داخل المستشفي كان كرم جالسًا على مقعده المتحرك ويقف أمام الشرفة يتطلع إلى المارة في الخارج وحركة السيارات.
تعافى سريعًا وتحسنت صحته كثيرًا خلال اليومان الماضيين، ورغم أن نفسيته ليست جيدة بسبب وضعه إلا أن وجود زوجته بجانبه ومساندتها له وهي تشعره طوال الوقت أن الأمر بسيط بل وكأنه معافي وسليم تمامًا وليس به أي سوء يحسن من نفسيته كثيرًا، وقد ينسب لها في المرتبة الثانية الفضل بعد الله أولًا في تحسن حالته الصحية فلولا ما تفعله معه لما وصل لهذا الوضع.
انتشله من شروده رنين هاتفه فألقى نظرة من مكانه على شاشته يقرأ اسم المتصل، ثم نظر إلى الحمام يتأكد من صوت الماء هل ما زال الصنبور مفتوح أم أغلق وعندما سمع اندفاع الماء فانحني على المنضدة والتقط الهاتف يجيب على المتصل في حزم: _أيوة يامسعد عملت إيه _اطمن ياكرم بيه وصيت عليهم كويس أوي في السجن كرم بأعين بها لهيب ناري مرعب: _مش عايزهم تفضل فيهم حتة سليمة يامسعد _متقلقش كل اللي عايزه هيتم
خرجت شفق من الحمام وهي تجفف يديها ووجهها بمنشفة بيضاء صغيرة، وقالت وهي ترفع حاجبها متعجبة جملته الأخيرة: _هما مين دول؟!! رمقها سريعًا ولم يجيبها ثم تمتم مع مسعد بإيجاز: _طيب يامسعد سلام دلوقتي ولما يوصلك خبرهم ابقى كلمني _حاضر أنهى معه الاتصال ووضع الهاتف بمكانه، ليلتفت برأسه لها وهو يبتسم بصفاء، فتتحرك هي تجاهه وتقف أمامه مباشرة تسأله للمرة الثانية ولكن هذه المرة بريبة شديدة: _في إيه ياكرم؟!
لف ذراعه حول خصرها وجذبها لتجلس على حجره وهمس وهو يلثم جنتها ورقبتها: _مفيش حاجة ياحبيبتي، يلا بقى جهزي نفسك والبسي طرحتك عشان نمشي، لإني اتخنقت من قعدة المستشفى دي وعايز ارجع بيتي _ياكرم الدكتور قال الأفضل إنك تاخد يوم أو يومين تاني على الأقل وبعدين نمشي ياحبيبي.. إنت ليه مستعجل كدا!!
_زهقت ياشفق، وأنا كويس والله متقلقيش.. وإنتي موجودة أهو وهتراعيني طبعًا وهتهتمي بيا وأنا عندي مراتي أحسن من أكبر دكتور، وجودها جمبي بس بيخفنني ضحكت بخفة مغلوبة على أمرها وقالت وهي تنحني لتخطف قبلة سريعة من وجنته: _حلو التثبيت ده! .. بس ماشي هنمشي خلاص طالما إنت مش حابب تقعد هنا أكتر، بس هيكون في التزام في البيت ووقت ما أقول هنبدأ نعمل جلسة علاج طبيعي متهملش وتتجاهل _من عينيا أنتِ تأمري يادكتور
قالها مازحًا بمداعبة لطيفة لتنكزه هي في كتفه بخفة ضاحكة وتنهض لتبدأ في ارتداء حجابها وتلملم أشيائهم وهو يتابعها بإمعان! ..... طرقات متتالية على الباب ولا يوجد إجابة منها، فدارت بذهنها أسئلة كثيرة أولهم "لماذا لا تفتح هذه الفتاة الباب"، لجأت للمحاولة الثانية وهي الطرق العنيف على الباب مع صوتها وهي تنده عليها بقلق: _ملاذ.. ملاااااذ
وسط طرق والدتها القوي والمتكرر استعادت وعيها تدريجيًا وفتحت عيناها ببطء ثم استقامت من على الأرض بصعوبة وهي يداهمها الدوار الشديد، ليخرج صوتها ضعيف وغير واضح كثيرًا: _أيوة ثانية جاية
سمعت أمها صوتها منخفض كثيرًا ولم تفهم ما تقوله ولكن هدأ قلقها بعض الشيء عندما سمعت صوتها وانتظرت للحظات طويلة حتى وجدتها تفتح لها الباب وهي تمسك برأسها من الألم وعيناها لا تقويان على فتحهما جيدًا، فيصبح حالها من مجرد القلق إلى الفزع على ابنتها، لتهرول وتدخل تسندها هاتفة بهلع: _مالك ياحبيبتي حصل إيه؟!! ملاذ بصوت خافت: _معرفش ياماما دوخت مرة واحدة وأغمي عليا، كنت بكلم زين وبطمن عليه ومحستش بنفسي سمعوا صوت رنين صاخب من
الهاتف فقالت ملاذ باهتمام: _ده تلاقيه زين ياماما أكيد اتخض عليا سندتها إلى الأريكة وأجلستها عليها بحرص ثم جلبت لها الهاتف لتجيب هي على زوجها، وبمجرد ما أن وضعت الهاتف على أذنها سمعت صوته المرتعد وهو يهتف: _ملاذ حصل إيه معاكي.. إنتِ أغمي عليكي؟!! _أه دوخت يازين فجأة.. بس أنا كويسة الحمدلله متقلقش وماما معايا كمان _طيب الحمدلله.. البسي وروحي معاها البيت متقعديش في الشقة وحدك ملاذ بإذعان تام لأوامره ودون أي ضيق:
_حاضر ياحبيبي هبقى البس واروح معاها اطمن.. المهم إنتوا خلوا بالكم من نفسكم _إن شاء الله.. يلا أنا هقفل بقى في حفظ الله _في حفظ الله رددت خلفه بكامل الهدوء ثم أنهت الاتصال لتهتف أمها بنبرة مهتمة: _وإيه سببه اللي حصل معاكي ده _معرفش ياماما يمكن من الإرهاق والتعب هزت رأسها بعدم اقتناع وقالت بابتسامة عريضة: _لا معتقدش إنه ليه دعوة.. ممكن يكون حمل
سكتت ملاذ لبرهة تفكر فيما قالته باندهاش بسيط عندما رجحت هي الأخرى هذا السبب ولكن سرعان ما نفَرَتْه من ذهنها وقالت باستنكار: _لا حمل إزاي ياماما.. أنا يدوب كنت عند الدكتورة من أسبوع ولو كان في كانت هتقولي في حمل _جايز تكون أخطأت وده شيء وارد.. اتأكدي تاني ياحبيبتي إنتِ مش خسرانة حاجة هزت كتفيها بحيرة وهدرت بعدم اكتراث: _هجرب تاني وأشوف يمكن يطلع كلامك صح وأهو زي ما قولتي مش هخسر حاجة
تسللت من خلفه وهو يقف أمام المرآة يستعد للمغادرة، يهندم ملابسه وينثر العطر عليها، وجدها تلف ذراعيها حوله من الخلف هامسة برقة: _سنسن أجابها بنبرة عادية وهو يكمل استعداده: _نعم ارتدت خطوة للخلف وعبس وجهه بضيق هاتفة باحتجاج: _طيب بص عليا حتى.. اللي يشوفك كدا يقول ملكش نفس ترد عليا من الأساس "هذه المرأة فقدت عقلها بالكامل.. فلا يمكن أن يكون مجرد حمل يفعل بها كل هذا!!
" قال هذه الجملة بينه وبين نفسه مستنكرًا غضبها على شيء تافه كهذا وقرر مسايستها حتى لا ينخرطوا في دوامة جدال ونقاش كبير، التفت لها بجسده وغمغم باسمًا بابتسامة شبه صفراء: _أنا مش طايقك!! .. ماعلينا أهو بصيتلك ياستي أؤمري زينت ابتسامتها ووجهها من جديد وقالت برقة أنوثية جميلة لا تقاوم: _نفسي في مانجا رفع يده يحك مؤخرة رأسه هامسًا وهو يلوي فمه: _امممممم بدأنا ضيقت عيناها بتعجب واشتدت نظراتها قوة لتجيبه
بوجه اختفت لطافته ورقته: _إنت مضايق ولا إيه ياحبيبي!!! _وأنا هضايق من إيه!! .. الفكرة إننا في الشتا ياحياتي فمانجا إيه اللي نفسك فيها دلوقتي.. إيه رأيك أجيبلك برتقال حلو وربنا مكتر منه في الشتا يسر باستهزاء وغيظ: _برتقال إيه.. إنت هتنقيلي على مزاجك ماتيجي تتوحم بدالي أحسن، أنا عايزة مانجا اتصرف وجبلي منها تأفف بنفاذ صبر مردفًا بنبرة شبه مرتفعة: _أيوة أجيب أنا مانجا منين دلوقتي اغتاظ هي الأخرى وصاحت به مندفعة:
_اتصرف أنا مالي.. هو مش ابنك ده؟ ولا هو أنا اللي بدلع وبتوحم من نفسي.. قول بقى كمان مش هجيب عشان الولد يطلع في وشه منجايا كبيرة كدا ويتعقد في حياته حدَجْها بقرف وأجابها ساخرًا منها: _طيب بس بلا شغل عبط قال منجايا، هبلة بصحيح.. وصوتك ميعلاش عليا تاني مرة مفهووووم قربت وجهها منه وثبتت عيناها على عيناه لتهمس بتحدي متعمدة استفزازه: _هعلي صوتي براحتي.. عارف ليه عشان أنا مبخفش منك
دفعها بخفة ولطف من أمامه وهو يحدَجْها بأعين متقوسة بقرف ووجه ساخر: _طيب اتكلي على الله من هنا بقى خليني أكمل لبسي عشان أمشي تقهقرت للخلف بعينين مشتعلتين بنيران الغيظ وهمست بوعيد له ووجه يعطي احمرارًا بسيطًا من الضجر: _مـــــاشــــي ياحسن براحتك أوي استدارت وتركت الغرفة بأكملها لتتركه يكمل استعداده وهو يبتسم بعد حيلة من أمرهم العجيب!! .....
تابعها وهي تقترب ناحيته وتسير معها إحدى صديقاتها، لأول مرة يرى معها هذه الفتاة، كان مثبت نظره عليهم ويقف أمام السيارة يستند بظهره عليها عاقدًا ذراعيه أمام صدره، وقبل أن يصلن إليه مباشرة توقفتا على مسافة شبه بعيدة عنه وعانقتها مودعة إياها ثم تركتها ورحلت، فأكملت هي سيرها ناحيته لتهتف باستغراب: _إنت مش قولت معاك شغل ومش هتقدر تعدي تاخدني _خلصت شغلي بدري وجيتلك.. صحبتك دي اللي كنتِ ماشية معاها؟! أومأت له برأسها وقالت
بعفوية وابتسامة عريضة: _أيوة اتعرفت عليها من يومين.. بنت كويسة بجد حبيتها أوي، وطيبة بشكل ياعلاء.. انبسطت لما اتعرفت عليها كنت بزهق وبمل وأنا قاعدة وحدي طول الوقت لم يعقب واكتفى بإماءة رأسه البسيطة ثم التفت من الناحية الأخرى للسيارة ليستقلها وهو يشير لها بعينيه متمتمًا: _طيب اركبي يلا رفعت حاجبها بحيرة من طريقته الغريبة، ثم فتحت الباب واستقلت بجواره لتسأله باهتمام: _إنت مضايق من حاجة ولا إيه؟!!
بكل هدوء هز رأسه بالنفي وهمس بنبرة عادية قبل أن يحرك محرك السيارة وينطلق بها: _لا رمقته بمكر وقالت بابتسامة لطيفة ونبرة مشاكسة: _بجد يعني! مالت شفتاه على الجانب قليلًا في ابتسامة تكاد تكون خفية وأجابها: _أيوة بجد ياميار.. أنا تعبان من الشغل بس وعايز أروح البيت عشان أريح تفهمت الأمر ثم هدرت باضطراب بسيط وخوف: _طيب أنا عملت حاجة وخايفة أقولك تتعصب وتزعقلي اشتدت معالم وجهه إلى الحزم ليرمقها بنظرة ثاقبة
ويخرج صوته الرجولي الخشن: _حاجة إيه؟! _لا لا مش هقولك خلاص.. شوف إنت بتبصلي إزاي من قبل ما تعرف إيه هي أصلًا!! تأفف وأجابها بنبرة أقل حدة: _قولي ياميار ومش هتعصب.. لكن لو فضلتِ بالمنظر ده هتعصب حتى لو الموضوع مش مستاهل ازْدَرَدَتْ ريقها وقالت بنظرات استقصدت أن تكون بريئة حتى تستعطفه من خلالها:
_أنا كان معايا تلات محاضرات النهاردة والتانية اتلغت فكان في وقت فراغ بين المحاضرة الأولى والأخيرة، في الوقت ده أنا طلعت مع صحبتي اللي شفتني معاها دي واشتريت حاجة بس طولت شوية واخدت حوالي ساعة وبعدين رجعنا تاني الكلية على آخر محاضرة عم الصمت بينهم لثوان كانت بالنسبة لها ساعات من القلق أن تخرج منه ردة فعل عنيفة ولكنه خيب ظنها وتمتم بنبرة رخيمة لا تبدو منزعجة:
_هو أنا مش هتعصب عليكِ.. بس أفهم الأول متصلتيش بيا ليه تقوليلي إنك هتطلعي وتشتري الحاجة اللي أنا بتساءل عنها برضو دي _مكنش هينفع اتصل بيك _ليه بقى إن شاء الله؟! ميار بارتباك ووجه مبتسم مع القليل من الحماقة في الكلام: _من الآخر كدا أنا اشتريت حاجة ومش عايزاك تعرفها دلوقتي.. بليل هتعرف إيه هي، بس عندي طلب الأول ومتفهمنيش غلط _طلب إيه؟!! مصمصت شفتيها باستحياء وقالت بأعين زائغة ونظرات متوترة:
_إنت قولتلي قبل كدا إنك معاك شقة بس مش بتروحها غير نادرًا.. فــ .. ممكن .. ممكن يعني ناخد الليلة فيها.. قصد النهاردة. ضيق عيناه بريبة من طلبها، فنظر لها وهو يرفع حاجبه مبتسما بلؤم، لتفهم هي فورا الذي دار بذهنه المنحرف فتهتف مسرعة بخجل ملحوظ: _أنا مش قولتلك متفهمش غلط. أصدر ضحكة عالية وقال بصوت ماكر: _ما أنا بحاول أصفي النية بس مش عارف صدقيني.. هو إنتي جيبالي هدية وعايزة تعمليلي مفاجأة يعني؟ _امممممم يعني حاجة زي كدا.
تصنع التفكير وهتف بابتسامة كلها خبث مع نظرات وقحة: _هدية ومفاجأة ونقضي الليلة في شقة وحدنا.. طيب أنا راضي ذمتك عايزاني أصفي نيتي إزاي!! تذمرت وقالت بخنق من محاصرته لها وتلميحاته المنحرفة التي أخجلتها: _خلاص يا علاء اعتبرني مقولتش حاجة، انسي الموضوع مش عايزة أروح. تحول إلى الحدة والاستياء بلحظة وهو يجيبها بحدية مزيفة:
_لا انسي إيه.. مفيش رجعة هي الكلمة بتتقال مرة واحدة، قولتي عايزة ناخد الليلة هناك وأنا أكثر من مرحب بالفكرة.. بس عندي شرط، أي كانت المفاجأة اللي عملاها فأنا عايزك إنتي كمان تفاجئيني، واعتقد فهمتيني يعني. حدجته مغتاظة ونكزته في كتفه هاتفة بحياء تجاهد في إخفائه: _لا مفهمتش ووديني وإنت ساكت. ضحك وثبت تركيزه على قيادته ليزود السرعة متجها إلى منزلهم بعدما أخبرته بأنها تريد أخذ بعض الأشياء من المنزل قبل أن يذهبا للشقة...
*** غربت الشمس وارتفع ضوء القمر في السماء التي تزينت بالنجوم الساهرة الجميلة... أسفل أسقف أحد منازل أبطالنا، كانت تمسك بيده وتسير بجواره في بطء شديد وهو يتحرك مستندا عليها بكامل الحذر، يسيران إيابا وذهابا مسافة متر.. تثبت هي نظرها عليه ووجهها يبتسم بغرام وهو تركيزه مثبت على حركة قدمه الذي يجد صعوبة بالغة في تحريكها لخطوة واحدة فقط!
جمعنا القدر معا لنكمل بعض البعض ونكون عونا لبعضنا، حين يقع واحد منا الآخر يسنده، تعاهدنا على السير معا في السراء والضراء، وعهدنا سنحافظ عليه لآخر أنفاسنا.. فأنت قمري الجميل والميم دال!! توقف عن السير وهتف بتعب: _كفاية يا شفق كدا النهاردة أنا تعبت، نبقى نكمل بكرا. أجابته بصوت ناعم وحنون: _حاضر يا حبيبي بس خلينا نكمل لكام دقيقة تاني حتى.. الدكتور قال لمدة خمس دقايق وأحنا مكملناش دقيقتين على بعض.
_مش قادر يا شفق تعبت بجد! تنهدت الصعداء مغلوبة على أمرها وساعدته على السير نحو الفراش.. ليمدد جسده عليه ويستند على ظهر الفراش، هتفت شفق: _أنا هروح أحضرلك العشا عشان تاخد العلاج. أشار لها بيده أن تأتي بجانبه على الفراش مغمما بنبرة قوية: _لا أنا مش جعان خلي الأكل كمان شوية وتعالي اقعدي جمبي عايز أتكلم معاكي. انتابها الفضول والريبة من أمره ثم اقتربت وجلست بجواره كما طلب منها ليبدأ هو بسؤاله الحازم:
_قوليلي حصل إيه معاكي في الليلة اللي كنت فيها في المستشفى.. وعايز أعرف كل حاجة بالتفصيل يا شفق وإياكي تكذبي عليا. زفرت بصوت مسموع وقالت باختناق: _إنت ليه شاغل نفسك بالموضوع ده يا كرم.. اللي حصل حصل والأهم إننا كويسين الحمدلله ومع بعض أهو. كرم بنبرة رجولية مخيفة بعض الشيء بها شيء من التحذير: _اتكلمي يا شفق.. مش هكرر الكلام مرة تاني!
مسحت على وجهها متأففة باقتضاب وبدأت تسرد له ما حدث معها بالضبط من بداية مغادرتها للمستشفى حتى صباح اليوم التالي عندما استيقظت ووجدت نفسها على فراش داخل غرفة بالمستشفى.. احمرت مقلتي عيناه وظهر فيها وميض مرعب، وأخذت معالم وجهه تقوسا مخيفا، أخفضت نظرها قليلا فرأت قبضة يده التي كورها بعنف.. أدركت أن بداخله انفجار بركاني هائل ويتمالك زمام نفسه أمامها، فخشيت أن يؤذي نفسه بعصبيته المفرطة هذه لتهمس بنبرة قلقة:
_كرم يا حبيبي متعصبش نفسك.. اللي حصل كان غباء مني كان لازم أقول لحسن أو زين على الأقل عشان حد منهم يجي معايا ومديش الفرصة ليه.. وخلاص هما في السجن دلوقتي. صاح في صوت جهوري نفضها بمكانها: _ما هو المشكلة إنهم اتسجنوا ومش هعرف أشفي غليلي منهم بإيدي ال*****.. بس فكرك إنهم عشان اتسجنوا يبقى خلاص كدا، وغلاوتك لأخليهم يسحفوا سحف على بلاط السجن.. أه يا بن ******.
عانقته بقوة ودفنت وجهها بين ثنايا رقبته تلثمه بحب لتهدئه وامتزج بالخوف من وعيده لهم: _أبوس إيدك بلاش تعمل مشاكل يا حبيبي.. كفاية يا كرم وهدي نفسك أنا خايفة عليك تتعب، كله بسببي وبسبب غبائي لو مكنتش روحت مكنش حاجة من ده كله هتحصل. قالت جملتها الأخيرة بصوت باكي بعدما انهمرت دموعها على وجنتيها، ليبعدها عنه ويحتضن وجهها بين كفيه هامسا أمام شفتيها مباشرة بنظرة متيمة ونبرة تحمل وعيد الانتقام:
_أنا ممكن أسكت عن اللي عملوه معايا وميهمنيش، بس اللي يقربلك ويلمس شعرة منك يبقى هو اللي جنى على نفسه.. منتظرة مني أسكت بعد ما عرفت إنه حاول يعتدي عليكي وخطفك وحاول يقتل صاحبي كمان، صدقيني لأخليه يندم على اليوم اللي اتولد فيه، هخلي السجن عليهم جهنم وهيتوسلني إني أرحمه. هم بأن يقترب أكثر ليقبلها حتى يؤكد لها على صدق كلامه ومشاعره المغرمة بكل شيء فيها، لكنها تراجعت للخلف ووثبت واقفة لتقول ببكاء عنيف
وصوت متلقلق من شدة البكاء: _وأنا كرم اللي أعرفه وحبيته عمره ما كان جبار وعديم الرحمة بالشكل ده.. مهما كان اللي عملوه معايا أو مع سيف هما دلوقتي هيتعاقبوا أفضل عقاب في السجن، أنا مش عايزاك تكون كدا.. أنا بقيت بخاف منك يا كرم أحيانا، مع إني عمري ما اتخليت إني في يوم ممكن أحس بخوف منك. تفوهت بآخر كلماتها وهرولت للخارج فصاح هو مناديا عليها: _شــــفــــق! حاول التحرك والنهوض من الفراش لكنه لم يستطع
فعاد يصيح عليها من جديد: _شفق تعالي هفهمك يا حبيبتي.
لم يجد إجابة منها فقط سمع صوت باب الغرفة الثانية القوي عندما دفعته وأغلقته عليها، فحاول مرة واثنين حتى ينهض بنفسه ولكن قدماه كأنها شلت أكثر، فالتقط كوب الماء الموضوع على المنضدة بجواره ومن غضبه ونقمه على كل شيء رمى على الأرض ليتناثر إلى جزئيات صغيرة متفرقة في كل مكان، ثم رمى برأسه على الفراش وهو يخفي عيناه بكفه.. ولوهلة لعن كل شيء فهو حتى لا يتمكن من الوقوف على قدماه أو النهوض من فراشه، ولكن في اللحظة التالية فورا استغفر ربه بعينان منطفئتين وبائستين!
……… *** تشاهد التلفاز باستمتاع وبيدها صحن فشار تلتقط منه حبة كل آن وآخر وتلقيها في فمها، ومن شدة اندماجها مع التلفاز لم تنتبه له عند أتيه، حيث دخل من الباب وأغلقه خلفه ثم بدأ في نزع حذائه عنه وسار ناحيتها فاستغرب عندما وجدها لا تنظر له نهائيا، ليبتسم بعدما فهم أنها تتجاهله ويكمل سيره بحذر ويضع الكيس الذي يحمله بيده بجانب الأريكة على الأرض ويجلس بجوارها هاتفا بمداعبة وهو يمد يده لصحن الفشار: _بتتفرجي إيه؟!
منعت يده قبل أن تصل للصحن وتلتقط من الفشار ودفعتها هاتفة بقرف: _ملكش دعوة ومتاكلش من الفشار ااا…… توقفت عن الكلام عندما دخلت لأنفها رائحة مانجا فأشرق وجهها بفرحة غامرة وقالت: _إنت جبت مانجا. ضحك على منظرها وانحنى للخلف ليتلقط الكيس ويناوله لها هامسا بدفء: _اتبهدلت وأنا بلف عليها. التقطت واحدة من الكيس واشتمت رائحتها بتلذذ لتغمغم: _الله ريحتها حلوة أوي. تقوس وجهها في اللحظة التالية وغمغمت باستهزاء منه:
_مش على أساس مفيش مانجا ومش هتعرف تجيب.. جبتها إزاي بقى؟! التصق بها وطبع قبلة مطولة على وجنتها وكفه وضعه على بطنها يهمس بالقرب من أذنها في عشق جارف: _مقدرش أرفض طلب لابني وأمه.. أنا كنت بناكف فيكي الصبح بس مش أكتر وإنتي ما صدقتي لقيتي حاجة تتخانقي عليها. لوت فمها بأسف وقالت بعفوية: _أيوة أنا حاسة إننا بقينا بنتخانق على حاجات تافهة أوي زي الأطفال صح؟!! أجابها بابتسامة صفراء وهو يومئ بإيجاب:
_تافهة أوي للأسف.. بس اللي يحبك يناكف فيك. لفت ذراعيها حول رقبته وخطفت قبلة من وجنته هامسة بدلال وغنج مع ابتسامة عريضة: _وأنا كمان بحبك يا سنسونتي.. ربنا يخليك ليا يا حبيبي. حسن بغمزة لئيمة مع ضحكة بسيطة: _طيب بلاش تدلعي فيا كتير عشان أنا بضعف ومش ضامن نفسي.. وقومي بقى اعملينا عصير من المانجا دي لأحسن ريحتها مغرية أوي الصراحة. ابتعدت عنه وقالت بشراسة ورفض قاطع: _لا دي ليا أنا، روح جيب لنفسك وأنا أعملك.
_لا والله وهو أنا مش جايبها دي وفضلت ألف عليها في الليل وفي عز الشتا عشان سيادة البيه وأمه اللي بتتوحم ياكلوا مانجا.. كمان مش هاكل منها دلوقتي. _أيوة مش هتاكل منها أنا نفسي فيها وهاكلها وحدي. دفعها بيده في كتفها بخفة هاتفا بغيظ: _ما كفاية طفاسة بقى يا بت وقومي.. إنتي أصلا مش هينفع تاكلي منها كتير لأن الأملاح غلط على الحامل. ضحكت مستنكرة ما قاله وهتفت بنبرة منذرة: _هه ده هاكل منها براحتي.
أدرك الموقف الذي يتجادلون حوله وتفاهته فانفجر ضاحكا بقوة، لتحدجه هي بحيرة وتهتف: _بتضحك على إيه!! أجابها من بين ضحكه القوي: _احنا لسا بنقول بنتخانق على حاجات تافهة وطفولية ومكملناش دقيقة وبصي بنتناقش في إيه!!! صمتت للحظة تدرك الأمر لتنفجر هي الأخرى تطلق ضحكاتها المتأججة، فتدفن وجهها بين ثنايا ذراعه وهو تضحك ثم ترفع نظرها له وتقول بضحك: _احنا تافهين أوي يا حسن. _أوي والله فوق ما تتخيلي كمان.
عادت لضحكها من جديد بينما هو فتوقف عن الضحك وثبت نظره عليها يتأملها بنظرات عاشقة ليست الأولى ولا الأخيرة!! ***
انتهت أخيرا من كل التحضيرات.. أعدت بنفسها الكعكة وزينتها وكذلك وضعت القليل من الزينة في المنزل وبالأخير اهتمت بنفسها حيث ارتدت رداء لطيف وهادئ من اللون الحراري بحملات عريضة تغطي نصف أكتافها وفتحة الظهر صغيرة بالكاد تظهر الجزء العلوي من ظهرها، أما فتحة الصدر فكانت ضيقة ولا تظهر شيئا منها، وميزة الرداء بأنه كان طويل فكان أنيق وبنفس اللحظة محتشم بعض الشيء.. وأخيرا تركت العنان لشعرها بدون أي قيود تقيده.
ها هو قد أتى.. بمجرد ما أن سمعت صوت فتح الباب ركضت ووقفت أمام الطاولة الموضوع فوقها الكعكة وظلت واقفة تنتظره حتى يأتي إليها، دخل ووجد الصالة مظلمة فمد يده لإضاءة النور وحين انفتح الضوء فزع وكأنه رأى شبح فتحول هلعه إلى غضب مؤقت حيث هتف بصيحة بسيطة: _إيه يا ميار شغل العفاريت ده!! يحرق المفاجآت كلها لو بالمنظر ده. أصدرت ضحكة أنوثية عالية ثم تصنعت العبوس وهي تجيبه بتذمر:
_أخص عليك ياعلاء ده بدل ماتشكرني إني عملالك مفاجأة وتورتة. دار بنظرة في أرجاء الصالة المزينة ببعض الزينة وإلى الكعكة الشهية متوسطة الحجم، فتهدأ نفسه المستاءة ويبتسم لها بعاطفة ويقترب نحوها هامسًا بصوت جميل وهو يقبل شعرها: _شكرًا ياحبيبتي، ربنا يخليكي ليا.
لم تكن تعرف أتخجل أم تسعد لكلماته الغرامية، وبين اضطراب مشاعرها ظهرت على ملامحها الرقيقة ابتسامة فرحة وتوردت وجنتيها باستحياء، لكن تغلبت على خجلها ورفعت كفها تملس على جبينه بأبهامها وتتمتم برقة مغرية: _Happy birthday ياحبيبي.. والعمر كله نكون مع بعض ومفيش حاجة تفرقنا. لف ذراعه حول خصرها وجذبها يضمها لصدره مغممًا: _آمين ياقلب حبيبك. بقيت بين ذراعيه للحظات طويلة حتى ابتعدت عنه ونظرت للكعكة لتقول بنبرة حماسية:
_يلا عشان تدوق من التورتة وتقولي رأيك. قطعت منها قطعتين ووضعت كل قطعة في صحن ثم ناولته واحد وجلسوا على الأريكة يأكلون ويتبادلون الأحاديث المرحة، إلى أن انتهوا وأبدى هو إعجابه بمذاقها الرائع. ثم نهضت وأخذت الكعكة للمطبخ لتضعها بالثلاجة وبعد دقائق عادت له وجلست بجواره ترفع أمامه علبة صغيرة طويلة، فيهتف هو مبتسمًا بدفء: _دي الهدية مش كدا! أماءت له برأسها فالتقطها من يدها وفتحها ليجدها ساعة رجالية أنيقة وفخمة،
وسمعها تهمهم: _الحقيقة أنا بحب شكل الساعات في إيدك جدًا فقررت إني اجيبلك ساعة وتكون على زوقي أنا. انفرجت شفتيها باتساع ثم أخرجها من العلبة ولفها حول رسغه ينظر إليها في يده بإعجاب، فيجيبها بنبرة معجبة: _لازم تكون حلوة مش على زوقك. قال جملته وانحنى إليها يخطف قبلة سريعة من وجنتها، ثم ينزعها عنه ويضعها بمكانها كما كانت، ويعود بنظره لها يدقق فيها النظر جيدًا هذه المرة كأنه يتفحصها، فيغمز لها بخبث ويقول:
_حلو الاحمر ده.. شوفتي إنتي اللي بتخلي نيتي تروح لحجات مش سليمة بتصرفاتك، وبالشكل ده إنتي بتجرجريني للرذيلة وأنا بحبها أوي. نزلت بنظرها إلى ملابسها ولعنت نفسها الحمقاء التي لم تجد سوى هذا الرداء لترتديه، عادت بعيناها له وهمست بعدم حيلة من انحرافه وهي تبتسم: _على فكرة مكنش قصدي خالص والله.. هي جات صدفة. استقام وانحنى عليها يحملها على ذراعيه هاتفًا بنظرات ليست بريئة:
_أنا بعشق الصدف.. يلا هحكيلك على صدفة حلوة حصلت معايا برضوا. _طيب ماتحكيها هنا إنت ماخدني جوا ليه. _مينفعش هنا اصلها حكاية طويلة. أماءت برأسها في أعين شبه مغتاظة، وفهمت جيدًا مقصده فاستسلمت لأمرها الواقع ولم تحاول المقاومة، واكتفت بابتسامتها المغلوبة والخجلة على شفتيها!!!! فرحانة أوي ياماما.. الحمدلله. رتبت أمها على ذراعها بحنو وتشدقت:
_ربنا يتمم حملك على خير ياحبيبتي وياجي ويتربى في عزكم.. وعقبال ما أشوف ولاد أخوكي كدا كمان. _آمين يارب هو بس يقوم بالسلامة وكل حاجة هتبقى زي الفل إن شاء الله.. أنا بالي مشغول وقلقانة عليه. _أنا من وقت ماسافر ومش عارف أنام براحة. ياملاذ من القلق والخوف عليه وبدعيله ربنا يقومه بالسلامة من العملية دي. _آمين يارب.. العملية بكرا خلاص ربنا يعديها على خير. رفعت أمها يدها للسماء تدعو الله بأن يستجيب لدعائها ويحفظ لها ابنها،
ثم هتفت بتساءل: _إنتي مش هتكلمي جوزك تقوليلوا على الخبر. هزت رأسها بالنفي تقول بنظرة متشوقة: _لا هخليها مفاجأة لما ياجي هقوله. مع صباح يوم جديد قد لا يكون جيدًا بالنسبة للبعض حيث يحمل مفاجآت صادمة لهم!!!! وصلت يسر إلى منزل أبيها واستقبلتها أمها بترحيب حار، لتنحنى يسر على والدتها وتعانقها بلطف مغمغمة: _عاملة إيه ياماما. ابتسمت لها أمها بحنو وتمتمت: _بخير الحمدلله يابنتي.. متصلتيش بيا يعني تقوليلي إنك جاية.
تنهدت يسر الصعداء بوجه عابس وأجابتها بنبرة مضطربة: _أصل أنا جاية اتكلم معاكي إنتي وبابا في موضوع وماشية تاني. _موضوع إيه ده؟!! _هتعرفي دلوقتي.. بابا فين بس؟! أشارت لها بعينيها على غرفة المكتب وقالت بحيرة: _في المكتب. تحركت باتجاه الغرفة وهي تهتف: _طيب تعالي ياماما. غضنت الأم حاجبيها بريبة امتزجت بالقلق، وسارت خلفها حتى فتحت الباب ودخلت فتلقت أيضًا الترحيب من أبيها وعناق دافئ، هتف بنظرات حانية:
_عاملة إيه يابنتي.. وأخبار حسن إيه؟ هزت برأسها وهي تجيبه بمعالم مرتبكة: _أنا كويسة يابابا الحمدلله وحسن كمان كويس.. أنا كنت جاية اتكلم معاك إنت وماما في حاجة. تبادل طاهر النظرات المتعجبة مع زوجته ثم استقرت نظراته بالآخر على ابنته التي جلست قبالته وبجوارها جلست أمها..
ظلوا يحدقوا بها منتظرين أن تبدأ في حديثها المهم الذي تريد إخبارهم عنه، وهي تنقل نظرها بينهم بتوتر تجهز الكلمات جيدًا حتى لا تخطأ بشيء وتكتب نهاية زواجهم بيدها! تكلمت أخيرًا بأعين زائغة: _أنا لسا حامل.. يعني محصلش إجهاض ولا حاجة زي مافهمت الكل.
سكتت تنتظر ردة فعل منهم ولكن غاصوا في فقاعة صمت قاتلة، لتحدق بوجه كل من أبيها وأمها لتقرأ قسمات الدهشة وعدم الفهم عليهم، فتأخذ نفسًا طويلًا وتسترسل حديثها وهي مطرقة رأسها أرضًا تخترع كذبة باحترافية حتى تخفي على كل أفعال زوجها وأفعالها:
_اللي حصل إن احنا من وقت جوازنا وكان في مشاكل كتير بينا أنا وحسن ومكناش قادرين نتفاهم مع بعض كويس.. وهو مكنش حابب نجيب أطفال إلا بعد مايعدي فترة على الأقل على جوازنا وحصلت كذا مشكلة بينا بسبب الموضوع ده.. ولما حصل حمل اتخانقنا خناقة كبيرة أوي ووصلت لدرجة إنه طلب مني أنزله فزادت الخلافات بينا بعد المشكلة دي ووصلت للطلاق زي ماحصل.. وأنا كذبت على الكل وقولت إني اجهضت الطفل عشان كنت فاكرة إنه لو عرف إني لسا حامل مش
هيوافق يطلقني والمشاكل هتزيد بينكم وأنا مكنتش حابة كدا، وكنت بمجرد ما نتطلق نهائي هقول للكل، الكلام ده طبعًا بعد ما هو تراجع واعتذرلي أكتر من مرة عن اللي حصل بس أنا رفضت أسامحه.. أنا عارفة إني غلطانة واستاهل كل اللي تعملوه معايا بسبب اللي عملته وإني كذبت عليكم في حاجة زي كدا بس أنا والله مش عارفة عملت كدا إزاي ولا عقلي كان فين لما فكرت أعمل كدا.. أنا آسفة!
لجمت الصدمة السنتهم فأخذوا يحملقوا بها لدقيقتين في ذهول إلى أن صاحت أمها بها في انفعال: _كل ده يحصل معاكي ومتقوليش لينا حاجة.. هو احنا مش اهلك ولا إيه يايسر. يسر بصوت مبحوح: _والله ما اقصد ياماما أن كنت في حالة نفسية تحت الصفر ومبقيتش عارفة أنا بعمل إيه ومن كتر زعلي وحزني بقيت بتصرف بعدم عقل. خرج صوت أبيها متحشرج وهو يصيح بنبرة ارعبتها:
_ده مش مبرر للي عملتيه.. كام مرة نسألك عشان تقولي اللي حصل بينكم وإنتي رافضة تتكلمي سواء إنتي أو الأستاذ التاني، وفوق ده كله تكذبي علينا وعلى الكل إنك اجهضتي العيل.. ده ملوش معنى غير إنه عدم احترام لينا ياهانم وبعدين إيه لو عرف إني لسا حامل مش هيطلقني ده؟ تفكير متخلف.. ودلوقتي رجعتوا من أمريكا زي السمنة على العسل وخلاص اتصالحنا، هو شغل عيال. انسابت دموعها على وجنتيها وهمست بصوت مرتجف وهي مجفلة نظرها أرضًا:
_أنا آسفة يابابا. هتفت أمها بغضب: _والبيه عرف إنك لسا حامل ولا كمان لسا مقولتيش ليه. _عرف من وقت ما كنا في أمريكا واتخانق معايا برضوا إني خبيت عليه حاجة زي كدا. طاهر بنظرات مشتعلة من الغضب: _وإيه اللي حصل خلاكم تتصالحوا بالسرعة دي!! رفعت كفها وجففت دموعها تجيبهم بصوت به بحة قوية:
_هو ندم على كل حاجة وفضل يعتذرلي ومسابنيش واثبتلي إنه ييحبني بجد وعايزني، ولما حسيت إنه بجد اتغير اديتله فرصة تاني.. وإنت عارف يابابا إني بحب حسن أوي وطول ماهو جنبي أن بكون مبسوطة. حدقها طاهر بنظرة خنق ليهتف باستياء: _مش عارف ارد عليكي بإيه.. ربنا يسامحك يابنتي والله، دايمًا تاعبينا إنتي وأخوكي كدا. ثم اندفع وغادر ليتركها مع أمها لوحدهم فتنفجر هي باكية بقوة وتهتف من بين بكائها:
_والله ما اقصد اخبي عليكم أنا كنت عايزة اخبي على حسن وخوفت اقولكم تروحوا وتقولوا ليه. أشفقت عليها أمها فضمتها لصدرها وملست على شعرها هامسة بعتاب: _مهما كان يايسر لا احنا ولا حتى جوزك ينفع تخبي عليه حملك وتكذبي علينا. استمرت في بكائها العنيف وأمها تملس عليها محاولة تهدئتها بدون جدوى!!!! بمدينة لندن البريطانية....
داخل أحد أكبر المستشفيات بالمدينة بعد مرور ساعات قليلة من خروجه من غرفة العمليات وقد طمأنهم الطبيب على حالته الصحية وأنه بخير والعملية ناجحة تمامًا، فتهللت أسارير كل من زين وأبيه الذين كانوا معه.. وانتظروا لما يقارب ساعة حتى تم نقله لغرفة خاصة واستعاد وعيه، فدخلوا له وهتف أبيه بوجه بشوش: _حمدلله على سلامتك يابني. أجاب عليه إسلام بصوت ضعيف: _الله يسلمك يابابا. هتف زين بدوره وبابتسامة مداعبة:
_حمدلله على السلامة يابشمهندس، والف مبرووك الحمدلله الدكتور بيقول إن العملية نجحت وزي الفل يعني بمجرد هترجع تقف على رجلك زي الأول واحسن إن شاء الله. أشرق وجهه إسلام بفرحة غامرة ورفع عيناه لأعلى يتمتم بقلب ينبض بسعادة: _اللهم لك الحمد والشكر يارب.. أخيرًا. وأخيرًا زين احس بأن ضميره توقف عن تعذيبه فقد أتم جزء كبير من التكفير عن ذنبه، سيأتي الآن دور الوقت الأصعب وهو أخباره بالحقيقة!!!!
ترجلت ملاذ من السيارة الأجرة أمام مقر شركة العمايري.. حيث جاءت لرفيف عندما أخبرتها ملاذ أنها في طريقها لشراء بعض الأشياء فاقترحت عليها رفيف أن تمر عليها بالشركة وتريها بعض الأشياء الخاصة بها لتأخذ رأيها فيها ومن ثم تذهب معها للتسوق.. فلم تمانع ملاذ وأتت لها. قادت خطواتها الواثقة للداخل واستقلت بالمصعد الكهربائي وتوقف المصعد بالطابق الثالث حيث يوجد مكتب رفيف..
وسارت إلى آخر الطرقة حيثما يوجد باب لغرفتين أحدهم لرفيف والأخرى لحسن، اختلفت عليها الغرفة واخطأت وكانت على وشك أن تدخل مكتب حسن ولكنها تراجعت على آخر لحظة وهمت بالاستدارة للذهاب للغرفة الثانية حيث مكتب رفيف ولكن استوقفها سماعها لاسمها من حسن الذي كان يتحدث مع أخيه في الهاتف.. فوقفت مكانها باستغراب عندما سمعته يتحدث عنها كالآتي.. حسن برزانة:
_مينفعش زين يخبي عليها ياكرم مسيرها هتعرف.. هو عنده حق يقلق شوية ويتوتر ما يقولها.. وسيبك من موضوع ادمانه وإنه كان مدمن ودخل مصحة يتعالج، دي حاجة عدت عليها سنين وخلاص انتهت، هو يمكن ليه الحق في نقطة أنه يروح ويقولها أن أنا اللي خبطت أخوكي وكنت السبب في اللي حصل معاه لأنها فعلًا صعبة. كانت ملاذ تمسك بهاتفها في يدها، وأصابتها الصدمة التي لجمت لسانها وكأن صاعقة صفقتها بأرضها..
ظلت متجمدة مكانها وهي فاغرة شفتيها وعيناها بعدم استيعاب لما سمعته! وأحست بانسياب أعصابها فلم تشعر بنفسها وسقط الهاتف منها على الأرض ليحدث صوتًا قويًا ومزعجًا بعض الشيء!!! ………
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!