قوانين... نعم... الحياة عبارة عن قوانين... قوانين لم توضع لتُتبع بل وضعت لتُكسر، فتوضع قوانين جديدة لمعاقبة من كسر القوانين الأولى. كذلك هو الحب، مهما وضعت له قوانين وحواجز سيأتي من يكسرها ليضع قوانين جديدة خاصة به، ليأتي عاشق ويكسرها مجددًا بطريقة مختلفة. هذا ما ظل يفكر به قاسم طيلة الليلة الماضية، لم يغمض له جفن ولم يذق طعم النوم. إلى متى... إلى متى سينتظر؟ إلى متى ستظل بعيدة عنه؟ إنه يوم واحد...
مجرد يوم واحد تركته، وحدث به كل هذا. لم يأكل ولم ينعم بالنوم، ولم يكف عن التفكير حتى صباح اليوم التالي. نهض من فراشه وهو يشعر بالتعب، ثم أبدل ملابسه وهبط إلى الأسفل. فادية: صباح الخير يا فندم. قاسم: صباح النور. فادية: أحضر لحضرتك الفطار؟ قاسم: لا، اعمليلي قهوة وهاتيهالي المكتب. فادية: حاضر، ثانية والقهوة تكون عندك. قاسم: شكراً.
اتجه قاسم إلى مكتبه، فدخل المكتب وأغلق الباب خلفه. ثم جلس على كرسيه وأمسك هاتفه ليتصل بسارة. اتصل بها أكثر من مرة لكنها لم تجب. قاسم بضيق: من أولها كدا... ماشي يا سارة، أول ما عرفتي أهلك هتسيبيني. ثم أمسك هاتفه مجددًا واتصل بأخيه يوسف ليجيب بعد لحظات. يوسف بنعاس: ألوو. قاسم: أيوه يا يوسف، انت لسه نايم ولا إيه؟ يوسف وهو ينظر للساعة بجواره: آه، لسه نايم. أصلاً الوقت بدري جدًا. انت إيه اللي مصحيك دلوقتي؟
قاسم وهو يفرك عيناه بتعب: أنا منمتش أصلاً. المهم، أنا مش جاي الشركة النهارده. روح انت وبلغني باللي هيحصل. يوسف: لا، متجيش النهارده إزاي؟ مينفعش، انت لازم تيجي النهارده، فيه اجتماعات كتير و... قاسم: خلاص خلاص، انت هتاكل دماغي على الصبح. خلاص جاي، بس هتأخر شوية. روح انت بدري وإستناني لحد ما أجي. ومتقابلش أي حد ولا تعمل اجتماعات غير لما أجي، فاهم؟ يوسف: طيب، انت جاي الساعة كام؟
قاسم: مش عارف يا يوسف. هبقى أكلمك بعدين، سلام. وأغلق الخط. ثم سمع صوت طرقات على الباب. قاسم: ادخل. دخلت فادية وهي تحمل القهوة، ثم وضعتها على المكتب وقالت: فادية: حضرتك تأمر بحاجة تانية؟ قاسم: شكراً، اتفضلي انتِ. غادرت فادية وأغلقت الباب خلفها. ليمسك قاسم الهاتف ويعاود الاتصال بسارة مجددًا، ولكنها لم تجب هذه المرة أيضًا. ليقول: قاسم: ماشي يا سارة، مبترديش... أنا هعرفك تردي إزاي. ماشي.
ثم احتسى قهوته وغادر المكتب والمنزل. *** في منزل يوسف: رندا وهي تتململ في الفراش: بتكلم مين الصبح بدري كدا؟ يوسف بابتسامة: صباح الخير يا حبيبتي. رندا بنعاس: وهي صباح النور يا حبيبي. قولي، كنت بتكلم مين؟ يوسف: دا قاسم. رندا بتعجب وهي تعتدل: ليه، فيه حاجة؟ هو كويس؟ يوسف: متقلقيش، هو كويس وتمام. بس بيقولي إنه هيروح الشغل متأخر النهارده وعايزيني أروح بدري علشان أخلص شوية حاجات. بس باين من صوته إنه متضايق.
رندا: ومسألتهوش ليه إيه اللي مضايقه؟ يوسف: لما تشوف حد متضايق، متسألوش إيه اللي مضايقه. لأنه غالبًا هيقولك مفيش حاجة. الأفضل إنك تسيبه يهدى شوية وبعدين تسأله. وأنا كدا كدا هشوفه في الشغل، هبقى أسأله هناك. رندا: أجمل حاجة فيك إنك متفاهم وراقي كدا. يوسف: الحمد لله إن فيا حاجة جميلة. إنما انتِ كلك على بعضك كدا جميلة. رندا بابتسامة: نفسي أغلبك في الكلام. يوسف: متحاوليش، دا أنا متخصص. رندا: طيب، هقوم أحضرلك الفطار.
يوسف مسرعًا: لا لا، متقوميش خالص ومتعمليش أي حاجة. أنا هقوم أحضر فطار وأفطر وأعمل كل حاجة. رندا: ليه يعني؟ يوسف: انتِ ناسيه إنك حامل وممكن تتعبى. رندا: يوسف حبيبي، الكلام ده مش دلوقتي. متستعجلش. الشغل جاي جاي. ده انت هتشتغل شغل... يوسف: أنا مش عايز أتعبك. رندا: متقلقش، أنا كويسة. ولو حسيت بتعب هقولك على طول. روح انت خد دش وغير هدومك وأنا هحضرلك الفطار. يوسف وهو يقبل رأسها بحب: تسلميلي.
نهض يوسف ليبدل ملابسه ويذهب لعمله، بينما ذهبت رندا لتحضر وجبة الإفطار لزوجها. من قال أن الحب ينتهي مع مرور الوقت أو بعد الزواج؟ الحب يبقى حب، بل ويزداد مع مرور الوقت. أما ما دون ذلك، فهو ليس بحب. *** في منزل عائلة سارة:
استيقظت سارة من نومها وهي تنظر حولها باستغراب للمكان. استغرقت لحظات حتى أدركت أنها في منزلها وعلى فراشها. نعم، هي تشعر بالراحة، ولكن ليس مثلما شعرت بها مع قاسم في منزله. تركها البارحة واشتاقت إليه اليوم. كل هذا التعلق في هذه الفترة القصيرة. ميرفت: صباح الخير يا حبيبتي. سارة بابتسامة: صباح الخير يا ماما. ميرفت وهي تجلس إلى جوارها: إيه مصحيكِ بدري كدا؟ ده أنا صحيت بس مرديتش أصحيكِ، قولت أسيبك براحتك.
سارة: أنا متعودة أصحى بدري. ميرفت: طيب، ونمتي كويس؟ سارة: آه الحمد لله. ميرفت: طيب الحمد لله. يلا قومي وفوقي كدا علشان ورانا حاجات كتير قوي النهارده. سارة بتساؤل: حاجات إيه؟ ميرفت: قرايبنا يا ستي. عرفوا إنك رجعتي وكل شوية حد يتصل بيا وعايزين يجوا يسلموا عليكي. فـ أنا قولت بدل ما يجوا كل شوية واحد ويدوشونا، نعمل حفلة صغيرة كدا بمناسبة رجوعك ونعزمهم كلهم. إيه رأيك؟ سارة: فكرة كويسة برضو. نظرت حولها وهي تبحث
عن هاتفها فلم تجده لتقول: سارة: تليفوني كان جمبي، راح فين؟ ميرفت: أنا أخدته وديته لـ كريمة علشان ميزعجكيش وتنامي براحتك. سارة بانزعاج: لحسن يكون قاسم اتصل بيا ولا حاجة. ميرفت: مين هيتصل الصبح بدري كدا؟ وعموما، قومي فوقي وإفطري كدا وبعدين خديه منها. تعالي يلا. نهضت سارة مع والدتها وذهبتا سويا إلى المطبخ. كريمة: صباح الخير. سارة: صباح النور. تليفوني معاكي مش كدا؟ كريمة: أيوه، ميرفت هانم قالتلي خليه معاكي.
سارة: طيب هاتيه معلش. ميرفت: سارة، قولنا إيه؟ افطري الأول وبعدين امسكي التليفون وإعملي اللي انتِ عايزاه، ماشي؟ حركت سارة رأسها بإيجاب. ميرفت: حضريلنا الفطار يا كريمة. كريمة: من عنيا يا هانم. ميرفت: بعد ما تفطري هتروحي انتِ وكريمة تجيبوا هدوم وتروحوا بيوتي سنتر. ولما تخلصوا هتيجوا تلاقوا كل حاجة جاهزة. سارة: جاهزة إزاي؟ مين اللي هيظبط البيت ويهتم بيه؟
كريمة: لا، مهو أنا اتصلت بناس تعرفهم مدام ميرفت. هيهتموا بكل حاجة. متقلقيش يا آنسة سارة. سارة: طيب كويس. ميرفت: صحيح، متنسيش تقولي لـ قاسم علشان يكون موجود بما إنه خطيبك وكدا. سارة: طيب، أخد دوش وأفوق كدا وأكلمه. ميرفت: طيب، براحتك. *** في شركة قاسم: وصل يوسف الشركة ليتفاجأ بوجود قاسم في مكتبه يحتسي القهوة. يوسف: قاسم... خير، فيه إيه؟ قاسم: هو غريب إني آجي الشغل ولا إيه؟
يوسف وهو يجلس: لا، بس انت قولت إنك هتتأخر النهارده وأديك جاي قبلي. فـ استغربت. قاسم: لا، متستغربش. أنا كان معايا مشوار كدا ولاغيته. قولت الشغل كتير النهارده ولازم أكون موجود. يوسف: مشوار إيه ده اللي الصبح بدري كدا؟ قاسم بإنفعال: ما خلاص يا يوسف، هو تحقيق؟ اتفضل على مكتبك دلوقتي. ولما ييجي وقت الاجتماع هبلغك. يوسف: اجتماعات إيه؟ انت لو حضرت أي اجتماعات وانت بالشكل ده هتبوظ الدنيا.
قاسم: ليه، شايفني عيل صغير برياله مش هقدر أتحكم في تصرفاتي؟ يوسف بتعجب: مالك يا قاسم، فيه إيه؟ قاسم وهو يحاول السيطرة على انفعالاته: يوسف، لو سمحت روح مكتبك وسيبني دلوقتي. يوسف بقلق: قاسم، انت كويس؟ قاسم وهو يغمض عيناه بتعب: آه، أنا كويس. سيبني بس دلوقتي. يوسف: طيب، أنا هروح المكتب أخلص شوية شغل وجايلك. تكون هديت كدا شوية، ماشي؟ قاسم: ماشي، روح انت. وأنا هبقى كويس، متقلقش. يوسف: طيب، عن إذنك.
غادر يوسف المكتب وترك قاسم لتفكيره الذي أنهكه. أمسك هاتفه وطلبها مجددًا، فلم تجب. ليلقي الهاتف بغضب ليرتطم بالأرض ويتحول إلى أشلاء. هكذا عبر قاسم عن غضبه منها. دخلت المساعدة (السكرتيرة) إلى المكتب عندما سمعت صوت ارتطام الهاتف لتطمئن عليه. السكرتيرة: فيه حاجة يا قاسم بيه؟ قاسم وهو ينهض: قولي لـ يوسف بيه إني ماشي ومش راجع النهارده وأجلّي كل الاجتماعات. السكرتيرة: بس فيه اجتماع لـ...
لم ينتظر قاسم أن تكمل وغادر المكتب. لتتنهد السكرتيرة وتذهب لتخبر يوسف. يوسف بتعجب: مشي... مشي... إزاي؟ السكرتيرة: معرفش، هو قاللي إنه مش راجع النهارده وقاللي ألغي كل المواعيد. يوسف: طيب، روحي انتِ. السكرتيرة: طيب، ألغي اجتماعات النهارده؟ يوسف: لا، متلغيش حاجة. أنا هحضرهم وخلص كل حاجة. السكرتيرة مترددة: بس مستر قاسم... يوسف: خلاص بقى، أنا هتصرف. روحي انتِ إعملي اللي قولتلك عليه. السكرتيرة: حاضر. عن إذنك.
غادرت السكرتيرة وتركت يوسف في حيرة. يوسف: أنا مبقتش فاهم حاجة خالص. *** في منزل عائلة سارة: كان المنزل مليئ بمن يسمون أنفسهم أقارب. كان مزدحمًا للغاية. كانت سارة تشعر بالملل والضيق، فهي لا تحب التجمعات وخاصة أنها لا تعرفهم. فقد كل ما تعرفه أنهم أقاربها. شعرت بالملل وكادت أن تدخل غرفتها لولا أن سمعت صوتًا يأتي من خلفها. ياسر: على فين؟
التفتت سارة خلفها لترا ذلك الشاب ذو الثلاثين عامًا، صاحب البشرة القمحية والشعر الأسود. ياسر وهو يمد يده: إحنا ملحقناش نتعرف. أنا ياسر ابن عمك محمود. سارة بتساؤل: عمي محمود مين؟ ياسر: هو المفروض ابن عم والدك، يعني هتقوليله عمي. سارة بلامبالاة: آه، أهلاً. ياسر وهو ينظر ليده: أنا هفضل مادد إيدي كتير؟ سارة وهي تسلم عليه: آه، معلش. ياسر وهو يبتسم: أنا عاذرك، مهو مش سهل الواحد يتعرف على كل الناس دي في وقت واحد.
سارة: لا بصراحة، أنا حاسة إنّي تعبانة وعايزة أدخل أرتاح شوية. عن إذنك. ياسر: استنى بس رايحة فين؟ ده لسه الحفلة هتطول. قاسم من خلفه: آه يا سارة، أنتِ رايحة فين صحيح؟ دي الحفلة لسه في أولها. التفتت سارة لتجد قاسم يقف ويبدو على وجهه علامات الغضب والضيق الشديد. سارة: قاسم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!