الفصل 5 | من 29 فصل

رواية ضمير ميت الفصل الخامس 5 - بقلم دنيا آلشملول

المشاهدات
19
كلمة
3,303
وقت القراءة
17 د
التقدم في الرواية 17%
حجم الخط: 18

كان يقطع مكتبه في فيلته ذهابًا وإيابًا، يكاد القلق يقتلع قلبه. انتفض بسرعة حينما أتاه صوت هاتفه يعلن عن اتصال انتظره منذ وقت طويل. رأفت: يارب تكون عرفت دلوقتي إني مبيتلويش دراعي يا ماجد. ودي حاجة بسيطة جدًا قصاد اللي لسه هعمله. وده حق ابني اللي خدته زمان. ماجد بسرعة: رأفت أنا للمرة الألف بقولك أنا إيدي بريئة من دم ابنك. دالين بره حساباتنا. خرّجها بره اللعب ده. أتته ضحكات رأفت الرنانة تنذره بما يمكن أن يكون قد حدث.

ماجد بصوت ضعيف: بـ بنتي فين؟ رأفت بتشفٍ قبل أن يغلق الخط في وجهه: قول عليها يا رحمن يا رحيم. لم يستطع ماجد أن يتفوه بكلمة أخرى، فسقط إلى مقعده خائر القوى مغمض العينين بضعف. دلفت إليه حياة، والتي من الواضح أنها كانت تسترق السمع منذ مدة، وقد تبيّنت لها رؤية ما حدث لابنتها بوضوح.

دلفت وعيناها تضخان شر الكون. عيناها منتفخة ومتورمة أثر البكاء. عروقها بارزة نتيجة قبضتها التي تكاد تهشم بها أحدهم الآن. أجل، فهي امرأة مذبوحة، مسلوبة الإرادة. انتُشلت ابنتها من بين أحضانها عنوة، وفي النهاية تكتشف أن ذلك بسبب أعمال زوجها. زوجها! أي زوج هذا؟! لقد اعتزلته منذ سنوات.

منذ أن اكتشفت دناءة قلبه وأعماله. لم تُرد إفشاء الأمر فقط حِفاظًا على ابنتها ومشاعرها فهي تحب والدها كثيرًا. بل أنها درست الهندسة كي تكون إلى جانبه في عمله. لكن أين هي الآن؟ أين هي لتُبعدها عن حياة والدها تمامًا؟ ظنت أنها تحميها بقربها منه. لم تكن تدري بأنها كانت تُجهزها للموت. موت! موت من؟! حينما وصل بها التفكير إلى هذه النقطة، لم تدرِ بنفسها إلا وهي تهجم عليه كقطة جريحة وأخذت تصرخ به بهستيريا: بنتي فييييين؟!

بنتي فين يا ماجد؟! أقسم بالله هقتلك. هقتلك لو بنتي مرجعتش لحضني. هقتلك وأشرب من دمك يا ماااجد. كانت تصرخ بكلماتها وهي تجذبه من ياقة قميصه بعنف، بينما هو مستسلم لها تمامًا. لن يلومها أبدًا وإن قتلته الآن. تراخت قبضتها وبُحَّ صوتها وبدأت تغيب الرؤية عن ناظريها حتى سقطت بين يديه فاقدة للوعي، وربما الحياة، فهي أضعف بكثير من أن تتحمل كل ذلك الألم. هرع بها حاملًا إياها بين ذراعيه متجهًا بها لأقرب مستشفى.

أعلن هاتفها عن اتصال. نهضت بصعوبة فقدمها لا تزال تؤلمها. أجابت بخفوت ليأتيها صوته: بدور، عاملة إيه؟ رجلك كويسة؟ بدور: آه تمام. وصلتوا لحاجة؟ حازم بأسف: للأسف لأ. حتى العربية خدناها بالشبه لكن لسه متصرحش بأي حاجة تخص الموضوع. شدا وعاصم في القسم دلوقتي مع الظابط اللي ماسك القضية وربنا يسهل ويوصلوا لحاجة. تنهدت بتعب وهي تتمتم: ربنا يستر. حازم بهدوء: يارب. لو احتجتي حاجة كلميني في أي وقت.

أومأت بدور وكأنه يراها ثم أغلقت الهاتف وتمددت إلى فراشها مجددًا بتعب. بينما جلس هو يمسد جبينه بإرهاق حتى دلفت شدا وألقت بحقيبتها إلى المكتب بعنف وجلست وكأن شياطين الدنيا أمامها. وقف بسرعة واتجه إليها: شدا في إيه؟! إيه اللي حصل؟! شدا بغضب وصوت عالٍ جذب الأنظار إليهما: المتخلف اللي ماسك قضية حادثة امبارح. أقسم بالله متخلف. متخلف. متخلف.

كان ليضحك عليها إن كان الوضع مختلف ولو قليلًا، لكنه جلس لجانبها بهدوء وطلب من أحدهم أن يُحضر لها كوبًا من الليمون. حازم بهدوء: اهدي يا شدا. قوليلي إيه اللي حصل؟ ماله الظابط؟ قصّت له شدا ما حدث وهي تكز على أسنانها بضيق. تنهد حازم ثم عاد بظهره للخلف واضعًا يده على ذقنه كعلامة التفكير: شدا. أنا بس اللي اتعرفت على العربية. جايز مش هي. شدا بضيق:

أنا بتمنى يا حازم. بتمنى من كل قلبي متكونش هي. وواقفة على رجلي لحد دلوقتي على أمل إنها متكونش هي. وحتى لو هي فالظابط ده قالي إن اللي كان فيها راجل واحد بس ومكنش في حد تاني. وده معناه إنه.. ابتلعت باقي حروفها وهي تنظر لحازم الذي عقد حاجبيه بعدم فهم: إنه إيه؟ شدا: تعالى معايا بسرعة. حازم وهو يحمل متعلقاته ويلحق بها: استنيني. اهدي شوية... رايحة فين؟ شدا: هتعرف بعدين.

كانت ترتدي ذاك البنطال الأبيض الذي يتخطى ركبتيها بقليل، به جيوب من الجانبين، ترتكز على فخذيها بحبال طويلة تصدر نهايتهما النحاسية صوتًا حينما تتحرك، ويعلوه تيشيرت من اللون البرتقالي يصل حتى كمر بنطالها الذي يزينه حزام متداخل مع البنطال من اللون الأسود. وكذلك تلك الكلمة الإنجليزية التي كتبت على التيشيرت باللون الأسود. وترفع خصلاتها السوداء المائلة للاحمرار عند تعرضها للشمس بشكل عشوائي بإحدى فرشاة التلوين خاصتها. وفي يدها فرشاة أخرى تضع نهايتها بين صفي أسنانها اللؤلؤية وهي تنظر لتلك اللوحة أمامها لترى ما آلت إليه رسمتها بعد أن وضعت لمساتها الأخيرة عليها.

ابتسمت بسعادة وهي تنظر لملامحه الرجولية النادرة بالنسبة إليها. كم هو جميل! بالطبع جميل. بل إنه آية في الجمال. بعينيه العسلية التي تشبه خاصتها، وأنفه المدبب الصغير والذي يندر كثيرًا في الرجال، وفمه المرسوم بدقة، وشعره الذي يرفعه للأعلى بتسريحة لا يُغيرها منذ أن كان صغيرًا. تلك الابتسامة التي لا تخرج بصفائها سوى لها. ولها فقط.

شهقت حينما شعرت بمن يحاوط خصرها ولكن سرعان ما استندت برأسها على كتفه. وهو لا يزال محاوطًا إياها، لتقول بهدوء: خضتني يا عموري. عمرو مقبلًا رأسها من الخلف: سوري يا قلب عمورك بس شفتك مندمجة. حتى محستيش بيا وأنا جاي. غرام بابتسامة ومرح: هاا. قولي إيه رأيك في اللوحة؟ هتعجب فراس مش كده؟ عمرو وهو يزيح خصلاتها المتمردة عن عينيها بعدما استدارت لتواجهه: طبعًا هتعجبه. مش أنتي اللي رسماها.

قبلت وجنته قبلة سريعة ثم تحركت لتلملم أشيائها وتغطي اللوحة كي تقدمها لفراس في عيد ميلادهما السادس والعشرين والذي سيكون بعد أسبوعين من هذا اليوم.

جلس إلى الأرجوحة وهو يراقب خفتها وتحركها بحرية ومرح. ابتسم رغمًا عنه فهي بريئة. بريئة لدرجة تكاد تفقده صوابه. يعشقها بكل تفاصيلها. يكاد يجزم بأن لا حياة لمن لا تكون هي في حياته. فهي الماء والهواء بالنسبة إليه. هما غير مقربين بالدرجة الكافية لكنها تحتله بالكامل. تُرى إلى متى سيصبر حتى تكون ملكًا له؟

قاطع شروده جلوسها إلى جانبه وهي تقدم له كوبًا من النسكافيه ليشاركها خاصتها. أخذ يحرك الأرجوحة بهما بهدوء وهو ينظر إليها بهيام مما أخجلها وجعل الحمرة تتسرب إلى وجنتيها سريعًا. عمرو بحب: تعرفي إنك أجمل لوحة ممكن تترسم في الدنيا؟ غرام: عموري. متبدأش وصلة الغزل لحسن فراس يطب علينا وأنت عارف هيعمل فيك إيه. ضحك بقوة وهو يقول: والله عندك حق. أنا خايف أصلًا يوم الفرح يمشيني من غيرك. ضحكت بهدوء ثم أخذت تتمتم ببعض التوتر:

عمرو. مش عايزاك تزعل من فراس. أنا عارفة إن تحكماته تعصب أي حد بس هو والله بيحبك. هو بس خايف من فكرة إني مكنش موجودة جنبه أو إني انشغل عنه. كمان أنت عارف اللي مرينا بيه وهو بالذات. لما فارس اتخبط قدامه بالعربية وكان سايح في دمه. الموضوع مكنش سهل عليه أبدًا. وضع عمرو كوب النسكافيه إلى جانبه وأخذ ينظر لها بحب قبل أن يمسك بيدها ليطبع قبلة رقيقة عليها وهو يتمتم بهدوء:

وأنا عمري ما هفرق بينكم أبدًا. وبعدين بالعكس أنا فرحان جدًا لقربكم من بعض بالشكل ده. وده شيء بيطمني عليكي أكتر. ابتسمت بحب وهي تضع يدها على وجنته وتتمتم: ربنا يخليك ليا وميحرمنيش من وجودك في حياتي أبدًا. قبل راحة يدها الموضوعة على وجنته برقة وهو يجيب بهدوء: ولا يحرمني أبدًا من نورك في حياتي.

ابتسمت بحب ثم مالت إلى كتفه واضعة رأسها عليه ليبدأ هو بلف ذراعه حول رأسها تاركًا الحرية لأصابعه كي تعبث داخل خصلاتها الحريرية، بينما تنهدت هي بارتياح متمنية من الله أن يديم عليهم تلك السعادة والراحة. كان ثلاثتهم يتناولون الطعام في صمت حتى انتهى فراس وتحرك إلى دورة المياه ليغتسل ثم خرج من غرفة الطعام إلى حديقة الفيلا. وجلس إلى أحد المقاعد مستندًا بظهره إليه ناظرًا للسماء بشرود.

انتهت دالين كذلك ثم نظرت تجاه السيدة ابتهال التي حثتها على الذهاب خلفه إن أرادت ذلك. تحركت بتردد، ولكنها حسمت أمرها. يجب أن تعلم سبب مجيئها إلى هنا ولما لم يبلغ الشرطة حينما تم اختطافها وماذا حدث بمن اختطفوها. يجب أن تجد إجابات لجميع أسئلتها التي تدور في رأسها. جلست مقابلة وهي تفرك يديها بتوتر، بينما لم يتحرك ساكنًا وظل ينظر للسماء بشرود. قاطع هذا الصمت صوته العميق ببحته المميزة: عايزة تعرفي إيه؟ دالين بتوتر:

اا.. كـ كل حاجة؟ أنا هنا ليه؟ ومين عايز يخطفني؟ وأنت.. اا.. أقصد حضرتك يعني أنقذتني إزاي؟ وهما فين دلوقتي؟ وليه مبلغتش؟ نظر لها فراس لبعض الوقت فارتبكت أكثر وهي تراه يسلط أنظاره عليها بهذا الشكل، بينما ذهب هو إلى عالم آخر داخل زرقاويتيها التي يبدو أنها منطفئة كثيرًا. ملامحها الهادئة. شعرها الأشقر أو الأبيض. أو ما لونه هذا؟! إنه يكاد يكون أشقرًا. ويكاد يميل للبياض. وتتداخل به تلك الخصلات السوداء. ما هذا؟!

حسنًا، هل هذه طبيعته؟ أم أنها قامت بصبغه بإحدى الصبغات التي تفعلها الفتيات هذه الأيام؟ لما ترفعه بتلك العشوائية الساحرة؟ ذكرَّته بغرام عندما تندمج في الرسم. فهي ترفعه هكذا أيضًا وتشبكه من نهايته بإحدى فرش التلوين خاصتها. انتقلت عيناه لتلك الملابس التي أخذها من غرفة غرام دون أن تنتبه له. كأنها فُصلت خصيصًا لأجلها هي. أنفها الصغير. شفتيها الـ.. إلى هنا وهز رأسه بعنف تطايرت على أثرها خصلاته. أخذ يعنف نفسه داخليًا.

ما هذا الحجم من الغباء الذي سيطر عليه فجأة؟ تحمحم بخشونة ثم أردف بهدوء ببحته التي سلبت شيئًا ما من داخلها لا تعرف ما هو، لكنها سلبته: إنتِ كنتي في المستشفى عندي إمبارح وأنا كنت خارج ولمحت واحدة كممتك، وواحد جه بعدها ساعدها وحطوكي في عربية ومشوا. وقتها مشيت وراهم وكلمت ناس من الأمن عندي وقابلوني على الطريق وحاوطنا العربية وقدرت أخرجك وأجيبك على هنا. وبالنسبة للبلاغ فأنا استنيت لما تفوقي إنتِ بنفسك وتقرري.

نظرت له بعدم تصديق: بعد ما أفوق أقرر إيه حضرتك؟ أروح أقولهم معلش اتخطفت إمبارح وربنا بعتلي واحد ابن حلال شهم أنقذني وخدني على فيلته قضيت فيها الليل بطوله ونهار تاني يوم وجيت دلوقتي عشان أبلغ عن اللي خطفوني؟! تحولت نظراته للقتامة والغضب وهو ينظر لسخريتها منه. مال من على كرسيه للأمام ناظرًا لعمق عينيها مما أعادها لارتباكها من جديد. لكنها نظرت له في ذهول حينما سمعت قوله:

عربيتك لقوها على طريق مصر إسكندرية الصحراوي، وفيها جثة متفحمة نتيجة الانفجار اللي حصل للعربية. دالين بذهول: أه.. أنت بتقول إيه؟! يعني إيه؟! فراس: يعني اللي سمعتيه. اللي خطفك مش خطفك مساومة عشان فلوس ولا حاجة. اللي خطفك خطفك عشان ياخد حياتك. القضية دلوقتي شغالة وبمجرد ما يعرفوا الجثة لمين والعربية لمين هيبدأ البحث عنك وعن أي شيء يخص الجثة. وطول ما أنتي هنا محدش هيقدر يوصلك. وقفت دالين بغضب وهي تقول بحدة:

ومين قالك إني هفضل هنا؟ أنا همشي دلوقتي حالًا. وقف هو الآخر وأمسك بمعصمها بغضب وقوة جعلتها تئن بألم: المرة الجاية اللي هتعلي صوتك فيها مضمنش إنك تطلعي من هنا على رجليكي. سامعة؟ قال آخر كلماته وهو يلقي يدها من يده بعنف. نظرت له بعيون تتلألأ بها الدموع، فلان قلبه ولكنه عاد لجموده سريعًا وهو يقول: خروجك من هنا فيه خطر على حياتك، على الأقل دلوقتي، لازم تخافي على نفسك. دالين: وأنت.. أنت ليه بتساعدني؟

نظر لها مطولًا. ماذا سيقول لها؟ لما يشعر بأن هناك دافعًا لحمايتها أكبر من الدافع الرئيسي؟ نفض رأسه من تلك الأفكار السخيفة، فأي دافع هذا وهو لم يرها سوى بالأمس فقط؟ تقدم خطوتين قبل أن يقول بهدوء: اسمي فِراس. بعدها ذهب من المكان بأكمله مستقلاً سيارته وخرج أمام عينيها التي تنظر في أثره بشيء من التيه. أفاقتها يد السيدة ابتهال التي وُضعت على كتفها بهدوء: تعالي يا بنتي، ادخلي ارتاحي جوه.

دلفت معها باستسلام، وهي تجهل تمامًا ماذا ينتظرها فيما بعد! حاول عاصم مرارًا أن يهاتف شدا لكنها أغلقت هاتفها منذ أن خرجت من مكتب ذاك العميد. اتصل بحازم فبالتأكيد ستكون معه الآن، ولكن أتاه نفس الجواب: الهاتف الذي طلبته غير متاح الآن، من فضلك حاول الاتصال في وقت لاحق. ألقى بالهاتف إلى المقعد المجاور وهو يزفر بضيق. ماذا سيفعل الآن؟

وجد نفسه يقف أمام منزل فاتن. ترجل بهدوء ودلف إليها لتقابله ضحكة رنانة في الحديقة. عقد على أثرها حاجبيه حينما رأى سمر والدة فاتن أمامه توليه ظهرها وتتحدث بدلال غريب إلى أحدهم وكأنها مراهقة تتحدث لحبيبها وتمسك بطرف خصلاتها وتلفها حول إصبعها. تحمحم لتنتفض هي على صوت حمحمته حتى كاد الهاتف يسقط من يدها. نظر لردة فعلها المبالغ بها وزاد تعجبه وهو يرى توترها وهي تتحدث: عـ عـ عاصم؟! أنت.. أنت هنا من بدري؟! عقد

عاصم حاجبيه قبل أن يجيب: لا أبدًا، لسه واصل. فاتن فوق؟ أجابت بسرعة: أيوه فوق في أوضتها. أماء بصمت واستأذنها في الدلوف ودلف بهدوء. بينما أعادت هي الهاتف لأذنها وهي تقول بضيق: كنا هنروح بلاش يا مراد. عاصم ابنك جه فجأة وخضني. صمتت قليلاً تستمع للطرف الآخر ثم تابعت: أنت اتجننت يا مراد. نسافر فين دلوقتي؟ أنت مش شايف الدنيا مقلوبة على دالين إزاي! أجلها شوية، بس ده ميمنعش إننا نقضي ليلة يعني. صمتت قليلاً

ثم ودعته بضحكة وهي تتمتم: سلام يا قلب سمورة. أغلقت الهاتف ثم خرجت من الفيلا إلى حيث لا يعلم عاصم الذي كان يقف خلف شجرة الورد الضخمة والتي تآكلته خلفها فلم يظهر أمامها. وقد استمع لكل ما قالت. كان يقف في صدمة وذهول. والدة فاتن ووالده معًا. أتخون عمه مع والده؟ ووالده يخون أخاه! كان يقف كمن سُكب فوق رأسه دلوًا من الماء البارد. ألجمته الصدمة وشُلّت حركته تمامًا.

لم يفق من دوامته سوى على صوت فاتن التي تناديه من البلكون الخاص بغرفتها والذي يطل على الحديقة. حاول التماسك، فتحمحم وتحرك للداخل. قابلته هي على الباب وهي تأتي إليه ركضًا: ها.. عملتوا إيه أنت وشدا؟ وصلتوا لحاجة؟ لقيتوا دالين؟ كانت تتحدث ودموعها تنزل على وجنتيها بقلق. أخذها بين أحضانه وأخذ يربت على ظهرها بحنو وهو يقول بهدوء: هتلاقيها، متخافيش هتلاقيها. كانت تقود السيارة بسرعة وبجانبها حازم الذي ينظر لها بعدم فهم:

إحنا رايحين فين؟ شدا: هنروح القسم تاني، لازمنا مساعدة الظابط. حازم: هو مش كان متخلف من شوية؟ شدا بضيق: ومغيرتش رأيي فيه، بس كله يهون لحد ما نوصل لدالين. مضطرة أتعامل معاه. المهم احكيلي تاني اللي حصل من وقت ما بدور وقعت. أخذ حازم شهيقًا طويلاً أخرجه بهدوء مع حروفه:

بدور وقعت من على السلم ودالين جت ندهتلي قلتلها تجيب عربيتي وتجيلي على الباب الخلفي بحيث منلفتش الأنظار، بس هي جابت عربيتها هي لإن أصلًا مفاتيح عربيتي معايا. وخدناها ورحنا المستشفى. بعدها قالت هعمل تليفون وأجي. غابت أكتر من نص ساعة ووقتها أنا نزلت عملت خروج لبدور وكلمتها، بس صوت اللي ردت عليا كان غريب. قالت أنا روحت وقفلت على طول، فاتصلت تاني لقيت التليفون مقفول. وحاولت كتير بعدها لحد ما كلمتك وقلتلك.

أماءت شدا ثم سألته: كنتوا في مستشفى إيه؟ حازم: الصاوي الخاصة. أماءت شدا مجددًا قبل أن تنزل من السيارة يتبعها حازم بعدما وصلا لوجهتهما. دلفت وأخبرت العسكري أنها تريد مقابلة لؤي فأخبرها أنه قد ذهب. زفرت بضيق ثم هاتفت عاصم وطلبت منه أن يحاول الوصول لرقم هاتف ذاك المتعجرف كما أسمته وبالفعل استطاع الوصول إليه وأرسله لها في رسالة. أخذت شهيقًا طويلاً قبل أن تضغط زر الاتصال. أتاها صوته ببحته التي جعلتها تلين بغباء ثم تمتمت:

عايزة أشوفك. لؤي بتعجب: نعم؟! شدا بانتباه وقد عادت حدتها إليها: إيه مبتسمعش؟ قلت عايزة أشوفك. لؤي وقد أزاح الهاتف عن أذنه ونظر في الرقم الغير مسجل أمامه ثم أعاده إلى أذنه وهو يقول بضيق: أنتي مين يا غبية أنتي؟ شدا بضيق مماثل: ياريت تحفظ لسانك عشان أنا لساني متبري مني، فمتوصلنيش لمرحلة فقدان السيطرة عليه.

استطاع فورًا تحديد هوية المتصلة أو فلنقل استطاع معرفة من يهاتفه شكليًا على الأقل، فهو حتى الآن لم يعرف اسمها ولم ينتبه حتى لعاصم حينما ناداها باسمها أمامه بسبب غضبه، فتمتم: عايزة إيه؟ شدا: اسمع.. أنت ظابط شرطة وأنا لازم استغل ده عشان أوصل لصحبتي. لؤي: نعم يا أختي؟ شدا: لو سمحت، خلينا نتعامل زي الناس المتحضرة. ممكن تقولي مكانك فين وأجيلك ونتفاهم؟

زفر بابتسامة خرجت منه لا إراديًا. يا إلهي كم هي رقيقة ولطيفة عندما تتحدث بهدوء واحترام. لم تدم ابتسامته حينما ارتفع صوتها بحدتها التي اعتادها عليها: ما تخلص يا بني آدم... أنت فين؟ يا إلهي لقد كاد ينسى كونها سليطة لسان وغليظة منذ قليل تلك المتبجحة والمتعجرفة. لؤي صارًا على أسنانه بغيظ: في مشرحة الـ (... شدا: مسافة السكة وأكون عندك.

استقلت سيارتها وبجانبها حازم الذي يخفي ضحكته احترامًا للموقف الذي هم فيه، لكنه لا يعلم إن كان سيتحكم في نفسه إن رآهما يتعاركان هكذا أمامه مجددًا أم لا. جلس في ممرات المستشفى واضعًا رأسه بين يديه. رغم كل السوء الذي يحاوطه إلا أنه لا يستطيع تحمل فكرة ترك ابنته أو زوجته له في يوم من الأيام. رغم كون زوجته هجرته منذ زمن إلا أنه لا يمكنه تخيل المنزل دونها، فهي الهواء الذي يتنفسه بمجرد دلوفه إليه حتى وإن كانت بعيدة عنه.

أما ابنته فهي كل ما يملك من الدنيا. أرسلها للدراسة في الخارج ليس إلا حماية لها وخوفًا عليها من عواقب عمله الوخيمة. أبقاها بعيدة كل البعد عنه حتى لا يصيبها ما أصابها الآن. لكن ترى ماذا أصابها؟

لقد هاتفوه ظهيرة اليوم وأخبروه بأن السيارة التي وُجدت على طريق مصر إسكندرية الصحراوي ما هي إلا سيارة ابنته بالفعل كما أخبرته شدا صباحًا، لكن لا أثر لابنته فيها أو في أي مكان قريب. ليس هناك سوى طريقة واحدة وهي التوسُّل. أجل سيتوسّل لرأفت الصاوي من أجل عودة ابنته. خرج الطبيب في هذه اللحظة فوقف ماجد سريعًا وأخذ ينظر له بقلق وتوتر. الطبيب بهدوء:

متقلقش حضرتك. دي أزمة عصبية اتعرضتلها بسبب ضغط نفسي شديد. إن شاء الله هتتحسن مع الوقت والعلاج، بس لازم تبعد عن أي ضغوطات. حمد الله على سلامتها. غادر الطبيب، فتنهد ماجد بعمق ثم دلف لزوجته ليطمئن عليها. كان ينظر لها ببرود أغضبها. شدا بضيق: أنت بتبصلي كده ليه؟ ما تنجز. لؤي ولا يزال على وضعيته: عارفة إيه مشكلتك؟ إنك مفكرة نفسك الذكية الوحيدة هنا. هو أنتي فاكرة إننا مفرغناش الكاميرات وشفناها بس موصلناش لحاجة منها؟

خصوصًا إنهم لعبوها بخباثة لإنهم خدوها في عربيتها هي مش عربية تبعهم!! مالت شدا في جلستها موجهة زيتونيتيها مباشرة لخضراوتيه وهي تقول بصوت أشبه بمن يكتم غيظًا وسينفجر في أية لحظة:

أنا عارفة إن سعادتك عميد في مباحث الجنايات وأول حاجة هتخطر على بالك في التحقيق إنك تفرغ الكاميرات من بداية ما قلنالك عن هوية صاحبة العربية ومكان وجودها قبل الخطف.. فده مبيتصنفش من بنود الذكاء لإن ده وارد في تحقيقات سعادتك.. لكن أنا عايزة أشوف حاجة تانية وياريت من سكات تساعدني عشان أنا هنا مش صحفية.. أنا هنا بدور على صحبتي.. فياريت متضطرنيش أتعامل كصحفية وساعتها الوضع مش هيعجبك أبدًا.

لؤي وقد فارت خضراوتيه غضبًا.. لكنه قرر مواجهتها ببرود كما تتعامل معه.. فمال للأمام هو الآخر مسندًا ذراعيه على فخذيه وقام بتشبيك أصابعه أمامه ثم تحدث ببرود: ده تهديد؟! ابتسامة جانبية اعتلت ثغرها قبل أن تضيف: زي ما تشوف يا لؤي بيه.. أنا طالبة مساعدتك لا أكتر ولا أقل. لؤي: وهتستغلي شغلك وتكتبي في سمعتي إذا ما ساعدتكيش.. مش ده قصدك!! أدرك حازم بأن الوضع سيتأزم لو لم يتدخل الآن.. فهما يبدوان كعدوين لدودين ومنذ زمن.. قرر

مقاطعة الحوار فقال بهدوء: لؤي بيه.. حضرتك غني عن التعريف بسبب سمعة حضرتك الحسنة والمعروفة في المباحث.. أنا وشدا هنا عشمًا في حضرتك تساعدنا.. دالين صحبتنا واختفت.. شدا أعصابها تعبانة وزعلها على دالين هو اللي بيتحكم في كلامها حاليًا.. فـ أرجوك لازم تساعدنا.. إحنا مش هنعطل التحقيقات ومبنشكش أبدًا في كفاءة سعادتك.. بس وجودنا هيفيد حضرتك.. فـ ليه منساعدش بعض عشان نوصلها أسرع! كانت شدا ستجيب وتعنف حازم

لكن قول لؤي جعلها تصمت: وأنا موافق.. بس بشرط. شدا بتهكم: إحنا هنلعب؟! هو إيه اللي بشرط! أمسك حازم يدها وضغط عليها لتصمت وهذا أغضب لؤي ولا يعلم السبب.. فتحدث كازًا على أسنانه: ده اللي عندي إذا كان عاجبك. حازم بسرعة: إيه هو.. اتفضل. أخذ لؤي شهيقًا طويلًا أخرجه ببطء مع كلماته: أعرف كل حاجة في خطواتكم واللي بتفكروا فيه.. باختصار يعني.. هنعمل زي فريق.. بس ده بينا إحنا التلاتة وواحد صاحبي وبس. ابتسمت شدا بتهكم..

حازم بسرعة: موافقين... صح يا شدا؟! ضغط على يدها أكثر بعد جملته الأخيرة فوافقت بإيماءة.. فسحب حازم يده بعدما لاحظ نظرة لؤي الغاضبة ليده.. فعقد حاجبيه بعدم فهم لكنه لم يتحدث. شدا: هنمشي أمتى؟! لؤي: هشوف الدكتور خلص تقارير الطب الشرعي ولا لسه.. ولو لسه هنروح وأبقى أرجع تاني. تحرك في نهاية كلماته متجهًا لمكتب رامي الذي بمجرد أن فتحه لؤي قال رامي سريعًا: لسه حالًا كنت جايلك. لؤي بسرعة: التقرير طلع؟!

أومأ رامي ليدلف لؤي بسرعة فتحدث رامي وهو يفتح التقارير أمامه.. ثم نظر للؤي نظرة لم يفهم معناها.. ليتحدث لؤي بنفاذ صبر: فيه إيه؟! رامي: صاحب الجثة ميت قبل الانفجار بتاع العربية بوقت مش أقل من ساعة. لؤي بعدم فهم: نعم؟! اللي هو إزاي يعني؟! رامي هازًا كتفيه بعدم معرفة:

معرفش ده اللي في التقرير.. ضيف كمان إن الجثة جاية والحرق في النص اللي فوق بس والوش.. يعني ده بيأكد إن الجثة مكنتش في العربية قبل الانفجار وكمان داخلة العربية وهي جثة.. ضيف كمان إن الحرق مش حرق نار.. ده.. حرق مية نار.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...