كانت تشعر بدقات قلبها تكاد تخرج من مكانها عندما سمعت صوت صراخه العالي. ابتلعت شمس ريقها وكانت تشعر بالتوتر، ولكنها تماسكت ورسمت ملامح الجدية على وجهها. دخلت إلى غرفته وجدته يقوم بتحطيم كل شيء أمامه وصوته العالي يملأ المكان. شمس بحنين: مالك؟ نظر إليها فتى في العاشرة من عمره، صاحب عينين سوداء كسواد الليل وشعر فحمي اللون. وبالرغم من صغر سنّه إلا أنه كان في غاية الوسامة. نظر إليها وصرخ بها: عايزة إيه مني؟
ابعدي عني. انتي السبب، ماما راحت بسببك انتي. أنا بكرهك. صدمت شمس من كلامه، فهي كانت تعتقد أن سبب حالته هو قسوة والده عليه وتعديبه لها. اقتربت شمس منه وقامت باحتضانه. ظل يقاومها وحاول أن يبعدها عنه، ولكنها تمسكت به وهمست له: مالك، أنا ما عملتش حاجة. قاطعها صوته العالي: لاااااا انتي السبب. انتي اللي كنتي المفروض تموتي مش ماما. انتي السبب. انتي دمرتي حياتي.
شمس: هشششش. لا أنا ما عملتش حاجة يا مالك. أبوك السبب. دول كانوا بيعذبوني. وبدأت في البكاء. تعجب مالك من ذلك ونظر لها بتساؤل: انتي بتعيطي ليه؟ شمس
ببكاء وقامت باحتضانه بقوة: أنا آسفة يا مالك. أنا السبب في كل حاجة. أنا السبب في أن مرات عمي ماتت. أنا السبب في أن الكل عايز يموتني. أنا السبب في أن منير عايز جسمي. أنا السبب في أن عمي عايز الأراضي بتاعت بابا. أنا السبب في أن سيف اتعرض للخطر بسببي أكتر من مرة. أنا السبب. السبب في كل حاجة. وبدأت في البكاء بحرقة
وتشبت به أكثر وبدأت تهمس: أنا آسفة يا مالك. أنا آسفة. بس أنا ما عملتش حاجة. أنا مجرد بنت عادية بتحلم بحياة عادية. نفسها تعيش حياتها. شعر مالك بالشفقة ناحيتها وقام بالتربيت على ظهرها وقال بهدوء: أنا آسف. ما كانش قصدي. أنا بس عايز أشوف ماما. وحشتني أوي. شعرت شمس بالصدمة وقامت بالابتعاد عنه ونظرت إليه: انت قلت إيه؟ مالك بلا مبالاة: أنا آسف. شهقت شمس بصدمة: انت بتتكلم بهدوء. ومش بتعلي صوتك. وبتتكلم معايا عادي.
مالك بابتسامة: عشان حسيت إنك زيي. يمكن انتي السبب في كل اللي مريت بيه. بس انتي مريتي بظروف صعبة بردوا. يمكن أصعب مني. أنا كنت بشوف اللي بيعملوه فيكي. وأخويا منير. أنا كنت عارف كل حاجة. وكنت هقول لجدي. بس أبويا هددني لو قلت له حاجة هيقتلني. بدأت الدموع تترقرق في
عينيها الخضراء وهمست بألم: حتى أنت يا مالك. أنا حاولت أمنعهم عنك. لكن والدك كان عايز يموتني. وبدل ما يقتلني قتل والدتك. كانت طيبة جداً. كانت بتحاول تحميني منهم. لكن الأذى جه عليها. وكل ده بسببي. أنا ما كانش قصدي أنها تموت. آخر حاجة قالتها لي. إني آخد بالي منك. وأنها بتحبك. وطلبت مني أن أبعدك عن أبوك.
صدم مالك من ذلك. فهو اعتقد أن شمس هي السبب في مقتل والدته. فهذا ما أخبره به منير ووالده. قبل أن يهرب مع شمس أو بالأحرى تم اختطافه. فهو لم يرد أن يذهب معها، ولكن سيف قام بتنويمه واختطافه. ابتسم مالك لها بحنو. ومد يده لها وقام بمسح دموعها وقال: أنا آسف. ما كانش قصدي أفكرك باللي مريتي بيه. أنا كنت فاكر إن انتي اللي قتلتي أمي. نظرت له بصدمة: أنا. مستحيل. دي كانت بتحبني وبتعاملني زي بنتها. هقولك إيه اللي حصل في اليوم ده.
فلاش باك. بعدما تلقت شمس جرعة العذاب التي تلقاها كل يوم. كانت ملقاة في تلك الغرفة المظلمة. وجسدها الملئ بالجروح والحروق. دخلت تلك المرأة التي يبدو على وجهها ملامح الطيبة. ابتلعت ريقها عند رؤيتها لذلك المشهد. صفية: شمس حبيبتي. عند سماع شمس ذلك الصوت الطيب، هرعت إليها مسرعة تختبئ في أحضانها وهي تبكي بحرقة. صفية بحنان: هششششش. خلاص اهدي يا شمس. أنا جيت ومش هسمح لحد إنه يأذيكي. مالك حكالي على كل حاجة.
شمس بخوف وبدأت في البكاء: لالالا. ونبي أنا خايفة. الله يخليكي ابعديهم عني. صفية: تعالي أنا ههربك. ومش هقول لعمك. أنا اتصلت بسيف. وهو مستنيكي في حديقة القصر. شمس بفرحة: بسرعة يا مرات عمي. بسرعة. صفية بضحك: حاضر. اهدي شوية. قامت صفية بإلباس شمس عباءة سوداء من ملابس الخدم. وأثناء خروجها قابلهم منير. منير: إيه يا أمي مين اللي معاكي دي؟
صفية بتوتر: هاا. لا أبداً يا ولدي. دي هنية الخدامة. تعبانة شوية. وأنا بسندها. لغاية بواب القصر. منير بشك: الف سلامة يا هنية. شمس: لا رد. صفية بتوتر: معلش يا ولدي هي تعبانة حبتين. منير بشك: مممم. حاضر يا أمي. وتركها وذهب من أمامها ويروده الشك. قامت صفية بإخراج شمس إلى سيف الذي كان ينتظر في حديقة القصر. ومنذ اللحظة التي وقع نظره عليها. هرول مسرعاً ناحيتها وقام باحتضانها. تمسكت شمس به جيداً. كأنها تريد أن تقتحم صدره.
سيف بحنان: اهدي يا شمس. أنا معاكي. ما صدقتش نفسي أول ما مرات عمي قالت لي إنك هنا. انتي كويسة يا روحي. شمس ببكاء: أنا عايزة أمشي يا سيف. دول كانوا بيضربوني وبيعذبوني. روحني يا سيف. صفية بجدية: سيف لازم تهرب. منير مش هيسيب شمس في حالها. هو عايزها. وعمك عايز الأراضي اللي باسم شمس. هو هيقتل شمس بعد ما تمضي على الأراضي. سيف بصدمة: بس منير بيحبها.
هزت صفية رأسها بالنفي: هو مش بيحبها. انت فاكر إن منير بيحب. هو عمره ما حب. هو عايز يقضي معاها ليلة. وبعد كده هيرميها. سيف: وانتي عرفتي كل ده ازاي يا مرات عمي. صفية بتنهيدة: سمعت كل كلمة قالوها. أنا مش كنت مصدقة اللي مالك قاله. أنا قلت يمكن ده عيل صغير مش فاهم حاجة. وكنت راحة أسأل منير. وسمعته بيتكلم مع جوزي وعرفت كل حاجة. تشبثت شمس أكثر في سيف بعد سماعها لذلك الكلام. فهي باتت تخشى منير كثيراً.
صفية بجدية: لازم تهرب يا سيف. وليا طلب عندك. سيف: إيه هو يا مرات عمي. صفية بتنهيدة: خدوا مالك معاكم. عشان هو ذاق الذل والعذاب على إيد عمك. وعاصم مسافر وجدك مش هيرجع إلا بعد سنتين. وما فيش حد هيساعدكم هنا. سيف بطاعة: حاضر يا مرات عمي. مالك في عنينا. وفجأة سمعوا صوت صراخ في كل مكان. منير: شاااااااااامس. صفية باستعجال: يلا يا ولدي عجل. من هنا قبل ما يكشفوك. سيف وهو يحمل شمس التي
لم تكن قادرة على السير: أنا هجيب مالك. بس لازم أودي شمس مكان آمن الأول. صفية: عَجِل يا ولدي. تحرك سيف من أمام صفية واتجه بها إلى الخارج من البوابة الخلفية. عودة من الفلاش باك. شمس بتنهيدة: وبعد كده سيف رجع عشان ياخدك. بس لقي مرات عمي مقتولة. وكان أبوك هو اللي قتلها. وبعد كده. راح جابك من أوضتك. طبعاً بعد ما عمي قال لك إن أنا اللي قتلتها. انت رفضت إنك تيجي. فسيف راح مخدرك. وجابك وهربنا بمساعدة أصحاب سيف.
مالك بأسف: أنا آسف يا شمس. أنا بقالي خمس شهور فاكر إن انتي اللي قتلتي أمي. وانتي ما كنتيش السبب. وإن أبويا هو اللي قتلها. شمس بمرح: خلاص يا لوكة. المهم إنك بخير. وإنك بتتكلم عادي من غير صراخ. مالك بغيظ: ما تقوليش لوكه. هو انتي شايفاني بنت قصادك ولا إيه. شمس بمرح: العفو يا مالك بيه. دا أنت راجل وسيد الرجال. مالك: أيوه كده. وبعد ما قاله مالك انفجرت شمس في الضحك.
كان الاثنان عن زوج الأعين التي تراقبهم. استمع مراد لكل ما قالته شمس لمالك. فهم هو الآن كيف عانت أكثر من أخته. ولكن هي تعرضت للإهانة والتعذيب. لكن أخته تعرضت لما هو أقصى من ذلك. سرح قليلاً في ضحكتها التي أسرت قلبه. لم يعلم مراد ما الذي يحدث معه. فهو كان يشعر بألم رهيب في قلبه. عند سماع ضحكتها. لم يستطع أن يقاوم نفسه.
قام مراد بإخراج هاتفه والتقط لشمس عدة صور بأوضاع مختلفة. مرة وهي تضحك. ومرة وهي تقبل مالك. ومرة وهي تقوم بدغدغته. ابتعد مراد عن الغرفة وهو يفكر في الذي مرت به شمس. ومن السبب في الذي مرت به. ومن هو منير. لقد سمع ذلك الاسم من قبل. لكن أين. لحظة لقد تذكر الآن. لقد سمع ذلك الاسم عندما اقترب من شمس وشعرت بالفزع من اقترابه منها. وظلت تردد اسم منير وهي تتأسف له.
خرج مراد من المستشفى واتجه إلى شركته. وهو يفكر في تلك الشمس التي شغلت باله. وصل مراد إلى شركته. إلى الموقع الرئيسي لشركات العرابي للنفط. دخل مراد مكتبه. وجد آخر شخص تمنى وجوده. سهى وهي تنهض من مكانها وتحرك خصرها لكي تثيره: مراد حبيبي كنت فين؟ قلقتني موووت. قالت جملتها الأخيرة وهي تعبث في أزرار قميصه. قلب مراد عينيه بحركة دائرية علامة على الضجر. وقام بإزالة يد سهى التي تعبث بملابسه. وقال
لها وهو يغلق أزرار ملابسه: عايزة إيه يا سهى؟ اخلصي. أنا مش عندي وقت للكلام الفارغ ده. ومش عايز دلع. شعرت سهى بالغضب وقالت له بصوت عالٍ: دلع. إيه يا أستاذ مراد. أنا كنت قلقانة عليك. وانت مش همك. وفي لمح البصر كان وجه سهى كان في الناحية الأخرى. بسبب الصفعة التي تلقتها من يد مراد. مراد بغضب وعينين
تحمل كل معاني العذاب: انتي فاكرة نفسك مين عشان تعلي صوتك عليا. أنا وحش الاقتصاد اللي الكل بيخاف يرفع عينه في عيني. اتجننتي انتي عشان تعاتبيني. وبعدين هو أنا عيل صغير عشان تقلقي عليا. ومين اداكي الحق أنك تسألي أنا كنت فين أو مع مين. كنتي. أمي. أختي. قاطعه صوت سهى الغاضب: مرتك يا أستاذ. ولا انت ناسي دي كمان. أمسكها مراد من شعرها حتى كاد أن يقتلع من فروة رأسه.
مراد بصوت كفحيح الأفعى: لو على الورقتين العرفي فبليهم واشربي ميتهم. واظن إني لما اتجوزتك. إني ما وعدتكش بحاجة. سهى بغضب متناسية ألمها: بس أنا افتكرت إنك بتحبني وإنك اتجوزتني عشان كده. مراد بسخرية وقام بترك شعرها وقال: أنا لما هحب. هحب واحدة محترمة تصون شرفي وعرضي وتكون أم لعيالي. مش راقصة وكمان واحدة****. سهى بغضب: وما لها الراقصة يا عنيه. مش دي الراقصة اللي حفيت عشانها.
ابتسم بسخرية وقال: أنا كنت واخدك شهوة. يعني أقضي معاكي ليلة وخلاص. بس أنا مش من أخلاقي كده. ومدام أنا غلط. فلازم أتحمل نتيجة غلطتي. سهى بغضب متناسية أن ذلك الذي يقف أمامها هو وحش الاقتصاد: ما هو انت واحد حيوان. وزبالة. تفرق إيه انت عنهم. ما عندكش ضمير. وأحقر راجل أنا شوفته في حياتي.
نظر مراد لها تلك النظرة التي تظهر شخصية الوحش الحقيقية. تلونت عيناه باللون الأسود ونظر لها تلك النظرة التي لم تراها سوى مرة واحدة عندما أخطأت بحق أخته. وكان بعدها عقابها أليم بكل معنى الكلمة. ولم تشفى من ذلك العقاب إلا بعد ستة أشهر. ابتعدت سهى عنه بسرعة: أنا آسفة يا مراد. ما كانش قصدي والله. مراد بصوت مخيف: انتي قولتي إيه. سهى بسرعة وخوف من القادم فهي تعلم أنها مهما ترجته
فهو سوف يعاقبها أشد عقاب: ما قلتش حاجة. أنا آسفة. نادى مراد بصوته العالي: صااااااااالح. دخل المدعو صالح وكان شاب في الثلاثينات من عمره ذو جسد مليء بالعضلات وملامح وجهه تنم على الشر: نعم يا وحش. مراد بصوت مخيف: ودي الزبالة دي للمخزن. وانت عارف الباقي. مش محتاج أوصيك. صالح بابتسامة: أوامرك يا وحش. كل اللي تؤمر بيه مستجاب. قام صالح بجذب سهى من شعرها حتى كاد أن يقتلع في يده.
عاد مراد للجلوس على أريكته تحت صوت صراخ سهى التي تستنجد به. وحاول أن يهدئ من نفسه حتى لا يقوم بارتكاب جريمة. وبعد ساعة هدأ مراد من عاصفة الغضب التي كانت تسيطر عليه. وبعد عدة دقائق دخل إياد إلى غرفة مراد. وعندما نظر إلى مراد وجده في حالة يرثى لها. فكانت ملابسه مجعدة وشعره مشعث وعينيه تدل أنه كان في حالة الوحش. ابتلع إياد ريقه. فهو يعلم أن إذا تلك الحالة سيطرت على صديقه فهو يتحول إلى شخص آخر غير مراد العرابي.
إياد بهدوء: مراد. رفع مراد عينيه إلى صديقه. نظر له بعدم اهتمام: عايز إيه يا زفت. إياد بمرح: والله يا بني اسمي إياد مش زفت. لو كان زفت ما كنتش استخسرت فيك إنك تقولي زفت. مراد بهدوء: عايز إيه يا زفت. إياد بدراما: يلهوي. أعمل فيك إيه يا بني. إحنا بقالنا كام سنة صحاب. مراد بنفاد صبر: ايااااد. إياد بجدية: خلاص. أنا كنت جاي أقولك إني ناوي أتزوج. اعتدل مراد في جلسته ونظر له باهتمام: انت قلت إيه.
إياد بلا مبالاة: هتجوز يا مراد. مراد وهو يعود إلى جلسته: وده من امتى إن شاء الله. أنا عارفك مش بتاع جواز. إياد ببراءة: طبطت يا عم في حبها امبارح. رفع مراد حاجبه الأيسر: طبطت في الحب. الحكاية دي وراها. إن... هتقول في إيه. ولا أنا هعرف بطريقتي. إياد بضحك: هو أنا أقدر أضحك على الوحش بردوا. مراد بنفاد صبر: اخلص. إياد بجدية: ميرا نادر محمد القاسم. مراد بتركيز: أنا سمعت الاسم ده قبل كده.
إياد بلا مبالاة: دي أشطر دكتورة جراحة عندك في المستشفى اللي اشتريتها من يومين. مراد بقوة: قول إيه اللي خلاك. تكون عايز تتجوزها. وخصوصاً إنها مش من استايلك. قال جملته الأخيرة بسخرية. إياد: انت بتتريق يا مراد. على العموم عايزك تكون موجود على الساعة 9 بليل عشان خطوبتي. مراد وهو يعيد ظهره للوراء: ومش هتقولي عايز تتجوزها ليه. إياد بابتسامة: لأني عارف إنك هتعرف كده كده. فالأحسن إنك تعرف مني. ولا تعرف من الغريب.
وحكى له كل ما حدث عندما ذهب لكي يراه في المستشفى. مراد بضحك: تصدق تستاهل أكتر من كده. يعني كنت عايز تبوسها. وعايزها تقولك إيه. تعالي يا يودا نآخد أوضة في فندق. إياد بإصرار: وأنا هدفعها تمن اللي هي عملته. مش إياد القاسم اللي حتة عيلة تعمل فيه كده. مراد وهو يتجه إلى الحمام: طب سلام يا..... إياد القاسم. عايز أرتاح قبل خطوبتك. هم إياد بالرحيل. ولكنه قبل أن يرحل قال: صحيح. عملت إيه مع ليان. توقف مراد قبل أن يكمل
دخوله للحمام وقال باقتضاب: حلوة. ودخل إلى الحمام ليأخذ حمام بارد ويهدئ تلك الأفكار من عقله. رحل إياد من الغرفة بل من الشركة بأكملها. لكي يرى ماذا سيفعل مع تلك العنيدة. فمهما كانت قوتها. فهي سوف تخسر أمام إياد القاسم. عند ميرا. كانت تجلس في المكتب الخاص بها. كانت شارده في ذكريات الماضي السعيد. تلك الأيام التي كانت تقضيها مع خطيبها السابق أحمد.
فتحت ميرا هاتفها ونظرت إلى صورة ذلك الشخص الذي كان يبدو أنه في العشرينات من عمره. صاحب عينان سوداء وسواد شعره الذي كان يبدو كظلمة الليل الحالكة. وتلك الابتسامة الرائعة التي تزين وجهه. قطع شرودها صوت رنين هاتفها. وكان ذلك والدها. ودارت المكالمة كالتالي. _نعم يا بابا. _أنا فين يا حبيبتي. _أنا في المستشفى. _بصي يا حبيبتي ارجعي بدري النهاردة عشان في موضوع عايزك فيه. _موضوع إيه يا بابا. _لما ترجعي يا حبيبتي.
_حاضر يا بابا. أغلقت ميرا الهاتف مع والدها وعادت تنظر إلى صورة خطيبها السابق بحب وعشق جارف. هبطت دمعة من عينيها. ولكنها أزالتها سريعاً. _أنا عارفة إني وعدتك. إني مش هضعف. وإن كل ما أضعف. افتكر لما كنت بتقف جنبي. وإنك ساعدتني أوصل للي أنا فيه. تنهدت بضيق. فهي منذ أن رحل عنها وهي تشتاق له كثيراً. صحيح إنها تضحك وتمزح مع الكل. لكن بداخلها ألم إذا قامت بتوزيعه على سكان العالم. فسيكفي ويبقى منه الكثير.
وعادت تتأمل صورته من جديد وهي تسترجع ذكرياتها معه وتلك الأيام السعيدة التي كانوا يقضونها. عند إياد. اتجاه إياد إلى مطار القاهرة الدولي. كان واقف عند المنطقة التي يهبط منها الركاب. وعندما لمح إياد ذلك الشاب صاحب عينين زرقاء كعينيه. وشعر باللون الأسود. اقترب ذلك الشخص منه بسرعة عندما لمحه. ركض بسرعة نحوه وقام باحتضانه وقال وهو يربط على ظهره: عامل إيه يا إياد. وحشتني موت.
إياد بضحك: انشف يااض. إيه وحشتك دي. أوعى يكون علموك السيكو. السيكو. في أمريكا. مازن بضحك: عيب عليك. أخوك راجل. وما يعملش الحاجات دي. إياد: أيوه كده. نتلقى. قاطعه مازن: بس في شوية صواريخ. إنما إيه. صاروخ ثلاثي مندفع. إياد بصدمة: انت بتقول إيه يااض. مازن بضحك وهو يسير خارج المطار: إيه يا عم. ليه مفكر إنك الخضرة الشريفة. إياد بضحك: بصراحة لا. في دي عندك حق. وبدأ الاثنان في الضحك وخرجوا من المطار متوجهين إلى منزلهم.
مازن هو الأخ الأصغر لإياد. صاحب عينان زرقاء وشعر أسود وجسد رياضي وبشرة بيضاء. ووسيم مثل أخاه. ولكن مرح وعنيد ويحب أخاه ومراد كثيراً. في محافظة سوهاج. أجمل محافظات الصعيد من حيث الجمال وسحر الهواء والنباتات الرائعة. وخصوصاً في ذلك القصر الكبير التي تعيش به عائلة النجعاوي. تلك العائلة العريقة. دخل الجد إلى غرفة حفيده. الجد: بتعمل إيه يا ولدي.
الابن: رايح أجيبها يا جدي. أنا استنيت أكتر من عشر سنين. ومش هقدر أستنى أكتر من كده. وأول ما ألاقيها هتجوزها يا ولدي. هي دي الطريقة الوحيدة اللي هتحميها منهم. الجد: وهتقول إيه أبوك وأخوك. الابن: هقول إن أنا مسافر القاهرة عشان شغل. الجد بابتسامة: للدرجادي بتحبها. الابن: جوي جوي يا جدي. أنا بحبها من وهي لسه في ألفه. بحبها لما كانت تروح المدرسة. بحبها لما كانت تيجي تاخد مني الشيكولاتة. الجد بابتسامة: يبقى على بركة الله.
الابن: الأول أجيبها يا جدي. وبعد كده أتجوزها على طول. كان الاثنان غافلين عن تلك المسكينة التي استمعت إلى كل هذا الكلام. فهي جاءت لكي تراه وتملي عينيها به. ولكنها استمعت إلى ذلك الكلام الذي أكد لها أنه لا يحبها مهما فعلت. فشمس ستظل عائق بينهم أو هذا ما اعتقدته.
رحلت بسرعة من المكان قبل أن يلاحظها أحد. رحلت وقلبها مليء بالجروح. رحلت وقلبها مع كل دقة ينبض باسمه هو. لاكن لا. هي ليست ضعيفة أو بلا كرامة. فهي ذات كبرياء. وإذا لم يحبها أو يهتم لها فلا بأس. فل يكن. فمن المحتمل أن الله يخبأ لها شيئاً أعظم بكثير. ومن يعلم. فالله على كل شيء قدير.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!