صمت يعم المكان، ذهول من البعض وغضب من البعض، ومباركة وتهاني من البعض. أخذ الجميع يتهامسون، ولعل أكثر الأسئلة التي سُئلت هي: من تلك الفتاة التي جعلته يفكر في الارتباط بعد كل هذا الوقت؟ ومن أين هي؟ فهم لم يروها سوى اليوم. وبينما كان البعض يتهامسون متسائلين عن هويتها، اقترب البعض من الأصدقاء ليقدموا المباركات والتهاني لقاسم، الذي يقابلهم بابتسامة وشكر.
وسارة غير مدركة لما يحدث، فمنذ أن سمعته يعلن خبر خطوبتهم المزعوم، وهي متوترة، غاضبة، مزهولة، تنتظر أن تنفرد به لتوبخه لجعله إياها تقف في هذا الموقف. وبينما قاسم يتلقى التهانئ، جذبه يوسف من ذراعه بقوة إلى إحدى الغرف الفارغة وأغلق الباب. قاسم بِحدة: إيه اللي انت عملته دا؟ يوسف: إيه اللي أنا عملته؟ قول إيه اللي انت عملته. انت بجد خطبت البنت دي؟ قاسم: يوسف، اتكلم عليها كويس. متنساش إنها خطيبتي.
يوسف بإنفعال: يعني الحكاية بجد؟ قاسم: أيوه بجد. وتعالى نخرج قبل ما حد ياخد باله. أوقفه يوسف قائلاً بغضب: تاني يا قاسم، تاني! انت مبتحرمش؟ انت نسيت رغدة واللي عملته؟ قاسم: متشبهش سارة برغدة يا يوسف. انت عارف إنها مش زيها ومش شبهها. يوسف: دي واحدة من الشارع ومنعرفش عنها حاجة. وأنا مش هسمح لواحدة زي دي إنها تكون واحدة مننا.
غضب قاسم بشدة من حديث يوسف عن سارة، حتى أنه كاد أن يفقد أعصابه ويمد يده عليه، ولكن قاطعه دخول رندا الغرفة. رندا: إيه اللي انتو بتعملوه دا؟ سايبيني وسايبين الناس برا وجايين تتخانقوا. قاسم: قول لي زوجك. يوسف: ليه؟ هو زوجها اللي راح خطب واحدة من الشارع من غير ما يقولنا. رندا وهي تضع يدها على فمها: بس اسكُت! إيه اللي انت بتقوله دا. قاسم محذراً يوسف: يوسف، كلمة زيادة عن سارة مش هسمحلك. انت فاهم.
نظر إليه بِحدة وغضب، ومن ثم غادر الغرفة. *** وفي الخارج، كانت نيران الغضب مشتعلة بداخل رغدة. كيف.. كيف استطاعت تلك "الحُثالة" أن توقع به في شباكها؟ تلك اللعينة! استخفت بها ولم تعطها حق قدرها، والآن... آه. استطاعت سارة أن تكتم غضبها وحقدها، واقتربت من سارة لتبارك لها بعدما فعل الجميع. رغدة بمضض: مبروك يا سارة. سارة وهي تمد يدها بقلق، فهي تعلم بقصة رغدة مع قاسم، وتعلم أنها لابد غاضبة مما سمعت: الله يبارك فيكي.
رغدة: تصدقي، استهنت بيكي. كنت فاكرة إني غلبانة وهتاخدي بالك منه يومين وهتمشي. بس طلعت غلطانة. سارة: أنا مش فاهمة انتِ بتتكلمي عن إيه بالظبط. رغدة: بطلي بقا ترسمي دور البريئة عليا، لأن كل حاجة بانت على حقيقتها. على كل حال، ألف مبروك. ثم اقتربت من أذنها وقالت: وخلي بالك من نفسك. ثم نظرت لها بابتسامة خبيثة، ومن ثم غادرت المكان، وتركت سارة تشعر بالقلق والتوتر. فنظرات رغدة لا تبشر بخير.
وبينما هي جالسة تفكر، لمحت قاسم قادم تجاهها، ويبدو على وجهه علامات الضيق والغضب. قاسم: تعالي يا سارة، هنمشي. سارة بريبة: طيب، فيه حاجة؟ قاسم: سارة، تعالي نمشي لو سمحتي. يللا. حركت سارة رأسها بتفهم وتحركت معه ليغادرا المنزل. بعد لحظات، خرجت رندا وبصحبتها زوجها ليجدوا أن قاسم وسارة غادرا المكان، لتشعر رندا بالضيق وتقول: رندا بهمس ولوم: عجبك أهو، زعل ومشي.
تنهد يوسف وهو يستغفر، فهو يعلم أنه أكثر في الحديث. فهو يعلم أن سارة لا تشبه رغدة، ولكنه قال هذه الكلمات بدافع الخوف والقلق على أخيه من تكرار تجربته المؤلمة مع رغدة. *** في منزل قاسم، وصل قاسم وبصحته سارة إلى المنزل. وفور دخولهما، دخل قاسم مسرعاً إلى غرفة المكتب وجلس على مكتبه وهو يتكئ برأسه عليه. شعرت سارة بتغير كبير بادٍ عليه، فدخلت الغرفة خلفه وجلست على الكرسي المقابل له وسألته: سارة: قاسم، في حاجة؟ قاسم: مفيش.
سارة: مفيش إزاي؟ شكلك متضايق ومخنوق. قول لي مالك. قاسم وهو يتنهد: حصل سوء تفاهم بيني وبين يوسف وزعلنا من بعض. سارة: بسبب اللي قولته في عيد الميلاد، مش كدا؟ حرك قاسم رأسه وسألها: عرفتي منين؟ سارة وهي تبتسم بسخرية: كان باين عليه متضايق. كان باين عليهم كلهم الحقيقة، وخصوصاً رغدة. قاسم بإعتذار: أنا بعتذر إني حطيتك في الموقف كدا. سارة: متعتذرش. أنا عارفة انت عملت كدا ليه. وبصراحة، أخوك يوسف عنده حق. قاسم: عنده حق في إيه؟
هو انتِ تعرفي هو قال إيه؟ سارة وهي تحرك رأسها: لأ، بس هو مهما قال، هو أخوك وأكيد قلقان عليك. ولو قال حاجة بخصوصي، وأنا متأكدة إنه قال حاجة، فـأنا مسامحاه ومقدرة الحالة اللي هو فيها. قاسم وهو يبتسم بإمتنان: أنا مش عارف أقولك إيه. سارة وهي تنهض: متقولش حاجة. أنا طالعة أنام، تصبح خير. قبل أن ترحل، نهض قاسم وقال: قاسم: سارة. توقفت سارة ونظرت له: نعم. قاسم: فكري في موضوع الزواج. أنا مش بضغط عليكي أبداً، بس فكري.
حركت سارة رأسها بابتسامة بسيطة وغادرت. ليجلس قاسم وهو يتنهد ويفرك رأسه وهو يفكر بما حل بينه وبين أخيه، وهل ستوافق سارة على عرض الزواج أم أن ما حدث اليوم سيؤثر على تفكيرها. *** في صباح اليوم التالي، في محل عمل رغدة. رغدة عبر الهاتف بإنفعال: انت يا غبي، لحد دلوقتي معملتش حاجة ليه؟ حازم: أنا كنت مستني الوقت المناسب. رغدة: وقت مناسب إيه اللي مستنيه دا؟ قاسم خطبها امبارح يا غبي، وانت قاعد مستني الوقت المناسب. حازم: إيه؟
خطبها؟ خطبها إزاي يعني وهى وافقت؟ رغدة: وافقت طبعاً، انت فاكرها غبية زيك؟ قاعدت تقولي مستني الوقت المناسب لحد ما خطبها. حازم: أكيد غصب عنها. رغدة: لسه بيقولي غصب عنها. حازم: أنا قصدي... قاطعته رغدة بنبرة غاضبة: اسمع يلا، انت تتصرف، تعمل أي حاجة. المهم البنت دي تبعد عنه. ودا أحسن لك وأحسن لها. حازم: طيب، ماشي. أنا هتصرف.
أغلقت رغدة الهاتف غاضبة، وهي تلعن بداخلها ذلك الأحمق الذي أضاع من بين يديها فرصة كانت كفيلة بأن تجعل سارة تختفي من حياة قاسم إلى الأبد. *** في منزل قاسم، استيقظت سارة من نومها. هذا إن كان النوم قد زارها. فعقلها لم يكف عن التفكير في ليلة أمس، وفي عرض الزواج، وفيما ستفعل. تنهدت بتعب من التفكير وهبطت للأسفل، فلم تجد قاسم. بحثت عنه في غرفة المكتب فلم تجده أيضاً، فاعتقدت أنه خرج للعمل.
وبينما هي تتفقد الغرف الموجودة في المنزل، وجدت غرفة مليئة بالأدوات الرياضية. بلا شك هو يتمرن هنا، فهذا يبدو على جسده الرياضي. فقررت أن تتسلل وتجرب أحد هذه الأجهزة. وعندما صعدت على الجهاز وبدأت في تجربته، تعسرت وكادت أن تقع. فأغمضت عيناها لتجد أن ذراعان التفا حولها بقوة وجذباها إلى صدره العاري. يا إلهي، كان كالبركان المشتعل. أنفاسه اللاهثة، شعره المتناثر، كان السيد المثالي.
تأملها قاسم. يا إلهي، أهي قريبة إلى تلك الدرجة؟ إنها بين أحضانه. تململت سارة بين ذراعيه ليفلتها، لكنه لم يفعل، بل تمسك بها أكثر حتى تألمت. لم يكد يسيطر على نفسه وكاد يفقد سيطرته ويقبلها، لولا أن سمعها تقول اسمه بصوت مرتفع لتخرج من حالته تلك. ليفلتها بسرعة وهو يلعن الشيطان بداخله.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!