الحلقة الثالثة: دلف إلى الفيلا بهدوء وإجهاد، فلقد أُنهِك كثيرًا اليوم. ألقى بجسده على أقرب مقعد وهو يمسد جبينه بتعب. ابتسم بحنان حينما شعر بها خلفه. تحدث دون أن يلتفت إليها: -تعالي يا غرام. جلست إلى جانبه بهدوء: -حبيبي، أجهز لك أكل؟ فراس: -لا لا مش جعان. أنا بس تعبان وعايز أنام. غرام بهدوء: -طب يلا قوم معايا على أوضتك. فراس: -أنا آسف. ما كنتش أقصد أزعق لك. غرام: -إيه يا فراس ده؟ آسف إيه بس؟
وبعدين يا حبيبي أنا هنا وقت ما تحب تزعق، تتخانق، تتعصب، تفرغ غضبك. أنا هنا ديما.
جذبها إليه محاوطًا إياها بقوة، محاولًا تهدئة اضطرابه الداخلي من خوفه لفقدانها أو حتى بعدها عنه. لا يتخيل ولا يريد أن يتخيل بأن يدلف يومًا إلى الفيلا ولا يجدها. لا يتخيل أبدًا فراغ أرجوحتها منها كل ليلة. لا يتخيل أن يمر يوم دون أن يضمها إليه بهذه الطريقة. لم ينتبه لكونه يضمها أكثر وأكثر كلما زادت مخاوفه، بينما تماسكت غرام حتى لا تئن بين ذراعيه من ألم ضغطه على جسدها، فهي تعلم جيدًا مدى حبه وتعلقه بها كما تعلم مخاوفه.
بدأت ذراعاه ترتخي حولها بهدوء وهو ينظر لها بتعب: -أنا هطلع أنام. غرام: -ماشي يا حبيبي يلا اطلع. صعد لغرفته في صمت، بينما تنهدت هي بحزن على حال أخيها. 🌸 مسير كل اللي هده الحزن يتجدد 🌸 أتت الليلة المنتظرة بالنسبة للفتيات جميعًا. الليلة هي حفل خطبة فاتن وعاصم. دلف عاصم للفيلا وطرق بهدوء على باب غرفة فاتن، والتي تجلس مع الفتيات يضعن لها اللمسات الأخيرة. وقفت بتوتر حينما سمعت طرقات الباب.
ابتسمت لها دالين بحب، ثم ذهبت وفتحت الباب بهدوء وهي تنظر لعاصم بابتسامة سعيدة. عاصم: -فين عروستي؟ وبعدين هنبقى نبتسم أنا وأنتي بعدين. ضحكت دالين بقوة ثم قامت بفتح الباب على مصراعيه لتتبين له فاتن من بين الفتيات بطلتها الساحرة لعينيه. بفستانها الموف وفورمة شعرها البسيطة وكذلك الميك أب الخفيف على وجهها الملائكي. اقترب منها وأمسك بيدها وقبلها برقة وهو يتمتم بهدوء: -قمري.
تسربت الحمرة لوجنتيها وهي تنظر للأرض في محاولة يائسة لأن تخفي عينيها عن عينيه. رفع وجهها بطرف إصبعه لتتلاقى عينيهما بحب. عاصم: -مش قلتيلي رأيك في البدلة. نزلت فاتن بناظريها له وهي تتفحص حلته ذات البنطال الأسود والقميص الأبيض يعلوه جاكت أبيض بياقة سوداء تصل لنهاية صدره، تاركًا بداية أزرار قميصه مفتوحة، وشعره يرفعه للأعلى في تسريحة تعشقها كثيرًا. تمتمت ببعض الخجل: -حلوة أوي. عاصم وهو يمسك بيدها:
-والله أنتي اللي حلوة أوي. أخذها وخرج بهدوء دالفًا من بوابة الورود التي قامت الفتيات بصنعها وقامت دالين بإحضار ستائر رقيقة من خيوط رفيعة تتعلق بها قلوب حمراء. أزاحها عاصم بيده، ومرَّ بفاتن ليبدأ الحضور بالتصفيق وشدا وبدور ودالين من خلفهما ينثرون الورود حولهما، بينما حازم وبعض أصدقائه يطلقون أصوات صفير عالٍ. ابتسمت فاتن بدموع وهي ترى هذا الكم من البهجة حولها.
أخذا يسيران في الممر الذي خصصته الفتيات لمرورهما والذي يُفرش بسجاد أبيض طويل يصل حتى مكان جلوسهما ويُحاط من الجانبين بقصاري من الورود الحمراء والبيضاء. بينما يمتلئ حمام السباحة بالبلالين التي تُحيط شيئًا ما. تبين لها أنه اسمها واسم عاصم بالورود البيضاء وبينهما قلبين متداخلين من الورود الحمراء، وتزينت حواف حمام السباحة نفسه بالشموع الحمراء.
وصلا للمكان المخصص لجلوسهما لتلمح تلك الصور التي تملأ الستائر الخلفية لمكان جلوسهما. كانت عبارة عن العديد والعديد من الصور الخاصة بفاتن وعاصم في مراحل عمرية مختلفة، وجميعها تمتلك ذكرى خاصة لكليهما. بدأت الدموع تتجمع بمقلتيها في سعادة وهي تنظر لتلك الأضواء الحمراء والزرقاء والخضراء والصفراء المسلطة على الستائر الجانبية لمقعديهما. جلس كلاهما بهدوء لبعض الوقت قبل أن تبدأ التهنئات والمباركات.
بينما جلست شدا ودالين وبدور إلى إحدى الطاولات وهن ينظرن تجاههما بسعادة. حازم من خلفهم: -شوية نجوم قاعدين يا جدعان. إيه ده!! ابتسمت دالين وهي تتمتم بمرح: -زوما، إيه ده بجد الكحلي عليك يجنن. حازم بتلقائية ذهبت عيناه على بدور التي هربت بعينيها فور أن نظر لها لتخفي نظرات الإعجاب التي ظهرت على ملامحها. ابتسم بحزن فهي لا تهتم لأمره، ثم جلس إلى جوار شدا بهدوء. شدا: -جبت الكاميرا مش كده؟ حازم: -طبعًا، ودي حاجة تتنسي بردو!
بس إيه؟ العنابي هياكل منك حتة. شدا بضحكة: -لا يا شيخ. ابتسم حازم وهو يشير إلى دالين: -والكشمير على دالين يجنن بردو. أول مرة أشوفها بفستان مش أزرق. شدا بترقب: -وبدور؟ حازم بسرعة وتلقائية: -لا بدور دي حاجة لوحدها كده ما تتصنفش تبع قائمة الجمال. دي تبع قائمة نجمة الجميلات. رفعت شدا إحدى حاجبيها: -لا يا راجل. انتبه حازم لما تفوه به فضحك بتوتر وهو يتابع بمرح: -طبعًا عشان أصغر واحدة فيكوا. شدا بهدوء: -آه، بحسب يعني.
تحمحم حازم ثم تحدث مجددًا: -طب إيه، مش هتقوموا تجيبوا فاتن عشان نبدأ تصوير ولا إيه؟ شدا: -أيوه يلا. ذهبت شدا ولحقت بها دالين وحينما وقفت بدور وكانت على وشك اللحاق بهما أتاها صوتها الغاضب: -إيه ده يا بدور؟ بدور بتساؤل: -إيه؟!! حازم مغمضًا عينيه بضيق: -ولا حاجة. روحي للبنات. ذهبت بدور دون أن تتحدث فهي لا تعلم سبب انزعاجه. بينما كز حازم على أسنانه بضيق وهو يتمتم:
-يعني مش كفاية من غير دراعات وكمان قصير. لا وأنا اللي بقول نجمة الجميلات على أساس إنه طويل. يا ريتك ما وقفتي. والله لأطلعه عليكي بلا أزرق يا بدور. ذهبت الفتيات وأخذن فاتن وتركن عاصم مع بعض أصدقائه. وبدأ حازم بالتقاط العديد والعديد من الصور لهم معًا في أوضاع مختلفة، وشاركهم عاصم الصور وكذلك حازم الذي كلَّف أحد الأصدقاء بالتقاط الصور لهم معًا. 🌸 سيب اللي جاي لربنا وما يهمكش 🌸
كان يقف في ذاك المكان المظلم بجانبه صديقه، يزفر بين الحين والآخر بضيق. عمرو بنفاذ صبر: -يووه يا لؤي، ما تبطل نفخ يا أخي الله. لؤي بضيق: -أنت مش شايف اللي إحنا فيه! أنا إيه اللي خلاني أقبل الزفتة دي. عمرو بسرعة: -لؤي، جت الإشارة. يلا اتحرك.
تحرك لؤي وعمرو بسيارة لؤي تجاه هدف الحماية، يليهم سيارة أخرى بداخلها فريق الحماية الذي أسسه لؤي لإتمام مهمة حماية رجل الأعمال الكبير محمد الدالي، فهو يمتلك معلومات مهمة جدًا تدين أحد السياسيين الكبار، وحياته معرضة للخطر، وتمت حمايته برجاله وببعض رجال الشرطة أيضًا حتى يصل سالمًا لمكتب اللواء الذي سيستلم منه تلك المعلومات، وقد طلب اللواء أمجد السويدي من لؤي حمايته من بعيد ومراقبة الوضع، وإن حدثت أي أزمات سيتدخل.
بدا المكان هادئًا، ويبدو أنه هدوء ما قبل العاصفة، هذا ما خمَّنه لؤي. وقبل أن يبوح بما يجول بأفكاره لصديقه فإذا به يتلقى إشارة هجوم على الهدف المراد حمايته. اقترب لؤي ومن معه من موقع الهجوم وأعطى الأوامر لفريقه كي يتحرك بالدفاع، وبالفعل بدأ الهجوم والدفاع بإطلاق النيران.
تحرك لؤي وعمرو باتجاهين متعاكسين واقتربا من موقع الهجوم، واستطاع لؤي بمهارة أن يتفادى الطلقات النارية حتى استطاع الوصول للسيارة التي يجلس بداخلها هدف الحماية. قام بفتح الباب الخلفي ثم أشار برأسه كي يتبعه، لكن الرجل لم يتحرك، فهو لا يعلم هوية لؤي. رفع سلاحه أمام وجه لؤي وهو يقول بتوتر: -أ أنت مين؟ عايز إيه؟ لؤي بنفاذ صبر وهو يخرج شارته: -أنا العميد لؤي الراوي. اتفضل بسرعة لازم أنقلك من هنا.
تحرك الرجل بعد وقت ليس بطويل، وبدأ عمرو بتأمين ظهر لؤي الذي يحمي الرجل بجسده، فهو يطلق الرصاص على من يراه أمامه بشكل حيوي. بقي هكذا حتى وصل لمكان سيارته وقام بإدخال هدف الحماية إليها وأغلقها بعده، وقد كانت مصفحة ضد الرصاص.
تحرك بعدها ليحضر فريقه وينسحبوا بسرعة، لكن بمجرد أن تحرك خطوتين عن سيارته حتى أتته رصاصة من خلفه لتستقر داخل كتفه، جعلته يئن بصمت، وفي حركة سريعة أشهر سلاحه للخلف ضاربًا به على من أطلق عليه حتى خرَّ صريعًا بسبب اختراق الرصاصة لرأسه مباشرة. تماسك لؤي وبدأ يتحرك بسرعة وخفة حتى وصل لمكان الهجوم وقد رأى انسحاب المهاجمين، وإصابة بعض من فريقه وكذلك إصابة العديد من المهاجمين. أتاه عمرو راكضًا حينما رآه ينزف: -لؤي!!
لؤي أنت بتنزف!! لؤي محاولًا التماسك: -أنا كويس ما تقلقش. يلا اسحب القوة بسرعة. الراجل معايا. تحرك عمرو وقام بنقل المصابين مع من نجوا من الهجوم، ثم استقل سيارة لؤي وقادها بسرعة حتى يُسلموا الرجل للواء ثم الذهاب للمستشفى لمعالجة جرح لؤي. 🌸 نسيب لربنا كل صعب يسهله 🌸 كانت تجلس وهي تعض أظافرها بتوتر واضح، فمن المفترض أن يأتي عمرو الآن، وهاتفه مغلق. أخبرها بأنه سيخرج في مهمة لن تستغرق منه الكثير وسيعود منها إليها مباشرة.
تحول التوتر لقلق حينما هاتفت فِراس لعدة مرات لكنه لا يُجيب. السيدة نجوان بهدوء: يا حبيبتي ليه القلق بس؟! غرام وهي على وشك البكاء: يا ماما المفروض عمرو انتهى من مهمته دلوقتي، هو قالي مش هيتأخر، وفِراس كمان اتأخر أوي ومبيردش على تليفونه.
أنهت عبارتها تزامناً مع صوت وصول إحدى السيارات، لتندفع من فورها إلى الخارج وهي تركض تجاه عمرو الذي فتح ذراعيه لها لتلقي بنفسها بين أحضانه، ثم خرجت تنهيدة طويلة تنم عن ارتياحها الآن برؤيته. ضحك بهدوء وهو يربت على ظهرها بحنان: حبيبتي أنا آسف إني قلقتك كده، بس لؤي صاحبي اتصاب ووديته المستشفى ورجعت روحته، ده اللي أخرني. شهقت غرام بخوف وهي تتفحصه: وإنت؟! إنت حصلك حاجة؟! ابتسم بهدوء وهو يطبع قبلة رقيقة على جبينها:
لا يا حبيبتي أنا كويس قدامك أهو. تابع ليضحكها: وبعدين ابعدي عني شوية كده وخلي بينا فاصل مش أقل من اتنين متر، عشان مش عاوز فِراس يتعصب. ضحكت بخفة ثم أمسكت بذراعه ودلفا للفيلا حيث استقبلته والدتها بالترحاب. 🌸 جايز حياتك تُجبر بعدين 🌸 كانت الفتيات يحضرن الطعام من البوفيه الخاص بالحفل وهما في قمة السعادة. أتى لهن حازم الذي نظر لبدور شزراً مما جعلها تعقد حاجبيها بعدم فهم، فهو غاضب منها لسبب لا تعلمه. حازم بهدوء:
عاصم عايز فاتن، في مفاجأة مستنياها. فاتن بسرعة: إيه هيا؟! حازم بضحكة: لا أنا مش عايز أتعلق، تعالي اعرفي بنفسك. ابتسمت الفتيات فيما بينهم فهم يعرفون المفاجأة، لكن ما لا يعلمونه هو رد فعل فاتن عليها، ربما تسقط بينهم فاقدة للوعي من فرط السعادة، تحركن أربعتهن حيث عاصم والبقية.
فاتن وهي ترى أحد الشيوخ يجلس على مقعد وبجانبه والدها ووالد عاصم، لم تستطع أن تستعمل عقلها في تلك اللحظة لتخمن ما يحدث، لكنها شهقت بقوة حينما اقترب عاصم من أذنها وهو يقول بهدوء: النهارده هتبقي مراتي رسمي. فاتن وهي تضع يدها على فمها بعدم استيعاب: عـ عـ عاصم، إ إنت هتكتب كتابنا النهارده؟! عاصم بمزاح: لا يا حياتي، مش أنا اللي هكتبه، المأذون هو اللي هيكتبه.
اقتربت دالين بسرعة وحاوطتها حينما شعرت بأنها ستفقد توازنها في أية لحظة. دالين بسخط: مفاجأتك هتجبلها سكتة قلبية. عاصم وهو يمسك بيد فاتن التي تنظر لعمق عينيه بدموع وعدم تصديق: حبيبتي تعالي يلا، المأذون هنا من بدري. ذهبت معه وهي تحاول استيعاب ما يحدث. تم كتب الكتاب وبدأت التهاني من جديد.
قبلتها والدتها بروتينية وكأنها ليست ابنتها، على عكس والدات صديقاتها اللاتي صافحنها وقمن باحتضانها وهنأنها بسعادة بدت جلية في مباركاتهن. اقتربت الفتيات الثلاث وهن ينظرن لها بمشاكسة: وبقيتي مدام عاصم يا توناااا. فاتن بضحكة ولا تزال تحت تأثير الدهشة وعدم الاستيعاب: آه، الكل بيقول كده. ضحكت الفتيات وحازم وعاصم عليها. بدأت رقصة السلو، مد عاصم يده لفاتن بحب: تسمحيلي؟ فاتن بابتسامة وهي تمد يدها ليده: طبعاً.
بدآ الرقصة بانسجام رائع. عاصم بهدوء: بحبك. فاتن بخجل: وأنا كمان، بحبك، بحبك أوي يا عاصم، بحبك وعمري ما حبيت قبلك ولا هحب بعدك، قلبي مليان بِحبِك، روحي متشبعه بتفاصيلك، حياتي مركزها فيك، عقلي وتفكيره تايهين في لون عينيك، بحبك ومعاك بس قلبي عرف معنى كلمة حب. ابتسم لها عاصم بهدوء وهو يتمتم بمزاح: كل ده شيلاه في قلبك وساكتة! ابتسمت بخجل وهي تتمتم: ما خلاص بقى بقيت مراتك ولازم أقولك كل مشاعري وأفتحلك ورقي.
ضحك بهدوء وهو يضمها إليه أكثر قائلاً بهدوء: أنا بقى بشوفك بنتي قبل حبيبتي، فاكر كل ذكرياتنا وإحنا صغيرين، فاكر لما كنت أقولك ده صح وده غلط، فاكر لما قلتلك لأول مرة يا تونايتي، وقتها اتأكدت من مشاعري ناحيتك وعزمت إني أخليكي ملكي، وبدأت ملكيتي ليكي باسمك، تونايتي. حبيت فيكي براءتك وسذاجتك، طيبتك وهبلك، هدوئك وجنانك، حبيت تفاصيلك صغيرة وكبيرة، عشقت عيوبك قبل مميزاتك، حتى غباوتك في بعض الأحيان. ضربته بخفة على صدره:
أنا غبية؟! عاصم بضحكة: أجمل غبية في الكون كله. في جانب آخر من نفس المكان. تقف السيدة سمر والدة فاتن مع أحدهم يتبادلون أطراف الحديث. الشخص: الليلة ليا يا سمر. سمر: مش هينفع، لازم على الأقل فاتن تشوفني جنبها الليلا دي، ما أنت عارف. الشخص: مليش فيه، أصلاً فاتن وعاصم في عالم تاني، وهو مش هيسيبها النهار ده، أكيد لازم هيخرجوا، أقولك، يلا بينا. سمر: يلا فين؟! الشخص: يلا هنقضي ليلة بره وهرجعك آخر الليل لبنتك وتباتي في حضنها.
أنهى جملته بغمزة من عينه، لتبتسم هي وهي تقول بدلال: متكسفنيش. ضحك الشخص بقوة قبل أن يتحركا متسللين من الحفل إلى حيث تجمعهم ملذاتهم المحرمة، وقد نسيا تماماً بأن هناك رقيب على أفعالهما وسيحاسبهما في الدنيا قبل الآخرة. بينما لدى الفتيات، فقد جلسوا جميعاً يتناولون الطعام وهم ينظرون تجاه الثنائي الخاص بهذه الليلة المميزة.
تحركت بدور تجاه البوفيه حينما لمحت حازم هناك بحجة أنها ستأتي بمشروب ما، وفي الواقع هي تريد معرفة سبب غضبه منها. توقفت تطلب عصيراً بارداً ليأتيها صوته من الخلف: الفستان حلو أوي ولونه يجنن. ابتسمت بهدوء وآثرت الصمت، فتابع وقد بدا الضيق في لهجته: بس قصير بطريقة مبالغ فيها، ليه مجبتيش زي دالين وفاتن، شكلهم حلو أوي بيه.
لم يكن يعلم بأنه أشعل غيرتها الآن بذكره لأخريات، حتى وإن كُنَّ صديقاتها، التفتت إليه ودحجته بنظرات حارقة ثم تحركت من أمامه بغضب دون أن تتفوه بأي حرف، وقد دلفت لداخل الفيلا بعيداً عن أجواء الحفل، وقد لاحظت دالين ما حدث بينهما دون أن تعلم تفاصيله، نظرت لحازم بهدوء لتطمئنه بأنها ستراها، ثم نظرت لشدا المنشغلة بهاتفها: شدا أنا هدخل جوه دقيقة وآجي. أومأت شدا بصمت فتحركت دالين للداخل لترى ما حدث مع بدور.
دلفت إليها لتجدها قد خرجت من دورة المياه الخاصة بغرفة فاتن. دالين بهدوء: بدور في إيه؟ إيه اللي حصل؟ بدور بجمود: مفيش حاجة. دالين بإصرار: بدور إنتِ مش صحبتي بس، إنتِ كمان أختي الصغيرة، وإنتِ عارفة إننا كلنا أخوات هنا، ليه بقى الفوارق دي؟ وبعدين لو مفضفضتيش معانا هتفضفضي لمين؟ ها بقى، الواد حازم مزعلك في إيه، وأنا أنزل أروقهولك. ابتسمت باصطناع وهي تتمتم:
مفيش حاجة يا دالين، أنا بطني وجعتني بس وجيت الحمام، وخلاص هننزل سوا أهو. لم تُرِد دالين أن تضغط عليها أكثر فابتسمت بمناغشة: طب يلا بينا يا حلو يا أبيض يا مسكر إنتِ. ضحكت بدور على لهجتها ثم تحركت خلفها، ولكن قبل أن تنزل أولى خطوات الدرج فإذا بحذائها قد التوى أسفلها لتفقد السيطرة على نفسها وأخذت الدرج بأكمله دحرجة حتى وصلت آخره وهي جالسة تئن بألم وهي تمسك بكاحلها.
شهقت دالين وهي تراها تتدحرج هكذا فنزلت مسرعة إليها، ثم ركضت للخارج وهي تنادي حازم الذي أتى سريعاً وتحرك تجاهها بلهفة حينما رآها تبكي بألم: مالك؟ إي بيوجعك؟ بدور بضعف: رجلي، رجلي مش قادرة. حازم بدون أي مقدمات قام بحملها بين ذراعيه وهو يوجه حديثه لدالين: دالين بسرعة أنا هطلع من الباب الخلفي عشان منلفتش الأنظار وإنتِ اخرجي من هنا وهاتي عربيتي وقابليني، لازم نروح المستشفى بسرعة.
وقبل أن يسمع ردها كان قد ذهب من أمامها فتحركت هي الأخرى وفعلت ما طلب. أخذها كلاهما واتجها للمستشفى سريعاً وقام الطبيب بطمأنتهما فقد كان مجرد التواء بسيط، يحتاج للراحة ودهان فقط. تنهدت دالين بارتياح وحازم كذلك، ثم دلفا إليها.
نظرت لهما وبمجرد أن وقعت عينيها على حازم أدارت وجهها سريعاً، لا تعلم أهو خجلاً منه بسبب حمله لها، أم ضيقاً لكونه قد تحدث عن جمال ما ترتديه صديقاتها، لكن ما تعلمه أنها لا تريد رؤيته في هذا الوقت تحديداً. دالين وقد لاحظت التوتر بينهما، فقررت أن تترك لهما مساحة ليتحدثا، فربما هناك سوء فهم حدث بينهما. دالين بهدوء: هعمل تليفون ضروري بره وآجي أوك؟
أومأ حازم بصمت فتحركت هي للخارج ثم أخذتها قدماها مباشرة لخارج المستشفى، ولا تعلم لما خرجت من الأساس، ربما خرجت لقدرها الذي كُتب لها. 🌸 ابتسم للدنيا، جايز تمشي زي ما كنت إنت عايز 🌸 خرج من غرفة العمليات وقام بإخبار عائلة المريض بأنهم قد فقدوه، قدم تعزيته لهم وغادر.
دلف لغرفته بإنهاك ثم تفحص هاتفه ليجد محاولات عديدة من غرام في الاتصال به، تذكر بأنها أخبرته بقدوم عمرو الليلة، زفر بضيق، ثم قام بغسل يديه ووجهه، واستعد للذهاب، لكنه لا يعلم بأن القدر سيلعب لعبته الآن في حياته التي ستتغير مجراها تماماً مع مرور تلك الليلة. 🌸 نسيب لربنا كل صعب يسهله 🌸 انتهى الحفل وذهب الجميع وبقيت فاتن وعاصم معاً. تناولوا العشاء، ثم ذهب عاصم على وعد بأن يمر عليها في الصباح قبل ذهابه للشركة.
قامت بتبديل ملابسها لأخرى بيتية مريحة، واستعدت للنوم، لكن صدح صوت هاتفها يعلن عن اتصال عاجل. نظرت إليه لتجدها بدور. فاتن بنعاس: هممم. بدور: فاتن، مش لاقيين دالين. اعتدلت فاتن وهي تقول بعدم فهم: يعني إيه مش لاقيين دالين؟ بدور: معرفش، مش لاقيينها. فاتن بقلق: انتوا فين؟ بدور: في بيت دالين. فاتن: أنا جاية حالًا. أغلقت الهاتف ثم نهضت بسرعة وارتدت أول شيء طالته يداها، ثم خرجت بسرعة متجهة لمنزل دالين.
بعد أن رحبت به السيدة جومانه، استأذن بالجلوس في الحديقة مع غرام لبعض الوقت. خرج كلاهما وبدآ يتحدثان في العديد من الأمور، حتى صدح صوت والدتها تخبرهما بأن العشاء جاهز. دلف كلاهما، وبين كل برهة وأخرى تلقي غرام نظرة على البوابة الخارجية، فربما يأتي فراس في أية لحظة ليزيح عن صدرها هذا القلق، لكن تعود عيناها خائبة فيزداد حزنها. عمرو وهو يمسك يدها: مالكِ؟ إيه مزعلكِ؟ غرام بابتسامة مغتصبة: أبدًا يا حبيبي، مش زعلانة.
صدح صوت فراس لينتشلها من حزنها فتتبدل ملامحها بالكامل للسعادة والبهجة. فراس: اوعوا تكونوا كلتوا من غيري. ذهبت غرام إليه وتعلقت بعنقه بسعادة وهي تتمتم في أذنه: شكرًا أوي إنك جيت، بجد شكرًا. حاوطها مقبلًا خصلاتها متمتمًا: أنتِ بتشكريني على إيه يا غرام، أنتِ أختي وبنتي، ما سمعكيش تقولي كده تاني.
قبلته في وجنته ودلفا ليتبادل كل من فراس وعمرو السلام، ثم جلس فراس بجانب والدته بينما غرام بجانب عمرو، وبدأوا جميعًا في تناول طعامهم في صمت قاطعه صوت غرام: فراس! نظر لها بتساؤل، فأشارت برأسها إلى إصبع بنصرة وهي تتابع: فين الخاتم بتاعك؟ فراس وقد تجهم وجهه: مش عارف، جايز وقع أو نسيته في المكتب أو الأوضة. غرام: ولا يهمك يا حبيبي، أنا هجيبلك غيره لو ما لقيناهوش. قاطعهما صوت هاتف عمرو الذي أضاءت شاشته باسم "لؤي".
عمرو بهدوء: لؤي، أنا ما صدقت أشوف مراتـ... ابتلع باقي جملته وهو يقوم بسرعة حاملًا مفاتيحه بعدما قاطعه لؤي بقوله: في حادثة على طريق مصر إسكندرية الصحراوي، وعماد هناك وقالي إنها مش مجرد حادثة دي جريمة. عمرو: أنا جاي حالًا. نظر لهم باعتذار: أنا بجد آسف، بس لازم أمشي دلوقتي. غرام وهي تمسك بيده: فيه إيه يا عمرو؟ حصل حاجة؟ عمرو وهو يقبل جبينها بهدوء: حبيبتي ما تقلقيش، حادثة على الطريق بس، هنحقق فيها وهطمنك أول ما أخلص.
غرام بسرعة: طمني ها، مش هنام، هستنى تليفونك. أومأ برأسه ثم غادر سريعًا، تاركًا خلفه غرام القلقة، وفراس المترقب لما سيحدث. أصوات سيارات الشرطة التي تعاين موقع الحادث، وسيارة الإسعاف تتحرك باتجاه المشرحة لفحص الجثة وإثبات هويتها، وصوت تلك الكاميرا التي تلتقط الصور بواسطة ذاك الخبير المختص والذي يحاول جمع كل المستمسكات الخاصة بالحادث لمعاينتها والتحقق منها.
ومن بينهم جميعًا يأتي صوته الذي تميزه تلك البحة الخفيفة وهو يعطي الأوامر كي ينتهوا من معاينة مكان الحادث بتدقيق. أتاه صوت من الخلف ليخبره بأنهم سيفقدون السيطرة على الصحفيين، فذهب تجاههم بغضب ومن ثم عاد بإرهاق وهو يمسد بين عينيه بتعب ناظرًا لعمرو الذي حضر للتو: ما تبصليش كده، أنا مالي، شغلنا اللي ابن كلب ما بيرحمش. عمرو بضيق: وهو خلاص اللي جاي يتهبب يعمل جريمة زي دي ما استناش يوم ولا اتنين نشم نفسنا ليه؟
كاد يتحدث لؤي ولكن اقترب منه أحد أفراد المعمل الجنائي وهو يقدم له ذاك الخاتم الفضي وهو يعرب عن كونه يحمل حرفي F و G. لؤي: تمام، حطه مع باقي الأدلة للفحص. عمرو مضيقًا عينيه وهو ينظر للخاتم بتدقيق وقلب مضطرب متذكرًا سؤال غرام لفراس عن خاتمه وإخباره إياها بأنه ربما أضاعه أو نسيه في مكان ما، وكذلك كونه يحمل حرفي اسمي غرام وفراس، إضافة لكونه هو من اختار ذاك الخاتم مع غرام لتهديه لأخيها يوم عيد مولدهما السابق،
أخذ يتساءل في نفسه: معقول هو نفسه بتاع فراس؟ قاطع شروده صوت لؤي: خليك متابع هنا، وأنا هروح أشوف إيه اللي تم في المشرحة. عمرو: لو احتجت حاجة كلمني. لؤي وهو يغادر: تمام، وأنت برضه.
استقل سيارته متجهًا لوجهته وهو يسند رأسه على ظهر كرسيه بتعب، فهو لم يذق طعم الراحة منذ يومين بسبب انشغاله بإحدى القضايا، والتي ما لبث أن انتهى منها لتأتي هذه القضية هي الأخرى لتقضي على المتبقي لديه من قدرة على المواصلة. زفر بضيق وهو يغلق باب السيارة بعد وصوله زافرًا بقوة محاولًا تهدئة أنفاسه المختنقة. كانت تجلس وهي تنظر أمامها بأعين شاردة خائفة، وبجانبها صديقات ابنتها ولا تختلف حالتهم عن حالتها كثيرًا.
قطع صمتهم صوت هاتف شدا الذي أعلن عن اتصال من مرافقها الصحفي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!