الفصل 32 | من 45 فصل

رواية ضروب العشق الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم ندى محمود توفيق

المشاهدات
21
كلمة
4,978
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 71%
حجم الخط: 18

اصابته الصدمة فبقى ساكنًا يحدق بأخيه غير مستوعب ما سمعه منه للتو. هل هو يمزح أم يقول الحقيقة؟ لا يعرف! هتف كرم منذهلًا: _زين إنت متأكد إنه إسلام؟ أجابه زين بشجن وأسى: _كل الأدلة اللي قدامي بتقول إنه هو. عمل حادث في نفس اليوم ونفس المكان ورجله مش بيمشي عليها بسبب الحادث. أنا هتجنن من وقت ما عرفت ومش عارف أعمل إيه ولا اتصرف إزاي. بقيت مش قادر أبص في عيون ملاذ. أصدر كرم زفيرًا حارًا ومسح على وجهه بحيرة وضيق، ثم عاد

بنظره لأخيه وسأل بترقب: _إنت لسه مقولتلهاش إنك كنت... قاطعه وهو يهز رأسه بالنفي ويدفن وجهه بين راحتي يديه متمتمًا بصوت مهموم: _كل ما أقول هقولها، أتراجع وملاقيش الجرأة. مش قادر أقولها إني كنت مدمن ودخلت مصحة أتعالج. بفكر في نظرتها ليا هتكون إزاي لما تعرف ورد فعلها. كرم برزانة امتزجت بالحزم:

_دي حاجة وعدت عليها سنين، وأكيد هي مش هتاخد منك موقف على موضوع كان وخلص من سنين. لكن مينفعش تخبي عليها يا زين، لازم تقولها. شوف الوقت المناسب واتكلم معاها فيه بهدوء وافهمها كل حاجة، وأنا متأكد إنها هتتفهم ومش هتزعل أوي لأنك خبيت عنها طول المدة اللي فاتت، بالأخص لما تفهمها أسبابك اللي خلتك متقولهاش. رفع وجهه ونظر لكرم مبتسمًا بمرارة وتشدق:

_طيب، ده موضوع وخلص زي ما بتقول من زمان. لكن إسلام، هقولها إزاي أنا السبب في اللي أخوكي فيه وعذابه طول السنين دي؟ تنهد الصعداء بحيرة ويأس ثم قال بخفوت وحكمة: _أنا برأي إسلام متقولهاش دلوقتي واصبر شوية لحد ما نشوف حل مناسب. _أنا فكرت في حاجة. هجرب وأشوفها، بس يارب تنفع. أهو على الأقل أرتاح شوية من عذاب ضميري. فتحت شفق لها الباب ووقفت تحدقها بأعين ثابتة ومتفحصة، لتهمس ريماس بارتباك: _أنا جيت أتكلم معاكي شوية، ممكن؟

تنفست شفق الصعداء ثم أفسحت لها الطريق لتعبر، وأخرجت رأسها من الباب تلقي نظرة فاحصة على الخارج لتتأكد من أنها لم تجلب أي من أبيها أو أخيها معها. ثم دخلت وأغلقته وأشارت لها بيدها أن تشير مباشرة إلى الداخل حيث الصالة. فسارت ريماس بخطوات متوترة حيثما أشارت لها وجلست على الأريكة لترمق شفق بعذوبة وتسأل: _كرم موجود؟

هزت رأسها بالنفي ثم جلست بجوارها وتطالعها بنظرات مقتضبة تنتظر منها أن تبدأ فيما تريد قوله لها والذي أتى بها إليها في هذه الساعة. لتلتزم ريماس الصمت لبرهة من الوقت تنظم بداية حديثها معها ثم تحدثت أخيرًا بنبرة لا تحمل أي غل أو خبث: _شفق، إنتي يمكن عارفة إني مش بكرهك أبدًا ومكنتش موافقة على أي حاجة بيعملها بابا أو جاسر ومازلت مش موافقة. ومش جاية هنا عشان أقولك إنك غلطانة وكان لازم تقولي لبابا قبل ما تتجوزي.

رسمت شفق الابتسامة الساخرة وأجابتها بها: _امال جاية ليه؟ استكملت حديثها بنفس نبرتها السابقة: _إنتي عندك حق، بابا وجاسر بعد اللي عملوه معاكم إنتي وسيف ومرات عمي الله يرحمهم، يديكي الحق تمسحيهم من حياتك كلها. بس أنا جاية أطلب منك طلب صغير واتمنى تفهميني. حدقتها بفضول عندما ذكرت طلبًا واهتمت أكثر لحديثها لتعرف، ما هو الطلب؟ لتجدها تقول ببعض الرجاء:

_بابا وجاسر مش هيسكتوا، وكذلك كرم وإنتي أكيد مش هتكوني حابة جوزك يدخل في مشاكل وأنا كذلك. فأنا كل اللي عايزاه منك إنك تحاولي تقنعي كرم إنه يلاقي حل وسط بدل المحاربة والعداء، وأنا هعمل كدا برضه مع بابا وهحاول أهديه وأخليه يتراجع عن غضبه. هدرت شفق بانفعال وسخط:

_أنا أساسًا بعتبركم مش موجودين يا ريماس من وقت اللي عمله أخوكي لما سيف رفض يجوزني ليه. حاول يأذيه هو شخصيًا ويأذيه في شغله عشان يخسره كنوع من الانتقام. أخوكي مريض وعايز يتعالج. _هو بيعمل ده كله لأنه بيعشقك بجنون والله صدقيني. صاحت شفق بغضب عارم ونبرة مرتفعة: _مفيش مبرر للي عمله واللي بيعمله هو وعمي. متحاوليش تدافعي عنه يا ريماس.

_أنا مش بدافع عنه، بالعكس، إنها عارفة ومعاكي جدًا إنه غلطان وحيوان كمان. بس صدقيني حتى أنا تعبت من المشاكل دي، مش إنتي بس، وعايزة نلاقي حل وسط نصلح بيه الكل ويرضينا كلنا. تأففت شفق باختناق وهي تلوي فمها ممتعضة تفكر فيما قالته منذ قليل، ثم أجابتها بنبرة شرسة وقوية تحمل التهديد:

_تمام، هحاول مع كرم وأعمل زي ما قولتي، وده مش عشانكم، لا، ده عشان أنا خايفة على جوزي ومش مستعدة أخسره لإني مليش غيره. بس أقسم بالله يا ريماس لو أبوكي وأخوكي حاولوا يأذوا كرم، لأوديهم ورا الشمس ومش هسكت زي ما سكت يوم سيف بعد اللي عملوه معاه، لأن وقتها أنا اللي هديت سيف برضه عشان المشاكل متزيدش، بس المرة دي أنا اللي مش هرحمهم.

أماءت لها بتفهم ونظرات هادئة بها القليل من اليأس، ثم وقفت وسارت باتجاه باب المنزل، وعندما أمسكت بالمقبض وأدارته للأسفل ثم جذبت الباب إليها، فقابلت كرم بوجهه والمفتاح بيده، كان على وشك أن يضعه في القفل ليفتح ويدخل، ولكنه تصلب بأرضه وهو يطالعها بريبة. التفتت ريماس برأسها ناحية شفق ثم ألقت نظرة أخيرة على كرم وانصرفت فورًا. لينظر هو لزوجته باستفهام ويدخل هاتفًا باستغراب: _مين دي؟ أغلقت الباب خلفه وقالت بنبرة عادية:

_ريماس بنت عمي. أجاب بغلظة صوت بعد أن اشتدت قسمات وجهه: _ودي جاية ليكي ليه؟ شفق بخفوت: _جات تتكلم معايا وأنا رديت عليها باللازم. متشغلش بالك، مفيش حاجة. إنت ليه طلعت فجأة كدا وكنت مستعجل؟ نزع سترته عنه وتمتم وهو يتجه إلى الداخل: _زين كان عايزني في موضوع ضروري ورحتله. ثم التفت برأسه لها وقال بحدة يلقي تنبيهات صارمة عليها: _لما أكون مش موجود متفتحيش لحد نهائي، مفهوم؟ همست بإذعان لأوامره دون أي ضيق من طريقته:

_حاضر، مش هفتح. لحقت به إلى الغرفة مهرولة واغلقت الباب بلطف ثم اقتربت منه ووقفت أمامه تبعد يده عن القميص الذي يفك أزراره لينزعه وتولت هي المهمة هامسة بنعومة: _مالك؟ _مليش، مرهق شوية وعايز أنام بس. قالت بذكاء أنوثي وهي تشغل نفسها بفك الأزرار في رقة: _يعني زين مقالكش حاجة ضايقتك؟ ابتسم بحب على محاولاتها اللطيفة لأخذ الكلام منه دون أن يشعر وهي تتصنع البراءة. انحنى بجذعه إليها مغمغمًا بعد أن طبع قبلة حميمية على وجنتها:

_اطمني، كله زي الفل. أنا زي ما قولتلك تعبان بس وعايز ارتاح. انتهت من فك الأزرار وتركته مفتوحًا دون أن تنزعه عنه. لترفع أطرافها حتى تصل لمستواه وتخطف قبلة من جبينه أيضًا، مهمهمة بدلال أنوثي مثير: _طيب ياحبيبي تصبح على خير، أنا هروح أعمل حاجة بسرعة وهاجي كمان أنام. غمز لها بمداعبة ماكرة باسمًا: _متتأخريش على حبيبك بس هااا.

انطلقت على شفتيها ابتسامة مستحية ورمقته بطرف عينها في اضطراب بسيط. لتغادر الغرفة فورًا وتتركه يبتسم ويقول بعدم حيلة من خجلها: _وأخرة الكسوف ده يعني. ما أنا زهقت طيب وخلاص، طاقة الصبر خلصت عندي. أما هي في الخارج فرسمت الابتسامة اللئيمة على ثغرها هامسة لنفسها باستمتاع وتلذذ: "إنه دورك لتتعلم القليل من الصبر الذي عملتني إياه وأنا أحاول الولوج لقلبك! في صباح اليوم التالي داخل مبنى شركة طاهر العميري بأمريكا.

كان حسن بطريقه لمكتب يسر لكي يعرض عليها شيئًا خاصًا بالعمل وهم بأن يقبض على مقبض الباب ليفتحه ولكنه سمعها تتحدث في الهاتف بالإنجليزية عن موعد مع طبيبة وتقول بأنها ستأتي الآن للكشف. غضن حاجبيه بحيرة وتساءل: "طبيبة ماذا؟ وما سبب ذهابها لطبيبة؟!

". سمعها تلملم أشياءها وتخطو باتجاه الباب لتغادر، فاسرع واختبأ بالجانب حتى لا تراه وتابعها وهي تسير ناحية الباب الرئيسي. هو منذ الأمس يشعر بأن بها شيء غريب والآن شكه يتفاقم. هرول ودخل مكتبها ووضع على سطح المكتب الأوراق ثم لحق بها دون أن تلاحظه واستقل بسيارته يقود خلف سيارة الأجرة التي استقلت بها.

توقفت أمام عيادة الطبيبة وترجلت هي من السيارة وسارت لداخل العيادة. فرفع عيناه يقرأ لافتة تعريف الطبيبة. ليضيق عيناه بتفكير عندما رأى أنها طبيبة أمراض نساء. فجالت بذهنه لحظات فقدانها للوعي المستمر. وبالأمس عندما لم تحتمل رائحة عطره بالرغم من أنه يعرف جيدًا أنها تحب روائح العطور. استغرق من الوقت دقائق وهو يفكر في الشيء الوحيد الذي يدور بذهنه الآن ولكنه نفض رأسه للجانبين هاتفًا بسخرية:

_لا طبعًا مستحيل، هي قالتلي إنها أجهضته. استمر باقناع نفسه كالآتي: "أنا فقط أتوهم وأوهم نفسي بأشياء ساذجة! ". بقى ينتظرها إلى ما يقارب الساعة حتى خرجت واستقلت بنفس السيارة فقاد سيارته خلفها يتابعها. لينتهي به المطاف أمام منزل خالتها رأها تطرق الباب وتفتح لها الخالة تستقبلها بترحيب شديد ثم دخلوا وأغلقوا الباب. فتنهد هو بخنق وانطلق بالسيارة عائدًا إلى مقر الشركة.

تسللت ملاذ من خلفه برقة حتى عانقته من الخلف بينما هو كان يعقد ربطة عنقه. نظر لانعكاسها في المرآة وهي خلفه وهمس بتعجب: _في إيه؟ _رايح الشركة؟ _آه بس هعدي الأول على المطعم. رمشت بعينيها عدة مرات في لطافة وقالت بنعومة: _طيب أنا ليا طلبين! لم يرد وصمته كان كدليل على أنه ينتظر منها التحدث فغمغمت بخفوت: _إنت مش قولتلي لما نرجع هشوف رفيف عشان نروح واحفظ قراءن. سكت لبرهة تقارب الدقيقة حتى التفت لها بكامل

جسده وتمتم بعذوبة وحب: _وإيه رأيك نحط تغير صغنن في الخطة واحفظك أنا واديكي أحكام التجويد. صاحت بفرحة غامرة ووجه أشرق نوره: _بتتكلم جد. هز رأسه بالإيجاب لتستكمل هي بعبث: _بس إنت معاك شغلك كل يوم ومش هتبقى فاضيلي. _وإيه يعني شغلي كل يوم لما ارجع من الشغل ناخد ساعة أو ساعتين نخصصهم لوقت الحفظ والقراءن ونحفظ فيها وأهو فرصة أنا كمان اراجع على القراءن لإني نسيت حجات كتيرة للأسف. ارتفعت لمستواه وقبلته

من جانب ثغره بعاطفة وهمسة: _ربنا يخليك ليا يازينو. استرسلت حديثها بنفس اللطف: _الطلب التاني بقى.. إنت أكيد فاكر طنط أحلام صديقة ماما اللي كانت في فرحنا.. هي جات من السفر وراحت لماما ونفسها تشوفني جدا قبل ما تمشي.. أنا طبيعي كنت هروح لماما بس كنت هروحلها بكرا أو بعده لكن للأسف كدا أنا مضطرة اروح النهاردة.. فلو معندكش مانع وموافق تستناني البس في عشر دقايق بس وتاخدني معاك في طريقك. لم يعارض كما توقعت حيث

همهم بنبرة عادية تماما: _طيب بس بسرعة عشان أنا مستعجل. هتفت بمرح طفولي جميل: _عد على صوابعك لغاية عشرة هتلاقيني خلصت. وفورا اندفعت إلى الحمام لترتدي ملابسها في عجالة ودون تأخير.. واكمل هو استعداده للخروج.. يرتدي سترته والحذاء ويضع عطره. ***

يقف كرم بالشرفة ويتحدث في الهاتف بجدية تامة.. وكان جاهز تماما للمغادرة والذهاب للعمل.. وبينما هو منشغل بحديثه في الهاتف لمحها وهي تخرج من الحمام وترتدي بنطال قصير وأعلاه تنورة منزلية ضيقة وبحمالات عريضة قليلا.. وتقف تجفف شعرها بالمنشفة وتلقى برأسها يمينا ويسارا فيتطاير شعرها معه ويتناثر منه الماء.. تصلب بأرضه وهو يتابعها بهيام غير منتبه لصوت الرجل الذي يحدثه بالهاتف.. فعاد لوعيه وانهى الحديث سريعا في الهاتف ثم دخل لها واغلق باب الشرفة.. اقترب بخطوات هادئة ولف ذراعه حول خصرها يجذبها إليه ليهمس غامزا بلؤم بعد

أن خطف قبلته من وجنتها: _طيب إيه هنفضل كدا كتير! في باديء الأمر لم تفهم قصده ولكن حين أدركت نظرته وابتسامته فهمته جيدا وتصنعت عدم الفهم لتقول ببراءة مزيفة: _مش فاهمة! هتف يوضح لها قصده بوضوح وجراءة أكثر: _يعني أنا قولتلك موعدكيش إني هصبر كتير.. والصراحة أنا شايف إنه كفاية كدا.. فخلينا نركن الكسوف ده على جنب وموضوعه سهل وهيتحل في يوم وليلة.

أبدت عن ضيقها المزيف وصاحت بغضب فشلت في تمثيله.. فقد كان هدفها هو التهرب منه.. ولكن حيلتها الفاشلة لم تجدي بنفع معه! _إيه يوم وليلة دي.. هو أنا واحدة جايبها من الشارع ياكرم.. ابعد كدا لو سمحت. أزاحته من أمامه برفق وهمت بالابتعاد فجذبها من ذراعها هادرا بضحك: _خدي هنا إنتي هتتلككي.. عايزة تلاقي أي حاجة عشان تهربي مني.

زمت شفتيها بخنق وتضمر في ثناياها التلذذ وهي تراه يتحرق شوقا إليها.. رأته يقترب منه مجددا وتمتم بلطافته وابتسامته الساحرة كالمعتاد: _جهزيلنا عشا رومانسي وحلو النهاردة وأنا هظبط شغلي عشان مروحش الشركة بكرة ونقضي السهرة الليلة دي صباحي. لم تتمكن من اضمار الابتسامة التي انطلقت على شفتيها.. وكانت فعلتها القادمة بمثابة صدمة له حيث وجدها تتعلق برقبته وتهمس بدلال وغنج أنوثي مثير أمام وجهه مباشرة:

_تحب اعملك إيه في العشا بقى ياكوكو. رفع حاجبه باستنكار من فعلتها.. على أساس أنها خجلة منه!! .. ولكنه لم يعقب طالما أخيرا رحمته من عذاب الانتظار وستجعل ليلتهم كما يريد تماما.. تمتم بغرام بعد أن التقط كفها وطبع قبلة على ظهره: _أي حاجة بتعملها الأيد الحلوة دي بتطلع جميلة. تخلت عن توترها البسيط واستحيائها منه لتقترب وتخطف قبلة من جبينه هامسة بنظرات عاشقة ونبرة ليست مريحة: _متقلقش ياحبيبي هتيجي بليل هتنبهر.

زاد تعجبه من أمرها الغريب وتصرفاتها المختلفة ولكنه تجاهل وهتف بتمني وعدم اطمئنان: _يارب!! .. أنا همشي عشان متأخرش. _مع السلامة. قالتها بابتسامة صافية وعاطفية.. وانتظرت حتى رحيله لتضحك بعاطفة كلما تتخيل ردة فعله حين يعود مساء ويرى العشاء والتجهيزات التي أعدتها ليلتهما! *** بمدينة نيويورك بأمريكا.. بقى حسن جالسا أمام النافذة في منزله بعد أن عاد من العمل ورغم أنه مرت ساعات طويلة نسبيا لم تعد حتى الآن!!

.. لا يزال عقله عالقا بذهابها لطبيبة النساء وما شهده من تصرفات غريبة صدرت منها في الفترة الماضية.. ولكنه يأبى الاستماع لأي من أفكار ذهنه الساذجة في رأيه! وصلت إلى المنزل أخيرا فوثب هو واقفا واتجه إلى باب الشقة ليفتحه ويهتف مناديا عليها قبل أن تصعد لشقتها: _استني يايسر. وقفت والتفتت بجسدها إليه تهتف ببساطة: _خير. تحرك نحوها حتى أصبح بمقابلتها مباشرة وسأل بنظرات حادة ودقيقة: _إنتي كنتي فين!

أربكها سؤاله وتسارعت دقات قلبها وأول شيء خطر في ذهنها "هل كشف ما أخفيه عنه وعن الجميع؟ ".. ثم عادت تجيب على نفسها أيضا "بالتأكيد لا وإلا لماذا سيسأل إذا كان يعرف بالفعل! يسر بترقب واضطراب ملحوظ: _بتسأل ليه! تمتم بأعين ثاقبة ونبرة رجولية خشنة: _شوفتك إنتي وطالعة من الشركة ولما اتأخرتي ومرجعتيش قلقت عليكي. أطلقت زفيرا طويلا بارتياح بعدما سمعت رده واقنعها هو بهذا الكلام أنه لا يعرف بشيء ولا يشك بأمرها حتى!!

.. لم تجب عليه بمضض كالعادة بل غمغمت بنبرة عادية: _روحت عند خالتو أقعد معاها شوية لما خلصت الشغل اللي ورايا. كما توقع تماما ستكذب وتخفي الأمر ولذلك هو تعمد سؤالها وكأنه لا يعرف شيء ولكنها بكذبها لم تنقذ نفسها بل زادت من شكه وتأكيده بأنها تخفي عنه شيء خطير!! .. هتف حسن بتأكيد كأنه يعطيها الفرصة لكي تقول الحقيقة وتمحي شكوكه بها: _خالتك بس يعني!!! عاد اضطرابها من جديد لتجيبه بتوتر وصوت ليس طبيعي وقوي كعادتها:

_أيوة خالتو بس ياحسن. همت بالاستدارة والانصراف فأوقفها بقبضته على ذراعها وهو يردف بلطف ونظرات تبدلت من الحدة للحنو: _أنا مجهزلك مفاجأة حلوة بليل ممكن مترفضيش وتطلعي معايا. رمقته بنظرات فاحصة لمعالم وجهه المتشوقة لسماع موافقتها.. وكانت ستخضع له ولكنها أبت وسحبت ذراعها هادرة بحزم: _لا مش موافقة وخليك بعيد عني زي ما اتفقنا. أوشكت على الرحيل مرة أخرى فاعترض طريقها وهتف برجاء وصوت دافئ:

_احنا محتاجين نتكلم كويس مع بعض ودي هتبقى فرصة كويسة صدقيني. يسر بقسوة وهي تحاول إبعاده لكي ترحل: _كل حاجة بينا اتكلمنا فيها ومفيش حاجة لسا هنتكلم فيها. _في وبالعكس أهم حاجة كمان.. لو سمحتي وافقي يايسر.. وأنا واثق جدا إن المفاجأة هتعجبك.

انتابها الفضول حول المفاجأة التي يتحدث عنها ولكن لم يكن هذا هو الجزء الأهم.. بل شعورها بالسعادة الداخلية أنه جهز لها مفاجأة خاصة ولأول مرة.. مما سبب لها مشاعر متضاربة ما بين الفضول والفرحة وبعض العاطفة.. تمكنت بصعوبة من إخفاء سعادتها واجابته باقتضاب وتصنع عدم الاكتراث لما جهزه من أجلها: _طيب بس أعمل حسابك إنها أول وآخر مرة هتكون.

كانت نظرته المشرقة تكفي للرد على السخافة التي تفوهت بها بأنها الأخيرة.. بينما هي فاندفعت لشقتها بالأعلى ومالت شفتيها قليلا للجانب بعد أن فشلت في كتم ابتسامتها أكثر من ذلك!! *** كل من إسلام وزين بالمطعم يجلسون على طاولة متوسطة وأمامهم القهوة الخاصة بكل منهم.. الصمت يعم بينهم حتى اخترقه إسلام بقوله: _خلاص الأسبوع الجاي هنعمل الافتتاح احنا كنا مستنينك ترجع عشان لازم تكون موجود. ارتشف زين من كوبه وغمغم بإعجاب وهو يجول

بنظره بين زوايا المطعم: _ما شاء الله الشغل جميل.. اثبتلي إنك كفاءة زي ما كنت متوقع. ابتسم وقال بعذوبة: _والله الحق يتقال هي الأنسة رفيف كانت شايلة اغلبية الشغل وأنا كنت براجع وبشرف وبساعدها في حاجات بسيطة بس. أومأ بالإيجاب في تفهم ليهيمن السكوت بينهم مرة أخرى وهذه المرة كان زين يعلق نظره عليه يفكر في كيفية البدء فيما يريد التحدث معه بشأنه.. ولكنه حسم قراره وهتف باهتمام وخفوت يسأله لكي يسمع التفاصيل

منه التي ستؤكد له شكوكه: _إنت حصل معاك الحادث إزاي يا إسلام! استغرب سؤاله في البداية ثم تمتم ببساطة يشرح له التفاصيل: _كان في شارع.. وفي الوقت ده أنا كنت جاي من فرح واحد صاحبي ومكنش فيه مواصلات بسبب الوقت المتأخر فاخدتها مشي في الشارع ومرة واحدة لقيت عربية سريعة جاية عليا ومحلقتش أدرك الموقف حتى عشان أبعد وخبطتني.. اللي فاكره إن اللي كان في العربية نزل بص عليا وحتى محاولش يسعفني لا ركب عربيته تاني وهرب.

"هل كان دنيئا لهذه الدرجة التي تجعله يترك جريحا على الأرض هو من قام بأذيته ويهرب.. لقد استحقيت كل ماحدث لي عندما ذقت أصناف العذاب في المصحة وكنت على عتبة الموت بعد حادث السيارة الذي كنت السبب فيه أيضا". تحدث لنفسه كالآتي وأحس بأنه يبغضها.. يستحقرها.. كيف يخبره ويقول أن ذلك الرجل الدنيء الذي تركك جريحا على الأرض بعد أن صدمك هو أنا! عبس وجهه وظهر عليه الخزي من نفسه والأسى ثم تنهد الصعداء وتمتم بنبرة جادة:

_أنا دورت ليك وعرفت دكتور كويس جدا بس مش في مصر وقالي إن نسبة نجاح العملية كبيرة جدا وترجع تمشي أكيد زي الأول إن شاء الله.. أنت فكر وخد قرارك وخلينا نسافر ونشوف عشان نبدأ نمشي في إجراءات العملية. اندهش قليلًا ثم قال ببرزانة: _ماشي يازين بس أنا عارف كويس أوي إن العملية دي هتكلف مبلغ ضخم مش مجرد كام ألف. _أنا اللي جايبلك الدكتور وبقولك هتسافر وملكش دعوة بالباقي بقى. إسلام برفض قاطع وصلابة:

_لا طبعًا مستحيل أقبل إنك تدفعلي مبلغ كبير بالمنظر ده. زين بحكمة وابتسامة صافية: _يابني إحنا مش إخوات، اعتبره دين حتى وابقى سده براحتك بعدين.. متعاندش بس واسمع الكلام خلينا نسافر لأن الدكتور قالي إن كل ما الوقت يعدي والسنين تمر الحالة هتزيد أكتر معاك أوي. هز رأسه بالنفي وهتف بإصرار وخشونة:

_متحاولش معايا في أمر مفروغ منه.. ده مفهوش اختيار بين آه ولا لأ، أنا حاليًا معيش نص المبلغ حتى عشان نقول إنك تساعدني في الباقي وأسدهولك بعدين. عارف إنك عايز تساعدني يازين وربنا يعلم إني بعتبرك أخ ليا فعلًا بس برضوا مقدرش أكلفك بمبلغ زي ده. سيبه لما ييجي وقته وأنا هقولك عشان تسافر معايا للدكتور ده. زفر زين بعدم حيلة وخنق ثم رتب على كتفه هاتفًا بنفس نقية:

_برضوا فكر في كلامي ومتتسرعش الدكتور ده فرصة والله يعلم ممكن يحصل إيه لو صبرت زي ما بتقول.. فكر كويس وأنا كام يوم وهكلمك تاني. طالت نظرات إسلام إليه في سكون يحرك أفكاره في ذهنه ويحسب حديثه جيدًا.. هو بالتأكيد أكثر من يرغب في أن يعود كطبيعته مجددًا ولكنه أيضًا لا يملك المبلغ! *** توقفت السيارة أمام مقر شركة العمايري وفتحت هي الباب ثم نزلت فسمعت صوت السائق الخاص وهو يهتف برسمية: _استني حضرتك ياميار هانم.

_لا امشي أنا هرجع مع علاء. ثم قادت خطواتها للداخل وهي تسير بثقة تعرف وجهتها جيدًا وأين يوجد مكتبه. وبعد لحظات من السير داخل الشركة وقفت أخيرًا أمام باب مكتبه ثم أخذت نفسًا عميقًا وأمسكت بالمقبض وفتحت فرأته يثبت نظره على أوراق أمامه وتارة ينظر للحاسوب وتارة للورق. دخلت وأغلقت الباب خلفها ثم تنحنحت واقفة. فرفع هو نظره إليها وعندما وقع نظره عليها لجمته الدهشة من رؤيته المفاجأة لها بمقر الشركة وهي لم تخبره بأنها ستأتي!

علاء بغلظة ونظرات صارمة: _إني مش قولتيلي هتروحي مع رفيف عشان تشتري الهدوم؟ تنفست الصعداء وتحركت نحوه لتجلس على المقعد المقابل له وتهمس بخفوت وهدوء تام: _لا ما أنا الصراحة لما فكرت قولت إن الأفضل تروح إنت معايا. هي ليست بحمقاء أو ساذجة.. فكل خطوة تفعلها تكون بحساب، وليس هناك شك بأنها رغبت بمجيئه هو معها حتى تثبت له حسن نيتها وتنشب بعض الثقة بينهما، ولكي تجعله يطمئن لها وأنها لن تفعل شيئًا يضر باسم العائلة أبدًا.

أشار بسبابته إلى نفسه مغمغمًا باستنكار واستعجاب: _أروح أنا معاكي! أماءت برأسها عدة مرات وقالت بلسان حلو ورقة: _آه إنت.. بما إنك حاطط شروط إن الهدوم كلها تكون واسعة ومناسبة وحاجات كدا كتير، فأنا خايفة أشتري حاجة وفي الآخر متعجبكش. فعشان متعترضش خالص بعدين.. تاجي وتنقي معايا الهدوم. ضحك بخفة ساخرًا من ثقتها وطموحاتها العالية ليجيبها بعدم استيعاب: _أنقي كمان! إنتي هبلة ياميار؟

متوقعة إني هسيب شغلي وهروح معاكي أشتري هدوم ونفضل نلف والكلام الفارغ ده. ثم إن ده مش في مصلحتك أنا لو روحت معاكي واتخانقت وده أكيد اللي هيحصل لإن خلقي ديق ممكن أقولك مش هتروحي الكلية أصلًا وأغير رأي. منعت ضحكتها من الخروج وقالت بثقة تامة وابتسامة صفراء: _هتروح يا علاء ومتقلقش مش هنلف كتير. وإذا كان على الشغل فأنا عندي استعداد أقعد معاك هنا لغاية ما تخلص وبعدين نطلع.

_قولت مش هروح أنا معنديش خلق أخرج وأشتري هدوم وكمان مع بنت.. يا تتصلي برفيف يا تروحي البيت. رفضت بنظراتها الثابتة وهي لا تجيب عليه ليهتف وهو يجذب هاتفه: _تمام يبقى هتصل بناجي ياجي ياخدك يوديكي البيت. همست ببرود أعصاب وابتسامة متكلفة: _هو وصلني ومشّيته قولتله إني هرجع معاك. حدقها مغتاظًا وصاح منفعلًا: _استغفر الله العظيم.. يعني إنتي مصممة تعصبيني؟ مش كفاية طالعة من البيت وجاية هنا من غير ما تقوليلي.

نهضت من على المقعد واتجهت إلى الأريكة الصغيرة وجلست بإرياحية عليها متمتمة بنبرة عادية تمامًا وابتسامة مستفزة وكأنه لم يكن يصيح بها للتو: _خلص شغلك يلا وأنا مستنياك. استفزته بشدة وود لو يقبض عليها ويخنقها من الغيظ ولكنه تمالك أعصابه ومسح على وجهه متأففًا ومستغفرًا ربه وعاد يكمل عمله حتى يهدأ من مزاجه الذي عكرته ببرودها!

أما هي فاشاحت بوجهها للجهة الأخرى بعيدًا عنه وأطلقت ضحكة صامتة مستمتعة باستفزازه وأنه ذعن لها بالأخير! *** مع غروب الشمس كانت يسر قد انتهت من ارتداء ملابسها وغادرت المنزل ثم نزلت الدرج بهدوء وحذر كما اعتادت منذ حملها خشية أن تنزلق قدمها دون وعي وتسقط.

وجدته ينتظرها بالسيارة فتحركت باتجاهه وكانت ستستقل بالمقعد الخلفي ولكنها رأته يشير لها بعينيه في لطف أن تأتي بجواره. وبالرغم من ذلك لم تستمع له وفعلت ما ترغب به ليزفر هو بخنق وعدم حيلة من عنادها. انطلق بالسيارة يشق بها الطرق وهو يلقي عليها نظرة كل لحظة في المرآة العلوية التي تعكس وجهها في الخلف. تارة يراها تتابع الطريق بصمت وتارة تنظر له فتتلاقي أعينهم لثواني ملحوظة قبل أن تشيح بنظرها فورًا عنه. وأخيرًا

اخترقت فقاعة الصمت هاتفة: _إنت رايح بيا فين؟ _هتعرفي دلوقتي متستعجليش. قالت بقسوة دون مراعاة لكل محاولاته لكي يسعدها ويثبت لها ندمه، حتى لو لم تكن محاولات كما تريد ولكن يكفي أنه يحاول من أجلها: _أنا مش مستعجلة أنا لو عليا أساسًا مش عايزة أكون معاك في مكان واحد نهائي. بس لما فكرت في كلامك لقيت إننا فعلًا محتاجين نتكلم عشان تبقى آخر مرة. أبدى عن حزنه الشديد وتمتم بأسى:

_عارف يايسر، بس ممكن منتكلمش في أي حاجة لغاية ما نوصل وهناك قولي اللي تحبيه. التزمت الصمت ورأت أن أفضل حل الآن بالفعل حتى لا يتجادلوا بالسيارة! وبعد دقائق طويلة نسبيًا توقفت السيارة ونزل هو أولًا ثم فتح لها الباب لكي تنزل ففعلت وتجولت بنظرها في الأرجاء يمينًا ويسارًا وهي ترى الناس يدخلون جميعًا إلى باب كبير وواسع. فرفعت نظرها تحدق بالمبنى الضخم وإذا بها يلجمها الذهول وتهتف بصدمة: _ده الأوبرا!

انحنى على أذنها وهمس بحب: _عارف إنك بتحبيه جدًا وكان نفسك أوي تروحيه. أماءت برأسها بإيجاب وهي تقول بابتسامة عريضة وعيناها مازالت معلقة عليه: _فعلًا. _طيب يلا عشان العرض ما يفوتناش. همت بأن تسير ولكن رأتته يضم ذراعه بالجانب يحسها على وضع ذراعها بذراعه حتى يسيروا معًا. ضحكت هي مستهزئة من طلبه السخيف وكأنها ستوافق أن تشابك ذراعها بذراعه!

وجدته يجول بنظره بين العامة يشير لها بأن تنظر. فرأت أن جميع الرجال الذين جاءت معهم امرأة يسير معها كذلك كنوع من الرقي والرمانسية. عادت بنظرها له ورمقته باقتضاب وفعلت كالجميع وهي تلقي عليه نظرات مشتعلة. وبمجرد ما أن وضعت ذراعها ضمه جيدًا بين ذراعه وسارا نحو الداخل. حتى وصلا إلى مقاعدهم الذي قام بحجزها في المقصورة فجلست هي أولًا ومن ثم هو بجوارها. وبعد وقت ليست بطويل بدأ العرض وكان هو يتابع ملامح وجهها السعيدة والمبتسمة وهي تشاهد باستمتاع. فاقترب على أذنها وهمس بعاطفة وصوت ينسدل كالحرير ناعمًا:

_مبسوطة؟ بعفوية شديدة وكأنها نست كل شيء من سعادتها. نظرت له وهتفت بتلقائية ونظرات لا تحمل البغض والغضب بل كانت صافية بها مشاعر الحب الذي كان يبحث عنها منذ أن تركته وكانت تحاول إقناعه أنها لم تعد تحبه: _جدًا فوق ما تتخيل. شكرًا ياحسن.

طالت نظراته الهائمة بها وهو يتأملها بدهشة وعشق. وقد صعدت ابتسامته العريضة لشفتيه يشاركها السعادة لأنه أحس ببريق أمل يلمع بعد نظرتها الصافية والمحبة له التي كان فقد الأمل في أن يراها بعينيها مرة أخرى. انتبهت لنظراته لها فارتبكت وادركت خطأها وبثانية ابعدت نظرها عنه وهمست لنفسها باغتياظ "حمقاء يايسر.. ماذا فعلت الآن! هل بعرض أوبرا سيتمكن من العثور على مسامحتك ولطفك بكل هذه السهولة!

بالتأكيد لن أجعله يحصل عليها إلا بعد عذاب! *** في تمام الساعة الثامنة مساءً. فتح كرم الباب ثم دخل وأغلقه خلفه. ترقب بسمعه الحركة في المنزل والسكون فكان هادئًا تمامًا. ظن أنها تنتظره بالغرفة ولهذا المنزل يعم به السكون!

نزع حذائه عنه وتحرك إلى الداخل وأول شيء وقع نظره عليها مائدة الطعام المتوسطة والموضوع فوقها صحون الطعام بانتظام وقامت بتزينها بشكل رومانسي كما طلب منها. ابتسم بحب وحماسه وصل لمستوى مرتفع وأصبح لا يطيق الانتظار لرؤيتها هي أيضًا. فاندفع نحو غرفتهم وفتح الباب وهو يقول بإشراق وجهه متحمس: _شفق يا.......

تسمر مكانه وقد تلاشت ابتسامته تدريجيًا حين رآها بالفراش ونائمة. استطاعت فورًا أن تطيح بحماسه ليلتها الأولى في الأرض. فاقترب منها وجلس على حافة الفراش بجوارها متمتمًا بخفوت وهو يهزها بلطف: _شفق إنتي نمتي! فتحت جزء صغير من عينيها وهي تقول: _كرم! اعتدلت في نومتها وغمغمت وهي تفرك عينيها: _لا منمتش أنا كنت مغمضة عيني بس. _طيب قومي يلا عشان نتعشى مع بعض وأنا هروح آخد دش وأجيلك.

أماءت له برأسها بالموافقة لينحني هو بشفتيه إلى وجنتها ويخطف قبلة قبل أن ينهض ويذهب للحمام. لتبتسم هي بعبث وتهب واقفة تنظر لنفسها في المرآة تهندم من مظهرها وتجدد مكياجها. كانت ترتدي منامة تصل إلى الركبة بحمالات رفيعة وبفتحة ظهر واسعة وكبيرة، وضيق بعض الشيء على جسدها يظهر منحنياتها بشكل مثير مما أعطاها لمسة أنوثية مغرية. التقطت الروب وارتدته فوقه، ثم غادرت الغرفة وذهبت لطاولة الطعام تضع اللمسات الأخيرة عليها.

وبعد دقائق ليست بطويلة، أتى وكان يرتدي بيجامة منزلية من اللون الأسود، فجلس على مقدمة الطاولة وهي بجواره. ألقى عليها نظرة مغرمة ووضع أول لقمة في فمه، وهي كذلك فعلت. لتسمعه يهمس بعد لحظات قصيرة: "تسلم إيدك ياحبيبتي." لاحت الابتسامة الخجلة والعذبة على شفتيها وهي تجيبه: "بالهنا والشفا."

أكملوا عشائهم لدقائق قليلة، ومن ثم نهضت هي وبدأت في نقل الصحون للمطبخ، وهو كذلك يساعدها. وبعد انتهائها، هيأ لها أنها سمعت صوت رنين هاتفها. فذهبت للغرفة لتنظر له، فلم تجد أي اتصال من أحد. تسلل هو خلفها وأغلق باب الغرفة، وإذا بها تشعر به يحتضنها من الخلف. انحبست أنفاسها وتسارعت دقات قلبها وأصابتها قشعريرة حين شعرت بشفتيه تطبع على كتفها ويهمس بهيام: "بحبك يا أميرتي!

التوتر والخجل استحوذوا عليها، فلم تتمكن حتى من الفرح كما يجب بهذه الكلمة الذي نطقها لأول مرة. أحست بيديه تلتف حول خصرها ويمدها لربطة الروب ليفكها وينزعه. فاخذت نفسًا والتفتت له بجسدها تقول برقة وحماس: "كرم، في فيلم جميل جدًا شوفت إعلانه وهيبدأ دلوقتي. ماتيجي نسمعه، نفسي قوي أتفرج عليه." رفع حاجبه يجيبها بستنكار لطلبها الذي في الوقت الخطأ تمامًا: "فيلم ودلوقتي؟! هزت بالإيجاب وتمتمت برجاء: "أيوة ارجوك يلا."

ابتسم بحب وهدر بحنو: "الفيلم بياخد تلات ساعات أو ساعتين ونص على التلفزيون ياحبيبتي.. مش وقته خالص دلوقتي الصراحة. بكرة أنا موجود معاكي اليوم كله هنشغله على اللاب ونسمع براحتنا." عقدت ذراعيها أمام صدرها وأجفلت نظرها أرضًا تزم شفتيها للأمام بعبس طفولي. ليتأفف هو مغلوبًا على أمره وقال: "طيب خلاص يلا هنسمعه."

عاد وجهها يشرق بالابتسامة من جديد، وأسرعت للخارج تقوم بتشغيل التلفاز وتجلس على الأريكة تشاهد الفيلم الذي يبدو أنه بدأ منذ دقائق قليلة. وشاركها هو الجلوس بجانبها، يعلق نظره على شاشة التلفاز مجبرًا وباقتضاب، فقط لرغبتها. أما هي فلا تفهم سبب خجلها منه، لم تكن تخجل هكذا منه في بداية زواجهم. ربما لأنها شهدت على جانب جديد منه، فلذلك تخجل وتتوتر. والآن تحاول التركيز على الفيلم لكي يمحو توترها.

مرت ساعة ونصف وهم ما زالوا يشاهدون ذلك الفيلم. اندمجت هي بشدة في المشاهدة وكانت تشاهد باستمتاع، غير منتبهة لذلك الذي سينفجر من الغيظ والانتظار. تارة يمسح على وجهه متأففًا ولا يثبت في جلسته، يتحرك يمينًا ويسارًا. فقد سئم من الجلوس هكذا واستنفذ كل طاقة الصبر لديه. التصق بها وهمس بلطف: "مش كفاية بقى ولا إيه ياحبيبتي؟ الفيلم لسه مطول وأنا زهقت! نظرت له وقالت متوسلة: "لا بليز خلينا نكمله، عجبني أوي وممتع والله."

زفر بخنق واعتدل في جلسته يعود لوضعه الطبيعي، ولكن هذه المرة عيناه كانت معلقة على ساعة الحائط، تارة ينظر للتلفاز وتارة للساعة. وكلما مرت الدقائق يستاء أكثر من الانتظار الممل والذي أفقد أعصابه. هتف شبه منفعلًا بضجر: "وبعدين يا شفق مش معقول كدا! هنفضل بالمنظر ده كتير يعني.. عدت ساعتين دلوقتي."

أدركت أنها ضايقته، ولكن ليس بيدها، كانت متوترة بشدة ومشاهدة الفيلم نفعتها وهدأت من توترها قليلًا. انزوت نظرها عنه بعبوس ليصدر هو تنهيدة حارة وهدأ ضجره عندما فهم توترها وخجلها. اقترب منها وطبع قبلة على جبهتها، هامسًا بمداعبة لطيفة مقصودة لكي يطمئنها ويهدأ من روعها: "كل الكسوف ده من الكوكو بتاعك؟!

ضحكت بخفة عند نطقه للاسم الذي تطلقه عليه، وبالرغم من أنه لا يحبه، ولكنها فهمت أنه يقوله متعمدًا لكي تضحك. عادت الابتسامة لوجهه وهو يقول مشاكسًا: "ضحكت يعني قلبها مال خلاص." وجدته يهب واقفًا وينحني ليحملها على ذراعيه ويسير بها باتجاه الغرفة، متمتمًا يسترسل مزاحه ومشاكسته: "تقريبًا الناس كلهم عندهم مشكلة مع اسمي، كنت في الحضانة وكانت في مدرسة بتقولي ياتوتي، معرفش إيه جاب كرم لتوتي!!

.. كرهتني في اسمي يلا بقى ربنا يسامحها." أطلقت شفق ضحكة أنوثية متأججة جلجلت في أرجاء المنزل، لتتسع ابتسامته العريضة لأنه نجح في إزالة توترها وخجلها. ثم دخل الغرفة وأغلق الباب لتبدأ ليلتهما الأولى والرومانسية معًا. *** التقطت ملاذ هاتفها بعد أن سمعت صوت رنينه وأجابت بهدوء: "أيوة يا زين." أتاها صوته العادي وهو يتمتم: "أنا جاي في الطريق ياملاذ، اجهزي يلا." "تمام ياحبيبي، أنا جاهزة. وكمان بابا وماما عايزين يسلموا عليك."

"أنا خلاص قربت مسافة الطريق بإذن الله." أنهت الاتصال معه ونظرت لأمها تقول لها مبتسمة: "جاي في الطريق ياماما." "طيب ياحبيبتي، ياجي بالسلامة. أنا هروح أقول لأبوكي عشان كان مستنيه وعايز يشوفه." أماءت لها بالموافقة وهتفت أحلام مبتسمة بصفاء: "يارب بقى الحق أشوفه أنا كمان وأسلم عليه." ملاذ بعذوبة ورقة تسألها عن ابنها: "لا إن شاء الله هتلحقي، هو أيمن قالك جاي في الطريق كمان؟

هزت لها بالإيجاب فابتسمت ملاذ ووقفت حتى تغادر إلى حديقة المنزل الصغيرة تنتظر زوجها. ولكن بمجرد ما أن وقفت داهمها دوار مفاجيء، فوضعت كفها على جبهتها واطرق رأسها أرضًا. وثبت أحلام واقفة وأمسكت بها تقول بفزع: "مالك يابنتي؟ ملاذ بصوت هادئ بعد أن أحست بأنها عادت لطبيعتها: "مفيش حاجة يا طنط، دوخت بس شوية متقلقيش. أنا هطلع استنى زين برا."

ابتعدت عنها وسارت إلى الحديقة ببطء وعادت تشعر بالدوار مرة أخرى، ولكنها تحاملت على نفسها وأكملت سيرها. ولسوء الحظ أن أيمن وصل أولًا ونزل من سيارته، فرآها تقف وهي تمسك برأسها ولا تقوى على الاتزان في وقفتها وكأنها على وشك السقوط. فهرول ركضًا إليها ولحق بها قبل أن يهوي جسدها على الأرض. في تلك اللحظة تحديدًا وصل زين وترجل من السيارة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...