يتقدمها للداخل:
"جولت يلا، همي معايا لجوه."
سارت خلفه بارتباك واضطراب. فما أن أوشكوا على الدخول حتى هرعت تجاههم رابحة مولولة ببكاء وهي واقفة أمام رحيم:
"الحقني يا واد عمي، أبوي اتسجن. طلع عمك يا رحيم."
ألتفت رحيم لوعد وأشار لها بأمر وحسم:
"ادخلي جوه دلوج."
أنصاعت وعد له بإرتباك وخطتت للداخل، وجلة من ردة فعل الحجة صفية. الذي ما أن رآتها حتى رمقتها بجمود. أم غادة بنبرة حزينة معاتبة، فتقدمت منها وعد بصمت، فتعانقا بمحبة.
"ألحق مين وعم مين؟ عمي اللي اتهمني بحاجات مليش دخل فيها؟ ولا عمي اللي بيكرهني وكان هيموتني؟ يستاهل السجن يا رابحة."
ضربت رابحة كفها على موضع قلبها بصدمة وقالت:
"إيه اللي بتجوله ده؟ أنا أبوي عمل فيك كل دا؟ ويعني إيه أنت هتسيبهم يحاكموه؟"
أدار رحيم ظهره قائلاً بنبرة حادة:
"والله كل واحد لازم يتحاسب على جرايمه، وهو لازم يتحاسب."
ثم متذكراً استدار لها:
"إنتِ كيف تطلعي من بيتك لحالك كِده؟"
"لا هي جايه معاي."
نطق بها ابن عم رحيم وهو واقف على أكتاف الدار، ثم صرف بصره لرابحة:
"يلا نرجع... الظاهر جينا مكان غلط. على آمال كدابة، واد عمك شكله عايز يسجن أبوكِ."
تحدث رحيم مستوقفه، ينوي أن يحدثه بكل ما علمه عن والده:
"وجف يا فرج، رايدك في كلمة."
شوح له فرج يده بغضب وغمغم وهو يغادر وخلفه رابحة:
"هندمك يا رحيم... في الأول رفضت تزوجني غادة، ودلوج سجنت أبوي. والله لندمك واخليك تركع تحت رجلي."
واخرج هاتفه متصلاً بأحداً ما.
غادر رحيم من فوره، بينما ألقت وعد نظرة للحجة صفية التي أدارت وجهها على الفور بضيق.
صعدت وعد وأعدت حقيبة أغراضها، أمسكت الحقيبة ودارت عيناه بالغرفة بوداع، ومضات كل لحظة قضتها بها لاحت أمام عينيها.
وأخذت يديها تتلامس كل انش بها، وانسدلت دموعها بوجع يخترق ثنايا فؤادها ويتخلل شغافه.
لامست يدها مصحفاً صغيراً، فضمته بكفها ونظرت له لبعض الوقت، وجحافل الذكريات اخترقت ذهنها. ذات يوم خرجت تسعى، مقبلة ناحية الملثم، فرحب بها وأخذها ناحية البحر، جالسون أمامه يتسامرون بخصوص الجبل ورجاله، ويبثها ببعض المعلومات.
تحفهم الأشجار الكثيفة، وتهفو نسائم عطرة تبرد أفئدتهم وتنعشها.
وأمامهم البحر وسكونه الهادئ الذي يبث الأمان. وإذ به يخرج المصحف من جيب جاكته، مداً يده به وهو يقول:
"المصحف دا عشانك. هديّة مني، خليه معاك دايماً عشان يحميكِ وعشان تفتكريني."
ثم أردف قائلاً بنبرة حنونة هادئة:
"بصراحة، فكرت كتير أجيبلك إيه واحتترت، فملقتش أغلى من كده هدية. وأنا متأكد إنك هتحبيها جداً وهتحافظي عليها في قلبك كمان، ولأني دايماً عايزك تكوني بخير."
كانت عيناه تبثها بما داخل فؤاده.
فعلت وجهها ابتسامة مشرقة، ووقع كلماته على فؤادها كما تقع قطرات الماء على أرض يابسة متلهفة للسقيا.
وتناولته من يده وصرفت بصرها للبحر وراحت ترتوي منه.
فاقت من شرودها وعينها تدفق بالدمع، وضمت المصحف من فؤادها بعدما قبلته قبلة حانية.
وأخذت حقيبتها وهبطت للأسفل بعدما تناهى لمسامعها صوت ضجة عالية من الأسفل.
تسمرت أعلى الدرج بصدمة حينما وقع بصرها على قاسم يقع تحت أقدام غادة، بالكاد تظهر ملامحه والدماء تغرق وجهه وملابسه، شاحباً، هزيلاً، ورحيم يدفعه بقدمه وهو يصيح:
"طلقها! ارمي عليها يمين الطلاق."
بوهن لفظ قاسم الطلاق. فجئ رحيم بأوراق ورفعه من عنقه معتدلاً، وثبت الأوراق أمامه وصاح بصوتاً غليظ:
"أمضي يا *********."
أمضى قاسم بتعب وهو يكاد يمسك القلم بمجهود عظيم.
وقف رحيم قائلاً وهو يصرخ:
"حسين! يا حسين!"
دلف المدعو حسين قائلاً بأدب:
"أؤامرك يا رحيم بيه."
بصق رحيم على قاسم وتحدث:
"تاخد الكلب ده تسلمه بالمركز."
وقفت وعد عن كثب منه بزهول وتحدثت بتعجب:
"إنت امتى عملت كل دا؟"
ابتسم رحيم وقال:
"موضوع طويل. هو اتجرأ ومد يده على حاجة تخص رحيم، وعشان كده قطعتهاله. وهو مد يده عليكِ، وكمان اتجرأ وحاول يضحك عليا ويتجوز أختي."
بكت غادة وركضت إليه متوارية به من قسوة الحياة، فضمها بحنان وأمان واحتواء.
رن هاتف وعد، فأبتعدت قليلاً للخارج وما زالت ممسكة بالحقيبة.
أجابت وهي تبتعد:
"الووو! أيوه... تمام الحمد لله... لا كله تمام والقضية خلاص اتقفلت وكله تمام. هما بقا هيكملوا هنا... لا لا أنا هرجع انهاردة."
ضحكت بصخب وهي تقول:
"حب؟ حب إيه ده؟ أحب إيه بس يا بنتي. هو أنا فاضية للكلام ده؟ أنا ممكن أمثل الحب، آآه ما هو أنا بعمل كده في كل قضية. وأمثل الحب، بس مينفعش أحب أصلاً. وبعدين ما إنتِ عارفة إني بحب..."
"تمثلي الحب وعلى كل شخص تمسكي قضيته؟"
هتف بها رحيم الواقف خلفها، فاستدارت بقلب يخفق.
هتف هو موجوع وكلماته اخترقت قلبها لتضنيه بالألم:
"تمثلي عليا يا وعد؟ حتى حبك لأمي واختي؟"
صمتت وعد قليلاً، وعلى مضض قالت بوجع:
"أيوه، كنت بمثل. كله كان تمثيل عشان أكشف حقيقتك، بس...."
لم يعطها فرصة الإكمال، فقاطعها قائلاً:
"يااااه، قلبك حجر أوي... بتقدري تعملي كده إزاي؟ تخلي الناس تحبك وأنتِ بتضحكي عليها. أنا ندمت ندم عمري ما حسيته أبداً إني سمحت لقلبي يحبك في يوم. قلبي دا."
قالها وهو يشير لقلبه:
"أول مرة يعرف يعني إيه حب. كان حبك إنتِ. إنتِ بس اللي قدرتي تدخلي قلبي وتعششي فين وتسيبي ليكِ مكان وأثر عمره ما يزول."
ضحك بإستهزاء من نفسه:
"مكان؟ قال! أنتِ ملكتيه كله كله، بقي ملك ليكِ إنتِ وبس."
ثم بنبرة جافة أردف:
"بس الحمد لله إني عرفت حقيقتك، لأن عمري ما هسمح لأسمي يرتبط بإسمك. أنا ملك لرابحة بنت عمي وبس، وهي ملكِ. إنتِ ولا حاجة وهتتنسي قريب، وقريب جوي كمان."
أدمعت عينيها بعدم تصديق لكلماته الجارحة. تحاول تصديق حواسها أن هذا صوت رحيم الذي عشقه الفؤاد. حاولت الحديث، ولكن انعقد لسانها. وتركها رحيم واستدار مغادراً، فجثّت على ركبتيها باكية بقهر من حب انتهى قبل أن يبدأ، وعشق سطّر نهايته قبل بدايته.