فتح عينيه ونظر حوله وجد سيف يجلس بجانبه وملامح البرود ظاهرة على وجهه، ومالك يجلس بجانبه وملامح القلق ظاهرة على وجهه. عاصم بألم: إيه اللي حصل؟ سيف بسخرية: اللي حصل إن حضرتك اغمي عليك أول ما عرفت إن شمس اتجوزت. فتح عاصم عينيه على وسعها، فهذا لم يكن حلمًا، وأن الفتاة التي أحبها منذ زمن قد تزوجت. ومن...
ذلك المراد الوقح الذي تجرأ أن يفكر أن تكون شمس له. هو لن يستسلم بسهولة، فهو انتظر الكثير ولن يتراجع، وسيجبر ذلك المراد بأن يرمي عليها اليمين. نهض عاصم من مكانه والتقط سترته واتجه ناحية الباب وملامح البرود مسيطرة على وجهه، تحت صراخ سيف المتكرر. تجاهل عاصم ندائه له، وخرج من المنزل. سيف وهو ينظر إلى مالك: أخوك دا... هيودي نفسه في داهية. مالك ببراءة: ليه يا سيف؟ هو بيحب شمس، خليه يتجوزها وخلاص، بدل مراد زفت ده.
سيف: الطم ولا أجيب لطامة؟ أنا أقول إيه وهو يقول إيه. اتجه سيف ناحية الباب وطلب من مالك أن يظل بالمنزل وأن يغلق الباب جيدًا، وسوف يعود مرة أخرى. *** حاولت شمس ارتداء ملابس تليق بالعمل ولكن لم تستطع، فذاك البنطال ضيق والبلوزة التي كانت ترتديها كانت ممزقة بسبب ما قام به مراد معها. قوست شمس شفتيها بضيق وتمتمت بغيظ: أبو شكلك يا مراد الكلب، أروح المستشفى بس. استني عليا بس أخلص اختك الأول، وبعد كده هشويك على نار هادية.
طرقات هادئة ومنتظمة سمعتها شمس من خلف الباب وقالت بضيق: مين؟ حسنية: أنا يا بنتي. شمس بفرحة: سوسو حبيبتي، اتفضلي. انتي تخشي أي مكان انتي تحبيه. دخلت حسنيه وهي تحمل حقيبة بيدها. حسنيه: لا يا بنتي، هو بيتي، دا بيت البيه. شمس بضجر: سيبك من زفت ده، وتعالي قولي لي إيه اللي معاكي دا. حسنيه بابتسامة: دي شوية هدوم، مراد بعتها ليكي. هو عارف إنك مش عندك هدوم، فقرر يجيب ليكي هدوم عشان تعرفي تروحي المستشفى.
شمس بسخرية: لا في الخير بصراحة، الأول يهيني ويحبسني، وبعد كده يجيب لي هدوم. يقتل القتيل ويمشي في جنازته. هاتي يا سوسو، أحسن من مفيش بردوا. حسنيه بحزن: يا بنتي انتي لو تعرفي اللي مر بيه، كنتي شفقتي عليه. دا أهله ماتوا وهو صغير وكبر، واشتغل كل الوظايف اللي في الدنيا، وبعد كده في واحد ساعده، وهو قدر يقف على رجليه ووصل للي انتي شايفاه دا. خرجت حسنيه من الغرفة وتركت شمس في حيرة من أمرها. فكيف ذلك؟
هي كانت تعتقد أنه ولد وبفم ملعقة ذهب، كانت تعتقد أنه لم يشاقي في حياته. ولكن لحظة، لما هي مهتمة بذلك؟ فهي سوف تنتهي من علاج أخته وستنهي كل شيء بينهم. ارتدت بلوزة طويلة حمراء اللون وارتدت بنطال جينز أبيض وارتدت كوتشي رياضي أبيض ورفعت شعرها ذيل حصان وأخذت حقيبتها واتجهت إلى الأسفل. وجدت مراد يجلس على مقدمة المنضدة ويحتسي القهوة وأمامه اللابتوب ويبدو أنه يعمل عليه وكان يرتدي حلة سوداء اللون. كان حقًا وسيم بها.
نفضت شمس تلك الأفكار من عقلها وجلست بجانب مراد دون أن تنطق أي كلمة. بدأت في تناول الطعام وبعد مدة انتهى كل منهم من تناول إفطارهم. اتجه مراد إلى الخارج وركب سيارته الفاخرة السوداء. أما شمس فأتجهت إلى الخارج ووقفت أمام البوابة الخارجية وانتظرت أن تمر سيارة أجرة تقلّها. خرج مراد ثم نظر إلى شمس بسخرية وقال: أوعي تكوني مستنية تاكسي يا قطة. شمس بغيظ: أيوه عندك مانع؟ أوعي تكون ناوي تتواضع وتنزل لمستوايا وتنزل تقف معايا.
شعر مراد بالألم وأغمض عينيه، فهو بالرغم من السنوات التي مرت عليه إلا أنه لن ينسى تلك الجملة التي أخبره بها رئيسه بالعمل، فهو لم يعش طيلة حياته وسط طبقة الأغنياء وفي عالم الرفاهية لولا ذلك الرجل الطيب الذي ساعده. قبض مراد على يديه بقوة وقال بغضب شديد: ادخلي العربية وإلا قسما بالله مش هخلي فيكي حتة سليمة.
كادت شمس أن ترفض ولكن عندما رأت تلك النظرة في عينيه وانقباض يده وانفاسه العالية والمتسارعة علمت أنه في حالة من الغضب الشديد وإذا رفضت طلبه فهي في عداد الأموات. أسرعت شمس وركبت بجانبه ونظرت له بعدم رضا وقوست شفتاها بطفولية وقالت لكي تخفف من غضبه: والله عيب عليك، خلتني أعملها على روحي. يرضيك كده؟ أنا مدام مراد العرابي، والله الناس تاكل وشك وتقول عليك زوج مش كويس.
أدار مراد مقود العربة وتوجه ناحية المستشفى ولكن بداخله أراد الضحك بشدة من تلك الطفلة التي تزوجها. *** هبط أياد من السيارة واتجه ناحية المقعد الذي تجلس عليه ميره وقام بفتح الباب وقام بحملها واتجه بها ناحية أحد المقاعد. شهقت ميره بصدمة ثم نظرت إلى أياد بحدة وقالت له: نزلني حالا. إياد ببرود: وإلا؟ تعجبت ميره من نبرة صوته الباردة، فهي من المفترض أن تكون هي التي ظُلمت، وليس هو.
قام إياد بإنزال ميره وأجلسها على أحد الكراسي، ثم تركها واتجه إلى سيارته وأخرج منها علبة الإسعافات الأولية، وعاد إليها.
قام إياد بإمساك قدم ميره. أما ميره فهي شعرت بالخجل والتوتر عندما أمسك قدمها. حاولت ميره جذب قدمها، ولكن إياد كان ممسك بها بإحكام، ثم بدأ في تعقيم الجرح. كانت ميره تشعر بالألم وبدأت الدموع تسقط من عينيها، وأمسكت كتف إياد وغرزت أصابعها في كتفه. لم يهتم إياد للألم الذي شعر به، ولكن كان قلبه يؤلمه على دموعها التي كانت تسقط من زيتونتها ولم يعرف لماذا.
ابتعد إياد عنها بعدما ضمد جرحها واتجه إلى السيارة وأعاد علبة الإسعافات الأولية مكانها، ثم أحضر حقيبة الطعام ووضع الطعام أمام ميره وطلب منها أن تأكل. نهض إياد من مكانه ثم ظل ينظر إلى النيل. كانت ميره تأكل باستمتاع شديد فهي تحب السمك بشدة. نظرت إلى إياد وكان ينظر إلى النيل وعقله مشتت. نهضت ميره من مكانها واتجهت له ووضعت طبق السمك
أمام وجهه وقالت بمرح: صحيح إنك أتم ورخم، وأبرد شخص شفته في حياتي، بس انت ساعدتني وأنا بشكرك. لم تعلم ميره لماذا قامت بذلك ولماذا شكرته، ولكنها عندما رأته في تلك الحالة لم ترد أن تتركه وحيدًا. نظر إياد إلى زيتونتها وقال: شكرا يا زيتونتي. كانت تلك المرة الأولى التي يناديها بصفة التملك، ولكن بالرغم من ذلك هي شعرت بالسعادة. نظرت إلى عينيه ولأول مرة تلاحظ جمال عينيه الذي يشبه البحر، ولكنه بحر ملئ بالحزن والألم والحيرة.
قطع التواصل البصري صوت اهتزاز هاتف إياد. نظر إياد إلى شاشة الهاتف، وجد رسالة حولت ملامح إياد من الهدوء والبرود إلى حدة وغضب. شعرت ميره بالقلق عليه وقالت له: مالك يا إياد؟ إياد بغضب وحدة: ادخلي العربية حالا ومش عايز أشوف وشك لغاية كتب الكتاب. لم تفهم ميره شيئًا ولكنها تضايقت من نبرة صوته الغاضبة وقالت له بغيظ: انت أهبل يا ابني، انت عندك انفصام بالشخصية.
لم تشعر ميره بنفسها إلا وهي داخل السيارة. كاد إياد أن يقوم بصفعها ولكنه تمالك نفسه وقام بحملها ودفعها إلى السيارة بغضب وقاد بها واتجه إلى منزل ميره وأوصل ميره إلى منزلها، ثم توجه إلى منزله ليرى تلك المصيبة التي حلت عليه هو وأخاه. *** وصل مراد إلى المستشفى ونزلت من السيارة واتجهت إلى المستشفى ونسيت هاتفها بالسيارة.
رأى مراد أنها نسيت هاتفها. لم يهتم واتجه إلى شركته، أما ميره دخلت إلى غرفة المكتب وبعد مدة دخلت سحر وراءها. سحر بابتسامة: ازيك يا دوك. شمس بابتسامة: ازيك يا سحر. قوليلي أخبار ليان العرابي إيه؟ سحر بحزن: بصراحة حالتها مش كويسة، مش بتاكل غير لقمة قليلة من ساعة ما عرفت إنك مسافرة. إلا صحيح انتي مش سافرتي، إزاي؟
شمس بقلق على ليان: بعدين يا سحر، دي حكاية طويلة. ثم اتجهت إلى غرفة ليان. تزامن ذلك مع دخول عاصم المستشفى. دخل عاصم وبدأ في السؤال عن مكان وجود شمس. وصل عاصم إلى الغرفة التي تعالج شمس ليان بها. عاصم بعينين حادتين ونظرة عاشق يرى حبيبته منذ زمن طويل: شمس، حبيبتي وحشتيني موت. تفاجأت شمس عندما نظرت إلى عاصم وصدمت أكثر عندما تفوه بذلك الكلام، فهي تعتبره مثل أخ لها ليس أكثر.
حاولت شمس إبعاد عاصم عنها ولكنه كان ممسك بها كأنها ستفر منه. وفي لمح البصر كان عاصم ملقى على الأرض بسبب تلك الضربة التي تلقاها من مراد، الذي تحولت عيناه إلى الأسود. أمسك عاصم من ياقة القميص، وهمس أمامه بصوت يشبه فحيح الأفعى: مراتي خط أحمر يا عاصم الشريف كله إلا مراتي، وكل اللي في مخك انساه. شمس: ليه؟ أنا وبس ومحدش هيقرب منها ولا هيخدها مني. صدمت شمس من الذي قاله مراد وكيف أنه يثبت ملكيته عليها وقالت بصدمة: .......
*** أما في غرفة ليان، وصل سيف في النهاية عندما جذب مراد يد شمس وخرج بها من الغرفة. كاد سيف أن يلحق بمراد ولكنه تذكر ما قاله له مراد، فتراجع عن قراره وهو يعلم أن ما يقوم به مراد هو الصواب. التفت إلى عاصم وقام بإسناده وساعده على الجلوس ولم يلحظوا تلك الخائفة التي تتكور على نفسها وتضع يديها على جسدها كحماية لنفسها من هؤلاء الأشخاص الغرباء. استعاد عاصم وعيه
ونظر إلى سيف بغضب وقال: أنا مش هسيبها يا سيف وخلي جوزها دا ينفعها. هي ليه أنا وبس؟ وخرج من الغرفة وهو في قمة غضبه.
أما سيف تنهد بضيق، فهو يعلم بحب ابن عمه منذ زمن حتى من قبل أن يهربوا من الصعيد، ولكن ما باليد حيلة فشمس الآن متزوجة، وأيضًا هي تعتبر عاصم كأخ لها. رفع سيف أنظاره ليقابل تلك العينان المليئة بالخوف. تاه سيف في جمال عينيها العسليتين، بالرغم من الخوف الذي يملأ عينيها إلا أنه استشعر بهما الوحدة والألم. شعر سيف بالألم من أجل تلك الفتاة فيبدو أنها مرت بظروف صعبة. لم يشعر سيف بنفسه إلا وهو يقترب منها.
شعرت ليان بالخوف ونظرت إلى سيف بفزع وتراجعت للخلف بسرعة. سيف بابتسامة جعلت من قلب تلك الصغيرة يدق كأنه يجري في سباق الرقص: أهلاً يا آنسة. أعتقد أنك واحدة من اللي شمس بتعالجهم. أنا سيف أخو شمس. وأنتي... لم ترد عليه ليان بل شعرت بالفزع أكثر ونظرت إليه بفزع. تعجب سيف من تلك الفتاة فهو لم يفعل لها شيئًا سوى التعريف عن نفسه.
حاول سيف التخفيف عنها وبدأ في سرد لها بعض المواقف التي تجمعه مع أصدقائه في العمل، وأيضًا على مواقفه مع مراد. فهو في مرة من المرات، اتجه إلى مكتبه ووحده يتحدث على الهاتف وبدأ في الصراخ على من في الهاتف. كاد مراد أن يبلغ نفسه من شدة الخوف والتوتر، وعندما التفت له مراد شعر بأن أنفاسه سحبت من مكانها، فمراد كانت عيناه حادتان وسوداء كعيون الصقر المستعدة للهجوم على فريستها. أغلق مراد الهاتف
ونظر إلى سيف وقال له: أخلص، قول عايز إيه، وغور من هنا. بدأ سيف يخبره كل شيء عن تلك الصفقة مع شركة كبرى لتصدير النفط في أوروبا وقامت بإرسال فاكس ويطلب من مراد أن يلتقوا به. وافق مراد على مقابلتهم. اتجه سيف للخروج من المكتب ولكن أوقفه صوت مراد الحازم: استنى هنا. ابتلع سيف ريقه ثم استدار ناحية مراد وقال له بتوتر: نعم يا فندم. نظر مراد إليه بتعجب وقال له: مالك يا ابني؟ سيف بتوتر: مفيش يا فندم.
مراد بهدوء: إزاي بس، انت شكلك ناوي تعملها على روحك. سيف في نفسه: شكلي بس، ده أنا عملتها فعلاً، ربنا يستر. سيف: لا يا فندم مفيش حاجة من دي. أنا بس عندي شوية مشاكل في البيت. مراد: تمام مفيش مشكلة بس أنا عايز أوراق الصفقة الخاصة بالشركة الألمانية. أومأ سيف له، وخرج من الغرفة، وهو يحمد ربه على أنه لم يمت.
ابتسمت ليان على طريقة حديثه واطمأنت له بالرغم من أنها تشعر بالقليل من الخوف، فهي لا ترتاح للغرباء وهي لا تعرف أحد في هذه الحياة سوى العم أندريا والعمة لينا ونور حياتها مراد، وهو ليس كأخ فقط بل هو عائلتها وهو الذي حماها وحاول معالجتها. وبالرغم من أنه عانى الكثير في الماضي من أجل حمايتها إلا أنه يحاول أن يجعلها سعيدة وتشعر بالراحة. وهي تريد إسعاده ولكن الصدمة التي تلقتها في الماضي كبيرة جدًا.
فاقت من شرودها على صوت فرقعة أصابع أمام وجهها. نظرت إلى سيف الذي كان مقتربًا منها متخطياً الحدود. شعرت بالقلق والخوف وبدأت دقات قلبها تتسارع. فحاولت الرجوع إلى الخلف، ولكنها لم تستطع، لأنها كانت على حافة الفراش. لاحظ سيف أنها تحاول الهرب منه، ولاحظ نظرة الرعب في عينيها. ابتعد عنها بسرعة ثم جلس على الكرسي
المقابل للفراش وقال لها: أنا آسف. أنا مش كان قصدي إني أقرب منك، أنا عارف إني غريب عليك، وإنك مش تعرفيني، بس أنا حابب أعرفك عن نفسي، ونكون صحاب. نظرت له بمعنى: أرجوك ابتعد عني، أنا لا أريد أن يكون لدي أصدقاء، لا أريد الاختلاط بالعالم الخارجي. فهم هو نظرتها وقال: ما تخافيش مني، أنا بس عايز أساعدك لو بس تديني الفرصة. أنا مش دكتور نفسي بس أنا أقدر أساعدك على الأقل إنك تحسي الفرحة في حياتك.
تعجب سيف من الذي قاله، ولكن كل الذي اهتم به هو عينيها وسحرهما وكيف سيطرت هي عليه من أقل حركة منها. كل ما كان يهمه هو أن يساعدها وأن يزيل نظرة الألم من عينيها، ولكن لا يعرف كيف يفعل ذلك. لا يعلم أهو يشفق عليها أم وقع أسير لعينيها. وظل سيف يتحدث معها في أمور كثيرة حتى غفت في مكانها.
ابتسم سيف عندما رآها، ثم نهض من مكانه واقترب من وجهها وبدأ في تأمل جمالها الساحر، فهي بالرغم من صغر سنها إلا أنها تحمل ملامح غاية في الجمال ببشرتها البيضاء التي تشبه بشرة الأطفال وشفتيها المكتنزتين اللتين تبدوان كحبة الكرز الناضجة، ورموشها الطويلة وشعرها الحريري الذي يغطي وجهها. كانت في غاية الجمال. شعر سيف بخفقان قلبه. ابتعد عنها وقام بتدثيرها جيدًا وخرج من الغرفة لكي يرى المصيبة الأخرى التي تنتظره. ***
كان مازن يجلس في تلك الحديقة التي التقى بها نورهان آخر مرة، على أمل أن يجدها من جديد، فهو منذ أن التقاها المرة الأولى لم يعلم ما الذي حدث له. تنهد بعمق ثم نظر أمامه وجد مجموعة من الأطفال يلعبون مع بعضهم البعض. ابتسم وشعر بالسعادة في داخله، فهو أكثر شيء يفرحه عندما يجد طفلًا يبتسم. حول نظره إلى الناحية الأخرى وجدها، تلك التي يهواها القلب وعشقها الروح. وجدها تجلس بجانب أخاها، وهي تقرأ أحد الكتب بطريقة رايل، تلك الطريقة التي يستخدمها المكفوفين في القراءة.
شعر بالسعادة تغمر قلبه وكاد أن يقترب منهم، ولكنه تذكر آخر لقاء بينهم وكيف انتهى. ابتعد وتراجع، وعاد إلى مكانه، فهو يخشى أن يعتقد أخاها أنه يشفق عليها أو أنه يسخر منها. فهو في الحقيقة يحبها ويعشقها وهو اعترف منذ اللقاء الأول، فتلك الفتاة غيرت قلبه تمامًا. ولكنه لا يعلم كيف يقول لأخيه ذلك. فهو وقع في حب عمياء، وأيضًا هي لم توافق لاعتقادها أنه يريد الزواج بها من أجل السخرية بها أو شفقة عليها.
عاد مكانه وبعد مدة نهض عمرو من مكانه وترك نورهان وحيدة. شعر مازن بالفرحة وجاء لكي يقترب منها، ولكنه فوجئ بشخص آخر يقترب منها وينظر لها بنظرات مليئة بالشهوة والرغبة. شعر مازن بالدم يجري في عروقه من تلك النظرات التي ينظر بها لحبيبته.
انتظر مازن قليلًا لكي يرى ما الذي سيقوم به ذلك الشخص، حتى لا يظلمه وأيضًا يرتكب شيئًا خاطئًا يجعل عمرو لن يسامحه. ظل يشاهد من بعيد ولكنه لم يسمع أي شيء. وجد ذلك الشخص يقترب منها ويلمس يدها. انتفضت نورهان من مكانها وظلوا يتحدثون مع بعض حتى قام بإمساك ذراعها وجعلها خلف ظهره، واقترب منها وحاول تقبيلها تحت مقاومتها.
وهنا شعر مازن بالدم يجري في عروقه واقترب منهم بسرعة ثم قام بلكم ذلك الشخص في وجهه. تراجع ذلك الشخص إلى الخلف، ثم بدأ في توجيه عدة لكمات لوجهه حتى نزف، ولم تظهر ملامح وجهه من قوة الضربات، فمازن يمتلك جسدًا رياضيًا مليئًا بالعضلات وذلك بسبب محافظته على الرياضة.
أما نورهان فكانت في حالة من الصدمة، فهي كانت تشعر بالخوف، وكانت تحاول أن تبحث عن أخاها ولكنها لم تشعر به حولها. وعندما ابتعد عنها ذلك الذي كان يقيدها، واشتمت تلك الرائحة. نعم، إنها رائحة مازن الرجولية التي حفظتها عن ظهر قلب. شعرت بالأمان تلقائيًا. لا تعرف لماذا تشعر بالراحة وعدم الخوف عندما يقترب منها. وبعد دقائق فقد ذلك الشخص وعيه تمامًا. نهض مازن عنه وقام بالبصق عليه، واتجه ناحية نورهان
ونادى عليها بلطف قال لها: آنسة نورهان. نظرت له نورهان بعينيها التي تشبه أطباقًا مليئة بالعسل الصافي. تاه مازن في عينيها الساحرتين. قطع تلك اللحظة صوت عمرو القلق: نورهان حبيبتي مالك، حصلك حاجة؟ ابتعد مازن بسرعة عن نورهان ولعن عمرو في سره لقطعه تلك اللحظة، ونظر إلى عمرو بغضب وحدة وقال له: كنت فين يا أستاذ؟ لولا إني كنت موجود قريب منهم، كان زمان الحيوان ده عمل فيها حاجة.
عمر بخجل من نفسه، فهو ذهب لكي يجلب الماء ونسي تمامًا ذلك الحيوان الذي يراقب أخته: شكرًا ليك جدًا يا دكتور مازن. أنا مش عارف أقول لك إيه، انت على طول بتنقذ أختي، وأنا مش عارف أرد لك الجميل ده إزاي. تغيرت ملامح مازن ثم قال له: جميل إيه يا أستاذ عمرو؟ وأي حد كان في مكاني كان عمل كده. ثم نظر إلى ذلك الشخص الملقى على الأرض وقال له: مين اللي مرمي على الأرض ده؟ وليه هو كان بيحاول يتحرش بالآنسة نورهان؟ نظر
عمرو ناحيته وقال له بتوتر: ده... ده... تنهد عمرو بعمق ثم قال له: تعال في مكان تاني عشان أحكي لك على كل حاجة. أومأ له مازن برأسه ثم اتجهوا إلى أحد الكافيهات. *** اتجه كل من مازن وعمرو ونورهان إلى أحد المقاهي. مازن: ها يا أستاذ عمرو اتفضل احكي كل حاجة. عمرو بتوتر: ده خطيبها... السابق. صدم مازن من الذي قاله عمرو، فهو لم يتوقع أنها كانت مخطوبة من قبل، ولكنه عندما نطق كلمة السابق فرح فرحًا شديدًا وشعر بالرحمة.
مازن بهدوء: كمل. بدأ عمرو في قص حكاية نورهان لمازن، وأنها مجرد فتاة بسيطة، من عائلة بسيطة تدرس الحقوق وتخرجت من الكلية بامتياز. وتقدم لها الكثير بعد ما انتهت من الدراسة. أنها كانت فتاة في غاية الجمال، وكان جمال واحد من هؤلاء الذين تقدموا، ولكنه استطاع أن يقنع نورهان بأنه سوف يكون الزوج الصالح لها، وأنه يحبها بل يعشقها وسوف يحميها ويحبها إلى النهاية. حتى صدقته نورهان.
خطبت نورهان من جمال. وكانت نورهان تشعر بالسعادة معه لأنه كان يعاملها بلطف وكان يغازلها دائمًا. حتى جاء ذلك اليوم الذي صدمت فيه نورهان من حقيقة جمال أنه شخص سادي له العديد من العلاقات النسائية. وأنه في البداية يطلب الزواج من الفتاة ثم يقوم بتعذيبها جسديًا ونفسيًا. وبعد ذلك ينتقل إلى فتاة أخرى. وكان حظ نورهان جيدًا لأنها اكتشفت حقيقته، لأنه إذا كان قد اكتمل زواجها به، كانت ستكون في عداد الأموات.
وعندما علم جمال أن نورهان علمت بحقيقته شعر بالغضب الشديد لأنه لم يستطع أن يفعل معها شيء وأنها أول فتاة تهرب من بين قبضتيه. اكتشفت نورهان حقيقته بمساعدة إحدى الفتيات التي قالت لها كل شيء عن جمال وعن صديقتها التي تزوجت من جمال وتوفت بسبب العذاب الذي كانت تلقاه على يديه. وعندما رأت تلك الفتاة نورهان مع جمال أرادت تحذيرها لكي لا تقع في شباك ذلك الحيوان.
ومنذ ذلك اليوم ونورهان ليس لها علاقة بجمال، ولكن جمال لم يستسلم، بل بدأ في تدبير المكائد لنورهان. وفي مرة من المرات، كانت نورهان تسير في الطريق وصدمتها سيارة ونقلت للمستشفى وعلموا من الطبيب أنها فقدت بصرها بسبب ذلك الحادث. نعم، فهي لم تكن فاقدة لبصرها منذ الصغر، بل هي كانت ترى كل شيء ولكن منذ ذلك الحادث وهي لم تعد ترى النور ورفضت جميع من تقدم إليها لأنها اعتقدت أنهم يتقدمون إليها بدافع الشفقة أو السخرية منها.
ابتسم عمرو في النهاية إلى أخته وأمسك بيدها وربط عليها لكي تكف عن البكاء. كان كل ما حكى به عمرو أمام مازن أشعره بالصدمة منذ بداية أنها كانت مخطوبة وأنها كانت ستخطب لشخص سادي، وأنها كانت تبصر ولم تكن عمياء، وأن كل الذي هي فيه الآن هو بسبب ذلك الذي يدعي جمال. نهضت نورهان من مكانها وتوجهت إلى الحمام لكي تغسل دموعها. أما عمرو فصدم من طلب مازن له. مازن بجدية
وهو ينظر إلى عيني عمرو: عايز أتزوج نورهان يا عمرو. صدقني أنا مش شفقان عليها، أنا بحبها بجد وبعشقها من أول يوم شفتها. من ساعة ما أنقذتها وأنا لو مش كنت بحبها عمري ما كنت طلبت إني أتزوجها. حتى ولو كنت شفقان عليها، أنا بحبها ومستعد أعمل أي حاجة عشان خاطرها. قاطعه صوت نورهان البارد: طلبك مرفوض يا دكتور. أنا مش بفكر في الجواز وأخويا مش حكى لك اللي حصل معايا عشان خاطر تطلب مني الجواز. واتجهت إلى الخارج.
أما مازن فلم يصدم من حديثها، فهو يعلم أنها في حالة من الصدمة وقال لعمرو: اتفضل ده الكارت بتاعي وأنا مستني الرد بتاعها بعد يومين. ثم نهض من أمام عمرو المصدوم من الذي يطلبه مازن، فهو دكتور مشهور ومعروف في أمريكا وفي مصر كيف له أن يتزوج فتاة بسيطة مثل أخته، ولكنه استشعر الصدق في حديثه وعلم أنه بالفعل واقع في عشق أخته.
نهض مازن من مكانه وصافح عمرو وغادر. بعدما تلقى عدة اتصالات من إياد. خرج مازن من المقهى واتصل على أخاه. وهنا وقعت عليه الصدمة الكبرى. أغلق مازن الهاتف مع أخاه إياد واتجه بسرعة إلى القصر الذي يعيش فيه مع إياد. *** في محافظة سوهاج. شروق بصدمة: لا يا جدي مستحيل أتزوج رفيع ده. أنا... قاطعها الجد بنظرات غير مفهومة: انتي إيه بقي؟ شروق بتوتر: أنا مش عايزة أتحوز دلوقتي، أنا لسه صغيرة يا جدي. رفع الجد حاجبه وقال: انتي صغيرة؟
بتضحكي على مين يا بتي؟ أنا أكتر واحد يفهمك، أنا مش صغير عشان تاكلي بعقلي حلاوة. شروق بتوتر: هي دي الحقيقة يا جدي. الجد محاولًا عدم الضغط عليها: مادام أكده، فأنتی تجابليه الأول ولو مش عجبك، بلاها أحسن. وأنا مش هجبرك على حاجة. عارفة يا شروق بالرغم إنك مش حفيدة، إلا إني بحبك زيهم بالظبط، وأنا بخاف عليكي وأكتر كمان. ولو في يوم حبيتي تحكي حاجة، أنا ستر وغطاء عليكي.
أومأت شروق بقله حيلة، فهي لن تستطيع مجادلة زوجها، فهو يعرف الأفضل لها، فهي تعتبره مثل والدها الراحل. شروق بطاعة: ماشي يا جدي هجابل رفيع بيك، ولو مش عجبني، مش هتجوزه. عبدالحميد بابتسامة: تسلمي يا بتي. جومي اعملي الغداء لينا بقي، بما إننا بس اللي هناكل. نهضت شروق من مكانها وهي تفكر بالمستقبل، فهي ليس لديها خيار، فهي يجب أن تتزوج ولن تنتظر عاصم طويلًا وسيشك الجميع بها، وهي تعلم أن عاصم يهتم بها كأخت له ليس أكثر.
عبدالحميد بنظرات مفهومة: وراكي جصة كبيرة جوي يا بتي، بس أنا بحبك، وهحاول أساعدك، زي أحفادي بالظبط. *** كانت ميره تجلس في غرفتها شارده في إياد وكيف أنه شخص لطيف وأحيانًا مغرور وأحيانًا مزعج. قطع شرودها تلك الذكريات التي هاجمتها عن أحمد، فكيف لها أن تنساه؟
فهو الحب الأول في حياتها، وحتى إذا تزوجت كإياد، فقلبها يملكه شخص واحد فقط وهو أحمد، ولم يعد ملك لها. تنهدت بعمق وبدأت تفكر بالمستقبل القادم، وكيف ستعيش مع إياد. وأقسمت على نفسها أنها ستقوم، بـ جعله يجن ويتجه إلى العباسية، مما ستقوم به معه. وابتسمت بشر ثم أغلقت عينيها واتجهت إلى عالم الأحلام، ذلك العالم الذي يتجه إليه الناس عندما يريدون أن يهربوا من واقعهم المر. ***
خرجت شمس من تلك الغرفة وهي تعلن الحرب على مراد العرابي. اتجهت إلى غرفة ليان وجدتها نائمة وعلى وجهها ابتسامة. تعجبت من ذلك، فهي دائمًا عندما تنام تحلم بكواليس، وملامح وجهها تنم عن الضيق. تركت الغرفة وتوجهت إلى قصر مراد العرابي عازمة على تنفيذ ما في عقلها. دخلت إلى القصر ولم تجد به أحد ولا حتى الخدم، فعلمت أن مراد في الشركة ولكن أين هم الخادمات وحسنيه؟
دخلت شمس إلى إحدى الغرف واستنتجت أنها غرفة مراد، فهي جميع أثاثها باللون الأسود، ولونها باللون الأسود والعطور سوداء. فتحت خزانته ملابسه وجدتها مليئة بالأزياء الرسمية السوداء والكحلي. ابتسمت بشر وقامت بإخراج جميع ملابسه وجميع الأحذية وجميع العطور وتوجهت بها إلى المطبخ وقامت بتحضير بعض الخلاطات التي كانت تستخدمها وهي صغيرة. وقامت بسكبها على الملابس ونظرت إليها بشر. قرصة ودن عشان تفكر تاني مرة إنك تأذي شمس محمود هههه.
*** عاد مازن إلى القصر وجد أخاه يصرخ بأحد ما ولم تكن هذه سوى والدته التي يصرخ بها وكانت تقف بجانبها فتاتان، واحدة منهم كانت جيسكا والأخرى لا يعرفها ولكن رآها من قبل، ولكن الصدمة الأكبر عندما قالت والدته أن هاتين الفتاتين سيتزوجان منهما.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!