الفصل 7 | من 29 فصل

رواية ضمير ميت الفصل السابع 7 - بقلم دنيا آلشملول

المشاهدات
24
كلمة
3,933
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 24%
حجم الخط: 18

كان يجلس في مكتبه مستندًا بظهره إلى مقعده ناظرًا في سقف الغرفة بشرود، أفكاره مشوشة تمامًا. تقرير الطب الشرعي وتحليلات شدا الخاصة بالسيارة التي تبعت سيارة دالين حينما تم اختطافها، وعلمه من المكالمة التي أتته بأن رقم تلك السيارة ما هو إلا رقم سيارة فراس رأفت الصاوي. إن كان تحليل شدا صحيحًا فهذا يعني أن فراس له يد بهذا الموضوع، لكن ماذا يمكن أن يكون؟

قرر أخيرًا أن يشاركه عمرو أفكاره، لكن أولًا سيتصل بالمعمل الجنائي ليسأل عن ذاك الخاتم، فـ اسمه لم يُذكر في التقرير الخاص بالمستمسكات الجنائية. لؤي بهدوء: ألو... مازن. مازن: لؤي بيه اتفضل. لؤي: بقولك يامازن، في القضية الخاصة بخطف دالين الربيعي وحرق عربيتها، المستمسكات اللي وصلت المعمل المفروض فيهم خاتم فضة عليه حروف إنجليزي، ورهالي واحد من الباحثين وقلتله يضيفها تبع المستمسكات...

بس التقرير اللي وصلني مظهرش فيه أي حاجة تخصها. مازن بتفكير: اممم... مش عارف يا لؤي بيه بس إحنا فعلًا عملنا فحص كامل حتى على إزاز العربية اللي اتوجد في المكان وتبين إنه يخص نفس العربية اللي اتحرقت ومفيش أثر لأي إزاز لعربية تانية حتى، يعني أقل حاجة وصلتلنا فحصناها... أما خاتم فضة ده فمظنش... بس حاضر هشوف تاني حضرتك وهرد عليك.

أماء لؤي كأنه يراه ثم أغلق هاتفه بصمت وهو ينظر للسقف مجددًا. لقد رأى ذاك الخاتم حقًا، فكيف له ألا يكون موجودًا؟! زفر بضيق ثم هاتف صديقه الذي أجابه بصوت ناعس: خييير يالؤي، فيه إيه تاني؟ لؤي: إنت نايم وسايبني في الدوامة دي لوحدي... تصدق اللي اختشوا ماتوا بصحيح. ضحك عمرو بقوة ثم اعتدل وتحدث بهدوء: قوم تعالى يا لؤي. لؤي: طيب جاي... بس بقولك إيه، خلي الحجة أم عمرو تجهزلي عشا معتبر كده، محتاج أتغذى أنا.

ضحك عمرو مجددًا قبل أن يغلق مع لؤي ثم تحرك ليرى والدته، فوجدها جالسة في غرفة الجلوس تشاهد أحد البرامج بتركيز. جلس إلى جانبها ثم قبل يدها بهدوء فربتت على خصلاته بحنان: صحيت ليه؟ ... إنت لسه طالع أوضتك من مفيش. عمرو: وهو اللي يعرف واحد زي لؤي يشوف الراحة إزاي بس؟ ضحكت السيدة حنان بهدوء وهي تقول بحب: ربنا ميحرمكوش من بعض يا حبيبي. عمرو: يا رب يا ست الكل... طب بالمناسبة بقى، هو جاي وداخل على طمع... عايز يطفح. ضربته بخفة

على كتفه وهي تقول باعتراض: متقولش كده تاني... هقوم أجهزلكوا لقمة سريعة عما ييجي. ابتسم عمرو بهدوء فتحركت بدورها متجهة للمطبخ وهي تدعو لكليهما، فهي تحب لؤي أيضًا وتشفق عليه أحيانًا فما خُفي عنه سيدمره يومًا ما إن حدث واكتشفه. لم يمر الكثير من الوقت حتى تحرك عمرو ليفتح باب المنزل الذي سيكسر على يد لؤي اللعين، إنها عادة تلازمه منذ صغره، لما لا يكف عن الطرق المستمر على الباب ولا يرفع إصبعه عن الجرس كذلك؟

يا إلهي سيقتله يومًا ما بسبب تلك العادة التي تُفقده أعصابه. عمرو: شيل إيدك داك قطع إيدك يا بعيد. لؤي بضحكة: بتدعي عليا يا مقروض... طب والله ما أنا رادد عليك... فين ماما حنة عشان اشتكيلها منك. خرجت السيدة حنان من المطبخ بابتسامتها الحنون على صوت طرقاته التي تعرفها جيدًا واعتادت عليها كذلك. ضربت عمرو بخفة على كتفه وهي تقول: متدعيش عليه كده تاني. عمرو بتهكم: يا أمي ده بيطبل ع الباب مبيخبطش... ده بيعزف... الله.

نظر لؤي لعمرو بانتصار قبل أن يقترب ويقبل جبين السيدة حنان وهو يقول بود: أخبارك يا ست الكل... عاملة إيه؟ حنان بحب وهي تربت على خصلاته: أنا كويسة يا حبيبي... تعالى أقعد مع عمرو وأنا دقايق وهحصلكم بالعشا. لؤي: تسلملي إيدك يا رب... بس بسرعة والنبي أنا واقع م الجوع. حنان بحنو: على طول يا حبيبي... ربنا يا بني يتوب عليكوا م الشغلانة المتعبة دي. دلفت للمطبخ فجلس لؤي وعمرو معًا وقد بدا وجه لؤي مهمومًا. عمرو بهدوء: إيه مالك؟

اعتدل لؤي في جلسته ونظر لعمق عينيه بترقب: عمرو... هو لو فراس طلع ليه يد في القضية اللي شغالين عليها دي... هتعمل إيه؟ ارتبك عمرو قليلًا ولم يستطع إخفاء ذلك. لؤي بهدوء: هتعمل إيه يا عمرو؟ عمرو: ليه يد إزاي يعني؟ لؤي بهدوء: عارف العربية اللي شدا طلبت نمرتها؟ عمرو وقد بدا على وجهه الضيق: مالها؟ لاحظ لؤي الضيق الذي ارتسم جليًا على وجه صديقه لكنه لم يعلق فتابع: النمرة بتاعة عربية فراس. عمرو: وإيه المشكلة يعني...

ما إنت عارف إن فراس شغله في المستشفى دي... وبعدين هي شدا دي إيه يعني عايز أفهم... هي مالها أصلًا تتدخل في قضية زي دي... وإنت عادي سامحلها بكده... هو فيه إيه بالظبط؟ صمت لؤي تمامًا ولم يتحدث... هناك خطب ما في صديقه لا يعلم ما هو... حسنًا شدا مستفزة وتتمتع ببرود غريب وكذلك سليطة لسان... لكن لم يحدث بينها وبين عمرو أي حوار ليتحدث بهذا التهكم عنها. لؤي: أنا آسف. عمرو زافرًا بضيق: لؤي ما قصدتش... أنا اللي آسف.

تحرك لؤي بهدوء: مفيش حاجة يا صاحبي... أنا هروح دلوقتي وأشوفك الصبح. تزامن خروجه من غرفة الجلوس مع دلوف السيدة حنان: إنت رايح فين يا لؤي... العشا يا بني. قبل لؤي جبينها بحنو وهو يتمتم: تسلم إيدك يا غالية بس مضطر أمشي دلوقتي... بعد إذنك. خرج بهدوء فألقى عمرو بالمطفأة تجاه الحائط لتتهشم بالكامل. تحركت السيدة حنان تجاهه بقلق: فيه إيه يا حبيبي... مالك متضايق ليه؟ وليه لؤي مشي كده؟ عمرو بضيق: مفيش حاجة...

بعد إذنك هطلع أرتاح شوية. تحرك بضيق من الغرفة لتتنهد السيدة حنان بحزن... وأخذت تدعو لهما من قلبها. كان يتناول كوب الشاي مع السيدة ابتهال ودالين في صمت تام قاطعه صوت هاتفه الذي أعلن عن اتصال. أجاب بهدوء: ألو يا عمرو. عمرو: فراس إنت فين؟ ... في مشكلة لازم تتحل في أسرع وقت. ترك فراس كوب الشاي من يده يترقب ما سيخبره به عمرو... تابع عمرو بهدوء: لؤي افتكر إن كان فيه خاتم ضمن الحاجات اللي اتاخدت للمعمل الجنائي...

وكمان في صحفية غبية راحتله ولما رحنا فرغنا الكاميرات معرفش إزاي لمحت العربية بتاعتك واخدت رقمها ادته للؤي يبحث عنه... ولؤي اكتشف إنها بتاعتك ودلوقتي تقريبًا كده بما إن لؤي صاحبي وعارف دماغه فـ أنا واثق إنه هيحط عليك مراقبة. فراس بهدوء: كنت متوقع حاجة زي كده... بس مين الصحفية دي؟ وليه أصلًا مهتمة؟ عمرو بلامبالاة: اللي عرفته إنها صحبة دالين... بس بصراحة ذكاءها خارق ولماحة وعليها لسان تلاتة متر ونص. فراس بترقب:

اسمها إيه؟ عمرو: أنا فاكر يا فراس... هعمل إيه باسم واحدة لسانها متبري منها! ... هي نفسها اللي كانت متلقحة ع السلم معانا وقت ما جيت هي وصاحبها دي. فراس بهدوء: تمام يا عمرو... هشوف هعمل إيه وأكلمك. عمرو بهدوء: بلاش تعمل حاجة من غيري يا فراس... خلينا خطوة خطوة مع بعض لو سمحت. فراس بهدوء: حاضر... متقلقش... سلام. أغلق فراس معه وهو ينظر للفراغ بتشوش. دالين بهدوء: آآ... معلش ممكن أسألك سؤال؟ فراس دون أن ينظر لها:

عارف سؤالك... صاحبتك الصحفية بتشتغل مع الظابط اللي ماسك القضية. دالين: دكتور فراس والله إنت لو كلمتها وفهمتها كل حاجة هتقف معاك... حتى... حتى كمان ممكن تفضل مع الظابط ده بحيث تجيبلك كل تحركاته وأفكاره وكده. نظر لها فراس مطولًا مما أصابها بالتوتر: هـ هو أنا قلت حاجة غلط؟ ... آآ آسفة أنا كنت بس آآ... فراس مقاطعًا: واضح إنك إنتي وصاحبتك بتتمتعوا بنفس الذكاء. أنهى جملته ووقف بهدوء: أستأذن أنا... وبالمناسبة...

لو وجودي هنا بيعمل إزعاج أو حاجة قوليلي... أنا بس... قاطعته دالين بسرعة وتهور: لا لا أبدًا بالعكس... أنا بستنى الوقت اللي تيجي فيه أصلًا. نظر لها فراس فتوترت بسبب غبائها... لكنها أرادت أن تبرر ما قالته الآن فتابعت بسرعة: يعني عشان أعرف الأخبار وكده وأعرف همشي إمتى بس. حسنًا يمكن القول الآن بأنها زادت الطين بلة. ابتسم فراس بهدوء ثم تحرك من المكان... وقبل أن يخرج تمتم بهدوء:

ست ابتهال لو سمحتي معايا شنطة في العربية ممكن تيجي تاخديها؟ السيدة ابتهال بسرعة: طبعًا يا دكتور. فراس بهدوء موجهًا حديثه لدالين: أنا معرفش ذوقك إيه في اللبس أو كده فـ أنا جبتلك زي غرام... بس إن شاء الله الوضع ميطولش ومتحتاجيش منهم حاجة. ألقى بجملته الأخيرة وذهب تاركًا إياها تلعن غباءها وتسرعها... ما هذا الذي تفوهت به؟! يا لها من حمقاء ثرثارة. فراس بهدوء:

ست ابتهال.. أنا عايز أطمنك على أحمد ابنك.. هو كويس جدًا وأنا بعت له مرتب حضرتك وفهمته إنك سافرتي مع دكتورة نسا بره البلد كام يوم عشان تباشروا في علاج مستشفيات عمومية بره. السيدة ابتهال سريعًا: ربنا يخليك يا دكتور فراس والله مش عارفة أقولك إيه. فراس بابتسامة: ادعيلي بس.. أنا بحب أسمع دعواتك. السيدة ابتهال بابتسامة:

روح يا ابني يا رب يكرمك في حياتك ويسهل لك كل صعب وييسر لك كل أمورك وكل عسير في طريق حياتك ويكرمك باللي تملأ قلبك وحياتك يا رب. نظر لها فراس بضحكة عالية: عيدي كده آخر دعوه.. قلتي إيه؟ السيدة ابتهال: قلت يكرمك باللي تملأ قلبك وحياتك. فراس: أنتِ وغرام بتغشوا الدعوات من بعض؟! غرام باسمعها تدعيلي الدعوة دي كتير. ابتسمت السيدة ابتهال بحب وهي تتابع: ربنا يتقبلها يا ابني ويفرح قلبك ويجبر بخاطرك.

ابتسم فراس لها بهدوء ثم ناولها حقيبة الملابس وغادر. ابتسمت السيدة ابتهال وهي تنظر في أثره قائلة بتمنٍ: ربنا يا ابني ينور لك طريقك ويلاقي قلبك بقلب دالين.

دلفت للداخل وناولت دالين الحقيبة والتي فتحتها بحماس. أخذت تنظر للملابس بإعجاب حقيقي، فهو لديه ذوق رائع وراقٍ حقًا. وتلك الغرام أيضًا، إن كانت ملابسها كتلك فهي ذات ذوق رفيع. تمنت للحظة بأن ترى غرام الفراس تلك كما أسمتها بينها وبين نفسها من كثرة حديث السيدة ابتهال عن حبهما وتعلقهما ببعضهما البعض. شردت قليلًا وهي تتذكر كيف عانت من وحدتها بلا أخ أو رفيق، فهي لم تُكوِّن صداقة مع فاتن وشدا وبدور وعاصم وحازم سوى من عدة

سنوات فقط. أما حياتها كلها قضتها خارج البلاد، وحتى أصدقائها انقطعت عنهم منذ أن عادت. كم تمنت أن ترى فراس وغرام معًا لترى كيف يتعاملان ويكملان بعضهما بهذا الشكل الذي تخيلته جميل، لا بل قمة الجمال. تنهدت بهدوء قبل أن تنتبه لوجود السيدة ابتهال والتي تنظر لها بابتسامة حنونة.

دالين بحمحمة وحرج: آآ إيه فيه إيه؟ السيدة ابتهال: أبدًا يا حبيبتي.. شكلك حلو أوي وأنتِ سرحانة. ابتسمت دالين لها بهدوء ثم استأذنت وصعدت لغرفتها كي تنال قسطًا من الراحة. وصلًا للمنزل فترجلت من السيارة دون أن تتحدث إليه ودلفت للمنزل بهدوء وصعدت لغرفتها وأغلقت بابها وتمددت إلى فراشها وأخذت تبكي مجددًا على ما آلت إليه حياة ابنتها. ترى أين هي الآن؟ وماذا حدث لها؟

بينما تحرك هو مجددًا بسيارته قاصدًا مستشفى الصاوي ليتحدث إلى رأفت، فربما يُجدي هذا نفعًا. وصل إليه وترجل من سيارته وسار حتى وصل لمكتبه. دلف ليجده يضع نظارته الطبية وينظر للتقارير أمامه بتركيز. تنهد بقلق ثم دلف وأغلق الباب خلفه. ماجد: رأفت. رفع رأفت عينيه عن التقارير وتعلو شفتيه ابتسامة ساخرة: اتأخرت ليه كده؟ ده أنا مستني زيارتك دي من زمان. ماجد: رأفت.. أنا هنا قدامك.. اعمل ما بدالك بس بلاش دالين.. بنتي بره شغلنا.

رأفت بقهقهة عالية: مش باقولك اتأخرت يا ماجد. ماجد بنفاذ صبر وعصبية مفرطة وصوت عالٍ: اسمع يا رأفت.. أنا ما عنديش في حياتي اللي أخاف عليه غير بنتي.. وصدقني لو حصلها حاجة أقسم لك بالله هوَّديك ورا الشمس.. وأنت عارف ماجد الربيعي يقدر يعمل إيه. ألجم كليهما صوت فتح الباب وظهور آخر شخص يود رأفت رؤيته الآن تحديدًا. كانت تجلس إلى أحد المقاعد مع حازم في ذاك الكافيه الذي أخبرهم به أحد أصدقائهم القدامى لينتظرونه هناك.

حازم بهدوء: شدا أنتِ متأكدة من الخطوة دي؟ شدا بهدوء: ما فيش حل تاني.. المتخلف اللي ماسك القضية ده مش هيوصلنا لحاجة وإحنا لازم نستغله من غير ما يعرف. تنهد حازم بهدوء.. ولم يمر سوى دقائق فقط ووصل إليهما صديقهما المنتظر. رحيم بابتسامة: عمري ما شفت حد فيكوا من غير الثاني.. ما ترتبطوا بقى يا جدعان. ضحكت شدا بهدوء وهي تصافحه بود: لسه زي ما أنت بخفة دمك ما اتغيرتش. رحيم: وأنتِ لسه بلسانك اللي عايز يتقص ما اتغيرتيش.

ضحك ثلاثتهم وجلس رحيم معهما بهدوء. شدا: اسمع يا رحيم.. أنا ليَّ صديقة مقربة جدًا اتخطفت وفي تحقيق وقضية شغالة.. أكيد سمعت عن دالين الربيعي. رحيم: ومين لسه ما سمعش! شدا بهدوء: المهم.. اللي ماسك القضية دي عميد حاساه مش كفاءة بصراحة.. فـ أنا عايزاك تساعدني.. إحنا اتفقنا معاه نرافقه خطوة بخطوة في القضية.. وبدأنا أول خطوة بتفريغ الكاميرات اللي في المكان اللي اتخطفت منه دالين. رحيم بتركيز: جميل.. وبعدين. شدا بتنهيدة:

في نمرة عربية أنا حفظتها وعايزاك في أسرع وقت ممكن تعرفلي بتاعت مين. رحيم: طب وليه ما قلتيش للظابط ده.. ده حتى يقدر يوصلها أسرع. شدا: ده اللي حصل فعلًا.. بس مكالمة التليفون اللي جات له أنا واثقة إنها تخص نمرة العربية.. بس هو بيكذب وأنا متأكدة من كده لأنه وقتها قال ده تليفون يخص قضية تانية وقال إن موضوع النمر ده هياخد وقت. رحيم: فهمتك.. طب إيه هي النمرة دي.

أملته شدا رقم السيارة.. وأخبرها بأنه سيهتم بالأمر بنفسه وسيحاول أن يأتيها بمرادها في أسرع وقت. فراس ببرود: مساء الخير. رأفت بتوتر: فراس؟! خير؟ فراس بنفس البرود: أبدًا.. كنت هنا بأخلص كام حاجة وجيت أستشير حضرتك في حاجة. تحول نظره لماجد الذي يقف أمام المكتب ويبدو عليه الانفعال والحزن والغضب والحسرة معًا.. ثم تابع: بس واضح إنك مشغول.. هاجيلك وقت تاني. قاطع ذهابه ماجد بقوله: ما فيش داعي أنا كده كده ماشي.

ثم وجه نظره لرأفت وتابع: بس لسه ما خلصناش يا رأفت. غادر ماجد الغرفة تاركًا جوًا مشحونًا في غرفة المكتب الخاصة برأفت والذي يبدو التوتر والارتباك جليًا على ملامحه. تقدم فراس وجلس إلى المقعد المقابل لمكتب والده ووضع أحد التقارير عليه وهو يقول ببروده المعتاد: شوف التقرير ده وقولي رأيك.

جلس رأفت محاولًا إخفاء ارتباكه أمام ابنه.. ثم أمسك بالملف أمامه ليتفحصه.. وما لبث أن ازداد ارتباكه أمام أعين فراس المراقبة لكل حركة تصدر عن والده. رأفت: أنت وصلت للتقارير دي إزاي؟ فراس: أفندم؟! رأفت بسرعة: آآ.. قصدي ده مستحيل.. دي تقارير مش سليمة وبعدين مين وليد ده؟ أنا ما عنديش دكتور في المستشفى اسمه وليد الدالي. فراس:

وليد ده أنا عيّنته طبيب جراحة من إمبارح.. وما تقلقش منه.. هو شخص أمين ودكتور كويس وسمعته سبقاه.. وأنا مش هأدخل أي حد المستشفى.. ولا أنت إيه رأيك؟ رأفت بانفعال: ولما هو كويس وسمعته سبقاه.. جايلنا إحنا عشان يدمر سمعتنا ولا إيه الزفت ده.. التقارير دي مش مظبوطة.. فورًا تعمل تقارير غيرها وواحد من دكاترتنا إحنا اللي يعملها. فراس بنظرة ثاقبة: دكاترتنا إحنا؟ هو إحنا لينا دكاترة خاصة ولا إيه؟ رأفت:

فراس.. فورًا تطلّعلي تقارير تانية وخلي مهاب يطلعهم.. أنا ما عنديش استعداد أخسر سمعة المستشفى على إيد دكتور مبتدئ زي وليد بتاعك اللي أول ما شطح نطح ده. فراس: ومين قالك إن وليد مبتدئ؟ على كل حال ما عنديش مانع أطلع التقارير دي بنفسي.. وأوعدك مش هسيب المستشفى قبل ما أخلصهم.. بعد إذنك. ألقى آخر كلماته وهم واقفًا وخرج من المكتب على الفور.

أخذ رأفت يدور في غرفة مكتبه ذهابًا وإيابًا.. لا يدري ماذا سيفعل.. لقد ازداد الأمر سوءًا.. وسيزداد للأسوأ إن فعلها فراس حقًا وباشر تلك التقارير بنفسه.. قام بعمل مكالمة عاجلة وطلب فيها جميع أطبائه وجلس ينتظرهم بفارغ الصبر. كانت تجلس إلى فراشها تنظر للصور التي جمعت بينها وبين صديقتها ويتآكلها الحزن على ما آلت إليه الأمور.. ترى أين هي الآن وكيف حالها؟

قاطع الصمت المطبق حولها صوت هاتفها الذي أعلن عن وصول رسالة ستغير حياتها للنقيض تمامًا. نظرت للشاشة المضاءة أمامها لترى إشعار رسالة من هذا الرقم غير المسجل.. كانت ستتغافل عنه لكنها فكرت قليلًا في احتمال أن تكون دالين.. وبمجرد أن وصلت لهذه النقطة من التفكير.. ضغطت على مشاهدتها لترى تلك الكلمات التي نزلت عليها كالصاعقة جمدت جميع حواسها وأطرافها.

تحركت بدون وعي منها حاملة في يدها هاتفها ومفاتيح السيارة خاصتها وغادرت الفيلا على الفور. ووجهتها هي ذاك العنوان الذي كُتب في نص الرسالة. كانت تقود بسرعة عمياء ودموعها تسبقها وتشوش عليها الرؤية. كانت ستفتعل أكثر من حادث، ولكن لا، لن يحدث هذا قبل أن تصل أولًا. وصلت أخيرًا حيث العنوان، صعدت للطابق الثالث من هذه العمارة، وقفت أمام باب الشقة لا تعلم ماذا تفعل، أتُكمل خطواتها للداخل أم تعود أدراجها إلى حيثما أتت؟

لكن لا، لن تعود قبل أن تتأكد مما قرأته. تقدمت وقامت برفع سجادة صغيرة موضوعة أمام الباب لتجد أسفلها مفتاحًا يخص باب هذه الشقة كما وجدت في نص الرسالة تمامًا. فقامت من مكانها وفي يدها المفتاح ووضعته في مكانه المخصص وقامت بفتح الباب ودلفت تقدم قدمًا وتؤخر الأخرى، حتى وصلت للغرفة المفتوحة على مصراعيها أمامها لترى آخر شيء قد يمكن أن تستوعب يومًا رؤيته.

لم تبقَ أكثر فأخذت تركض للخارج بسرعة واستقلت سيارتها وعادت لقيادتها المجنونة مجددًا وهي تتخيل ألف مشهد وسيناريو أمام عينيها. وفجأة وبدون سابق إنذار اختلت سرعة السيارة وفقدت السيطرة عليها لتصطدم بقوة في الرصيف الجانبي للطريق لتذهب هي إلى عالم الظلام قبل أن يتجمع حشد كبير من الناس حول السيارة التي ستنفجر في أية لحظة بسبب تسرب البنزين منها وكذلك بسبب تلك النيران التي نشبت في مقدمتها.

اقترب أحد الشباب الموجودين ركضًا تجاه السيارة متجاهلًا تمامًا لنداءات جميع من حوله بـ ألا يقترب من السيارة فقد تنفجر في أية لحظة. لكنه قام بضرب باب السيارة عدة ضربات متتالية حتى استطاع فتحه وقام بجذبها من الداخل بحذر وحملها بين ذراعيه وتحرك بسرعة بعيدًا عن السيارة. وصلت سيارة الإسعاف وتم نقلها لأقرب مستشفى وقد دلف معها للسيارة نفس الشاب الذي أخرجها للتو. ******

كانت على وشك الذهاب لمنزلها، لكن قاطعها صوت هاتفها الذي علمت من خلال تلك المكالمة بوجود حادث على الطريق. فحملت مفاتيح سيارتها وهاتفت حازم الذي أخبرها بأنه سيسبقها إلى هناك وبالفعل حدث، لكنه وقف لثوانٍ ينظر للسيارة بشحوب وحلق جاف ودماء متجمدة هربت تمامًا من جميع أطرافه. وصلت شدا لتجده يقف على هذا الحال فاقتربت منه بسرعة وهي تنظر له بفزع: حازم.. حازم في إيه؟ حازم بصوت بالكاد خرج: فـ فـ فاتن. شدا بعدم فهم: فاتن؟

مالها فاتن؟ أشار حازم حيث السيارة لتنظر لها هي الأخرى قبل أن تفقد الوعي تمامًا فهرع إليها حازم وحملها بسرعة إلى سيارته وانطلق بها لأقرب مستشفى. كان يسير في الممر ذهابًا وإيابًا يشعر بأن الدنيا تضيق به. ما هذا الذي يحدث معهم جميعًا؟ دالين أولًا والآن فاتن وتليها شدا. يا إلهي ماذا يحدث. خرج الطبيب بعد وقت قصير فهرول إليه بقلق. الطبيب:

ما تقلقش، هي شكلها تعرضت لصدمة سببت لها هبوط في الدم، إن شاء الله تتحسن مع العلاج، وتبعد شوية عن الضغط. ألف سلامة عليها. تحرك الطبيب فدلف حازم بسرعة إليها ليجدها تنظر للسقف بجمود وفي يدها إبرة المغذي. حازم بهدوء: شدا أنتي كويسة؟ شدا: أيوه. ثم اعتدلت وبدأت في تحرير الإبرة من يدها. حازم وهو يقترب ليمنعها: بتعملي إيه؟ لا سيبيـ.. قاطعته شدا:

أنا مش هقعد هنا ولا دقيقة ريح نفسك، وفورًا خلص لي خروج من هنا عشان لازم نشوف فاتن. تحرك حازم ودفع الأموال الخاصة بالمستشفى وكان على وشك الصعود مجددًا لغرفة شدا، لكن أوقفه حديث إحدى الممرضات وهي تقول لزميلتها: الحالة اللي جات لنا من شوية مش عارفينها مين ومحتاجين لها دم كتير، والله ربنا يستر عليها البنت دي، لو نجت من الموت دي تبقى معجزة. تحرك حازم تجاهها سريعًا وهو يقول بتساؤل:

لو سمحتي، الحالة اللي عملت حادثة بالعربية من شوية، هي دي اللي بتتكلموا عليها؟ أومأت الممرضة فتابع حازم سريعًا: هي فين؟ الممرضة: في العمليات الدور الثاني. كاد يتحرك لكن أتاه صوت شدا المتسائل: في إيه؟ حازم: فاتن فوق. صعدا درجات السلم ركضًا حتى وصلا لغرفة العمليات. شعرت شدا ببعض الدوار فجلست إلى أقرب مقعد، وأخذ حازم يتحرك في الممر بقلق، حتى خرج الطبيب أخيرًا، فهرولا إليه. الطبيب: حضراتكم قرايبها؟ حازم مزدردًا ريقه:

أا أيوه، إحنا أصحابها، ممكن تقول لنا إيه حالتها؟ الطبيب بهدوء: الحادثة كانت جامدة جدًا، وتأثيرها أغلبه في الدماغ للأسف، إحنا قدرنا نسيطر على النزيف الحمد لله، لكن لسه ما عدتش مرحلة الخطر، وكانت محتاجة دم، وكتر خيره الأستاذ ما قصرش واتبرع بكل الدم المطلوب لها. كان يقول كلماته الأخيرة وهو يشير لذاك الشاب الواقف أمام إحدى الغرف مستندًا إلى الباب. ثم تابع:

ودلوقتي ندعي لها ربنا يقومها بالسلامة، ولو فاقت خلال 24 ساعة هتبقى عدت مرحلة الخطر، وألف سلامة عليها. تركهم الطبيب وغادر لتلقي شدا بجسدها إلى المقعد بإنهاك وكذلك حازم الذي أغمض عينيه بتعب، لكنه سرعان ما أخرج هاتفه ليخبر عاصم بما حدث، وعندما علم عاصم أغلق الهاتف دون أن يستمع لباقي الحديث وهرول حيث هي. ******

كان يجلس على كرسيه الخشبي أمام شرفة غرفته ناظرًا للسماء بشرود، يتذكر تلك الساذجة المتعجرفة، تمتلك ملامح هادئة وطفولية جدًا، عينيها الزيتونية اللامعة وأنفها الصغير، شعرها البني المنسدل بحرية حتى نهاية كتفيها، ملابسها الغريبة، فهي تبدو كالرجال في ثيابها، في المرات الثلاث التي رآها بهم كانت ترتدي بنطالًا من الجينز مع كنزات متعددة الألوان وجميعها تدخلها من الأمام في البنطال وتتركها من الخلف، ودائمًا ما تربط ذراعي قميص ما إما في رقبتها ليتدلى على كتفها وظهرها أو تضعه حول خصرها.

لا تضع مساحيق تجميل، فهي ليست بحاجة إليهم من الأساس، هي تمتلك من الجمال ما يغنيها عن أي من مساحيق التجميل. تلك المتعجرفة لو فقط تحفظ لسانها اللاذع هذا لكانت ملاكًا يسير على الأرض، ولكن أليست ملاكًا؟ حسنًا فليعترف بأن جرأتها تعجبه وبرودها في بعض الأحيان يعجبه، ذكاؤها، أضف لذلك طريقتها الكتابية، أجل لقد قرأ لها عدة مقالات وأعجبه كثيرًا أسلوبها المنمق وسردها المتناسق للأحداث، إنها، إنها مهلكة حقًا.

فاق من شروده على يد والدته التي تضعها على كتفه بحنان وابتسامة عابثة تزين ثغرها. اعتدل لؤي في جلسته وأمسك بيدها مقبلًا إياها بحب. السيدة جنات: اللي واخذة عقلك. لؤي ببلاهة: هاا! السيدة جنات: أنا واقفة من بدري لعلمك، ده غير إني خبطت على الباب أكثر من مرة ولما ما ردتش دخلت، وضيف كمان إنك جاي من بره فاصل تمامًا يعني ودلوقتي عاشق ولهان. لؤي بضحكة: عاشق ولهان مرة واحدة؟! السيدة جنات: يلا احكي لي. لؤي بابتسامة:

احكي لك إيه بس، دي بنت عليها لسان أجارك الله، تقوليش سحبوها من لسانها وهي بتتولد! ضحكت السيدة جنات بقوة وهي تنظر له بعيون دامعة من كثرة الضحك: عملت فيك إيه؟ ومين دي؟ لؤي: قضية شغال عليها، ولسوء حظي هي صديقة صاحبة القضية دي، لزقة لي بقى في كل خطوة، بس أي يا ماما ذكية أوي ولماحة ولسانها عايز قصة، بس لو لسانها يتقص، ياااه. السيدة جنات بابتسامة:

طب ليه من سوء حظك، ما يمكن من حسن حظك، وبعدين لسانها طويل عمال على بطال ولا في مواقف معينة بتحتم عليها تكون كده. صمت لؤي لتتابع السيدة جنات بحنان: حبيبي أنت عارف سهوكة البنات ودلعهم اليومين دول، وإنك تلاقي بنت واقفة راجل وقت اللزوم وقوية، صدقني هتديك كل الحب والحنان والرقة لما تكون معاك.

لازم البنت اللي تشيل اسمك تكون قوية يا لؤي، هتبقى واثق ومتأكد من إنها معاك في قمة الرقة والدلع والضعف وتحسسك برجولتك، لكن مع غيرك راجل. لؤي بابتسامة: شدا فعلًا قوية وجريئة وما بتستسلمش بسهولة، لكن جانب الرقة ده ما أظنش إنه فيها، يا شيخة دي بتلبس لبس رجالي. ضحكت السيدة جنات وهي تقول بخبث: دي مجنناك بقى. تنهد لؤي بهدوء وهو يتابع: مش عارف يا ماما، أكيد خير صح؟ السيدة جنات بهدوء:

خير يا حبيبي، ما تضغطش على نفسك، اللي من نصيبك هيصيبك، سيب الأيام تبين لك الجوانب الحلوة اللي فيها، سيبها للوقت يا حبيبي. لؤي بابتسامة: إن شاء الله. تحركت السيدة جنات بعدما طلبت منه أن يرتاح قليلًا فبالتأكيد ينتظره يوم طويل غدًا. ******

تثاءبت بكسل وهي ترمش عدة مرات لترى الضوء الذي ملأ الغرفة، لتقوم بنشاط تتجه لدورة المياه فتأخذ حمامًا سريعًا ثم ترتدي ملابسها المكونة من بنطال أبيض من القماش الضيق من الأعلى ويتسع من بعد الركبة قليلًا ويعلوه تيشيرت سماوي بنصف أكمام وترفع شعرها في تسريحتها المفضلة والتي تعتبر ذيل حصان كما يخبرها فراس دائمًا وتترك العنان لبعض الخصلات لتتطاير على وجهها بحرية، ثم أخذت مفاتيح سيارتها وهاتفها وحقيبتها البيضاء ونزلت درجات السلم تدندن بمرح.

فهي اليوم ستذهب لتقوم بالتوصية على التورتة الخاصة بحفلة عيد الميلاد، والتي ستحرص على أن تكون مزينة من الأعلى بصورتهما معًا. وستحاول أيضًا أن تتعرف إلى بعض المفاجآت التي يمكن أن تفاجئ فراس بها. بالإضافة لكونها ستقيم حفلة خاصة بهما معًا ككل عام في مكان بعيد عن الجميع، حيث يجلسون سويًا تحت السماء ينظران للنجوم ويحاولان رسم أشكال عديدة منها، وكذلك يمارسون السباحة ويلعبون العديد والعديد من الألعاب، ويدربها فراس على ألعابه الرياضية.

خرجت بمرحها المعتاد وذهبت للحديقة، وقبلت رأس والدتها أولًا، ثم استقلت سيارتها وذهبت حيث وجهتها. هاتفت عمرو ليكون معها، لكنه أخبرها كونه مشغولًا جدًا في الوقت الحالي. فقررت الذهاب بمفردها. *** عاصم بهدوء: شدا، روحي انتي ارتاحي شوية وحازم يجيبك تاني. شدا بنفي: لا، مش هتحرك قبل ما فاتن تفوق.

قاطعهما صوت بدور التي تأتي ركضًا في الممر، لتقف أمام شدا وهي تسألها بلهاث عما حدث. حاوط حازم كتفيها وأجلسها إلى مقعد مجاور لشدا كي تهدأ قليلًا، فيبدو أنها تبكي منذ أن علمت بأمر فاتن وهذا ما يبدو على ملامحها. بدور ببكاء: ليه بيحصل معانا كده؟ دالين وبعدها فاتن. لسه الدور على مين بس؟ ليه كده؟ أخذ يربت على كتفها بحنان محاولًا أن يهدئ من انفعالها. خرجت الممرضة وهي تنادي على طبيب ما بصوت يكاد يكون صراخًا:

المريضة فاقت يا دكتور. أتى الطبيب على الفور، ليجلس عاصم على المقعد المجاور له وهو يتنهد براحة. فشوط كبير جدًا قد انتهى الآن. أخذ يحمد ربه كثيرًا لكونها نجت من ذاك الحادث. خرج الطبيب وطمأنهم جميعًا بأنها تعدت مرحلة الخطر، لكنه سينتظر قليلًا حتى يعلم تأثير الحادث على دماغها، وما الآثار الجانبية له. ***

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...