تحميل رواية «دواء القلب» PDF
بقلم مصطفى محمود
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
سارة بدموع: خلاص يا عمو والله مش هنعمل كدا تاني بس سيبنا نمشي. وجدي بحزم: وحيات أمي ما أنا سايبكم وهسلمكم للباشا عشان تتربو ومتعلموهاش تاني. حازم: يا عم ما بتقولك خلاص مش هنعملها تاني سيبنا بقى بدل ما نعلمها معاك. وجدي: طب عشان قلة أدبك دي هخلي الباشا صاحب الفيلا يسلمك للحكومة انت والعيلة اللي معاك دي. سارة ببكاء: والله دي أول مرة أعملها وصدقني آخر مرة بس سيبنا نمشي. وجدي: اخرسي خالص يا بنت انتي. وأثناء حديثهم سمعوا صوت خطوات قادمة تجاههم، التفتوا إليها ليجدوا قاسم متجهًا إليهم ويبدو على وجهه عل...
رواية دواء القلب الفصل الأول 1 - بقلم مصطفى محمود
سارة بدموع: خلاص يا عمو والله مش هنعمل كدا تاني بس سيبنا نمشي.
وجدي بحزم: وحيات أمي ما أنا سايبكم وهسلمكم للباشا عشان تتربو ومتعلموهاش تاني.
حازم: يا عم ما بتقولك خلاص مش هنعملها تاني سيبنا بقى بدل ما نعلمها معاك.
وجدي: طب عشان قلة أدبك دي هخلي الباشا صاحب الفيلا يسلمك للحكومة انت والعيلة اللي معاك دي.
سارة ببكاء: والله دي أول مرة أعملها وصدقني آخر مرة بس سيبنا نمشي.
وجدي: اخرسي خالص يا بنت انتي.
وأثناء حديثهم سمعوا صوت خطوات قادمة تجاههم، التفتوا إليها ليجدوا قاسم متجهًا إليهم ويبدو على وجهه علامات الضيق والتعب.
وجدي: أهو الباشا وصل.
قاسم بهدوء: في إيه؟
سارة بلهفة: والله حضرتك مش هعمل كدا تاني بس.
قاسم مقاطعًا: ششش متتكلميش.. قولي يا وجدي إيه اللي حصل.
وجدي: مسكناهم بيحاولوا يسرقوا الفيلا يا باشا وقولت أستنى أشوف حضرتك تأمر بإيه.
أخذ قاسم ينظر لهم بتعمق، تلك الفتاة صاحبة الملامح البريئة الملائكية لا يمكن أن تسرق، فيبدو عليها أيضًا أنها صغيرة السن، ولكن ذلك الشاب يحمل وجهه معالم الخطورة.
وجدي: حضرتك تأمر بإيه يا باشا؟
قاسم وهو يلتف ليغادر: سلمهم للبوليس.
سارة مسرعة: لأ بوليس إيه حضرتك أنا والله أول مرة أعمل كدا ومش هعمل كدا تاني أبوس إيدك سيبنا نمشي ومش هتشوف وشنا تاني صدقني والله مش هنعمل كدا تاني.
صمت قاسم للحظات ثم قال وهو يشير لحازم: أنت ممكن تمشي وانتِ تعالي ورايا.
حازم بإنفعال: أنا مش همشي من هنا من غيرها.
رفع قاسم حاجبه وقال: مراتك؟
حازم: وانت مالك؟
نظر قاسم لوجدي وقال بهدوء: سلمهم يا وجدي.
سارة بلهفة: لا لا استنى يا وجدي أنا جايه مع حضرتك.
حازم بغضب: إيه اللي انتي بتقوليه ده طبعًا مش هتروحي معاه.
سارة: بس انت اسكت خالص روح وأنا هتصرف وهاجي وراك.
حازم: وأبوكي لو سأل عليكي هقوله إيه؟
سارة مستهزئة: متقلقش لما تديلهم الفلوس اللي معاك هاينسوا إني كنت معاك أصلاً، يللا روح.
نظر حازم لقاسم بغضب شديد ولكنه لم يتفوه بكلمة وغادر في صمت، ليردف قاسم قائلاً: تعالي ورايا، لتتحرك سارة خلفه دون أن تتحدث.
دخلا إلى الفيلا الخاصة به والتي يبدو عليها أنها باهظة الثمن، ثم دخلا إلى غرفة المكتب الخاصة به ليجلس قاسم على كرسيه وهو ينظر للأرض ويضع يديه على رأسه.
أخذت سارة تفكر لماذا أحضرها إلى هنا ولم يدعها تذهب مع حازم، لماذا لم يسلمها إلى البوليس وينتهي الأمر، لماذا هو صامت هكذا؟ بعد تفكير قررت التحدث فأردفت قائلة:
سارة: أنا بشكرك جداً على اللي عملته معايا.
أخذت تنتظر ما سيقوله بترقب، ولكنه لم يتحدث، شعرت بالقلق فاقتربت منه بحذر ليقول فجأة:
قاسم: خليكي عندك.
ارتعبت سارة بشدة فقد أفزعها، لتقول وهي تلتقط أنفاسها: خضيتني حرام عليك، افتكرت حصلك حاجة.
قاسم يفرك عينيه بتعب: اقعدي.
جلست سارة وأخذت تنظر له بترقب.
نهض قاسم وقال: استنيني هنا راجعة لك.
حركت سارة رأسها ليذهب قاسم ويتركها تتأمل في هذا المكتب الضخم وهذه اللوحات الجميلة المعلقة على الجدران، ولكن لماذا يملأها الغبار؟ كل هذا الثراء ولا يجلب أحدًا لينظف منزله؟! لم تمر دقائق لتجده يدخل الغرفة وبيده حقيبة إسعافات لتسأله:
سارة بتوجس: هو في إيه؟
قاسم: اقلعي.
سارة بإنفعال: نعم؟
قاسم بتوضيح: اقلعي البتاعة اللي في إيدك دي.
سارة: آه أقلعها ليه؟
قاسم وهو يزفر بضيق: اقلعيها وانتِ ساكتة.
سارة: طيب لما نشوف آخرتها.
خلعت سارة الإسورة الموضوعة بيدها ووضعتها جانبها وقالت: قلعتها وبعدين؟
أمسك قاسم يدها وبدأ ينظفها، فقد لاحظ أنها مصابة بجرح ما ولكنها لم تهتم به، فأخذ ينظفه ويعقمه، لتتعجب سارة بشدة وتقول لذاتها: لماذا يفعل ذلك؟ وبعد أن انتهى قاسم من تعقيم الجرح، قام بدهن إحدى المسكنات وقام بلف الجرح بقطع القماش جيدًا، ثم أمسك الحقيبة وخرج من المكتب من جديد.
سارة بداخلها: الراجل ده هيقتلني ولا إيه؟ طب لو هيقتلني عالجني ليه؟ امممم يمكن عشان عايزين الجثة سليمة. مش يمكن يكون تاجر أعضاء؟ والله ممكن؟
أخذت تفكر على هذا النحو حتى عاد وجلس على الكرسي وأخذ ينظر لها بنظرات لم تفهمها، فلم ينظر لها أحد بهذه الطريقة من قبل، فقد كانت نظراته تحمل معنيين: الشفقة والإعجاب.
تحدث قاسم ليخلصها من عناء هذا التفكير العميق: أنا مصدقك.
انتشلها صوت قاسم من تفكيرها لتقول: نعم، حضرتك مصدقني في إيه بالظبط؟
قاسم: في إنك أول مرة تسرقي.
سارة: أيوه والله أنا أول مرة أسرق وآخر مرة والله.
قاسم: عارف ومصدقك وعلشان كده مسلمتكيش للبوليس وقولت أديك فرصة تانية.
سارة وهي تهم بالخروج: طيب شكراً أستأذن أنا.
ليوقفها صوت قاسم قائلاً: بس انتِ غلطتي.
سارة وهي تلتفت إليه: أنا آسفة وقولتلك مش هعمل كدا تاني.
قاسم وهو يهز رأسه: جميل بس مش كفاية.
سارة بتساؤل: طيب حضرتك عايزني أعمل إيه؟
قاسم: تتعاقبي علشان أضمن إنك متعمليهاش تاني.
سارة وقد شعرت بالخوف: يعني هتسلمني للبوليس عشان يحاسبني؟
نهض قاسم ووقف أمامها وابتسم وهو يقول: انتِ هتتحبسي بس مش من البوليس مني أنا.. مش عند البوليس عندى أنا.
سارة بعدم استيعاب: نعم إزاي يعني مش فاهمة؟
قاسم: هتقعدي عندي هنا في الفيلا شهر.. شهر واحد لو أثبتي إنك إنسانة كويسة هسيبك تمشي وهنسى اللي عملتيه.
سارة: ولو رفضت؟
قاسم: هسلمك انتِ واللي كان معاكي وبدل ما تتحبسي شهر هتتحبسي 10 سنين ويمكن عمرك كله، وبراحتك القرار بإيدك.
ابتسمت سارة وهي تهز رأسها بسخرية وأردفت قائلة: براحتي.. قرار بسيط فعلاً.
أخذ قاسم ينظر لها وهو يترقب كلماتها الآتية، هل ستقبل بعرضه أم ستفضل السجن.
في منزل عائلة سارة.
عوض: يعني إيه يا ابني راحت معاه وانت إزاي سبتها تروح معاه؟
حازم: والله يا بابا مكنتش عايز أسيبها بس الراجل كان هيسلمنا لو مراحتش معاه.
سوسن: يا خوفي.. يا خوفي البنت دي تقر علينا وتودينا في داهية.
عوض: مهو كله بسببك قلتلك بلاش نجيبها من الأول، انتي اللي صممتي وأدي النتيجة، هنروح كلنا في داهية.
سوسن بقلق وتوجس: يعني فكرك الراجل ده يعرفها عشان كده أخدها معاه؟
حازم: لا يا أمه ده راجل فوق فوق أوي مستحيل يكون يعرفها.
عوض: ويطلع مين الراجل ده يا ابني؟
حازم: والله معرف يا يابا، حظنا المنيل هو اللي وقعنا في الفيلا دي عشان نسرقها منها، قولتلك البنت دي مش وش سرقة وبهدلة.
عوض: بس يا ابني خلاص بطل، ولوّي زي النسوان.
سوسن: طب هنعمل إيه دلوقتي يا عوض؟
عوض: اسمع يا ابني انت من بكرة تلبد الراجل ده وتراقبه من بعيد تعرفلي عنه كل حاجة لحد ما نشوف آخرتها إيه.
حازم: طب وسارة هنسيبها عنده يا بابا؟
عوض: هترجع مسيرها هترجع، بس لما نشوف الراجل ده ناوي على إيه.
في فيلا قاسم.
سارة بعد تفكير: هو شهر واحد بس؟
حرك قاسم رأسه بالإيجاب.
لتكمل: ماشي موافقة.
قاسم: تمام، تعالي عشان أوريكي أوضتك.
سارة: طيب ماشي.
تقدم قاسم عدة خطوات ثم توقف ونظر إليها وقال محذرًا: طبعًا أنا مش محتاج أقولك لو فكرتي تهربي من هنا أو أول تبلغي حد أنا هعمل فيكي إيه.
حركت سارة رأسها ليتابعوا السير حتى وصلوا لغرفتها، أخذت سارة تنظر للغرفة بإبهار شديد، كانت جميلة وكبيرة، حتى أنها أخذت تقول بداخلها: الأوضة دي أكبر من البيت اللي أنا عايشة فيه.
قاسم: صحيح.
التفتت له ليكمل: أوضة المكتب ممنوع تدخليها، ولو هتعملي أي حاجة يبقى بإذن، فاهمة؟
سارة بتنهيدة: في نوع حلم معين لازم أحلمه ولا عادي؟
قاسم: هسيبك تنامي دلوقتي، تصبحي على خير.
تركها قاسم وخرج من الغرفة، لتجلس على السرير الضخم والفراش الناعم ووضعت يديها على رأسها وأخذت تفكر كيف ستتخلص من هذا السجن الذي وُضعت فيه، لم تفكر طويلاً ودخلت في سبات عميق، تاركة يومًا حافلاً لتنتقل ليوم جديد يحمل في جعبته الكثير.
رواية دواء القلب الفصل الثاني 2 - بقلم مصطفى محمود
في صباح اليوم التالي، استيقظت سارة من ثباتها بعد ليلة عصيبة. لم تسلم من الأحداث والكوابيس، فلم تستطع أن تنام جيداً. هاجمتها تلك الكوابيس مرة أخرى.
أخذت تنظر للغرفة بتعجب، ولكن لم يمر الكثير حتى أدركت ما حدث وأنها أصبحت سجينة. سجينة في فيلا لم تحلم حتى بالنظر إليها.
تثاءبت قليلاً وقررت النزول للأسفل بعد أن شعرت بالجوع، فهي لم تأكل منذ أمس. فتحت باب غرفتها وهبطت من الدرج وهي تلتفت حولها تبحث بعينيها عن قاسم. فلم تجده، ولكن وجدت ضالتها المطبخ.
***
في الشركة الخاصة بقاسم:
يوسف: خلاص قررت؟
قاسم وهو ينظر من النافذة: امممم خلاص.
يوسف بارتياح: أخيراً. طيب ها قررت إمتى؟
قاسم: كام يوم كدا أخلص شوية حاجات وبعدين هنفذ.
يوسف بانفعال: حاجات إيه تاني؟ قلتلك أنا ههتم بكل حاجة. متضيعش وقت، أنت كدا هتضيع نفسك.
نظر له قاسم وهو يبتسم ابتسامة بسيطة وقال: خايف عليا؟
يوسف وقد تحشرج صوته وا لمعت عيناه: أنت أخويا وأنا مليش غيرك. أكيد خايف عليك.
اقترب قاسم منه وربت على كتفه وقال: متخافش، كل حاجة هتبقى كويسة. يللا روح أنت شوف شغلك وبعدين نتكلم.
يوسف: تمام. خلي بالك من نفسك.
حرك قاسم رأسه، فغادر يوسف ليجلس قاسم على مكتبه ويتنهد بضيق. فهو يشعر بالقلق والخوف أيضاً، ولكنه لا يجب أن يظهر ذلك. يجب أن يبدو قوياً لكي لا يخسر كل شيء.
مر القليل من الوقت وطرق أحدهم باب مكتبه. ليسمح للطارق بالدخول، ليجد أنها رغدة صديقة طفولته.
رغدة بابتسامة: هو أنا لو مسألتش تنساني كدا؟
قاسم وهو يبتسم بهدوء: مقدرش طبعاً.
"نهض قاسم ليرحب بها"
رغدة: إزيك عامل إيه؟
قاسم: كويس الحمد لله. أنتِ عاملة إيه؟ ونزلتي إمتى؟
رغدة: أنا يا سيدي لسه نازلة من يومين بس. طبعاً علشان حضرتك مبتسألش، فمش عارف عني أي حاجة.
قاسم: معلش، أنا فعلاً كنت مشغول الفترة اللي فاتت دي.
رغدة بريبة: هو اللي أنا سمعته دا صحيح؟
قاسم وهو يفرك عيناه بضيق: سمعتي إيه؟
رغدة: بلاش نلف وندور على بعض. يوسف قالي على كل حاجة.
قاسم بتوعد: ماشي يا يوسف ال...
رغدة بحنق: هو أنت مش كنت عايزني أعرف ولا إيه؟
قاسم: مش كدا، بس مكنتش عايزك تقلقي وكدا.
رغدة بضيق: هو أنت مش عارف أنت غالي عندي إزاي؟ وبعدين أنت بتعمل إيه هنا لحد دلوقتي؟ متحركتش لحد دلوقتي ليه؟
قاسم بضيق: رغدة مش وقت الكلام دا دلوقتي.
رغدة بتفهم: طيب، أنا هسيبك دلوقتي علشان عندي كام حاجة هخلصها. بس هنتقابل بالليل ومش هسيبك غير لما أفهم كل حاجة، تمام؟
قاسم: تمام. باي.
"غادرت رغدة وتركت قاسم يفكر في سجينته. أو يفكر لمَ لم يفعل ذلك معها؟ لمَ لم يسلمها للعدالة وينتهي الموضوع؟ لمَ تركها في منزله؟ ولم يتركها تعود لمنزلها؟"
لحظة في منزله:
قاسم: يا نهار أسود.
خرج سريعاً من مكتبه وقرر العودة لمنزله فوراً. وأثناء خروجه:
قاسم: يوسف أنا هروح، محتاج حاجة؟
يوسف: غريبة، أول مرة تروح بدري كدا. في حاجة؟
قاسم بعجلة: لا متقلقش، نسيت حاجة بس، هجيبها وراجع. سلام.
يوسف بحيرة: سلام. مش عارف حاسك مخبي عني حاجة ومش عايز تقولها. بسيطة.
"وفي فيلا قاسم"
"أخذت سارة تبحث عن أي طعام فلم تجد."
سارة وهي تزفر: أووف! إيه المكان دا؟ لا أكل ولا حاجة تتشرب. إيه دا؟ وبعدين فيلا كبيرة زي دي إزاي مفيهاش طباخ وسفرجى وخدامين (مساعدين)؟ شكلو بخيل وڤيلا ومنظر على الفاضي.
قاسم من خلفها: هو أنا مش بخيل للدرجة دي؟
انتفضت سارة لسماعها صوته، فهي لم تنتبه لوجوده. أخذت تنظر له بعينان مرعوبتان.
قاسم وهو يلوح بيده أمام وجهها: هوووو! أنتِ رحتي فين؟
سارة: هه هنا. عندك في البيت. أنت سمعتني صح؟
رفع قاسم حاجبه وحرك رأسه أي بنعم، ثم أردف قائلاً: مش عيب عليكي أكون مستضيفك في بيتي وتغلطي فيا؟
سارة: قصدك حابسني في بيتك. وبعدين أي حد محبوس من حقه إنه يأكل، مش يموت من الجوع.
مد قاسم يده ووضع الأكياس على الطاولة وقال: جبتلك شوية حاجات. حضريلنا حاجة ناكلها.
"وهم بالذهاب"
سارة: على فكرة أنا مش الخدامة بتاعتك.
توقف قاسم ونظر إليها قليلاً بصمت أربكها، ثم تابع سيره ودخل مكتبه دون أن يتحدث.
سارة: أووف! هو يوم مش فايت. أنا عارفه.
"وفى مكان آخر"
حازم: جيتلك قراره يا بابا.
عوض: قول يا حيلتها.
حازم: الراجل دا إسمه قاسم ماجد العدوي. غني ومعاه فلوس وعنده أخ واحد إسمه يوسف.
عوض: ها، وبعدين؟ هو دا اللي ربنا قدرك عليه؟
حازم: إتقل بس. إديني يومين وأعرفلك عنه كل حاجة.
عوض وهو يدخن الشيشة: يومين. طب غور من وشي، غور.
حازم: طب بقلك يا بابا...
عوض: عايز إيه؟
حازم بتردد: سارة...!!
عوض بانزعاج: مالها زفتة؟
حازم: عايز أتزوجها.
عوض: نعم؟!!
"في منزل قاسم"
"أنهت سارة إعداد الطعام على قدر ما استطاعت."
سارة: بس كدا، ست بيت محصلتش. طب إيه اللي دخل المكتب دا؟ مخرجش لحد دلوقتي. أنا هستنى شوية، لو مخرجش هاكل وأسيبه.
انتظرت سارة لدقائق ولكن لم يخرج. أراد أن تأكل ولكن ضميرها لم يسمح لها. فقررت أن تتفقده وتخبره أنها أنهت إعداد الطعام. فاقتربت من غرفة مكتبه وطرقت الباب مراراً، لكنه لم يجب. فقررت الدخول. فتحت الباب وأخذت تبحث بعينيها فلم تجده على مكتبه، ولكن وجدته مستلقى على الأريكة ويغط في ثبات عميق.
اقتربت منه بهدوء، كان كالطفل الصغير. ملامحه صافية ولكن حاجباه منعقدان كعادته. اقتربت منه وتحسست وجهه بيدها. شعرت بشيء غريب لم تجد له تفسيراً، راحة غريبة اجتاحت قلبها.
سارة بحيرة: أنت إيه حكايتك معايا بالظبط؟ وبتعمل معايا كدا ليه؟ نفسي أعرف.
قاسم وهو مغمضاً لعينيه: وأنا كمان نفسي أعرف.
رواية دواء القلب الفصل الثالث 3 - بقلم مصطفى محمود
سارة بتلعثم: أنا.. أنا آسفة افتكرتك نايم.. هو انت كنت نايم؟
قاسم وهو يغمض عيناه: كملي اعتبريني نايم.
سارة: أكمل إيه؟
قاسم: اللي كنتي بتقوليه.
سارة: أنا مكنتش بقول حاجة، أنا حضرت الأكل.
قاسم وهو يفتح عيناه: والله؟ أنا كنت فاكرك مسجونة هنا مش خدامة.
سارة بإنفعال: تصدق أنا غلطانة إنك صعبت عليا وقولتلك أحضرلك تأكل معايا، أنا هروح آكل وإن شاء الله عمرك ما أكلت.
"قالت كلماتها وكادت أن تتحرك لتغادر الغرفة، فأمسكها قاسم مسرعاً من يدها وجذبها إليه لتستقر في أحضانه، لتنظر له متفاجئة من فعلته. أخذ ينظر لعيناها، يا إلهي كم جميلة عن قرب، أخذت تتململ في أحضانه لتتخلص من نظرات عينيه التي أصبحت أسيرتها، ولكن قبضتاه كانت أقوى من محاولاتها.
سارة منفعلة: سيبني أمشي.
كان قاسم شارداً في عينيها، ولم يخرجه من شروده سوى أسنانها التي أطبقت على يده ليفلتها مسرعاً وهو يقول بصراخ:
قاسم: يخرب بيتك، حد يعمل كدا؟
سارة بعد أن أفلتها: وهو في حد محترم يعمل اللي انت عملته دا؟
قاسم بابتسامة خبيثة وهو يقف: عملت إيه يعني؟ دا انتي اللي رميتي نفسك في حضني.
سارة وهي تضع يدها على خاصرتها: الله الله، ليه يا بابا ميته في دباديبك ولا قاعدة هنا بمزاجي؟ بقولك إيه، عدّي الشهر دا على خير أحسنلك بدل ما اللي حصل في إيدك يحصل في رقبتك، انت فاهم؟
"لم تتلقى رداً، لم تجد منه سوى نظرة أربكتها من عينيه اللامعة، تمقته، تكرهه، ولكن قلبها لمَ لم يخفق بشدة عند اقترابها منه؟ شعرت بأنه سيخرج من صدرها من شدة ضرباته، فقررت المغادرة رأفةً بقلبها المسكين. وقف قاسم ينظر للفراغ بعد رحيلها ليتنهد بعد لحظات ويقول بضيق:
قاسم: شهر فترة كبيرة قوي، معتقدش هنكملها.
*في منزل يوسف*
يوسف: باااس، أنا أروح عند أمي لا حد يقولي أهملتني ولا اتأخرت برا ولا أي حاجة.
رندا: يا عم روح، هو انت في حد يستحملك غيري؟ وبعدين مامتك الله يرحمها أصلاً.
يوسف: لأ عندك، أوعى تنسي مين يوسف، ولو ناسياه أفكرك.
رندا: لا لو هتبتدي أجيب فشار وأقعد أسمعك وأهو نتسلى بالمرا.
يوسف: لا والله، مكنتش أعرف إن دمك خفيف كدا يا حيلتها.
رندا: أديك عرفت يا حيلتها.
"أمسكها يوسف من ياقة سترتها ورفعها لمستواه وقال:
يوسف: بت أنا بس اللي أقول كدا، انتي لأ.
رندا وهي تتدارك الموقف وتتكلم باستعطاف:
رندا: مهو انت يا حبيبي بتتأخر في الشغل قوي وأنا بكون قلقانة وبزهق لما بكون قاعدة لوحدي.
"أرخى يوسف قبضته وجلس على الأريكة وأشار لها لتجلس بجانبه، فأطاعته وجلست. ليضعها بين أحضانه ويقول:
يوسف: أنا عارف إني الفترة دي بقيت بتأخر في الشغل وإني أهملتك شوية.
"نظرت له رندا وهي ترفع حاجبها ليكمل قائلاً:
يوسف: تمام تمام، أهملتك كتير وأنا آسف على كدا، بس انتي عارفة إني بعمل كدا رغم عني، وكمان علشان انتي عارفة قاسم مبيجيش الشركة كتير زي الأول.
رندا وهي تحرك رأسها متفهمة: طيب وهو وافق ولا لسه بيفكر؟
يوسف: وافق أخيراً، بس معرفش ليه بيأجل، حاسة مخبي عني حاجة.
رندا بتساؤل: حاجة زي إيه؟
يوسف: مش عارف، بس هو متغير، يعني النهاردة مثلاً قالي هيروح يجيب حاجة من البيت وجاي، راح البيت ومرجعش، ولما كلمته قالي مش هييجي النهاردة، مع إن كان عندنا اجتماعات مهمة النهاردة.
رندا: بس إحنا لازم نضغط عليه ومنسيبهوش كدا علشان الدنيا متبوظش أكتر ما هي بايظة.
يوسف: عندك حق. طيب إيه؟ انتي كدا مش زعلانة مش كدا؟
رندا وهي تفكر: امممم، لأ لسه زعلانة.
يوسف وهو يبتسم: كنت عارف، وعشان كدا أنا هاخدك نتعشى برا النهاردة، يللا يا ست ابسطي.
رندا بسعادة: بجد؟
يوسف: عيييب، هو أنا عمري هظرت في الأكل؟
رندا بضحك: لا فدي عندك حق.
يوسف: طب يللا بقا غيري هدومك علشان منتأخرش، عندي شغل الصبح.
رندا: حاضر خمس دقايق.
"وذهبت مسرعة لتبدل ملابسها، فهي تعرف زوجها جيداً، قد يغير رأيه في أي وقت.
*في منزل قاسم*
"جالسون يتناولون الطعام في صمت تام، ليقرر قاسم التحدث لكثر هذا الصمت.
قاسم: تسلم إيدك.
سارة باقتضاب: شكراً.
قاسم: اتعلمتي الطبخ فين؟ يعني سنك صغير على إنك تعرفي تطبخي أكل زي دا.
سارة بصوت مخنوق: الدنيا بتعلم حاجات كتير.
قاسم وهو يحرك رأسه: عندك حق، بس دي جملة كبيرة قوي على إن واحدة في سنك تقولها، يعني أعتقد إنك ملحقتيش تشوفي حاجات كتير قوي.
"نظرت له سارة ساخرة وقالت:
سارة: أعتقد إن اللي أنا شوفته في يوم انت مش شوفته في عمرك كله، طبعاً وهتشوفه إذا طولت، وانت ورا سور الفيلا العالي دا.
قاسم: اممم، عندك حق، يمكن أنا مشوفتش حاجات كتير صعبة في حياتي، بس برضو مفيش حد معندوش مشاكل، كل واحد عنده ابتلاءاته.
"حركت رندا رأسها ولم تتحدث، ليرن هاتف قاسم بعد لحظات برقم رغدة، ليجيب قائلاً:
قاسم: ألوو.
رغدة: أزيك يا قاسم، عامل إيه؟
قاسم: كويس الحمد لله.
رغدة: يارب دائماً، طب إيه مش قولنا هنتقابل، فينك كدا؟
قاسم بتهرب: آآه معلش بقا يا رغدة، عندي ميعاد ومش هقدر أشوفك النهاردة.
رغدة بضيق: طيب ولا يهمك، بس كنت عايزة أتكلم معاك في موضوع.
قاسم مقاطعاً: أنا عارف، عايزة تتكلمي معايا في إيه، بس مش وقته دلوقتي.
رغدة: اممم، طيب تمام، هسيبك دلوقتي، بس هشوفك بكرة أكيد.
قاسم: تمام إن شاء الله. باااي.
رغدة: باااي.
"أغلقت الخط وقالت في تعجب:
رغدة: ميعاد إيه دا اللي دلوقتي؟
قاسم وهو يأكل وينظر لسارة بطرف عينه: أجيبلك إيه بكرة علشان الغدا؟
"لم ترد عليه ليتابع قائلاً:
قاسم: أنا بكلمك.
سارة وهي تنظر إليه: نعم.
قاسم: بقول أجيبلك إيه طلبات بكرة علشان تحضري الغدا، لأني هروح الشغل ويمكن أتأخر.
سارة: والله الكلام دا متقولهوليش أنا، لأني مش هعمل حاجة لحد، لو عايز تأكل اطبخ انت، أو هاتلك حد يطبخلك.
قاسم: أنا مبعرفش أطبخ ومبحبش حد غريب في بيتي علشان أجيبه يحضرلي أكل.
سارة: دا على أساس إني أعرفك من وانت في اللفة ولا إيه؟
قاسم: احم، صحيح، بالمناسبة، أنا ممكن أسمحلك تكلمي أهلك، بس مكالمة واحدة بس.
"شعرت سارة بضيق شديد اجتاح قلبها ولم تستطع أن تكمل طعامها، ليلاحظ قاسم ذلك ويقول:
قاسم بريبة: أنا قلت حاجة غلط؟
"حركت رأسها مجيبة بـلا.
قاسم: طيب في إيه؟
سارة وهي تنهض: مفيش، أنا طالعة أنام.
قاسم وهو ينهض ورائها: طب قوللي في إيه يا....
"أنقطع صوته، لتوقف وتنظر خلفها لتجده ملقى على الأرض ولا يتحرك، انقبض قلبها بشدة وهرولت إليه مسرعة.
سارة بهلع: قاسم.. قاسم... قوم مالك في إيه... قاسم...
رواية دواء القلب الفصل الرابع 4 - بقلم مصطفى محمود
سارة بهلع: ياربي أعمل إيه دلوقتي؟ دا حتى باب الفيلا قافلاه ومشّي الحرس اللي برا.
أخذت تفكر للحظات، ثم فجأة رن هاتفه. أمسكته لتجد أن المتصلة هي رغد، لتجيب مسرعة دون تردد.
سارة بصوت مرعب: ألوو...
رغد بتعجب: انتِ مين وبتردي على تليفون قاسم ليه؟
سارة وقد دمعت عيناها: قاسم واقع على الأرض ومش بيتكلم ومش عارفة أعمل إيه...
رغد بهلع: إيه؟ انتِ بتقولي إيه؟ طيب انتوا فين دلوقتي؟
سارة: إحنا هنا في الفيلا بتاعته اللي في شارع....
رغد: عارفة عارفة، انتِ خليكي جنبه وأنا هجيب دكتور وجاية.
سارة وهي تمسك يده: طيب بس بسرعة لو سمحتي.
رغد بإيجاز: طيب ماشي سلام.
أغلقت سارة الخط وتركت الهاتف على الأرض وقالت في نفسها: "أنا هحاول أقومه من على الأرض، مينفعش يفضل كده." حاولت مراراً ولكن جسدها الضعيف وقوتها الوهنة لم تسعفها، لِتجلس بجواره وتضع رأسه على قدمها وتمسك بيده بشدة وتقول:
قوم أرجوك قوم.
***
وفى مكان آخر.
حازم: هتوقف معايا في الحوار ده ولا أشوف غيرك؟
ياسر: يا صاحبي لو عليا أنا سداد، بس انت عارف أبوك لو هرش إني ساعدتك في الحوار ده هيعلقني.
حازم: يا عم وهو هيعرف منين؟ انت هتجيبلي المسدس ومليش دعوة بأي حاجة بعد كده، وأنا لو حصل حاجة، ولا كأني شفتك، وانت برضه كده.
ياسر: طب وانت عايز إيه؟ دا انتوا شغلكم كله على الخفيف، ولا قررت تغير النشاط وتقلبه سطو مسلح؟
حازم وهو يدخن سيجارة: لأ مش هغير النشاط ولا حاجة، بس في حاجة في دماغي ولازم أعملها.
ياسر: بس فهمت، يبقى تبقى عايز ترجع سارة مش كده؟
حازم بتعجب: انت عرفت منين؟
ياسر بسخرية: يا صاحبي دي المنطقة كلها عارفة، وعارفين كمان إنك سبتها، ولا مؤاخذة، خلعت.
حازم بإنفعال: بقولك متزيطش، أنا مسبتهاش غير لما الراجل هددنا إنه هيسلمنا لو ممشيتش، وأنا خوفت عليها عشان كده مشيت ومردتش أعمل قلق.
ياسر: ماشي يا عم مخلعتش وكنت خايف عليها، بس قولي هترجعها إزاي؟
حازم: هروح وأهدده، ولو مرديش يسيبها هقتله يا ياسر.
ياسر: إيه يا صاحبي؟ انت سخنت مرة واحدة كده ليه؟ هو انت بتحبها؟
حازم بشرود: قوي يا ياسر، بحبها قوي وممكن أعمل أي حاجة عشانها، حتى لو هقتل.
ياسر: بس البنت دي ممكن يكون ليها أهل بيدوروا عليها، وممكن تعرف إن أبوك وأمك خطفوها من أهلها وهي عيلة، يا دوب سنتين، وإن الحكاية اللي ألفتوها عليها دي فالصو. تفتكر لو عرفت كل ده مش هيفرق معاها، وهيفرق معاها إنك بتحبها؟
شرد حازم ولم يرد. بالفعل، ماذا لو علمت بحقيقة الأمر وأنها ظلت مخدوعة تسعة عشر عاماً عن حقيقة والديها؟ كيف سيكون موقفها؟ كيف ستكون ردة فعلها؟ بالتأكيد ستكرهه.
***
في منزل قاسم.
يوسف بابتسامة: الحمد لله على سلامتك يا برو.
فتح قاسم عيناه بقوة ونظر حوله ليجد يوسف وندا ورغد يجلسون حوله، لم يفهم ماذا يحدث.
رغد: خضيتنا عليك يا قاسم.
قاسم وهو يعتدل: هو... هو إيه اللي حصل؟
يوسف: رغد اتصلت عليا وقالتلي إنك تعبان وقالتلي هات دكتور وتعالى، فأنا جبت الدكتور بتاعك وجيت لقيتك مرمي على الأرض، وفي بنت بتبكي جنبك. صحيح مين البنت دي؟
نظر قاسم حوله فلم يجدها، فقال:
هي فين؟ البنت اللي كانت جنبي فين؟
رندا: كانت تعبانة جداً وحالتها سيئة، فالدكتور أداها مهدئ وهي دلوقتي نايمة في أوضتها.
رغد: هي مين دي يا قاسم؟
قاسم: دي... دي ممرضة جبتها كده عشان تاخد بالها مني ومن الأدوية بتاعتي.
رغد: بس واضح إنها متعرفش أي حاجة عن التمريض، دي قاعدة جنبك على الأرض وعمالة تبكي ولا بتعمل أي حاجة.
قاسم: لا هي كويسة جداً، بس يمكن كانت خايفة لحسن يحصلي حاجة.
يوسف: بس برضه لازم تجيب حد غيرها، ولا أكلم الدكتور يبعتلنا حد؟
قاسم: لا لا أنا أنا هتصرف وهجيب حد، متشغلش بالك انت. يلا روحوا انتوا عشان الوقت اتأخر وأنا بقيت كويس.
رندا: مفيش الكلام ده، إحنا هنقعد معاك النهارده.
قاسم: يوسف مراتك وعلى بيتك، وانتي يا رغد روحي، وهبقى أكلمك بكرة.
يوسف: يعني انت بقيت كويس؟
قاسم: آه الحمد لله بقيت كويس، يلا روحوا انتوا عشان عايز أرتاح شوية.
رغد: طيب أنا همشي دلوقتي، بس هاجيلك بكرة.
قاسم مسرعاً: لا بصي، أنا هكلمك ونخرج أحسن.
يوسف: طيب يلا بينا بقى، تصبح على خير يا برو وخلي بالك من نفسك.
قاسم: وانتوا من أهله، سلام.
انتظر قاسم رحيلهم، ومن ثم نهض من فراشه بتعب وهو يتعكز على الجدران حتى وصل غرفتها. طرق عليها فلم تجب، ليفتح باب الغرفة ببطء ويدخل في هدوء. نظر إليها فوجدها نائمة وشعرها متناثر على وجهها، ليجلب كرسياً ويجلس قبالتها ويزيح خصلات الشعر المتناثرة على وجهها ليراها وكأنه يراها لأول مرة. كانت جميلة بحق، ملامحها صافية بريئة، كانت طفلة، ولكن ورائها قصة يجب أن يعلمها، بداخلها ألم يجب أن يشفيه. نعم، فعلى الأقل هناك ألم يمكن أن يُشفى. اقترب منها ببطء وطبع قبلة هادئة بطيئة على وجنتها وغادر الغرفة بهدوء.
***
في صباح اليوم التالي.
استيقظت سارة وهي تشعر بالدوار، تشعر بأنها نائمة منذ أيام، رأسها يؤلمها. ظلت ساكنة للحظات، ومن ثم تذكرت ما حدث البارحة، لتنهض وتذهب مهرولة إلى غرفة قاسم لتطمأن عليه، فيمكن أن يكون قد أصابه مكروه مرة ثانية. وصلت إلى غرفته وطرقت الباب لكن لم تجد إجابة، وعندما فتحته لم تجده بداخل الغرفة. استغربت لعدم وجوده، فهو مريض، إلى أين ذهب؟
سارة: طيب راح فين ده دلوقتي وهو تعبان كده؟
قررت النزول للأسفل لتتفقد إن كان موجوداً، وأيضاً لتأكل، فهي لم تأكل منذ البارحة. هبطت للأسفل فلم تجده، ولكن وجدت طاولة مليئة بالأطعمة الشهية التي تشبعك مظهرها قبل أن تأكل. أخذت تبحث بعينيها عن قاسم لتجده يقف بالمطبخ ويعد القهوة.
سارة: احم... صباح الخير.
التفت لها قاسم بابتسامة وقال:
صباح النور.
سارة: إيه اللي مصحيك بدري كده ونزلت ليه وانت تعبان؟
قاسم: لا أنا بقيت كويس، طمنيني انتي عاملة إيه؟
سارة: أنا الحمد لله كويسة، هو انت جبت طباخ أو حد هنا حضر الأكل اللي برا ده؟
قاسم: لأ.
سارة: أمال مين اللي حضر السفرة دي؟
ابتسم قاسم ولم يتحدث، لتُيقن أنه هو، وتتسع عيناها بذهول، أهو من أعد الطعام لهم بنفسه؟
رواية دواء القلب الفصل الخامس 5 - بقلم مصطفى محمود
رندا : مش هتفطر...؟
يوسف : لا مفيش وقت يدوب أروح أطمئن على قاسم وبعدين هروح الشركة...
رندا وهي تحتضنه بحنان : ربنا يكون في عونك الحمل تقيل قوي عليك بس معلش استحمل أنت قدها..
يوسف وهو يداعب خصلاتها : أنا مكمل علشان أنتِ جنبي أنا فعلاً قوي بس بيكِ وعلشانك...
رندا وهي تحتضنه بقوة : أنا بحبك قوي ومقدرش أعيش من غيرك...
يوسف بصدق : وأنا أكتر..
وبعدين اللي يستحملك يستحمل أي حاجة في الدنيا...
رندا وهي تبتعد ضاحكة : وأنا أقول اليوم النهارده بادئ غريب ليه وفيهوش تريقة أتاريك بتسخن...
يوسف وهو يعدل ربطة عنقه : بس عسل صح...
رندا وهي تناوله الجاكيت : هو عسل الصراحة متقدرش أقول حاجة... طب بقولك أيه...
يوسف : نعم...
رندا : أي رأيك تاخدني عند قاسم أخوك البيت يعني آخد بالي منه أحضرله حاجة ياكلها كدا يعني وبعدين لما تخلص شغل تعدي عليا نروح سوا...
يوسف وهو يضع يداه على وجنتيها : بس دا هيبقى تعب عليكِ يعني شغل البيت هنا وبيت أخويا كمان...
رندا وهي تضع يداها فوق يداه : أنا مليش في الدنيا غيركم.. وبعدين تعالى هنا هو أنتو ليكو حد غيري ياخد باله منكم...؟
يوسف بتنهيدة وهو يحرك رأسه : لا...
رندا وهو تداعب وجنته كالاطفال : يبقى تقعد هنا زي الشاطر تستناني أغير هدومي وأجيلك...
يوسف : طيب بس متتأخريش...
رندا بصوت مرتفع وهي تغادر الغرفة : براحتي...
يوسف وهو يبتسم بعشق : ربنا يخليكي ليا...
في منزل قاسم
سارة : هو أنا ممكن أسألك سؤال...؟
قاسم وهو يتناول الطعام : اممم
سارة : هو أنت أي اللي تاعبك..؟ قصدي أي اللي كان تاعبك امبارح...
قاسم : مفيش شوية إرهاق شغل مش أكتر...
سارة : طيب الدكتور قالك أيه...
ترك قاسم الطعام وإلتفت إليها قائلا : أنتِ بتسألي كتير ليه... هو يهمك قوي تعرفي... قلقانة عليا يعني...
سارة : لا لا استنى بس أنا كل اللي قولته الدكتور قالك أيه جبتلي منين قلقانة ومعرفش أيه وبعدين أنا أقلق عليك ليه...
إبتسم قاسم وتابع طعامه وهو يقول : غريبة مع إنهم قالولي امبارح إن واحدة كانت قاعدة جمبي مقطعة نفسها من العياط وخايفة عليك جداً تفتكري هي كانت عاملة كدا في نفسها ليه...؟
سارة بحرج وتوتر : أنا.. أنا...
قاسم : اممم أنتِ أيه...؟
سارة : أنا كنت خايفة على نفسي أصلاً...
قاسم بتعجب : خايفة على نفسك...!؟
سارة : أيوه مهو أنت لو حصلك حاجة هيتهموني فيك وأنا مش حمل سجن كفاية السجن اللي أنا فيه...
قاسم : اممم صحيح... بس أنتِ كان ممكن تهربي امبارح وتخلصي نفسك من السجن دا بس أنتِ معملتيش كدا...
سارة وهي تحرك رأسها : اممم أنت عندك حق المفروض كنت أسيبك مرمي على الأرض وأهرب بس متقلقش المرة الجاية مش هضيع الفرصة من إيدي...
قاسم : بس في سؤال كنت عايز أسألهولك بس مجتش مناسبة...
سارة : امممم خير...
كاد قاسم أن يتحدث لكنه سمع طرقات على الباب
سارة : أنا هقوم أشوف مين..
قاسم وهو ينهض : لا لا خليكي أنا عارف مين على الباب أكيد يوسف أخويا...
نهض قاسم وفتح الباب ليجد يوسف ورندا يقفون على الباب
يوسف بعتاب : أي يا ابني اللي نزلك كدا وأنت تعبان افرض أغما عليك تاني دلوقتي...
قاسم بإبتسامه متجاهلاً كلامه : صباح النور يا يوسف...
رندا : أنت كدا دايماً دبش في كلامك...
يوسف : بتعلم منك يا أختي...
قاسم : تحبوا أجيب كراسي ونقعد قدام الباب نتخانق.. إدخلو جوا وبعدين اتخانقوا...
بالفعل دخل كلاً من يوسف ورندا المنزل ليجدو سارة جالسة على طاولة الطعام تطالعهم بإستغراب
يوسف لـ رندا بهمس : من أمتى الممرضين بيقعدوا ياكلوا مع المرضى بتوعهم...
رندا : اسكت بقى ولم لسانك شوية...؟
قاسم وقد انتبه لحديثه : بتقول حاجة يا يوسف...؟
يوسف : لا يا حبيبي دا أنا بقول معرفتناش على الآنسة...
كادت سارة أن تتحدث لكن تحدث قاسم مسرعاً قبل أن تتحدث ويكتشفوا أمرهم
قاسم : دي سارة الممرضة اللي هتاخد بالها مني..
نظرت له سارة بحدة ليبتسم لها ابتسامة صفراء...
رندا : أنتِ كويسة يا سارة كنتِ تعبانة جداً امبارح...
سارة : هه أه أنا كويسة الحمد لله شكراً...
يوسف : قوليلي يا سارة أنتِ بتشتغلي في مستشفى إيه...؟
قاسم متدخلاً : أنت وراك شغل مش كدا يا يوسف يللا بقى علشان متتأخرش...
يوسف بصوت منخفض : أه عندي شغل وهروح بس هنتكلم ها هنتكلم... سلام...
قاسم : سلام...
غادر يوسف وهو يجزم أن قاسم يخفي عليه شئ وسيعلم ما هو بالتأكيد
قاسم : فطرتي يا رندا...؟
رندا وهي تخلع حقيبتها : لا مليش نفس وبعدين يللا بقى اطلع أوضتك وارتاح علشان أنا لسه عندي شغل كتير...
قاسم بتعجب : شغل أيه...؟
رندا : شغل أيه...؟ دا أنا لسه هنضف البيت وأحضرلك أكل في ثلاجتك علشان متاكلش برا البيت بص موضوع كبير كبير...
قاسم : لا لا مفيش داعي تتعبى نفسك...
رندا : قاسم على أوضتك يا بابا ولا تحب أكلم يوسف أخليه يسيب الشغل ويجيي يستلمك وأنت عارف دا مبيصدق...
قاسم : لا لو كان كدا يبقى اعملي اللي انتِ عايزاه أى حاجة إلا يوسف.....
سارة : أنا هقوم أساعدك...
رندا : لا مفيش داعي تتعبى نفسك...
سارة بإبتسامة : لا مفيش تعب ولا حاجة...
نهضت سارة وأمسكت بعض الأطباق لتدخلها المطبخ لتقترب رندا من قاسم وتقول بلؤم
رندا : ممرضة ها...
قاسم : أه ممرضة...
ضحكت رندا وقالت بسخرية : طيب يا أخويا ربنا يشفيك...
وتركته ودخلت المطبخ ليقف قاسم وهو يبتسم على رندا زوجة أخيه لا بل هي مثل أختهم الكبيرة التي تلاحظ أدق تفاصيلهم وتدير بالها عليهم كالاطفال، بعدها صعد إلى غرفته ليرتاح قليلاً
في منزل عوض
عوض : على فكرة إحنا ممكن نستفيد من وجود سارة في بيت الراجل اللي اسمه قاسم دا..
سوسن : نستفاد إزاي، هي دي تعرف تعمل حاجة دي خايبة..
حازم : استنى بس يا أمي أما أبويا دماغه فيها أيه.. قول يا بابا...؟
عوض : هقولكم.. أنت تروحلها وتحاول تتكلم معاها بأي طريقة وتحاول تقعد معاها لوحدكم...
حازم : رحنا وقعدنا وبعدين...؟
عوض : هو مش الراجل دا غني ومتربي خلاص هي تقولنا على مواعيد دخوله وخروجه وأنت تروح وهو مش موجود وعلى السريع كدا تدخل أنت وهي تقلبوا الفيلا وتجيبوها وتيجي وتبقى خلصتها من الراجل دا ومن ناحية تانية استفدنا...
سوسن : الله على دماغك يا أبو حازم ربنا يحرسك يا أخويا...
حازم : دماغ أيه ويحرسه أيه يا جماعة مستحيل الراجل دا عنده حرس على الفيلا لو قربت منها هايخلصوا عليا وخصوصاً بعد ما شافوني وأنا بحاول أسرقها...
عوض : هو أنا اللي هقولك تعمل أيه تتصرف يا حازم...
حازم : طيب وافرض رفضت...
عوض بإنفعال : مش بمزاجها تقولها لو معلمتش كدا أنا هعرف شغلي معاها كويس...
تنهد حازم بضيق وغضب هو يعلم أنها سترفض هي بالكاد وافقت أن تسرق المرة الماضية هو يعلم أنها لن تكررها كما يعلم أن هذا الأمر لن يمر بسلام
في منزل قاسم
رندا : قوليلي أنتِ تعرفي قاسم من إمتى...؟
سارة بتوتر وهي تحتسي القهوة : أنا.. أنا أعرفه لما جابني هنا آخد بالي منه ومن علاجه...
رندا وهي ترفع حاجبها : اممم طيب دا الكلام اللي كلنا نعرفه لكن أنا عايزة أعرف الحقيقة يعني الحاجات اللي أنا معرفهاش...
سارة بتوتر : احم... هو أنا مش عارفة حضرتك بتتكلمي عن أيه بالظبط...
رندا : اممم مش عارفة أنا بتكلم عن أيه... شوفي يا سارة أنا يمكن معرفكيش كويس بس أعرف قاسم أعرفه كويس قوي وعارفة إن قاسم مبيحبش حد يقعد معاه في بيته والدليل على كدا إنه مش جايب حد يشتغل عنده هنا في الفيلا وكون إنه يجيبك تقعدي معاه بعد ما كان رافض إن الدكتور يبعتله ممرضة لا وأي تقعدي تاكلي معاه على سفرة واحدة وتكوني أول حد يسأل عنه لما يفوق وإنك متعرفيش أيه حاجة عن التمريض دا يخليني أسأل أنتِ مين وأي علاقتك بيه...؟
صدمت سارة من كلمات رندا وتوترت بشدة لم تكن تعلم بما ستجيب ولكن رأف بها القدر وأرسل من ينجيها، بعد لحظات سمعوا طرقات على الباب
سارة وهي تنهض مسرعة : أنا هقوم أشوف مين...
رندا : طيب...
ذهبت سارة لتفتح الباب وهي تقول في نفسها بإرتياح 'الحمد لله ربنا نجاني' فتحته لتجد رغدة تقف أمامها بكامل أناقتها وهي تحمل علبة شوكولاتة
رواية دواء القلب الفصل السادس 6 - بقلم مصطفى محمود
بحُنقٍ قالت رغده: أنتِ بتعملي إيه هنا؟
بتلعثمٍ قالت سارة: أنا.. بـ.. بـ..
تدخلت رندا: جرا إيه يا رغده، انتِ نسيتي إن سارة هي الممرضة اللي بتاخد بالها من قاسم؟
وهي تلوّي فمها بضيقٍ قالت رغده: لا منستيش. هو قاسم فين؟
رندا: فوق في أوضته. تعالي نقعد نشرب قهوة على ما ينزل.
رغده: لا أنا هطلعله أطمن علشان مستعجلة. عن إذنكم.
رمقت رغده سارة بنظرة حادة وماقتة جعلت سارة تشعر بالقلق، ثم صعدت إلى غرفة قاسم. كانت سارة شاردة في تلك الفتاة وعلاقتها بقاسم، لتخرجها رندا من شُرودها وهي تقول:
قليلة أدب، مبتنزليش من زور. طالعاله وهو قاعد لوحده في الأوضة. مشافتش بربع جنيه تربية.
بلومٍ قالت سارة: عيب، مينفعش نقول عن حد كدا.
وهي تربت على كتفها قالت رندا: إنتِ طيبة قوي يا سارة ومتعرفيهاش. دي حية قعدت تتسحلب وتتدحلب.
ضحكت سارة بشدة على طريقة وكلمات رندا، لتنظر لها رندا وتقول:
وهي تقرص كتفها: بطلي ضحك، لحسن أقلب عليكي. إنتِ مش قدي.
وهي تكتم ضحكاتها قالت سارة: طب خلاص خلاص، كملي.
رندا: تعالي ورايا على المطبخ، وهناك هكملك.
بابتسامةٍ قالت سارة: وراكي.
غرفة قاسم
كان قاسم ممدداً لجسده على الفراش ويغط في نومٍ عميق، ولكنه أفاق عندما شعر بحركةٍ من حوله. ولكنه لم يتحرك ولم يفتح عينيه، وانتظر قليلاً ليشعر بعد لحظات بأنفاسٍ قريبة من وجهه وأيادي ناعمة تتحسس وجهه بنعومة. اعتقد في البداية أنها سارة، فابتسم بارتياح. ولكن تبدلت ملامحه عندما شعر بشفاهٍ جريئة تقترب من شفتيه. وقتها أيقن أنها ليست سارة، فسارة ليست جريئة و"وقحة" هكذا. ليفتح عينيه مسرعاً ويُصدم عندما يجد رغده تقترب منه بجرأة، لينُهض مسرعاً ويقول بإنفعال:
قاسم بانفعال: إنتِ بتعملي إيه هنا؟
وهي تنهض قالت رغده: إنت تقصد إيه؟ أنا جاية أطمن عليك.
قاسم: وإيه اللي طلعك أوضتي؟
بانفعالٍ قالت رغده: قاسم، فوق. أنا رغده، نسيت مين رغده؟
وهو يضع يده على قلبه قال قاسم: رغده، لو سمحتي سيبيني لوحدي دلوقتي.
بقلقٍ قالت رغده: طب قاسم، إنت كويس؟ أتصلك بالدكتور؟
وهو يجلس على فراشه قال قاسم: لا، سيبني لوحدي. أنا عايز أرتاح شوية.
وهي تمسك حقيبتها قالت رغده: طيب طيب، أنا هسيبك دلوقتي وهجيب لك لما ترتاح تمام.
حرك قاسم رأسه ولم يتحدث. لتقترب منه وتُقبّله على وجنته وتغادر الغرفة. لينُهض قاسم وهو يزفر بضيق:
قاسم وهو يفرك رأسه بضيق: إنتِ إيه اللي جابِك، إنتِ كمان؟ هو أنا كنت ناقصِك.
في المطبخ
كانتا كُلاً من رندا وسارة يُعِدّان الطعام، بينما رأوا رغده تخرج من المنزل مسرعة وعلى وجهها علامات الضيق والغضب والقلق أيضاً.
رندا: مالها دي؟ إمتى لحقت تيجى وإمتى لحقت تمشي؟ دي حتى مجتش سلمت علينا. تفتكري إيه اللي حصل؟
وهي ترفع كتفيها قالت سارة: الله أعلم. المهم، إيه اللي حصل بعد كدا؟
رندا: المهم يا ستِ، بعد ما خلاص قرب ميعاد الفرح، جات رغده وقالت مش متزوجة. قال إيه عايزة تسافر تشتغل بره ومعرفش إيه.
سارة: وهي كانت بتشتغل إيه؟
رندا: عارضة أزياء.
سارة: امممم، علشان كدا كل هدومها حلوة ومظبوطة عليها. طب وبعدين؟
رندا: ولا قادرة. سابت قاسم وسافرت على أساس تشتغل عارضة أزياء وتحقق حلم الشهرة. والظاهر كدا فشلت، وعلشان كدا رجعت ترمي بلاها تاني.
حركت سارة رأسها وتابعت إعداد الطعام، لتتحدث رندا بخبث:
بس الظاهر كدا رغده متدايقة منك جداً.
سارة: متدايقة مني أنا؟ طب ليه؟
بلؤمٍ قالت رندا: معرفش. الظاهر كدا والله أعلم، شاكة إن فيه حاجة بينك وبين قاسم.
سارة: لا، قولي لها متقلقش. أنا مفيش أي حاجة بيني وبين قاسم.
رندا: والله معتقدش. يعني واحد يكون تعبان ومغمى عليه، وأول ما يفوّق يسأل عليكي أول واحدة، وتقوليلي مفيش حاجة.
سارة: صدقيني مفيش حاجة.
قاسم وقد كان يستمع إلى حديثهم: بتتكلموا عن إيه؟
انتفضت رندا وهي تقول: يا أخي حرام، خضتني.
قاسم: معلش، مش قصدي. ها، كُنتوا بتتكلموا عني صح؟ بتقولوا إيه؟
رندا: مليكش دعوة. وبعدين إنت إيه اللي نزلك؟ مش قولتلك ترتاح في أوضتك.
قاسم: عندي مشوار كدا لازم أخلصه. محتاجين أي حاجة؟
رندا: سلامتك. متتأخرش على الغدا.
كان قاسم يتحدث وهو ينظر لسارة التي لم تبدِ له أي ردة فعل. ليقترب منها ويقول:
قاسم: بقول، عايزين حاجة؟
بخُبثٍ من خلفه قالت رندا: قولتلك سلامتك.
نظر لها قاسم وهو يرفع حاجبه بضيق، لتصمت رندا قبل أن يثور عليها.
قاسم لسارة: هتعوزي حاجة أجيبهالك؟
سارة: شكراً.
وهو يبتسم قال قاسم: يلا باي.
رندا: سلام.
انتظرت خروج قاسم لتلتفت لسارة وتقول:
يللا، سيبى اللى في إيدك وتعالى معايا.
سارة: على فين؟
رندا: هتعرفي بعدين. تعالي.
سارة: طيب، ماشي.
في الشركة
يوسف بانفعال: كل الأخبار دي مش حقيقية. وأي حد هسمعه بيقول الإشاعات دي هيترفد. إنتوا فاهمين؟ يللا، كل واحد على شغله.
انصرف الموظفون إلى عملهم ليأتي مازن صديق يوسف.
مازن: إيه يا معلم، صوتك عالي كدا ليه؟
يوسف وهو يزفر بضيق: يعني إنت مسمعتش الكلام اللي مالى الشركة؟
مازن: آه سمعت، بس عايز أسألك، هو الكلام دا بجد؟
يوسف: بص، هو بجد وقاسم تعبان. بس هما بكلامهم دا هيتعبوه أكتر. وكمان الكلام دا لو وصل للمنافسين، هيفتكروا إننا مش زي الأول وهيطمعوا فينا. منتا عارف قاسم كان راعبهم إزاي. ودول ما هيصدقوا.
مازن: معاك حق. طب وهو حالته إيه دلوقتي؟
يوسف: كويس، كويس الحمد لله.
مازن: طب بقولك إيه، أنا عايز أشوفه وأطمن عليه.
يوسف: ابقى تعالي معايا وأنا مروح. أنا هعدي عليه.
مازن: تمام. هروح أنا أشوف شغلي، وابقا عدّي عليا لما تخلص.
يوسف: تمام، ماشي.
في إحدى مراكز التسوق (المولات)
رندا: ها، قوليلي إيه رأيك في دا؟
بإبهارٍ قالت سارة: تحفة جداً.
رندا: طيب، ادخلي قيسيه.
بتعجبٍ قالت سارة: أنا!!!
رندا: أيوه إنتِ. فيه حاجة؟
سارة: لا مفيش، بس ليه؟
رندا: هو إيه اللي ليه؟ أنا هجيبهولك هدية مني ليكي. تقدري تقولي كدا هدية تعارف.
بحرجٍ قالت سارة: بس دا شكله غالي جداً.
رندا: مش أغلى من اللي هتلبسيه. يللا، متضيعيش وقت وروحي قيسيه، وأنا هشوف حاجة هنا وجيالك.
بابتسامةٍ قالت سارة: طيب، هروح أقيسه.
دخلت سارة لتقيس الملابس، بينما ذهبت رندا لشراء بعض الأشياء. وبعد دقائق خرجت سارة وهي ترتدي الفستان، وكان يناسبها وكأنه صُمم لها. وقفت أمام المرآة تنظر لنفسها بسعادة. كانت جميلة بحق.
حازم من خلفها: إيه الحلاوة دي بس.
ارتعبت سارة عندما نظرت خلفها ووجدت حازم يقف خلفها، لتقول:
سارة: حازم، إنت بتعمل إيه هنا؟
حازم: إيه، مكنتيش عايزة تشوفيني ولا إيه؟
سارة: مش كدا، بس اتفاجئت. إنت إيه اللي جابك هنا؟ معاكِ واحدة وممكن تشوفك.
حازم: عايز أتكلم معاكي.
وهي تنظر حولها بقلقٍ قالت سارة: لا لا، مش هينفع.
بإصرارٍ قال حازم: هينفع يا سارة، أحسن ما تصرف تصرف ما يعجبكيش.
بقلقٍ قالت سارة: طيب طيب، بس روح دلوقتي، وبعدين نتكلم.
حازم: ماشى، بس بأسرع وقت، فاهمة؟
لمحت سارة رندا قادمة لتقول بتوتر: طيب، ماشي. بس امشِ دلوقتي.
حازم وهو يغادر: ماشي، سلام.
رندا: معلش اتأخرت عليكي. وريني كدا. أنا تحفة عليكي، ماشاء الله. روحي غيري بقا علشان نلحق نروح قبل ما قاسم يرجع.
وهي تخفي توترها قالت سارة: طيب، هروح أغير وجاية.
في المساء
كانت تقف أمام الشرفة وتنظر للقمر، وهي شاردة تفكر فيما سيحدث بعد مرور الشهر. هل ستعود مجدداً إلى ما كانت عليه؟ إلى ذلك المكان الذي تكرهه؟ إلى واقعها الأليم التي كانت ترفضه وتمقته؟ وتفكر في ذلك القاسم، صاحب القلب الكبير والنقي والضعيف أيضاً. نعم، فهو ضعيف لدرجة أنه لم يعد يتحمل.
Flash back
رندا قبل أن تغادر: إحنا هنمشي بقا يا سارة، عايزة حاجة؟
سارة: مش هتستنوا لما قاسم ييجي؟
رندا: قاسم اتصل بيوسف وقاله إنه هيتأخر، ويوسف لسه راجل من الشغل وعايز يروح يرتاح. المهم، أنا كنت عايزة أطلب منك طلب.
سارة: طبعاً، اتفضلي.
رندا: عايزكي تحاولي تضغطي شوية على قاسم. أنا حاسة إنه بيعزك جداً وبيسمعلك.
سارة بحيرة: أضغط عليه في إيه بالظبط؟ مش فاهمة؟
رندا بتنهيدة: في موضوع العملية. إحنا كلمنا الدكتور امبارح وقلنا إن الحالة بتاعته بتتأخر، وإن الدوا اللي بياخده دا كله مسكنات علشان ميحسش بالألم.
سارة بتشتت: ثانية واحدة، عملية إيه بالظبط؟ هو قاسم عنده إيه؟
رندا بتعجب: هو إنتِ متعرفيش إن قاسم محتاج يعمل عملية في قلبه، وإنه من غيرها ممكن لاقدر الله يموت؟
صدمة ألجمتها. لم تقوى على الحديث. لم تقوى على الوقوف. فجلست على الكرسي قدامها. وهنت ولم تقوى على حملها. عملية... يموت... كيف؟ فما زال شاباً... كيف يموت ويتركها؟ مهلاً، لمَ شعرت بهذا الشعور؟ لمَ شعرت بأن قلبها قد شُطِر نصفين؟ لمَ هذا الشعور الغريب؟
رندا: سارة... سارة... إنتِ كويسة؟
سارة وقد انتبهت: هه.. أنا كويسة. آه.. كويسة.
رندا: أنا هسيبك دلوقتي علشان اتأخرت. متنسيش اللي قلتهولك، ها. يللا سلام.
سارة بشرود: سلام.
back
قاسم من خلفها: شبهك على فكرة.
التفت سارة خلفها لتجده يقف ويبتسم، لتقول: هو إيه؟
قاسم وهو يقف بجوارها: القمر.
ابتسمت سارة ونظرت إلى القمر وقالت: بس القمر مخادع. من بعيد جميل وجذاب، بس لما تقرب منه بتلاقيه كله صخور وجبال.
قاسم: وليه بتقولي مخادع؟ ليه متقوليش إنه بيظهر أجمل ما فيه علشان كل اللي بيشوفوه يبقى سعيد؟
سارة بتنهيدة: يمكن. من يعلم.
قاسم: عايزة تقولي إيه؟ فيه كلام جواكي.
نظرت له سارة وقالت: إنت ليه مش عايز تعمل العملية؟
نظر لها قاسم بتفاجئ. لم يُرد أن تعلم بالأمر. ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.
رواية دواء القلب الفصل السابع 7 - بقلم مصطفى محمود
سارة بألم: أنا مليش حد... لا أهل ولا أصدقاء، لكن انت عندك... عندك أخوك ومرات أخوك، وأكيد عندك أصدقاء وكلهم بيحبوك.
قاسم بتنهيدة مؤلمة: أنا عارف إنهم بيحبونى.
سارة بلوم: ولما انت عارف عايز تكسر قلبهم ليه؟ عايزهم يفضلوا خايفين وقلقانين عليك ليه؟ دول... دول معتبرينك كبيرهم، انت اللي مقويهم في الدنيا، عايز تكسرهم ليه؟
قاسم بشرود: صدقيني يا سارة أنا أكتر شخص عارف الكلام ده وعارف إنهم بيحبوني وقلقانين عليا، بس أنا مينفعش أعمل العملية دي.
سارة بإنفعال وهي تمسك يده: قاسم أنا مبحبش الأسلوب ده، انت هتقولي مش عايز تعمل العملية ليه وإلا...
رمقه قاسم بحدة وقال: وإلا إيه يا سارة؟
سارة: وإلا همشي من هنا ومش هيفرق معايا الاتفاق ولا هيفرق معايا أتسجن.
قاسم بغضب وهو يمسك كتفيها: انتِ بتقولي إيه؟ انتِ مينفعش تمشي من هنا، انتِ فاهمة؟
قال هذه الكلمات ويداه ترتجفان كطفل يرتعب خشية أن تتركه والدته. شعر بأنه في حاجة للجلوس فجلس على كرسي بجواره ووضع يداه على رأسه. رأت سارة هذا المشهد فلم تعلم ماذا يجب أن تفعل، أتقترب منه أم تبتعد وتتركه بمفرده لتأتيها الإجابة منه.
قاسم بألم: سارة أنا... أنا تعبان... تعبان جداً ومحدش حاسس بيا. أنا يمكن أكون مبظهرش دا بس أنا فعلاً تعبان.
تألمت سارة لنبرته المؤلمة تلك، فاقتربت منه وقالت: أنا عارفة إنك تعبان وصدقني لو عملت العملية كل حاجة هتبقى كويسة وتعبك هيخف.
قاسم وهو يحرك رأسه بيأس: أنا تعبي عمره ما هيروح يا سارة، عمره ما هيروح.
سارة بتوجس: ليه بتقول كدا؟
حسم قاسم أمره وقرر أن يخبرها، فهو يحتاج إلى من يعينه على أيامه القادمة.
تنهد قاسم وقال بنبرة مهتزة: أنا هقولك على حاجة بس عايز وعد منك إنك متقوليش الكلام ده لأي حد أياً كان.
سارة بقلق وريبة: حاجة إيه يا قاسم؟
قاسم: اوعديني الأول يا سارة.
سارة بصدق: أوعدك، قول بقا.
نظر قاسم لعيناها ولمح فيهما نظرات القلق والخوف، نعم قلقة وخائفة عليه، ولكن لماذا؟ فهي سجينة هنا، لم قد تقلق على سجينها، ولمَ تخاف عليه؟
سارة: قول في إيه؟
أخذ قاسم نفسًا عميقًا وقال.
***
في منزل يوسف.
كان يوسف ورندا يجلسان ويشاهدان التلفاز بإندماج وصمت. وبعد لحظات تحدثت رندا لتكسر هذا الصمت قائلة:
رندا: في حاجة ما بينهم على فكرة.
يوسف وهو يشاهد التلفاز: معتقدش.
رندا: ليه بتقول كدا؟
يوسف: دي لسه الحلقة الأولى وهما مش طايقين بعض، يبقى إزاي في حاجة ما بينهم.
رندا وهي تنظر إليه رافعة حاجبها: أنا مبكلمكش عن المسلسل.
يوسف: أمال عن مين؟
رندا: عن قاسم وسارة، أكيد في حاجة بينهم.
نظر لها يوسف وقال: حاجة زي إيه يعني؟ حب مثلاً؟
رندا وهي ترفع حاجبيها: يمكن.
يوسف: لا لا معتقدش، وبعدين هو قاسم هيسيب بنات الدنيا كلها ويبص للممرضة بتاعته.
رندا بلؤم: يعني انت عايز تقنعني إنك مصدق قصة إنها ممرضة دي؟
يوسف: أنا الحقيقة شاكك بس مش متأكد.
رندا: لأ اتأكد يا أخويا اتأكد، عارف ليه؟
نظر لها يوسف باهتمام لتتابع قائلة: علشان مفيش ممرضة مبتبقاش عارفة مريضها بيشتكي من إيه.
يوسف: تقصدي إيه؟ تقصدي إن سارة متعرفش إن قاسم مريض وإنه لازم يعمل عملية في القلب؟
حركت رندا رأسها أي بنعم.
يوسف: اممم، طيب ما هي حتى لو بتحبه ممكن تبعد عنه لو عرفت إنه تعبان جداً كدا، أو ممكن تطمع فيه.
رندا وهي تفكر: معتقدش إن سارة ممكن تعمل كدا، الخوف والقلق اللي كان في عينيها لما كان مغمى عليه وصدمتها لما عرفت إنه مريض بيقولوا إنها متعملش كدا.
يوسف: وهي مش رغدة برضو كان مستحيل تعمل كدا، وأديكي شوفتي هي عملت إيه، اتخلت عنه في أكتر وقت هو محتاجها فيه ومشيت ورا النجومية والشهرة.
رندا: معرفش، بس أنا حاسة إنها طيبة كدا ومش زي رغدة.
يوسف بشرود: انتِ اللي طيبة زيادة عن اللزوم، بس عموماً أنا هعرف إذا كانت فعلاً بتحبه ولا في دماغها حاجة تانية.
رندا: وهتعرف إزاي؟
يوسف: الأيام... الأيام بتبين وبتكشف كل حاجة، خلينا صابرين لحد ما نفهم.
***
في منزل قاسم.
متكورة في فراشها وخط دموعها الهابط على وجنتيها لا ينقطع، حديثهم معاً كان قاسياً على كلاهما، كيف يُعقل أن يتركها هكذا؟ مهلاً، فهي لم تعرفه سوى منذ بضعة أيام، كيف تعلقت به إلى هذه الدرجة؟ تباً للوقت، فهي كانت تحيا مع أسرة لم تعتقد يوماً أنها أسرتها، لم تشعر بقلبهم عليها أو حبهم لها، ولكن هو مختلف، هو ليس قاسياً معها، هو أضاف معنى لحياتها، وها هو سيتركها.
فلاش باك.
قاسم: سارة أنا مش هخف، مش هرجع زي الأول.
سارة: انت لو عملت العملية هت...
قاطعها قاسم قائلاً بألم: أنا لو عملت العملية دي هفضل عايش طول عمري على السرير. آه هفضل عايش، بس بالأجهزة، بتنفس بس، لا بتحرك ولا بتكلم ولا بعمل أي حاجة، يعني ميت بردو؟ قولولي بقا الأفضل أموت بعد ما أعمل اللي أنا عايزه وأعيش الأيام اللي باقيلى سعيد ووسط ناس بحبها لحد ما أموت، ولا أفضل قاعد على جهاز مبتحركش عمري بيعدي وأنا ولا حاسس بوقت ولا بأيام ومحسوب عليا عمر وخلاص.
لم تعلم سارة بماذا تجيب، فكلاهما يقتلانها، قبله في كلا الحالتين ستفقده، لم تستطع الحديث، فتولت دموعها المهمة، فهي أفضل من يعبر عما يمر به الإنسان. رآها قاسم، فلعن نفسه لأنها أخبرها، أخذ يفكر كيف يوقف سيلان دموعها، فكان العناق أفضل وسيلة، ولم يكذب، احتضنها بقوة، أخفاها بين ذراعيه، أراد أن ينتقل ألمها له، دموعها جعلت قلبه يتمزق ويضعف. مر وقت ليس بالقليل لتخرج سارة من بين ذراعيه وتنظر له بحرج وخجل وألم وقالت:
سارة وهي تستجمع كلماتها: أنا مش... مش عارفة أقولك إيه.
قاسم بابتسامة وهو يمسح دموعها: متقوليش حاجة يا سارة، كل اللي هطلبه منك إن محدش يعرف باللي قولتهولك، هما آه يعرفوا إني لازم أعمل العملية، بس ميعرفوش إني لو عملتها هفضل على الأجهزة الوقت الباقي من عمري.
سارة وهو تمسح دموعها: على فكرة بقا هما لازم يعرفوا.
قاسم: سارة انتِ وعدتيني، وبعدين هما فاكرين إني رافض أعمل العملية علشان خايف منها، وميعرفوش أي حاجة تانى، خليهم فاكرين كدا، يعني علشان ميشيلوش نفس العبء والهم اللي أنا شايله.
سارة: إحنا بنحتاج حد يشيل معانا همومنا، حد يسمعنا ويشاركنا مشاكلنا.
نهض قاسم وأدار لها ظهره وقال: محدش مضطر يشيل هم حد، كل قلب مليان هموم ومشاكل مكفياه، معتقدش إن في حد ممكن يملأ قلبه بهموم ومعاناة ناس تانية.
ثم نظر إليها وقال: وانتِ كمان مش مضطرة لكده.
وأخرج مفتاح من جيبه وألقاه بجوارها وقال: تقدري تمشي من بكرة الصبح علشان الوقت اتأخر، وأنا بعتذرلك لو كنت سببتلك أي مشاكل، وصدقيني الكام يوم اللي قعدتيهم معايا دول هما أجمل أيام هختم بيهم حياتي.
ألقى هذه الكلمات وغادر الغرفة، تركها خلفه لا تستوعب ما يحدث، أيامه الأخيرة، يريدهها أن تغادر، مهلاً، أهي حقاً تريد أن تغادر؟
باك.
نظرت للمفتاح الذي بيدها وضغطت عليه بقوة حتى كاد يمزق يدها. أخذت تفكر ملياً حتى حسمت قرارها، لتتنهد بعد لحظات بثقل، أخرج ما بها من ألم وغطت في ثبات عميق، عسى أن تمر تلك الليلة العصيبة.
***
في صباح اليوم التالي.
استيقظ كاظم في الصباح، وجهه مكفهر، كانت ليلة عصيبة على الجميع. جلس على سريره يخشى أن ينهض فلا يجدها، يا الله ما الذي يحدث؟ لم يتعلق بأحد هكذا من قبل. تنهد بعمق ونهض من سريره، أزاح الستائر ليرا الضوء، فيمكن أن يكون آخر شعاع شمس يراه. فتح النافذة وهو ينظر للحديقة ووجهه عابس، ولكن سرعان ما أصبح وجهه مشرقاً وارتسمت ابتسامة على وجهه وعاد قلبه لينبض بقوة حتى كاد يخرج من مكانه. نعم، لازالت هنا، لم تغادر، لم يصدق ما يحدث، لازالت هنا. ابتسم بسعادة بالغة وهبط مسرعاً إلى الحديقة. وقف ينظر إليها يتأملها، كانت جميلة، كانت تقطف بعض الأزهار البيضاء التي تشبهها، يا إلهي أين كانت كل تلك الفترة. جمعت سارة الأزهار ونظرت خلفها لتجده يقف يناظرها في صمت وكأنه يرى شيئاً لا مثيل له. جاهدت أن تخفي ابتسامتها واقتربت منه لينظر لها قاسم ليحسها على الحديث. لـتمد سارة يدها وكان بها المفتاح لينظر لها قاسم بتعجب ويقول:
قاسم: يعني إيه؟
ناولته سارة الورود وقالت وهي تغادر: الفطار جاهز، تعالى علشان نفطر.
وغادرت في لمح البصر، ليستنشق قاسم رائحة الورود التي بيده ويتنهد براحة وترتسم على وجهه ابتسامة لم تزر وجهه منذ سنوات.
رواية دواء القلب الفصل الثامن 8 - بقلم مصطفى محمود
قاسم وهو يتناول الإفطار: تسلم إيدك.
سارة: بالهنا والشفا.
قاسم بتردد: طيب... أنا بحاول أسيطر على نفسي ومأسألش بس مش قادر.
تركت سارة الطعام ونظرت إليه وقالت: عايز تعرف أنا ممشيتش وقررت أقعد هنا معاك.
حرك قاسم رأسه بنعم.
سارة بتنهيدة: طيب أنا هريحك من تفكيرك... أنا مش عارفة... مش عارفة أنا ممشيتش ليه. يمكن علشان حسيت إنك محتاجالي. يمكن علشان أنا محتاجة إني أكون هنا. ويمكن علشان إحنا الاتنين محتاجين لبعض... مش عارفة.
قاسم مندفعاً: أنا فعلاً محتاجلك.
نظرت له سارة متفاجئة من ردة فعله تلك ليتوتر ويلعن تسرعه ليُكمل مبرراً:
قاسم: يعني أقصد علشان تاخدي بالك من علاجي وكده.
حركت سارة رأسها بنعم ليتابع قائلاً:
قاسم: بس انتِ... انتِ محتاجة لإيه؟ دا انتِ تقريباً مقيدة هنا ومش قادرة تكوني بحريتك. إيه اللي يخليكي محتاجة لكده أو تقبلي بكده؟
تركت سارة الطعام وتحدثت متألمة:
سارة: أحكيلك قصة قصيرة... في يوم من الأيام زمان كان في طفلة صغيرة جميلة. بيقولوا إنها بنت ناس بس ناس قلوبهم حجر مفيهاش رحمة. رمموها واتخلوا عنها علشان خلافات ما بينهم ومحدش فيهم عايز يتحمل مسؤوليتها. تمر الأيام وتقع الطفلة دي اللي عندها خمس سنين في إيد أسرة تانية. وبدل ما يربوها كويس ويهتموا بيها طلعوا ألعن من أهلها. بهدلوها وعاملوها أسوأ معاملة.
تنهدت لتخرج ما بها من ألم ثم تابعت:
سارة: مرت الأيام والبنت كبرت وبقى عندها 20 سنة. وجيه الوقت علشان تشوف شغلها وتنزل تشتغل علشان تصرف عليهم. نزلت اشتغلت في مطاعم وكافيهات بس الشغل ده مبيجيبش الفلوس اللي بيحلموا بيها. لحد ما عدى وقت وعرفت إن جي دورها علشان تنزل تسرق زيهم. أصلهم طلعوا حرامية. كانت رافضة في الأول بس مع الضغط الشديد عليها اضطرت تنزل وتجرب. بس ربنا مش عايزها تمشي في الطريق ده. وقعها ووقعها في طريقك. تفتكر البنت دي ممكن تبعد عن الشخص اللي ربنا وقعها في طريقه علشان متسرقش ومتمشيش غلط وترجع للناس اللي مكنش يهمهم اللي ممكن يحصلها وأيه اللي ممكن تتعرضله. المهم تجيب لهم فلوس.
"يا إلهي أتخفى كل هذا الألم، أمرت بكل هذا، كل هذا الألم كل هذه المشقة تختفي وراء هذا الوجه الملائكي، عشرين عاماً وتُرى كل هذا، لم يعلم ماذا يجب أن يقول، فـنهض من مكانه واقترب منها وطبع قبلة حانية عطوفة على وجنته، شعر بدموعها وصوت شهقاتها الذي بدأ بالارتفاع، احتضنها بقوة بألم بعطف بمشاعر مختلطة، تململت بين ذراعيه ليفلتها ويرفع رأسها بيداه ويمسح دموعها ببطء ويقول..."
قاسم بتأسف: أنا آسف مكنتش أقصد أفكرك بذكريات مؤلمة زي دي.
سارة: كان ممكن تعتذر لو كنت فكرتني بيها لكن أنا منسهاش دي عايشة جوايا.
قاسم وهو يمسك يدها: اطرديها يا سارة. اطرديها من جواكي علشان تقدري تعيشي براحة وسكينة علشان تقدري تكملي.
سارة بيأس: مش هقدر.
قاسم بابتسامة خفيفة: اللي يخيلني أنا قادر أتجاهل حقيقة إن أيامي معدودة وإني ممكن أموت في أي لحظة وأنسى كدا أحياناً يخليكي إنتِ كمان تقدري تتجاهلي الماضي المؤلم اللي مريتي بيه وتركزي في مستقبلك وتبصي لبكرا.
سارة وهي تحرك رأسها: صعب.
قاسم بلهفة: أنا معاكي ومش هسيبك لحد ما أموت.
"ابتسمت سارة لسماع ذلك فهي لأول مرة تشعر بأنها ليست بمفردها، ولكن تبدلت ملامحها للحزن عندما تابع قاسم قائلاً..."
قاسم: قصدي يعني الكام يوم دول لحد ما أموت.
سارة بدموع وألم: متقولش كدا تاني.
قاسم وهو يرفع حاجبه: وانتِ متعيطيش تاني.
"في هذه الأثناء اهتز هاتف قاسم معلناً عن اتصال من رندا ليجيب قاسم قائلاً..."
قاسم: دايماً مش في وقتك.
رندا: طيب أقفل وأجيلك دلوقتي.
قاسم: لا لا يا بابا دا وقتك جداً كفاية التليفون، خير في حاجة؟
رندا: اتصلت أطمئن عليك وأفكرك.
قاسم: تفكريني بإيه؟
رندا: والله كنت عارفة إنك هتنسى علشان كدا اتصلت بيك مهو أنا لو متصلتش مكنتش...
قاسم بإنزعاج: اخلصي يا رندا في إيه؟
رندا: النهاردة عيد ميلادي يا أستاذ.
قاسم: طيب كويس عايزة إيه بقى؟
رندا: هو إيه اللي عايزة إيه؟ بقولك النهاردة عيد ميلادي يعني المفروض انتوا تعملولي مفاجأة وحاجات من دي مش أنا أتصل أفكركم أقول فيكو إيه؟ انت وأخوك المهم أنا عازماك على عيد ميلادي في البيت النهاردة ابقى تعالى.
قاسم: طيب حاضر هاجي.
رندا: آه وهات سارة معاك.
نظر لها قاسم بابتسامة وقال: طيب ماشي باي.
رندا: و...
قاسم: سلام بقى.
"وأغلق الهاتف في وجهها لتتحدث سارة متسائلة..."
سارة: خير في حاجة؟
قاسم: قومي غيري.
سارة: ليه؟
قاسم: هنروح مشوار كدا.
سارة متسائلة: مشوار إيه؟
قاسم: سارة قومي غيري هدومك وأنا مستنيكي.
سارة بقلة حيلة: طيب هروح أغير وجاية.
قاسم: بسرعة.
"ذهبت سارة لتُبدل ملابسها ليرن هاتف قاسم برقم رغدة ليتأفف قاسم بضجر ويغلق الهاتف..."
"في منزل رغدة"
رغدة بغضب: ماشي يا قاسم دلوقتي مبتردش عليا وكمان بتقفل تليفونك.
والدتها: مهو انتِ لو مكنتيش سبته زمان وسافرتي مكانش زمانه مطنشك دلوقتي.
رغدة: وهو أنا لو كنت أعرف إنه تعبان وقدامه فترة قليلة ويموت كنت هسيبه وأسافر.
والدتها: وأديكي سافرتي وجت واحدة مكانك هتقش كل حاجة.
رغدة: مين دي اللي مكاني؟ مين دي اللي قاسم يبصلها؟ دي بنت من الشارع متسواش. مستحيل قاسم يعبرها.
والدتها: وإفرض عبرها هتسبيهم كدا؟
رغدة: على جثتي. كل اللي قاسم فيه ده من حقي أنا. أنا اللي مفروض أبقى معاه. أنا اللي مفروض تبقى كل حاجة من حقي. لما يموت ومش هسمح لحد يخسرني كل حاجة. أنا سبت حلمي ورجعت من السفر علشان أطلع بلوشي في الآخر مش هسمح بكدا.
والدتها: طيب المهم هتعملي إيه دلوقتي؟
رغدة: هروحله الشركة يمكن أقابله هناك. عن إذنك.
"في إحدى متاجر الفساتين"
سارة بضجر: إحنا من الصبح بنلف هنوصل إمتى مشوارك ده؟
قاسم: وطّي صوتك. وبعدين وبعدين إحنا وصلنا خلاص. تعالي.
"دلفوا إلى المتجر الذي يبدو أن كل ما به فساتين باهظة الثمن"
سارة بإبهار: إيه الجمال ده؟
صاحبة المتجر: منورنا يا مستر قاسم.
قاسم وهو يصافحها: ده نورك يا لارا. سارة أحب أقدم لك أفضل مصممة أزياء في مصر.
لارا: دي بس من ذوقك يا مستر قاسم.
قاسم: متقوليش كدا. انتِ فعلاً شاطرة. لارا دي سارة.
نظرت له لارا منتظرة أن يكمل ليُكمل قائلاً:
قاسم: خطيبتي.
ركلته سارة في قدمه ليتألم بشدة ويقول:
قاسم: تقريباً تقدري تقولي كدا.
لارا بابتسامة وهي تمد يدها: اتشرفت بمعرفتك يا آنسة سارة.
سارة بذوق: الشرف ليا.
قاسم: طيب يا لارا أنا هروح مشوار كدا وانتِ زي ما اتفقنا شوفي شغلك.
سارة وهي تقترب منه وتقول بخفوت: قاسم هو في إيه؟
قاسم: مفيش حاجة. هي بس هتختارلك فستان علشان تحضري بيه عيد ميلاد رندا مرات أخويا.
سارة رافضة: أنا مش عايزة حاجة. أنا معايا هدوم.
قاسم: عن إذنك ثانية واحدة يا لارا.
لارا قبل أن تغادر: المكان مكانكم. وقت ما تكونوا جاهزين نادوني.
"جذبها قاسم من يدها ووقفوا في زاوية"
قاسم: في إيه؟
سارة: انت اللي في إيه؟ أنا بقولك مش عايزة حاجة.
قاسم: هو إيه ده اللي مش عايزة حاجة؟
سارة: يعني مش عايزة حاجة. بسيطة واضحة أهي.
قاسم: أيوه يعني ليه؟
سارة: لأني متعودتش آخد حاجة من غير مقابل.
قاسم بإنفعال: وهي الهدايا محتاجة مقابل؟
لم تعلم سارة بماذا تجيب ليكمل قائلاً:
قاسم: سارة أنا عارف إن الوضع غريب عليكي وإنك بتتعاملي مع بيئة وناس مختلفة عن الناس اللي اتربيتي معاها. بس انتِ لازم تتعودي على كدا وتتعاملي مع الأمور عادي وبطبيعية. فاهمة؟
حركت بنعم سارة رأسها ليبتسم ويكمل:
قاسم: طيب يللا روحي مع لارا وهي هتعرف إيه اللي يناسبك.
سارة: بس ده عيد ميلاد يعني كان ممكن ألبس أي حاجة.
ابتسم قاسم بخبث وقال:
قاسم: ده لو كان مجرد عيد ميلاد.
سارة بعدم فهم: أمال هو إيه؟
قاسم وهو يبتسم ويبتعد: لارا تعالي. صحيح أنا سبتلك العربية والسواق. خلصي وهيروحك الفيلا وأنا هخلص كام مشوار كدا وهرجع. سلام.
سارة بابتسامة خفيفة: سلام.
لارا: يلا نبدأ.
سارة: ماشي يلا.
"في الشركة"
يوسف: أنا مش قادر أفهم إنتِ عايزة إيه لحد دلوقتي.
رغدة: عايزة أعرف البنت اللي عند قاسم دي إيه علاقتها بيه.
يوسف: مقولالك الممرضة بتاعته وبتاخد بالها منه.
رغدة: انت فاكرني هصدق الكلام ده؟
يوسف: والله أنا مش مضطر أخبي عليكي حاجة ومعنديش وقت أضيعه معاكي.
رغدة: أمال تفسر إيه إني بكلمه مبيردش وكمان بيقفل تليفونه؟
يوسف: معرفش. وبعدين تعالى هنا انتوا مش خلاص حواركم مع بعض انتهى وقولتي هتبقوا مجرد أصدقاء؟ إيه بقى؟
رغدة: اكتشفت إني بحبه ومقدرش أعيش من غيره.
يوسف: لا والنبي فجأة كدا اكتشفتي إنك متقدريش تعيشي من غيره. طب قولي الكلام ده لحد ميعرفكيش.
رغدة: انت تقصد إيه؟
يوسف: مقصدش حاجة. وبعدين لو خلصتي اتفضلي علشان عيد ميلاد رندا النهاردة ولازم أمشي علشان اتأخرت.
رغدة: امممم طيب كل سنة وهي طيبة. سلام.
"وغادرت"
يوسف: يخرب بيت لساني. مكنش لازم أقولها. ربنا يستر.
"في متجر الفساتين"
سارة: ميرسي جداً تعبتك معايا.
لارا: لا على إيه دا واجبي. وبعدين أنا فرحت جداً لما عرفت إن قاسم بيه خطبك.
سارة في نفسها: الله يخرب بيتك يا قاسم.
لارا: يا خالد.
خالد: أفندم.
لارا: وصل حاجة الهانم للعربية.
سارة: لا مفيش داعي.
لارا: لا ولو ميصحش. نورتينا وأتمنى متكونش دي آخر زيارة.
سارة: تسلمي يارب.
"خرجت من المتجر وصعدت السيارة وانطلقت بها إلى المنزل...."
"في المساء"
عاد قاسم إلى المنزل وهو يرتدي بدلة سوداء رفيعة الذوق وأخذ ينظر حوله يبحث عن سارة لم يجدها في البداية ولكنه التفت للصوت القادم من خلفه ليلتفت ويجدها ترتدي فستان أزرق جميل وراقي يليق ببشرتها البيضاء ووجهها الملائكي. كانت تتقدم بخجل شديد فهي لم ترتدي مثل هذه الملابس من قبل. ابتلع قاسم ريقه وهو يراها هكذا. يا إلهي كم هي جميلة.
"لاحظت سارة شروده فقالت قلقة..."
سارة: قاسم... قاسم...
"انتشلته من شروده فقال..."
قاسم: امممم.
سارة: انت كويس؟
قاسم: كنت... كنت كويس.
سارة قلقة: ودلوقتي انت تعبان.
قاسم وهو يتنهد: دلوقتي لازم نمشي من هنا بسرعة قبل ما تحصل حاجة أنا مش مسؤول عنها.
سارة: حاجة إيه؟
قاسم: يللا يا سارة علشان اتأخرنا.
سارة: اتأخرنا على إيه بس دا عيد ميلاد يعني نكون هناك على الساعة 10 أقل حاجة.
قاسم بخبث: لا مهو إحنا مش هنروح عند رندا ويوسف الأول.
سارة بتساؤل: أمال هنروح فين؟
رواية دواء القلب الفصل التاسع 9 - بقلم مصطفى محمود
هما اتأخرو كدا ليه؟
هو إيه اللي اتأخروا، لسه الوقت بدري جداً.
يا ابني المفروض دول يكونوا هنا أول ناس، ماشي بس لما ييجوا...
رندا، النهاردة عيد ميلادك يعني مش عايزين مشاكل، فاهمة؟
أنا أصلاً مبعملش مشاكل، قول لنفسك ده عيد ميلادي يعني تمسك لسانك ومتعملش حاجة تعصبني.
حاضر، مش هعمل حاجة تعصبك. هو بس فيه حاجة كدا يمكن... يمكن تعصبك.
قولي إشجيني، قسم وسمعني.
يعني هي حاجة بسيطة، أنا تقريباً قلت لـ رغدة إن النهاردة عيد ميلادك من غير ما أقصد. لأ، كنت أقصد الصراحة.
أنا مش هتعصب... أنا مش هتعصب... أنا مش هتعصب.
متعصبتيش صح؟
اتعصبتي! طيب أستأذن أنا.
يوسففف!
اممم... احم، نعم.
هو أنا مش قولت مش عايزة أشوف رغدة دي في عيد ميلادي، ولا عايزة أشوفها أصلاً؟
يا حبيبتي متقلقيش، هي احتمال كبير متجيش، وخصوصاً إنها عارفة إنك مش بتطيقيها.
ولو جات...
خلاص بقى، أنا هبقى أتصرف. وبعدين النهاردة عيد ميلادك يعني متعصبيش نفسك يا حياتي.
هحاول... هحاول متعصبش.
اقترب يوسف من زوجته واحتضنها بحب وهو يقول:
28 سنة، تخيلي إن كل عيد ميلاد ليكي في يوم زي دا بشوفك كأني بشوفك أول مرة بشوفك فيها. حقيقي بفتكر لما شوفتك أول مرة، فاكرة اليوم دا؟
طبعاً فاكرة، وهو دا يوم يتنسي؟ وقتها جيت عاكستني وضربتك بالقلم.
يوسف:
خلينا نتجاوز الحتة دي عشان مبحبهاش.
رندا:
طيب خلاص.
ليتابع يوسف قائلاً بهيام:
وقتها معرفش إيه اللي حصلي، وقتها حاجة غريبة، واحد يتضرب بالقلم ويكون مبسوط. يمكن عشان لقيتك غيرهم وأعجبت بيكي أكتر. وبعدها على طول لقيت نفسي عايز أشوفك دايماً، حتى لو مش هنتكلم، أشوفك وخلاص.
وعشان عارف إني مش هسمحلك بكدا جيت واتقدملتلي.
صحيح.
وقتها إنت كبرت في نظري أوي أوي.
كنت خايف ترفضيني وقتها، بس الحمد لله قبلتي. معرفش ليه.
معرفش، بس يمكن عشان قدري أعيش وأكمل حياتي مع زوج حنين وطيب وبيحبني زيك.
أنا فرصة صعب تتفوت، مش كدا؟
آه طبعاً، إنت هتقولي.
وأثناء حديثهم، طرق أحدهم الباب، يبدو أن أحد الضيوف قد حضر.
***
في سيارة قاسم.
كانت السيارة تسير ببطء غير معهود. الصمت يعم المكان. وقاسم، آه، ماذا به؟ لم ينظر لها منذ أن تحركوا. ينظر من النافذة منذ صعدوا ولا يتحدث. شارد الذهن، يبدو أن هناك أمر يشغل عقله وتفكيره. يبدو أنه يقوم بحساب بعض المعادلات، ليست معادلات حسابية، بل معادلات في حياته. كانت تتطلع له منذ البداية، كانت تريد أن تتحدث معه وتسأله عن سبب شروده، ولكن قاطعها وقوف السيارة المفاجئ. ليلتفت لها قاسم أخيراً ويقول:
إنزلي يا سارة.
هبطت سارة من السيارة لتجد نفسها أمام إحدى المطاعم الفاخرة التي لم تحلم بأن تقف على بابها، فهنا حيث تجلس الطبقة الراقية وأصحاب النفوذ.
قاسم وهو يمد يده إليها:
تعالي.
أمسكت سارة يده بحرج ودخلا المطعم، لتتفاجأ بأنه لا يوجد به أحد غير العاملين. اصطحبهما أحدهم إلى الطاولة الوحيدة الموجودة بالمكان. أزاح قاسم الكرسي لها لتجلس هي، ويجلس هو قبالتها. وبعد لحظات، أتى النادل ووضع أمامهما الطعام والمشروب وغادر في صمت. أخذت سارة تنظر للمكان حولها وللسيدة التي تجلس على جهاز البيانو وتعزف معزوفاتها الراقية وهي بكامل أناقتها. ونظرت إلى قاسم فوجدته ينظر لها بهيام، لتقول:
قاسم...
امممم...
مالك سرح وساكت وغريب النهارده؟
تنهد قاسم وباغتها وهو يقول:
سارة، تتجوزيني؟
أتجوزك إزاي يعني؟
زي ما الناس بتتزوج. بصي، أنا فاهم إنك مستغربة، بس صدقيني هو دا الحل الوحيد.
الحل الوحيد لإيه؟
الحل الوحيد إننا نكون سوا، يعني علشان تفضلي معايا في البيت. بصي، أنا هفهمك، إحنا نتزوج بس على الورق، مش هيحصل بينا أي حاجة، متقلقيش. إحنا هنعمل كدا بس عشان نقدر نعيش سوا، لأن وجودك كدا في بيتي بدون زواج هيشوه صورتك قدام الناس، وأنا مستحيل اسمح بكدا. قولتي إيه؟
كانت سارة شارده. ماذا؟ تتزوجه؟ ولكن...
قاطع تفكيرها صوت قاسم وهو يقول:
فكري براحتك، أنا مش هضغط عليكي، بس خلصي أكلك الأول عشان نمشي ومنتأخرش.
أنا مليش نفس أكل. لو حابب ممكن نمشي دلوقتي.
حرك قاسم رأسه بتفهم:
طيب، يلا بينا.
خرج قاسم وسارة من المطعم وصعدا السيارة وتحركا متجهين إلى منزل يوسف. ولكن هذه المرة عُكست الأمور. فقاسم كان يشعر براحة بداخله ولم يكن شارد الذهن مثل قبل، بعكس سارة التي لم تعرف ما حل بها بعدما سمعت هذه الكلمة (تتزوجينى). أهو يريد أن يتزوجها؟ عقلها لا يستوعب أنه يريد الزواج بها فقط لأنه يهتم لحديث أحد؟ فهو ليس من هذا النوع الذي يهتم لحديث الآخرين. إذاً لماذا؟
في منزل يوسف.
كانت الحفلة مليئة بالأصدقاء، مليئة بالأغاني والموسيقى. وبعد دقائق، وصل قاسم وبصحته سارة. كانت لهما طلة بهية لفتت انتباه جميع الحضور. كانا رائعين بحق.
رندا بسعادة:
إيه الحلاوة دي بس، طفيتونا.
سارة بابتسامة:
كل سنة وأنتِ طيبة.
رندا وهي تحتضنها:
وأنتِ طيبة يا حبيبتي.
قاسم وهو يقدم لها هدية:
كل سنة وأنتِ طيبة يا غالية.
وانت طيب يا قاسم. طيب وليه تاعب نفسك كدا؟
مت’قوليش كدا، دي سارة أصرت نجيبلك الهدية دي، قالت أكيد هتعجبك.
ربنا يخليكوا ليا يا رب.
نظر قاسم لـ سارة التي كانت تنظر له بشكر، فهي بالفعل كانت تشعر بالحرج لأنها لم تحضر شيئاً، ولكن تلك النقطة لم تمر عليه.
مازن وهو يقترب منهم:
إيه يا مان، عاش من شافك.
أهلاً، إيه أخبارك؟ عامل إيه؟
تمام.
ثم نظر لـ سارة، فهو منذ أن رآها في الـ ڤيلا عند زيارته لقاسم لم تخرج من عقله ولم يكف عن التفكير بها.
إيه مش هتعرفنا؟
رغدة من خلفه:
دي سارة الممرضة بتاعته.
التفت قاسم لها بغضب، بينما شعرت سارة بالضيق والحرج. شعر قاسم بذلك فأمسك يد سارة وقال:
لو سمحتوا... لو سمحتوا انتبهولي دقيقة واحدة بس، عايز أقولكم على حاجة مهمة.
نظر الجميع إليه بمن فيهم سارة التي كانت تطالعه بفضول وتعجب وتشعر بالقلق والريبة.
ليتحدث قاسم وهو ينظر لـ سارة بابتسامة:
أنا خطبت الآنسة سارة النهاردة.
رغدة بصدمة:
إيييه.....
رواية دواء القلب الفصل العاشر 10 - بقلم مصطفى محمود
صمت يعم المكان، ذهول من البعض وغضب من البعض، ومباركة وتهاني من البعض.
أخذ الجميع يتهامسون، ولعل أكثر الأسئلة التي سُئلت هي: من تلك الفتاة التي جعلته يفكر في الارتباط بعد كل هذا الوقت؟ ومن أين هي؟ فهم لم يروها سوى اليوم.
وبينما كان البعض يتهامسون متسائلين عن هويتها، اقترب البعض من الأصدقاء ليقدموا المباركات والتهاني لقاسم، الذي يقابلهم بابتسامة وشكر.
وسارة غير مدركة لما يحدث، فمنذ أن سمعته يعلن خبر خطوبتهم المزعوم، وهي متوترة، غاضبة، مزهولة، تنتظر أن تنفرد به لتوبخه لجعله إياها تقف في هذا الموقف.
وبينما قاسم يتلقى التهانئ، جذبه يوسف من ذراعه بقوة إلى إحدى الغرف الفارغة وأغلق الباب.
قاسم بِحدة: إيه اللي انت عملته دا؟
يوسف: إيه اللي أنا عملته؟ قول إيه اللي انت عملته. انت بجد خطبت البنت دي؟
قاسم: يوسف، اتكلم عليها كويس. متنساش إنها خطيبتي.
يوسف بإنفعال: يعني الحكاية بجد؟
قاسم: أيوه بجد. وتعالى نخرج قبل ما حد ياخد باله.
أوقفه يوسف قائلاً بغضب: تاني يا قاسم، تاني! انت مبتحرمش؟ انت نسيت رغدة واللي عملته؟
قاسم: متشبهش سارة برغدة يا يوسف. انت عارف إنها مش زيها ومش شبهها.
يوسف: دي واحدة من الشارع ومنعرفش عنها حاجة. وأنا مش هسمح لواحدة زي دي إنها تكون واحدة مننا.
غضب قاسم بشدة من حديث يوسف عن سارة، حتى أنه كاد أن يفقد أعصابه ويمد يده عليه، ولكن قاطعه دخول رندا الغرفة.
رندا: إيه اللي انتو بتعملوه دا؟ سايبيني وسايبين الناس برا وجايين تتخانقوا.
قاسم: قول لي زوجك.
يوسف: ليه؟ هو زوجها اللي راح خطب واحدة من الشارع من غير ما يقولنا.
رندا وهي تضع يدها على فمها: بس اسكُت! إيه اللي انت بتقوله دا.
قاسم محذراً يوسف: يوسف، كلمة زيادة عن سارة مش هسمحلك. انت فاهم.
نظر إليه بِحدة وغضب، ومن ثم غادر الغرفة.
***
وفي الخارج، كانت نيران الغضب مشتعلة بداخل رغدة. كيف.. كيف استطاعت تلك "الحُثالة" أن توقع به في شباكها؟ تلك اللعينة! استخفت بها ولم تعطها حق قدرها، والآن... آه.
استطاعت سارة أن تكتم غضبها وحقدها، واقتربت من سارة لتبارك لها بعدما فعل الجميع.
رغدة بمضض: مبروك يا سارة.
سارة وهي تمد يدها بقلق، فهي تعلم بقصة رغدة مع قاسم، وتعلم أنها لابد غاضبة مما سمعت: الله يبارك فيكي.
رغدة: تصدقي، استهنت بيكي. كنت فاكرة إني غلبانة وهتاخدي بالك منه يومين وهتمشي. بس طلعت غلطانة.
سارة: أنا مش فاهمة انتِ بتتكلمي عن إيه بالظبط.
رغدة: بطلي بقا ترسمي دور البريئة عليا، لأن كل حاجة بانت على حقيقتها. على كل حال، ألف مبروك.
ثم اقتربت من أذنها وقالت: وخلي بالك من نفسك.
ثم نظرت لها بابتسامة خبيثة، ومن ثم غادرت المكان، وتركت سارة تشعر بالقلق والتوتر. فنظرات رغدة لا تبشر بخير.
وبينما هي جالسة تفكر، لمحت قاسم قادم تجاهها، ويبدو على وجهه علامات الضيق والغضب.
قاسم: تعالي يا سارة، هنمشي.
سارة بريبة: طيب، فيه حاجة؟
قاسم: سارة، تعالي نمشي لو سمحتي. يللا.
حركت سارة رأسها بتفهم وتحركت معه ليغادرا المنزل.
بعد لحظات، خرجت رندا وبصحبتها زوجها ليجدوا أن قاسم وسارة غادرا المكان، لتشعر رندا بالضيق وتقول:
رندا بهمس ولوم: عجبك أهو، زعل ومشي.
تنهد يوسف وهو يستغفر، فهو يعلم أنه أكثر في الحديث. فهو يعلم أن سارة لا تشبه رغدة، ولكنه قال هذه الكلمات بدافع الخوف والقلق على أخيه من تكرار تجربته المؤلمة مع رغدة.
***
في منزل قاسم، وصل قاسم وبصحته سارة إلى المنزل. وفور دخولهما، دخل قاسم مسرعاً إلى غرفة المكتب وجلس على مكتبه وهو يتكئ برأسه عليه.
شعرت سارة بتغير كبير بادٍ عليه، فدخلت الغرفة خلفه وجلست على الكرسي المقابل له وسألته:
سارة: قاسم، في حاجة؟
قاسم: مفيش.
سارة: مفيش إزاي؟ شكلك متضايق ومخنوق. قول لي مالك.
قاسم وهو يتنهد: حصل سوء تفاهم بيني وبين يوسف وزعلنا من بعض.
سارة: بسبب اللي قولته في عيد الميلاد، مش كدا؟
حرك قاسم رأسه وسألها: عرفتي منين؟
سارة وهي تبتسم بسخرية: كان باين عليه متضايق. كان باين عليهم كلهم الحقيقة، وخصوصاً رغدة.
قاسم بإعتذار: أنا بعتذر إني حطيتك في الموقف كدا.
سارة: متعتذرش. أنا عارفة انت عملت كدا ليه. وبصراحة، أخوك يوسف عنده حق.
قاسم: عنده حق في إيه؟ هو انتِ تعرفي هو قال إيه؟
سارة وهي تحرك رأسها: لأ، بس هو مهما قال، هو أخوك وأكيد قلقان عليك. ولو قال حاجة بخصوصي، وأنا متأكدة إنه قال حاجة، فـأنا مسامحاه ومقدرة الحالة اللي هو فيها.
قاسم وهو يبتسم بإمتنان: أنا مش عارف أقولك إيه.
سارة وهي تنهض: متقولش حاجة. أنا طالعة أنام، تصبح خير.
قبل أن ترحل، نهض قاسم وقال:
قاسم: سارة.
توقفت سارة ونظرت له: نعم.
قاسم: فكري في موضوع الزواج. أنا مش بضغط عليكي أبداً، بس فكري.
حركت سارة رأسها بابتسامة بسيطة وغادرت. ليجلس قاسم وهو يتنهد ويفرك رأسه وهو يفكر بما حل بينه وبين أخيه، وهل ستوافق سارة على عرض الزواج أم أن ما حدث اليوم سيؤثر على تفكيرها.
***
في صباح اليوم التالي، في محل عمل رغدة.
رغدة عبر الهاتف بإنفعال: انت يا غبي، لحد دلوقتي معملتش حاجة ليه؟
حازم: أنا كنت مستني الوقت المناسب.
رغدة: وقت مناسب إيه اللي مستنيه دا؟ قاسم خطبها امبارح يا غبي، وانت قاعد مستني الوقت المناسب.
حازم: إيه؟ خطبها؟ خطبها إزاي يعني وهى وافقت؟
رغدة: وافقت طبعاً، انت فاكرها غبية زيك؟ قاعدت تقولي مستني الوقت المناسب لحد ما خطبها.
حازم: أكيد غصب عنها.
رغدة: لسه بيقولي غصب عنها.
حازم: أنا قصدي...
قاطعته رغدة بنبرة غاضبة: اسمع يلا، انت تتصرف، تعمل أي حاجة. المهم البنت دي تبعد عنه. ودا أحسن لك وأحسن لها.
حازم: طيب، ماشي. أنا هتصرف.
أغلقت رغدة الهاتف غاضبة، وهي تلعن بداخلها ذلك الأحمق الذي أضاع من بين يديها فرصة كانت كفيلة بأن تجعل سارة تختفي من حياة قاسم إلى الأبد.
***
في منزل قاسم، استيقظت سارة من نومها. هذا إن كان النوم قد زارها. فعقلها لم يكف عن التفكير في ليلة أمس، وفي عرض الزواج، وفيما ستفعل.
تنهدت بتعب من التفكير وهبطت للأسفل، فلم تجد قاسم. بحثت عنه في غرفة المكتب فلم تجده أيضاً، فاعتقدت أنه خرج للعمل.
وبينما هي تتفقد الغرف الموجودة في المنزل، وجدت غرفة مليئة بالأدوات الرياضية. بلا شك هو يتمرن هنا، فهذا يبدو على جسده الرياضي. فقررت أن تتسلل وتجرب أحد هذه الأجهزة.
وعندما صعدت على الجهاز وبدأت في تجربته، تعسرت وكادت أن تقع. فأغمضت عيناها لتجد أن ذراعان التفا حولها بقوة وجذباها إلى صدره العاري. يا إلهي، كان كالبركان المشتعل. أنفاسه اللاهثة، شعره المتناثر، كان السيد المثالي.
تأملها قاسم. يا إلهي، أهي قريبة إلى تلك الدرجة؟ إنها بين أحضانه. تململت سارة بين ذراعيه ليفلتها، لكنه لم يفعل، بل تمسك بها أكثر حتى تألمت. لم يكد يسيطر على نفسه وكاد يفقد سيطرته ويقبلها، لولا أن سمعها تقول اسمه بصوت مرتفع لتخرج من حالته تلك.
ليفلتها بسرعة وهو يلعن الشيطان بداخله.