الحلقة العاشرة: كان الصمت سائدًا في الغرفة إلا من صوت ارتطام الملعقة بطبق الطعام الذي يحمله عاصم في يده ليطعم فاتن التي تتذمر كل ثانيتين. فاتن: خلاص يا عاصم مبقتش قادرة. عاصم باستسلام: خلاص أوك.. المرة دي وبس.. لكن المرة الجاية أنا اللي هقول إمتى يكون بس. ابتسمت بتعب فساعدها على الاستلقاء مجددًا، وجلس إلى جانبها يداعب أصابعها بيده. فاتن بهدوء: عايز تقول إيه؟ عقد حاجبيه فأشارت بعينيها إلى يده التي تعبث بأصابعها قائلة:
لما بتلعب في صوابعي كده بتبقى عاوز تقول حاجة ومش عارف تتكلم.. ها بقا.. إيه؟ ابتسم بهدوء قبل أن يتمتم بتساؤل: عايز أعرف إيه اللي حصل وليه خرجتي من البيت في الوقت ده؟ أغمضت فاتن عينيها بتعب.. ماذا تخبره؟ .. وكيف ستخبره بأنها رأت والدتها تخون والده.. ومع من!! .. مع أخيه!! .. يا إلهي. عاصم: خلاص يا حبيبتي.. ارتاحي دلوقتي. ابتسمت له بامتنان. ليقاطعهما دلوف شريف والد فاتن كالصاعقة: فاتن.. بنتي.. إيه اللي حصل؟؟
احتضنها بقوة آلمتها فتمتم معتذرًا: آسف.. آسف.. بس.. بس أنا خفت وقلقت.. ما صدقتش لما سمر قالتلي الصبح وجيت على أول طيارة.. إيه اللي حصل يا حبيبتي؟ أخذت فاتن تبكي بقوة فاقترب منها عاصم وضمها إليه وهو يربت على شعرها بهدوء: بس يا حبيبتي بس.. خلاص ارتاحي. شريف: بنتي مالها يا عاصم؟ نظر له عاصم ببعض الرجاء.. فتنهد شريف بتعب ثم جلس إلى المقعد المجاور للفراش يراقب صغيرته وهي تستغرق في النوم سريعًا.
تركها عاصم بعدما تأكد من كونها قد نامت حينما انتظمت أنفاسها.. ثم أخذ شريف معه وخرجا من الغرفة بهدوء. شريف: انطق يا عاصم.. بنتي حصلها إيه؟ عاصم: صدقني يا عمي لحد دلوقتي أنا معرفش.. ويدوب قبل حضرتك ما تدخل على طول كنت بسألها نفس السؤال ولما حسيتها هتعيط غيرت الموضوع على طول.. الدكتور قال لازم نبعدها عن أي ضغط وأنا مش حابب أضغط عليها دلوقتي.. فبأمر الله لحد ما تخرج بالسلامة وبعد كده نشوف إيه اللي حصل معاها.
شريف بتنهيدة: يارب هو إيه اللي بيحصل ده بس.. دالين من كام يوم ودلوقتي فاتن.. هو في إيه! إيه اللي بيحصل ده!! عاصم: الحمد لله يا عمي.. ربنا ستر. شريف بحزن: الحمد لله يا ابني.. هنقول إيه غير كده.. الحمد لله على كل حال. روح من بعيد: عاش من شافك يا شريف. شريف بابتسامة وعيون لامعة من السعادة: روح؟!!! روح بابتسامة: أيوة روح.. إزيك يا شريف؟ شريف بهدوء وابتسامة لم تفارق محياه: أنا.. أنا كويس الحمد لله.. أنتِ هنا من إمتى؟ روح:
من قبل منك. شريف: نورتي مصر كلها يا روح. روح بابتسامة: شكرًا يا شريف.. ربنا يخليك. ثم حولت نظرها لعاصم وهي تتساءل: فاتن عاملة إيه دلوقتي؟ عاصم: كويسة الحمد لله.. أفضل كتير. روح: طيب حبيبي هدخل أتطمن عليها. عاصم: ماما.. لما تفوق بلاش تسأليها عن اللي حصل معاها. أومأت روح بتفهم ثم دلفت للغرفة بهدوء. *** هاتفته عدة مرات حتى أجابها أخيرًا. غرام باندفاع: إيه يا عمرو.. فينك كل ده؟؟ .. قلقتني عليك. عمرو بهدوء:
آسف يا حبيبتي كنت مشغول شوية. غرام: ولا يهمك حبيبي.. المهم اتطمنت عليك.. وطالما بخير فـ خلاص يا روحي سماح بقا. عمرو ضاحكًا بهدوء: ربنا ما يحرمني منك أبدًا يا قلبي.. ها عملتي إيه في يومك؟ غرام بمرح: كل كل كل حاجة.. وضبت كل حاجة.. واشتريت الهدية كمان. عمرو: هدية؟ .. أنتِ مش قولتي الصورة اللي رسمتيها هي هديته؟ غرام: أيوة يا سيدي.. بس بردو عجبني حاجة تانية وجبتها. عمرو:
ربنا يخليكم لبعض يا حبيبتي.. وكل سنة وأنتِ جنبي ومعايا. غرام: كل سنة وإحنا جنب بعض ياااارب.. يلا حبيبي مش هعطلك.. خلي بالك من نفسك. عمرو: وأنتِ كمان. أغلقت غرام الخط ثم نظرت لوالدتها التي تنظر لها بحنان. غرام: ها يا ست مامي.. مالك بقا؟ .. ومن غير ما تقولي ولا حاجة.. أنا بحس بيكي.. فلو سمحتِ قولي في إيه. جومانه بابتسامة حزينة: أنا كويسة يا حبيبتي.. هو بس شدينا أنا وبابا الصبح شوية. غرام: اممم.. مين الغلطان؟ جومانه:
هو. غرام: خلاص يا ستي سيبي الدنيا دي عليا.. أنا هشبرقهالك. جومانه بضحكة: إيه يا بت اللي بتقوليه ده.. يا بت اكبري بقا.. أنتِ أقل من شهر وهتبقي ست بيت. غرام بمزاح: ياااه.. وأخيرًا حد غير الجملة المعتادة. جومانه بعدم فهم: جملة إيه؟ غرام: أصل فراس وعمرو ديما يقولولي "يا بت اعقلي بقا.. ده أنتِ كام يوم وهيبقي عندك ستة وعشرين سنة".. ضحكتا معًا.. ثم ربتت جومانه على كتفها وهي تدعو لهم جميعًا بالسعادة وراحة البال. ***
جلس في غرفة مكتبه مستندًا بظهره لظهر مقعده رافعًا رأسه للأعلى بتفكير عميق.. تفكير يكاد يفتك برأسه.. ماذا عليه أن يفعل الآن؟ .. من أين سيبدأ؟ .. لقد أخبره عمرو بكل شيء.. فلماذا يشعر أنه مقيد هكذا؟ .. لما لا ينهي القضية الآن بكل المعلومات التي عرفها عما فعله فراس؟ .. لكن إن فعل ماذا سيحدث بعمرو؟ قاطع تفكيره صوت هاتفه الذي أعلن عن اتصال ما.. نظر لاسم المتصل مطولًا قبل أن يضغط زر الإجابة. لؤي بهدوء: ألو يا فندم.
اللواء أمجد: إيه يا لؤي.. داخلين على أسبوع وحتة قضية ما اتقدمتش فيها خطوة واحدة.. في إيه يا سيادة العميد؟ لؤي وهو يغمض عينيه بقوة وقد حسم أمره: سيادة اللواء.. أنا..... *** وصل فراس حيث الكافيه فرآهما يجلسان على إحدى الطاولات البعيدة قليلًا.. أشارت له شدا فتحرك نحوهما بهدوء. فراس: مساء الخير. شدا وحازم: مساء النور. شدا بمراوغة: خير يا دكتور فراس! فراس بابتسامة متهكمة:
لو هنبدأها بلف ودوران من أولها أنا لسه ما طلبتش حاجة أشربها.. فممكن بسهولة أشد خيط. شدا بسرعة: لا لا.. مش فكرة لف ودوران.. أنا بسأل بجد. فراس بهدوء: إيه اللي تعرفيه يا شدا؟ شدا: وأنا أضمن منين إنك لما تعرف اللي عندي ما تزورش في باقي الحقايق؟ فراس بضحكة عالية بعض الشيء: أزور مرة واحدة.. طب يا ستي اضمنيني من دالين نفسها. شدا: دالين؟؟!! فراس:
أها.. دالين.. هي اللي قالتلي كلم شدا.. صحفية وذكية وقوية وجريئة وهتساعدك كتير من ناحية الظابط. شدا بعدم فهم: ظابط مين؟ فراس: لؤي الأديب. شدا مزدردة ريقها بتوتر: لـ لؤي؟ حازم مقاطعًا: هه.. الكلام ده كان قبل ما شدا تشد قصاده وقبل ما ينتهي الحوار بعصبيته وقلبته للترابيزة كلها علينا. فراس: يعني إيه؟ حازم بلامبالاة: يعني شدا عصبته وقالها ملهاش دعوة بالقضية تاني ولو فكرت تتدخل هيحبسها. فراس: اعتذري. شدا بحدة: أفندم؟ أ إيه؟
فراس: اعتذري.. اعتذار مش هيودي كرامتك ورا الشمس يعني.. أنا عاوز أعرف كل خطواته يا شدا.. لازم أسبقه بخطوة ديما. شدا: وأنا أضمن منين إن دالين هتبقى بخير.. وبعدين أصلاً ليه خطفتها؟ فراس بتهكم: خطفتها! .. أنا أنقذتها مـ اللي خطفوها يا شدا.. ودلوقتي هي في أمان تام بعيد عن أي عين. شدا: لازم أشوفها بنفسي. فراس: وأضمن منين إن لؤي ده مش باعت وراكي اللي يراقبك؟ شدا: نفس الضمان اللي مخليك تروحلها وأنت مأمن نفسك. فراس بعدم فهم:
قصدك إيه؟ شدا بابتسامة انتصار: يعني أنا عارفة دالين فين، وعارفة كمان إنك كنت عندها النهار ده من تقريبًا ثلاث ساعات. فراس: أنتِ بتراقبيني؟ شدا بلامبالاة: الظروف اضطرتني لكده يا دكتور، وطبعًا اللي ما يعرفك يجهلك. فراس بضيق: الساعة ثمانية بالليل هنتقابل هنا وهنروحلها من هنا، بس بعدها هتساعديني أوصل لكل خطوات الظابط. شدا: وأنا كمان عايزة أفهم اللي بيحصل. فراس وهو يهم بالوقوف: كل حاجة في وقتها كويسة، فرصة سعيدة.
غادر فراس تاركًا شدا وحازم في تضارب أفكارهم. حازم بهدوء: بتفكري في إيه؟ شدا بابتسامة ماكرة: كل خير يا زوما، كل خير. *** حل الليل سريعًا وكانت شدا وحازم في انتظار فراس كما اتفقوا، تجاوزت الثامنة والنصف ولم يأتهم فراس. حازم بقلق: تفتكري كان بيضحك علينا؟ يعني معقول مثلًا كان عاوز يجرجرنا في الكلام ويأخذ معلومات عن الظابط ده وأما ما لقاش مننا فايدة فلسع؟ شدا: فلسع؟ أنت صحفي يا حازم متأكد؟ حازم بضيق:
مش وقته يا شدا هزارك ده، إيه الحل دلوقتي؟ شدا وهي تشير إلى باب الكافيه: الحل جاء هناك أهو. نظر حازم حيث تشير فوجد فراس يدلف للكافيه فابتسم بمكر وهو يقول بمزاح: بسبب تأخيرك ده يا دكتور، بقى لي ساعة بأحاول أقنع شدا إن حضرتك إنسان نبيل ولا يمكن تكون بتضحك علينا. نظرت له شدا باستنكار بينما تابع هو: والدليل إن حضرتك هنا أهو. ابتسم فراس وهو يلمح نظرة الاستنكار في أعين شدا فتحدث بهدوء: أنت متأكد إنك ما بدّلتش الأدوار؟
حازم بتهكم: هو أنا ليه ما حدش بيصدقني في البلد دي؟ هو أنا مكتوب على قورتي تافه ومزوّر أحاديث ولا إيه؟ شدا بضحكة خفيفة: يلا يا دكتور، حازم لو فتح في الهزار مش هيقفل. حازم بتهكم: ده حتى الهزار أحيانًا بينمي مهاراتنا العقلية. فراس وهو ينظر له بتفحص: أنت درست طب؟ حازم: لا، ليه؟ فراس: أبدًا، أصل... ولا بلاش. تركه وغادر وتبعته شدا التي نظرت لحازم بابتسامة خفيفة. ضم شفتيه للأمام بعدم رضا مصطنع ولحق بهما على الفور.
وصل فراس بسيارته للفيلا ودلف إليها، كانت دالين تقف في الحديقة وتقوم بري الورود، ألقت بالإبريق حينما لمحت حازم وشدا وهي تنظر تجاه السيارة، ترجلت شدا من السيارة وهي تنظر حولها وما إن وقع نظرها على دالين الواقفة بارتباك ودموع تملأ عينيها حتى ركضت إليها وهي تنادي ببحة خفيفة ظهرت في صوتها بسبب حبسها لدموعها داخل جفنيها: دالي! ألقت دالين بنفسها بين ذراعي صديقتها والتي تمثل لها الأخت الكبرى والصديقة العاقلة الموجهة.
لم تستطع شدا السيطرة على عبراتها أكثر وهي تستمع لشهقات دالين المتتالية وهي بين ذراعيها فأخذت تربت على ظهرها وهي تشدد من ضمها إليها مرددة بخفوت: الحمد لله يا رب، الحمد لله يا رب. ابتعدت دالين بعد وقت ليس بقصير، وما لبثت أن جذبها حازم من يدها إلى أحضانه.
دهش الجميع من فعلته، لكن بادلته دالين إياه بصدر رحب، فهما صديقان مقربان وهي لا تمتلك أخًا، ويمثل حازم وعاصم بالنسبة إليها الأخوين في حياتها، وقد نست تمامًا أن كلمة أخ التي نقولها على هذا وذاك ما هي إلا تأليفات واقع نقنع بها أنفسنا، لكن في الحقيقة والدين لا أخ لك سوى ما ولدته أمك أو كان أخيك في الرضاعة.
فارت الدماء في عروق فراس التي برزت نتيجة قبضته التي يضمها أكثر وأكثر وهو يرى هذا الوضع، هما صديقان ومهما كانت درجة قرابتهما لا يحق له أن يضمها إليه هكذا، لو فقط يحق له، لذهب وانتزعها من بين ذراعيه وهشم رأسه في الحال. ابتعدت دالين أخيرًا وهي تجفف عبراتها ناظرة إليهما بسعادة حقيقية. دالين: ما تتخيلوش مدى سعادتي إني شفتكم ثاني. شدا: إيه اللي حصل يا دالين؟
نظرت دالين تجاه فراس فوجدته على حالته من الغضب ولم تستطع معرفة سبب ذلك لكنه دحجها بنظرة غاضبة جعلت أطرافها ترتعش وهي تتذكر فراس الذي رأته لأول مرة في الغرفة حينما استعادت الوعي بعد تلك الحادثة، لقد كان مخيفًا حقًا في ذاك الوقت، لكنها نسيت تمامًا ذاك الفراس حينما رأت الجانب الآخر منه والذي يتمثل في هدوئه والذي يفسره البعض بأنه برود، وكذلك طيبته وغموضه في بعض الأحيان، ولم تنسَ الجانب الثالث من فراس والذي يتعلق بغرام وحدها، فهو يتحول لشخصية مختلفة تمامًا عن فراس نفسه حينما يتعلق الأمر بغرام.
فاقت من شرودها على يدي شدا التي تهز يدها بخفة فوجدت مكان فراس خاليًا تمامًا فنظرت تجاه الفيلا فوجدته يدلف إليها: دالين أنتِ كويسة؟ أومأت دالين بإيماءات سريعة قبل أن تقول بهدوء: تعالوا ندخل جوه. دلف ثلاثتهم فاستقبلتهم السيدة ابتهال بابتسامة جميلة ارتسمت على محياها وهي ترحب بهما. جلسوا جميعًا في غرفة الجلوس بينما ذهبت السيدة ابتهال لعمل مشروب ما لهم جميعًا. شدا بهدوء: دالين أنتِ كويسة؟ دالين بابتسامة:
آه، كـ كويسة أوي، بدور عاملة إيه وفاتن وعاصم. شدا بتوتر: آآ... كويسين. حازم مقاطعًا: إيه اللي حصل، وعايز أفهم أنتِ هنا بتعملي إيه! وليه ما رجعتيش البيت، طنط حياة هتموت من القلق والخوف عليكي. أدمعت عينا دالين وهي تنظر لفراس الذي لانت ملامحه وهو يراها على وشك الانفجار في البكاء، فتحدث بهدوء: أنا منعتها. شدا بتهكم: يعني إيه منعتها؟ فراس:
ده عشانها يا آنسة شدا، اللي خطفها دلوقتي قالب الدنيا عليها، وبمجرد ما هيعرف عنها حاجة هيكرر عملته ثاني، لإن واضح إن اللي خطفها ليه تار قديم مع بشمهندس ماجد. قالها وهو ينظر لدالين يرى وقع كلماته عليها، وكانت كما توقع، تنظر له بعدم فهم، بذهول، باستنكار، لو لم يُثبت هذا الشيء لنظرت له بكره في المرة القادمة. شهقت شدا مما سمعت ثم تحدثت بعدم فهم: قصدك إيه؟ تار إيه؟ ومين دول أصلًا؟ فراس بهدوء موجهًا حديثه لدالين متجاهلًا
أسئلة شدا: دالين، أنتِ وثقتي فيا وأنا على قد الثقة دي بأحاول أوصل للحقيقة، أنتِ مستعدة تعرفي الحقيقة دي ولا لأ؟ هتفضلي شايفاني زي ما أنا ولا نظرتك ليا هتتغير؟ أيًا كانت الحقيقة، والدك ليه دخل باللي حصلك، لو مش عاوزاني أكمل هأقف، وللمرة المائة لو عاوزة ترجعي ما عنديش أي مانع. دالين بتخبط: آآ... أنا... أنا مش عارفة حاجة. شدا برزانة:
دالين هتفضل هنا، ولحد ما نوصل لحقيقة كل اللي بيحصل ده لا أنا ولا حازم ولا حضرتك يا دكتور هنشوفها. نظر لها فراس بعدم فهم فتابعت:
الظابط لؤي مش ساكت، وكمان متهور، إحنا لازم نبعد دالين تمامًا عن الأنظار حتى إحنا، لأن لؤي هيشك في صوابع إيده دلوقتي، خصوصًا إن قضية الجثة لو طولت من غير ما يوصل لحاجة فيها هتتقيد ضد مجهول، أنا هدخله من الناحية دي، إحنا عايزين القضية فعلًا تطول عشان هو يتحرك أسرع، وكل ما اتحرك أسرع كل ما قدر يوتر اللي بيدور على دالين، المهم دلوقتي إيه اللي هنحطه في طريقه عشان يجري وراه بحيث يكمل في القضية. فراس:
حقيقة الجثة اللي كانت في العربية. شدا: يعني إيه؟ أنا لسه بأقول لك إن... فراس: عارف قلت إيه، بس الصح إننا نخليه يقفل قضية الجثة عشان حركته تكون أسرع ناحية دالين نفسها. حازم بسرعة: حقيقي، إيه حقيقة الجثة دي؟ فراس بتذكر: بعدما طلب من أحد الرجال أن يقود السيارة إلى طريق بعيد، ركب سيارته واتجه بها لمنزله وكأن شيئًا لم يحدث. لكنه لم ينس توصية أحد الرجال بالتخفي وإخبارهم بما سيحدث في الدقائق القادمة.
هاتفه شادي بعدها بقليل فقط وأخبره أن الرجال قاموا بإحراق السيارة، ولكن جثة ما وضعت محله، والمريب حقًا أنهم قاموا بالإبلاغ عن الأمر وانتظروا قدوم الشرطة والإسعاف. علم حينها أن الخاطف يلعب بحيلة ذكية، إنه بطريقة أو بأخرى يود إظهار ما حدث على أنه مجرد حادث، لكنه لن يفلح بذلك ففراس قد سبقه خطوة. مرت الليلة وذهب في الصباح حيث ترقد دالين، وبعد وقت لا بأس به غادر حيث الفتاة التي ساعدت في اختطاف دالين، وما لبث
أن سألها حتى تمتمت برجاء: أنا... أنا هأقول لك كل حاجة بس تضمن لي حياتي. فراس: أنا ما بأضمنش حياة أحد، لكن أضمن لك تخرجي من تحت إيدي على رجلك. أومأت وهي تزدرد ريقها بتوتر ثم تمتمت بخفوت: ده كان أمر من والد حضرتك إننا نخطفها. سألها بشحوب: أنتِ تعرفيني؟ الفتاة: أيوه، من فترة كان عندك اجتماع مع أطباء كبار في شرم الشيخ.
ورأفت بيه طلب مني ومن كذا واحد معايا إننا نراقبك، عشان كان قلقان من تصرفك خصوصًا لو اكتشفت إن الاجتماع ده فيشنك لا مؤاخذة، بس اتعمل حلاوة روح عشان يشغلك عن كذا حاجة بتتعمل جوه المستشفى في الوقت ده. فراس: والبنت خطفتوها ليه؟ الفتاة:
شغلنا مفهوش أسئلة يا دكتور فراس، إحنا جالنا أمر نخطفها وقت خروجها من الحفلة اللي كانت فيها، ولما ما قدرناش بسبب إنها ديما مع كذا حد ومبيتفارقوش خالص جتلنا الفرصة لما خرجت لوحدها من المستشفى، واخدناها في عربيتها هي عشان ما حدش يعرف رقم عربيتنا من الكاميرات اللي قدام المستشفى، وواحد راح خد العربية الخاصة بينا ومشي، بعدها اتصل بيها واحد مسجلاه "زوما"، رديت عليه وقلتله إنها روحت بس على أساس إن أنا هي، وبعدها قفلت وكسرت الشريحة ورميتها وسبت الفون في العربية.
خرج فراس دون أن يستمع لأي حرف آخر، فهو لم يفهم شيئًا من الأساس، وتفكيره مشتت بالكامل، لكن ما يعلمه جيدًا أنه سيفعل كل شيء ليعلم الحقيقة كاملة، وستكون دالين هي طرف الخيط الذي سيبدأ منه. الأيام القادمة لن تكون سهلة أبدًا عليه. عاد إلى واقعه وهو ينظر لشدا التي تمتمت بذهول: يا ربي، أنا مش مصدقة اللي بيحصل ده. حازم مضيقًا عينيه: طب والجثة بتاعة مين؟ فراس بنفاذ صبر:
انتوا عرفتوا اللي لازم تعرفوه، غير كده ده تصرفي أنا وبس، ودلوقتي هتساعدوني ولا لأ، وللمعلومة أنا مساعدة مش محتاج، لكن عشان دالين وتقدر تخرج أسرع لا أكثر ولا أقل. شدا باستسلام: معاك. حازم: وأنا كمان معاك. بدأ فراس في شرح كل شيء لكليهما وما سيفعلانه لمعرفة ما يدور في رأس لؤي وخطواته. *** طرقات على الباب قطعت الصمت السائد في الغرفة. شريف بهدوء: اتفضل.
دلف شاب عشريني يمتلك لحية خفيفة تزين بشرته المخملية بعينين خضراوين وجسد رياضي وشعر طويل يغطي أذنيه. نظر شريف وعاصم تجاهه بعدم فهم حينما أذنت له روح بالدلوف: تعالى يا شادي. عاصم: مين ده يا ماما؟ روح بهدوء: ده شادي ابن أيهم الله يرحمه. شريف: أيهم مات؟ روح بحزن: آه من سنتين. عاصم: وأنا ما عرفش ليه؟ روح: حبيبي ما كانش فيه داعي أشغلك بمشاكلي، وكمان شادي ما سابنيش فضل جنبي ومعايا وبيتردد بين مصر وإنجلترا. عاصم بضيق:
تمام، ربنا يخليهولك. ألقى جملته وغادر الغرفة بضيق، نظرت روح في أثره بحزن، لا تعلم لماذا كلما اقتربت منه خطوة يتراجعون خطوتين. شريف بهدوء: ما تزعليش يا روح، هو متضايق عشان فاتن ومشاعره متلخبطة، اعذريه. روح بهدوء: عذراه يا شريف. نظر شريف تجاه شادي وهو يقول بترحيب: اتفضل يا ابني أهلًا بيك. شادي بابتسامة: شكرًا لحضرتك، آسف لو عملت أي ربكة، أمي أنا مضطر أسافر يومين لشغل بره.
روح وهي تتقدم منه وتضمه إليها وكأنه ابنها، بالفعل هو كذلك، فهو بقي معها لسبع سنوات كاملة، كان لا يزال وقتها شابًا في مقتبل العشرين، اقتربت منه كثيرًا وقد عوضته عن فقدانه لوالدته، وبقيت تسانده حتى أنهى دراسته وقام بفتح شركة أمن كبيرة معروفة في إنجلترا ومصر كذلك. روح: خلي بالك من نفسك حبيبي وما تتأخرش عليا. شادي بحنان: إن شاء الله يا ست الكل، تشرفت بمعرفتك يا باشمهندس شريف وحمد لله على سلامة الآنسة فاتن.
أومأ شريف بابتسامة فغادر شادي بهدوء.
ساد الصمت مجددًا في الغرفة، فاتن نائمة وروح تقرأ في إحدى الكتب وشريف ينظر لها بحزن دفين منذ سنوات وسنوات، لقد كانت حب حياته منذ أن رآها لأول مرة في الجامعة، كان يراقبها من بعيد كحال أي شاب وقع في غرام أميرته، لكنها لم تكن أي أميرة، لقد كانت أميرته الشرسة، صدم ذات يوم بأخيه الأكبر مراد حينما أتى بها وقدمها إليه على أنها مخطوبته، وقد كانت السعادة بادية جدًا على محياها، والحب كذلك، سلم أمره لله وبارك لهما، سافر بعدها لعدة سنوات وحينما عاد، لم يكن وحده، بل كان هو وسمر وفاتن التي لم يتجاوز عمرها في هذا الوقت سنة واحدة، وكانت روح قد استقرت مع مراد وأنجبا عاصم الذي لم يتجاوز عمره الثلاث سنوات.
بقي حبه دفين قلبه لم يصرح به أبدًا حتى انفصلت روح عن مراد وسافرت لإنجلترا. بحث عنها كثيرًا حتى علم بأمر زواجها من أيهم، فعاد مجددًا مغلوبًا على أمره دافنًا حبه أكثر وأكثر بداخله. والآن هي حرة، هل.. لا ليس هناك مجال لـ "هل" أبدًا، فهناك سمر زوجته، كيف ستتقبل روح.. آه يا إلهي. فاق من شروده على صوت فاتن التي تنادي عاصم. وقف بسرعة متجهًا إليها بهدوء: حبيبتي، عاصم نزل يخلص كام حاجة في الشغل وجاي على طول.
ابتسمت بهدوء وأومأت بصمت، فاقتربت روح منها وأخذت تربت على شعرها ووجنتها بحنان وهي تتمتم: ربنا ما يعود اللي حصل ده أبدًا ولا يضرني أنا ولا عاصم ولا أبوكي فيكي أبدًا. ابتسمت فاتن بهدوء، ثم تحدثت بخفوت: هما شدا وبدور وحازم فين؟ روح: مشوا الصبح وقالوا هيرجعوا آخر اليوم يا حبيبتي. أومأت بحزن وهي تتابع: لسه ما فيش أخبار عن دالين. روح بتنهيدة:
آه يا دالين، إن شاء الله يجيلنا الأخبار الكويسة عنها، ما تقلقيش يا حبيبتي، ارتاحي أنتِ. *** طرقات على باب مكتبه أفاقته من غفوته. لؤي بضيق: ادخل. دلف العسكري مؤديًا تحيته: تمام يا فندم، شدا المهندس بره وعايزة تدخل لحضرتك. لؤي بتعجب: شدا؟ دخلها. خرج العسكري ودلفت شدا وهي تنظر تجاه لؤي بضيق حاولت جاهدة ألا يبدو على ملامحها، لماذا عليها أن تعتذر من متعجرف مثله، هو من بدأ. تحمحمت بخفوت قبل أن تتحدث: آه، أنا آسفة.
لؤي بذهول: نعم! شدا وهي تحاول كبت غيظها منه: آسفة عشان تطاولت عليك في الكلام وعشان تدخلت في شغلك بدون علمك. لؤي ولا يكاد يصدق أذنيه، شدا أمامه تعتذر منه الآن؟ هل حقًا تفعل؟ تمنى لو باستطاعته لمس جبهتها ليتأكد من كون حرارتها منتظمة وليست مرتفعة وتقف أمامه تهلوس. صمت أطبق على المكان قاطعه صوت شدا الذي خرج بنفاذ صبر: وآخرة سكوتك ده إيه يعني؟ لؤي بضحكة عالية رافعًا رأسه للأعلى وتنخفض تدريجيًا مع انخفاض ضحكته:
أنا للحظة شكيت إن اللي قدامي مش شدا اللي أعرفها، ولو ما كنتيش رميتي دبش دلوقتي كنت هصدق. لم تكن شدا تستمع لأي شيء مما يقوله، فهي كانت في عالم ضحكته التي خفق قلبها بشدة على إثرها، هل يضحك؟؟ وهل ضحكته بهذا الجمال أيضًا!!! لؤي وهو يلاحظ شرودها، فخشي أن يكون قد تمادى، فتحمحم وهتف بهدوء: ما فيش حاجة يا شدا، أنا نسيت الموضوع خلاص.
هل ينقصها الآن أن تستمع لاسمها منه وهو ينطقه بتلك النغمة الجميلة، منذ متى واسمها جميل لهذا الحد؟! لؤي بقلق: شدا.. شداااا. صرخ باسمها مما أفزعها وهي تنظر له بغضب: أنت بتنادي على واحدة في بلد تانية! لؤي: آه فعلًا، لإني بقالي ساعة بكلمك وأنادي عليكي وأنتي ولا هنا. شدا بهدوء: آسفة، سرحت شوية بس. هل اعتذرت مجددًا؟ وبرقة وهدوء أيضًا؟! هل هذا يوم سعده أم ماذا؟ لؤي بهدوء: خلاص ما فيش مشكلة. شدا:
لؤي أنا بجد قلقانة على دالين، بجد ما بقتش قادرة أستحمل أكثر من كده، داخلين على أسبوع وما لهاش أثر، أنا فعلًا هتجنن. لؤي محاولًا استيعاب كونها نطقت باسمه مجردًا هكذا، هل أصبحا صديقين الآن أم ماذا! أخذ شهيقًا طويلًا أخرجه ببطء وهو يقول بهدوء: اللواء كلمني النهاردة وفي احتمال تتقيد قضية الجثة وحرق العربية ضد مجهول، لكن خطف دالين هتفضل شغالة. شدا بعدم فهم: يعني إيه؟ لؤي: شدا، أنا هختار إني أثق فيكي تمام. شدا بترقب:
أنت وصلت لحاجة مش كده؟ لؤي: مش بالضبط، في حاجات لسه غامضة. شدا: طب إيه اللي هيتم دلوقتي؟ لؤي: كان نفسي أنتِ تقومي بالموضوع ده لإنك أكثر حد واثق فيه دلوقتي، لكن للأسف أنتِ صحفية معروفة. شدا: إيه هو الموضوع يمكن أقدر أساعدك. لؤي بتنهيدة: محتاج واحدة ذكية تدخل بين ممرضات مستشفى الصاوي. شدا وهي ترمش عدة مرات: قصدك عشان تراقب فراس؟ لؤي بغموض: لا، أبو فراس. شدا باستغراب: أبو فراس؟!!! لؤي: أيوه. شدا:
طب ممكن يعني.. آه.. يعني ينفع أفهم ليه؟ وإيه دخله بدالين؟ لؤي بهدوء: شدا، أنتِ مش عاوزة توصلي لصاحبتك؟ شدا: أكيد. لؤي: خلاص ثقي فيا، زي ما أنا واثق فيكِ دلوقتي. ابتسمت بهدوء ثم تحدثت فجأة: أنا أعرف لكِ واحدة تقدر تكون ممرضة وتمثل الدور ده كويس أوي... وتقدر تثق فيها وتعتمد عليها زيي وأكثر مني كمان. لؤي بسرعة: مين؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!