الفصل 31 | من 45 فصل

رواية ضروب العشق الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم ندى محمود توفيق

المشاهدات
22
كلمة
4,839
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 69%
حجم الخط: 18

رأت ملامح وجهه التي تغيرت وأصبحت حادة بعد أن كان هادئًا ومرحًا معها. وفي ظرف لحظة رأته يقف ويقول لها بنبرة مريبة: _خليكي هنا ياشفق ومتطلعيش ورايا مفهوم. أومأت له بالموافقة ثم قالت بقلق بالغ: _حاضر بس في إيه؟ لم يجبها واندفع إلى الخارج وأغلق باب المنزل خلفه. فهبت هي واقفة وهرولت باتجاه النافذة تنظر له من خلالها. فرأته يتجه ناحية الباب الرئيسي، وإذا بها تجد عمها وابنه يظهران من خلف الباب.

فأظهرت شهقة منصدمة امتزجت بالهلع وهمست في نبرة مرتعدة: _عمي بيعمل إيه هنا! استدارت وهرولت إلى الغرفة لكي ترتدي شيئًا يستر جسدها جيدًا وتخرج لهم لتحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه في هذا الوضع المريب. فبالتأكيد "كرم" لن يصمد أمام جموحه كثيرًا. وقف كرم أمامهم يطالعهم بأعين تقذف شرارات اشتعال القنبلة. وخرج صوته رجولي ومريب: _مش كنت اديتني خبر حتى الأول ياكمال بيه عشان استقبلكم استقبال يليق بيكم.

كان كمال جامدًا تمامًا أمام نظرته ونبرته حتى أجابه بكامل الثقة والثبات: _جاي أخد بنت اخويا اللي اتجوزتها من غير مانعرف. والأفضل ليك إنك متعترضش. أطلق ابتسامة متغطرسة على شفتيه وهو يجيبه بنظرة أكثر رعبًا من السابقة: _بنت أخوك اللي هي مراتي! اممم وياترى هتاخدها إزاي بقى. هنا تحدث جاسر بغضب عارم وقوة: _هناخدها سواء بلزوق أو بالعافية ياكرم. طالت نظرة كرم إلى ذلك "الجاسر" وهو يبتسم بأعين لا تبشر بالخير. وقال

بعد لحظات من الصمت القاتل: _إنت بقى جاسر. سيف حكالي عنك كتير. ثم اقترب منه وهمس بالقرب من أذنه بصوت أشبه بفحيح الأفعى وبه لمسة الشر: _بس أنا مش سيف اللي هيكتفي بأنه يعمل مشكلة ويقاطعهم. وبما إنك جيتلي برجليك فاللي عملته مش هعديه بالساهل. ودلوقتي اطلع إنت من الموضوع ده احسلك وإلا مش هخليك تشوف نور الشمس تاني. صاح كمال منفعلًا في كرم: _وأنا قولت هناخدها يابن العمايري وورينا هتمانعنا إزاي.

_إنت عارف كويس أوي أنا همنعكم إزاي. وإنت جربتني قبل كدا وشوفت أنا أقدر اعمل إيه. خليك إنت وابنك بعاد عن مراتي وإلا أنا مش مسئول عن اللي هعمله. أجابه ساخرًا بسخط: _هتعمل إيه اكتر من اللي عملوه اخواتك! ابتسم بشراسة وغمغم بوعيد حقيقي: _زين وحسن معملوش حاجة قصاد اللي هعمله. عيلة العمايري كلها عندها رحمة بس أنا لا. هرولت شفق إليهم ووقفت خلف زوجها. توجه حديثها لعمها باستياء: _إنت إيه اللي جايبك ياعمي!

_جاي أخدك شكلك نسيتي إنك ليكي عم ورايحة تتجوزي من ورانا زي البنات ال.... خرج صوت كرم الذي نفضهم وأولهم شفق عندما وجدته يصرخ يقاطع عمها. ومن الواضح أنه بالفعل بدأ يخرج عن قوقعة صموده: _لغاية هنا وكفاية خد ابنك القذر ده واطلعوا من بيتي بالذوق! انحنى جاسر ناحية شفق يجذبها من ذراعها من خلفه هاتفًا: _مش قبل ما ناخدها معانا. طفحت حممه البركانية إلى حد الجنون عندما رآه يلمسها. وتحول إلى وحش كاسر.

أغار عليه يلكمه بعنف صارخًا: _شكلكم مش بتفهموا بالأدب. كبلته شفق تحاول ردعه وإبعاده هاتفة تتوسله قبل أن يفقد أعصابه أكثر من ذلك ويسوء الوضع بشدة: _كرم خلاص ابوس إيدك سيبه. عشان خاطري! أسند كمال ابنه ونظر لكرم نظرة نارية كلها حقد وغضب هاتفًا بنبرة تحمل الوعيد الشيطاني: _هنمشي بس افتكر إن إنت اللي بدأت الحرب بينا. لم يعيرهم اهتمام وحدقهم شزرًا. ومازالت شفق ممسكة به تمنعه عن التحرك. فهو لديه غضب مخيف وأعمى.

ولم تنسى ما فعله عندما اختطفت. ظلت ممسكة به حتى رحلوا تمامًا. ليبعدها هو عنه ويقول بعصبية: _أنا مش قيلتلك متطلعيش ورايا. تمتمت بعدم خوف أو توتر: _وكنت عايزني أسيبك وحدك عشان تفقد اعصابك وتعمل مصيبة. هدأت ثورته قليلًا وأجابها بامتعاض: _طيب ادخلي جوا يلا. _وإنت؟ أردف بنبرة عادية ولكن مازالت تحمل القليل من السخط: _هبقى آجي وراكي. لم ترغب في مجادلته كثيرًا فتنهدت بضيق وفعلت كما طلب.

اتججهت عائدة لداخل المنزل وهي تحمد ربها بأن لم تحدث مشكلة وتدعو ربها أن يحفظهم من شر عمها. *** انتظرته بالغرفة لدقائق طويلة ومرت نصف ساعة كاملة وهو لم يعد. لا تراه في الحديقة الخارجية ولا تفهم إلى أين ذهب في ذلك الوقت. فوقفت أمام النافذة تنظر تترقب عودته. وأخيرًا بعد وقت طويل من الانتظار فتح الباب ودخل هو. فاستدارت بكامل جسدها ناحيته تهتف متذمرة: _كنت فين ياكرم؟ _كنت قاعد في الجنينة من ورا ريح راسي شوية.

رأت العبوس والخنق يعتل معالمه. فتنهدت بإشفاق واقتربت منه تحتضن كفه بين كفيها هامسة بحب: _متعصبش نفسك ممكن! ظهرت بشائر الابتسامة الحانية على شفتيه ثم هتف بضجر وقد تلاشت الابتسامة: _متعصبش إزاي يعني ياشفق إنتي مشوفتيش اللي حصل. وليهم عين ياجوا لغاية بيتي وبذات ابن عمك الحيوان ده. أجابته برقة ولطافة تذيب القلب: _ميهمنيش اللي حصل الأهم إنك بخير ومحصلتش مشكلة وإن شاء الله متحصلش.

يكفيني وجودك وأنا هكون مطمنة ومرتاحة طول ما إنت جنبي. صعدت الابتسامة تزين ثغره وحدقها بأعين دافئة ومغرمة. ثم احتضن وجهها وانحنى إليها يطبع قبلة عميقة على وجنتها هامسًا: _أنا دايمًا جمبك يا أميرتي. عيناها تتحدث بدلًا عن لسانها وتخبر بالكثير من السعادة وعشق وسكينة. وهو يستطيع فهمها جيدًا. وقع نظره على ملابسها التي بدلتها ولم تعد ترتدي الرداء الذي قام بشرائه لها. لتتسع ابتسامته ويغمغم بخبث:

_مش مزاجنا بس اللي اتعكر لا كمان الليلة باظت. يلا مش مشكلة تتعوض. ارتبكت عند ذكره ليلتهم وتذكرت ما حدث قبل أن يرن هاتفه. فازداد توترها وتوردت وجنتيها لتتمتم بصوت مضطرب: _أنا هروح أنام تصبح على خير. وبلحظة واحدة ولته ظهرها وذهبت للفراش وتدثرت جيدًا أسفل الغطاء وصدرها يعلو ويهبط بقوة. لحظات وشعرت به يرفع الغطاء وينضم إليها ثم يقترب منها ويلف ذراعه حول خصرها يضمها إليه من الخلف ويهمس بجانب أذنها في مداعبة ماكرة:

_حظك كان حلو المرة دي بس المرة الجاية مفيش مفر مني. لإني مش هسمحلك أصلًا. أنفاسه الدافئة التي لفحت رقبتها جمدتها وسرت على أثرها قشعريرة في جسدها. فالتزمت الصمت وسمعته يكمل بنفس النبرة: _أنا مدرك توترك وكسوفك وعامل حساب ده فهستنى لغاية ما تحسي نفسك جاهزة بس موعدكيش إني هقدر أصبر كتير. حبس أنفاسها بآخر جملة قالها ثم استرسل ينهي الكلام هامسًا بعد أن لثم رقبتها بقبلتين: _تصبحي على خير ياحياتي. ردت متلعثمة

ومرتبكة بصوت يكاد لا يسمع: _وإنت من أهله. أغمضت عيناها تحاول الهرب من خجلها ومن وضعهم عن طريق النوم. أما هو فظل مستيقظًا يتطلع إلى السقف. وسرعان ما عبس وجهه من جديد ورسم الحدة والوعيد على محياه. فإن حاول ذلك الرجل سواء هو أو ابنه مجرد الاقتراب منها فقط. يقسم بأنه سيجعلهم يذوقون العذاب أشكالًا وألوانًا. *** أشرقت شمس يوم جديد. داخل مقر شركة طاهر العمايري بأمريكا. كانت يسر تتحدث مع أبيها في الهاتف كالآتي:

_أنا كويسة يابابا متقلقش. هتف طاهر مقتضبًا بحزم: _كلمت حسن امبارح وقالي إنه عايز يصلح كل حاجة بينكم. لو إنتي مش عايزة ترجعي وتقعدي معاه يابنتي قوليلي وأنا مستحيل اخليكي تكملي وإنتي مش عايزاه. تنهدت بأسى لتجيبه بخفوت: _اطمني يابابا أساسًا هو ميقدرش يجبرني على حاجة. وأنا لسه عند قرار الطلاق ووافقت أقعد معاه اليومين دول بشرط إنه يبدأ في إجراءات الطلاق واتفقنا. متخافيش عليا أنا بخير. سأل طاهر بترقب: _وهو وافق على الطلاق!

سمع همهمتها بأجل ليعقد حاجبيه باستغراب. ثم رجح بأنه قد يكون أقنعها بموافقته فقط حتى يهيئ لها أنه ذعن لرغبتها في الطلاق. تمتم طاهر بنبرة حكيمة: _ماشي يابنتي طالما إنتي عايزة كدا. خلي بالك من نفسك ولو حصل أي حاجة اتصلي بيا. _حاضر يابابا مع السلامة. أنهت معه الاتصال ووضعت الهاتف على سطح المكتب وهي تزفر بعدم حيلة. باتت لا تعرف مالذي يجب عليها فعله.

هل تسمع لقلبها الذي لا يزال يعشقه ويلح عليها في طلب واحد وهو إعطائه فرصة لعله يكون صادقًا حقًا. أما تستمع لواقعها الذي يخبرها بأن لا طريق للنجاة وقد وصلوا إلى نهاية الطريق وكلاهما سيسلك طريقًا مختلفًا قريبًا. وضعت كفها على بطنها تملس عليها برفق تسترجع بذاكرتها يوم معرفته بحملها ومالذي فعله لكي يتخلص منها هي وطفلها. فقوت مشاعر البغض عليه وزاد إصرارها على الطلاق هامسة لنفسها وهي تنظر لبطنها:

_إزاي منتظر مني السماح بعد كل اللي عمله. هل هو متوقع إني هرجع اطمن على نفسي مع واحد مكنتش فارقة معاه أساسًا وكان عايز يدخلني عملية إجهاض من غير مايفكر فيا أو اللي ممكن يحصلي. كان عايز يقتل ابنه عشان هو مني بس. مفكرش في يوم يعاملني كويس ومعاملة طيبة وأنا كنت بستحمل عشان حبي ليه. ودلوقتي جاي بيطلب السماح! لمعت عيناه بوميض مرعب وهي تقول بوعيد: _متخافش ياحبيبي مش هسمحله يأذيك أو ياخدك مني أبدًا.

هخليه يشرب من نفس الكاس المر اللي كان بيشربني منه. في هذه اللحظة فتح هو الباب ودخل ثم أغلقه خلفه واقترب يجلس على المقعد المقابل للمكتب يجاهد في تمالك غضبه متمتمًا بهدوء مزيف: _طلعتي من غير ما تقوليلي ليه؟ هدأت ببرود أعصاب واستهزاء: _بصفتك مين عشان أقولك! بدأ غضبه يتفاقم ولحسن الحظ أنه مازال يتحكم به حيث قال وهو يصر على أسنانه: _جوزك ومن حقي امنعك من الخروج كمان لو عايز.

_بنسبالك بس، لكن أنا عمري ماهشوفك زوج ليا لأن حسن بنسبالي مات من زمان وملوش وجود. ابتلع قسوتها في الحديث معه وهتف شبه منفعل: _مش عايز اشوفك مع راسل نهائي يايسر مفهوم ولا لا. قهقهت ساخرة تجيبه: _ماشاء الله من أول يوم مش بتلتزم باتفاقنا.. طيب أنا هفكرك تاني، ملكش دعوة بيا أقعد مع مين ولا اطلع مع مين.. إنت مش هتمشي كلمتك عليا ياحسن باشا. انتفضت جالسة عندما رأته يضرب بكف يده في عنف على سطح المكتب صارخًا:

_هتمشي يامدام.. أنا مستحمل كل طلباتك ومش برفضلك طلب واللي عايزاه هنفذه، بس لغاية هنا وكفاية عشان متشوفيش حسن القديم.. تلتزمي حدودك مع أي راجل مش راسل بس، وأنا حذرتك أهو اللهم إني بلغت اللهم فاشهد.. لو شفتك معاه تاني يايسر مش هكون مسئول عن اللي هعمله.

لم يهمها أي شيء قاله سوى جملة "حسن القديم". لقد كانت للتو تفكر في اعطائه فرصة وتخوض صراع مع قلبها وعقلها، وهو يقول بأنه قد يجعلها ترى الشخص الذي بغضته مجددًا. هل هذا هو ندمه واعتذاره ورغبته في إصلاح ما افسده بعلاقتهم؟ استقامت تصيح باندفاع واستياء:

_لا اثبتلي ندمك فعلًا وإنك فعلًا عايزني اسامحك. إنت أساسًا متغيرتش عشان توريني حسن القديم.. إنت لسا زي ما إنت ومش هتتغير.. فمتحاولش تضحك عليا بكلمتين لإني كل ما بقول ده بدأ يتغير فعلًا بتثبتلي العكس.. بكرهك ياحسن صدقني بكرهك وبكره انانيتك.. انت من بداية جوازنا مكنتش عايزاني واتجوزتني كتسلية مش اكتر لكن متقولش اني هددتك والكلام الفارغ ده لأنك لو كنت عايز تتصرف معايا كنت اتصرفت.. فمتقوليش دلوقتي اني عايزاني بجد.

أدرك فداحة الخطأ الذي ارتكبه، فهو لم يكن يقصد قول هذا. فقد قاده غضبه وغيرته لطرق مظلمة فحجب رؤيته عن الخطأ والصح ووجد نفسه يتفوه بكلمات لا يدري خطورتها. استقام هو الآخر وتمتم بنظرات هدأت حدتها وحملت الأسف: _يسر أااا....... صرخت بصوتها المرتفع وهي تشير بسبابتها على الباب: _اطلع برا مش عايزة اشوفك.. مش طايقة اسمع صوتك حتى.. بــــرا ياحــســن.

لم يتحرك وظل بأرضه يطالعها بأعين تعتذر عن ماصدر منه، فوجدها تبتعد وتندفع نحوه تدفعه بعنف وتضربه على صدره وكتفه وهي تصرخ بهستريا وأعين تلمع بالدموع: _اطـــلـــــع بـــــرا. رفع كفيه لأعلى وهو يتراجع للخلف متمتمًا باستسلام وبعض الدهشة من انفعالها البالغ: _تمام تمام هطلع خلاص اهدى. ظل يتراجع حتى وصل للباب وفتحه ليلاقي عليها نظرة حزينة وأخيرة قبل أن يستدر وينصرف تاركًا إياها بين دموعها التي انسابت على وجنتيها. ***

كانت تجوب بالغرفة إيابًا وذهابًا تنتظر خروجه من الحمام وهي تستشيط غيظًا. لا تفهم سبب تصرفه بالأمس ولما يتدخل ويمنعها من استكمال دراستها. ألم تسرد له كل شيء كما حدث واوضحت له أنها بريئة ولم تفعل شيء عن إرادة ولن تفعل حتى لو عاد بها الزمن. ولكنه لا يصدقها رغم كل ما قالته، ويراها فتاة فاسقة بإمكانها أن تفعل أي شيء يخل باسمه واسم العائلة. وأخيرًا خرج من الحمام وهو يلف حول رقبته المنشفة المتوسطة، فاندفعت نحوه غاضبة هاتفة:

_أنا عايزة افهم إنت بتعمل كدا ليه؟ رفع حاجبه وسألها بعدم فهم حقيقي: _بعمل إيه؟ _ليه رافض اروح الكلية ياعلاء واكمل دراستي. ابتعد من أمامها وسار باتجاه المرآة يقف أمامها ويجفف شعره متمتمًا بجفاء وعدم اكتراث مزيف: _بتسألي اسئلة إنتي عارفة اجابتها كويس أوي، وأظن الإجابة بسيطة جدًا وهي إني مش واثق فيكي وللأسف إنتي مراتي دلوقتي وأي حاجة هتعمليها هتمسني أنا. صاحت منفعلة باستياء:

_أنا حكتلك كل حاجة وفهمتك وإنت مش واثق فيا لسا. أنا يمكن غلطت في حجات كتير بس مستحيل اخونك. ثم إن دلوقتي أنا أهم حاجة بنسبالي دراستي ومش هروح الكلية عشان اكوّن صدقات أو علاقات. أنا رايحة ادرس. ابتسم مستنكرًا يتمتم بعدم ثقة: _وأنا إيه اللي يضمني إنك متعمليش حاجة؟ أصدرت زفيرًا مرتفعًا وقالت بنفاذ صبر محاولة اقناعه: _إنت وديني الكلية وخدني منها عشان تتأكد بنفسك إني مش بعمل حاجة ولا بقعد مع حد.. حلو كدا؟

طال نظراته الجامدة وهو يفكر بالإذعان لها، حتى وجدها تهتف راجية: _ارجوك ياعلاء وافق.. أنا بجد محتاجة جدًا أكمل دراستي. مش عايزة اخسر دي كمان. استسلم أخيرًا وقال بصرامة وهو يلقي الأوامر والتعليمات: _طيب بس هيكون في قواعد وتعليمات لو كسرتي حاجة واحدة منهم مش هيعدي الموضوع من غير عقاب. هزت رأسها بالموافقة عدة مرات متتالية وهي تضحك بوجه عادت اشراقته: _تمام اؤمر باللي إنت عايزه معنديش مشكلة.

بدأ يملي عليها التعليمات في حدة ونبرة حازمة لا تحمل التهاون: _هتجيبي هدوم جديدة وواسعة غير اللي معاكي لإن اللي معاكي مش عجباني. جدول محاضراتك هبقى عارفه كله هتدخلي امتي المحاضرة وتطلعي امتي. ممنوع الخروج من البيت من غير أذني. مش هتتصاحبي على حد هناك تمامًا. قالت مندهشة بعفوية: _حتى البنات؟ رأت عيناه اظلمت وقال بصوت مرعب: _ليه وهو سيادتك كنتي ناوية تتصاحبي على رجالة كمان! هتفت مسرعة تتلافى خطأها باعتذار:

_لا لا مش قصدي.. أنا آسفة كمل متخفش هكون في حالي ومش هتكلم مع حد نهائي. هدأت نبرته ونظرته وتحدث هذه المرة بخفوت ولين قليلًا: _وأخيرًا بما إنك مش عايزة تخسري دراستك ومهتمة أوي بيها كدا، يبقى مش عايز اشوف أي تقصير في المذاكرة لأن التقصير هيكون بعقاب أكيد. وجهها يبتسم ببشاشة بالغة وسعادة وهي توميء له بالموافقة على كل تعليماته الصارمة. ليحدجها بنظرة فاحصة ودقيقة على فرحتها المفرطة ثم يستدير ويسير لخارج الغرفة،

ولكنها استوقفته هاتفة: _علاء. توقف والتفت لها برأسه، فهمست هي مترددة بخوف بسيط: _ينفع صديقة واحدة؟ تقوسا حاجبيه وظهر الغيظ عليه، لتتراجع هي فورًا تجيب بدلًا عنه بالإجابة التي قالها بشكل غير مباشر عن طريق معالمه: _لا مش كدا! .. تمام خلاص أنا أساسًا مش عايزة اصاحب حد كنت بقول كدا بس.

كانت تهتف بكلماتها هذه في امتعاض وضيق واضح كمن يقنع نفسه بأنه لا يريد الشيء حتى لا يحزن أكثر. تنهد مغلوب على أمره وإذا بها تراه يرفع سبابته يقول من خلال حركته هذه "واحدة فقط"! كانت على وشك الوثب قفزًا من فرط سعادتها، فتمالكت نفسها وسيطرت عليها حتى رحل وانطلقت هي تصدر أصوات فرحة من بين شفتيها وحركات طفولية. *** _مــــلاذ.

سمعت صوته من الخارج فاعتدلت في جلستها وغادرت غرفتها لتتجه له، فتجده جالسًا على الأريكة هادئًا تمامًا. اقتربت تجلس بجواره مهمهمة: _نعم يازين؟ انتصب في جلسته وطالعها مبتسمًا يهتف: _أنا حجزت الطيارة على بليل هنرجع القاهرة. ضيقت عيناها بدهشة وهدرت مستغربة: _بليل!! .. ليه؟ لا يستطيع اخبارها بما ينوي فعله بمجرد رجوعه وهو تصحيح الخطأ الذي ارتكبه منذ عشر سنوات. وأيضًا لا يستطيع الكذب ولا يحبه. تمتم بتنهيد حار دون أن يكذب:

_في كام حاجة عايز اعملها وكمان كفاية عشان ارجع اشوف الشغل والشركة. هزت رأسها بالموافقة بعبوس بسيط مغمغمة: _طيب مع إني كان نفسي نقعد شوية أكتر المكان هنا عجبني أوي. مد كفه وملس بانامله على وجنتها في لطف هامسًا بحنو: _معلش ياحبيبتي اعمل إيه بس.. أنا لو عليا مش عايز ارجع خالص بس مضطر. إن شاء الله ربنا يسهل وقريب أوي نعوضها. ابتسمت بحب وتمتمت: _إن شاء الله.

انحنى ناحيتها يطبع قبلة ناعمة على وجنتها ثم جذبها لصدره فاستقرت هي بين ذراعيه لدقيقتين حتى قالت باسمة باهتمام: _إنت متعشيتش اعملك أكل تاكل ياحبيبي. نفي بهدوء وتشدق يبادلها ابتسامتها: _لا مش جعان.. وأنا عايز اقعد معاكي شوية وندردش مع بعض. _ندردش في إيه؟ _إيه حاجة ياملاذي! _مفيش حاجة نــ.... توقفت عن الكلام فجأة عند تذكرها لبعض الأحداث، فقالت مرحة بإشراقة وجه: _لا استني صح افتكرت حاجة حصلت معايا امبارح مسخرة.

بدأت تسرد له موقفها المضحك الذي حدث معها وتضحك، وهو يبادلها الضحك ولكن بقوة أقل. فاستمرت جلستهم المرحة والدافئة لدقائق طويلة ما بين الحديث المعسول والمزاح والجدية. ***

يسير باتجاه المطبخ وهو يفرك عيناه ليزيح عنهم آثار الخمول. بعد أن سمع صوت طفيف من دندنتها مع نفسها في المطبخ. وصل ووقف على الباب يتفحصها بتدقيق من اعلاها لأسفلها وهو يبتسم. فكانت ترتدي منامة قطنية قصيرة بعض الشيء وترفع شعرها بعشوائية تثبته بمشبك للشعر وتتمايل يمينًا ويسارًا رقصًا على الحان الاغنية التي تتندنها. استند بكتفيه على جانب الباب وعقد ذراعيه أمام صدره يتابعها بإعجاب وهي توليه ظهرها غير منتبهة لوجوده. التفتت بجسدها للخلف على اطمئنان وهي لا تتوقف عن التمايل وإذا بها تطلق شهقة مفزوعة منتفضة في أرضها. لتضع

يدها على قلبها هامسة بزعر: _بسم الله. لم يتحرك من مكانه وبقى كما هو على وضعه يرمقها مبتسمًا بساحرية. فضيقت عيناها وقالت بريبة: _كرم!! .. واقف كدا ليه؟ أخذ شهيقًا طويلًا وتحرك ناحيتها يقف مباشرًا أمامها وهو يقول غامزًا: _أصلي لقيت فراشة حلوة في المطبخ عمالة ترقص فقولت أما أتفرج عليها. اخفت خجلها بصعوبة وقالت مبتسمة بدفء: _صباح الخير. _صباح الفل والياسمين. عادت توليه ظهرها لتكمل ما كانت تفعله وهي تتمتم برقة:

_الحمدلله واضح إن مزاجك رايق شوية عن امبارح أو مش شوية ده كتير أوي. خطا خطوة إليها ليقف بجانبها متشدقًا بنبرة بدت لها غريبة: _وميبقاش رايق ليه ما أنا عارف كويس أوي هعمل إيه مع عمك ده. تركت مابيدها ونظرت له مختنقة وهتفت بنفاذ صبر: _كرم ابوس إيدك ماتعمل حاجة.. أنا أساسًا طبيعي قلقانة عليك ومش حمل عمي يأذيك لقدر الله. احتضن وجهها بين كفيه يقربه من شفتيه ليلثم وجنتها بقبلة قوية بعض الشيء كأنه يأكل خدها متمتمًا

بنبرة متلذذة من قبلته: _متخافيش يا أميرتي مش هتحصل حاجة بإذن الله. صعدت الحمرة لوجنتيها من قبلته التي تكاد تكون عنيفة واشاحت بوجهها تثبته على الطعام الذي تحضره ثم قالت بترقب: _إنت رايح الشغل صح؟ _أكيد. عادت بنظرها له تقول بأعين راجية: _خليك معايا النهاردة متروحش. غضن حاحبيه وقال باستغراب: _ليه؟ تمتمت برقة وعبث: _زهقانة ومش عايزة أقعد لوحدي.

طالت نظرته للحظات طويلة حتى رأته يميل بوجهه للجانب يصدر لها وجنته، ففهمت أن القبلة مقابل بقائه لتتنهد بيأس وتقول منذرة إياه بارتباك: _ماشي بس إياك تعمل حركة كدا ولا كدا. رمقها بطرف عينه هامسًا بخبث دفين: _وهو أنا بتاع الكلام ده برضوا! أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تقترب منه مترددة وخجلة كانت على وشك أن تطبعها ولكنها تراجعت وثم عادت مجددًا وتراجعت مرة أخرى فقال هو بتذمر ونفاذ صبر: _إنتي هتتعبيني ليه!

والله أروح البس وأمشي وأسيبك لوحدك. _خلاص خلاص. قالتها مسرعة بتوتر ثم رفعت أطراف أصابعها لتصل لمستواه وخطفت قبلة سريعة وابتعدت فورًا عندما وجدته يتلفت بوجهه لشفتيها، ضربته على كتفه مغتاظة هاتفة: _كنت عارفة إنك لئيم ونيتك مش سليمة. أجابها ضاحكًا باستمتاع وهو يشير لوجنته الأخرى هاتفًا: _طيب واحدة هنا كمان عشان أنا محستش بيها دي. ضحكت ساخرة وهي تقول بتشفي: _هاهاها ليه وهو أنا هبلة عشان أصدقك تاني.

جلجلت ضحكته الأرجاء وقال غامزًا بنظرات خبيثة: _طيب هسيبك دلوقتي بمزاجي بس ولما آجي هنشوف الموضوع ده. استشاطت بالنيران الملتهبة تصيح به مستاءة: _يعني إنت أخدت البوسة وبرضوا هتمشي! همهم بخفوت جميل وحنو ليهدأ من انفعالها قليلًا: _لا والله بس معايا اجتماع مهم جدًا جدًا ومينفعش ألغيه أو أجله فهخلصه وأرجعلك على طول صدقيني.. أنا كان معايا شغل تاني بس مش مشكلة هأجله عشانك. هدأت ثورتها وأجابت بضجر: _وهياخد قد إيه الاجتماع ده؟

_يعني ساعة أو ساعتين بالكتير. أماءت له بالموافقة وقد ارتاحت كثيرًا ثم هتفت بنبرة عادية: _طيب روح البس ولغاية ما تلبس هكون أنا حضرت الفطار. خطف قبلة من على كتفها وابتعد عائدًا للغرفة لكي يأخذ حمامه الصباحي ويستعد للخروج. *** ظل يجوب بالغرفة إيابًا وذهابًا وهو يترنح من فرط العصبية وأبيه يجلس على الأريكة المتوسطة يعلق نظره عليه وعقله يفكر بحل لهذه المعضلة، وإذا به يهدر بابنه منفعلًا: _ماتهدى يا جاسر زاولتني.

صاح الآخر ساخطًا: _أهدى إيه يا بابا! وآخرة الموضوع ده هنسيبله شفق مثلًا؟ كمال بنبرة شيطانية ونظرات تحمل الحقد: _أكيد لا، بنت أخويا هاخدها وأطمن، هطلقها منه وهتتجوزها. _وهتعمل ده إزاي بقى؟ قال بأعين شرانية لا تبشر بالخير أبدًا: _هنجرب معاه بالذوق الأول.. نفع يبقى زي الفل، منفعتش يبقى هو اللي جنى على نفسه. تمتم جاسر بغل غير مبالٍ بمخططات أبيه الشريرة: _أنا المهم عندي شفق إنها ترجعلي في الآخر.

رمقه أبيه بابتسامة خبيثة يرتب أفكار عقله جيدًا حتى يحسن تنفيذ خططه في أخذ ابنة أخيه. *** ارتفع ضوء القمر في السماء وظهرت النجوم الساهرة لتعطي لوحة مسائية جميلة أبدعها الخالق عز وجل.

كانت يسر أمام التلفاز تشاهد إحدى المسلسلات الأجنبية وبيدها صحن الفشار الكبير نسبيًا تلتقط كل لحظة حبة وتلقيها في فمها وعيناها معلقة على شاشة التلفاز، ولكن صك سمعها رنين الباب فدارت رأسها ناحية الباب وتأففت بخنق عندما توقعت من الطارق فليس هناك أحد غيرهم بالمنزل، وضعت الصحن بجانبها على الأريكة واستقامت تتجه إلى الباب وامسكت بالمقبض تديره للأسفل وتجذب الباب إليها وكما توقعت كان هو، انتظرت منه التحدث وهي تطالعه بمضض ولكنه أمعن النظر بها وبهيئتها اللطيفة حيث كانت ترفع شعرها وتتركه ينسدل ذيل حصان من الخلف ومن الأمام تترك بعض الخصلات متحررة على وجهها، نزل بنظره إلى ملابسها ليحدق بالبيجامة المنزلية التي ترتديها وعلى منطقة البطن تمامًا رسمة طفل صغير!

انتبهت لنظراته فارتبكت ولعنت نفسها ألف مرة أنها فتحت له بملابس المنزل لتعقد ذراعيها أمام صدرها تحاول إخفاء الرسمة بقدر الإمكان هاتفة باقتضاب: _خير؟ تجاهل الرسمة وارتباكها وعاد بنظره لها يقول بلطف: _ممكن نتكلم شوية؟ " سيعتذر عن خطأ لا يحسب أمام أخطاء لا تغتفر له!

" قالتها لنفسها مستنكرة، وهذه المرة لم ترفضه بل داهمها الفضول بشدة لرؤيته وهو يعتذر منها على خطأ آخر اقترفه، استدارت وعادت للداخل كدليل على موافقتها في التحدث فدخل هو وأغلق الباب يلحق بها، حتى وقفا بالصالة وقال هو باعتذار صادق وأسف: _أنا آسف مكنش قصدي أقول كدا الصبح والله بس اتعصبت وفقدت أعصابي. ابتسمت باستهزاء تجيبه بجفاء وبعض التشفي من أنها تعيد كرامتها المهدورة بالتدرج وهي تراه يركض خلفها ويخشى عليها

من أي شيء قد يضايقها: _وتعتذر ليه! إنت مقولتش حاجة أساسًا وزي ما قولتلك الصبح أنا لسا شيفاك الشخص الأناني والمغرور والقاسي وعديم القلب، ومعتقدش إن نظرتي ممكن تتغير في يوم من الأيام حتى بعد طلاقنا. رأت في عيناه وميض بائس وحزين ولمعة الدموع السابحة بهما، تمتم متوسلًا إياها وهو يقترب منها أكثر:

_يسر كفاية.. أبوس إيدك كفاية أنا مش قادر أستحمل بعدك عني أكتر من كدا. متقسيش قلبك واسمحي لينا بفرصة تانية. أوعدك إنك مش هتندمي لأنك ادتيني فرصة. تراجعي عن الطلاق ده وعاقبيني براحتك بس خليكي معايا.. اسمحيلي أكون حسن اللي كنتي بتتمنيه مش الشخص اللي كنتي بتتكلمي عليه دلوقتي. غامت عيناها بالعبارات هي الأخرى وانهمرت دموعها على وجنتيها تجيبه بحرقة وألم:

_إنت اللي كفاية.. أنا تعبت وإنت معندكش أي فكرة إزاي أنا بحاول أستعيد ذاتي اللي دمرتها. وأرجع كرامتي اللي بغبائي أنا أهدرتها. مبقاش عندي طاقة للمعانفرة وحتى الفرص كلها ضيعتها في محاولاتي معاك إنك تحس بيا وبحبي ليك وتتغير. بس إنت ندمت وأدركت غلطك بعد فوات الأوان. بعد ما أنا خلاص معدش يفرق معايا وجودك من عدمك. فرت من عيناه دمعة حارة وهم بأن يعانقها فتراجعت هي للخلف ورفعت كفها مردفة بتحذير وصوت مبحوح:

_خليك بعيد متقربش مني. لم يهتم لتحذيرها وجذبها يعانقها ويدفن وجهه بين ثنايا رقبتها هامسًا بصوت باكي ورجاء: _بس أنا فارق معايا وجودك ومش هستحمل أعيش من غيرك. متسبنيش يا يسر. أحست بتراخي أعصابها وبدأت الرؤية تتشوش لديها وكذلك حاسة السمع فاغمضت عيناها تدريجيًا. أما هو فأكمل بمشاعر جياشة: _أنا بحبك والله. ولسوء حظه أنها لم تدرك ما قاله واستسلمت لتراخي أعصابها ففقدت وعيها. أبعدها عنه وكانت ملقية بين ذراعيه ففزع وأخذ

يهز بوجهها هاتفا بفزع: _يسر ردي عليا إنتي سمعاني. حملها واتجه بها للغرفة ليضعها على الفراش ثم عاد للمطبخ يجلب كوب ماء ورجع لها ثم بدأ ينثر الماء برفق على وجهها حتى فتحت عيناها بالتدرج وحين أدركت الوضع ولقربه الشديد منها، دخلت في أنفها رائحة عطره الرجولي واحست برغبتها في التقيؤ فوثبت واقفة وركضت باتجاه الحمام واغلقت الباب فهرول خلفها ووقف يطرق الباب هاتفًا مهتمًا وقلقًا: _يسر إنتي كويسة؟ سمع صوتها الضعيف

وهي لا تتوقف عن التقيؤ: _حسن امشي ريحتك مش مستحملاها. غضن حاجبيه بدهشة ونظر لملابسه ثم رفع قميصه لأنفه يشتم رائحته بعد أن شك بأنه قد يكون به رائحة قذرة قليلًا ولكنه ملابسه كلها رائحة عطر ونثر على ملابسه كلها العطر، فمن أين أتت الرائحة التي لا تتحملها هذه؟ أجابها بشك وحيرة: _إنتي مش مستحمل ريحة البرفان؟

أخيرًا هدأت معدتها وتوقفت عن التقيؤ فغسلت وجهها بالماء جيدًا وجففته ثم فتحت الباب وخرجت محاولة السيطرة على نفسها حتى لا تتقيأ مجددًا وتجعله يشك بأمرها. نظرت له وقالت بتقزز من رائحة عطره: _أنا كويسة.. امشي بقى. طالت نظرته المريبة والدقيقة لها وهو لا يتحرك فدفعته بيديها هادرة بضجر: _يــــلا. تنهد بعمق وهتف بأعين ثاقبة كالصقر بعد أن أحس بأن وضعها ليس طبيعيًا: _طيب همشي، ولو احتجتي حاجة اتصلي بيا وأنا هطلعلك.

لم تجب واكتفت بنظرتها الجامدة تنتظره حتى ينصرف وبمجرد رحيله اندفعت نحو الشرفة تفتحها وكذلك المروحة حتى يطردوا رائحة عطره التي تخنقها وترغبها في التقيؤ مرة أخرى، وأخيرًا غادرت الغرفة تمامًا وذهبت للغرفة الأخرى إلى حين أن تختفي الرائحة وتعود لغرفتها مجددًا. كان علاء يجلس على الأريكة بغرفته وأمامه حاسوبه النقال ينهي بعض الأعمال. فتحت هي الباب ودخلت حاملة على يدها صينية صغيرة فوقها طعام. اقتربت منه ووضعتها بجانبه

على الأريكة هامسة برقة: _إنت متعشيتش؟ كل. نظرت للطعام ثم لها وأخيرًا رجع بنظره للحاسوب متمتمًا بعدم مبالاة: _مش عايز. تأففت بيأس وهدرت بنبرة خافتة: _شكرًا لإنك وافقت، أو بالأحرى شكرًا لتفهمك أهمية دراستي بالنسبالي لما اتكلمت معاك. _أتمنى تعرفي قيمتها المرة دي وتركزي على الدراسة بس لأن... قالت مقاطعة إياه بجدية: _متقلقش، أنا عند وعدي وزي ما وعدتك مش هختلط بحد وهيبقى كل وقتي لدراستي عشان اتخرج بتقدير كويس.

تمتم بنبرة عادية ليس بها أي ضجر أو خنق: _لما نشوف. صمتت لدقائق قليلة حتى سألت بتردد وبؤس: _علاء، هو أنت بتروح عند نينا؟ فهم سبب سؤالها فأجابها بخفوت دون أن يرفع نظره: _مش كتير. تشدقت بصوت يغلبه البكاء: _وحشتني أوي، وهي حتى مش بتديني فرصة أحكيلها الحقيقة. رفع نظره رمقها بسكون لبرهة من الوقت ثم همهم بصوت أجش: _أنا هتكلم معاها في مرة وأفهمها كل حاجة. دهشت وتهللت أساريرها لتجيبه بذهول وسعادة: _بجد؟

هتف بحزم وجفاء بعد أن رأى نظرتها الفرحة وخشى أن تفهم هذا كنوع من استسلامه لها: _ده مش عشانك، ده عشانها هي، لأنها حالتها وحشة من وقت ما عرفت اللي حصل معاكي وشافت صورك، ومن وقت جوازنا كمان. فيمكن لما تعرف إن الموضوع كان شبه محاولة اعتداء ترتاح وتسامحك. _بجد ياعلاء، أنا مش عارفة أقولك إيه.. شكرًا جدًا!

رأته يعود بنظره للحاسوب مجددًا دون أن يجيب عليها فاستعجبت من حالاته المتغيرة والعجيبة. بلحظة يكون لطيفًا وطيبًا وبلحظة أخرى يكون فظًا وجافًا. باتت لا تفهم أهو يبغضها أم مشاعره تجاهها عادية، لا هي بالبغض ولا بالاستلطاف! ولكن ما يهم الآن أنه سيساعدها في تحسين علاقتها مع جدتها مرة أخرى وهذا الشيء يكفيها لكي تكون سعيدة لأسبوع كامل وليس يوم أو يومين فقط! *** وضعت أمامه القهوة التي طلبها منها وجذب مقعد لتشاركه في

جلسته وتهتف في فرحة غامرة: _أخيرًا سمعت كلامي وقررت تاخد الخطوة دي ياحبيبي. تمتم إسلام بعبوس: _أنا متردد أساسًا ياماما وخايف متوافقش.. بس قولت هجرب ولما ياجي زين هقوله. ملست على كتفه بحنو أمومي وغمغمت بنظرة تبعث الأمل في نفسه: _هتوافق متقلقش، أنا واثقة. _بس متجبيش سيرة لحد حتى ملاذ، لغاية ما أكلم زين. _حاضر متخفش، مش هقول لحد. والله إنت مش متخيل فرحتي إزاي من وقت ماقولتلي على الخبر ده.

ابتسم بدفء والتقط كفها يقبل ظاهره بلطف مردفًا بعبث: _ادعيلي إنتي بس ربنا يسهل الأمور وكل حاجة هتبقى زي الفل صدقيني. مدت كفها الآخر وملست على وجنته تهتف بمشاعر صادقة، تدعو له من صميم فؤادها: _ربنا يسعدك وينولك مرادك ياحبيبي.

أخذ نفسًا طويلًا وحملق في اللاشيء أمامه بشرود. ربما تكون هذه المرة الأولى التي تجرأ فيها ليطلب فتاة للزواج وسيجرب هل سينصفه حظه أم يخذله. هل عجز قدمه سيقف حاجزًا بينه وبين الفتاة التي يريدها أم لا؟! *** وضع زين المفتاح في قفل الباب ودخل هو أولًا ثم هي. حمل الحقائب ووضعها بجانب الباب ثم أغلقه. أما هي فدارت بنظرها في أرجاء المنزل بابتسامة عريضة. التفتت له برأسها وقالت: _البيت وحشني أوي والله. هدر باسمًا بعذوبة:

_ما أنا مكنتش مرتاح أوي هناك عشان كده قولت نرجع. اقتربت منه ولفت ذراعها حول رقبتها هاتفة باحتجاج: _بس إنت مفسحتنيش كتير لا في مرسى ولا الرياض.. وكنت حابسني في البيت علطول. قهقه بخفة ثم لف ذراعه حول خصرها يجذبها إليه أكثر ويهمس غامزًا بلؤم: _ما إحنا مكناش فاضيين ياحبيبتي وكان ورانا اجتماعات عمل مهمة. مالت شفتيها لليسار مبتسمة باستحياء من تلمحياته الجريئة. ولكنها هتفت بتذمر وهي تلقي عليه أوامر:

_مليش دعوة، هتفضي نفسك مخصوص وتفسحني هنا. _بس كده.. إنت تأمر ياجميل. هظبط نفسي ونخرج نتفسح. ابتعدت عنه وقالت برقة: _أنا هدخل أغير هدومي وأخد دش عشان بعدين أحضر العشا وإنت كمان روح غير هدومك يلا. هز رأسه لها بالموافقة وعندما توارت عن أنظاره عبس وجهه من جديد عند تذكره لإسلام. فأخرج هاتفه وأجرى اتصالًا بكرم الذي أجابه بعد وقت من الرنين: _أيوه يازين، إنت رجعت القاهرة ولا إيه؟ تشدق بصلابة:

_أيوه رجعت.. تعالى ياكرم على الشركة عايز أتكلم معاك في موضوع. رفع كرم حاجبه وهتف بتساؤل: _موضوع يخص الشغل يعني؟ _لا ملوش دعوة بالشغل.. تعالى بس يلا، أنا هطلع دلوقتي وهستناك هناك. أجاب عليه بريبة من نبرة صوته الغريبة ورغبته في اللقاء والتحدث معه بهذه الساعة: _طيب هلبس وأجيلك. *** غادر كرم المنزل منذ ما يقارب العشر دقائق وبقيت هي بمفردها تشاهد التلفاز ومندمجة مع الفيلم. ولكن تجمدت ملامح وجهها عندما سمعت صوت رنين الباب.

تساءلت بتعجب: "هل كرم أتى بهذه السرعة؟! ". هبت واقفة واتجهت ناحية الباب بحيرة. فحتى لو أتى لما يرن جرس الباب وهو لديه المفتاح؟ هل نساه وذهب بدونه؟! وقفت خلف الباب وقالت بخوف بسيط: _مين؟ _أنا ياشفق افتحي. تراجعت للخلف حين ميزت الصوت وعرفت فورًا بأنها ابنة عمها. فهمست لنفسها باستغراب ودهشة من قدومها لها وبهذه الساعة: _ريماس!!! ودي إيه اللي جابها دلوقتي؟!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...