الفصل 39 | من 45 فصل

رواية ضروب العشق الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم ندى محمود توفيق

المشاهدات
20
كلمة
5,778
وقت القراءة
29 د
التقدم في الرواية 87%
حجم الخط: 18

فتحت عيناها ببطء شديد، لا تتذكر شيئاً ولا تدري ما الذي يحدث. فقط رأت ضوء الشمس المتسلل من النافذة إلى الغرفة، فهمست بخفوت: _كرم.. كرم فين؟ ابتسمت رفيف بفرحة وقالت في تلهف: _شفق، إنتي كويسة؟ نظرت لها عندما انتبهت لصوتها وتمتمت بصوت ضعيف ومتألم وهي تضع يدها على رأسها: _إيه اللي حصل يا رفيف؟ أنا راسي وجعاني أوي. استقامت الأخرى واقفة وهتفت باهتمام: _أنا هروح أنده لك الدكتور وأجي.

وبظرف لحظة هرولت رفيف للخارج حتى تنادي الطبيب ليطمئن على وضعها الصحي. بقيت شفق تحدق في الغرفة من حولها كتائه، تحاول تذكر ما حدث بالأمس. وأول شيء تذكرته هو مشهد زوجها وهو ملقى على الأرض والدماء تسيل من جسده. ومن ثم توالت على ذهنها بقية أحداث الأمس لتتذكر كل شيء بالتدريج. لم تهتم لأي شيء عن ماذا حدث أو كيف أتت لهنا وماذا حدث لابن عمها!

فقط انشغل ذهنها وازداد رعبها قلقاً وخوفاً على زوجها. فتحاملت على نفسها واعتدلت في نومتها لكي تنهض وتذهب لتطمئن عليه. كانت بيد تستند على الفراش لتقوم، وباليد الأخرى تمسك بها رأسها التي زاد ألمها عندما حاولت النهوض. وبينما كانت على وشك أن تغادر الفراش، دخل الطبيب بصحبة رفيف. أسرع الطبيب نحوها وهو يقول بحزم بسيط: _بتعملي إيه يا مدام شفق؟ مينفعش تقومي من السرير دلوقتي خالص. لازم ترتاحي شوية عشان الجرح اللي في راسك.

هرولت رفيف إليها، فنظرت شفق إليها وقالت بأعين دامعة وبنبرة صوت مرتعدة: _أنا عايزة أروح أشوف كرم، وحشني أوي وعايزة أطمن عليه يا رفيف. ملست رفيف على ذراعها بحنو مغمغمة بابتسامة صافية: _اطمني، الحمد لله كرم بخير وزي الفل. ارتاحي إنتي زي ما بيقول لك الدكتور بس. قالت باصرار وعناد: _لا، أنا لازم أروح أطمن عليه بنفسي. اقترب الطبيب منها متمتماً بوجه بشوش محاولاً تهدئتها:

_طيب ممكن أطمن أنا عليكي الأول وعلى وضعك، وبعد كدا اعملي اللي تحبيه. نقلت نظرها بينهم بتفكير، ثم استسلمت للطبيب الذي بدأ يفحصها ويطمئن عليها. ثم هتف بعذوبة: _الحمد لله، إنتي زي الفل بس محتاجة ترتاحي على السرير على الأقل ليوم عشان ألم الرأس ما يتضاعفش عليكي. _شكراً جداً يا دكتور. قالتها رفيف ممتنة بابتسامتها اللطيفة، ليجيب عليها هو: _العفو على إيه، ده واجبي. ألف سلامة عليها.

استدار وغادر الغرفة بأكملها، ولاتزال شفق مصرة على الذهاب، فهمت بالوقوف فقبضت رفيف على ذراعها تقول بدفء ورزانة: _شفق، أرجوكي اسمعي الكلام وبلاش عند. والله العظيم كرم كويس وزي الفل وفاق كمان الصبح ونقلوه لغرفة عادية. تهللت أساريرها وأشرق وجهها المنطفيء بضحكة غمرتها بالسعادة: _بجد والله فاق؟

_أيوة بجد.. بس بقى متتعبهوش وتروحيله وإنتي تعبانة كدا. صدقيني هيتعب أكتر. اصبري شوية تفوقي كويس بس وبعد كدا نروح له. إحنا قولنا ليه لما سأل عليكي أول ما فاق إنك تعبتي شوية وارهقتي واجبرناكي تروحي البيت وتريحي شوية. مقولناش ليه حاجة عن اللي حصل وإلا كان هيتعصب وهيتعب أكتر. عادت وادمعت عيناها من جديد لتقول بصوت باكي ومبحوح: _يعني هو كويس بجد يا رفيف؟ متخبيش عليا بالله عليكي. ضحكت رفيف بخفة وهتفت بشيء من المرح:

_أحلفلك بإيه أكتر من كدا؟ والله كويس. بعدين إنتي مش شايفة إني بضحك وبهزر إزاي؟ معقول هو لو تعبان هبقى مرتاحة ومبسوطة كدا. رفعت كف يدها إلى عينيها تجفف دموعها المتجمعة بهما وهي توميء برأسها بالإيجاب مهمهمة بنبرة رقيقة: _طيب، أنا هصبر شوية لغاية ما أقدر أقف على رجلي حتى، وبعدين هتوديني ليه. أجابتها مبتسمة وهي تشير بسبابتها إلى عينيها: _من عنيا. *** _زين فين يا حسن؟

_بيخلص كام حاجة في الشركة وجاي.. أنا لسا جاي من عند رفيف وشفق وتعبانة اااا. وسعت هدى مقلتيها في حزم وأشارت بسبابتها إلى شفتيها تقطعه عن استكمال كلامه، ونظرت إلى الباب وأغلقته جيداً حتى لا يصل كلامهم إلى مسامعه، وهتفت بنبرة جادة ومنخفضة: _ششش، أوعي تجيب سيرة قدام أخوك عن اللي حصل لمراته ليتعب أكتر. هو بيكتم في نفسه ومش بيظهر حاجة. لو تشوفه عامل إزاي من وقت ما قال الدكتور إنه هياخد فترة مش هيمشي على رجله.

سكتت عن الكلام وانهمرت دموعها لتكمل ببكاء ووجع: _اللهم لا اعتراض عليك يا رب. أنا مش عارفة بيحصل معانا كدا ليه.. الأول زين وحصل معاه برضوا زي كرم كدا. ودلوقتي خايفة عليك إنت ياحبيبي. ضمها إلى صدره وقبل رأسها وهو يملس على ظهرها بحنو وهمس مداعباً إياها حتى يضفي بعض المرح ويخرجها من حزنها: _إيه يا دودو، إنتي بتفولي عليا ولا إيه؟ هدى بصوت باكي: _بعد الشر عليك يا حبيبي. ربنا يحفظكم ليا وما يوريني فيكم حاجة وحشة أبداً.

أبعدها عن صدره وقبل رأسها بحب هامساً بنظرات حانية: _طيب امسحي دموعك دي يا ماما خلاص، عشان ندخله متخليهوش يشك في حاجة. والحمد لله إنه بخير وموضوع رجله ده هين وبالعلاج الطبيعي هيرجع زي الأول واحسن، متقلقيش. رفعت يدها للسماء ودعت الله بأن يشفي لها ابنها ويعود كما كان. بينما حسن لف ذراعه حول كتفيها ودخل معها له. وجدوا كرم ينظر لهم بنظرة مريبة قليلاً وكأنها ساخطة أو قلقة. تبادلت هدى مع حسن النظرات المستغربة حتى سمعوا

صوته الغليظ وهو يسألهم: _شفق مالها يا ماما؟ ارتبكت هدى وقالت باسمة بطبيعية مصطنعة: _مالها؟ بدأ الضجر الحقيقي يظهر عليه حيث أجابهم بصرامة: _أنا سمعت حسن وهو بيقول إنه كان جاي من عندها، ولسا مكملش كلامه، قاطعتيه وقفلتي الباب عشان مسمعش. تنهد حسن بعدم حيلة ولم يجيب عليه، بل اتجه وجلس على مقعد وثير متوسط الحجم دون أن يتفوه بنصف كلمة. أما هدى فقالت مخترعة كذبة فاشلة:

_هيكون مالها يعني يا بني.. حسن كان جاي من البيت وبيطمني عليها وأنا قفلت الباب عشان افتكرتك نمت وخفت تصحي على صوتنا. حرك عيناه عليهم في نظرات ثاقبة ثم قال بهدوء لا يبشر بالخير: _ماما، أنا مش عبيط عشان تضحكوا عليا بالكلمتين دول. في حاجة بتحصل وإنتوا مخبيين عني. مهو مش معقول شفق تعبت ومشيت تريح في البيت ومش هتيجي تطمن عليا لما فوقت حتى. شعرت بأنها احتجزت في المنتصف، فنظرت إلى حسن وهتفت شبه منفعلة:

_ماتقول حاجة يا حسن لأخوك ده.. مصمم يعصب نفسه على مفيش وهو تعبان. _وأنا مش هتعصب لو شفت مراتي. عشان اللي بيحصل ده مش داخل دماغي ومش هرتاح غير لما أشوفها قدامي. هدى بنفاذ صبر ونبرة هادئة ولطيفة: _وهتروح تشوفها إزاي بس يا بني؟ إنت مسمعتش الدكتور قال إيه. صاح بهم منفعلًا وبعصبية: _أنا مليش دعوة بكلام دكتور. إن شاء الله تجيبولي زفت كرسي متحرك.. مش هفضل قاعد...

توقف عن الكلام ووضع يده على موضع جرحه الذي ألمه عندما انفعل ورفع صوته. ليهب حسن واقفاً ويقول بإذعان لرغبته: _خلاص، هدي نفسك يا كرم. هروح أجيب لك كرسي وأجيلك. أسرعت نحوه هدى وجلست بجواره على الفراش تهتف بأسى وإشفاق: _بتعمل في نفسك كدا ليه يا بني.. مش عايز تريح نفسك ليه لغاية ما ربنا يتمم شفاك على خير. أغمض عيناه بألم وهمس بخفوت متحملًا الألم بصعوبة: _أنا كويس يا ماما. هدى بقلق وخوف: _أنا هروح أنده لك الدكتور.

همت بأن تقف ولكن خرج صوته محتشرجاً وقوياً وهو يرفض رفض قاطع بخنق: _مش عايز دكاترة أنا. أصدرت هدى تنهيدة حارة بشجن واستقامت ثم انحنت عليه وطبعت قبلة حانية على شعره متمتمة بصوت جاهدت في إظهاره طبيعياً: _طيب مش هندهه، بس أبوس إيدك متعصبش نفسك يا حبيبي. إنت شوفت أهو لما اتعصبت تعبت إزاي.

رفع نظره إلى أمه وطالعها بدفء أخيراً يحتضنها بنظراته. ثم التقط كفها وقبل ظاهره بلطف وهو يبتسم لها بحب. فبادلته إياها، ولكن ابتسامتها هي كانت أمومية تحمل كل ضروب الحنان في ثناياها. ***

فتح الباب ببطء ودخل وهو يسير على كرسي متحرك، وخلفه أمه تدفع به الكرسي برفق. وثبت رفيف واقفة باندهاش، وكانت على وشك التحدث لولا كرم الذي أشار إلى شفتيه بسبابته حتى لا تتكلم وتوقظ "شفق". فنقلت نظرها بين أخيها وأمها بحيرة، لتهز هدى كتفيها لأعلى بعدم حيلة. وتتنهد رفيف الصعداء بعدما فهمت إصرار أخيها في اطمئنانه على زوجته بنفسه. اقتربت منه وانحنت على أذنه تهمس بعينان متعلقة على شفق النائمة في الفراش بهدوء:

_فضلت تقاوم وكانت مصممة إنها تيجي لك في الأوضة، بس مقدرتش تقاوم ونامت من التعب. هز رأسه بالتفهم، ثم رفع عيناه إلى شقيقته وتمتم بخفوت تام: _طيب خدي ماما يا رفيف واطلعوا، وسيبوني معاها وحدي شوية. انتصبت في وقفتها ونظرت لأمها بانفطار قلب على وضع أخيها، ولم يكن حال هدى أفضل منها، ولكنهم امتثلوا لطلبه وغادروا الغرفة ليتركوه ينفرد في الحديث مع زوجته على انفراد!

تحرك بمقعده ليقترب من فراشها أكثر، فأصبح أمامها مباشرة. دقق النظر في جبهتها المجروحة واللاصق الطبي الذي يخفي جرحها. كذبوا عليه وأخبروه بأنه مجرد إرهاق وتعب، ولكن يبدو أن ليلة غيابه عن الواقع حدث فيها الكثير وهم يخفون عنه الحقيقة. مد يده وملس بأنامله على وجنتها بلطف قاصداً إيقاظها مع ابتسامة مشتاقة على شفتيه. فتحت هي عيناها تدريجياً، وحين أدركت صورته أمامها، وثبت جالسة كالذي لدغته عقرب! حدقته بصدمة وهمست

بأعين تلمع بوميض السعادة: _كرم. ابتسم لها بحب، فغامت هي عيناها بالدموع في لحظتها وغارت عليه، ترمي بين ذراعيه. تعانقه بقوة وحميمية دافنة وجهها بين ثنايا رقبته. ألمته بشدة عندما ارتمت عليه بكامل حمل جسدها، فأصدر هو أنيناً خافتاً متألماً. ارتدت مبتعدة عنه بهلع هاتفة بأعين باكية: _أنا آسفة، مقصدش والله. ثم امسكت بوجهه وأدارته يميناً ويساراً مغمغمة بنبرة مرتعدة ومرتعشة: _إنت كويس يا حبيبي؟ طمني عليك.

امسك بكلتا كفيها وقبل كل كف على حدة هامساً بحنو امتزج بمشاكسة لطيفة: _أنا كويس يا قلب حبيبك. بعدين أنا متصبتش في وشي يا شفق. لم تهتم لما قاله أو حتى مشاكسته، حيث عادت وعانقته ولكن هذه المرة بحرص، وهتفت باكية بعنف وصوت متقطع:

_إنت وحشتني أوي.. كنت هتجنن من الخوف عليك. إنت عارف إني مليش غيرك ولو حصلك حاجة مش هقدر أعيش من بعدك. أنا أساساً مكنتش عايشة إمبارح. لو هتمشي خدني معاك، متسبنيش وحدي. إنت وعدتني إنك مش هتسبني في الدنيا دي وحدي. لثم كتفها ورقبتها برقة هامساً في هيام: _بعد الشر عليكي يا حبيبتي، مسمعكيش بتقولي الكلام ده تاني. ثم إني مسبتكيش، واديني قدامك أهو يا شفق. وأنا عند وعدي طول ما فيا نفس مش هسيبك أبداً.

أكملت نوبة بكائها العنيفة واحتضنته، تقبل كل شبر في وجهه من بين بكائها تهتف بارتجافة: _ربنا يخليك ليا. متسبنيش تاني يا كرم، ولو لحظة. أنا من غيرك أضيع. استسلم تمامًا لقبلاتها الرقيقة والناعمة من شفتيها على وجهه، وأغمض عينيه متلذذًا ليجيبها مداعبًا: _أنا بعد الكام بوسة دول حاسس إني بقيت زي الفل. _إنت إيه اللي قومك من سريرك يا كرم؟ إنت لسا طالع من عملية إمبارح ومحتاج ترتاح. قالت كلامها بحزم واهتمام، فهتف هو بكل بساطة:

_كنت قلقان عليكي ومكنتش هرتاح إلا لما أشوفك قصاد عيني. وممكن بقي تفهميني إيه اللي حصل معاكي؟ مد أنامله وجفف دموعها في لطف، ثم اقترب وقبلها من جانب ثغرها هادرًا بنظرات جادة ونبرة دافئة: _مين اللي عمل فيكي كدا يا حبيبتي؟ أجفلت نظرها أرضًا وقالت بكذبة فاشلة وواضح اختراعها في محاولة بائسة لكي تلهيه عن الحقيقة: _محدش عملي حاجة، أنا وقعت واتعورت. رمقها بنظرات حادة ومريبة يحذرها من الكذب عليه، وهدر في صوت قوي:

_شــــفــــق!!! ابتلعت ريقها بتوتر، وقالت محاولة تغير مجرى الموضوع ولكن بذكاء: _طيب أنا مش هخبي عليك والله، بس هحكيلك لما وضعك يتحسن أكتر عشان متتعصبش وتتعب يا حبيبي. لمعت عيناه بمويض ناري مخيف وهو يسألها بصوت خشن: _عمك وجاسر اللي عملوا معاكي كدا صح؟

_كرم أبوس إيدك يا حبيبي ماتشغلش بالك بالمواضيع دي دلوقتي. أنا كويسة وبخير، الأهم إنت. وأنا وعدتك إني هحكيلك كل حاجة. ممكن بقى نروح أوضتك عشان تريح على سريرك لأنك ممكن تتعب كدا. قرب رأسها من شفتيه ليقبل جبهتها موضع جرحها بحب، ويهتف بوعيد حقيقي امتزج بحنانه: _أنا آسف، كان لازم آخد احتياطاتي عشان مديش الفرصة لعمك الحيوان ده إنه يقرب منك أو يأذيكي. بس اقسم بالله مش...

وضعت سبابتها على شفتيه تمنعه من استرسال حديثه، وتنحني لترتمي بين ذراعيه هامسة بهيام: _أنا مش عايزة حاجة غير إنك تكون كويس وجمبي. ممكن بقى كفاية مشاكل وخلينا نركز في حياتنا يا حبيبي. أنا معنديش استعداد أخسرك إنت كمان. لم يعقب على كلامها وتركها تنعم بلحظاتها الغرامية والمشتاقة له وهي بين ذراعيه. وحاله لم يكن يختلف عنها حيث أنه ضمها أكثر إليه يستنشق رائحتها متلذذًا بشعور الراحة الذي يداهمه وهي بين ذراعيه... ***

وصل زين إلى قسم الشرطة وقاد الردهة الطويلة المؤدية لمكتب الرائد حسام. وصل أمام باب المكتب وسأله الصول من هو وماذا يريد، وبمجرد ما أخبره اسمه فتح له الباب بعدما أخبره بأن سيادة الرائد في انتظاره. استقام حسام واقفًا وصافح زين بحرارة مبتسمًا بعذوبة وهو يقول: _اتفضل يازين. طمني على كرم اخباره إيه. جلس زين على المقعد الخشبي الوثير المقابل لمكتبه وقال متنهدًا براحة: _الحمدلله فاق ووضعه بقى زي الفل.

ردد حسام براحة "الحمدلله". ثم انتصب في جلسته وظهرت معالم الرسمية والجدية على وجهه قبل أن يبدأ في حديثه الذي كان كالآتي: _إنت طبعًا ادتني ورق وسيدهات كنت ماسكها على كمال الحسيني توديه ورا الشمس وهو في السجن دلوقتي. وامبارح بعد ما مسكنا جاسر لقينا ده في جيبه. رفع أمامه SD فعقد زين حاجبيه مستغربًا وقال بفضول ونظرة ثابتة: _إيه SD ده وفيه إيه؟ _لحظة هخليك تسمعه بنفسك.

كان بجانبه جهاز الحاسوب النقال فوضع بداخله ذلك SD، وماهي إلا لحظات وبدأ فسمع صوت جاسر وهو يهتف بعصبية: _وإيه الحل دلوقتي؟ أنا خلاص هقبل بالأمر الواقع وهستسلم مثلًا يا بابا. هتف كمال بسخرية وغضب: _احمد ربك بأن سيف اكتفى باللي عمله فيك. إنت متوقع إنه هيسمحلك تتجوز اخته بعد اللي عملته ده؟ إنت حاولت تعتدي عليها يا أستاذ وإنت سكران. صرخ منفعلًا بجنون: _شفق خطيبتي وميقدرش يفسخ الخطوبة. أنا مكنتش في وعي.

_إنت اتكلم خالص وحمد ربك إن محدش عرف لغاية دلوقتي إنك حاولت تقتل سيف وأنا مداري عليك كل ده. توقف الصوت وانتهى التسجيل، فبقي زين مذهولًا يحدق أمامه في عدم استيعاب لما سمعه. حتى أتى صوت حسام المستاء وهو يهتف بنظرة نارية:

_محاولة قتله لظابط ومن أكفأ الظباط دي جريمة وعقابها مش سهل، ده غير محاولة اعتدائه على مدام شفق زي ما سمعت. وفوق ده كله الكلام ده هيصعب موقف كمال أكتر لأن فوق كل اللي عمله هو يعتبر مشترك مع ابنه في اللي عمله ده كمان. وقف زين وهو يزفر النيران من بين شفتيه ويترنح من فرط الغيظ متمتمًا: _دول متعودين على القتل بقى، أه يا ولاد ال... مسح على وجهه متأففًا يستغفر ربه ولم يكمل سبه فيهم. استقام حسام هو الآخر وسأل بحيرة:

_اللي مستغرباه، هو يشيل حاجة زي كدا معاه ليه؟ _أكيد شفق اللي كان معاها التسجيل ده وهي كانت عايزة تسلمه للبوليس وهو لما عرف خطفها. حسام بنظرات بها وعيد شيطاني: _اطمن، أنا هوصي عليهم كويس أوي. *** في مساء ذلك اليوم... انفتح الباب وظهر من خلفه علاء. كان وجهه عابسًا ومهمومًا يبدو عليه علامات الإرهاق والتعب. فتهتف أمه بسرعة في قلق: _أخبار كرم إيه يا علاء؟ أبوك اتصل بيا الصبح وقالي إنه فاق. تحرك باتجاه الأريكة

وجلس عليها يتمتم بخنق: _كويس ياماما الحمدلله، بقى كويس. _امال مالك يا ابني مضايق كدا ليه؟ _طبيعي أضايق ياماما على وضعه. هما ولاد ال**** دول نفدوا منينا لما اتسجنوا. ملست على كتفه بحنو مردفة بدعاء يخرج من صميم قلبها: _ربنا يشفيه يارب. وكدا أفضل لما القانون يعاقبهم. كانت ميار تجلس على أحد المقاعد وتطالعه بتأثر وأسى، فهب هو واقفًا وانتبه لها فقال بإيجاز وهو يسير باتجاه الدرج: _تعالي ورايا ياميار عايزك.

خرج صوت الأم قوي وهي تهدر: _لا، أنا عايزة أتكلم مع ميار شوية. اقعدي. أصدر علاء تنهيدة حارة باختناق، ثم قال بلهجة حازمة بعدما فهم والدته جيدًا: _وأنا عايز مراتي دلوقتي ياماما. معلش اجلي كلامك معاها بعدين لو سمحتي. وقفت ميار في المنتصف وهي تنقل نظرها بينهم هم الاثنين، تتفهم علاء ولما يرفض حديثهم، وبنفس اللحظة هي أيضًا تريد التحدث معها. فنظرت لزوجها وهزت رأسها بإيحاء وعينين دافئتين وهي تهمس:

_خلاص اطلع يا علاء وأنا هشوف طنط عايزة إيه وهاجي وراك. وقف يتطلع في كلاهما بعدم حيلة، ثم تركهم وصعد الدرج متجهًا لغرفته. تحركت ميار لتجلس على الأريكة بجانب زوجة عمها وتهمهم بهدوء تام: _نعم. _اظن إنه كفياكي أوي لغاية كدا مع ابني. أخذت نفسًا عميقًا وأخرجته زفيرًا متمهلًا لتجيبها بصوت رخيم وعينين منطفئتين: _أنا نفسي أفهم إنتي ليه بتكرهيني؟ قالت بجفاء وعدم مبالاة بأمرها:

_أنا مش بكرهك يا حبيبتي، بس مش عايزيكي تكوني مرات ابني. عشان علاء يستاهل واحدة تكون أفضل منك بمية مرة، مش واحدة شرفها بقى في الأرض بصورها اللي شافها الكل. كانت عيناها على وشك ذرف الدموع، ولكنها شدت على محابسهم وأجابتها بقوة ولكن صوتها به غصة مريرة:

_أنا مظلومة ومعملتش حاجة غلط. عارفة إنه علاء راجل وكويس وألف من يتمناه ويستاهل الأحسن مني. بس أنا بحبه بجد ومش عايزة أبعد عنه وهحاول أعمل كل حاجة عشان أسعده. إنتوا من قبل ما يحصل اللي حصل ومحدش فيكم كان بيحبني، هو الوحيد اللي حسيته عايزني بجد. ارجوكي يا مرات عمي متفرقيهوش عني. وسبيني أثبتلكم وأثبتلك إني أستاهله.

طالعتها زوجة عمها بصمت ونظرات ثاقبة كالصقر دون أن تتحدث ببنت شفة وهي تفكر في حديثها وتعقله في ذهنها جيدًا، بينما هي فاستقامت وهرولت إلى الأعلى تفر هاربة منها قبل أن تفقد زمام نفسها وتنفجر أمامها باكية!! ... *** انفردت بنفسها في الغرفة وأجابت على الهاتف بنبرة عادية: _الو. _أيوة يارفيف عاملة إيه؟ جلست على الفراش وتنهدت بتعب متمتمة: _الحمدلله يا إسلام بخير وإنت. أجابها بخفوت واهتمام:

_أنا كويس. إنتي تعبانة ولا إيه مال صوتك؟ رفيف بصوت مرهق: _أهاا شكلي داخلة على دور برد بس أخدت علاج وبقيت أحسن عليه الحمدلله. تمتم في تلقائية ونبرة صوت تنسدل كالحرير ناعمًا ودافئًا: _الف سلامة عليكي، خدي بالك من نفسك. خجلت بعض الشيء ولم تجبه فتسمع صوته من جديد وهو يقول براحة وصلت لها من نبرة صوته: _أنا كنت عند كرم الصبح والحمدلله كان زي الفل. حمدلله على سلامته. عبس وجهها من جديد بعد أن كانت على وشك أن تدخل السكينة

لنفسها وتمتمت بقلب منفطر: _الله يسلمك. والله يا إسلام أنا خايفة عليه أوي. خايفة ميكونش الموضوع بسيط وخلاص زي ما قال الدكتور ومع العلاج هيرجع يمشي. _لا متخافيش طالما قال الدكتور أنه بالعلاج الطبيعي هيبقى زي الفل يبقى اطمني. ثم إني شفت وضعه بنفسي، هو وضع رجله من سيء للدرجة دي؟ كل مافي الموضوع أن في صعوبة ومش بيقدر يحركها بسهولة وده شيء بسيط الحمدلله وبالعلاج بيتحسن. اتاه صوتها المترجي من الله وهي تتمنى بصوت مسموع:

_يارب. يسمع من بقك ربنا يا إسلام. عم الصمت بينهم للحظات حتى هتف هو بصوت رجولي هادئ يحمل كل ضروب اللطف والرقة: _طيب أنا كنت جايبلك هدية والمفروض إنها مفاجأة، كنت هبعتهالك بكرا على البيت بس بما إنك متضايقة وده واضح من صوتك فهبعتلك صورتها دلوقتي يمكن تفرحك وتخرجك من المود. ابتسمت بتلقائية وقالت بعفوية: _بجد هدية إيه؟ _ثانية خليكي معايا هبعتلك صورتها في رسالة على الواتس آب.

امتثلت لطلبه وبقيت تنتظر وصول الرسالة ومازال الاتصال مفتوح بينهم ولكن لا يوجد صوت. وأخيرًا وصلت الرسالة فاسترعت وفتحتها لتجد صورة بها "دبدوب" ضخم من اللون الأبيض الناصع. بهرت به وأعجبها بشدة فوضعت الهاتف على أذنها وقالت بسعادة غامرة واضحة في صوتها: _الله جميييل أوي، أنا بحب الدباديب جدًا. ميرسي يا إسلام على الهدية الحلوة دي. ضحك بخفة وأجابها مداعبًا:

_الحمدلله إنه عجبك، أنا جبته وكنت خايف تكوني مبتحبيش الدباديب. بس بعد ما سمعت صوتك كدا أنا اتأكدت إن هدفي من الهدية وصل. ابتسمت باستحياء ولم يأتيه صوت منهة، ففهم أنها خجلة بعض الشيء ليقول مبتسمًا بخفوت: _هيوصلك إن شاء الله بكرا الصبح. _إن شاء الله مستنياه بفارغ الصبر. عم الصمت بينهم من جديد وكل منهم يبحث عن شيء ليقوله ولكن كلاهما لا يجدوا ما يقولوه. فتشجعت هي وهتفت بحياء واضطراب ملحوظ في صوتها: _طيب تصبح على خير بقى.

_وإنتي من أهله. بمجرد ما أن سمعت هذه الجملة أنهت الاتصال فورًا وعادت تفتح الرسالة من جديد وتتمعن النظر في هديته وهي مبتسمة بفرحة طفولية!! ... *** فتحت باب الغرفة ودخلت ثم أغلقت خلفها بهدوء تام وسارت باتجاه الفراش لتلقي بجسدها عليه وتنفجر باكية بصوت مرتفع وصل لأذنيه في الحمام.

حيث كان يأخذ حمامًا دافئًا ليزيح عن جسده تعب النهار الطويل، فسمع صوت شهيقها وبكائها. عقد حاجبيه بدهشة وقلق، وفورًا خرج من أسفل الماء ولف حول نصف جسده منشفة وخرج لها. أسرع إليها وجلس على الفراش يمسك بها ويبعد خصلات شعرها عن وجهها، هاتفًا بقلق: "ميار مالك؟ ماما قالت لك إيه؟ لم تجبه وأكملت بكائها العنيف دون أي إجابة. فعاد يسألها، ولكن هذه المرة بجدية وهو يحاول أن يرفع وجهها ليراه: "ميار ردي عليّ!

اعتدلت وارتمت بين ذراعيه، واضعة رأسها على صدره العاري، غير مهتمة بالماء التي على جسده بسبب أنه لم يجفف جسده وخرج لها مهرولًا. هتفت ببكاء قوي: "ليه محدش بيحبني يا علاء؟ ليه كلكم بتكرهوني؟ ملس على شعرها وخرج صوته رجوليًا صلبًا وهو يسألها بحدة: "طيب ردي عليّ وقولي لي ماما قالت لك إيه؟ أبعدت رأسها عن صدره ورفعت عينيها إلى وجهه، تقول بخفوت رقيق ونظرات دامعة وبريئة:

"ما قالتش حاجة. أنا مضايقة إنها مش بتحبني وشايفاني وحشة وهأذيك، ومش هي بس. لا، الكل شايفني كده." أبعدها عنه تمامًا واستقام واتجه إلى خزانة الملابس ليخرج له ملابس ليرتديها، ويقول باستياء: "أنا هنزل أتكلم معاها." وثبت واقفة ومنعته بصرامة وضجر حقيقي، وهي تنهيه بتحذير:

"عارف لو نزلت واتكلمت مع مامتك في أي حاجة هتبقى خسرتني أنا. هي مقالتش حاجة غلط أساسًا ولا زعلتني. أنا زي ما قلت لك زعلانة بسبب إني نفسي تحبني ومتبقاش بتكرهني كده." حدجها بصمت للحظات، وبدا لها أنه استسلم لرغبتها، ولكنه عاد يكمل إخراج ملابسه. فهتفت هي بخنق: "علاء، أنا بتكلم بجد." "ماشي يا ميار، مش هنزلها خلاص." "امال إنت بتعمل إيه؟ نظر لها وقال ببساطة شديدة: "بطلع هدوم عشان البس، ولا هقعد كده يعني؟

قالت منصدمة وباقتضاب: "وإنت هتلبس قدامي يعني ولا إيه؟ مش فاهمة؟ حول رأسه ناحيتها وقال مبتسمًا بلؤم: "أيوة، فيها إيه يعني؟ "نعم؟ هو إيه اللي أيوة ده؟ ادخل البس في الحمام يا علاء، بلاش قلة أدب." غمز لها بعينيه في وقاحة وهمس: "أنا بحب البس هنا، إنتي مضايقة ليه مش فاهم؟ غمضي عينك وخلاص، الموضوع اتحل." رفعت نظرها للأعلى وتأففت بقوة، وهي تهتف بغيظ: "استغفر الله العظيم يا رب."

كتم ضحكته وأمسك بالمنشفة يوهمها بأنه سيفعلها كنوع من مناكشتها. فشهقت هي بصدمة واستدارت فورًا، توليه ظهرها وتخفي عينيها بكفها، صائحة به بسخط: "علاااااء.. إنت dirty أوي على فكرة." انفجر ضاحكًا وأجابها من بين ضحكه: "أنا مكنتش هعملها، كنت بشتغلك بس وإنتي صدقتي طبعًا. بس ما علينا، أنا داخل البس في الحمام عشان ترتاحي."

ظلت كما هي على وضعها توليه ظهرها، حتى سمعت صوت خطواته يتجه إلى الحمام. وعندما سمعت صوت غلق الباب، التفتت بجسدها وهي تضحك مغلوبة على أمرها، وهمست: "منحط بصحيح! ***

جذبت مقعدًا صغيرًا ووضعته أمام الفراش وجلست عليه، ثم ظلت تتأمل ملامحه الهادئة والجذابة وهو نائم. كيف أنه وسيم حتى في تعبه. معالم وجهه تنضج بالحنو والدفء عندما تراه هكذا، لا تصدق أن هو نفس ذلك الرجل المرعب الذي يتحول إليه عندما يغضب. يستطيع في لحظة الخروج من قوقعة لطفه وحنانه إلى حقيقة مخيفة عنه. لكنها لا تبالي بأي شيء سوى وجوده بجوارها، أحبته بلطفه وحنانه، وستظل تحبه حتى في لحظات سخطه وتحوله للشخصية القاسية والمريبة. كان دومًا رجلًا معها بما تحمل الكلمة من معاني. لم يتركها للحظة منذ وفاة أخيها. اهتم بها كأنها ملزمة منه. حافظ عليها وأحبها، وكان لها كالحصن المنيع الذي تحتمي خلفه. والآن هي أكثر من مجرد متيمة به!

مدت أناملها الرقيقة وغلغلتها في خصلات شعره وعبثت به في رقة. ثم انحنت عليه وطبعت قبلة على جبهته، ونزلت بشفتيها إلى وجنته تلثمه بكم مفرط من اللطافة والرقة، لدرجة أنه فتح عينيه من النوم على أثر لمساتها وهو يبتسم. لاحظ أن الشمس لم تشرق بعد وأنهم بالمساء، فقال بخفوت وصوت ناعس: "صاحية ليه لغاية دلوقتي؟ هزت كتفيها بعبث وهمست في رقة أنوثية مغرية: "مش جاي لي نوم، فقولت أفضل صاحية عشان لو صحيت وعاوزت حاجة تلاقيني موجودة."

أفسح في فراشه وتحرك بصعوبة على الجانب وببطء، ثم أشار على الجزء الفارغ بجواره وهتف بعاطفة جياشة: "تعالي نامي في حضني." قاست حجم الفراش بعينيها وقالت بعبوس: "السرير صغير يا كرم، مش هيكفينا. وبعدين أخاف أنام جنبك وإنت لسه جروحك ملتأمتش." رفع كفه وملس على وجنتها بنظرات تنضج بالعشق وبصوت يذيب القلب: "مفيش حاجة بتأذيني إلا بعدك عني. يلا تعالي."

لم تتمكن من الاعتراض بعد جملته الغرامية التي قالها، ففعلت على الفور والتفتت لتتمدد بجواره. فيفرد هو ذراعه بجواره على الفراش لتضع رأسها على صدره، ويلف هو ذراعه حول جسدها يضمها إليه أكثر، وبشفتيه يثلم شعرها بقبلات متتالية. ثم استحوذ عليهم الصمت لدقائق، حتى هتفت هي بصوت خافت: "كرم، هو ممكن حد يدخل؟ "محدش هيدخل، وحتى لو حد دخل هيخبطوا الأول. اطمني." اكتفت بالصمت، ليتمتم هو بخبث شبه ضاحكًا:

"أنا في حاجات كتير نفسي أعملها دلوقتي، بس زي ما إنت شايف وضعي ورجلي يعني الصحة يدوبك الحمد لله." لو تركت نفسها تفكر في حديثه لعبست وحزنت بشدة، ولكنها أرادت إضفاء جو مرح على جلستهم، حيث أجابته بمداعبة ضاحكة: "لا صفي النية يا كوكو عشان ربنا يشفيك بسرعة ويقومك ليا بالسلامة. وصدقني أنا اللي هظبطك، بس إنت قوملي بالسلامة كده." "طيب إنتي مش شايفة إن كده أنا هخلل، خصوصًا إن العلاج الطبيعي لرجلي هيطول شوية. فنستني ليه؟

ماتظبطيني دلوقتي! لم تتمكن من تجاهل حزنها وشعورها بنبرة الحسرة والمرارة في صوته. لتعتدل في نومتها وترفع رأسها عن صدره، لتلثم جانب ثغره وتتمتم بحنان جارف وأعين كلها عشق: "أنا معاك وجمبك لغاية ما ربنا يقومك ليا بالسلامة وترجع تمشي على رجلك من تاني. والدكتور قال الموضوع بسيط، فمتضايقش نفسك يا حبيبي. ثم إن لو موقفتش أنا جنبك في محنتك مين هيقف جنبك؟

صدقني، هكون ليك السند والضهر اللي هتسند عليه في فترة علاجك. إحنا الاتنين بنكمل بعض يا حبيبي. مش عاوزاك تشيل هم خالص، وطول ما إحنا مع بعض هنجتاز الامتحان ده إن شاء الله." ابتسم لها بهيام وقرب رأسها منه ليقبل رأسها مطولًا بحب ويهمس: "ربنا يخليكي ليا وميحرمنيش منك يا قلب حبيبك. أنا كفاية عليا تكوني معايا بس." عادت لمرحها من جديد وغمغمت بمكر أنوثي لطيف ومضحك:

"أيوة كده أضحك. تعرف إن أحد الأسباب اللي كانت بتجذبني ليك وخلتني أحبك هي ضحكتك وابتسامتك." دهشته ردها قليلًا، فضحك وقال من وسط ضحكته: "لا والله؟! غمزت له بعينيها في نظرات ليست بريئة أبدًا، وهي تتغزل به في تغزل صريح قاصدة إضافة المرح عليهم: "يعني مش كفاية وسيم ومز وكمان عليك ضحكة جنان؟ حرام عليك القلب اشتكى." انطلقت منه ضحكة رجولية متأججة وهتف من بين ضحكاته وهو يبادلها اللؤم: "طيب ماتيجي أشتكهولك بما إن قلبك اشتكى."

شفق بمشاكسة ضاحكة: "لا متخافش، هو قلبي اتعود على كتلة الوسامة دي خلاص. كنت بواجه مشاكل عويصة في البداية الحقيقة ومش عارفة ألاقيها من فين ولا من فين. من وسامتك، لا ابتسامتك، ولا لطافتك، ولا حنيتك، ولا إيه؟ فمكنتش عارفة ألم على نفسي وبهنج من مجرد بس نظرة منك. بس الحمد لله قدرت أسيطر على الوضع." لم يتوقف ضحكه، حيث هتف باندهاش: "ياااه للدرجة دي؟ مكنتش أعرف إني عاملك المشاكل دي كلها." "شوفت بقى وسامتك عملت فيا إيه؟

"طيب بقولك إيه؟ ماتجيب بوسة يا جميل إنت." تصنعت الخجل والدهشة من طلبه، حيث قالت وهي تجحظ عيناها: "كرم عييييب.. لا إنت مكنتش كده، أنا عايزة الكوكو بتاعي اللي بيتكسف." "لا كسوف إيه بقى خلاص، كان زمان وجبر. مفيش وقت للكسوف دلوقتي يا حبيبتي." انفجرت هي الأخرى ضاحكة وعادت تدفن وجهها بين ثنايا صدره وهي تضحك، فيضحك هو على طريقة ضحكها اللطيفة. ***

وجدته جالسًا على الفراش وبيده المسبحة يذكر الله، وغير منتبه لها مطلقًا. فابتسمت بدفء واقتربت منه لتتمدد على الفراش وتضع رأسها على حجره وتسحب الغطاء على جسدها، هامسة برقة جميلة: "زينو اقرأ لي قرآن بصوتك."

وضع كفه على شعرها وجعل يملس عليه بحنو مبتسمًا، ثم بدأ يرتل لها بصوته العذب آيات من القرآن الكريم. فأغمضت هي عينيها متلذذة بالسكينة التي دخلت على قلبها. مرت ما يقارب النصف ساعة وهو لا يزال يقرأ، وأنامها تعبث بخصلات شعرها في لطف مما بعث لها الاسترخاء الجسدي، وكانت ستغفل بين ذراعيه وعلى صوته الجميل. لولا أنها سمعت صوته وهو يهتف: "صدق الله العظيم". رددت خلفه ولكن بهمس غير مسموع. مما جعله يظن أنها نامت. فانحنى برأسه عليها

ينظر لها بتدقيق ويتمتم: "ملاذ، إنتي نمتي ولا إيه؟ هزت رأسها بالنفي، ثم اعتدلت في نومتها ونامت على ظهرها، فأصبحت مقابلة لوجهه تمامًا، وهتفت بصفاء: "كنت على لحظة وهنام خلاص. بحب أسمع صوتك أوي وإنت بتقرأ قرآن.. ماشاء الله عليك يا حبيبي." انحني عليها برأسه يخطف قبلة على مقدمة شعرها مغمغمًا بمداعبة: "عايزين نبدأ حفظ بقى ومن غير تلكيع ولا كسل، مفهوم؟ أشارت بسبابتها إلى كلتا عينيها وهي تضحك وتجيبه بابتسامة مشرقة:

"إن شاء الله مش هتشوف الكسل ده أبدًا. وبعدين هو أنا أطول لما الشيخ زين بنفسه هو اللي يديني أحكام تجويد ويحفظني قرآن؟ هتف زين بضحكة بسيطة: "يابكاشة.. بتاكلي عيش وبتثبتيني بالكلمتين دول." تصنعت البراءة وقالت مدهوشة بوجه مبتسم: "أنا؟ أبدًا، ده إنت اللي دائمًا فاهمني غلط." أصدر ضحكة خفيفة، ثم خرج صوته جادًا وتغيرت نبرته وهو يقول:

"صحيح، بعد بكرة هسافر أنا وإسلام عشان الدكتور حدد معاد العملية وهتكون يوم الخميس. والنهاردة الاتنين، فيدوب نسافر من بكرا." اعتدلت جالسة وهزت رأسها بتفهم مردفة: "أيوة ماما قالت لي الصبح. خايفة عليه والله، ربنا يقومه بالسلامة ويعدي العملية دي على خير." "متخفيش، هي عملية مش خطيرة ولا صعبة، وإن شاء الله هتعدي على خير." مدت كفها ومررت أناملها برقة على لحيته الكثيفة وهي تهمس ممتنة بعشق جارف:

"ربنا يخليك ليا يا حبيبي.. مش عارفة أشكرك إزاي على وقفتك مع إسلام دي بجد." رفع حاجبه مستنكرًا كلامها السخيف والذي ضايقه، حيث تشدق بغلظة صوته الرجولي: "تشكريني؟ أهلك هما أهلي يا ملاذ، ومفيش شكر بين الأهل. بلاش هبل ومتقوليش الكلام ده تاني عشان متعصبش." انفجرت شفتيها باتساع ومالت برأسها على الجانب في نظرات كلها خبث ودلال أنوثي مثير حد اللعنة. ومدت كفها الآخر تعبث بأناملها في لحيته وتقترب منه، تحرك أرنبة أنفها

على لحيته بطريقة جذابة: "من عنيا، إنت تأمر. أنا مقدرش على زعلك أصلًا." التقط أنفاسه ببطء وأبعدها بلطف عنه بعدما أحس بأنه سيفقد زمام شهواته: "طيب ابعدي وسيبي دقني يا بنت الناس." مالت شفتيها بابتسامة ماكرة والتصقت به أكثر، تلف ذراعيها حول رقبته هامسة بصوت به بحة أنوثية مغرية: "إيه ده يازينو، إنت من إمتى بتتأثر من مجرد لمسة ياحبيبي؟

هو ليس بحجر، من الطبيعي كأي رجل أن يفقد السيطرة على نفسه عندما تكون زوجته امرأة فاتنة مثلها. حدجها بنظرة كلها رغبة، وبالرغم من ذلك تمالك نفسه بصعوبة واكتفى بالقبلة التي خطفها من جانب ثغرها وهو يجيبها بنبرة ذائبة: "ملاذ، أنا معايا شغل الصبح بدري ياحبيبتي والله، متخلنيش أتأخر على شغلي زي المرة اللي فاتت لما صحيت متأخر وكان معايا اجتماع. تصبحي على خير ياملاذي." ثم مدد جسده على الفراش وتدثر بالغطاء، مولياً إياها

ظهره وهو يهتف ببساطة: "نامي ياحبيبتي، الوقت اتأخر كفاية." حجبت ضحكتها وهتفت بتذمر مزيف، عاقدة ذراعيها أمام صدرها: "طيب، أنا عايزة أنام في حضنك." أخرج زفيراً حاراً، فهي تفعل كل هذه الحركات عمداً لكي تثيره. تسطح على ظهره وبسط ذراعه بجانبه يقول مغلوباً على أمره: "تعالي ياملاذ، نامي في حضني."

أظهرت عن ابتسامة عريضة وانضمت لأحضانه، تضع رأسها على صدره الواسع والدافئ وتعانقه بقوة تستمد منه حرارة جسده لتدفئها. فيضمها هو بذراعه ويرفع الغطاء عليهما مبتسماً بغرام على أفعالها التي تبدو له طفولية في بعض الأحيان.

عيناها تدور في كل ركن أمامها، تتفحص المنزل وكأنها للوهلة الأولى تراه. ذلك المنزل الذي شهدت فيه تعاسة لأيامها تلاحقها حتى الآن كلما تتذكرها. تحاول التركيز على حياتها الجديدة معه وأن وضعهم لم يعد كسابقاً، هي أصبحت يسر مختلفة وهو لم يعد ذلك الشخص القاسي وعديم المشاعر التي كانت معه. وعدها أنه سيعوضها وها هو يوفي بوعده حقاً.

لكن الماضي لا يتركها تنعم بالحياة التي دوماً تمنتها، يستمر في تعكير لحظاتها. فكيف للمرء أن يتخلص من ماضي ترك بصمة في نفسه وغيره؟ هل هو بكل هذه السهولة التي يعتقدها البعض؟ البعض الذين لم يعانوا من نفس الماضي. رأته ينضم ليجلس على المقعد بجوارها ويسألها بتعجب: "قاعدة كدا ليه؟ ابتسمت بمرارة وقالت:

"مفيش، بستعيد الذكريات مع نفسي. لما خرجت من البيت ده كنت مقررة إني مستحيل أدخله تاني ومش هرجعله ولا حتى إنت. واديني فيه من تاني أهو." "يسر، لو مش حابة تقعدي في البيت هنا وشايفة إنه بيفكرك باللي حصل بينا، نشتري بيت جديد ياحبيبتي ونبدأ فيه من البداية." هزت رأسها بالنفي واحتضنت كفه تتمتم بنظرات بها رجاء: "ده البيت اللي بدأت فيه حكايتنا وهتنتهي فيه. أنا بس كل اللي بطلبه منك إنك متخذلنيش ياحسن."

"يعني بالله عليكي ياحبيبتي بعد كل اللي عملته عشان ارجعك ليا واخليكي تسامحيني، هل ممكن اخذلك تاني؟ ده أنا ابقى حمار أوي لو عملت حاجة تخليني اخسرك من تاني ووقتها استاهل كل اللي تعمليه فيا." حدجته بأعين تطلق شرارات العشق، ثم عبس وجهها من جديد وهتفت بيأس: "المشكلة دلوقتي هقول لبابا وماما إزاي إني لسا حامل." تعكر مزاجه هو الآخر بمجرد تذكره لأمر حملها وقال مقتضباً:

"أنا نفسي أفهم كنتي بتفكري إزاي لما خبيتي عنينا حاجة زي كدا؟ فهمت إنك كنتي ناوية تخبي عليا بسبب إني مكنتش عايزة الطفل ده، بس حتى بعد ما غيرت رأيي ورجعت لوعيي، إنتي فضلت مستمرة في كذبتك يايسر. أنا كل ما بفتكر بتنرفز حقيقي." "لإن إنت السبب ياحسن. إنت اللي خلتني معنديش ثقة فيك. كنت خايفة على نفسي منك، متخيل إنتي وصلتني لمرحلة إيه؟! رد عليها ضاحكاً بسخرية: "تخافي على نفسك مني!

ده على أساس إنك بريئة أوي يايسر وكنتي هتسمحيلي أصلاً إني اقربلك مثلاً. ده إنتي كنتي بتقوليلي هقتلك لو قربت مني لو فاكرة يعني. إنتي عملتي كدا عشان تحرقي قلبي وخصوصاً بعد ما عرفتي إني تراجعت فحبيتي تنتقمي مني بالطريقة دي صح ولا لأ؟ استقامت واقفة وصاحت به منفعلة بغضب عارم: "صح ولا غلط هتفرق بأيه؟

إنت شوف أنا بكلمك في إيه وإنت بتتكلم في إيه. غطلي ميجيش حاجة قصاد غلطاتك اللي كنت بتغاضى عنها ياحسن. بعدين أنا بقولك مش عارفة أقول إيه لبابا بدل ما تقف جمبي وتساعدني بتتعصب عليا. ماهو الموضوع مش هيجي فوق راسي أنا لوحدي لازم أبرر لبابا موقفي اللي خلاني اخبي عليهم وأكيد مش هروح اقولهم اللي حصل بينا وإلا هتتفتح مشاكل ملهاش آخر. بس حضرتك ماسكلي في الغلطة اللي غلطتها وكل دقيقة والتانية تفضل تتعصب عليا بسببها. بدل ما تفكر معايا في حل. بس بجد حقيقي شكراً إنك اثبتلي إن إنت عايزنا نفتح صفحة جديدة مع بعض وننسي القديم فعلاً."

قالت آخر كلماتها واندفعت إلى غرفتهم تدخل وتغلق الباب عليها بالمفتاح من الداخل حتى لا يتمكن من الدخول عليها. أما هو فمسح على وجهه متأففاً. لا يعرف كيف فقد أعصابه بهذا الشكل. دوماً يتصرف بحماقة ومن ثم يندم ويقرر الاعتذار وها هو سيذهب لها ليعتذر كالعادة. مسك مقبض الباب واداره أكثر من مرة ولكنه لا يفتح فطرق على الباب وهتف بصوت هادئ: "افتحي الباب يايسر." اتاه صوتها المستاء تهدر بعصبية:

"لا مش هفتح ياحسن، عايزة أفضل وحدي ممكن؟ وكمان روح نام في الأوضة التانية." "لا مش هينفع اروح انام في أوضة تاني." "ياسلام. وده ليه بقى إن شاء الله؟ أكمل ببرود تام وصوت خافت: "عشان بخاف أنام وحدي." ابتسمت باستهزاء وقالت بقرف: "هاهاهاها ظريف ودمك خفيف." "عارف. افتحي يلا بقى." صاحت بإصرار ورفض قاطع: "قولت لا ياحسن مش هفتح." تغيرت نبرتها من المرح إلى الجدية وهو يعتذر منها بصدق وصوت مهموم:

"أنا آسف صدقيني مقصدش اتعصب عليكي والله. بس أنا أعصابي تعبانة اليومين دول ومرهق بسبب كرم واللي حصل معاه. غصب عني انفعلت عليكي اعذريني ياحبيبتي." لوت فمها وأشفقت عليه. فهي تعرف أنه حقاً ليس بمزاجه الطبيعي بسبب المشاكل الأخيرة. لان قلبها عليه واتجهت نحو الباب لتفتح له ثم عادت للفراش وجلست متربعة في منتصفه وهي لا تنظر له. فتحرك هو باتجاهها بعد أن أغلق الباب وجلس بجوارها لينحني برأسه ويطبع قبلة على كتفها هامساً:

"متزعليش وهقولك أنا آسف مرة واتنين وتلاتة كمان." نفرت بكتفها تبعد ملمس شفتيه عن جسدها وتلتفت نصف التفاتة لتعطيه جزء من ظهرها توضح له رفضها لاعتذاره. فضحك هو بصمت واحتضنها من الخلف يضع كفه على بطنها هامساً أمام أذنها: "طيب عشان خاطر المفعوص اللي من قبل ما ييجي وهو عامل مشاكل بينا. شكله هيطلع هادي خالص ومش هتعبنا أبداً." "هيطلع عينك ويطفشك عشان ياخد حق أمه منك." هتف مبتسماً وهو ينزل بوجهه يدفنه بين ثنايا رقبتها:

"وماله. هو من دلوقتي أصلاً ومخلي هرموناتك ماشاء الله عليها وكله طالع عليا أنا للأسف. بس مش مشكلة كله يهون عشان خاطركم." دغدغتها انفاسه الدافئة التي تلفح رقبتها وأثارت رعشة في جسدها فابتسمت ومالت برأسها للجانب تهتف بحياء بسيط: "ابعد ياحسن الله خلاص. أنت ما بتصدق وتستغل الفرصة." تجاهل كلامها وشدد عليها يقربها منه أكثر ويتمتم بلؤم: "إنتي دلعتيني باسم غريب واحنا في امريكا. فكريني بيه كدا." لفت رأسها تجاهه

نصف التفاتة وقالت ضاحكة: "سنسن! سكت للحظات يردد الاسم بين شفتيه وكأنه يتذوقه ثم قال بنظرات ليست بريئة أبداً: "كمان مرة." فهمت مغزاه المنحرف وقررت السير معه لنهاية الطريق لترى نهايته حيث قالت برقة أنوثية جميلة: "ســنســن." مد يده دون أن تشعر لضوء الغرفة واكمل همسه الماكر: "آخر مرة بقى." وفي اللحظة التالية فوراً وجدت الغرفة أظلمت فشهقت بفزع وضحكت بخفة تنعته بالوقح. *** بعد مرور يومان...

هرولت ملاذ مسرعة على رنين هاتفها حتى تجيب عليه بعدما توقعت أن المتصل هو زوجها فقد سافر صباح اليوم هو وأخيها للندن من أجل العملية. وقد وصته بأنه بمجرد وصوله سيتصل بها ليطمئنها عليهم وها هو يفعل. أجابت على الهاتف بصوت جميل: "ايوة يازين اخباركم إيه ياحبيبي وصلتوا بخير." "بخير الحمدلله ياملاذ وقاعدين في فندق كمان. خلي بالك من نفسك ومتقعديش وحدك في البيت البسي وروحي لمامتك تمام."

"حاضر هلبس دلوقتي واروحلها والله متخفش ااا... توقفت عن الكلام عندما احست بدوار فجأة والاشياء من حولها دارت بها بحركة دائرية لتسمع صوته في الهاتف غير واضح وبعيد: "الو ملاذ إنتي معايا." تمتمت بصوت خافت وضعيف: "ايوة أنا معاك يازين." اكمل حديث معها ولكن انقطع صوتها تماماً ولا يجد منها رد فهتف بصوت مرتعد: "ملاذ.. ملاذ."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...