في غرفة دموع، قامت بتغيير ملابسها وغسلت وجهها من أثر البكاء. لا تريد أن تعكر صفو حياتها مع رحيم، فعليها التحمل قليلاً ولتعتبرها مثل والدتها، ولتتحمل تلك الدقائق التي تغضب عليها بها. فكل شيء ببدايته صعب، وتلك المرأة أولاً وأخيراً والدته، لن تتحمل عليها شيئاً، فمن أجله فقط ستتحملها دون شكوى. كانت تنتظره، ولكن وجدت من تساعد جدتها تقول لها إنها تريدها، فذهبت إليها.
دخل رحيم إلى غرفتهم وهو مبتسم، ولكنه لم يجد دموع بانتظاره. كان يهم بالخروج للبحث عنها، فوجدها تفتح الباب وتدخل عليه وتغلق الباب خلفه. دموع بابتسامة: "انته جيت." رحيم بحب: "آه، كتي فين أكده مش مستنطراني كيف عادتك ليه." دموع وهي تقترب منه بحب وتمسك بطرف جلبابه: "كت عند ستي، اتوحشتني وبعتت ليا. روحت لها وقعدت وياها حبه."
نظر رحيم إلى دموع بدقة، كانت تتحدث ولا تنظر بعينيه، تنظر إلى يديها التي تعبث بملابسه، تتهرب من النظر بعينيه. لذلك قام برفع وجهها إليه لينظر بعيونها. فابتسمت له ابتسامة مصطنعة حزينة. حينما نظر إلى عيونها وجد جفونها متورمة وحمراء، كانت تبكي، ولكن لماذا البكاء؟ رحيم بهدوء: "فيه إيه يا دموع، كتي بتبكي ليه."
دموع بابتسامة حزينة وهي تقول كذباً: "نيمت جدتي أكده بعد ما حضرت الأكل وحليمت بأمي، ولمن فوقت بكيت عشان اتوحشتها جوي جوي." نزلت دموعها دون توقف، وكأنها شلالات. كانت تبكي الظلم الذي تتعرض له، تبكي أن أمها ليست هنا لتدافع عنها. رحيم وهو يضمها إليه بقوة ويرفع يده ويمسح دموعها: "بكفيّك بكي، إني مش مكفيكي بجيت."
دموع وهي تنظر له بحب: "انت أحسن حاجة حصّلت ليا، ربنا عوضني بيك، الحمد لله. بكفاية عليه حنانك يا رحيم، انت هدية من عند الله." رحيم بحب: "يبجي مفيش زعل بعد أكده عاد." دموع بابتسامة: "حاضر." رحيم بحب: "اتوحشتك جوي." دموع بخجل وهي تقوم بتغيير الموضوع: "أحضر لك الأكل." رحيم بابتسامة ماكرة: "لأ، مش دلوقتي."
وضمها إلى صدره بقوة، وبعدها حملها إلى تختهم لياخذها إلى عالم خاص بهم وحدهم. رحيم هو سندها وأمانها، هو مصدر قوتها، تشعر معه بالراحة وتشعر بالخوف ببعده. لا تريده أن يفارقها نهائياً، وتخشى مما تخبئه لها الأيام، وتخاف تلك المرأة، فكرهها لدموع لا ينذر بالخير. على الجانب الآخر، ودع حسن ليالي وانطلق في طريق العودة إلى الصعيد بالطائرة كما جاء.
بينما ها هي ليالي تجلس بغرفتها تفكر بما فعلت، هل أخطأت أم لا، لا تعلم ولا تستطيع التفكير، فهي تخاف منه بشدة وتخشى رد فعله إن علم. وهي تعرف عادات وتقاليد المجتمع الصعيدي، وأن أهم ما لديهم هو الشرف. وحسن سيظن أنها خدعته، وحينها سينتقم منها، ربما قام بقتلها. أفاقت ليالي من شرودها على صوت ليلي. ليلي بجدية: "ليالي، عاوزين ننزل نشتري فساتين." ليالي بشرود: "آه، طيب."
ليلي وهي تجلس إلى جانبها: "ليالي، أنا هنسي اللي حصل لأننا أخوات، وكمان عشان ما نبوظش فرحتك." وانتي عارفة إن أنا عمري ما أزعل منك. وقامت باحتضانها. حينها قامت ليالي بضمها إليها أكثر وبقوة، وبكت بهستيريا وانهيار. ليالي بشهقات من شدة البكاء: "ليالي، احضنيني أوي يا ليلي، أوي." ليلي بقلق وهي تمسح على رأسها بيده: "مالك يا حبيبتي." ليالي ببكاء: "تعبانة أوي، حاسة إني تايهة، حاسة إن كل حاجة في حياتي ماشية بالعكس."
ليلي بتساؤل: "ليالي، انتي بتحبي حسن." ليالي بجدية: "لأ." ليلي بتعجب: "طيب وليه هتتجوزيه." ليالي بقهر وحزن: "وهو الحب كان عملي إيه غير البهدلة وقلة القيمة والفضايح. أنا مش عاوزة أحب تاني، أنا هفكر بعقلي من هنا ورايح مش قلبي، وعشان كده هتجوز حسن لأنه عريس مناسب وميترفضش، وبصراحة أنا عاوزة أبعد." ليلي: "أتمنى يكون تفكيرك صح وحياتك تكون زي ما انتي عاوزة." ليالي بسخرية: "مش هتفرق كتير، حياتي كده كده متشقلبة لوحدها."
ليلي بدهشة: "إيه يا بنتي كمية التشاؤم دي، انتي عروسة، انتي، انتي واحدة بائسة." ليالي وهي تغير مجرى الحديث: "سيبك، كنتي عاوزة إيه." ليلي: "كنت بقولك على الفساتين." كانت ليالي تتابع شقيقتها وهي تتكلم، ولكنها بعالم آخر، تفكر هل ستنكشف أم لا، هل ستعرف ليلي أنها خدعتها للمرة الثانية وأنها لا تستحق ذلك الغفران ولا هذا الحب. كم تشعر بالألم بداخلها، ولكن انتهى الأمر وانطلق السهم، ولتتحمل نتيجة كذبها. في منزل رحيم.
كانت والدة رحيم بداخل المطبخ تقوم بتجهيز العشاء للجده. حين دخل محمد عليها. محمد بسخرية: "ازيك يا أم رحيم." والدة رحيم بضيق: "زين." محمد وهو يجلس على كرسي وجده إلى جانبه: "مالك بتعامليني زي الكلب الجربان كده ليه، ده إحنا حتى دفنينه سوا." والدة رحيم بحدة: "انت تقصد إيه." محمد وهو يقف ويقول بخبث: "أقصد إن مش أنا لوحدي كنت ورا قتل وفاء الهواري، انتي شريكتي، ولا ناسيه يا أم رحيم."
لم يكن محمد ولا والدة رحيم يعلمون أن هناك من سمعهم وعلم الحقيقة. دموع بحسرة وألم: "هما اللي قتلوا أمي، مش معقول." وفجأة وجدت الدنيا تظلم حولها وتدور بها بقوة، فوقعت على الأرض مغشياً عليها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!