الفصل 18 | من 29 فصل

رواية دواء القلب الفصل الثامن عشر 18 - بقلم مصطفى محمود

المشاهدات
17
كلمة
1,758
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 62%
حجم الخط: 18

الحياة كالحرب، سيّال يوم لك ويوم عليك، يوم تبتسم وتغمرك السعادة، ويوم آخر لا تكاد تجف دموعك من الحزن. ولكن أنا لم يكن أمري هكذا، أنا لم أبتسم ليوم بل للحظات، ولم تدمع عيناي ليوم بل لسنوات. ظننتها ستتوقف في تلك اللحظة، ظننتها ستنتهي عند رؤيتي لوالدتي التي لم أرها منذ كنت طفلة. ظننت أنها ستجف عندما وضعتني والدتي في أحضانها الدافئة التي لطالما تمنيتها. نعم، لطالما تمنيت ذلك العناق الدافئ المطمئن، تمنيت تلك السكينة التي شعرت بها، والتي يبدو أنها لن تدوم كثيراً.

*** في منزل عائلة سارة جالسة بين أحضان والدتها، مغمضة عيناها، مستمتعة بشعور لم تجربه مطلقاً. وعلى الناحية الأخرى، يجلس قاسم يطالعها بسعادة غامرة وابتسامة حالمة. نعم، هو سعيد. هو بالطبع لأنها سعيدة، وكيف لا وهي بين أحضان من حُرمت منها لسنوات. سارة: أنا كنت محتاجالك قوى يا ماما، كنت محتاجالك قوى، كنت محتاجة لحضن زي دا، كنت محتاجالك جنبي. ميرفت بابتسامة: ومين قال لك إني ما كنتش جنبك؟

أنا كنت معاكي في كل لحظة وكل وقت، كنت معاكي بقلبي وبدعواتي، وكنت متأكدة إن ربنا هيطمئني ويطمئن قلبي عليكِ قبل ما أموت. سارة وهي تزيد من احتضان والدتها: متقوليش كدا يا ماما، بعد الشر عليكِ، أوعي تقولي كدا، دا أنا صدقت لقيتك. ميرفت: وأنا ما كنتش عايزة حاجة من الدنيا غير كدا. وأبوكي كمان كان نفسه يشوفك قبل ما يموت. الله يرحمه.

(دمعت عينا سارة، فهي أيضاً تمنت رؤيته بشدة، تمنت أن تشعر بدفء وحنان الوالد، ولكن هذه مشيئة الله.) ميرفت: كان بيحبك قوى، لدرجة إنه كان كل يوم بيوقف يبص على آخر مكان كنتِ واقفة فيه، كان بيقعد بالساعات. ولما كنت بحاول أدخله البيت، كان بيرفض، بيقولي يمكن ترجع. سارة بتأثر: هو بابا مات إزاي؟ مات موتة ربنا ولا كان فيه حاجة؟

ميرفت وهي تبعدها برفق: لا، مات موتة ربنا. بس هو كان تعبان جداً من يوم ما اتخطفتي، ضغط وسكر وشوية حاجات تانية مقدرش يتحملها، زي ما أنا مقدرتش أتحمل بعدك عني. سارة بدموع: الله يرحمه. قاسم: جرى إيه يا جماعة انتوا وهي؟ ضايعة تبكوا وهي موجودة؟ تبكوا للدرجة دي بتحبوا النكد؟ ميرفت وهي تمسح دموعها: لا، مش هنبكي أهو. قاسم: يلا يا سارة قومي حضري لنا فطار علشان أنا جاي على لحم بطني. ميرفت: لا فطار إيه؟

أنا هنادي كريمة علشان تحضر لنا الغدا. قاسم: طيب، هستأذن أنا. سارة: انت رايح فين؟ متمشيش. قاسم: لا، متقلقيش. أنا هروح الشركة أخلص شوية حاجات وهاجي على الغدا، أنا ميت من الجوع. سارة: طيب، إذا كان كدا، ماشي. قاسم: عن إذنكم. (غادر قاسم المنزل وترك ميرفت وسارة سوياً.) ميرفت: قوميني يا سارة. (أسرعت سارة وساعدت والدتها على النهوض.) سارة: هتروحي فين؟

ميرفت: هنروح سوا المطبخ نعمل فنجانين ونقعد في الڤرندة على ما كريمة تحضر لنا الغدا، علشان أنا عايزة أقولك كلام كتير قوى وعايزة أسمع منك كلام أكتر. (شعرت سارة بسعادة بالغة، فقد بدأ يتحقق جزء من أحلامها.) ميرفت: يلا بينا. سارة بابتسامة: يلا بينا. *** في منزل رغدة مازن بصدمة: رفضوكِ؟!! رفضوكِ إزاي؟ رغدة: اتصلوا بيا وقالوا لي: إحنا بنعتذر ومش هينفع نقبلك في الشركة. مازن: كدا من غير سبب؟

رغدة: قالوا لي إنِ كويسة بس مش بالمستوى اللي إحنا عايزينه. مازن في نفسه: ماشى يا لطفى يا كلب. ثم نظر لها وقال: طيب، هتعملي إيه دلوقتي؟ هتسافري؟ (كان يقول ذلك وينتابه الخوف بشدة، يخشى أن تجيب بنعم، يخشى أن تتركه وتغادر. ظل قلقاً، ولكن أتته الإجابة التي أثلجت قلبه وجعلته يهدأ.) رغدة: لأ، مش هسافر. مازن: هتشوفي شركة تانية؟

رغدة: شركة تانية ولا لأ، مش هتفرق. عارف أنا اكتشفت إن في الوقت اللي كنت بسعى فيه ورا النجاح والشهره، ضيعت من بين إيديا حاجات كتير مهمة، وكنت هضيع حاجات أكتر أهم. مازن: يعني إيه؟ رغدة وهي تقترب منه: مازن، أنا بحبك. (اتسعت عينا مازن وخفق قلبه بقوة. يا إلهي، أهي حقاً قالت ذلك أم أن سمعي قد خانني؟ مازن: قوليها. قوليها تاني. رغدة وهي تبتسم: مازن، أنا... بحبك ومش عايزة أبعد عنك، ومش عايزة تبعد عني.

(أغمض مازن عينيه وشعر بسعادة بالغة، فالحلم حياته يتحقق. نعم، هي تريده، هي قالت ذلك، تريده إلى جواره، بجانبها.) رغدة بترقب: يا ترى انت بتحس بحاجة ناحيتي ولا دا... قاطعها مازن وهو يضحك بشدة: يالله! هو انتِ لسه بتسألي؟ رغدة: يعني انت بتحس بحاجة تجاهي؟ (اقترب مازن منها واحتضنها بحب وقال.) مازن بتنهيدة: غبية.. بس بحبك. *** في شركة قاسم قاسم بانفعال: دا اسمه تهريج اللي بيحصل دا. يوسف: اهدى يا قاسم، مش كدا.

قاسم بغضب عارم: لسه بيقول لي اهدى؟ أهدى إزاي؟ أستاذ، لما أغيب عن الشركة عشر أيام، عشر أيام بس، ألاقي الوضع بالشكل دا؟ مبيعات بتنخفض وموظفين بتهمل في شغلها؟ وما خفي كان أعظم. أمال لو غبت أكتر من كدا هيحصل إيه؟ يوسف: مهو أنا كذا مرة أقول لك تيجي تتابع الشغل بنفسك، وانت بتقول لي جاي وبتطنش. قاسم: وانت قاعد هنا إيه؟ قفص كيس جوافة في الشركة، مش كدا؟

يوسف: قاسم، لو سمحت. أنا مسمحلكش. أنا هنا بنفذ شغلي، والإهمال اللي حصل دا حصل لأنك انت اللي أهملت الشركة بشكل مفاجئ، وبالتالي فيه حاجات كتير اتعطلت. قاسم وهو يحرك رأسه: والله، يعني الغلط بقى عندي أنا دلوقتي؟ ماشي، أديني جيت الشركة وهتابع معاكم وهنشوف الإهمال دا جاي منين. بس والله يا يوسف، لو كان السبب في اللي حصل دا حاجة غير اللي بتسميه إهمالي دا، هتشوف مني وش تاني خالص. انت فاهم؟ يوسف بحنق: ماشي. عن إذنك.

(وهم بالرحيل ليوقفه قاسم قائلاً.) قاسم: استنى، أنا لسه مخلصتش كلامي. وقف يوسف مكانه وقال بضيق واضح: نعم. قاسم: تعالى اقعد. يوسف: عندي شغل ومش فاضي. قاسم: بلاش شغل عيال وتعالى اقعد. يوسف وهو يجلس: أهو قعدنا، خير. قاسم وهو يمسح وجهه ليهدأ نفسه: أنا آسف علشان عليت صوتي، متزعلش. يوسف: لا يا راجل، بالبساطة دي متزعلش. قاسم: انت لو زعلت تبقى غلطان. قول لي، هو أنا اتدايقت وزعقت كدا ليه؟ يوسف: علشان المبيعات نزلت و...

قاسم مقاطعاً: غلط. أنا مزعقتلكش علشان كدا. أنا زعقتلك لإني حسيت إنك مش قادر تسيطر على الموظفين ولا قادر تتابع الشغل. أنا زعقتلك علشان أفوقك. طيب، أنا دلوقتي موجود، افرض حصلي حاجة، ودا وارد، انت كنت هتلحق الشركة دي إزاي؟ يوسف: بعد الشر عليك. قاسم: لازم تعمل حسابك على كل الاحتمالات، ومتسيبش حاجة للظروف. فاهم؟ يوسف: خلاص، فاهم. اهدى كدا بقى وقول لي، عملت إيه في حوار سارة دا؟ قاسم: إحنا في إيه ولا في إيه دلوقتي؟

يوسف: يا عم، قول، عايز أعرف. قاسم: أمري لله، هقول لك. يوسف بفضول: قول. *** في منزل عائلة سارة سارة: بس ومن وقتها وأنا قاعدة مع قاسم، وزي ما قلت لك، يوم كتب كتابنا عرفنا كل دا. ميرفت: باين عليه حد محترم وطيب وبيحبك قوي. سارة: مهو الظاهر إن أي حاجة بحبها أو بتحبني، مسيرها تروح مني. ميرفت: ليه بتقولي كدا؟ سارة: أصل قاسم... (كادت أن تتحدث لولا أن أوقفها صوت رنين جرس الباب.) سارة: أكيد قاسم وصل، أنا هروح أفتح له.

ميرفت: طيب، خلي كريمة تفتح له. سارة: لا لا، خليها تكمل تحضير الغدا، وأنا هفتح ثانية وجاية. (ذهبت سارة لتفتح الباب، وفي اعتقادها أنه قاسم، ولم تكن تعلم أن من وراء الباب أكثر شخصية تكرهها ولا تتمنى الخير لها على وجه الأرض. فتحت سارة الباب لتجد مريم تقف تطالعها بعيون غاضبة مليئة بالحقد والكراهية، بعكس سارة التي تطالعها باستغراب. فوجه التشابه بينهما كبير للغاية.) سارة: خير، مين حضرتك؟ مريم: أختك، مريم أختك.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...