تحميل رواية «ضراوة ذئب "زين الحريري"» PDF
بقلم سارة الحلفاوي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
لفت الحجاب على شعرها بهدوء، بتتأمل وشها في المراية المشروخة قُدامها. ابتسمت ابتسامة بسيطة و هي بتتأمل إشراقة وشها المتوسط، الحجاب الوردي لاق جدًا لبشرتها الفاتحة و للشامات المتوزعة بشكل يخطف الأبصار على وشها. عينيها العسلي متحاوطة برموش كثيفة و حواجب مظبوطة. خدت شنطتها اللي جلدها متقشّر، و علّقتها على كتفها. طلعت لجدتها النايمة بسلام على كنبة مُتهالكة في الصالة، و مالت عليها و باست راسها بحنان. اعتدلت في وقفتها و هي بتتجه لباب الشقة عشان تمشي على شغلها اللي عُبارة عن تدريس لأطفال إبتدائي. إلا إن...
رواية ضراوة ذئب "زين الحريري" الفصل الأول 1 - بقلم سارة الحلفاوي
لفت الحجاب على شعرها بهدوء، بتتأمل وشها في المراية المشروخة قُدامها.
ابتسمت ابتسامة بسيطة و هي بتتأمل إشراقة وشها المتوسط، الحجاب الوردي لاق جدًا لبشرتها الفاتحة و للشامات المتوزعة بشكل يخطف الأبصار على وشها.
عينيها العسلي متحاوطة برموش كثيفة و حواجب مظبوطة.
خدت شنطتها اللي جلدها متقشّر، و علّقتها على كتفها.
طلعت لجدتها النايمة بسلام على كنبة مُتهالكة في الصالة، و مالت عليها و باست راسها بحنان.
اعتدلت في وقفتها و هي بتتجه لباب الشقة عشان تمشي على شغلها اللي عُبارة عن تدريس لأطفال إبتدائي.
إلا إنها تسمرت مكانها و هي بتسمع جلبة برّا.
جريت على الشباك و بصت من خلاله و إتصدمت بأسطول عربيات فخمة مُتراصين ورا بعض.
بينزل من عربية فيهم راجل حواليه هالة غريبة، كان كإنه طالع من فيلم أكشن!
دقات قلبها تسارعت من الخوف.
بعدت عن الشباك بتحاول تطمن نفسها إنها مالهاش دعوة و إنه أكيد مش جايلها.
إلا إن طرقات على الباب بشكل عنيف خلّاها تشهق بـ رُعب.
جدتها صحيت على الصوت بتقول بنبرة بخضّة:
- يا ساتر يارب .. أستر يارب، شوفي مين يا بنتي!
و من قبل ما تاخد يُسر خطوات عشان تفتح الباب، الباب متحملش الأيدي القاسية اللي بتضرب فوقه، و وقع على الأرض مُصدر صوت عالي جدًا.
يُسر بصِت لـ التلات رجالة اللي واقفين قُصادها زي الضُرف اللي على هيئة بشر.
فجأة أفسحوا المجال عشان يمُر كبيرهم، اللي كان واقف بينفث سيجارتُه ببرود، و عينيه بتتأمل اللي واقفة قُدامه بنظرات ذئب.
حاولت يُسر تجمع شتاتها و قالت بصوت كلُه خوف:
- في إيه! إنتوا مين!!!
و كملت و الكلام بيهتز على لسانها:
- إزاي .. إزاي تقتحموا شقة ست كبيرة و حفيدتها بالشكل ده!!
أخرسها صوت شخص جهوري، غير اللي واقف في النُص و إتحولت نظراته من متفحصة لـ ساخرة!
- إخـرسـي يـا بـت!!
- أُصبر يا ماجد!!
قال اللي واقف في النُص و هو بيشاور بسيجارته البُنية لـ اللي كان بيزعق فيها، و إتقدم منها خطوات.
فـ صدح صوت الجدة بـ خوف كبير منهم:
- إنتوا مين يابني! دة إحنا في حالنا يا بيه! معملناش حاجه!
بصلها زين و مردش عليه، عشان تثبت عينيه على اللي واقفة قُدامه و قال بصوت خاوي:
- عليكوا إيجار خمس شهور! إنتوا فاكريين إني نايم على وداني ولا إيه؟!
بصتلُه بصدمة و قالت بعدم تصديق:
- إنت .. إنت صاحب الشقة دي؟!
مرَدش و إنما نفّث دُخان سيجارتُه ببرود.
فـ قالت و الغضب بدأ يتشكل على ملامحها:
- كل ده عشان إيجار خمس شهور؟ هُما دول ييجوا حاجه في الجزمة اللي لابسها واحد من الـ ضُرَف اللي وراك!!
مقدرش المدعو ماجد يمسك نفسُه، و هو حاسس إن البنت دي قضت على المُتبقي من الصبر عندُه.
فـ تقدّم منها و رفع إيدُه و لطم وشها بقسوة لدرجة إن وشها إتلف للنِحية التانية تحت صرخات جدتها الملكومة و هي بتردد بـ قهر:
- تتقطع إيدك ربنا ينتقم منكوا يا بُعدة!!
زين غمّض عينيه بيحاول يتمالك نفسُه و بَص لـ ماجد بعيون بـتطلع شرار و قال بضيق:
- أنا طلبت منك تضربها؟!!
و على الفور نزل ماجد عينيه في الأرض و قال بأسف:
- آسف يا باشا!
و إتراجع خطوات لـ ورا!!
فـ رِجع زين يبُص في وشها اللي بقى أحمر، و لـ الدموع اللي إتكونت في عينيها، و قال بصوت قاسٍ:
- 4000 جنيه يبقوا على مكتبي بُكرة! يا إما تفّضوا الشقة من سُكات!
و شاور لواحد من اللي واقفين وراه وقال:
- طلّع ورقها و إكتبلها عنوان شركتي!!
فعل الأخير فورًا، فـ بَص ليها للحظات و عينيه إبتدت تنزل على جسمها المتغطي بـ عباية واسعة خافية تفاصيلُه.
و رغم إن عبايتها فضفاضة إلا إن جسمها كان مُهلِك!
إترسم الخُبث في عينيه و سابها و مشي.
و رمى التاني الورقة في وشها و كإنه قاصد يهينها.
غمّضت عينيها و أول ما خرجوا إنهارت على الأرض و عينيها بتنزِل دموع بصمت.
قامت جدتها بخطوات مُتعرجة و خدتها في حضنها و هي بترفع وشها للسما و بتقول بـ عياط:
- يارب! يارب دبّرها من عندك يارب، حسبي الله ونعمة الوكيل في كُل ظالم!
***
- إزيك يا عمي، أنا .. أنا يُسر، كنت عايزة بس سُلفة من حضرتك و هرُدها في أسرع وقت!!
قالت و هي ماسكة تليفونها الصغير جدًا، و عينيها متزرمة من البُكاء.
إلا إنها حسِت بقلبها بيتعصر لما سمعت صوت صفير طَن في ودنها لما سمعت صوت صفير بيدُل على إنتهاء المكالمة.
لأول مرة تتذل بالشكل ده!
حطت التليفون على الطاولة و حطت إيديها جنبه بتميل راسها لقُدام و كإن أحمال الدُنيا فوق كتفها الصغير .. اللي مش هيستحمل كل التُقل ده!
راحت لـ جدتها و قعدت تحت رجلها، سندت راسها على رجلها و قالت بصوت مافيهوش حياة:
- كلهم إتخلوا عني! عمي محمد قالي إنه مش معاهم و أنا عارفه إنه بيكدب، و عمتي قالتلي إنها بتجوز بنتها و اللي جاي على أد اللي رايح، و عمي سيد قفل السكة في وشي! أعمل إيه يا تيتة؟ أروح فين؟
مسحت جدتها على خصلاتها الناعمة و قالت بتعب:
- روحي للي خلقك و أطلبي منه ينجدنا يا بنتي! إدعي ربنا يطلّعنا من اللي إحنا فيه!
قامت بتثاقُل و رغم إنها أدت فرضها إلا إنها لبست إسدال الصلاة و فرشت سجادتها و صلِت بخشوع و أول ما جبينها لمس الأرض بكت.
بكت و ترجت و ناجتُه و هي بتقول:
- خبطت على كُل البيبان! كلهم رزعوا الباب في وشي، بابك الوحيد اللي مش هيتقفل في وشي أبدًا، يارب! إنجدنا يارب ماليش غيرك يارب .. ماليش غيرك!
سلِمت، و نامت على المُصلية بتقرّب رجليها لـ وشها بتحاوطهم كالجنين، و دموعها بتتساقط على جنب وشها و تبلل سجادة الصلاة، و غفت غصب عنها.
صحت اليوم اللي بعدُه على صوت آذان الفجر، دلفت للمرحاض و إتوضت و خرجت صلِت و هي بتدعي بدون ملل.
قعدت تقرأ في المُصحف الصغير حجمًا اللي بين إيديها، خلصت خمس أجزاء.
و لما الساعة جات تسعة قامت و لبست نفس العباية و لكن لفِت طرحة سودا بـ سواد العباية القاتم، و المرة دي بصت لملامحها و هي حاسة بنفس الشرخ اللي على المراية موجود في قلبها.
خرجت من الأوضة و دخلت أوضة جدتها و باست راسها، خرجت و ميلت على الأرض تاخد الورقة اللي مدون فيها عنوان شركته.
خرجت و هي بتعِد الفلوس اللي في إيديها و خرّجت منها فلوس علاج جدتها و فلوس الأكل و الشرب، فـ ملقتش غير شوية فكّة يادوب يركبوها مواصلة عاملة لنُص الطريق بس.
و بالفعل ركبت أتوبيس عام وصّلها لمكان مش قريب من شركته و مش بعيد، كمِلت باقي الطريق مشي و هي حاسه بكُل العيون حواليها كإنها ماشية عريانة!
بتعاني كل يوم من مُعاكسات سخيفة رغم إحتشام لبسها، إلا إن وشها الملائكي و الخالي تمامًا من أي مساحيق تجميل كان السبب في لفت إنتباه الشباب اللي متعودوش على الوش البريء اللي زي وشها.
وقفت قُدام مبنى عريق محاوط بالإزاز من كل ناحية، قدامة أشخاص لابسين زي أزرق مع رَجلين لابسين بِدل سودا شبه اللي إقتحموا شقتها إمبارح.
قرّبت من واحد من الأمن قالت بتماسُك:
- عايزه أقابل زين باشا لو سمحت!
بصلها من فوق لتحت وقال ساخرًا:
- عايزة تقابلي زين بيه الحريري؟ و إنتِ جاية عايزة إيه بقى يا ترى؟ شِحاتة يعني ولا حاجه تانية شمال؟!
إنكمشت من جُرأة كلامه، و أطبقت على شنطتها و هي بتقول بصوت بيترعش:
- لو سمحت .. بلغُه إني صاحبة شقة فيصل .. و عايزة أقابلُه!
- لاء مدام شقة فيصل تبقى حاجه شمال، ماشي هخلي حد يديله خبر!!
بِعدت عنُه بتحاول تسيطر على الدموع المقهورة اللي إتجمعت في مقلتيها.
وقفت على جنب بعيد عن أنظارُه اللي كانت بتاكُلها، و لإن رجليها مكانتش قادرة تشيلها من المسافة الطويلة اللي خدتها مشي، و من التعب النفسي اللي بياكل فيها.
فـ قعدت على الرصيف و سندت إيديها على ركبتها و خبت راسها جوا ما بين دراعها.
و بد دقايق سمعت صوت جهوري بيصرخ فيها إنتفضت على أثره:
- قومي يا بت من هنا!!! حد قالك إنها جمعية خيرية!!
رفعت عينيها له و لقته نفس اللي ضربها بالقلم إمبارح.
قامت فعلًا و بصتلُه بإحتقار و كانت هتمشي و تسيبه إلا إنه وقفها بصوته القوي:
- إستني عندك! تعالي معايا! زين بيه عايزك في مكتبُه!
غمضت عينيها و لفت تاني ليه، و لقته بيمشي فا مشيت وراه بخطوات وئيدة مُترددة.
دحلت الشركة تحت أنظار الموظفين المُستنكرة لوجود بنت بالهيئة دي في شركة زين الحريري.
طلعت معاه في الأسانسير، كانت خايفة منُه و في نفس الوقت خايفة من الأسانسير.
وصلت الدور الحداشر، فـ إتفتح الباب تلقائي فـ خرج ماجد و خرجت هي وراه.
لقته وقف في الطرقة فجأة و شاور على مكتب في آخر الطُرقة وقال ببرود:
- ده مكتبه!! روحي لوحدك!!
مردتش، و أول ما لقته دخل المصعد تاني إتنفست براحة.
و مشت بهدوء بتبُص على جزمتها اللي مكانتش في أحسن حالاتها، شِبه متقطّعة.
وصلت للمكتب و خبطت بإيد بتترعش، فـ سمعت صوته اللي هيفضل محفوى في ذاكرتها و هو بيقول:
- إدخلي!
هو أكيد عارف إنها هي عشان كدا نعتها بصيغة المؤنث.
مسكت مقبض الباب ولوته برجفة و دخلت.
المكتب كان أكبر من شقتها هي شخصيًا.
عينيها تلقائيًا رحت ناحية الواقف قُدام النافذة اللي عبارة عن إزاز، موليها ضهره العريض و قميصُه الإسود جوا بنطلونه بيظهر قوة بُناينه و العضلات الواضحة على جسمه.
حطت عينيها في الأرض، فـ لَف ليها و هو ماسك كاس في إيدُه.
بَص لهيئتها الضعيفة، و لوشها الأحمر والإرهاق باين عليه.
قعد على الكرسي ورا مكتبُه، و حط الكاس على جنب ورجّع ضهرُه لورا و بنفس النظرات الخبيثة اللي بتتفرس كل إنش في جسمها، و بنفس النبرة اللي كلها مكر كان بيقول:
- قرّبي!
بصتلُه بـ خوف، فـ قال بضيق:
- أكيد مش هنتكلم من على بُعد كدا! إقفلي الباب و قرّبي!!
قالت بتوجس:
- لاء مش هينفع أقفل الباب!!!
قطب حاجبيه وقال بإستغراب:
- ليه؟
قالت بتوتر وهي بتفرك إيديها:
- عشان حرام! مينفعش أنا و إنت يتقفل عليها باب!!
إنطلقت منه ضحكة ساخرة مش مصدق اللي هي بتقوله، إلا إنه قرر يجاريها و قال بمكر:
- خلاص متقفليهوش!! بس قرّبي!!
قربت بخطوات بسيطة لحد ما وقفت قدام مكتبُه.
بصت للكُرسي و بتعب قعدت عليه، إلا إنها إنتفضت على صوت إيده بتخبط سطح المكتب و بيصدح هو بصوته الجهوري:
- مــقــولـتـلـكـيش تـقـعـدي!! قـومـي أقـفـي!!
نهضت بسُرعة و حطت وشها في الأرض حاسة بلكمات في قلبها، حتى الكُرسي مش عايز يقعدها عليه!
ليه! خايف توسّخه بـ لبسها اللي مش مقامُه؟
لما الفكرة دي جات في بالها حسِبت بـ نغزة في قلبها و بـ غصة في حلقها.
مسح هو على وشُه بعُنف، و بص لحالتها المُزرية و قال بصوت خشن:
- جهزتي الفلوس؟
رفعت راسها ليه، و مافيش في دماغها غير سؤال واحد، ليه؟ هل شخص زيه هيبقى فارق معاهم شوية ملاليم زي دول؟
إلا إنها قالت بصوت خافت:
- لاء!
- أومال جاية ليه؟!
قال بجمود، فـ قالت بنفس الخفوت:
- جابة أطلب منك تصبُر عليا شوية بس! و أنا هشتغل بدل الشغلانة تلاتة .. لحد م أجهزلك فلوسك!
بصلها ساخرًا و قال:
- إنتِ معاكي شهادة؟
قالت بهدوء:
- كلية تربية إنجليزي!
مافيش تعبير ظهر على وشُه، وقال بنفس السُخرية:
- يعني محتاجة أقل حاجه خمس شهور عقبال ما تعرفي تجيبي المبلغ ده!!
نفت براسها و قالت بصوت ضعيف:
- هشتغل أكتر من شغلانة!
- و يا ترى هتشتغلي إيه؟
قالها مُستنكرًا الجملة اللي عادتها للمرة التانية، فـ قالت بضعف:
- أي حاجه .. إن شالله أشتغل في البيوت، بس ممرمطش جدتي!
بصلها للحظات، و فتح دُرج مكتبُه و خرج من علبة فخمة سيجارته البنية، و أشعلها بـ قدّاحة من دهب، و بصلها بيتأمل ضعفها اللي أغراه بشكل مش طبيعي.
فـ إنزوت شفتيه بإبتسامة خبيثة و قال:
- تشتغلي عندي .. خدامة في قصري!!
رفعت عينيها و بصتلُه مصدومة، و قالت بخوف:
- مينفعش .. مستحيل!
- ليه!
قالها بإستنكار! فـ قالت:
- ميصحش أشتغل خدامة في بيت راجل قاعد لوحده!
- أنا مش لوحدي! أمي معايا و في زيك خدَم كتير في القصر، إحنا مش في فيلم دُعاء الكروان هنا!!
حسِت بوجع رهيب في رجليها، يمكن من وقفتها لمدة كبيرة عليها.
بصِت لـ رجليها اللي غزاها اللون الأزرق و اللي بان من جزمتها، و محسِتش غير بـ غمامة سودا بتبلعها، فـ إستقبلتها الأرض في حُضنها بينما راقب إغمائها بـ برود مُتناهي!!
رواية ضراوة ذئب "زين الحريري" الفصل الثاني 2 - بقلم سارة الحلفاوي
فتحت عينيها لتجد نفسها نائمة على كنبة وثيرة، ممددة بشكل لم يكن يليق بها. شهقت وهي تنزل طرف العباية التي ارتفعت من على كاحليها فظهر بياضه. تحسست رأسها تتأكد من وجود حجابها.
نظرت إلى من كان يجلس أمامها، يسند ظهره، يمسك بكأس خمر، وعيناه التي أشبه بالذئب تتفرس جسدها بشكل جعلها تنكمش. قامت وقفت، ولأول مرة تزعق فيه، ولأول مرة تظهر مخالبها:
"إنت قاعد كده ليه؟! وإيه اللي جابني على الكنبة دي! إزاي نمت عليها؟!"
قال بإبتسامة صفراء ونبرة باردة:
"هيكون إزاي؟ شيلتك وحطيتك على الكنبة وجبت دكتورة تشوفك."
صعقت، وجحظت عيناها وهي تردد كلامه بصدمة:
"شيلتني! شيلتني يعني إيه!!! طب ليه!!! ليه قولي!!!"
لم يرد عليها، بل ظل ينظر إليها بدون أي تعبير على وجهه، حتى صرخت هي فيه وهدرت:
"إنت إيه!!! معندكش حاجة اسمها حلال وحرام!!! بتعمل أي حاجة تعوزها بغض النظر عن اللي قدامك وعن ربنا!!!"
"وطّي صوتك!!!!"
صرخ فيها بحدة لدرجة أن جسمها انتفض لمجرد صراخه العالي فيها. قرب منها خطوتين وهمس بقسوة:
"وآه أنا بعمل أي حاجة عايزها ومحدش يقدر يقولي تلت التلاتة كام!!!"
نظرت إليه ببغض حقيقي، لدرجة أنها قالت من قلبها:
"حسبي الله ونعم الوكيل، ربنا ينتقم منك!!!"
جمدت أنظاره عليها، إلا أن نبرته المتعصبة كانت ظاهرة بوضوح عندما قال بقسوة:
"تصدقي أنا غلطان! كان المفروض أسيبك مرمية على الأرض ومخليش حد يسأل فيكي!!! امشي اطلعي برا!!!"
ضمت الشنطة لحضنها، ومشيت من أمامه عدة خطوات. فهدر بقوة:
"استني عندك!!!"
وقف أمامها، فوجد دموع غزيرة على وجهها. ازداد غضبه فقال بعدم رحمة:
"لو عايزة ما تباتيش في الشارع وعلى الأرصفة إنتِ وستك يبقى تيجي بكرة مع السواق اللي هبعتهولك!!"
نظرت إليه بانكسار، ولفّت ثاني بدون أن ترد عليه. تركت تمشي تجر في قدميها ضامة الشنطة لصدرها. وأول ما طلعت، حذف الكوباية في الأرض والغضب متمكن منه. وبعد دقائق، وجد نفسه ينزل وراها. نزل وخرج من الشركة كلها ودور بعينيه عليها، لم يجد أثرًا لها. لكن همهمات بكاء وتآوهات خارجة من ورائه جعلته يلتفت.
اصطدم عندما وجدها جالسة تفرك رجليها وتبكي بقهرة، كأنها طفل تايهة من أبويها. عندما رآها بالشكل هذا، حس بنغزة في قلبه، قاومها بالعافية. مشى نحوها، رفع أنفه، وبص أمامه وقال بقسوة:
"قاعدة بتبكي ليه! فاكرة نفسك فين! قومي!"
نظرت إليه بكل تعب وقالت وسط بكائها:
"رجلي! مش قادرة أمشي والله ما قادرة! هقوم حاضر دقيقة بس."
انقبض قلبه، منظرها يريد حضنًا! لم يسأله أحد كيف، لكن للحظة حس أنه يريد أن يحضنها. ولأنه شعور لحظي، رجع بعدها وقال بقسوة:
"قومي بقولك! هوصلك بعربيتي عشان Prestige شركتي وشكلي!!"
ولأن صدى ألم كلامه في عضمها كان أقوى من الألم الجسدي، فـتحاملت على رجلها، وقالت وهي تترعش وتمشي ببطء:
"أسفة على إني مبوظة مكانة شركتك ومكانتك! ومتشكرة، أنا مش عايزة حاجة! مش لازمني توصيلتك!!!"
ورغم أنها تعرف جيدًا أنها ستأخذ المشوار مشيًا من شركته لبيتها، وهذا شبه مستحيل في هذه الحالة! إلا أن كرامتها كانت أكبر، ومشيت خطوات صغيرة. وفي لحظة، حست بقبضة قاسية على ذراعها وتُشد لعربية فخمة، وزُقت فيها لدرجة أنها ارتطمت برأسها. وضعت يديها على جبهتها تنظر إليه بصدمة، وشهقات متتالية من أول ما أمسكها لحد ما زقها في الكرسي الذي بجانبه. ركب هو ورزع الباب.
ارتعش بدنها وصرخت فيه:
"نزلني!!! بقولك نزلني عايز إيه مني!!!"
وفجأة وجدته يهدر فيها وهو يخبط الدريكسيون ويمشي بالعربية:
"هعوز منك إيه يا زبالة!!!! ده إنتِ متسويش في سوق النسوان تعريفة!!! ده إنتي لو قلعة هدومك قدامي مستنضفش أبص لك!!!! فوقي!!!!"
تشكلت الصدمة على وجهها، وكتمت آهات متتالية من اللكمات التي توجهت لأنوثتها ضربتها في مقتل. سكتت، لكن نزيف قلبها لم يسكت. دماغها التي بدأت توجعها لم تسكت. نظرت إلى أناملها ودموعها تنزل بصمت، يعني هو يراها سيئة للدرجة هذه؟ مع أن جمالها ملحوظ بين الناس. سكتت عقلها، وحاولت تشتته، فنظرت إليه. وجدته ينظر أمامه ولا يوجد تعبير على وجهه. صدره يرتفع وينزل من كثر غضبه وزعيقه فيها.
قربت من بيتها، وقف أمامها، فنزلت تجر في قدميها، وتجر معها خيبة أملها وكسرتها وضعفها وكرامتها التي مسح بها الأسفلت. نظر إليها وهي تمشي ببطء، وفضل يتابعها حتى اختفت عن عينيه، فمشى بسيارته. وهي جلست على السلم تحاول مسح دموعها وتبين أنها كويسة لكي لا تقلق جدتها. وفعلًا، صعدت إليها. وجدتها جالسة تصلي، وأول ما دخلت قالت بهفة:
"يسر! تعالي يا حبيبتي! تعالي احكي لي اللي حصل!"
مشت نحوها بعدم توازن، فصاحت حنان وضربت يديها بصدرها وقالت بصدمة:
"مالك يا بت! ماشية كده ليه!! هو الجدع ده عمل فيكي حاجة كده ولا كده؟"
أسرعت يسر:
"بتقولي إيه يا تيتة، مفيش حاجة من دي، أنا كويسة، وقعت بس ورجلي وجعتني!!"
وقربت منها وطبطبت على كفيها وقالت بحنان في عز احتياجها للحنان:
"متقلقيش يا تيتة! هشتغل بكرة عند الراجل ده.. آآ خدامة!! لحد ما أدبر.. مؤقتًا يعني!!!"
قالت حنان بصدمة:
"قولتي إيه؟!!! خدامة!!!! بقى بنت ابني تشتغل خدامة بعد ما درست أربع سنين في كلية محترمة عشان تطلع مدرسة محترمة تشتغل خدامة وتمسح في البيوت!!!!"
حاولت تفهمها وقالت:
"يا تيتة افهميني أرجوكي!!!!"
صرخت فيها:
"بس اخرسي!! انسي إنك تشتغلي خدامة وكمان عند الراجل الزبالة ده!!!"
وتابعت تستطرد مصدومة:
"يكونش عجبك يا بت؟!!!"
جحظت يسر عينيها وقالت:
"تيتة!!! بتقولي إيه!!!! تعرفي عني كده يا تيتة!!!"
وفجأة انهارت في البكاء وقالت وهي تلطم على وجهها:
"حرام عليكوا بقى!!!! بتسموا بدني بالكلام ليه!! بتقطعوا في قلبي بعز ما فيكوا ليه!! إنتِ فاكراني مبسوطة وأنا رايحة أشتغل خدامة عند واحد لا عنده ضمير ولا يتآمن له؟ أنا بعمل كل ده عشانك!!! عشان متتمرمطيش على كبر! عشان أوفر لك حق الدوا!! عشان متتحوجيش ولا تتذلي لحد يا تيتة!! ليه كده يا تيتة ليه! ده أنا مش ناقصة شايلة هم أكبر من كتافي، حرام.. حرام الضرب في الميت حرام والله!!!"
حضنتها حنان تضمها لصدرها وهي تحاول تهدئ من بكائها حتى هدأت يسر ونامت في حضنها.
قامت يسر من النوم، غطت جدتها ودخلت تتوضأ وتصلي فرضها وبسرعة لبست عبايتها. نظرت من الشباك، وجدت سائقه. ولأنه من ريحه، نظرت إليه بقرف. لفت الطرحة بعشوائية إلا أنها كانت جميلة. ذهبت لجدتها وميلت عليها ومسكت يديها وقبلتها وهمست بحنان:
"يا تيتة! همشي أنا ماشي؟"
استيقظت جدتها وقالت بألم على صغيرتها:
"مصممة يا بنتي؟"
"مش بمزاجي يا تيتة!"
قالت بابتسامة متألمة، فأومأت لها جدتها وقالت وهي تربت على كتفها:
"ربنا يوقف لك أولاد الحلال في طريقك يا ضنايا.. ويحميكي ويبعد عنك أي سوء!!"
"اللهم آمين!!"
قالت بابتسامة شاحبة، ومشيت على قدميها ناحية الباب، وكانت قدميها متحسنة عن أمس كثيرًا.
نزلت على السلم المهترئ، ووصلت للسائق وقالت بخفوت:
"السلام عليكم ورحمة الله! أنا يسر آآآ!!"
تحرجت أن تقول الخادمة لأن عمرها ما كانت كذلك، فابتسم الرجل الكبير في وجهها ورفع الحرج عنها وقال بهدوء:
"اتفضلي يا يسر هانم اركبي!! معايا أوامر أجيبك وأوديكي سليمة!!!"
قالت بضيق:
"بس أنا مش هانم!! أنا يسر بس.. أنا أد بنتك يا حاج، بتقول لبنتك في البيت يا هانم؟!!"
قالت بلطف:
"خلاص تبقي يسر بس، إنتِ فعلًا أد بنتي وهتعامل معاكي على الأساس ده!! اركبي يا يسر!!!"
ابتسمت وركبت يسر وراء. وبعد ساعة ونصف تقريبًا وصلت. دخل الحاج محمد من البوابة وركن السيارة فنزلت. وكان يفكر أنها مثل كل الخدم ستلف لتبص على الشقة بدهشة وقليل من الطمع، إلا أنها أصلًا لم تكن واخذة بالها وكانت ماشية بصمت رقبتها لتحت. صعد معها وخبط هو الباب ففتحت له واحدة من الخدم. قال لها بكل هدوء:
"البنت اللي هتشتغل معاكوا يا دينا! طلعيها للبيه الأول بكوباية القهوة زي ما بيحب!!"
نظرت إليها دينا من فوق لتحت بغيرة، وقالت وهي تلوك العلكة في فمها:
"ادخلي يا سنيورة، أصل هي المشرحة ناقصة قتلة!!!"
زجرها عم محمد وقال:
"بت يا دينا اتعدلي!!!"
نظرت إليه يسر بامتنان ولم تتكلم. دخلت الفيلا واتجهت ناحية المطبخ بإرشادات دينا التي كانت تتعامل معها ببرود. وأول ما دخلت نادت دينا على رئيسة الخدم وقالت:
"يا حاجة رحاب، الجديدة شرفت!"
نظرت إليها رحاب وبدا على محياها الطيبة، فقالت بهدوء:
"تعالي أقولك!!"
ذهبت إليها يسر باستحياء، فسألتها رحاب:
"اسمك إيه؟"
"يسر!"
"اسمك حلو، طيب خدي يا يسر الشنطة دي فيها اليونيفورم بتاعك وادخلي أوضتك غيريه، دليها يا دينا!!"
تأففت دينا بضجر وقالت بحدة:
"حاضر يا حاجة لأجل عيونك بس!!"
مشيت يسر وراها ودخلت الأوضة التي كانت رغم حجمها الصغير إلا أنها كانت على قدر عالٍ من الرقي. تركتها دينا ومشيت، فأغلقت هي الباب وخرجت اليونيفورم. كان عبارة عن بنطلون وفوقية مريلة المطبخ مغطية لحد ركبتها وجامعة بين اللونين الأبيض والأزرق. لملمت خصلاتها ثاني وأعادت لف حجابها. كانت هي الوحيدة التي ترتدي حجابًا بينهم بعد الحاجة رحاب.
خرجت من الأوضة وذهبت تباشر شغلها. فقالت الحاجة رحاب بصرامة فور دخولها:
"ميعاد قهوة البيه، بسرعة يا يسر!"
جرت يسر وقالت:
"حاضر أنا آسفة، طيب فين القهوة والسكر!"
أشارت لها واحدة من الخدم داخل ضلفة، فخرجتهم ولمحت كنكة أخذتها وقالت بهدوء:
"قهوته إيه؟"
"مظبوط!! زيه كده!"
قالت دينا بحالمية، فضحكت الحاجة رحاب عليها، بينما يسر ملتها ماء، وطبختها بهدوء. وعندما حان ميعاد صبها، صبتها في الفنجان. وضعته على صينية غالية ووضعت بجانبه كوباية ماء بارد. سألت على مكان غرفته فقالت رحاب:
"جناح مش أوضة يا يسر، وهتطلعي السلم هتفضلي ماشية لحد ما يقابلك آخر جناح!"
أومأت يسر بهدوء وخرجت على السلم، وكل خطوة تخطوها كانت تذكرها بكم هو آذى نفسيتها. فضلت ماشية وهي سرحانة حتى وجدت آخر جناح. خبطت عليه، وأول ما سمعت صوته الجهوري يسمح لها بالدخول، قلبها وقع تحت رجليها. وبيد ترتجف، لوت مقبض الباب ودخلت. وجدت الصالة في وجهها وأول شيء وقعت عليه عيناها كان جسمه العريض وهو واقف صدره عارٍ لابس بنطلون أسود وقميص أسود مفتوح، وفي يده سيجارة.
تفاجأ أنه رآها، لم يكن يتوقع أنها ستأتي. كان يتمنى لو أنها لم تأتِ. مجيئها أكد ظنونه في قلبه أنها تجري وراء المال فقط. ورغم الذل والكلام الذي سمعته منه بالأمس، جاءت تخدمه اليوم. التوى نصف ثغره بابتسامة ساخرة، وقال باستنكار:
"شرفتِ!"
تغاضت عن لهجة السخرية، ووضعت الصينية على الطاولة وقالت بهدوء:
"قهوة حضرتك.. تؤمر بأي حاجة تانية؟"
"تعالي اقفلي لي القميص!!"
قال ساخرًا وهو يفرد ذراعه على الجانبين، فـنظرت إليه بصدمة، والغضب تملك منها. وقربت منه فـرفع أحد حاجبيه وهو فاكر أنها ستلبي طلبه، لكن فاجأته عندما قالت بحزم:
"أنا خدامة يا بيه! مش واحدة شالها من الشارع!!"
أنزل يده وتحولت ملامحه لغضب جامح، لكن سكت وهو يراها تمشي وتديره ظهرها. فـلكي يضايقها قال بخبث:
"ابعتي لي دينا!!!"
لم ترد عليه وأكملت طريقها ومشيت. حاولت كتم دموعها من إهاناته المستمرة لها، ونزلت وهي ترى السلم بالعافية لدرجة أنها كانت تتعثر. وأول ما وصلت للمطبخ قالت دينا ببرود وهي تغسل المواعين:
"زين بيه عايزك فوق!"
شهقت دينا بفرحة لأن هذه من المرات النادرة التي يطلبها فيها. حصل ذلك قبلًا وذهبت إليه دلّكت له كتفه وظهره وحصل بينهما تجاوزات كثيرة، ومنذ ذلك الحين وهي لا تستطيع نسيان اليوم نفسه وتتمنى أن يتكرر. ضبطت ملابسها وخرجت فورًا. فتمتمت رحاب بأسف:
"ربنا يهدي يا دينا، ويهدي البيه اللي فوق!"
ابتسمت يسر بسخرية مرة وقالت:
"ده شيطان يا حاجة رحاب، ربنا ممكن يهدي شياطين؟"
قالت رحاب بحزن:
"لأ يا يسر متقوليش كده يا بنتي، الراجل اللي إنتِ شايفاه بالقسوة والجحود دول شاف في طفولته الأمر من كده، فبقى بالمنظر اللي إنتِ شايفاه ده!"
نظرت إليه بعدم فهم وقالت:
"حضرتك معاهم من زمان؟"
"من زمان أوي يا يسر، كنت أدك كده وهو كان لسه عنده عشر سنين. ربنا يهديه، ويسهل له أمره ويبعد عنه أولاد الحرام ويحنن قلب أمه عليه اللي لا بتحس بيه ولا بتهتم لأمره!!"
لم تستطع أن تقول آمين، القسوة التي زرعها بداخلها جعلت لسانها مشلولاً عن الحركة. لو شيء يخصه بالخير، لقالته. أنهت المواعين وبدأت تعمل في الأكل. وتفاجأت بدينا قادمة إليهم وهي متوترة والحزن ظاهر على وجهها. رحاب قالت لها بحدة:
"بسطي البيه يا دينا!!!! هو ده مقامك!!!"
رمت الكلمتين في وجهها بقسوة، فـنظرت إليها دينا وقالت بضيق:
"والنبي يا حاجة رحاب أنا ما ناقصة!!! إلا ما لمسني حتى! وأنا اللي فولت آآآ!!"
"اخرسي يا دينا!!! شوفي شغلك وقذارتك مش لازم تنشريها لنا!!!"
يسر كانت تحضر الأكل، ودينا واقفة بجانبها والغيظ يأكل فيها. تذكرت أن زين فعل شيئًا معها فلذلك لم يقبل بدينا التي جمالها متواضع لو قورن بجمال يسر. والغيظ كله، فلما التفتت يسر لتغسل المواعين حتى يستوي الأكل، وضعت دينا في الأرز كمية ملح رهيبة، ولم ينتبه أحد لأن رحاب كانت تشرف على الخدم الذين يجهزون السفرة. وبالفعل، كأن شيئًا لم يكن، وكملت دينا عمل الأكل. وبعد دقائق، رصوا الأطباق. جلس فـالحاجة رحاب سألته بهدوء:
"والدتك جاية من السفر اليوم ولا بكرة يا زين باشا؟"
قال زين ببرود:
"مكلمتهاش!!"
وشرع في الأكل، ودينا ويسر في المطبخ يتغدون مع باقي الخدم. يسر اصدمت عندما سمعت صوت صراخه واتخضت، فـخرجوا كلهم يجرون للخارج. نظرت إلى طبق الأرز المرمي في الأرض وحباته متناثرة، وصوته العالي وهو يقول:
"الغبية اللي جاية جديد ناوية توديني المستشفى!!!!"
تقدمت يسر وقالت بصدمة:
"إيه اللي حصل!!!"
"تعالي دوقي الأرز وانتِ تعرفي اللي حصل!!!"
ذهبت يسر ورحاب ينظرون للأرز ماله، وأول ما يسر وضعته في فمها، أمسكت منديلًا بسرعة وتفتته. بينما رحاب اصدمت ونظرت إلى يسر بلوم. حاولت الدفاع عن نفسها وهي تقول:
"بس أنا ظابطة الملح بتاعه جدًا والله العظيم، والله مكنش مملح كده!!"
دينا ابتسمت بخبث، ونظر إليها زين للحظات وهو متأكد أنها صادقة. الدموع التي ارتشت في عينيها، وتشوش كلماتها جعله يتأكد أنها صادقة. إلا أن فرصته جاءت لينتقم منها أكثر ويذلها أكثر. فابتسم بخبث وقال:
"عقابًا لكِ.. هتقعدي قدامي وتاكلي الطبق ده!!!!"
رواية ضراوة ذئب "زين الحريري" الفصل الثالث 3 - بقلم سارة الحلفاوي
عقابًا ليكي.. هتقعدي قدامي وتاكلي الطبق ده!
بصتله بصدمة، حست للحظة إنها لا تنتمي للمكان ده، وإن اللي حواليها كلهم وحوش، وإنها الفريسة اللي كل العيون عليها.
مسحت دموعها بعنف وقربت منه لحد ما بقت واقفة قصاده وهو قاعد. فقام من على الكرسي في مواجهتها بكل قسوة وهي يا دوب واصلة لصدره.
أول ما شافت طوله الفارع قصاد قصر قامتها تراجعت خطوتين.
تمتمت بحدة: اللي بتقوله ده مش هيحصل. قولتلك أنا محطتش ملح في الرز. أنا مش غبية عشان أعمل حركة زي دي وأكب علبة الملح كلها كده، وإنت كمان مش غبي عشان تصدق حاجة زي دي!
بصلها بقسوة ومردش. بصت لعينيه بتحاول تلاقي ذرة حنان واحدة. ذرة واحدة تدل على إنه من بني البشر زيها. ملقتش، فنزلت عينيها بيأس وقالت بصوت أكثر خفوتًا من السابق: لو تستناني عشر دقايق أكون دخلت عملت رز تاني. يمكن ده يخليك تصدق إنه مش أنا!
التوى ثغره بابتسامة ساخرة. هي فاكرة إنه صدق إنها هي؟ قعد على الكرسي وبص لساعته ورجع بصلها وقال بصوته الرجولي: عشر دقايق. لو دقيقة زيادة عدت اعتبري نفسك مطرودة!
مدتش أي رد فعل. مشيت ناحية المطبخ وأول ما دخلت باقي الخدم كانوا هيتحركوا وراها إلا إنه هدر فيها بصوته العالي: أنا قُلت لحد يتحرك! محدش يخطّي خطوة غير بإذني!
بصوله برعب ورجعوا نزلوا راسهم بخوف من غضبه اللي ممكن يوديهم كلهم لجحيم على الأرض!
أول ما دخلت المطبخ ابتدت تطبخ رز جديد والدموع في عينيها بتمسحها كل دقيقة بطرف ياقة اليونيوفورم اللي هي لابساها عشان متأثرش على رؤيتها.
خلصته في تمن دقايق بالظبط. ومن سرعتها ومن غير قصد مسكت الحلّة بإيديها فـ أطلقت تأوه خرج منها من سخونة الحلّة اللي لهبت بواطن صوابعها.
ضمت إيديها لصدرها ورددت ووشها أحمر: اللهم لك الحمد.. اللهم لك الحمد!
من وهي صغيرة وهي عارفة كويس إن الجملة دي لما بتتقال لو اتلسعت بتبقى زي البلسم، ومبتحسش بعدها بأي حاجة.
مسكت بسرعة الإيد السيليكون ولبستها ومسكت الحلة بإيد وبقت تغرف في الطبق بالإيد التانية. شالت الإيد السيليكون ومسكت الطبق بإيديها السليمة وطلعت برا المطبخ.
مشيت ناحيته لقتُه باصص للساعة. حطت الطبق قُدامه تحت أنظاره اللي بتراقب كل تفصيلة فيها. لاحظت رعشة إيديها الشمال بس مهتمش.
بص للخدم وراها وقال بهدوء: روحوا على المطبخ. وقسمًا بربي.. أي حاجة زي دي تتكرر تاني هعرف اللي عملت كده ومش هرحمها. سامعين!
أومأوا برجفة وفروا هاربين للمطبخ.
وقفت هي مصدومة وقالت بصوت بيرتجف: يعني.. يعني إنت عارف إن مش أنا؟
بصلها وحط رجل على رجل من غير ما يتكلم. فنزلت دموعها قُصاده وقالت بقهر: طب ليه؟ ليه عايز تذلني؟ ليه من أول ما شفتني وإنت عايز تثبتلي إني حشرة تدوس برجلك عليها في أي وقت!
عشان إنتِ فعلًا حشرة. أدوس عليها وأفعصها برجلي في أي وقت!
قال بنفس البرود. فـ بصتله وجميع معالم الألم اتشكلت على وشها. مردتش، وياريتها ردت.. سكوتها والنظرة اللي كانت بتبصاله كانت أقوى من أي رد.
لفت ضهرها وسابته ومشيت!
***
الليل جه، وميعاد ذهابها جه.
فقالت لـ رحاب بصوت ضعيف مكسور: عن إذنك يا حجّة رحاب، أنا همشي!
قالت رحاب باستغراب: تمشي! على فين يا بنتي!
لازم أروح أشوف جدتي!
قالت بهدوء. وقبل ما رحاب تتكلم كانت دينا بتقول ساخرة: إنتِ يا قُطة محدش قالك إن الخدم اللي زيك وزيي بيباتوا هنا في أوضهم!
بصتلها يُسر بصدمة وقالت: لأ محدش قالي. إزاي أساسًا! أنا جدتي متقدرش تقعد من غيري.. كفاية إني طول اليوم سايباها!
رحاب ربتت على كتفها وقالت: خلاص يا بنتي اهدي. طيب اطلعي لـ زين بيه قوليله ولو سمحلك امشي!
بصتلها بكره: مش عايزة أطلعلُه، ولا عايزة أشوف وشُه!
شهقت دينا وضربت على صدرها وقالت مستنكرة: إنتِ اتجننتي يا بت إنتِ ولا إيه! هو إنتِ تطولي أصلًا تطلعلُه جناحُه وتقفي تتكلمي معاه. ده إنتِ هبلة بقى!
بصتلها يُسر وقالت بحدة: أنا مش زيك يا دينا. مش بفرح بوقفتي معاه في أوضته ولا بكلامي معاه. الرخص ده لايق عليكي إنتِ بس!
احمر وشها من شدة الحقد. ولولا إن يُسر قالت كلامها ومشيت من قدامها كانت دينا هجمت عليها زي الكلب المسعور.
طلعت يُسر لجناحُه وهي متضررة جدًا. خبطت على الباب وبعدت خطوتين. فتحلها الباب وجسمُه كله عرق. لابس كنزة سودا بحمالات عريضة ملتصقة بجسمُه اللي كله عضلات، وعلى كتفه منشفة سودا.
اتـفـاجـأت من مظهره فـ بصت في الأرض وقالت بصوت خافت: عايزة أمشي!
قال وهو بينهج: تمشي تروحي فين؟
قال بنفس النبرة: هروح لجدتي! قالولي إن الخدم بيباتوا هنا بس أنا مينفعش أبات عشان جدتي بتبقى قاعدة لوحدها!
بصلها، عينيه بتتأمل هيئتها الضعيفة. راسها المنكسّة وجسمها الضئيل وحجابها المحكم على راسها من غير ما شعرة تبان. إيديها اللي لاحظ على واحدة منهم حرق وشكله جديد. وهنا فهم ليه إيديها كانت بتترعش الصبح. عبايتها البالية وجزمتها المقشرة.
رجع بص لوشها الأبيض وكأن فيه نور غريب طالع منه. سرح في ملامحها ولما طال صمته رفعت بؤبؤ عينيها له وقالت: أمشي؟
فاق على كلمتها، فـ قال بهدوء: إمشي!
أول ما خدت الإذن لفت ضهرها ومشيت بخطوات شبه سريعة. فـ سند على إطار باب جناحُه وهو بيتأمل تفاصيل جسمها اللي مش باينة أصلًا تحت عباية اللي المفروض تلبسها جدة جدتها - من وجهة نظره - إلا إنه متأكد إنها لو قلعت العباية دي هيلاقي أنوثة متفجرة وهو عارف. وحتة القماشة اللي على راسها - من وجهة نظره أيضًا - لو شالتها هينساب شعر حريري بين إيديه. وللحظة الشيطان صورهالُه وهي في حضنه، بضعفها وقلة حيلتها دي.
هنا عرف إن خياله سرح لنقطة هو مش حاببها. غمض عينيه وداس على جفونه بإصبعيه، ودخل جناحُه رزع الباب وراه!
لما دخل خد تليفونه واتصل برقم. وأول ما اتفتحت السكة قال هو بهدوء: محمد.. البنت اللي جبتها هنا الصبح هتلاقيها طالعة من الفيلا. وصّلها البيت اللي جبتها منه!
تؤمر يابيه!
قفل معاه، وحط التليفون على جنب ودخل يكمل تمرينُه..
***
بس أنا عايزة أروح لوحدي يا عمو محمد!
قالت يُسر باستغراب من وقوفه قدامه وفاتحلها باب العربية. فـ قال عم محمد بلطف: يابنتي إحنا نص الليل. مينفعش بنت جميلة زيك تمشي في الشارع لوحدها!
ابتسمت يُسر ببراءة وهي بتفتكر أبوها اللي كان بيعاملها بنفس الطريقة. فـ قالت بهدوء: حاضر يا عمو محمد.. هركب!
***
فتحت باب الشقة بمفتاحها الخاص. وعلى الذهول وشها وهي شايفة عمها قاعد وبيستشيط غضب، وجدتها قاعدة بتعيط. وأول ما شافوها جدتها هتفت بلهفة: يُسر!!! كنتي فين يا بنتي كدا تحرقي قلبي عليكي!
ولسه كانت هتتكلم لقت عمها بيمشي ناحيتها بسرعة فـ اتخضت ورجعت خطوات لورا. إلا إنه بكل عنف، رفع إيده الضخمة ولطم وشها لدرجة إنها وقعت على الأرض مصدومة من فعلته.
رفعت وشها ليه وهي حاطة إيديها على جنب وشها وشفايفها بتنزف. صرخت جدتها وراحت ناحية عمها مسكت إيده بتحاول تهديه إلا إنه صرخ في يُسر بكل قسوة: راجعة لي آخر الليل يا فاجرة!!! بتمشي من الصبح وراجعة في نص الليالي! ويا ترى نمتي مع كام راجل يا بنت أخويا!!!
بصتله والصدمة متشكلة في عينيها. وصرخت فيه فجأة بصوت حاد: إيه اللي إنت بتقوله ده!!! إنت إزاي تتكلم عليا بالشكل ده!!! أنا كنت في شغلي ولسه راجعة!
صرخ فيها بحدة أكبر: شغلك!!! إنتِ فاكرة إني أهبل هتضحكي عليا بكلمتين زي جدتك وتقوليلها أصلي بشتغل خدامة!! مختوم أنا على قفايا؟
قامت وقفت على رجليها وصرخت فيه بقوة: لو مش عايز تصدق إنت حر. دي مش مشكلتي، بس ملكش الحق تيجي لحد بيتنا وتضربني بالقلم بالشكل ده؟ ليه إنت كنت فين وأبويا بيموت؟ فكرت تقف جنبنا؟ لما كلمتك وقلتلك عايزة فلوس فكرت تساعدني؟ جاي عايز مننا إيه! رُد عليا عايز إيه!!!!!
دفع حنان بكل جبروت، ومسك يُسر من حجابها وهزها بعنف فـ صرخت الأخيرة وهي حاسة إن جذور شعرها هتطلع في إيده: وده يخليكي تدوري على حل شعرك يا بنت الـ**** يا ****!!!!
ومن شدة الألم الذي شعرت به أُغشي عليها بين يداه. فـ لطمت حنان على وجهها وهي تبعده ملتقطة حفيدتها بين يداها تصرخ بولدها: إمشي يا عزيز إمـشـي!!! أنا الغلطانة إني استنجدت بيك وجيبتك. إمشي يا ابن بطني قلبي وربي غضبانين عليك ليوم الدين!!!
نظر لها عزيز بحدة ورجع بص لـ يُسر التي تشبه الأموات، وسابهم ومشي. حاولت حنان تفوقها بكل الطرق ومافيش فايدة. معرفتش تعمل إيه غير إنها تستنجد بجارتها اللي جات وعرفتها تفوق يُسر بعد محاولات عديدة. وأول ما فاقت خدتها حنان في حضنها تعيد ترتيب خصلاتها المبعثرة، وتقول بكل لهفة: الحمدلله إنك فوقتي يا حبيبتي.. وجعتي قلبي عليكي يا يُسر يا بنتي!
كان وجهها خاليًا من المعالم، خاليًا من كل شيء. حتى أنها أبعدت ذراعي جدتها بهدوء وتركتها لتدلف لغرفتها مرتمية على فراشها وعيناها تفيض دموعًا، إلى أن نامت بعمق ودموعها لسه مغرقة وشها!
***
صحت من نومها حاسة بكل إنش في جسمها واجعها. وقفت قدام مرايتها واتفاجأت بشحوب وشها كأنها ميتة، وبصوابع لسه معلمة على جنب وشها، وبتجلط الدم في جنب شفايفها.
حاولت تتغاضى عن منظرها ولبست عبايتها ولفّت طرحتها وخرجت من غرفتها. بصت لجدتها اللي قاعدة بتصلي. ولما شافتها لابسة قالت بألم: رايحة الشغل ده بردو يا بنتي؟
بصتلها يُسر بهدوء ومردتش عليها واتجهت ناحية الباب. وقفتها حنان بصوت حزين: أنا آسفة يا يُسر، أنا اللي جيبته هنا. حقك عليا يا بنتي!
تساقطت دمعات يُسر فـ مسحتها بعنف، وخرجت من الشقة وجسدها يرتجف من نحيب بكاء مكتوم في صدرها. وأول ما خرجت وجدت عم محمد واقف مستنيها. ابتسمت في وشه ابتسامة خفيفة بينما هو بصلها بصدمة وقال بقلق عليها: يُسر!!! إيه اللي في وشك ده يا بنتي؟
قالت يُسر بتحاول تختلق كذبة: اتخبطت يا عمو محمد! خبطة خفيفة عادي!
قال بتوجس: خبطة خفيفة! لأ ده ضرب يا بنتي! إنتِ شايفاني كبرت وخرفت وهتعرفي تضحكي عليا بكلمتين يا يُسر!
قالت يُسر بحزن: والله أبداً يا عمو محمد مكانش قصدي كدا! حقك عليا!
وفتحت الباب وركبت في محاولة إنها تمنعه من أي أسئلة إضافية! ترجل هو العربية بقلة حيلة منه!
بعد ساعة وشوية خرجت من العربية ومشيت بخطوات سريعة إلى حد ما للقصر. فـ تنهد الأخير وضرب كف بكف. خبطت يُسر على الباب فـ فتحتلها واحدة من الخدم اللي بصتلها باستغراب من شكلها.
دخلت يُسر المطبخ وقالت بخفوت وهي منزلة وشها عشان محدش يفتح معاها أي أسئلة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته!
وعليكم السلام ورحمة الله!
قالت رحاب بترحّاب ومخدتش بالها من وشها. إلى إن يُسر لما رفعت وشها عشان تبص على أنحاء المطبخ وتستنبط المطلوب منها اتصدمت رحاب وقالت بخضة: مالك يا يُسر؟ إيه العلامات اللي على وشك دي!
التفتت دينا باستغراب وعلت ابتسامة شماتة على وشها لما لقت يُسر بحالة وشها دي. فـ ردت بسخرية: مين ضربك يا يُسر؟ لأ بس الشهادة لله تسلم إيده!
بصتلها يُسر بضيق ومردتش. فـ نهرتها رحاب وقالت بحدة: ديــنا!!! مالكيش دعوة إنتِ وشوفي شغلك من سكات!!!
بصتلها دينا بمقت وكملت شغلها بالفعل. فـ قربت رحاب من يُسر وخدتها من إيديها ووقفوا في جنب منزوي من المطبخ الكبير: تعالي يا بنتي!
ولما وقفوا استرسلت رحاب بحنان: مين يا حبيبتي اللي عمل فيكي كدا! احكيلي يا يُسر أنا زي أمك!
بصتلها يُسر وانهارت الدموع من عينيها وقالت بضعف: عمي.. فاكرني بشتغل في حاجة مش كويسة!
ورغم إن جملتها كانت مختصرة جدًا إلا إن رحاب شعرت بالأسف عليها. وربتت على كتفها وقالت برفق: اهدي يا يُسر. مدام مش بتغضبي ربنا يبقى تحطي صباعك في عين التخين!
أومأت لها يُسر، فالذي أصابها هذا كان لأنها دافعت عن نفسها. كملت رحاب بهدوء: يلا يا حبيبتي.. انسى اللي حصل وتعالي نكمل شغلنا!
وبالفعل عملت يُسر شغلها وحمدت ربنا إن هي متصادفتش بيه، لإنها مش ناقصة تشوف شماتة في عينه هو كمان! ولما كانت بتوظف الأكل مخدتش باله وهي منزلة راسها وخبطت فجأة في حيط بشري قاسي رجعت على آثار الخبطة خمس خطوات لورا ورجعت فوقيهم خطوتين من صدمتها. رفعت وشها ليه فـ لقته هو واقف بجمود شديد وحل مكان جموده استغراب وهو شايف وشها اللي اتطبعت عليه علامات صوابع غليظة. ونزل بعينيه لشفايفها اللي على نفس الناحية تجلط دم. ومكانش فيه غير سؤال واحد بيتردد في دماغه.. مين اتجرأ وعمل فيها كدا؟
بصتله يُسر بعيون ضعيفة وقالت بخفوت: أنا آسفة!
وسابته ومشيت. عينه فضلت عليها لحد ما دخلت المطبخ. حاول يبعد أي تساؤلات عن عقله. واتجه ناحية الكرسي المتمركز طوال الطاولة الطويلة. قعد وسند راسُه لورا مغمض عينيه.
سمع صوت الجرس فابتسم بسخرية وهو عارف مين. بعد شوية سمع صوتها العالي بتزعق لواحدة من الخدم عرف هي مين: إنتِ اتجننتي يا بتاعة إنتِ!! بتسأليني أنا مين!!!
بصتلها يُسر بخضة من هجومها المفاجئ عليها لحد ما جات رحاب وقالت بترحاب مختلط بالتوتر: أهلاً يا ريّا هانم نوّرتي. معلش هي البنت لسه جديدة بس!!!
بصتلها ريّا بنزق وسابت الشنط على الأرض وهي بتشاور لـ يُسر بعنجهية: طلّعيهم على أوضتي!
بصتلها يُسر بضيق دلوقتي عرفت إبنها طالع لمين. راحت ريّا ناحية زين وابتسمت لما شافته. مالت عليه وطبعت قبلة على وجنته الصلبة وهي بتقول: وحشتني يا زين!
زين اتعدل في جلسته، بيتمنى يطلع لجناحُه ويعقم وشه من شفاه ملوثة خايف تلوثه معاها. وبكل برود وهو بيبصلها في عينيها قال: متشكر!
مدتش أي رد فعل. حتى نظرة حزن في عينيها مكانتش موجودة. ولما الأكل جه ويُسر بتقدمُه قالتلها ريّا بحدة: طلّعتي الشنط؟
أومأت لها يُسر. فـ قالت ريّا بضيق: اعمليلي قهوة!
حاضر!
قالت يُسر بهدوء. عينيه فضلت عليها. ابتدى ياكل بشراهة. أول مرة يعجبه طعم أكل بالشكل ده. بصتله ريّا ومأكلتش. وهو ماسألهاش عن السبب. جابت يُسر القهوة، وحطتها قدام ريّا ولسه كانت هتمشي وقفتها وقالت بعنجهية: استني يا بنت!
مسكت فنجان القهوة واتغاضت عن سخونتها ورشفت منها رشفة صغيرة. وابتسمت بخبث ومن دون مقدمات رمت كوب القهوة على الأرض فـ تناثر منها على إيد يُسر اللي رجعت ورا ضامة إيدها ليها بتبصلها بصدمة. وكله ده كان بيحصل تحت عيون زين. فـ قالت ريّا بهدوء تام: مرة أوي. أنا عايزاها بمعلقتين سكر!
بصت يُسر لإيديها اللي التهب بعض أجزائها. ومردتش. إلا إنها اتفاجأت بصوت زين بيقول بهدوء وهو بيحط معلقته جنب الطبق: لما تطلبي حاجة من الخدم بتوعي.. تطلبيها بطريقة كويسة!
ريّا بصتله بصدمة. وغرورها مقدرش يتحمل كلامُه. فـ قال بحدة: إنت هتعلّمني أتعامل مع الخدم بتوعك إزاي يا زين!
هنا زين خبط على السفرة وقال بقسوة: آه أعلمك!
وبص لـ يُسر اللي كانت باصة للأرض بحزن وقال بهدوء معاكس لنبرته السابقة: خلي حد تاني من الخدم يعملها القهوة. مدام عمايلك مش عاجباها!
مكانش قدامها غير إنها تومئ بهدوء. وتروح للمطبخ تنفذ اللي قالها عليه. بصتله ريّا بضيق شديد وقالت: أسمي ده إيه يا زين!
زي ما تسميه!
قال ببرود وهو بيكمل أكل. فـ خبطت السفرة وقامت طلعت على جناحها وهي حاسة إن العفاريت بتتنطط قدام عينيها.
راحت يُسر تشيل الأطباق من قُدامه لما ندهلها. لاحظ إيديها المُلتهبة فـ قال بضيق: حطي أي كريم حروق! سايباها كدا إزاي!
اتـوتـرت فـ قالت بهدوء: هحط!
لاحت في عينيها نظرة حزن اختفت سريعاً وهي متأكدة إنه قالها كدا عشان منظر إيديها جايز يكون مدايقُه. مشيت من قُدامه فـ خرج هو برّا الفيلا وقعد في الجنينة. حاطط اللاب توب على رجله وماسك سيجارته.
فجأة لقى رحاب بتجري عليه وبتقول بعياط: زين بيه!! ريّا هانم بتضرب يُسر!!!
اتصدم! لدرجة إنه رمى اللاب توب على الأرض ومسك سيجارته بين صوابعه وهو بيمشي بخطوات سريعة لـ جوا الفيلا. لقى يُسر منهارة في العياط وريّا ماسكة دراعها بقسوة غارزة ضوافرها في جلدها بتهزها بعنف لدرجة إن حجابها أظهر عن بعض خصلاتها الحريرية من قدام. فحاولت تعدله بإيديها التانية وسط عياطها.
هنا هدر زين بقوة بيقول بعنف: إيه اللي بيحصل في بيتي ده!!!!!
وبقسوة دفعت ريّا يُسر ناحية زين لدرجة إنها خبطت في صدره وشبه كانت في حضنه فـ بعدت بسرعة وكأن سلك كهربا مسّها. ووقفت وراه وكأنها بتتحامى فيه. وعمرها ما كانت تتخيل إن ده بالذات هتتحامى فيه.
صوت ريّا صدح وهي بتقول بقوة: البت دي مالهاش قعدة هنا! بقى حتة الجربوعة دي تتجرأ عليا بالشكل ده وأقولها أقلعني الجزمة ومترضاش!
حس بنار في قلبه. وصوت عياطها وشهقاتها من ورا ضهره حاسس بيه. فـ قال بحدة: ومتقلعهاش إنتِ ليه يا ريّا هانم! أنا سبق وقلتلك إن الخدم بتوعي تتعاملي معاهم باحترام!
زيــن!!!! إنت اتجننت! إزاي تتكلم معايا كدا عشان حتة بت حقيرة زي دي!
صرخت فيه وآخر ذرة عقل كانت فيها راحت مع وقوفه ضدها. هنا صرخ هو بصوت جهوري عالي خلى يُسر ترتجف: كُــلُّــوا يـــروح عــلــى المــطــبــخ!!!!
انصرف الجميع وأولهم كانت يُسر اللي كانت كاتمة شهقاتها الباكية في قلبها. ولما بقوا لوحدهم قرب منها، وهمس بصوت بارد وبابتسامة ساخرة: الحقيرة اللي بتقولي عليها دي أشرف من واحدة كانت بتجيب عشيقها بيت جوزها اللي واكلة شاربة نايمة في بيته.. وتنام معاه قدام ابنها!!!!!
رواية ضراوة ذئب "زين الحريري" الفصل الرابع 4 - بقلم سارة الحلفاوي
شُحِب وشها و إهتزت بصرها وهي بتبص له مصدومة.
رفعت إيديها تلمس كتفه إلا إنه بعد خطوتين.
لسه الابتسامة الساخرة على وشه، فنزلت إيديها جنبها وقالت والدموع بتترقرق في عينيها:
- لسه فاكر؟ لسه يا زين مش قادر تسامحني؟
أطلق ضحكة رجولية مكانش فيها ذرة مرح واحدة.
قرب منها وقال وعينيه بتشع كره:
- وهي دي حاجة تتنسي برضو يا ريا هانم!
وبعدين أسامح مين؟ أسامحك إنتِ! أسامحك على أنهي غلطة فيهم؟ أسامحك على الخيانة؟ ولا على القذارة؟
ولا يمكن أسامحك إنك خدتي فلوس أبويا كلها وسبتيه يموت بحسرته لما عرف إن مراته خاينة وحرامية!
إنتي فاكرة إن مقعدك معايا هنا حب فيكي؟ ده أنا مقعدك عشان أشوف ذلّك بعيني! وأوريكِ الإمبراطورية اللي ابنك عملها بعد ما خدتي فلوس أبوه وهربتي!
تحولت ملامحه لقسوة غريبة وهو بيقول:
- مقعدك عشان الشارع هيبقى أرحم عليكي مني!
بصت له بقهر وقالت بألم:
- زين! أنا أمك يا زين! ليه كل الكره ده!!
- أهي دي غلطة أبويا الوحيدة! إنه اختار بني آدمة زيك عشان تشيل اسمه وتربي عياله!!
قال وهو غارز إصبعه السبابة في صدرها، وكمل وهو بيزود وجعها أكتر:
- واحدة زيك.. مينفعش تبقى أم!
واسترسل بقسوة:
- والبت اللي بتقولي عليها حقيرة دي.. شغالة هنا عشان تصرف على جدتها.. عشان مترميش نفسها في حضن الرجالة زي ما كنتِ بتعملي يا ريا هانم!! شرفها واجعك ولا إيه؟
إنهارت في العياط وهي حاسة بقلبها بينزف من كلامه.
بص لدموعها بعدم تأثر.
بعد عنها خطوتين وبصلها بإستحقار وطلع بعدها جناحه.
حرر أزرار قميصه وهو حاسس بحجر جاثم فوق قلبه.
شرب سيجارة ورا التانية، حاسس إن فيه وجع بينهش في جسمه.
طرقات على الباب هي اللي خلته يفوق من دوامة كان بيتسحب فيها.
سمح للطارق بالدخول.
دخلت يسر بخطوات بطيئة.
أول ما شافها حس بموجة غضب جواه وبيطلعها فيها هي.
قال بصوت قاسي:
- إيه اللي جابك؟!!
وكأنه مستنكر دخولها لجناحه.
هي مش عارفة إنها دخلت قفص الذئب برجليها؟
مش عارفة إن وجودها هنا خطر عليها وعليه؟!
صوتها الدافي الحزين كان بيردد:
- مش عايزة أكمل هنا!
قطب حاجبيه يستوعب جملتها الصغيرة.
لحد ما أدرك اللي بتقوله، فقال بإبتسامة ساخرة:
- وهتقعدي فين؟ في الشارع؟
قالت بألم:
- مظنش يهم حضرتك هقعد فين! المهم إنك تاخد شقتك واللي هتطلع منها أنا وجدتي الصبح بدري، يعني هتيجي مش هتلاقينا!!
حس بنار بتاكل في قلبه.
فاتجرأ ومسك دراعها وقال بعنف:
- والست الشريفة الخضرة رايحة فين!
بعدت إيديه بضيق وحدة وقالت بحدة:
- متتمسكنيش بالشكل ده تاني!!!!
ورفعت صوتها عليه وهي بتقول:
- وبعدين أنا مسمحلكش تتكلم معايا بالشكل ده!! ولو يهمك أوي فـ أنا هتجوز وهاخد جدتي تعيش معايا!!!
إتصدم.
إتصدم لدرجة إنه حس بالأصوات حواليه بتقل.
هتتجوز!
نفسه تقل وقال ولأول مرة تظهر صدمة في عينيه اللي مكانتش بتحمل أي مشاعر:
- هتتجوزي إزاي!
قالت ودموعها بتنزل على خدها:
- زي ما أي بنت بتتجوز!!
بص للعلامات اللي على وشها وقال ساخراً:
- والضرب ده كان عشان توافقي؟
بصت له ورجعت بصت للأرض ومعرفتش ترد.
فعلاً عمها هو اللي عايز يجبرها تتجوز ابنه عشان تبقى تحت عينه هي وأمه.
وجدتها عيطت في التليفون عشان توافق لحد ما قالتلها إنها موافقة.
موافقة تدفن نفسها بالحيا بس هي ميجرالهاش حاجة!
قرب منها زين وقال بقسوة:
- عايزة الجوازة دي؟!!
هنا إنهارت في البكاء وهي بتنفي براسها بقوة وجسمها كله بيتنفض.
لأن قلبه ليها، وقال بصوت أهدى:
- وإنتي مش عارفة إن كده جوازتك تبقى باطلة؟
قالت ببكاء وهي بتترعش:
- أنا مجبرة، مبقاش عندي غير الحل ده، مش هقدر أكمل وصلة الإهانة هنا، ولا حتى قادرة أتجوزه، أنا لو عليا عايزة أموت النهاردة قبل بكرة.. وبدعي ربنا ياخدني عنده عشان خلاص أنا مبقتش قادرة أستحمل!!
أتأمل انهيارها وقال بهدوء:
- مدام مش عايزاه متتجوزيهوش!!
قالت وهي بتنفي براسها وسط بكاءها باصة للأرض:
- هيموتوني.. لو متجوزتهوش هيموتوني!!!
بصلها للحظات والشيطان همس له بأذنُه بسبب خلى قلبه يتقبض وهو بيقول:
- إنتي غلطتي معاه؟
توقفت عن البكاء ورفعت عينيها العسلية اللي بتلمع ليه بصدمة.
وقالت وجسمها بقى يترعش أكتر لدرجة إنها انكمشت محاوطة نفسها:
- والله العظيم محصلش! ده ابن عمي وأنا مشوفتوش غير مرة واحدة من سنتين ومن ساعتها وأنا كارهاه!!!
زفر نفس عميق وقال بقوة:
- يبقى محدش يقدر يجبرك!! اقفي في وشهم وقوليلهم لأ!!!
- عمي.. عمي صعب وممكن حقيقي يموتني!
قالت بيأس حقيقي.
فـ قال بحدة:
- ولا يقدر! هتقعدي في البيت مع جدتك وهحط حراسة على الشقة ومحدش هيعرف يدخلكم!!!!!
بصت له بإستغراب ومسحت دموعها وهي بتقول بخفوت:
- ليه كل ده؟ مش إنت عايز الشقة دي! وعايزنا نمشي و...
قاطع عبارتها وقال بقوة:
- من غير أسئلة ملهاش لازمة، عندك دلوقتي اختيارين، يا تتجوزي ابن عمك ده وتعيشي طول عمرك خدامة في بيت عمك، أو تعيشي خدامة هنا في البيت وأنا مش هخلي حد يدايقك ولا يتعرضلك تاني!
بصت له بحيرة من تصرفاته الغريبة بالنسبالها.
عايز يوصل لإيه باللي بيعمله ده!!
إلا إنها قالت:
- مش عايزة أتجوز غصب عني، وحتى لو فيه بهدلة هنا أنا مضطرة أستحملها!!!
قالت كلامها وسابته ومشيت.
خد نفس عميق وعشان يخرج الغضب اللي جواه رمى فازة بطول دراعه فـ اتهشمت مية حتة!
رجعت يسر على أثر صوت الارتطام مخضوضة.
وفتحت الباب من غير ما تستأذنه.
لقته مديها ضهره العاري العريض وصوت انفاسه عالية.
بصت للمزهرية المسكينة وقربت منها.
قعدت على ركبتها ولملمت القطع الكبيرة بحذر.
لفها بيحاول يسيطر على نفسه.
راقبها بعيون ثاقبة وهي بتلملم قطع الزجاج.
بص لأيديها اللي بتترعش وهو حاسس إن ممكن تكون مريضة بمرض ما عشان كده ايديها بتترعش طول الوقت.
غمض عينيه وقال بصوته البارد:
- ابعتي حد يلمهم ملكيش دعوة إنتِ!!
بصت له للحظات ورجعت تلملمهم بهدوء وقالت:
- ملوش لزوم، أنا لميتهم خلاص!!
مرّدتش عليها.
راقب خروجها بهدوء زي دخولها بالظبط.
وكل ما تيجي في مخيلته إنها ممكن تكون في حضن حد وميبقاش هو الحد ده بيبقى عايز يطلع روحها في ايديه!!!
رجعت بمقشة وجاروف ولمتهم وهي واقفة.
وقالت بهدوء:
- أنا هرجع البيت!
قال بقوة:
- رقمي معاكِ؟
نفت براسها وقالت:
- رقم الشركة بس!!
قرب منها وخطف تليفونها الصغير من ايدها.
سجل رقمه وبصعوبة، ومدُه ليها تاني وقال بضيق:
- كلميني لو حصل حاجة!
أومأت بهدوء وهي بتاخد منه تليفونها.
وسابته ومشيت.
الليلة دي منامش.
الأصوات اللي في عقله مكانتش بتسكت.
عدت ساعة بالظبط ولقى رقم غريب بيرن عليه.
فتح الخط بسرعة فـ سمع صوتها الباكي بيهمس:
- زين بيه.. ممكن تيجي؟!!
- جاي!!!
قال من غير تردد وصوتها مبيروحش من دماغه.
لبس قميصه ونزل على السلم تلات درجات ورا بعض.
ركب عربيته وساق على سرعة عالية جداً.
وصل بيتها في زمن قياسي.
ومن غير تفاهُم رزع باب بيتها بقسوة لدرجة إنه وقع.
عينيه مشيت على مكان فـ لاقاها واقفة في ركن في الشقة ضامة إيديها اللي بتترعش لصدرها.
وشها أحمر وشفايفها بتنزف دم.
راجل كبير واقف وعلى وشه ملامح غاصبة وشاب واقف جنبه بيبص لها بخبث.
وجدتها واقفة قدام الراجل الكبير بتحاول تهديه!
بمجرد دخولها كل الأنظار اتجمعت حواليه.
وأولهم هي.
مش قادرة تفسر شعورها بالأمان أول ما شافته.
ولا قادرة تفهم ليه انزوت في أوضتها وكلمته.
كل اللي فاهماه إن دلوقتي بس عمها مش هيعرف يضربها!!
صوته صدح في الشقة وهو بيقول:
- إيه اللي بيحصل هنا!!!
- إنت مين يا أفندي!!
قال عمها وهو بيستطرد بحدة وبيقرّب منه.
فـ رد زين بحدة مماثلة وقال:
- أنا صاحب البيت ده! واللي بتشتغل عنده بنت أخوك!
ضحك عمها بسخرية وقال:
- بتشتغل!! قول بتصيع.. بتتسرمح!!! إنما بتشتغل دي كبيرة شوية!!!
ابتسم زين بجمود وقال:
- لأ أنا بتكلم عن يسر! مش بنتك!!!
تدخل ابنه وصرخ فيه بصوته الحاد المزعج:
- إنت إزاي تتكلم كده يا جدع إنت على أختي!!!
- بس يا حيلتها إنت كمان!!
رد زين وهو بيشاورله بعينه.
ورجع بص لعزيز اللي رجع خطوتين لورا وهو بيحاول يستوعب قوة اللي قدامه ده.
فـ قال زين بهدوء:
- بنت أخوك تخصني!!!
شهقت جدتها وهي بصت له بصدمة والدموع وقفت على أعتاب عيونها.
فـ رد عزيز مذهول:
- تخصك إزاي يعني!!
- يعني هتجوزها!! ومش بستأذنك.. ده أنا بعرفك! من باب العلم بالشيء يعني!!!
قال بابتسامة صفراء.
حست يسر بلسانها بيتلجم.
ومنفقتش حرف.
فـ قال حازم ابن عزيز بحدة:
- تتجوز مين إنت اتجننت!!! أنا اللي هتجوزها!!!
رد زين بعد ما فقد آخر ذرة صبر كانت جواه:
- لأ ماهو مش مزاد يا روح أمك!!
بص له عزيز والخبث اترسم في عينيه وقال:
- عايز تتجوزها.. يبقى تدفع!!
ابتسم زين وقال:
- كده إنت بدأت تفهمني!!
وكمل بخبث أكبر:
- بس إيه اللي يخليني أدفع لواحد زيك وأنا ممكن آخدها من ايديها دلوقتي ونطلع على أقرب مأذون؟
قال عزيز مبتسم:
- ومين هيتوكلها؟ إنت متعرفش إن بنت أخويا بكر ولا إيه! لازم وكيل عشان الجوازة تبقى مظبوطة!!!
- عايز كام؟!
قالها باختصار!
فـ قال عزيز ببجاحة:
- مليون!!
بكل برود قال:
- هبعتلك حد بالشيك! بس هنكتب دلوقتي!
- إنتوا إيه اللي بتعملوه ده إنتوا مجانين!!!! بتبيعوا وتشتروا في البت!!!!
صرخت حنان وهي بتضرب على رجلها.
تجاهلها عزيز تماماً وقال وعينه بتلمع بالجشع:
- مفيش كتب كتاب غير لما آخد الشيك!!
طلع زين تليفونه وعمل مكالمة سريعة.
ورجع قال بجمود:
- شوية وهالشيك هيبقى في ايدك!
- كده اتفقنا!!
قال والابتسامة شاقة ثغره.
فـ همس حازم بضيق بيقرب منه بعد ما زين خرج من البيت:
- بس أنا يابا كنت عايز أتجوز البت بجد!!
- تغور البت! بقولك مليون جنيه!!
قال عزيز وهو بيضرب على كتف ابنه من حماقته.
فـ هدر عزيز بحزن:
- كل ده ولا حاجة قصاد العسل اللي الأفندي ده هينام فيه مع بنت عمي!!
• • • • •
اتحركت يسر بخطوات بطيئة بالكاد عارفة تصلب طولها.
خرجت من الشقة لقته واقف بضهره وبيشرب سيجارة.
قربت منه وقفت قدامه ووشها ازداد احمراره.
وقالت بصوت شبه عالي رغم الارهاق اللي هي فيه:
- عملت كده ليه!!! ده إنت أول واحد جيت في بالي لما شوفت عمي في البيت وقولت هستنجد بيك إنت!!
مبصّلهاش.
وبمنتهى البرود رد:
- أنا هتجوزك!! أي واحدة مكانك تتمنى اللحظة دي!!!
بكت من قلبها وقالت:
- مش عايزة!! مش عايزة اللحظة دي ومش عايزة أتجوزك!!!
مسك دراعها بقسوة وقال:
- أومال عايزة تتجوزي مين؟!!! الو** اللي جوه ده؟!!
حاولت تبعد ايده وهي حاسة إن لمسته ليها زي النار اللي بتكوي روحها.
نفت براسها تنفي حديثه وهي بتقول بإنهاك:
- ابعد ايدك لو سمحت!!!
نفضها بعيد فـ كانت هتقع لولا تشبثها في العمود جنبها.
غمضت عينيها وقالت بألم:
- لأ عايزة أتجوزه ولا أتجوزك ولا عايزة أتجوز خالص، أنا عايزة أعيش في هدوء!
مرّدش عليها.
فـ قالت ودموعها بتنزل:
- كان إيه احساسك وإنت شايفه بيبيع ويشتري فيا وإنت موافق! إيه احساسك وإنت مشترياني بفلوسك دلوقتي؟!
بصلها للحظات وقال بنفس النبرة الباردة:
- جهزي نفسك عشان المحامي بتاعي زمانه جاي وهيديله الشيك، وأول ما يمسك الشيك هنكتب الكتاب!!!
نفت براسها واترجته.
لدرجة إنها قربت منه وضمت إيديها المرتعشة لصدرها وقالت:
- أرجوك!! أرجوك متعملش فيا كده! إنت كده بتكتب عليا الحزن طول عمري!! مش إنت.. مش إنت قولتلي إنك بس هعين حراسة عشان محدش ييجي جنبنا!!
هل هي بريئة أم أنها تصطنع هذا الكم من البراءة؟
نظر لإيديها اللي بتترعش ورجع بص لعنيها المليانة دموع ووشها اللي اختلط بياضه بحمار مش محبب ليه.
وكل ما يتخيل إن عمها ضربها بيبقى عايز يدخل يكسر عظمه.
شفايفها اللي بتنزف.. عايز يرفع ايده ويمسح الدم ده ويسيب لإبهامه حرية تحسس ملمس شفايفها الناعمة المكتنزة.
اخد نفس عميق وبص بعيد عنها ورجع قال بنفس قسوته:
- إنت فاكرة إني هعمل حاجة كده لله وللوطن؟ وهستفيد إيه لما أحطلك حراسة وخلاص! ما تبقي في بيتي ومراتي ومحدش وقتها يعرف يمس منك شعرة!
- بس أنا مش عايزة!
قالت بألم، فـ رد بجمود:
- مش مهم.. أنا عايز!!
وصل المحامي بدفتر الشيكات.
مضى زين امضته بعد ما المحامي حط المبلغ، وسلّم المحامي الشيك لعزيز.
اللي قال بفرحة:
- على بركة الله، كده نكتب الكتاب!!
المأذون وصل بالفعل بعد دقايق.
وقعد زين قدام عزيز ماسك ايده، ويسر قاعدة جنبه بتحاول تكتم شهقاتها.
ردد زين ورا المأذون ومضى.
وهي مضت بأصابع بترتجف وجدتها قاعدة حزينة على حالها.
زفر زين براحة أول ما اتكتبت على اسمه.
مشي المأذون والمحامي فـ قال زين بعد ما وقف موجهاً كلامه لعزيز وابنه:
- مش عايز أشوف وشك ولا وش ابنك تاني!!!
قال عزيز مبتسم بسماجة:
- مقبولة منك يا جوز بنت أخويا!
وشد حازم وقال بإصفرار:
- هنستأذن إحنا بقى!!!
وبالفعل مشيوا.
لفت حنان لزين وقالت ببكاء:
- إنت عايز إيه مننا يابني، ده إحنا غلابة وطول عمرنا ماشيين جنب الحيط!!
رد زين موجهاً كلامه لجدتها:
- مش عايز حاجة، هنطلع دلوقتي على شقة في الزمالك دي اللي هتقعدي فيها! والشقة دي هتتقفل لأنها مبقتش صالحة إن حد يعيش فيها!! ومتقلقيش الشقة هتتكتب باسمك عشان محدش يعرف يطلعك منها!!!
بصت له يسر مصدومة من كلامه.
وحنان قالت بفرحة:
- بجد يابني؟
ندَه زين على ماجد اللي لسه واصل واستشاط غضباً لما شاف المأذون خارج من البيت.
إلا إنه أطاع أمر سيده ودخل وهو بيقول بصوت مشحون موطي راسه:
- أمرك يا زين باشا!!
- خد الحجة ووصلها للشقة اللي في الزمالك، وابتدئ في إجراءات نقل الملكية باسمها!
- تؤمر يا بيه! اتفضلي معايا يا حجة!!
قال بهدوء.
فـ بصت يسر لجدتها ومسكت ايديها وهمست برجاء:
- تيتة.. متسبينيش لوحدي معاه!!!
ربتت حنان على كتفها وقالت بهدوء:
- ده جوزك يا بنتي!!!
بصت لها بصدمة وقالت:
- مكنش ده رأيك من دقيقتين يا تيتة!!
حزنت جدتها على حالها وقالت:
- اقبلي الأمر الواقع زي ما كلنا قبلناه يا يسر!!
وسابتها وراحت مع ماجد اللي كان بيبص لـ يسر باحتقار.
فضلت يسر عينيها ثابتة على نقطة فراغ مكان جدتها.
مفيش تعبير محتل وشها غير الصدمة والخذلان.
بصلها زين ونزل بعينيه لإيديها وأخيراً بقى قادر يحاوط الإيد اللي كلها رجفة.
وبالفعل مسك ايديها وشدها بهدوء وراه متجه لـ برا البيت.
إلا إنها نفضت ايديها وصرخت فيه لأول مرة:
- ابعد عني!!! عايز مني إيه تاني!!!
وانهارت على الأرض وهي بتبكي من قلبها:
- حتى جدتي سابتني عشان الشقة اللي هتكتبهالها باسمها، محدش فكر فيا!!!
بصلها بهدوء.
وقرب بخطوات منها ورفع وشها وهو بيقول بقلب قاسي:
- زي ما قالتلك قبل ما تمشي.. حاولي تتقبلي الأمر لإنه خلاص.. بقى أمر واقع!!
رفعت راسها وبصت له بألم وقالت:
- عندك حق! أنا مين أصلاً عشان أقف قدامك لوحدي! أنا كده كده ميتة، مش هتفرق الطريقة!!
نزل بعينيه للوجع اللي اتشكل في عينيها وعلى وشها.
حاولت تقوم بالعافية لدرجة إنها مسكت دراعه عشان تقدر تقف.
فـ بص لإيديها اللي على دراعه من غير ما يتكلم.
ولما وقفت مسك كفها وجذبها وراه بالراحة.
وقفها قدام باب العربية من غير ما يفتح لها الباب.
فـ مدت ايديها وفتحتُه هي وركبت وهي حاسة بوجع يضاهي وجع خروج الروح من الجسد.
ركب جنبها وساق العربية.
سندت هي راسها على الكرسي ودموعها بتنزل منها بصمت وهي مغمضة عينيها.
بعد مرور نص ساعة كان وصل أسفل ناطحة سحاب.
ركن العربية في الجراج الخاص بيه.
ونزل فـ نزلت وراه.
كانت تعبانة لدرجة إنها اتشابثت بدراعه عشان توقفه عن الحركة وهي بتقول ببكاء:
- بالراحة!! رجلي.. متشنجة!!! مش.. مش عارفة أمشي!!
بصلها للحظات وميل عليها وحط ايد أسفل ركبتها والتانية على ضهرها وشالها.
إتصدمت بس متكلمتش من كتر التعب اللي هي فيه لأول مرة تحس إن حتى الحروف بقت صعبة عليها.
حطت إيديها على كتفه من غير ما تبص له.
مشي بيها واتفتح الاسانسير تلقائي فـ دخل.
فـ قالت بصوتها الخافت:
- خلاص نزلني!!
- مش بمزاجك!
قال بضيق!
ينزلها إزاي بعد ما احتك جسمها الغض بصلابة جسمه؟
ينزلها إزاي بعد ما لمس جسمها لأول مرة ونفسها كان قريب من نفسه لأول مرة!
مرّدتش.
داس بصباعه على زر الطابق الخامس عشر.
غمضت عينيها بقوة لإن أكتر حاجة بتكرها الاسانسير.
لدرجة إن من خوفها حاوطت رقبته بعدم وعي وهي حاسة إنها بتتتسحب لتحت.
بصلها وغصب عنه ابتسم!!
ابتسم وهو شايف براءة جديدة عليه.
ابتسم لإنها لو واعية هي ماسكة فيه إزاي وأد إيه مقربة وشها من وشه مكانتش هتعمل كده أبداً.
قربها لصدره وفضل ساكت لحد ما وصلوا.
اتفتح الاسانسير فـ خرج.
وأول ما خرج أدركت اللي عملته فـ اتنفضت بتبعد ايديها عن رقبته.
نزلها عشان يفتح الباب فـ وقفت ورا ضهره بتشتم نفسها على غبائها وسذاجتها اللي خلتها تحضنه بالشكل ده!
فتح الباب وقالها بهدوء:
- ادخلي!
دخلت بالفعل بخطوات مرتعشة.
رفعت عينيها لـ الشقة اللي كانت أفخم من توقعاتها.
إلا إنها رجعت نزلت عينيها بحزن مدركة إن الشقة دي هتشهد على أحزن لحظات حياتها!!
رواية ضراوة ذئب "زين الحريري" الفصل الخامس 5 - بقلم سارة الحلفاوي
سمعت صوت قفل الباب فـ إتقبض قلبها أكتر. لفِت لقتُه بياخد إيديها و بيمشي بيها ناحية أوضة في آخر الشقة. دخلت وقعدت على السرير بتفرُك صوابعها.
فـ فتح الخزانة وخرّج بيچامة كانت إلى حدٍ ما مُحترمة لإنه عارف إنها مش هتقبل تلبس حاجة من الحاجات الفاضحة اللي في الدولاب. بيچامة بـ نُص كُم و برمودا!
ياريتُه إكتفى بالبيچامة، ده خرّجلها طقم داخلي راقي جدًا باللون الأبيض و حطه جنبها و قال ببرود:
- قومي خُدي شاور دافي و إلبسي البيچامة دي!!
إتصدمت من جرائتُه و قالت و وشها إستحال للأحمر:
- على فكرة مينفعش كدا!! إنت .. إنت بتعمل حاجات قليلة الأدب و آآ!!
- أنا جوزك! وبعدين قلة الأدب لسه جاية!!!!
بصِت للأرض و رجعت بصتلُه و قالت بحرج:
- و يا ترى ده لبس مين؟
- لبسك!
قال ببساطة، فـ قطّبت حاجبيها و قالت:
- يعني قرار إنك عايز تتجوزني ده مجاش صُدفة! دي خطة بقى!!
قال بنفس البرود:
- متسأليش أسئلة مالهاش لازمة، قومي غيّري!
و خرج من الأوضة كلها. فـ مسكت البيچامة و الطقم الداخلي بتبصلُه برهبة حقيقية. دخلت المرحاض و قفلت الباب على نفسها كويس. نزعت كُل ملابسها و دخلت تحت الدُش، بتحاول تلغي أي أفكار تيجي في دماغها تزود الرعب في قلبها. ليه دونًا عن كل البنات هي تبقى زوجة للوحش اللي برا ده!!
خرجت من تحت الدُش و لبست الهدوم. نشفت شعرها بالفوطة و سابتُه ينزل على ضهرها اللي كان واصل لآخرُه. إرتجفت و هي مش مصدقة إنها هتطلع كدا و لسه مش مستوعبة فكرة إنه بقى جوزها. خرجت من الحمام بصعوبة بعد تردد كبير. حمدت ربنا إنه مش في الأوضة.
و بعد مرور ساعة و هي ضامة رجليها لصدرها منزوية في آخر الفراش العريض، قامت و فتحت الباب دورت عليه في الصالة و المطبخ و لما ملقتهوش إبتسمت بسعاده و دخلت الأوضة بسُرعة قفلت كل الأنوار و نامت و دثرت نفسها بالغطا من رأسها لأخمَص قدميها!!!
صحيت اليوم اللي بعدُه و أول حاجه دورت عليها بعينيها كان هو. قامت ودوّرت في الشقة كلها وملقتهوش. لحد م فقدت الأمل و دخلت تعمل حاجه تاكُلها. و لحُسن حظها التلاجة كانت مليانة بأكل يشهي الأنفس. أكل لأول مرة بتشوفه، و أكل حُرمت منُه. أكلت لحد ما شبعت و بعدها حشِت بالخجل لإنها كلت كتير و همست لنفسها بحُزن:
- ليه كلتي كُل ده؟! دلوقتي ييجي يشوفك واكله ده كلُه .. هيقول إيه عليكِ!!
و إسترسلت بغرابة:
- هو راح فين!!!
يومان .. ثمانية و أربعون ساعة من دون حتى أن ترى طيفُه. كُل م تصحى و متلاقيهوش تنام تاني. للحظة حسِت بإهانة فظيعة. إتجوزها ليه مدام مش عايز حتى يقعد في المكان اللي هي قاعدة فيه. عينيها وارمة من شدة البكاء، مش عارفة هي بتبكي ليه، بتبكي إنه مش موجود! دي مُستحيلة! جايز بتبكي لإنها حسِت إنها لوحدها مش معاها حد بين أربع حيطان كاتمين على نفَسها. حضنت مخدتها و إنهارت في العياط أكتر. من إمبارح و هي بتحلم بكوابيس غريبة، و تصحى مخضوضة متلاقيش حتى حد يناولها كوباية مايه، فـ تعيط شوية زي الأطفال و ترجع تنام تاني.
لحد م صحيت في صباح اليوم التالت سمعت صوت كركبة برا. خافت جدًا و ضمت الغطاء لصدرها بتغطى جسمها الظاهر من منامية حرير باللون الأحمر حمّالات واصلة لأعلى رُكبتها. قامت بسُرعة ولبست روب القميص اللي كانت لابساه فـ غطَّى الروب لحد آخر رجلها. طلعت من الأوضة و الذُعر باين على وشها. لقتُه واقف في المطبخ مديها ضهرُه بيفضي حاجات من الكيس.
و صوته الرجولي قال بهدوء:
- متخافيش! ده أنا!
إزاي عرف إنها واقفة وراه؟! زفرت نفس عميق إلا إن الضيق إحتل ملامح وشها و هي بتقول بحدة:
- كُنت فين؟
إبتسم ساخرًا و هو لسه مشافهاش و قال:
- وحشتك؟
قرّبت منُه و صرّخت فيه و هي بتقول بصوت يشوبه البُكاء:
- رُد على سؤالي!!! جيبتني هنا و رمتني زي الكلبة و سيبتلي شوية أكل في التلاجة عشان عارف إنك هتغيب!! و مدام إنت مش عايز تقعد معايا لييه تتجوزني من الأول!!!
لفِلها ولسه كان هيتكلم إلا إن لسانه إتكبل بسلاسل من حديد لما شاف أُنثى مُبهرة فاتنة واقفة قُدامه، لابسة روب أحمر إتفتح شوية من عند نهديها فـ ظهرهم بـ سخاء، شعر بُني كستنائي نفس لون عينيها مُبعثر شوية إلا إنه مازال مُحتفظ بنعومته، ملامح ملائكية و وش أحمر من أثار النوم، عيون بتلمع من العياط اللي على وشك إنها تعيطُه. عينيه بتشرب تفاصيلها، تفاصيل مُهلكة. إزاي حد ممكن ياخد كل القدر من الجمال ده لوحدُه، إزاي سابها اليومين دول أصلًا!! عينيه ثبتت على شفايفها اللي بتترعش و هي بتقول بصوت مخنوق غافلة تمامًا عن نظراتُه اللي بتاكُلها:
- إنت عارف أنا شوفت إيه في اليومين دول؟ عارف كنت بحلم بكام كابوس في اليوم و اقوم مخضوضة معيطة عشان قاعدة لوحدي و آآآمقدرش يتحمل، في لحظة كان محاوط وشها بين إيديه بيُقبل شفتيها المُكتنزة بنهم، قُبلة جامحة مُتعدية على حُرمة شفتيها مُنتهكة عُذريتها إنتهاك كامل، بيخطف شعور أول قُبلة و أول لمسة. يُسر إتصدمت، مقدرتش تتجاوب معاه وفي نفس الوقت مكانش عندها القوة الكافية عشان تبعدُه. صوابعه اللي بتتغلغل خُصلاتها و اللهفة اللي كانت في قُبلته و إيده التانية محاوطة خصرها بقوة بتقرب جسمها من جسمُه. حطت كفيها على صدرُه بتحاول بضعف تبعدُه و كل اللي عملتُه إنها زودت لهيب الشوق في قلبُه أكتر. مكانتش عارفة إن بلمسة إيديها على صدرُه و الضعف اللي إتملك منها هيخلوه يفقد السيطرة على نفسُه أكتر. لما حَس بنفسها بيروح بِعد، فـ لهثت بتحاول تاخد أكبر قدر من الأكسچين تاني، و هو كذلك. إتفاجئت بيه ساند جبينه على جبينها مغمض عينيها و هي غمضت عينيها و حاسه برجفة في قلبها، فـ هي بتختبر لأول مرة في حياتها لمسة راجل ليها. حَست بإيدُه بتحرر عُقدة رُباط الروب، فـ همست بخوف حقيقي و هي لسه مغمضة عينيها:
- أنا خايفة!!
نزل بعينيه لجسمها و زي م توقع الأنوثة الفتّاكة اللي كانت مخبياها ورا العباية، و لما سمع جُملتها بهدوء وقّع الروب الحريري من على كتفها و قال بهدوء:
- مش هأذيكي!!
هو عايز يصارحها إن هو نفسُه خايف، خايفه عليها منُه، خايف من رغبته فيها و شهوته تإذيها. فـ سمعها بتقول برجفة و حُزن:
- من أول ما شوفتني .. و إنت بتإذيني!!!
ميّل و شالها بين إيديه و مرَدش عليها. هو دلوقتي مش في دماغُه أي حاجه غير إنه عايز الجمال ده كله دلوقتي يبقى بين إيديه. نيّمها على السرير و طَل عليها بكتفُه العريض ساند إيدُه جنب راسها. نزل بشفايفُه لدقنها و طبع قبلة تليها قبلة. جانب ثغرها و خدها و جفونها المُغمضة و هي حاسة بشعور غريب بتختبرُه في بطنها لأول مرة، شعور شبه تحليق فراشات باللون الوردي. قُبلاته كانت حنونة لدرجة هي نفسها متخيلتهاش. عِرف إزاي يخليها تسلملُه نفسها و بإرادتها. عِرف أزاي يمتلكها بدون أدنى مُقاومة منها تُذكر. بالعكس .. في بعض اللحظات إتفاجئت بنفسها بتتجاوب معاه. لحد مـ بقت قُدام ربنا مراته فعلًا مش قولًا و بس!
صحيت هي من النوم الأول. كان لسه نايم على بطنُه وضهره العريض في مواجهتها. إتأملت ملامحُه الرجولية الوسيمة جدًا. عيون مُحاطة برموش كثيفة و لو فتحهم هيكشف عن لون زيتوني بديع. أنف حاد مع شفايف حادة مرسومة. و شعرُه كان إسود زي اليل كثيف لدرجة إن جالها رغبة في إنها تغمر أناملها الرقيقة في شعرُه بس خافت يصحى. حاولت تقوم فـ تآوهت بألم و هي حاسه بوجع رهيب جواها. و ده لإن ساعات رغبتُه كانت بتلغي أي ذرة عقل فيه و يقسى شوية عليها. مقدرتش تقوم فـ إستسلمت و فضلت نايمة جنبُه لابسة قميصُه اللي هو بنفسُه ساعدها تلبسه. غمضت عينيها و في جزء جواها بيأنبها على إستسلامها المُخزي ليه، إلا إن جانب تاني بيقولها إن ده جوزها، و إن اللي حصل طبيعي. خدت نفس عميق حاسة إن عقلها هينفجر. لحد م حسِت بتململُه و إنه على وشك يصحى، فـ مثلت النوم بسُرعة عشان تعرف هيعمل إيه. إتفاجئت بيه بيمسح على شعرها و بيبوس جبينها!!! إتصدمت، و لولا إنه قام يدخل الحمام كانت فتحت عينيها بدهشة. ده مسح على شعرها! ده عمل نفس الحركة اللي أبوها زمان كان بيعملها، و مش بس كدا ده كمان طبع قبلة على جبينها. إبتسمت بإتساع و إستنتُه لحد م يطلع. لما طلع حاولت تتعدل في قعدتها إلا إن غصب عنها تآوهت بألم. فـ قرّب منها و قعد قُدامها و هو بيبُص على جسمها بيتأكد إنها كويسة:
- مالك؟
تمتمت بخجل:
- موجوعة شوية!
و فركت صوابعها من كُتر الخجل. إتنهد و هو عارف إن في بعض اللحظات مكانش رقيق معاها و على العكس تمامًا. فـ قال بنفس نبرتُه الهادية:
- عايزاني أساعدك في حاجه؟ أسحَّمك؟!
رفضت مُسرعة بشكل قاطغ و الخجل بيتملك منها أكتر:
- لاء لاء!! أنا هقوم و هبقى كويسة!!!
حط إيدُه تحت ركبتها و التانية على ضهرها و شالها بحذر. ضمها لصدره و دخل بيها الحمام و نزلها بهدوء على أرضية الحمام. فـ بصت في الأرض و إيديها بتترعش كعادتها. مسك إيديها و قال و هو بيبُص لعنيها:
- ليه إيدك بتترعش على طول؟
قالت بحُزن:
- لما كشفت قالولي ضعف في الأعصاب وأنيميا!!
بَص لـ وشها و رجع بَص لإيديها اللي بين إيديه. و مشي بإبهامه على جلد كفها للحظات. و بعد عنها شوية ظبطلها الماية الدافية في البانيو و قفلُه عشان يملى. و بصلها و قال بهدوء:
- أقعُدي في البانيو و هتحسي إنك أحسن!!
أومأت بـ وداعة. فـ قال و هو بيبعد خصلة ثائرة ورا ودنها:
- لو إحتاجتي حاجه إندهيلي!!
- حاضر!
قالت و هي عارفه إنها مُستحيل هتندهلُه! فـ طلع من الحمام و قفل الباب وراه. حررت هي أزرار قميصُه اللي خلت ريحتُه مُلتصقة في جسمها. و نزلت في البانية بتإن بألم و الماية بتغمُر كل جزء في جسمها. رجّعت راسها لورا و حسِت بإسترخاء حقيقي. لما حسِت إنها بقت كويسة قامت. إغتسلت و لفت حوالين جسمها فوطة و خرجت. لقتُه واقف في البلكونة بيشرب سيجارة مديها ضهرُه. خدت لبسها وطلعت تغير في أوضة تانية من خجلها. و لما خلّصت طلعت من الأوضة فـ لقتُه قاعد على السرير باصص قُدامُه بشرود. راحت و قعدت جنبُه بتلقائية. فـ بصلها وقال:
- بقيتي أحسن؟
- الحمدلله!
قالت بهدوء. فـ أوما براسُه و قال:
- هنقعد يومين هنا، و هنرجع القصر، هترجعيه مراتي مش خدّامة!!
- و مامتك؟!
قالت بـ توجس. فـ هتف بحدة:
- حاجه متخُصهاش!! مش مُهتم أساسًا بموافقتها!!
لما بيتعصب، بتحس بـ إن في بركان على وشك الإنفجار. سكتت تمامًا بتُدرك إنها لسه بتخاف منُه. بصلها و قال بضيق:
- سيرتها متتجابش بينا!
- حاضر!
قالت بخفوت و هي باصّة لصوابعها. تأمل جمالها النابع من رقتها و براءتها. هي فعلًا بريئة مكانتش بتمثل، بريئة لدرجة إنه حاسس إنها لسه طفلة خام مش فاهمة ولا عارفة حاجه!! غمّض عينيه و هو بيعترف إنه لأول مرة يجرب النوع ده من البنات، نوع نضيف .. بِكر زي ما بيقولوا! و الغريبة إن البريئة الطفلة اللي جنبه كانت مخلياه في أسعد لحظات حياته و هي في حُضنه و من غير أي مجهود منها!! كُل ده كان بيدور في عقلُه لحد م نطقت برفق:
- تحب تفطر إيه؟
- هطلُب فطار و غدا، متتعبيش نفسك!
قال بهدوء، فأومأت و مجادلتوش. رفع أناملُه و تحسس وشها الناعم زي بشرة الطفل، و همس بصوته الرجولي ذو البحة المميزة:
- إنتِ ليه جميلة كدا؟
مقدرتش تنطق، كل اللي عملتُه إنها سندت راسها على صدرُه وحاوطت خصرُه بأرق حُضن كان ممكن يتخيل إنه يتحضنه في حياتُه. حُضن كانت عايزه تحضنهولُه من أول ما مسح على شعرها زي أبوها و باس راسها. حاوط جسمها بدراعُه و مسح على شعرها تنازليًا. فـ رفعت راسها و همستلُه بخفوت و هي بتمسح بإبهامها على دقنُه:
- اليومين اللي مشيت فيهُم، كُنت فين؟
بصلها بهدوء. و إلتقط قُبلة من كرزتيها و همس بنفس طريقتها:
- في الڤيلا و فـ شُغلي!!
- ليه مشيت وقتها؟
قالت و الحزن إتغلغل لنبرتها. فـ قال برفق:
- هتصدقيني لو قولتلك إني خوفت عليكي؟ كنت عارف إنك كنتي كارهاني وقتها، و أنا مكُنتش هقدر أستحمل إننا نبقى تحت سقف واحد و ملمسكيش! و في نفس الوقت مكُنتش عايز أخدك بالعافية! لإن مش زين الحريري اللي يُجبر واحدة تبقى معاه في السرير! عشان كدا سيبتك يومين تهدي!
سندت راسها على صدرُه. و همست حزينة:
- كُنت كل ما أقوم من النوم و ألاقي إنك لسه مجيتش أنام تاني!
- كُنت واحشك؟
قال مُبتسم بغرور. فـ إبتسمت هي كمان و قالت:
- لاء مش قصة واحشني .. بس مكُنتش حابة أقعد لوحدي!!!
رفع أحد حاجبيه من إجابتها اللي مرضتش غرورُه. و قرص أرنبة أنفها و هو بيقول:
- لا والله؟
- ممم!!
غمغمت مُبتسمة. فـ زقّها على السرير لـ ورا فـ شهقت بخضة و هو مُطل عليها بجسمُه العريض و بيقول بحدة:
- إنتِ أد اللي قولتيه ده!!!
إنكمشت بخوف و قالت:
- زين!!!
أناملُه إمتدت لمعدتها و بدأ بدغدغتها فـ تعالت ضحكاتها بتترجاه يوقّف:
- زيــن!!! زيــن كفاية عشان خاطري مش قادرة، خلاص كنت واحشني كفاية بقى!!!
قالت وسط ضحكاتها اللي خلتُه يحس إن روحه بتنتعش. وقّف دغدغة و إبتسم و ميّل عليها مُلتقطًا شفتيها بقُبلة نِهمة!!!
دخَل الڤيلا ماسك إيديها. الخدم بصوا بإستغراب و صدمة. و ريَّا اللي كانت نازلة من على السلم بصتلُهم بذهول و هي بتمتم و عينيها مُثبتة على إيديهم:
- إيـه ده! إيـه الـلـي بيـحصـل!!!
إعتلت وشُه إبتسامة صفراء. و مشي ناحية أمه و مراته في إيدُه و بصوته الجهوري:
- كُـــلـــه يــجــمــع هــنـا قُــدامــي!!!
و بالفعل إجتمع الخدم مُتراصين امامه. بصلهم بهدوء و قال مُبتسم:
- أنا إتجوزت يُسر إمبارح! و بقت على إسمي! يُسر الحريري!!!
البعض شهق مصدومًا، و البعض ناظرها بحقد. و الوحيدة اللي إبتسمت بفرحة كانت رحاب. ريَّا إتجهت ناحيته و صرّخت في وشُه:
- يعني إيه!!!! يعني إيه تربُط إسم عيلة زي عيلة الحريري بواحدة خدامة متسواش حاجه!!! رُد عليا يا زين يعني إيه اللي بتقوله ده!!!!!
إختبئت خلف ضهرُه. و مسكت في دراعُه. الحقد نبع من عينيه و هو بيبُصلها بقسوة و بيقول بنبرة اقسى:
- زي ما سمعتي، و مبقتش خدامة، بقولك بقِت حــرم زيــن الحــريــري!!!
بصتلُه ريَّا و عينيها حمرا من شدة الغضب. و إتحولت عينيها من على زين لـ يُسر و صرّخت فيها:
- وقّعتيه إزاي يا بــنــت الـكـلـب!!!!
- ريَّــــا!!!!!
هدر في وشها بحدة وهو بيجيب يُسر ورا ضهرُه. يُسر اللي دموعها نازلة من الإهانة اللي بتتعرّضها. إلا إن رد زين عليها أثلج صدرها لما هدر بقوة:
- كـلامـك مـعـايـا!!! و مش مرات زين الحريري اللي تتشتم بأبوها!! إعملي حسابك إن أي إهانة هتتوجلها يبقى كإنك بتوجهيها ليا، و إنتِ عارفة كويس إني مبسامحش في أي إهانة تتوجهلي!!!
غمّضت عينيها لما سحبها وراه لجناحُه. كانت بتمشي وراه و الرؤية متشوشة قُدامها من دموعها. دخلوا الجناح و رزع الباب فـ إنتفض جسمها. قعدت على السرير و عينيها الدامعة بتراقب تحرُكاته. كان بيروح و ييجي في الأوضة لدرجة إنُه مسك كوباية إزاز خبطها في الحيطة. إرتعش جسمها و بصتلُه برهبة. وقف قُدام الحيطة وخبط بكفُه بقسوة عدة مرات و هو بيصرخ:
- بــكــرهَّـا!!!!! بــكــره وجــودها!!! بــكــره ريـحـتـها!! نــفَــسـهـا مـبـقـتـش طـايـقُـه!!!
قامت وقفت قُدامه مصدومة بتحاول تستوعب الحالة اللي هو فيها. قرّبت منُه بسُرعه و مسكت كفُه اللي إتجرح قربتُه لصدرها و باستُه بحنان و رجعت حاوطت وشُه بإيدها التانية و قالت برفق:
- ششش إهدى .. إهدى يا حبيبي!
مسحت على وشُه برفق و صوت نفَسُه العالي حسسها إنها واقفة قدام بُركان. قرّبت منُه وقبّلت جانب ثغرُه و سندت أنفها على وشه مغمضة عينيها و قالت بحنان:
- إهدى!!
غمّض عينيه. و لأول مرة في حياتُه يحِس بحد بيحتويه للدرجة دي! هو عاش طول عُمرُه محروم من حنان الأم اللي كانت أنانية نرجسية مبتفكرش في حد غير في نفسها وبس!
قُبلتها، تربيتها على وشُه بحنو، و بشرتها الرقيقة المُلتصقة بـ خشونة بشرتُه، صوتها الهامس الأنثوي و هي بتحاول تهديه، عوامل خلتُه يهدى تمامًا، زي الطفل بين إيديها. لدرجة إنها خدتُه من إيده و قعدتُه على السرير. قعدت على ركبتها عشان تقلّعُه الشوز فـ مسك دراعها و قال بصوت مُنهك:
- قومي يا يُسر .. بتعملي إيه!!
- عايزه أقلّعك الجزمة! ينفع؟
قالت وهي بتربت على كفُه اللي ماسك دراعها. فـ مسح على خدها برفق وقال:
- مكانك مش تحت رجلي يا يُسر!!
قالت مُبتشمة:
- م أنا عارفه يا زين! بس أنا عايزه أعمل كدا!
و بالفعل بدأت تقلّعُه الجزمة. و رجعت قعدت جنبُه. حررت أزرار قميصُه بهدوء و فتحتُه. و قالتلُه بخجل:
- هحضّرلك الحمام لحد م تغير هدومك!
- طب م تكملي جِميلك!
قال و هو بيلف شعرها حوالين إصبعُه. نفت براسها و قالت بخجل:
- لاء مش هينفع بقى كفاية كدا!!!
و قامت حضّرتلُه الحمام. فـ غيّر هدومه و دخل الحمام لقاها جوا بتولعلُه شموع. إبتسم و حضنها من ضهرها دافن أنفُه في رقبتها. إبتسمت بإرتباك فـ قال بهدوء:
- بتولّعيلي شموع كمان!
قالت مُبتسمة:
- أيوا، عايزاك تقعد في البانيو و تريّح أعصابك شوية!
أخد نفس عميق و قال بشرود:
- أعصابي مش هترتاح غير و إنتِ في حُضني!
إبتسمت و حطت إيديها على دراعُه اللي مليان عروق وقالت:
- م أنا في حُضنك أهو!!
تسللت إيديه لمعدتها بتدغدغها فـ ضحكت و قال بخبث:
- ده حُضن ع الماشي! أنا عايز الحُضن التاني!!
قالت و سط ضحكتها:
- هروح أغيّر هدومي و إنت خُد الشاور!!
و وقفت على أطراف أصابعها و باستُه برقة على خدُه و مشيت. فـ إتنهد و هو حاسس إن إحتياجُه ليها مبيقلش بالعكس بيزيد!
غيّرت هدومها لـ قميص باللون الإسود حريري و فوقُه روب واصل لرُكبتها. طلع هو من الحمام لقاها بتلملم الإزاز. فـ قال بضيق:
- سيبيهُم يا يُسر!!!
بصتلُه بإستغراب و قالتلُه:
- هلمُهم على طول!
- هبعت حد يلمُهم!
قال بإنزعاج. فـ غمغمت:
- مش محتاجة يعني يا زين!!!
- يُسر قولتلك سيبي الإزاز!! ولا مش قادرة تنسي إنك كُنتِ خدّامة هنا!!!!
رواية ضراوة ذئب "زين الحريري" الفصل السادس 6 - بقلم سارة الحلفاوي
يُسر قولتلك سيبي الإزاز! ولا مش قادرة تنسي إنك كُنتِ خدّامة هنا!!!!
رمى جُملته في وشها زي القُنبلة الموقوته، إتصدمت من كلامُه، و رفعت وشها بتبصلُه بذهول، أدركت الجُملة بعد لحظات و أدرك هو صعوبة اللي قالُه بعد لحظات مُماثلة، إبتسمت بألم و هي بتكمل لملمة الإزاز وقالت:
– و دي حاجه تتنسي؟!
و رمت الإزاز في الباسكت، إتجهت للسرير و نامت على طرفُه بهدوء مديّالُه ضهرها، حاسة بقلبها بينزف، و روحها مميّلة لقُدام من شدة الألم اللي حاسه بيه!
ضلِّم الأوضة و لأول مرة في حياتُه يندم على حاجه قالها، غمّض عينيه لما قعد على السرير مميِّل لقُدام، مشبك صوابعه في بعض بيسب نفسُه في سرُه على اللي قاله، و بعد دقايق إستلقى على السرير و لَف لـ ضهرها اللي في مواجهتُه، مسك دراعها برفق وشدّها عشان تبقى قُريبة منُه و لفها في مواجهته فـ بصتلُه بعيون خالية من المشاعر، مسح على شعرها و وشه قريب جدًا من وشها، همس قُدام شفايفها وقال:
– متزعليش، مكنش قصدي أقول اللي قولتُه ده!!
قالت بهدوء:
– مش زعلانة! بس تعبانة و عايزه أنام!
إتنهد و همس:
– و أنا تعبان و عايزك!!!
قبل ما تنطق كان بيلتهم شفايفها بـ قُبلة رقيقة مُشتاقة، مقدرتش تبعدُه لإنها عارفة إنه محتاجها، مقدرتش توجعُه و تبعدُه عنها زي ما وجعها و بعّدها عنُه بجُملة مكانش قاصدها زي ما بيقول!!
***
صحيت يُسر حاسه بعطش شديد، بصتلُه و هو نايم بعُمق، فـ مسحت على خُصلاته برفق، و قامت لبست الروب بتاعها و خرجت من الغرفة لمطبخ الجناح ملقتش فيه مايه ساقعة فـ إضطرت تنزل للمطبخ الرئيسي، الڤيلا كانت ضلمة جدًا، فـ بصعوبة وصلت للمطبخ و فتحت أنوارُه و مافيش أي حد فيه كلُهم كانوا نايمين، فتحت التلاجة و طلعت إزازة مايه ساقعة، شربت بعَطش رهيب ، إلا إن جسمها إتنفض والإزازة وقعت من إيديها لما سمعت صوتها القاسي بيقول:
– نازلة بتتمشي في الڤيلا و لا أكنها ڤيلة أبوكي!!!
بصتلها بهدوء و مرَدتش، جابت الإزازة من على الأرض و غطتها ودخلتها التلاجة تاني، و عدت من جنبها عشان تمشي من المطبخ إلا إنها لقت قبضة على ذراعها بكُل قسوة بتغرز ضوافرها فيها و بتقول بحدة:
– مش أنا بكلمك يا زبالة إنتِ!!!
بصتلها يُسر بتحاول تتحامل على ألم دراعها و قالت بهدوء:
– حضرتك عايزه إيه؟!
زقتها ريَّا على الرُخامة فـ تآوهت يُسر بألم من حرف الرُخامة اللي إرتطم بضهرها، عشان بعدها تحِس بـ ألم أقوى من ألم ضهرها و هو ألم كلامها و هي بتقول بقسوة:
– إنتِ فاكرة إيه يا بت إنتِ؟ فاكرة إنه إتجوزك عشان حبِك؟ فوقي! زين إبني مبيعرفش يحب حد! ميعرفش حاجه إسمها حُب أصلًا! زين متجوزك عشان حلوة شوية! عشان شكلك و جسمك! و أول ما هيزهق منك أوعدك إنه هيرميكي بطول دراعُه و هيسيبك جنب أوسخ حيطة!!!
بصتلها بعيون مافيهاش ذرة شعور، حاطة إيديها على ضهرها، إتعدلت في وقفتها و مرّدتش عليها بل سابتها ومشيت، طلعت على السلم درجة درجة و بتفكر في كلامها، هي عارفه إنه محبهاش، جايز يكون فعلًا متجوزها رغبة مش أكتر ، إتنهدت و دخلت الجناح و الألم العاصف بضهرها مش بيخِف أبدًا، نامت على السرير بصعوبة بتبُصله بألم، و خايفة يكون فعلًا مبيحبهاش، قرّبت منُه و حطت راسها على صدرُه العاري محاوطة خصرُه، صحي على حُضنها ليه فَ مسح بإيدُه على ضهرها، أنِّت هي بألم فـ غمغم بإستغراب بصوته الناعس:
– في إيه؟!
قالت و أنفاسها عالية من شدة الألم:
– مافيش حاجه! إتخبطت في ضهري بس!!!
قام قعد نُص قعدة و قالها بضيق:
– إتخبطي إزاي يعني! لفي!!
نفت براسها و قعدت قُصاده و قالت بخجل:
– لاء مافيش داعي أنا كويسة!!!
– لفي يا يُسر!
قال بحدة، فـ إتنهدت و لفت مديالُه ضهرها و هي قاعدة، رفع القميص لقى كدمة حمرا خلتُه يتصدم، تحسسها برفق و قال بحدة:
– دي بقت كدمة! مبتاخديش بالك من نفسك ليه يا يُسر!!!
قالت بحُزن:
– اللي حصل حصل يا زين خلاص!!
زفر بضيق و فتح دُرج الكومود خرّج منُه مرهم للكدمات، رفع القميص تاني و مسكُه بإيد و بالإيد التانية فضّى القليل على الكدمة و وزّعُه بصُباعه برفق عشان متتوجعش، لحد م جلدها إمتصُه، نزل القميص و سند دقنُه على كتفها بيمسح على طول دراعها و بيقول:
– خُدي بالك بعد كدا!!!
أومأت بهدوء، فـ تسائل:
– إيه اللي نزلك المطبخ أصلًا؟!
– كنت عطشانه!
قالت بهدوء، فـ ضمها لصدرُه من ضهرها و قال برفق:
– ماشي!
و إسترسل فارد رجلُه حوالين رجلها:
– خليكِ نايمة كدا بقى عشان ضهرك!!
قالت بخجل:
– لاء لاء!! هنام على بطني و مش هيوجعني إن شاء الله!
إبتسم على خجلها و قال بهدوء:
– خلاص اللي يريحك!!
و بعّد إيدُه عن جسمها فـ قامت بحذر و نامت على بطنها، خافت روب القميص يتحرك فـ قالت لـ زين اللي كان بيراقب كل تفصيلة صغيرة بتصدر منها:
– زين مُمكن تغطيني؟
إبتسم و فرد الغطا على جسمها، سند بـ مرفقه على السرير جنبها و حط راسه على كفُه المقفول و غلغل أنامله بشعرها و هو بيقول:
– لسه مكسوفة مني!!!
شعرها كان على وشها بمنظر خلّى قلبُه يدُق دقات عنيفه، و إبتسامتها و هي بتقول:
– محسسني إننا متجوزين من عشر سنين!! أكيد بتكسف أنا ملحقتش!!!
مرَدش عليها و مسح على خدَّها و قال بفتون:
– جايبة الجمال ده منين؟!
كانت هترُد إلا إنها شردت بحُزن و تمتمت:
– مكنش ده رأيك من أسبوع، قولتلي لو شوفتني قدامك عريانة .. مش هتبُصلي!!
قرّب منها وباس راسها و تنهد، و مسح على ضهرها من فوق الغطا و هو بيقول:
– كلام يا يُسر! كنت بكدب عليكِ، من أول لحظة شوفتك فيها .. شدتيني!!!
– طب ليه كل مرة كنت مصمم توجعني بكلامك!!
قالت بحُزن لدرجة إن عينيها لمعت بدموع مكبوتة، فـ قال بهدوء:
– مش يمكن عشان أنا أصلًا موجوع!!
قالت بلهفة:
– مين وجعك؟!
– يلا يا يُسر عشان تنامي!
قال و هو بيمسح على شعرها، و طفى ضوء الأباچورة اللي جنبُه، فـ إتنهدت و غمغمت بلُطف:
– أُحضني!!
إبتسم و هو حاسس إن بنتُه اللي نايمة جنبُه، حضنها فعلًا من ضهرها و قبّل كتفها العاري و خلف رقبتها بعد ما جمّع شعرها كلُه على هيئة كعكة، لما إتأكد إنها نامت نام هو كمان .. بس الخوف اللي في قلبُه من إنه يتعلق بيها أكتر من كدا منامش!
***
– قوليلي .. حاسه بإيه دلوقتي؟
قال و هو واقف قُدام المرايا بيشمّر عن قميصُه الأبيض المُلتصق بـ عضلاتُه، زمت شفتيها بحُزن و قال بضيق:
– زعلانة!!!
لفِلها و قال بإستغراب:
– ليه مالك؟
هتفت حزينة:
– ملحقتش تقعد معايا يا زين!
إبتسم و قرّب منها، مسك دقنها و رفع وشها ليه و ميّل طبع قبلة على شفتيها و هو بيهمس أمام وشها:
– شُغلي يا يُسر! بحبُه و مقدرش أعيش من غير ما أشتغل!
– بتحبني؟!
قالت بتلقائية بريئة، إتصدم من سؤالها! بتسألُه ليه دلوقتي! بتسألُه سؤال هو نفسُه ميعرفش إجابتُه، سِكت، معرفش يقولها إيه، هو عارف إنه مبيحبهاش لإنُه متأكد إن قلبُه إسود مبيحبش حد، هو متجوزها جواز رغبة، رغبة فيها و الرغبة مينفعش معاه تبقى حُب!!!
إرتجف بؤبؤ عينيها و هي بتبُصله وسكوته خلّاها تعرف الإجابة، قامت وقفت قُدامُه و قالت و الحُزن كلُهم متشكل على ملامحها:
– طب ليه إتجوزتني؟!
– يُسر أنا هتأخر!
قالها و هو بيمشي من قدامه إلا إنها مسكت دراعُه و قالتلُه بإنكسار:
– مش هعطّلك! أنا عايزة إجابة على السؤال ده و هسيبك تمشي!!
بصلها بضيق و قال:
– يعني إيه إتجوزتك ليه يا يُسر؟! الناس بتتجوز ليه؟
قالت بألم:
– عشان بيبقوا حابين بعض!!
قال ساخرًا:
– إنتِ فاكرة إن السبب اللي بيخلي أي إتنين يتجوزوا هو الحب؟
أومأت دون رد، فـ قال بهدوء:
– عشان بريئة .. أسباب كتير تخلي أي إتنين يتجوزوا!
– طب قول متجوزني ليه!
قالت و في نبرتها رجاء يجاوب! فـ قال بهدوء:
– إتجوزتك عشان مش عايز أوسّخك! مش عايز أعمل معاكِ حاجه غلط!!!
جحظت بعينيها بتترجم كلماتُه، فـ قالت مصدومة:
– رغبة يعني؟!
– أيوا يا يُسر!
قال و هو بيتأمل صدمتها اللي على وشها، فـ تمتمت بصوت بيرتعش:
– مبتحبنيش يعني؟
– أنا مبحبش حد!!
قال بكل برود مش واعي لأثر كلماته على قلبها، نزلت إيديها من على دراعُه و قعدت على السرير، و أومأت براسها شاردة في نقطةٍ ما:
– تمام!!!
بصلها للحظات، و مشي! مشي و هو مُتأكد إن اللي قالُه ده هو الصح حتى لو وجعها، دي الحقيقة و الحقيقة مينفعش توجعها!
***
نزلت على السلم بعد م لبست عباية تشبه عباية الإستقبال، و سايبة شعرها، مافيش تعبير على وشها غير الجمود، قعدت على السفرة لما خدامة من الخدم قالتلها إن الفطار جاهز، كانت ريّا بتترأس السُفرة و بتاكل من غير ما تبُصلها، أكلت يُسر هي كمان و مبصتلهاش، لحد ما قطعت ريَّا الصمت و قالت:
– مالك يا عروسة! إبني مزعلك ولا إيه! قوليلي لو مزعلك مش هسكُت .. هروح أشكُره!
قالت ساخرة في آخر كلماتها، فـ بصتلها يُسر و إصتنعت الإبتسامة:
– متقلقيش يا حماتي!!! إبنك معيشني في هنا!!
– موقتًا!
قالت بجمود و هي بتاكل بهدوء، فـ بصت يُسر لطبقها بضيق، كملت ريّا مُبتسمة:
– هيزهق منك قريب، و هيرميكي!!!!
حسِت إن كلامها حقيقي خصوصًا لما إعترف النهاردة إنه متجوزها رغبة و الرغبة تنطفئ، و الشوق يخمد، و اللهفة تتلاشى، لمست ريّا في يُسر نقطة واجعاها أساسًا، مقدرتش يُسر تتحمل كلامها و سابت الأكل بعد م أكلت يادوب معلقتين و قامت!
طلعت جناحها و من غير م تحس إنهارت في العياط، إترمت على الأرض و خبطّت بإيديها مُنهارة في البكاء و الصراخ بتحمد ربنا إن جناحه عازل للصوت، عياط مُستمر مش قادرة تتحكم فيه، ساعة ورا التانية لحد م نامت مكانها، نامت لساعات بتهرب من واقع واجعها، دخل زين بالليل بعد م رجع من شغلُه، و لاقاها على الحالة دي، نايمة على الأرض خُصلاتها مبعثرة و إرتجافة صغيرة تضرب جسدها بين الحين و الآخر، إتخض و ميّل عليها شالها بين إيديه، حطها على السرير فـ صحيت و لما أدركت إنه قريب منها بعدت عنُه بتزحف لورا لآخر السرير، إستغرب و قال:
– إيه اللي كان منيمك على الأرض؟ و بتبعدي عني ليه؟!
– ولا حاجه!! بس .. إتخضيت!!
قالت و هي بتبصلُه بتوتر، فـ هتف بهدوء و هو بيفتحلها دراعُه:
– طب تعالي!!!
نفت براسها و لأول مرة ترفض حضنُه، و قالت بهدوء:
– هقوم أغيّر عشان العباية دي خنقاني أوي!
و قامت بالفعل مُتهربة من حُضن مش هتحس فيه غير برغبتُه ناحيتها، إستغرب و نزل أيده، مش هينكر إنه إدايق، لاء ده إتعصب!، غيّر هو كمان قميصُه و ظل عاري الصدر مع بنطال قطني، قعد على الكنبة و أشعل سيجارتُه، لحد ما طلعت هي من غرفة تبديل الملابس لابسة بيچامة كارتونية مُحتشمة، إبتسم لما شافها فـ بادلتُه إبتسامتُه وقال بطفولية:
– والله إتبسطت لما شوفتها في الدولاب، مكُنتش أتخيل إنك هتجيبلي بيچامة زي دي!!
قال بلُطف:
– شوفتك فيها مش عارف ليه!!
إبتسمت و إتجهت ناحبة السرير و نامت عليه، فـ إتضايق و ضلِّم الأوضة، نام على الطرف التانية وشدها من معدتها لصدرُه فضهرها أصبح مُلاصق لصدرُه، غمضت عينيها و قالت بهدوء:
– نعسانة أوي يا زين!
قال بهدوء:
– م أنا عارف .. هسيبك تنامي!!!
ضمت إيديها وحطتها تحت وشها، لملم هو شعرها الطويل كعكة عشوائية و ثبّت أنفُه على تجويف عنقها بيستمتع بـ ريحتها، حَس إنها نامت فـ قال مُبتسم:
– في حد ينام بالسرعة دي!
***
صحيت من النوم بتفرُك عينيها بنعاس أثر النافذة المفتوحة و الشمس بضوءها القوي داعب عينيها، بصت لـ زين اللي كان واقف قدام المراية بـ شورت طويل باللون الإسود يشبه المايوه الرجالي، بيُنثر عطرُه الفخم، فـ قالت بإستغراب:
– إنت رايح فين؟
لفِلها و قال بإبتسامة:
– هننزل البسين! يلا قومي مش عايز كسل!!!
فردت إيديها جنبها بـ نعاس حقيقي و قالت بنبرة مُتضايقة:
– بسين إيه دلوقتي!! ده أنا نعسانة نعس!!!
ولإنها كانت مغمضة عينيها مخدتش بالها إنه مشي ناحيتها و بسُرعة كان شايلها بين إيديه!!! صرّخت بخضة و إتشبثت في عنقه مواجهة لصدره العاري، إبتسم قُدام وشها المخضوض و قال:
– قولتلك قومي بمزاجك .. مقومتيش، يبقى تقومي غصب عنك!!
سندت راسها على صدرُه و قالت برجاء:
– زين أنا نعسانة، سيبني أنام شوية و لما أقوم ننزل البسين!
مشي بيها كإنها مبتتكلمش، دخل أوضة تبديل الملابس واللي كانت مليانة خزانات لبس كتير جدًا، راح نِحية دولابها و نزلها وقّفها قدامه محاوط خصرها بإيد و الإيد التانيه فتح الدولاب، فـ ضربت بقدمها في الأرض عدة مرات من عِندُه، إتصدمت من كم لبس السباحة اللي جايبهولها، و كلهم مايوهات متليقش بيها .. كلهم بكيني!! شهقت و بعدت خطوتين فـ إلتصقت بصدرُه أكتر و قالت:
– مستحيل ألبس قلة الأدب دي!!!
خرّج مايوه إسود one piece، فـ لفتلُه وقالت مصدومة:
– زين إنت واعي للي بتعملُه؟! إزاي هلبس مايوه زي ده قُدام الحرَس بتوعك و الناس اللي في القصر!!!
رفع أحد حاجبيه و قال ساخرًا:
– شايفاني بقرون؟
و إسترسل:
– أولًا هتنزلي بيه فوقيه روب شتوي مش هيبان منك حاجه يعني محدش من القصر هيشوفك! ثانيًا الحُراس واقفين برا الڤيلا عينيهم مبتجيش جوا الڤيلا و لو ده حصل هطلّع عينُه في إيده و أنا واثق إنه مش هيحصل! ثالثًا أنا لو شاكك إن في حد هيشوف بس طرَفك كدا مكُنتش هخليكي تلبسيه!
إطمنت شوية لكلامُه، إلا إنها قالت بخجل:
– طب و إنت بقى! إنت فاكر إنه عادي بالنسبالي ألبس قلة الأدب دي قُدامك؟!
قال بخبث:
– لاء أنا جوزك لو قعدتي مـ.لط قُدامي عادي!!!
– زيــن!!!
قالت بضيق، فـ إبتسم و ناولها المايوه فـ كانت هتاخدُه إلا إنه بعُده عن إيديها و قال بمكر:
– طب م أساعدك؟
– كمان!!
قالت مصدومة و شدتُه من إيديه و حطته ورا ضهرها و قالت بضيق:
– يلا إطلع برا!!!
– بتطرُديني؟!
قال بيمَثِل الدهشة، فـ أومأت بغضب طفولي، فـ قرَص أرنبة أنفها و طلع فعلًا، قفلت الباب وراه و بصِت للمايوه و هي بتقول:
– هلبسُه إزاي ده دلوقتي؟
خرجت بعد رُبع ساعة مش عارفة تغطي إيه ولا إيه، هي في الحقيقة لبستُه في خمس دقايق وباقي العشر دقايق بتفكر فيهم هتطلع إزاي!، حاولت تقنع نفسها إنه جوزها و إنه عادي يشوفها كدا، لحد م خرجت فعلًا و وشها كلُه ألوان، لقتُه قاعد على الكنبة مستنيها و في إيدُه سيجارة، أول ما شافها صفّر بإعجاب و قام وقف قُدامها و عينيه بتمشي على جسمها، كانت هتعيّط و رفعت إيديها عشان تحُطها على عينيه اللي بتاكلها إلا إنه مسك إيديها بإيده الفاضية و قال بتحذير:
– بتعملي إيه!!
– متبُصش!!
قالت غاضبة، فـ قال بخبث:
– بحاول .. مش عارف!
سابها و دخل أوضة تبديل الملابس و أخد روب تقيل جدًا باللون الإسود، فـ لفِتلُه عشان و هو جاي ميشوفهاش من ضهرها، راح ناحيتها وحط السيجاره بين شفايفُه و مسك الروب لبسهولها فـ لبستُه بسُرعة، ربط رُباطُه بإحكام وبعد خطوتين و هو بيشيل السيجاره و بينفث دخانها بعيد عن وشها و بيبصلها بتدقيق، مسك دراعها ولفّها شوية فـ بصتلُه بإستغراب بينما هو قال مُتضايقًا:
– ضيَّق من ورا!!
قالت مستغربة:
– إيه المُشكلة كلهم في القصر ستات!
قال بحدة:
– بقولك ضيَّق .. حتى لو كلهم نسوان!!!
قالت بضيق:
– نسوان!
وضربت كف على آخر، فـ قال بضيق أكبر:
– إلبسي فوقيه عبايه مفتوحة!!
قالت مصدومة:
– هيبقى شكلي معفن أوي يا زين!!
– مش مهم!!
قال و هو بيتجه لـ أوضة تبديل الملابس و أخد عباية من عبايتها السودا المفتوحة، و لبسهالها فوق الروب، فـ قالت و هي بتحاول تسيطر على ضحكتها:
– زين شكلي بشع والله!! طب م أقلع الروب بقى و أقفل كباسين العباية وخلاص!!!
– قال بحدة:
– و هنبقى عملنا إيه م هي هتفضل ضيّقة من ورا بردو!!!
مسك إيديها و لفّها فـ زفر بإرتياح لما لاقاها مش مبينة تفاصيل جسمها، و رجع لفها ليه تاني و قال مبتسمًا:
– كدا كويس، يلا تعالي!
ومسك إيديها وخرج من الجناح و هي وراه، نزلوا من على السلم و كل العبون حواليهم و أولهم ريّا اللي كانت قاعدة بتتسوق أونلاين و أول ما شافتهم وشها قلَب 180 درجة!، مكانش هامُه حد و قبل ما يخرج من الڤيلا ندَه على رحاب فـ جات بسُرعة فـ قالها بجمود:
– رحاب إقفلي ستاير الڤيلا كُلها! مش عايز حد يبُص برا الڤيلا و اللي هيبُص قوليلي على طول!!
أومأت رحاب و شرعت في تنفيذ أمرُه و قفلت الستاير بالفعل بإحكام، خرج من القصر و هي في إيدُه، وقفوا قُدام البسين اللي يُسر كانت خايفَه منُه، لفِلها زين و قال بهدوء:
– البسين عميق شوية هنا عشان أنا طويل! فـ خلي بالك!
خوِّفها أكتر، شال العباية من على كتفها فـ وقعت على الأرض، و بَص بعينيه لـ وراها و إتأكد إن الستاير كلها نازلة، حَل رُباط الروب و رجَّعه لـ ورا من عند كتفها فـ وقع جنب العباية، مسكت دراعُه وقالت برهبة:
– زين أنا خايفة!!
– متخافيش!!
قال بهدوء و ميّل عليها شالها بين إيديها و نزل على سلم البسين، حاوطت رقبتُه و هي فعلًا خايفه، و أول م الماية غمرت جسمها مسكت في رقبتُه أكتر و قالت برُعب:
– زين إياك تسيبني!!!
إبتسم و مرَدش عليها، نزِل رجليها فـ إتشبثت برقبتُه أكتر و صرّخت:
– مش لامسة الأرض يا زين والله ما لامساها!!!!
لأول مرة يضحك من قلبُه بعد سنين! ضحك لدرجة إنها كانت هتُقع منها لولا إنها ماسكة في رقبتُه و محاوطها خصره برجليها بهلع، و عشان هي لأول مرة تشوفُه بيضحك فـ ضحكت معاه مُتناسية خوفها، لحد مـ بطّل ضحك و مسح على شعرها من قُدام بيبعدُه عن عينيها و قال و لسه الإبتسامة مرسومة على وشُه:
– م أنا عارف إنك مش لامسة الأرض، قولتلك البسين عميق جدًا!
– طب أعمل إيه أنا دلوقتي!!
قالت بحُزن!، فـ قال و هو منزل عينيها لرجليه اللي محاوطة خصره و قُربها الكبير منُه و قال:
– خليكي كدا!
إحمّر وشها و لكن بعد ثواني قالت بحماس:
– بقولك إيه!! نيمني على المايه كدا!!!
قال بإستغراب:
– إيه جُرعة الشجاعة اللي خدتيها في لحظة دي!!
قالت متحمسة زي الأطفال:
– طب يلا بس!!
و فردت رجليها و سابت إيديها شوية و لولا إنه ماسك خصرها كان زمانها إتسحبت لتحت، فـ قال بمكر:
– لاء إرجعي زي ما كُنتي عشان مسيبكيش تغرقي!!
قالت بمكر أكبر:
– سيبني و مش هغرق!!
و في لحظة كان ساب جسمها فـ نزلت لتحت وبسُرعه رفعها فـ شهقت و فضلت تكُح محاوطة رقبتُه و هو بيبتسم و بيحرك إيدُه على ضهرها بهدوء، بصتلُه بضيق لدرجة إنها صرّخت فيه زي الأطفال:
– ليـه سيـبتني!!!
– إنتِ اللي قولتي!!
قال ببساطة، فـ رمقتُه بحُزن فـ هتف:
– يلا عشان أنيمك على المايه!!
إختفى حُزنها وفردت دراعها في الهوا تلقائي فـ ضحك ضحكة رجولية و شالها بين إيديه و نيّمها على المايه و هو لسه ماسكها غمّضت عينيها بإستمتاع و قالت:
– الــلــه!!!! شعور حلو اوي!!
و بالراحة إبتدى يبعد إيديه عن جسمها، و تلقائيًا رفع عينيه للڤيلا و لبرا عشان يتأكد إن مافيش حد شايفها، و فعلًا مالقاش حد بيبُص، بصلها و رجع شوية و قال بخبث:
– فتّحي عينك كدا!
فتّحت عينيها لقِته بعيد عنها و مش ماسكها، فـ إبتسمت و قالت بفرحة:
– إيه ده إنت بعيد! يعني أنا نايمة على الماية لوحدي!!
– شوفتِ!
قال بإبتسامة، قلقت شوية فـ غمضت عينيها وقالت:
– متبعدش أوي!
– متخافيش!
قال و هو بيتجه لمكان بعيد عنها عشان يمارس أكتر هواية بيحبها و هي السباحة، إبتدى يعوم بمهارة فـ فتّحت عينيها و إبتسمت لما شافتُه بيعوم، و للحظة حسِت بحاجه بتسحبها لتحت، حتى الصريخ مكانتش قادرة تصرّخُه، موجة سودا بتبلعها لجوا و هي مُستسلمة تمامًا، و للحظة مشي شريط حياتها قُدامها، غمّضت عينيها و تساقطت دمعاتها و هي بتُدرك إن دي النهاية، زين مُندمج في السباحة و مش واخد بالُه منها، و شوية الهوا اللي باقيين في رئتيها على وشك النفاذ، إستسلمت لمصيرها لكن أكتر حاجتين كان نفسها تعملهم تشوف جدتها .. و تُحضنُه قبل ما تموت! حُضن أخير!
رواية ضراوة ذئب "زين الحريري" الفصل السابع 7 - بقلم سارة الحلفاوي
حسِّت بحاجة بتسحبها لتحت، حتى الصريخ ما كانتش قادرة تصرّخه. موجة سودا بتبلعها لجوا وهي مستسلمة تمامًا. ولحظة مشي شريط حياتها قدامها. غمّضت عينيها وتساقطت دمعاتها وهي بتدرك إن دي النهاية. زين مندمج في السباحة ومش واخد باله منها. والهوا اللي باقي في رئتيها على وشك النفاذ. استسلمت لمصيرها، لكن أكتر حاجتين كان نفسها تعملهم: تشوف جدتها، وتحضنه قبل ما تموت. حضن أخير.
لحد ما حسّت بإيد قوية محاوطة خصرها بتشدها لفوق، وصوته بيصدح باسمها. ضربات خفيفة على وشها عشان تفوق، وقلق بيمسّه لأول مرة في صوته. شفايفه اللي قرّبت من شفايفها عشان تمدها بالأكسجين. فضل كده عشر دقايق لحد ما فاقت وفضلت تكح. أول ما فاقت، تشنّج وشه ارتاح تمامًا والهوا اللي كان حابسه في رئتيه خرج. لما بطلت تكح، اتفاجأت بيه محاوط وشها وبيهاجم على شفايفها بيقبلها، منفثًا عن كل مشاعر القلق والغضب والخوف عليها. كانت الرخامة وراها، ورخامة بشرية قدامها. سابها بعد دقايق وضمها لصدره بقسوة، بيخبط على الرخامة وراها وبيقول بحدة:
"مصرختيش ليه؟!"
غمّضت عينيها بتتنفس بسرعة، وحاوطت بإيديها خصره، ساندة خدها على صدره. ومحسّتش بنفسها غير وهي بتعيط. لما عيطت، بعدها عنه وحاوط خصره ومسح دموعها. ولانت نبرته وهو بيقول:
"ششش إهدي! خلاص إهدي!"
"كنت هموت!"
قالت جملتها بعد ما حاوطت عنقه، دافنة وشها في رقبته. ضمها لجسمه أكتر وقال بضيق من تخيل الفكرة:
"بعد الشر!"
غمّض عينيه بيمسح على شعرها برفق. ورفعها على الرخامة عشان تقعد، ومسك الروب حاوط بيه جسمها. وربّت على كفّيها بحنان لأول مرة وقال:
"خليكِ قاعدة هنا ارتاحي وخذي نفسك!"
ابتسمت لنبرة الحنان اللي لمستها في صوته، فـ أومأت. ربّت على خدها وراح يكمل عوم. عينيها فضلت عليه مبتسمة. لقته بينزل في المايه يعوم، فـ ضاق نفسها من اللي بيعمله لحد ما طلع. أول ما طلع قالت بإعجاب:
"اتعلمت السباحة فين؟"
"أبويا الله يرحمه!"
قال بابتسامة. فـ ضمت الروب لجسمها وقالت مبتسمة:
"نفسي أبقى كدا! بس أديك شفت لو سبتني في المايه دقيقتين بيجرالي إيه!"
قال بهدوء:
"أنا هبقى أعلمك!"
أومأت بحماس:
"ياريت!"
"نطلع؟"
"لأ عوم شوية كمان لو عايز..."
قالت بابتسامة. فـ عام فعلًا وغاص لتحت خالص. خرج بيتنفس بسرعة وعام ناحيتها وطلع على السلم. فـ قامت لبست الروب كويس وربطته. وبصتله بضيق وقالت:
"نسينا نجيب فوطة ليك!"
"عادي!"
قال وهو بيلبسها العباية، فـ ضحكت بقلة حيلة وقالت:
"بردو العباية؟!"
وكمّلت بحزن:
"زين إنت كده هتبرد والله!"
مسك إيديها ودخلوا القصر من غير ما يتكلم. دخلوا لقوا ريا قاعدة بوجوم. بصّلها زين ببرود وكملوا طريقهم ناحية السلم. طلعت يسر، وأول ما طلعت غيّرت لبسها في الحمام وخدت شاور. طلعت لقتُه أخد شاور هو كمان في الحمام التاني. قرّبت منه وهي بروب الحمام الأبيض وحطت إيديها على وشه وهتفت بلهفة:
"زين.. إنت سخن!!"
قالت متداركة ارتفاع درجة حرارته، فـ قال بهدوء:
"مش سخن ولا حاجة! ننزل ناكل؟"
قالت بضيق:
"والله سخن!"
"يلا البسي وننزل!"
تنهدت بيأس وقامت غيّرت هدومها لعباية استقبال باللون الأبيض. ولملمت خصلاتها بكعكة أنيقة. لمسات خفيفة من مستحضرات التجميل برزوا جمال ملامحها. طلعت فـ بصّلها بابتسامة ومد إيده عشان تمسك إيديه، ومسكت إيديه فعلًا. نزلوا مع بعض، وريا كانت قاعدة لوحدها بتتغدى. كانت مترأسة السفرة، ولما شافتُه قامت قعدت على كرسي تاني. قعد هو على الكرسي ويسر قعدت على الكرسي اللي جنبه. مسكت المعلقة وابتديت تاكل. لكن لإن بطنها كانت وجعاها مأكلتش كتير. هو أكل بنهم. ولأول مرة ريا متعكّرش صفوهم. اكتفت بإنها بتاكل و بتبصلها هي بالذات بنظرات خبيثة. اتضايقت من نظراتها، فـ بصّلها زين وقال وهو بيربت على كفها:
"مبتأكليش ليه؟"
"شبعت الحمد لله!"
قالت بابتسامة خفيفة. فـ هتفت ريا بخبث:
"كملي أكلك يا يسر! دي مش أكْلتك! اللي يشوفك دلوقتي ميشوفكيش وانتِ بتتسحبي كل يوم للمطبخ وتاكلي!"
بصّتلها يسر بصدمة وشاورت على نفسها وقالت مدهوشة:
"أنا؟!"
"أومال أنا!"
هتفت ريا مستنكرة سؤالها. كانت يسر على وشك الرد، إلا أن زين ابتسم لـ يسر بهدوء وقال:
"ألف هنا يا يسر! بيت جوزك وتاكلي فيه زي ما إنتِ عايزة!"
نظرت له يسر، وغصب عنها ابتسمت بحب. لو بإيديها كانت قامت باستُه. بصّت لـ كفّه وهو بيربت على كفّها، فـ هتفت بابتسامة صافية:
"ربنا يخليك ليا يا زين!"
ونهضت وهي بتبص لـ وش ريا المكتوم باحمرار غاضب وعينيها متثبتة على ابنها. وقفت ورا زين وميّلت باست خدّه برقة، وقالت بلطف:
"هطلع أنا يا زين!"
رغم استغرابه من فعلتها، إلا إنه قال برزانة:
"اطلعي!"
ومشيت. وهو كمل أكله. ريا بصّتله، وقال بقسوة:
"إنت فاكر إن ربنا هيسيبك وانت بتيجي على أمك عشان مراتك؟"
بصّلها زين ببرود وقال وهو بيسند ضهره على الكرسي:
"إنتِ بالذات مينفعش تجيبي سيرة ربنا!"
خبطت على السفرة وقامت وهي بتصرخ فيه:
"مينفعش طول عمرك تفضل تحاسبني على غلطة أنا عملتها وندمت عليها! حرام عليك يا زين! حرام عليك ده أنا أمك!"
بصّلها من فوق لتحت، وابتسامة ارتسمت على ثغره لما شاف انهيارها بالشكل ده. وبهدوء تام قال:
"خلصتي؟"
قعدت على الكرسي وانهارت في العياط. هو عارف كويس الدموع دي. ويكاد يجزم إن دي تمثيلية من تمثيلياتها. كمّل أكله. ولأول مرة تتهزم قدامه وتطلع أوضتها. وأول ما طلعت، رمى المعلقة على الطبق بعنف وطلع جناحه. طلع للوحيدة اللي هتعرف تداويه. دخل جناحه، ومنه للأوضة. فتح الباب، لقاها مرمية على الأرض ضامة قدميها لصدرها بتتأوه بألم:
"آآآآه! بطني آآآه!"
ولإن الأوضة كانت عازلة للصوت، مسمعش صوتها غير لما دخل. اتصدم ووقف لجزء من الثانية، كأن قدميه فيها مسامير. لحد ما مال عليها بيقول والخضة ظاهرة في صوته:
"فيكي إيه!!! ردي عليا!!!"
مسكت في قميصه بتتلوى من الألم وبتصرخ وهي بتقول:
"بطني يا زين بطني!"
مستناش. مسك إسدال حطّه عليها بسرعة ولف حجابها بإحكام. وشالها بين إيديه بيجري بيها على السلم. اتحركوا حراسه أول ما شافوه وفتحوله باب العربية. وواحد منهم ساق العربية لما زين زعّق فيه. حطها ورا وقعد جنبها. حط راسها على رجله. ووشها المتعرق وآهاتها وتشابثها في قميصه خلوا لأول مرة إحساس الرعب يخالج قلبه. مسح على وشها وهو مش عارف ينطق. وصلوا للمستشفى، فـ فتحوله الباب ونزل بيها بسرعة. جري على بوابة المستشفى وصرخ في إحدى الممرضات:
"هاتي ترولي هنا.. بسرعة!"
نفذت الممرضة، فـ حطها على السرير الصغير وجريوا بيها على غرفة الطوارئ. غمّض عينيه وقعد على أقرب كرسي لاقاه، وكأن رجله مش قادرة تشيله. حط راسه بين إيديه ورجله بتضرب على الأرض بخطوات ثابتة متوترة. للحظة تخيل فقدانه. ومن قسوة الفكرة، قام وقف على رجليه بيضرب الكرسي بقدمه بعنف. التفتت الأنظار حوله باستغراب. مسح على شعره غارزًا أنامله في فروة رأسه، وهو حاسس إن آخر ذرة صبر على وشك النفاذ. قعد وهو في حالة لأول مرة يبقى فيها. ساعتين لحد ما طلع دكتور وشال الكمامة من على وشه، فـ قام زين وقال بصوت منهك:
"كويسة؟"
"حالة تسمم يا زين باشا. ولولا إن جرعة السم مكانتش زيادة كان زمانها ميتة!"
هتف الطبيب بأسف. ملامح وش زين اتغيرت 180 درجة. وشه ضلّم وعينيه استوحشت وقال:
"عملتوا اللازم؟"
"عملنا غسيل معدة ودقايق وهتفوّق. هننقلها غرفة عادية عشان تقدر تشوفها يا باشا!"
هتف الطبيب بصوت هادئ. واسترسل بتوجس:
"تحب نطلب البوليس يحقق في الموضوع يا بيه؟"
هتف زين بحدة:
"لأ!"
"تمام يا باشا!"
قال بسرعة وغادر. طلعت يسر على سرير المستشفى نايمة بعمق. أول ما شافها راح ناحيتها ووقف السرير بنظرة منه للممرضة اللي بتجره. وبحذر حط إيده تحت ضهرها والتانية تحت ركبتها. الممرضة هتفت بوجوم:
"مينفعش كدا يا باشا!"
"إخرسي!"
صرخ فيها بقسوة، فـ انكمشت الممرضة بخوف. وقال زين بحدة:
"شاوريلي على الأوضة اللي هتحطوها فيها!"
وبالفعل شاورتله الممرضة بوجوم. فـ حطها زين في السرير وشد كرسي وقعد قريب منها. وقال للممرضة اللي بتبصله بضيق:
"اطلعي واقفلي الباب!"
"يا فندم اللي بيحصل ده غلط!"
قام زين من على الكرسي ووقف في مواجهتها. فـ تراجعت الممرضة بخوف. بصّلها زين من فوق لتحت وقال بهدوء منافي لبركان صدره:
"اسمك إيه يا بت انتِ!"
هتفت الممرضة برجفة:
"نادية.."
"طيب متناقشنيش في حاجة تاني يا نادية عشان ميبقاش آخر يوم ليكِ هنا في المستشفى. أو في الدنيا عمومًا!"
ارتعدت نادية وتلقائيًا أومأت. وخرجت برا الأوضة وقفت الباب وراها. رجع زين قعد على الكرسي جنبها. سند ضهره على الكرسي وعينيه بتمشي على وشها الشاحب شحوب الأموات. وشفايفها اللي كانت وردية بقت بيضا! أخد نفس عميق وسند راسه لورا. وبعد دقايق معدودة حس بههمتها وترديدها لكلمة واحدة:
"ماما!"
فتح عينيه وبصّلها، لقاها نايمة بتغمغم بنفس الكلمة. طلع لقدام ومسك كفها وبإيده التانية مسد على خدها وقال:
"يسر!"
فتحت عينيها وأول ما شافته عينيها اتملت بالدموع. اتنهد وقال بلطف:
"حاسة بإيه؟ أحسن؟"
هتفت بألم وصوت مرهق:
"مش عارفة، الألم راح شوية بس لسه فيه!"
وحاولت تقوم تقعد فـ ساعدها وقعد قدامها. وببراءة مسكت إيده وحطتها على أسفل معدتها وقالت ودموعها نازلة من عينيها:
"بطني من هنا لسه وجعاني!"
بص لمعدتها ورجع بصّلها. مسح بكفّه على معدتها وبهدوء كان بيحاوطها بذراعيه، دافن جسمها جواه. حاوطت هي خصره وهمهمت بحزن:
"هو إيه اللي حصل يا زين؟"
"اتسممتي!"
رفعت وشها لوشه مصدومة وبعدت عنه. للحظات الصدمة كبلت لسانها لحد ما اتحرر بصعوبة وقالت:
"مين اللي عمل كدا!"
"ريا هانم!"
قال بابتسامة ساخرة. ارتجف جسدها واهتزت الحروف على لسانها:
"ليه! هي أرواح البني آدمين عندكوا رخيصة كدا!"
"متجمعيش!"
قال بتحذير. فـ هتفت بحدة:
"لأ هجمع! ما إنت ابنها يا زين!"
"يُــســر!"
هدر بها بحدة أكبر فـ ارتجف بدنها. وتداركت خطئها لما لف ضهره بيحاول يهدي أعصابه. هي للتو لمست ندبة حساسة تؤلمه. ندمت، فـ اتحاملت على الألم وقامت وهي محاوطة بطنها. وقفت وراه وقالت بندم:
"زين.. أنا آسفة!"
لفّلها وقال بجمود:
"يلا عشان نمشي من هنا!"
وسبقها بخطوتين وفتح الباب. فـ هتفت يسر بألم زائف:
"زين مش هقدر أمشي!"
وفتحتله إيديها بابتسامة خفيفة، دعوةً منها إنّه ييجي ويشيلها. بصّلها للحظات وقرب منها، وفي لحظة كان شايلها بين إيديها مقربها منه بشكل خطر. بصّلها وبص لشفايفها وقال:
"خليكِ فاكرة إن إنتِ اللي قولتي!"
بصّتله بتوجس بتحاول تبعد عنه وتخلي فيه بينهم مساحة، إلا إنه كان مشدد على جسمها. استخبت في صدره من نظرات اللي حواليها. قابلهم الدكتور وقال مصدوم:
"زين بيه! كنا عايزين نطمن عليها قبل ما تمشي!"
هتف زين بهدوء:
"لأ خلاص بقت كويسة. ولو حصلها حاجة هنجيبك!"
ومرّ من جنبه. يسر كانت بتسب نفسها لإنها كانت قادرة تمشي بس هي اللي ادلعت عليه زيادة عن اللزوم. مسكت ياقة قميصه وقالت برجاء:
"زين.. نزلني كفاية كدا عشان خاطري!"
قال بخبث:
"أنزلك ليه؟ مش إنتِ اللي قولتيلي شيلني!"
قالت بضيق:
"عشان أنا غبية! متسمعش كلامي بعد كدا في حاجة!"
قال بابتسامة:
"لأ.. إنتِ مش غبية إنتِ عارفة بتعملي إيه! وبعدين مراتي! مراتي وأشيلها براحتي!"
خبطت راسها في صدره بتسب نفسها. لحد ما وصلوا لعربيته، فـ فتحله الحارس. حطها في الكرسي اللي جنب السواق وقال للحارس بهدوء:
"اركب تاكسي.. هسوق أنا!"
أومأ الحارس. فـ ركب زين جنبها وابتدا يسوق العربية وهي جنبه وشه جايب ألوان. فضلت ساكتة شوية لحد ما قالت بحزن:
"زين!"
"ممم.."
"مينفعش نروح الشقة اللي اتجوزنا فيها؟ مش عايزة أرجع الفيلا!"
قالت بنبرة حزينة. فـ هتف بهدوء:
"لما آخد حقك الأول!"
"حقي!"
قالت بصدمة! فـ هتف بضيق:
"إنتِ فاكرة إن موضوع زي ده هيتعدى عادي كدا؟"
هتفت برهبة:
"بس إزاي يا زين، دي مهما كانت مامتك!"
ضرب المقود بقسوة وصرخ بحدة:
"يُــــســـر!"
"أنا آسفة!"
قالت وهي بتفرك أناملها برعشة و بتبص لهم. أخد نفس عميق. ولما وصلوا نزل ورزع الباب وراه. نزلت هي كمان ومشيت وراه بخوف من ردة فعله الجاية. فتحتله دينا الباب، فـ شهقت يسر مصدومة لما جابها من شعرها وبقسوة كان بيسدد لها قلم خلاها تقع على الأرض!
وقفت حاطة إيديها على فمها من الصدمة ومافيش في ودنها غير صوت صراخ دينا!
رواية ضراوة ذئب "زين الحريري" الفصل الثامن 8 - بقلم سارة الحلفاوي
ضرب المقود بقسوة وصرخ بحدة:
- يُــــســـر!!!!!
- أنا آسفة!!
قالت وهي تفرك أناملها برعشة وتبصلهم. أخذ نفسًا عميقًا، ولما وصلوا نزل ورزع الباب وراه. نزلت هي كمان ومشيت وراه بخوف من ردة فعله الجاية. فتحت له دينا الباب، فشهقت يسر مصدومة لما جابها من شعرها وبقسوة كان يسدد لها قلمًا، خلّاها تقع على الأرض.
وقفت، حاطة إيديها على فمها من الصدمة، وما فيش في ودنها غير صوت صراخ دينا. ركضت على زين اللي مسك دينا من شعرها عشان تقومه، وأداها قلم تاني وصوته الجهوري هز أرجاء الڤيلا:
- بــتــسِــمــي مـراتـي يا بنت الــ***** يا رِمَّة!!! بتحُطيلها سم في الأكل وبتعُضي الإيد اللي إتمدتلك يا و****
أمسكت يسر بذراعه ودموعها تتساقط، تقول برجاء:
- زين عشان خاطري كفاية أرجوك، كفاية يا زين هتموت في إيدك!!!
لفها زين بوجهه وهدر في وشها بقسوة:
- إبعدي إنتِ دلوقتي!!!!!
أخذت خطوتين لورا برعب من وشّه الجديد عليها. اتجمع القصر كله حوالين زين ودينا، وريا واقفة مصدومة بتجحظ بعينيها مذهولة من وجود يسر، ومتأكدة إن زين عرف الحقيقة. قربت من زين وصرخت فيه بتصتنع عدم المعرفة:
- في إيه يا زين البت عملت إيه!!!!
صرخت دينا فيها وهي راكعة تحت رجلين زين تبوس جزمتُه وتقول برجاء باكي:
- أبوس رجلك يا زين بيه سامحني، والله العظيم ما ليا ذنب ريَّا هانم اللي قالتلي أعمل كدا!
رفع زين عيونه لريّا مبتسمًا بخُبث. ريّا اللي من شدة خوفها صرخت في دينا بعنف:
- إبه الهبل اللي بتقوليه ده إنتِ إتجننتي يا بت إنتِ!!!
لفتلها دينا وصرخت فيها بقهر:
- حرام عليكِ كفاية كدب!!! إنتِ اللي قوليتيلي أجيبلك السم وأحكه في الأكل وبمقدار كبير عشان عايزه تموتيها!!!
ولفت لزين رافعة وشها له بتترجاه:
- ورحمة أمي يا بيه هي اللي قالتلي، وأدتني فلوس كتير أوي أوي يا بيه عشان أعمل كدا أبوس إيدك إرحمني الله يخليك!
- تقولي اللي قولتيه ده في القِسم؟!
قال بهدوء وهو يطلّع سجارة من جيبه، ويشعلها بقداحته. أومأت دينا بهيستيرية:
- أقول .. أقول اللي حضرتك عايزه بس متعملش حاجه فيا!!!
انكمشت ريّا من شدة خوفها، وقالت بذهول:
- هتسجن أمك يا زين!!!!
لم يهتم زين بكلامها ولم يُبدِ أي رد فعل. بص لدينا بابتسامة وقال بنفس نبرته الهادية:
- قومي!!
نهضت دينا والسعادة المختلطة بالدموع تعم وجهها، وقالت بفرحة ظهرت في صوتها:
- يعني سامحتني يا بيه!!
- يا حُــــراس!!!!
زعّق بصوت عالي جدًا. انتفضت على أثرها دينا ويسر. أتوا حراسه، فقال وهو ينفث دخان سيجارته في وجه دينا اللي ابتدت ملامحها تتحول من سعادة لصدمة ورعب:
- خدوها! إعملوا معاها اللازم!!!
ذهب ناحيتها اثنان مسكوها من ذراعها وجروها لبرا وسط صراخها وبكاء رحاب عليها. هنا تدخلت يسر ووقفت في وجه الحراس، وبقوة أمرتهم:
- سيبوها!!!
أحد الحراس اللي ماسك ذراعها قال بضيق:
- إحنا مبناخدش أوامرنا غير من زين باشا!!!
صرخت فيه يسر بقسوة:
- و أنــا حــرم زيــن بــاشــا و بـقـولـكـوا سـيـبـوهـا!!!!!
لف زين ليهم، فبصله الحارس، فشاوره زين بعينيه يسيبها. سابوها بالفعل، فاترَمت على الأرض ومسكت إيد يسر تقول بصوت باكي مترجي بذل حقيقي:
- أنا بشكُرك!!! بس أرجوكي .. أرجوكي قوليله حاجة!!!
نفضت يسر يدها منها وبصت لها بضيق ومشيت من قدامها. وقف قدام زين اللي كان يبصلها بجمود يدخن سيجارته، فـ قالت له بصوت عالٍ إلى حد ما:
- إرفدها .. رجّعها لأهلها مكان ما كانت، لكن متسيبش رجالتك يعملوا فيها كدا!
وتحولت نبرتها لمترجية تقول:
- لو سمحت يا زين!!
بصلها للحظات بنفس البرود، ونفث دخان سيجارته بعيدًا عن وشها. بص لرجّالته وهتف بهدوء:
- بــرا!!
طلعوا برا بالفعل، وبص لدينا وقال بقسوة:
- مش عايز أشوف وش أهلك هنا تاني!! ولو قابلتيني في مكان .. لفي وشك الناحية التانية!!!
أومأت دينا وهي حاسة إنها هتُغمى عليها من فرحتها، وركضت للخارج بأقصى ما عندها. فـ بصلته يسر بامتنان، إلا إنه نظر لها بنظرات جامدة. لف وشُه لريّا اللي وشها بقى شاحب زي الأموات، وقال بابتسامة ساخرة:
- رحاب!!!
أسرعت رحاب بالرد وسط ضحكتها المختلطة بدموع حزنًا على دينا اللي مستقبلها كله كان هيضيع:
- أؤمر يا زين باشا!!
- جهزي عيش وحلاوة لريّا هانم!! بس يكونوا نُضاف!!
قال بسخرية. بصت له ريّا واتملت عيونها بالدموع وقالت بقوة زائفة:
- ده بُعدك!!! أنا مش هقعد لحظة واحدة بس في السجن!!!
خطى نحوها خطوات غاضبة لأول مرة، فـ رجعت لورا من خوفها، فـ صرخ فيها بعُنف:
- إنــتِ لــو مــش هــتقــعُــدي لـحظـة واحـدة في السجن فـ ده هيبقى بـ فـضـلـي أنـــا!!!
بصت له بضيق يتغلغله ابتسامة من رؤيته متعصب، تعشق كونه غاضب ولا يستطيع التحكم بانفعالاته. وهنا حسّت بغرورها اتراضى. أول ما زين شاف ابتسامة خفية على وشها رجع لبروده فورًا، وقال بابتسامة قاسية:
- إنتِ مكانك مش وسطنا .. مكانك وسط قتّالين القُتلى يا ريّا هانم!!
واقتَرَب منها هامسًا بأذنها:
- وسط النسوان النِجسة!!!!!
متحملتش الإهانة اللي وجهها لها، وفي لحظة هوجاء كانت تضربه على صدره بقسوة ألَّمته، ولم تؤلمه لأنها ضربة عنيفة، مصدر الألم كان لأنها أمه. يسر غمّضت عينيها وهي حاسة إن الضربة دي اتوجهت ليها هي، ومش هتبقى بتبالغ لو قالت إنها حسّت بوجع في قلبها مكان الضربة اللي خدها. فتحت عينيها وشاورت لرحاب بالمغادرة، وبالفعل أخذت رحاب باقي الخدم ودخلوا المطبخ، وتابعت يسر المناقشة الحادة بينهم. زين بص لمكان ضربتها ولسه ابتسامة السخرية مرسومة على ثغره، ورجع بص لها وقال مبتسمًا ببرود:
- لمي هدومك، هترجعي تقعدي في شقة إسكندرية!!!
جحظت عينيها بصدمة وصرخت فيه بقوة وقالت:
- ده بُعدك!!! فاهم يا إبن قاسم الحريري؟! ورحمة أبوك ما همشي وأسيب البيت ده غير وأنا ميتة!!!
وبجنون اتجهت ناحية يسر اللي وقفت في وشها ثابتة وهي تصرخ بعنف:
- مش هسيب الڤيلا للخدامة دي تعيش وتبرطع فيه!!!
وكادت أن تمسك بذراع يسر لولا يديه اللي سحبت يسر وراه وكأنه خايف تتلوث. وقف قدامها وقال بقسوة:
- معمدكش غير اختيارين، يا شقة إسكندرية يا السجن!! اختاري!!!
هتفت بثقة وابتسامة:
- مستحيل!! إنت مش هتحط أمك في السجن!!
ضحك بسخرية وقال:
- أنا زين إبن قاسم الحريري يا ريَّا هانم! يعني أحطك .. وأحط عيلتك واحد واحد في السجن!!!!
خافت!! لأ، اترعبت وهي شايفة الصدق في عينيه، وللحظة عينيها جت في عين يسر اللي كانت بتبصلها مش مصدقة إن في أم بالجحود ده. وبكل غباء وقسوة قالت:
- طب ورحمة قاسم أبوك يا زين .. هخلي عيشتها سواد!! مش هرحمها ومش هعيشكوا انتوا الاتنين في هنا أبدًا!!
ابتسم زين واقترب منها وقال:
- طيب جربي! جربي تمسي شعرة منها! جربي بس تقربي لها، وانتِ هتشوفي مني وش وسخ عمرك ما شوفتيه قبل كدا!!!
بصت له بحدة ولم ترد عليه. ابتعدت عنه وطلعت لجناحها. أخذ زين نفسًا عميقًا وبعنف مسك إيد يسر وشدها وراه. طلعت معاه على الجناح. أول ما دخلوا ساب إيدها وخلع قميصه وفضل عاري الصدر وكأن الخنقة كانت محاوطاه من كل جنب. فضلت تبص له و جواها شفقة على حاله. كان واقف في نص الأوضة يتنفس بصعوبة مغمض عينيه. اتجهت ناحيته ووقفت قصاده، وبحنان رفعت إيدها لمكان الضربة اللي خدها، ومسحت عليها بكل رفق، تسأله بصوتها الحنون:
- وجعاك؟
فتح عينيه ولم يرد عليها. اتفاجأت بها تقف على أطراف أصابعها وتطبع شفتيها الغضة على صلابة صدره تقبل ناحية قلبه. غمّض عينيه يستشعر ملمس شفتيها على مكان الخبطة. مسكت إيده وفتحت كفه الغليظ المليان عروق وبحنان باست باطنه. ورجعت رفعت عينيها، فلقتُه يبصلها وعينيه هادية وأنفاسه بقت منتظمة بعد تبعثرها. رفع إيده التانية لحجابها وفكّه، فتهدّل شعرها. غلغل أنامله في خصلاتها، مال عليها والتقط شفتيها بقبلة رقيقة تضاهي رقتها ورقة قلبها. رفعها عن الأرض بذراع واحد، وبعد عنها يديها فرصة تتنفس، وشالها حطها على سريره. فتحت عينيها ومسحت على ذقنه برقة وهمست أمام شفتيه التي تتوق لقبلة أخرى منها:
- زين!!
- ممم!!!
غمغم نازلًا بشفتيه لدقنه، يطبع قبلة عميقة عليها وكأنه يتنفسها. غمّضت عينيها وهمست ممتنة:
- شُكرًا!
بتشكره على إيه! هو اللي عايز يشكرها على وجودها، على كل مرة بتحتوي فيها غضبه وحزنه ولخبطته، على إنه خلاّه يدوق لأول مرة طعم الحنان بيبقى عامل إزاي! عانق شفتيها بشفتيه وإيديه بتشيل عنها الإسدال بالراحة!!!
• • • • •
فتحت عينيها، لقيت نفسها نايمة على صدره العاري. رفعت وشها لوشّه لقتُه نايم بعمق. طبعت قبلة على آخر عنقه وقامت لبست هدومها. نزلت من الجناح عشان تشرب، بس اتصدمت لما لقيت همهمات خافتة وصوت باكي. فتحت الأنوار ورفعت حاجبيها بدهشة لما لقت ريّا قاعدة على أحد المقاعد جنبها تبكي بألم وجسمها يرتعش. رقّ قلب يسر ليها واتجهت ناحيتها وقالت بتردد:
- حضرتك كويسة؟!
بصت لها ريّا بنظرات حزينة ومسحت دموعها وقالت:
- أنا كويسة!!!
قعدت يسر جنبها وقالت بصوت حزين:
- مش باين! لو عايزاني أتكلم مع زين معنديش مشكلة!
هتفت ريّا بنبرة راجية لأول مرة تطلع من صوتها:
- ياريت .. ياريت تعملي كدا!!!
أومأت يسر بهدوء، ورجعت قالت بضيق:
- هو حضرتك عملتي إيه فيه وهو صغير خليتيه بالجحود ده عليكِ!!
انهارت في العياط وقالت بألم:
- معملتش حاجه! معملتش حاجه تخليه يبقى كدا!!!
تنهدت يسر وقالت:
- طيب .. هحاول أتكلم معاه عشان متمشيش!
أومأت لها ريّا وبصت لها بامتنان وقالت:
- شكرًا يا يسر!!
اصطنعت ابتسامة وأومأت لها. راحت للمطبخ تشرب وطلعت الجناح تاني. لقتُه صحي جالس نص جلسة على السرير، ضهر السرير ملاصق لضهرُه. أول ما دخلت الأوضة سألها بضيق:
- كُنتِ فين!
اتجهت ناحيته ومشيت على السرير بإيديها ورجليها وقعدت قُدامه وقالت ببراءة:
- هكون فين! كنت بشرب!!
قال بضيق أكبر:
- هبقى أخلي رحاب تطلّع كولدير هنا عشان تبقي تشربي من غير ما تنزلي!!
مسكت إيده وقالت مستغربة:
- ليه؟ مش عايزني أنزل تحت؟
قال بيبص لعينيها الحائرة بهدوء:
- مش عايزك تبعدي!!!
ابتسمت وبكل لطف مسحت على وجنته وقالت:
- مش هبعد عنك يا زين!!
وب تلقائية مد خدّه ليها وقال بصوته الخشن ونبرته الآمرة:
- بوسيني!
ضحكت لدرجة إن وشها رجع لورا. وبحب كانت تقبل وجنته برقة. فـ لف وشُه الناحية التانية فـ عملت المثل، وبعشق طبعت قبلة صغيرة على شفتيه فـ ابتسم وأد إيه بتحب ابتسامته. فضل باصصلها للحظات ومسك ذقنه وقال بعد تنهيدة:
- طلعتيلي منين؟
ابتسمت ولم ترد. فـ كاد أن ينهض من أمامها إلا إنه مسكت ذراعه وقالت بنبرة حزينة:
- رايح فين؟
- هلبس وأروح الشركة!
قال بهدوء. فـ هتفت برجاء:
- ممكن تفضل معايا النهاردة؟!
قطّب حاجبيه وقال:
- ليه؟ لسه حاسة إن بطنك بتوجعك؟!
قال بهدوء:
- لأ الحمدلله الوجع راح، بس محتاجاك تفضل معايا النهاردة ..
- ماشي!
قال بنبرته الهادية. فـ شقّت الابتسامة وجهها وقالت بسعادة:
- شُكرًا!!
وقالت بحماس:
- إيه رأيك نعمل أنا وانت أكل هنا في الجناح؟
قال باستنكار:
- إشمعنا؟!
قالت بابتسامة:
- إيه المشكلة؟ هخلي الحجة رحاب تطلعلنا المكونات ونعمل أي أكلة!
قال وهو يسند ظهره على السرير:
- إعملي انتِ براحتك، أنا لأ .. مبحبش وقفة المطبخ!!
- هتحبها!
قالت بثقة. ولسا كانت هتقوم إلا إنه جذبها من ذراعها ناحيته فـ ارتطمت بصدره وقال لهمس:
- عارفة الساعة كام دلوقتي؟ أكل إيه اللي هنعمله والساعة مجاتش 7!
همست له بطريقته، فـ ابتسم:
- أومال نعمل إيه!!
- ننام!
قال ببساطة، وأخدها في حضنه منيمها على صدره. فـ ابتسمت وغمضت عينيها محاوطة جزعه العلوي، وبالفعل غفوا ساعة وشوية. وصحيت يسر مش مصدقة إنها نامت. قامت قعدت لقتُه نايم. فـ طلعت من الجناح وطلبت من رحاب شوية مكونات لأكلة مكرونة بالصوص الأبيض. طلعت لزين ولقته على وشك النوم. حطت الحاجات في مطبخ الجناح وراحت تغير هدومها. لبست بيجامة شورت أبيض وكنزة بيضا فيها لون وردي وفراشة وردية تتوسط الكنزة. لملمت خصلاتها على شكل ذيل حصان عالي، وراحت لزين قعدت جنبه ورَبّتت على كتفه برفق:
- زين!!
فاق زين على صوتها، فـ بصلها وقال بنصف عين مفتوحة:
- ممم!!!
- يلا قوم بسُرعة عشان تعمل الأكل!!
هتفت بحماس كعادتها. فـ فرك عينيه بنعاس وقال:
- إعملي ودوّقيني!
نفت برأسها بضيق وقالت:
- لأ مش هينفع كدا!
ومسكت وشّه فركته عشان يفوق. فـ مسك رسغها وبعد إيديها عن وشّه وقال وهو مبتسم على جنانها:
- بتعملي إيه يعني عايز أفهم؟
- بفوّقك!!
قالت ببراءة. فـ قام قعد قصادها وابتسم لما بص لبيجامتها وقال بخبث:
- لأ كدا أقوم!!
ابتسمت بخجل وقامت وقفت وهي تستعرض البيجامة قدامه حاطة إيديها في وسطها وهي تقول:
- شكلي حلو؟
- زيادة عن اللزوم!
قال مبتسمًا. فـ مسكت ذراعها وهي بتحاول تقويمه:
- طب يلا تعالى!!
قام معاها ودخلوا المطبخ. طلّعت اللبن والدقيق وطلّعت المكرونة وقالت له بجدية:
- حُط ماية تغلي على النار، ولما تغلي حُط فيها المكرونة إتفقنا؟
- ماشي!!
قال بهدوء وعمل زي ما قالتله. دوبت هي الدقيق في اللبن وفضلت تقلب فيه. حاوط هو ظهرها بإيد وبالثانية مسك المعلقة الخشب وقلّب وقال بهدوء:
- سيبي إنتِ!
سابتُه هو يقلّب فعلًا، وبصت لإيده المحاوطة خصرها بابتسامة. إلا إنها نزلت شوية وبعدت عن مرمى إيده وراحت تحط المكرونة في المية. فـ بصّ له وقال مستنكرًا فعلتها:
- بتبعدي عن حضني!
قالت مبتسمة:
- لأ بس بحط المكرونة في المية!!
مردش عليها، فـ راحت ناحيته حاوطت ظهره العريض وقالت مبتسمة:
- ما انت طلعت شاطر في الأكل أهو!
قال ساخرًا:
- إيه الشطارة في إني بقلّب؟!
قالت بلطف:
- هو أنا بقى حاسة إنك شاطر!!
ومسكت منُه المعلقة وقالت:
- وريني!!
حطت التوابل وقلّبت كويس. ولما المكرونة استوت مسكتها بحذر إلا إنه قال بضيق:
- إوعي انتِ عشان متتلسعيش!
- ماشى!
قالت برهبة وبعدت خطوتين. فـ مسكها من غير حاجز بينهم. فـ شهقت يسر وهي واقفة جنبه قدام الحوض وهو بيصفي المكرونة من المية:
- زين!!! إيدك!!!
قال بهدوء:
- عادي!
- عادي إيه الحلّة نار!
قالت مصدومة. مردش عليها. فـ مسكت الحلّة من إيده بفوطة وقالت بلهفة وقلق على إيده:
- سيبها!!
حطتها على جنب ومسكت بواطن أنامله تتفحصهم. فـ قال ببساطة:
- مافيش حاجة يا يسر!
احمرار أنامله لم يقل كدا. فـ قالت بحزن:
- مافيش حاجة! إيدك إلتهبت!!
واسترسلت حزينة:
- ليه بتعمل كدا في نفسك وفيّا!
ومسكت إيده حطتها في الفريزر. فـ قال بضيق:
- يسر حقيقي أنا مش حاسس بحاجة، مالوش لازمة كل اللي بتعمليه ده!
- مش حاسس إزاي! يعني إيدك مش بتوجعاك؟!
قالت بصدمة. فـ قال باقتضاب:
- لأ!
- إنت عندك السكر؟
قالت مندهشة. فـ ضحك غصب عنه وقال:
- لأ معنديش السكر!
هتفت بحيرة:
- أومال مش حاسس إزاي!
هتف بهدوء:
- متعود على الحرارة العالية فـ مبقتش أحس بيها!!
- متعود ليه؟!
قالت باستغراب. فـ قال هو مغيرًا مجرى الحديث:
- سيبي إيدي عشان أحط المكرونة في الصوص!
قالت بحدة:
- لأ! أنا هحطها!!
ومسكت الفوطة الصغيرة وبحذر سكبت حبات المعكرونة على الصوص الأبيض، وقلبت حلو. تنهدت براحة وهي تبص للأكلة بجوع، وحطت في طبقين وطلعت بالصينية برا المطبخ وهو وراها. حطت الصينية على الطاولة اللي في أوضتهم وقعدت. فـ قعد جنبها وبدأ يأكل وهو كذلك. لما أكلت غمضت عينيها بإستمتاع وهمهمت:
- فظيعة! رهيبة!!
ذاق المكرونة وكانت فعلًا جميلة جدًا. فـ بصت له وقالت بحماس:
- بذمتك إيه رأيك؟
- كويسة!
قال وهو يأكل منها. فـ قالت بحزن:
- كويسة بس!!!
وكملت ببراءة:
- دي تَحفة!!
وكملت أكل وهي شايفاه يأكل بنهم. فـ ابتسمت لما خلص طبقه وهي لسة. وقالت:
- واضح فعلًا إنها كويسة بس!
رجع بظهره مبتسمًا. فـ ركنت شوكتها ولفت له. بصت له بتردد. فـ قال وهو يدعب خصلة في شعرها:
- عايزة تقولي إيه؟
- زين!
- نعم!
- إيه اللي مامتك عملته زمان .. خليتك تعاملها بالشكل ده؟!
قالت وهي عارفة كويس إنها دخلت عرين ذئب لا يرحم، وإنها بمزاجها جواه! بصت لتعابير وشّه اللي اختلفت تمامًا، وعينيه اللي اظلمت وكأنها شتمته، وإيده اللي شالها من شعرها، وتثبيت عينه على عينيها بنظرات خاوية، وصوته البطيء وهو يقول:
- مش قولتلك قبل كدا سيرتها متجيش بينا؟
رددت بتحاول تهديه:
- قولت! بس أنا حابة أعرف!
- مـــش مــن حــقــك!!!!
صرخ فيها بقسوة لدرجة إنها انتفضت ورجعت لورا. قام من قدامها ولسه كان هيمشي لولا إنها قامت وراه مسكت ذراعه وقالت بغضب عارفة كويس إنها هتدفع تمنُه:
- ما انت مش عايش مع أباچورا!!! أنا من حقي أعرف إنت بتعاملها كدا ليه!! الست دي مهما عملت فهي أمك ودي حقيقة محدش يقدر يغيرها!!
اتـفـاجـأت بـه يـنـفـض إيـديـهـا بـعـنـف و مـحـسـش بـنـفـسـه غـيـر و هـو بـيـمـسـك الأطـبـاق و بـيـرمـيـهـا فـي الأرض بـقـسـوة لـدرجـة إنـهـا بـعـدت عـنـه بـخـوف مـن تـهـورُه. إحـمـرار عـيـنـيـه و إهـتـزاز صـدرُه. شـافـت و حـش مـش بـنـي آدم. و لـحـظـة نـدمـت إنـهـا فـتـحـت الـسـيـرة دي مـعـاه. قـرب مـنـهـا فـرجـعـت خـطـوات واسـعـة لـورا لـحـد مـا إلتـصـق ضـهـرهـا فـي الـحـيـطـة. خـبـط الـحـيـطـة الـلـي جـنـب وشـهـا و صـرخ فـي وشـهـا:
- و رحـمـة أبـويـا لـو قـولـتـي كـلـمـة كـمـان فـيـهـا سـيـرتـهـا مـش هـتـتـخـيـلـي الـلـي هـعـمـلـه فـيـكِ!!!
رواية ضراوة ذئب "زين الحريري" الفصل التاسع 9 - بقلم سارة الحلفاوي
رحـمـة أبـويـا لو قولتي كلمة كمان فيها سيرتها مش هتتخيلي اللي هعملُه فيكِ!!!
غمّضت عينيها بخوف من هيئتُه. هي حتى لو عايزه تتكلم مش هتقدر، لسانها كإنه مربوط!
فتّحت عينيه على هيئتُه المُبعثَرة. للحظة ضعفت، ضعفت وكانت عايزه تاخدُه في حُضنها و متوجعوش أكتر من كدا.
رفعت إيديها لـ وشُه، وقبل ما توصل لـ بشرتُه كان هو سابها ومشي. ورزع الباب وراه.
وجسمها كله إرتجف. حسِت بـ قبضة في قلبها ونبضاته سريعة.
جريت على البلكونة لما سمعت صوت إحتكاك كاوتشات عربيته بالأسفلت. شهقت بخوف عليه بما لقتُه بيجري بعربيتُه على سُرعة مهولة خلتها تموت قلق عليه.
مسكت تليفونها وحاولت تكلمُه. مكانش بيرُد.
رمِت التليفون في الأرض ونزلت لـ ريَّا تحكيلها اللي حصل وتعرف منها ليه بقى كدا.
راحت لجناحها لأول مرة بعد م بقت مراتُه. دخلت الجناح ووقفت ورا الباب. ولسه كانت هتخبّط إلا إن قلبها وقع في رجليها لما سمعت صوت همهمات وأصوات جنسية قذرة صادرة منها وبتقول بـ سفالة:
"مش هينفع كدا بقى يا عمّار هجيلك البيت النهاردة بليل! مش هنقضيها على التليفون كدا وخلاص!!"
إرتفعا حاجبيها مصدومة وهي بتدرك اللي بتسمعُه. حسِت بـ مغص إشمئزاز في بطنها، فـ حطت إيديها عليها وجريت بسُرعة على جناحها ودخلت الحمام إستفرغت كل اللي في معدتها. مش قادرة تصدق قذارة حماتها!!!!
هي دي الست اللي وقفت في وش جوزها عشانها؟! هي دي اللي حطت زين في ضغط عشان خاطرها؟! هي دي اللي خلتها تعمل فجوة بينها وبين أكتر شخص بتحبُه؟!
غسلت وشها وطلعت برا الحمام. مسكت تليفونها وإترمت على الأرض بتحاول تتصل بيه ومبيرُدش.
إتنهدت بدموع وحسِت إنها محتاجة تكلم حد قريب منها. فـ إتصلت على جدتها تطمن عليها كعادتها يوميًا .. وتتكلم معاها.
ردت جدتها اللي هتفت بإبتسامة:
"يُسر! عاملة إيه يا حبيبتي!!!"
"الحمدُلله يا تيتة! وحشتيني أوي!!"
قالت وإنهمرت دمعاتها. فـ قلقت جدتها عليها وقالت:
"مالك يا بنتي!! فيكي إيه؟!"
"تعبانة أوي يا تيتة، حاسة إن روحي هتطلع مني!!"
قالت وهي بتشهق بالبكاء. قالت جدتها بخوف عليها:
"قوليلي في إيه! زين بيه بيعاملك وحش؟ بيضربك؟?"
بكت يُسر أكتر وقالت بألم:
"ياريتُه ضربني عشان يفوّقني من اللي كُنت بعملُه. زين بيعاملني كويس أوي يا تيتة وأنا .. أنا اللي وجعتُه، وجعتُه و خرّجته عن شعورُه!!!"
شهقت حنان بصدمة وقالت:
"ليه يا بنتي كدا! يعني هو حنين عليكي يبقى ده جزاتُه!!"
هتفت بحُزن:
"عشان غبية .. غبية أوي!!"
وسألتها برجاء:
"أعمل أيه؟ قوليلي يا تيتة أعمل إيه حاسة إني تايهة بجد!"
هتفت جدتها بحُزن على حالها:
"قومي يا حبيبتي إغسلي وشك و راضي جوزك و متسيبهوش ينام زعلان منك!!"
شهقت ببكاء وقالت:
"حاضر!!"
أغلقت معها وسندت راسها على الحائط ضامة ركبتيها لصدرها مُنتظرة دخوله. ساعة وإتنين وتلاتة لحد م عدى أكتى من عشر ساعات والليل ليّل عليها. وشها بقى شاحب من كُتر العياط وعيونها ورمت. ومن كتر إرهاقها غفِت على الأرض وصحيت بردو ملقتهوش.
لحد م جات الساعة إتنين بعد مُنتصف الليل. إنتفضت من فوق الأرض لما لقتُه دخل الأوضة. كان فاتك قميصُه وعينيه حمرا وباين عليه الإرهاق. دخل ومبصش عليها حتى.
وضع مفاتيح سيارته مع هاتفُه على الكومود، فـ مر من جنبها وهي واقفة بتبصلُه بحُزن. دخل بعد كدا الحمام عشان ياخد شاور.
قعدت على السرير بتفرُك في إيديها من شدة حُزنها المختلط بحيرة منُه. خرج لافف منشفة حول خصره ودخل غرفة تبديل الملابس. طلع لابس بنطال قُطني إسود وعاري الصدر. وأول ما طلع وقفت يُسر قُدامُه.
حطت إيديها على دراعُه القاسي وهمست:
"زين!"
بصلها بنظرات باردة. فـ هزت راسها رافضة نظراتُه اللي كُلها جمود وقالت برجاء وعيونها بتنهمر منها الدموع:
"لاء يا زين .. متبُصليش كدا! أنا أسفة .. حقك عليا أنا!!"
حاولت تحاوط وشُه، فـ مسك إيديها الإتنين بـ قبضة عنيفة وعينيه بتستوحش من شدة الغضب. تآوهت بألم من قبضتُه القاسية. فـ نفَض إيديها بحدة. وسابها ونام في السرير.
وقفت شاردة في الفراغ وهي حاسة إنها كسرت حاجه جواه مش هتتصلح تاني. تنهدت بألم وراحت ناحيتُه. قعدت جنبه وبصتلُه وهو نايم على ضهرُه حاطت دراعُه على عينيه.
خدت نفس عميق لرئتيها وقالت بهدوء:
"قولي أعمل إيه عشان متزعلش مني!"
وغمغمت بحُزن:
"أنا لما نزلت الصبح لاقيتها مُنهارة وبتعيط وكانت عايزاني أكلمك عشان متخليهاش تمشي! صِعبت عليا يا زين .. غصب عني!!"
إبتسم ساخرًا وشال إيدُه من على عينيه وبصلها. فـ قالت برفق:
"سامحني يا زين، أنا ضغطت عليك .."
"- إطفي النور عشان عايز أنام!"
قال بصوت آمر لا يقبل النقاش. فـ سبَلُت عينيها بحُزن وغصب عنها أجهشت في البُكاء زي الأطفال محاوطة وشها بإيديها الإتنين. إدايق لما شافها بتعيط. فـ قام من على السرير بيطوي الأرض تحت رجليه وقفل هو النور. فـ توقفت عن البُكاء وفضلت شهقات خفيفة بتخرج منها.
رجع نام على السرير النِحية البعيدة عنها وإدالها ضهرُه. فـ إستلقت هي كمان بتحاول تسيطر على شهقاتها الخفيفة. ونامت بعد عناء كبير!!!
••
فاق من نومُه قبلها. بصلها لاقاها نايمة على ضهرها إلا إن جسمها كان بينتفض ووشها وجسمها يتصببا عرق. إتفاجئ وحَط إيدُه على وشها لاقاها سُخنة جدًا بدرجة مش طبيعية!
مسح على شعرها اللي إلتصق بجبينها بيبعدُه وقال بصوت قلِق:
"يُسر! سامعاني؟!"
كانت بتغمغم بكلام مش قادر يفهمُه ولا يسمعُه. لأول مرة يحِس إنه مش عارف يعمل إيه.
قام من على السرير وحط شوية تلج في طبق وعليهم ماية ساقعة. وأخد فوطة صغيرة غسلها كويس وغمرها في الماية. قعد جنبها وعينيه بتشُع قلق عليها.
أخد الفوطة عصرها كويسة وحطها على جبينها. وبإيدُه التانية مسح على رقبتها وبداية صدرها من حبات التعرق اللي عليهم. مشي بالفوطة على وشها بعد مـ غمرها في الماية مرة تانية.
حَط إيدُه على جبينها بيتحسس حرارتها فـ لاقاها زي م هي. زمجر بغضب ومكنش عندُه غير حل واحد. سابها و قام دخل الحمام. جهز البانيو بـ ماية ساقعة جدًا ورجع لها.
بصلها للحظات ومسك بلوزتها قطّعها بإيديه وشالها عن جسمها. وشالها بحذر. ضرب باب الحمام برجليه ودخل.
ميّل بجسمه وبرفق حطها في الماية. ولإنها كانت ساقعة جدًا إنتفضت ومسكت رقبتُه بتصرّخ بشهقات خوف:
"زين!!! زين!!!"
حاوط خصرها بإيدُه تحت المايّة. وقرب جسمها من جسمه وهو بيمسح على خدها برفق هامسًا:
"ششش إهدي!! متخافيش .. سيبي جسمك و متخافيش!"
فضلت مغمضة عبنيها وحررت رقبتُه. فـ ساب خصرها وقعد على حرف البانيو جنبها.
نزلت هي في المايّة وسنانها بتصتك ببعض من شدة البرد. أخد شوية ماية في كفُه وحطها على وشها ورقبتها. رجّعت راسها لـ ورا وغصب عنها تساقطت دمعاتها. فـ قال بصوت يشوبه القلق:
"بتعيطي ليه؟ إيه واجعك؟"
ظن أن بُكائها لـ ألم جسدي. فـ فتحت عينيها ومسكت إيدُه وقالت بصوت مهزوز:
"سامحتني؟"
"- مش وقتُه!"
قال بضيق. فـ قالت برجاء:
"مش عايزه أموت وإنت زعلان مني .. قول إنك سامحتني!!"
غضب وهدر بحدة:
"بلاش جنان!! موت إيه!!! شوية سخونية وهيروحوا!!"
تنهدت بألم. وسابت كفُه وبصِت بعيد عن عينيه. فـ تحسس جبينها لقى حرارتها نزلت كتير.
قام وأخد فوطة كبيرة. ووقف قدامها وقال بهدوء:
"قومي!!"
سمعت كلامُه وقامت وهي بتترعش من برودة الماية وطلعت من البانيو. حاوطها بالفوطة فـ كان شبه حاضنها. بصتلُه بحُزن وهو مبصش في عينيها.
ميّل وشالها فـ سندت راسها على صدرُه بتعب. قعدها على السرير وجابلها بيچامة بكُم مكانتش تقيلة ولا خفيفة. وأخد غيار داخلي.
وقف قُدامها وتأمل الإرهاق اللي باين على وشها. مسك الفوطة شالها ببطى عن جسمها. ومسك لِبسها عشان يغيرلها. فـ أخدتهم منُه وضمتهم لصدرها وقامت وقف بتهمس:
"أنا هغيّر!!"
قال بضيق:
"إنتِ تعبانة .. سيبني أنا أغيرلك!"
نفت براسها وقالت:
"لاء أنا بقيت أحسن وهقدر أغيّر لنفسي!"
ودخلت غرفة تبديل الملابس. فـ تنهد بقنوط منها. خرجت لابسة الهدوم ووقفت جففت شعرها عشان متتعبش أكتر. كان هو قاعد بيشرب سيجارة.
إتجهت للناحية التانية من السرير ونامت وهي بتقول بحُزن:
"معلش تعبتك معايا!!"
رمقها بضيق وقام دخل الحمام أخد شاور وغيّر هدومه ومشي من الأوضة ومن الجناح كلُه. مبطلتش هي عياط من أول ما خرج من الجناح. مش قادرة تستحمل بعدُه وجفاءُه وإنه لسه زعلان منها.
قاومت تعبها وقامت لبست هدوم خروج وهي مقررة قرار قاطع إنها هتروحلُه. مش هتقدر تفضل قاعدة كدا والوجع بينهش فيها.
طلعت من الڤيلا ركبت مع السواق محمد بعد مـ إبتسمتلُه بتعب وسألتُه عن أخبارُه. سندت راسها على نافذة العربية.
وبعد دقائق وصلت للشركة. نزلت من العربية وبصت للحرَس اللي بصولها بإستغراب وهما حاسين إن دي مش أول مرة يشوفوها إلا إن هيئتها كانت متغيرة جدًا.
بصتلهم يُسر بقوة وقالت:
"عايزه أدخل!"
رد واحد منهم عليها بإحترام:
"مين حضرتك يا هانم؟!"
إبتسمتلُه بسُخرية. عشان لبست هدوم كويسة ومظهرها إتحسن تعاملهُم معاها إختلف وبقِت في نظرهم .. (هانم)!
هتفت ولسة نفس الإبتسامة على وشها:
"حرم زين باشا الحريري!!"
أفسحوا المجال لها على الفور والتاني بيقول بإحترام بالغ:
"نوّرتي الشركة يا هانم إتفضلي!!!"
دخلت بتبُص للموظفين اللي بيبصولها بإعجاب وبعضهم بإستغراب لوجود وجه جديد عليهم وسطهم. طلعت بالأسانير للدور الحادي عشر.
أخدت نفس عميق وخرجت من الأسانير ومشيت لمكتبُه. لقِت مكتب السكرتيرة فاضر. فـ خبّطت فـ جالها صوته .. اللي بتعشقُه وهو بيقول:
"إدخل!"
دلفت وعلى وشها إبتسامة نقية. إختفت تدريجيًا لما لقت السكرتيرة قاعدة على كُرسي جنبُه ماسكة بعض الملفات. إتفاجئ زين بوجودها. فـ ساب اللي في إيدُه وقال بهدوء:
"تعالي يا يُسر!!"
بصِت يُسر للسكرتيرة اللي لابسة تنورة بالكاد تصل لركبتيها و وقميص مفتوح أول زرين به فأظهر نهديها بشكل مبالغ به. رمقتها بضيق حقيقي. فـ لاحظ زين نظراتها.
بَص للسكرتيرة وقال بهدوء:
"- نكمل بعدين يا فريدة!"
نهضت المدعوة فريدة وقالت بصوتها الناعم:
"تمام يا مستر زين!!"
وخرجت من المكتب. فضلت يُسر عنيها عليها بتبُصلها من فوق لتحت بإشمئزاز. فـ إبتسم زين على نظراتها إلا إنه رجع يبُصلها بجمود زائف لما لفِت وقالتلُه بصوت كلُه ضيق:
"مين دي؟!"
قال بهدوء:
"- السكرتيرة!"
مشيت ناحيتُه ولأول مرة تبصلُه بنظرات مشتعلة غاضبة:
"وهي عشان السكرتيرة بتاعتك تبقى قاعدة لازقة فيك كدا؟!!"
حاول يكتم ضحكتُه. فـ لف و إداها ضهرُه وقال:
"- إيه اللي جابك!!"
رفعت حاجبيها بصدمة وقالت بحدة:
"إيه اللي جابني؟! لو معطلاك عن شغلك مع أستاذة فريدة قول وأنا أوعدك همشي ومش هتشوف وشي تاني!!"
لفِلها ومسك دراعها قرّبها منُه وقال بضيق:
"إهدي شوية إيه الجنان ده!!"
غضبت وضربت الأرض برجلها وهي بتقول:
"أنا هادية جدًا!!"
بـص لرجليه ورجع بص لعنيها بتحذير. فـ بعدت إيدها عن مرمى إيدُه وهي بتبُصله بضيق. ولفت عشان تمشي. إلا إنه حاوط خصرها بقوة وجذبها ناحيتُه بعنف. إرتطمت بصدرُه تشهق بتفاجؤ. فـ قال بحدة وعيونه بتطلع شرارة:
"رايـحـة فـيـن!!"
إتوترت وقالت بحروف مُتقطعة:
"هـ .. همشي!!!"
شدد على خصرها وهمس قدام شفايفها بنبرة غاضبة:
"يعني تخرجي من البيت من غير ما تقوليلي وتمشي كدا من غير إستئذان!!! إنتِ إتجننتي شكلك ونسيتي متجوزة مين!!!"
غمغمت بصوت حزين:
"زين إبعد لو سمحت، أنا لو جيت فـ جيت عشان أشوفك، وهمشي دلوقتي عشان مش عايزة أعطّلك!!!"
عينيه نزلت لـ شفايفها اللي بتترعش. وطلعت لـ عينيها الحزينة. إشتاق .. إشتاق لـ كُل حاجه فيها. ومن غير مُقدمات كان بيهجم على شفتيها بإشتياق صدمها. للحظات فضلت مصدومة لحد م إستوعبت و إبتسمت وتجاوبت معاه وهي حاسة إن قلبها طاير إنه وأخيرًا .. سامحها!!
بِعد عنها وإتفاجئت بيه بيضم خصرها مميل عليها دافن وشُه في حجابها اللي على رقبتها. إبتسمت بإتساع أكبر وحاوطت ضهرُه بتربت عليه بحنان وأد إيه كان واحشها حُضنه. غمّضت عينيه بتستمتع بـ لذة وجودها بين إيديه.
بعد عنها بعد دقايق فـ حاوطت وجنتيه وبصتلُه بحنان. وإتجرأت فـ وقفت على أطراف أصابع قدميها وقبّلت شفتيه بعدم خبرة جعلته يبتسم ويضع يدُه على مؤخرة عنقها يُقبلها هو بـ خبرتُه مُنقطعة النظير!
صوت تليفونه قطع تناغُمهم. فـ بعدت عنُه بخجل وهو زفر بضيق. مسك التليفون ورَد. سمع بعض كلمات خلتُه يغمض عينيه ويفتحهم على ملامحها البريئة.
قفل التليفون وهو مش عارف هيقولها إزاي. أخد نفس عميق ومسك كفها وكإنه بيشد من أزرها. وقال بهدوء:
"البقاء لله يا يُسر، جدتك .. إتوفت!!!"
رواية ضراوة ذئب "زين الحريري" الفصل العاشر 10 - بقلم سارة الحلفاوي
البقاء لله يا يُسر، جدتك .. إتوفت!!!
إيه؟!!!
قالتها و الصدمة إحتلت معالم وشها و إتملكت من جسمها لدرجة إنها رجعت لـ ورا خطوتين و سابت إيدُه، فـ قال و هو بيراقب ملامحها المصدومة:
إتوفت .. من ساعة!!!
محستش بنفسها غير و هي بتصرَّخ فيه بعُنق و ضمت قبضتيها بتضربُه في صدرُه بـ غل غريب:
إسـكـت!!!! إنـت كـداب!!! كـــداب!!! مماتش!!! مماتش لسه كنت بكلمها!!! إنت بتكدب عليا عشان عايز توجعني!!!
ولأول مرة يسيبها تضرب في صدرُه و هو مُدرك إنها واصلة لأعلى مراحل إنهيارها، فضلت تضرب فيه و هي بتصرّخ إنه بيكدب عليها و هو ساكت تمامًا ملامحه هادية و واقف بثبوت، و فجأة بقت يدب م تضرب بقت تضرب نفسها! لطمت على وشها لطمتين فـ مسك دراعها بعُنف حقيقي بيمنعها من أذية نفسها .. تإذيه هو لكن نفسها لاء!
صرّخ فيها بصوتُه الجهوري:
يُـــســر!!! فــوقــي!!!!
إتلوت بجسمها بين إيديه و صراخها بقى أعلى و عياطها و نحيبها وصل لـ برا فـ دخلت فريدة بدون إستئذان مصدومة من اللي بيحصل، زعّق زين فيها بـ إنفلات أعصاب:
إطـــلــعــي بــرا!!!
طلعت فورًا بحرج، فـ صرّخت فيه ببكاء:
سـيـبـنـي!!! حـرام عليك إبـعـد!!!
هزّها بعُنف و هو بيصرّخ في وشها بقوة:
إهــــدي!!!
للحظة سكتت و بصتلُه بعيون حمرا د.ـموية، و بطلت عياط و عينيها بس اللي بتنزل دموع، صدرُه عِلي و هبط و بَص لـ محياها و في لحظة كان شاددها في حُضنه بيعتصر جسمها مغمض عينيه و هو حاسس إنه نفسُه ياخد ألمها كلُه و يحطُه في قلبه!
أول ما حضنها إنهارت في العياط ماسكة في قميصُه من ورا وشها عند صدرُه بتبكي بشكل خلّاه يحِس بـ نخور في عضمُه!! مسد على حجابها و هو بيهدهدها بحنان، فـ تقطّعت الحروف على لسانها و هي بتقول بألم قوي:
هي الوحيدة اللي كانت فضلالي من ريحة أبويا و أمي، حتى هي سابتني زيُهم؟!
أخد نفَس و هو بيدخّلها في حُضنه أكتر و لو عليه هيدخلها بين ضلوعه، غمغمت برجاء:
عايزة أروحلها .. عايزه أغّسلها أنا بإيدي!!
طلّعها من حُضنه و حاوط وشها و قال:
هنروح .. حالًا!
و مسك مفاتيحُه و چاكت بدلتُه و خرج معاها و هي ساندة على دراعُه، بَص لـ فريدة و قال بوجوم:
إلغي كل مواعيد النهاردة و بُكرة!!
حاضر يا مستر زين!
دخلوا الأسانسير و نزلوا، فتحلها باب العربية لأول مرة فـ ركبت و ركب جنبها، و عمل مكالمة سريعة يعرف من البواب جدتها فين دلوقتي، و قالُه إنها في المستشفى اللي جنب البيت، مشي بالعربية على سرعة عالية إلى حدٍ ما و وصلوا للمستشفى، نزل من العربية وراح ناحيتها فتحلها الباب فـ نزلت و هي حاسة إن رجليها مش شايلاها، دخلوا المستشفى و وقف زين عند موظفة الريسبشين و هي واقفة ساندة على دراعُه و شاردة في نقطة ما:
فيه ست كبيرة متوفية جات هنا .. إسمها حنان! جات من شوية!
موجودة يا فندم، هي في أوضة 507 و كُنا باعتين ست تغسِلها!
قال بهدوء:
لاء خلاص ملوش داعي حفيدتها موجودة!
تمام يا فندم!
قالت بهدوء و عينيها على يُسر اللي مش بتنطق و كإنها مش واعية للي حواليها، مشي بيها و طلعوا الأسانير عشان يروحوا للأوضة، وقف قُدامها و لَف لـ يُسر، مسك كتفها بقبضتيه و قال بقوة:
أنا عايزك تِقوي .. إفردي ضهرك!!
بصتلُه و أومأت بحُزن و حاولت تفرد ضهرها اللي حاسة إنه إنحنى من التقل اللي عليه، دخلت الغرفة و هو فضل مستنيها برّا، يُسر دخلت لقت الممرضة جنبها و هي نايمة على سرير متغطية من راسها لأخمص قدميها بـ ملاية بيضة، إنهمرت دموعها فـ مسحتهم و قالت للممرضة بصوت بيرتجف:
عايزاكِ تساعديني .. نغسِلها!!
بعد ما يُقارب الساعة خرجت من الأوضة، لقتُه قاعد مستنيها و أول ما خرجت قام وقف قدامه و كوّب وشها بين إيديها و مسح دموعها و هو بيقول:
خلاص؟
أومأت بتتحاشى تبُص في عينيه، و غمغمت بصوت مُحمّل بالبكاء:
هكلم أعمامي ييجوا عشان يقفوا في الدفنة!!
ماشي!
قال بهدوء، وخدها من إيديها قعّدها على الكرسي و قعد جنبها، فتحت تليفونها و عملت مكالمات سريعة و كل مرة تقولهم الخبر كانت دموعها بتنزل!، لحد ما قفلت، ميلت لقُدام و حاوطت وشها بإيديها بتبكي بحُرقة، قام زين و قعد تحت رجليها على ركبتيه و أصابع قدميه و مسك إيديها شالها من على وشها فـ إتصدمت من إنه قاعد قدامها و تحت رجليها بالشكل ده، و صوته اللي كلُه لين و رفق و هو بيقول:
كفاية عياط يا يُسر!
مسكت إيده المحاوط بيها كفيها و سندت على باطن كفُه وشها بعد م طبعت قبلة عليه و دموعها بتنزل على إيدُه، مسح على حجابها و إتنهد و هو لأول مرة يحِس بألم عشان حد بعد أبوه، النغزة الليوفي قلبه دي مجاتش غير لما دفن أبوه، ليه جات دلوقتي! ليه دموعها و عياطها و وجعها ليهم القدرة على بعثرتُه بالشكل ده! إتعدل و وقف و من ثم قعد جنبها، لحد م دخل عليهم إعمامها و في مقدمتهم عزبز و كلهم في حالة يُرثى لها، حضروا الجنازة و وقفت هي بتشوفهم بيحفروا في الأرض و زين معاهم، و حطوا جسمها و غطوه بالتُراب، كادت يُسر أن تنهار لولا إيد مرات عمها سيد اللي سندتها و هي بتقول بشفقة على حالها:
إسم الله عليكي يا بنتي! متعمليش في نفسك كدا ده عمرها يا يُسر!!
و قالت برفق و هي بتبص لـ زين:
و إحمدي ربنا إنه رزقك بـ راجل زي جوزك! ده إيدُه بإيد إعمامك و كإنها كانت أمُه، راجل بجد ربنا يباركلك فيه!!
بصِت لـ زين بحُب، و ردت بصوت مخنوق:
هو الحاجة الوحيدة المهونة عليا موتها!
إلا إنها قالت بترتجف بألم:
بس مكُنتش معاها يا مرات عمي! مكُنتش جنبها و ماتت و هي لوحدها!!
ربتت على ظهرها بهدوء و قالت:
متعمليش كدا يا بنتي و متحمليش نفسك فوق طاقتها!!
خِلصت مراسم الجنازة و كلُه إبتدى يروّح بيتُه بعد ما قالُهم زين إن عزاها هيبقى بليل في أكبر مسجد في المكان، ربتت مرات عمها على ضهرها و قالت:
هجيلك بليل يا حبيبتي .. نامي و إرتاحي دلوقتي!!
أومأت لها يُسر بهدوء، كلهم خرجوا من المكان إلا هي و زين، قعدت على القبر جنبها و هو وقف وراها، مسحت بإيديها على تراب القبر و قالت بصوت يقطّع القلب:
بحبك أوي يا تيتة، ليه مشيتي بدري كدا؟ مش طول عمرك كُنتِ بتقوليلي إنك مش هتسيبني؟ ماما و بابا وحشوكِ يا تيتة صح؟ طب و أنا .. أنا مش هوحشِك؟
قالت و إنهارت في العياط، غمّض زين عينيه و صوتها وكلامها سكاكين بتقطَّـ.ـع في قلبُه، و ببكاء قالت:
بس إنتِ هتوحشيني أوي! و كُل يوم .. هدعي ربنا يعجِل في يومي عشان أجيلك و آجي لماما و بابا!!
طب و أنا؟
سمعت صوتُه من وراها فـ بصتلُه و أول مرة تشوف حُزن في عينيه بالشكل ده، مقدرتش ترُد فـ كمِل بصوت بيتهز لأول مرة في حياتُه:
عايزة تسيبيني؟
قامت وقفت وراحت ناحيتُه، و حاوطت وجنتُه بإيدها بتبُصله و وشها كله دموع، و بحنان همست بصوتها المبحوح:
مش هسيبك!
متدعيش على نفسك .. أبدًا!!
قال بألم، فـ أومأت سريعًا و هي بتمسح على بشرتُه و دقنه النامية برفق:
حاضر!!
و وقفت على أطراف صوابعها و حاوطت رقبته فـ دفن وشه في تجويف رقبتها المتغطي بالحجاب محاوطًا خصرها، مسدت على كتفُه و أواخر شعرُه بحنان فـ غمّض عينيه، إزاي عايزه تحرمُه من الحُضن ده؟ الحُضن اللي عوّضه عن حُضن أمه اللي كان محروم منُه، إزاي و هي صغيرة و مش أُم بس حُضنها دافي كدا؟ إزاي بتحتويه كإنه طفل بين إيديها بالشكل ده؟!!
رجعوا شقة الزمالك عشان يبقوا قريبين من المسجد اللي هيتاخد فيه العزا، لما دخل معها طلّع هدوم ليها من الدولاب و قال برفق:
إدخلي خُدي دُش، و لو حسيتي إنك مش قادرة تستحمي قوليلي و أنا هسحَّمك .. و متتكسفيش!
بصتلُه بهدوء و أومات و دخلت الحمام، طلّع هو هدوم ليه و دخل خد شاور في الحمام التاني، طلع و لبس بنطلون و كنزة كت سودا إلتصقت بجسمُه، و لما دخل الأوضة لاقاها قاعدة على بـ روب الإستحمام ماسكة الهدوم بين إيديها و شاردة في الفراغ قُدماها، مشي ناحيتها و وقف قُدامها و رفع دقنها برفق لحد م بصت في عينيه، فـ قال بهدوء:
كُنتِ سرحانة في إيه؟
مش فـ حاجه!
قالت بخفوت، و قامت وقفت قُصاده و إدته لبسها و هي بتقول بإرتجاف:
مش قادرة ألبس يا زين .. ينفع تلبسني؟
إتصدم من طلبها لإنه عارف كويس إنها بتتكسف، إلا إنه رحّب جدًا .. فـ حَل رُباط روب الإستحمام و شالُه عن جسمها العاري تمامًا سوى من ملابسها الداخلية، ميّل شوية و لبسها البنطلون و هي سانده على كتفه بإيدها، و لبسها الكنزة الحمالات، و سُبحان من خلَّاه يسيطر على نفسُه قُدام مظهرها، إلا إنه مستحيل يبقى أناني لدرجة إن و هي في عز تعبها النفسي يقرّبلها، شالها وإكتفى بإنه ينيمها في حُضنُه فـ حضنتُه زي الطفلة، فضل صاحي و إيدُه بتمشي على شعرها عشان تنام و متفكرش في حاجه، و لما إتأكد نام هو كمان بعُمق!
قاعدة في العزا الحريمي في الشقة وهما في المسجد تحت بياخدوا عزاها، عماتها وخلاتها كانوا جنبها و معاها وهي قاعدة في المقدمة محاوطة كتفيها و كإن صقيع البرد بياكل في جسمها، لحد م العزا خلص و وسلمت عليهم و مشيوا، فضلت قاعدة مستنية الرجالة اللي تحت يمشوا عشان يطلعلها و تترمي في حُضنه، قعدت على الكرسي مستنياه لحد مـ حسِت بإيدين بتحاوط كتفها من ضهرها، إبتسمت وحطت إيديها على إيدُه بس إتصدمت لما إكتشفت إن دي مش إيد جوزها!!!
إنتفضت من على الكُرسي و لفتلُه لقتُه .. حازم!!! إبن عمها اللي عاشت طول عمرها تخاف من نظراتُه واللي كان هيبقى جوزها لولا ستر ربنا!!
صرّخت فيه بكل قوتها:
يا حيوان!!! إزاي تتجرأ و تحُط إيدك الزبالة عليا بالشكل ده!!
هجم عليها بيكمم فمها و عينيه بتاكل جسمها بيقول بشهوة دنيئة:
بس إخرسي! سيبيني أمتّع عيني بيكِ! أخيرًا بقينا لوحدنا، محدش هيعرف ينقذك من بين إيديا يا بنت عمي!!!
رفعت ركبتها و بحدة سددت له لكمة أسفل معدته فـ إترمى على الأرض يتآوه بألم و هي بتصرّخ فيه:
زين لو عرف إنك طلعت لمراته في غيابُه والله العظيم هيموِّتك!!
صرّخ فيها بعنف:
و رحمة أبويا ما هسيبك .. هدفعك التمن غالي، راحت ناحيتُه و بجرأة خبطتُه في وشُه بـ كعب جزمتها فـ صدحت صرخات مُتألمة منه، و قالت هي بقوة:
خُد بعضك و إمشي عشان مخليش جوزي ييجي يكمل عليك!!!
قام وقف و هو بيبُصلها بحقد و قال بغل:
هحسّرك على نفسك .. و على جوزك!!!
بصتلُه من فوق لتحت بسُخرية و قالت:
طب أصلب طولك الأول و بعدين إتكلم!!!
إتحرك بصعوبة و خرج من البيت، قفلت الباب وراه كويس و راحت للبلكونة عشتن تشوف زين، لقتُه واقف بيسلم على الناس قبل ما يمشوا، بس شهقت لما شافتُه لاحظ حازم اللي نازل من الشقة متبهدل فـ مسكُه من ياقته و صوته العالي واصل ليه بس مش قادرة تسمع بيقول إيه، خافت عليه و عمها واقف بيهدي فيه لحد م سدد لكمة لـ حازم و رغم إنها مبسوطة فيه إلا إنها خايفة من تهور زين، كانت هتنزل لولا إنها لاحظت إنه واخدُه من ياقة قميصُه و طلع بيه العمارة، نبضات قلبها إرتفعت بخوف و هي عارفة الخطوة الجاية، خدت قرار إنها مش هتقولُه عشان لو عرف لا محالة هيقتلُه بإبدُه و هي مش مستغنية أبدًا عن وجود زين في حياتها! سمعت خبطات عنيفة على الباب فـ فتحت برجفة، كان ماسكُه من ياقة قميصُه و عمها عزيز وراه بيترجاه يسيب إبنه، و أول ما زين شافها هدر بحدة:
الوسخ ده طلعلك؟!!!
نفت بسُرعة من غير تفكير، فـ بصلها حازم بخبث رغم جسمه اللي واجعُه، هزُه زين بحدة و هو بيبصله و بيزعق في وشه:
أومال كنت نازل من العمارة ليه يا روح أمك!!!
هتف حازم بألم زائف:
كنت عايز أعمل تليفون يا زين بيه و ملقتش حتة هادية غير مدخل العمارة!!
إحنا أسفين يا زين بيه!
قال عزيز برجاء و هو بيبعد إبنه عن مرمى إيده، فـ هتف زين بقسوة:
لو لمحت بس خيالك قريب من مكان هي فيه هطلّع روحك في إيدي!!!
و رزع الباب في وشهم فـ إنتفض جسمها، أنفاسُه عالية بياخد الصالة ذهابًا و إيابًا و لفِلها فجأة و هدر بعُنف:
و رحمة أبويا لو كان طلعلك لكُنت طلعت روحُه في إيدي!!!
إزدردت ريقها و رغم إنها مبتحبش الكدب و هي كدبت عليه إلا إن اللي عملتُه كان الصح، كان فعلًا هيقتلُه و هيودي نفسُه في داهية! قرّبت منُه و طمنتُه و هي بتربت على كتفُه:
إهدى يا زين! هو مش هيجيله الجُرأة يطلع هنا أساسًا!! هو عارف إنه لو طلع هيبقى آخر يوم في عُمره!!!
حاوط وشها و قال و هو بيتفحصها:
طمنيني عليكِ إنتِ .. حد دايقك من اللي كانوا هنا؟
نفت براسها بإبتسامة هادية و قالت:
متقلقش عليا!!
و إسترسلت:
زين!
قال و هو بيقعُد على الكُرسي:
نعم!
قعدت على رجلُه و قالت بحُب:
تعبتك .. بقالك يومين مبتنامش ولا بتروح شُغلك!!!
إبتسم من جلوسها على قدمُه، فـ حاوط خصرها و قال بهدوء:
سيبك من الهبل اللي بتقوليه ده و تعالي في حُضني!
و بالفعل إرتمت بأحضانُه على صدرُه، بتفتكر لما ضربتُه على صدره أول ما عرفت بـ الخبر رفعت إيديها و مسحت على مكان ضربها بحنان و هي بتهمس بحُزن:
أنا أسفة إني عملت كدا!!
عِرف قصدها، فـ شال حجابها و غلغل إيدُه بـ شعرها التقيل الناعم و قال:
مش عايز أفتكر اليوم ده!!
أومأت و قالت و هي بتفرُك عينيها:
و أنا كمان!!
وكملت بإرهاق:
هقوم أعمل عشا، مكلناش حاجة من الصُبح!
شدد على حُضنها و مسح على شعرها و هو بيقول بهدوء:
زي م إنتِ متقوميش! هعمل أوردر!!
أومأت و أراحت رأسها على صدرُه، و بالفعل طلب طلبية أكل تكفيهم النهاردة و بكرة، إتنهدت و ضمت قدميها لصدرها فـ بقى جسمها كلُه في حضنه، هو حاوطها كإنها بنته، فـ قالت و أناملها بتعبث بزُرار قميصُه و بصوت حزين:
ماما و بابا ماتوا لما كان عندي عشر سنين، ماتوا في القطر زي ناس تانية كتير كانوا معاهم، و إتربيت مع جدتي و خدت بالها مني و ربتني، و رغم إنب كنت بحبها أوي و كانت بتعاملني بحنان بس مافيش حد يقدر يعوض وجود أم و أب، كنت قبل م أنام لازم أعيط على مخدتي و أتكلم مع بابا كإنه سامعني، كنت بحب بابا أوي أوي و ماما طبعًا بس بابا كان بيعاملني كإني أميرة! عُمره ما زعقلي و لا ضربني ولا كان بيخلي ماما تضربني، لما مات عرفت يعني إيه كسرة الضهر، و طلعت إشتغلت من وأنا صغيرة، إشتغلت في حاجات كتير أوي و الدنيا جات عليا فوق ما تتخيل و كنت بستحمل عشان جدتي اللي مبقتش قادرة تشتغل و تعبت، أنكرة إنب روحت أخدم في بيت و أنا صغيرة و كنت بنام على أرضية المطبخ في عز التلج مكانتش الست اللي هناك تجيبلي حتى غطا، و رغم إني كنت صغيرة ساعتها مكملتش ١٤ سنة جوزها كان بيبُصلي، و في مرة حسيت بإيدُه بتمشي على جسمي و آآآ!!!
سكتت للحظات لما حسِت بإيدُه اللي محاوطة خصرها بتقسى و كإنه مش في وعيُه، أنِت بألم و قالت محاوطة رقبتُه بتستخبى منُه فيه:
زين!!
أدرك اللي هو بيعملُه، فـ لانت قبضتُه على خصرها و مسد على ضهرها برفق وقال:
كملي!
سا .. ساعتها صوّت و طلعت أجري من البيت ده، و من بعدها إشتغلت في محل لبس و كنت بقبض كويس و بجيب علاج لتيتة الله يرحمها وبصرف على دروسي لحد م دخلت الكلية و المحل كان صاحبه راجل كبير كان بيعاملني زي بنتُه، لحد م غيّر فرع المحل في محافظة تانية و مبقتش عارفة أشتغل، قبل إنت م تيجي بكام يوم!
رفعت وشها لبه و إبتسمت بحُزن و هي بتمسد على وجنتُه بظهر أناملها:
إنت كنت أكتر حد أذِتني في كُل دول!
سكت .. مش عارف يقولها إيه، فـ كملت بسُخرية:
و رغم ده حبيتك، حبيتك لدرجة إني عندي إستعداد أفديك .. بروحي!!!
إعترافها المُبطن بالحُب خلاه يبُصلها بنظرات طويلة، فـ همست أمام شفتيه و إيديها على موضع قلبُه:
وجعتني وجع .. مش قادرة أوصفُه!! بس أنا متأكدة .. إن قلبك موجوع أضعاف
وبصِت لـ موضوع قلبُه و همست بـ رقة:
و أنا هنا .. عشان أداويه!!
نزلت رجليها و كانت هتقوم فـ شدها لصدرُه و قال بصوته الرجولي:
رايحة فين؟!
قالت بإبتسامة:
مش رايحة في حتة!
و قامت قعدت جنبُه على الكنبة، و ربتت على فخذها و قالت بحنان:
تعالى .. هات راسك هنا على رجلي!!!
للحظات بصلها بتردًد، إلا إن صوتها الحنون خلّاه ينفذ، حط راسه على رجلها و نام على ضهرُه، فـ مسحت على خصلاته بحنو شديد لدرجة إنه غمض عينيه، فضلت للحظات بتمسح على شعرُه الناعم و بتدخّل صوابعه بين خصلاته، لحد مـ قالت بـ لين:
مين وجعَك .. و خلاك تقسى و إنت فيك حنية الدنيا كلها كدا؟!
أنا مش حنين!
قالها و هو مغمض عينيه، فأسرعت قائلة بلهفة:
مين قالك! إنت حنين جدًا!! بس .. موجوع!!
أمي!!!
قال و لأول مرة تلمس ألم في صوتُه، غمضت عينيها بـ تشتم ريَّا في سرها بأسوأ الشتايم، و همست بنفس الرفق:
عملِتلك إيه؟
فضل مغمض و شريط حياتُه كلها مشي قُدام عينيه و لأول مرة يفتح قلبه بالشكل ده و قال:
لما إتولدت سابتني مع دادة و هي كانت مشغولة بحياتها و خروجاتها و نواديها و صحابها، أبويا اللي كان بيهتم بيا ودايمًا كان يزعقلها عشان تبقى معايا بس مكانتش بتهتم، لحد م في مرة لقتها داخلة سكرانة و كان معاها واحد، يومها كان أبويا مسافر و الخدم كانت مديالهم أجازة طلعت الأوضة معاه و لإنه كان بني آدم زبالة خدني معاهم و هي كانت موافقة!! كان عندي سبع سنين و شوفت كل اللي تتخيليه و اللي متتخيلهوش و لا دماغك البريئة تصورهولك بيحصل بين راجل و ست، هتقوليلي ليه مسيبتلهمش الأوضة و مشيت، هقولك عشان كنت مربوط في الكرسي، و أبسط حاجه لما كنت بغمض عيني كنت بلاقي قلم منُه نزل على وشي عشان أفتح و أشوفهم!!! من الليلة دي و أنا مبقتش زي الأول! المشاهد دي إتحفرت جوايا، كرهتها كُره لو إتوزع على الدنيا يكفي و يفيض، كنت بقرف من نفَسها في البيت، لما أبويا رجع كان حاسس إني مش على طبيعتي و متغير، سألني أكتر من مرة و كنت بقوله مافيش حاجه! كنت خايف يموتها و يروح السجن في بني آدمة زي دي! و بعد كام سنة صحينا مالقيناهاش، خدت فلوسه و هربت، باع كل حاجه و سكنا في شقتُه القديمة، بس الديون كانت عليه كبيرة، سددها كلها و مات، عارفة اليوم اللي أبويا مات فيه عملت إيه؟ كنت ١٥ سنة بالظبط، خدت المُسدس بتاعُه و عرفت عنوان الراجل ده و روحت ضربتُه عشر طلقات في جسمُه و بعدها خدت عزا أبويا، و كان هاين عليا أموتها هي كمان بس كانت برا البلد، إشتغلت و إتمرمطت لحد ما كبرت و فتحت شركة صغيرة، و الشركة الصغيرة بقت كبيرة .. و بقت بدل م هي شركة واحدة خمس شركات في محافظات مختلفة، لحد ما وصلوا لإمبراطورية شركات جوا و برا مصر! و بقيت أشهر رجل أعمال في سن صغير و لما سمعت إسمي نزلت بعد م خلصت الفلوس اللي خدتها من أبويا، نزلت وباست على رجلي عشان أسامحها .. مسامحتهاش، كان جوايا من ناحيتها غل و احد دلوقتي لسه جوايا! بس خلتها تعيش معايا عشان تشوفني يوم ورا يوم و أنا بقوى أكتر! كل ما أبُصلها أفتكر الطفل الصغير المربوط في كُرسي و بيشوف فيلم قذر و البطلة أمُه! و كل يوم بكرها أكتر من اليوم اللي قبلُه!
وشها كلُه دموع، مش قادرة تصدق المُعاناة اللي عاشها، إزاي دي تبقى أم!!! حضنت راسُه لصدرها ساندة جبينها على صدرُه بتحاول تمنع شهقات بكائها من الخروج، دقايق و بعدت راسها عنُه لما إتمالكت نفسها و مسحت على وشُه بحنان و ميِّلت باست عينيه ساندة جبينها على جبينُه، فـ كمل زين:
لحد ما جات بنت مش واصلة لـ رقبتي حتى، و خلبتني أعيش إحساس أول مرة أعيشُه، لما زعّقت مع ريَّا هانم و طلعت الجناح معاكي و حصوني اللي كنت ببنيها قدامها إنهارت قُدامك و خبطت الحيطة بإيدي فاكرة عملتي إيه؟ إحتوتيني يا يُسر! مسحتي على وشي بإيدك الصغيرة دي، و بوستي دقني و ثبتي وشك على وشي و إنتِ بتهديني بصوتك اللي مش هسمع في حنيتُه! و في المرة اللي بعدها لما حسستي بإيدك على مكان الخبطة اللي خبطتهالي و بوستيها! الحُضن اللي بتحضُنهولي مش مجرد حضن واحدة لجوزها! إنتِ كإنك كُنتِ عارفة إني محتاج حضن أم و كُنتِ بتديهولي! عشان كدا يمكن إنتِ الوحيدة اللي شايفاني حنين! مكنش ينفع قُصاد كل الحنية دي أبقى قاسي!
و همس بصوت مليان حُزن:
لما نجيب طفل .. هبقى بحسدُه لإنه عندُه أم هتديلُه كل حنانها و مش هتحرمُه من حُضنها زي م أنا إتحرمت!!
مقدرتش تتحمل و شهقت ببكاء و هي بتضُمه لصدرها، فـ إتعدل شوية عشان يعرف يحضنها و لأول مرة هي اللي تبقى حاضنها، راسُه عند صدرها محاوط خصرها بدراعه القوي، مسحت على شعرُه و باست مُقدمة رأسه و هي بتقول وسط بُكائها الخفيف:
أنا أسفة!! أسفة بالنيابة عنها و عن أي حد وجعَك!
يا حبيبي .. عيشت كُل ده!! أنا .. أنا عايزة أروح أكُلها بسناني! دي .. دي متستاهلش لقب أم!! كل الوجع ده شايلُه جواك يا روح قلبي؟!!!
إبتسم لإنها أول مرة تقولُه الكلمة دي! فـ غمس راسُه في صدرها أكتر بيمسح على ضهرها:- إهدي و متعيطيش!
مسك خصرها و شدّها لتحت فـ بقت مُستلقية على ضهرها بشكل كامل و هو على بطنُه، حط راسُه على صدرها و نام في حُضنها، فـ مسحت على شعره و وشه بحنان بتحاول تهدى، سمعته بيغمغم:
تقيل عليكي؟
فورًا قالت بحنو:
لاء يا حبيبي مش تقيل!!
غمّض عينيه و بعد دقايق نام، هي مقدرتش تنام، مش عايزة دقيقة واحدة تضيع و متفضلش بصّالُه و بتمسد على شعرُه، الجرس رن و الظاهر إن الأكل وصل، مكانتش عايزة تبعده عنها إلا إنها إضطرت، و لسه كانت هتبعد راسُه عنها صحي، و قال بهدوء بصوته الناعس:
خليكِ!
و قام هو فتح، دفعلُه الفلوس و دخّل الأكل المطبخ، رجعلها و شالها حطها على السرير، فتحتلُه دراعها بلُطف فـ إبتسم و نام بنفس الوضعية، إلا إنه حط إيدُه على بطنها وقال:
جعانة؟ نقوم ناكل؟
نفت برأسها على الفور، هل تساوي أكلة نومه بأحضانها؟ و قالت بحنان:
مش جعانة، و مش عايزاك تبعد عني لأي سبب دلوقتي!!
ولا أنا عايزك تبعدي عني!
قال بهدوء، فـ مسحت على خُصلاته لحد مـ نام تاني، و هي كمان نامت نوم عميق!
صحيت من النوم لقت نفسها هي اللي في حُضنه إبتسمت و غمرت وشها في رقبتُه، طبعت قُبلة على دقنُه و من ثم خدُه و جفونه، إبتسم و فتح عينيه فـ سندت دقنها على صدرُه و بتبصلُه مبتسمة، و غمغمت بحُب:
صباح الخير يا حبيبي!
همس بصوته الناعس اللي بتموت فيه:
صباح الجمال!
و إسترسل بإبتسامة:
دة أحلى صباح صحيت عليه في حياتي!
توردت وجنتيها فـ إعتلاها ساندًا بكفيه جوار رأسها لتشهق هي بتفاجؤ، نزل لوجنتيها الشهيتان و قبلهُما قبلات بطيئة دغدغت معدتها، غمّضت عينيها فـ طبع قبلة حنونية على شفايفها و همس:
و أحلى نومة نمتها في حياتي كانت نومة إمبارح!!
فتحت عينيها و همست بحُب و هي بتمسد على وجنتُه اليُمنى بأناملها:
بجد؟
والله!
همس و هو بيُقبل ذقنها و فكها، فـ إزدردت ريقها و هي حاسة إنها لسه بتتكسف منُه، لقتُه بيقول بهدوء ورجع يبُص في عينيها:
بس أنا كُنت تقيل عليكِ صح؟
نفت بسُرعة و هي بتقول بحُب:
والله العظيم أبدًا، كنت خفيف جدًا على قلبي و عليا!!!
يُسر!!
قال بعد تنهيدة، فـ غمغمت:
مممم
همس قُدام شفايفها:
أنا محتاجلك!!
و سكت لبُرهة، و كمل:
عارف إن الوقت مش مناسب على وفاتها، بس أنا حقيقي محتاجلك!
بَص لـ ملامحها و مقدرش يفسر شعورها، غير لما قالت بهدوء:
إنت فاكر بعد كلمة محتاجلك دي هقدر أقولك لاء؟
لاء .. متوافقيش عشان ترضيني!
قال بهدوء، و إسترسل:
لو تعبانة قولي .. حاسة إنك مش في مود يسمحلك بـ ده .. قولي!!
أنا عايزاك!
صرّحت بـ ده بإبتسامة، فـ إبتسم هو الآخر و إلتقط شفتيها بنهمٍ مُشتاق!
صحي من النوم، غطاها كويس عشان متبردش و قام لبس، دخل الحمام أخد شاور و طلع برا الأوضة يمسك تليفونه، لقى رقم غريب بيرن عليه، رد، و سمع صوت مألوف بالنسبالُه بيقول بخبث غريب!
أنا طلعت لمراتك إمبارح، و هي كدبت عليك و قالتلك إنه مطلعش عارف ليه؟ عشان خافت عليا منك!! الدم بيحن بردو يا زين باشا!!