الفصل 30 | من 45 فصل

رواية ضروب العشق الفصل الثلاثون 30 - بقلم ندى محمود توفيق

المشاهدات
22
كلمة
5,322
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 67%
حجم الخط: 18

وكأن صاعقة من السماء أصابتها بأرضها حيث فغرت شفتيها وعيناها بذهول. عقلها يجد صعوبة في استيعاب ما دخل لأذنيها للتو. أقنعت ذهنها بسخافة حتى تهدأ من روعها بأنه لم يكن يقصدها بالتأكيد. ثم عاد يقول: "ولكنه نطق اسمي وقال سينتظر عودة زين!! هزت رأسها بالنفي رافضة تصديق ما سمعته وتراجعت للخلف حتى ترحل دون أن يشعر بها. ولكنها اصطدمت بمزهرية صغيرة وأصدرت ضجيجًا مرتفعًا.

انتفضت كالتي لدغتها عقرب واستدارت بكامل جسدها تحدق بالمزهرية في صدمة. جزت على أسنانها بغيظ متمتمة: "مش وقتك دلوقتي" همت بأن تتركها وتفر قبل أن يخرج. ولكنها سمعت صوته يقول بهدوء: "رفيف! اغمضت عيناها بقوة مقوسة وجهها بارتباك وغيظ من نفسها. لتأخذ نفسًا عميقًا وتلتفت بجسدها إليه مبتسمة ببلاهة وتوتر ملحوظ. طال نظرهم لبعضهم. هو ينتظر منها أن تبدأ وهي لا تعرف ماذا تبرر حتى تفر من أسئلته. فقالت بعد لحظات من الصمت

القاتل بنبرة متلعثمة: "أنا كـ.. كنت جاية أااا... كنت جاية.. كنت جاية ليه؟! لم يتمكن من حجب ضحكته حيث أجابها ضاحكًا ببعض الجدية: "مالك يارفيف؟ تمالكت نفسها قليلًا وهتفت بإيجاز وارتباك مازال واضح: "آه كنت جاية أوريك حجات وآخد رأيك بس سمعتك بتتكلم في التلفون وكنت ماشية.. مش مشكلة لما تخلص مكالمتك نبقى نتكلم" وفي اللحظة التالية بالضبط استدارت وفرت من أمامه كالسهم. فظل هو بمكانه يفكر بما قالته بالآخر

وسؤال واحد يطرحه في ذهنه: "هل سمعت شيء ياترى؟ *** طرق على الباب كان قوي بعض الشيء. غضنت حاجبيها باستغراب ثم جذبت حجابها وذهبت لتفتح. فوجدته الحارس ويحمل بيده علبة متوسطة الحجم من اللون الوردي. نقلت نظرها بينه وبين العلبة بريبة حتى رأته يمد يده بالعلبة هاتفًا برسمية: "في واحد جاب العلبة دي ياهانم وقال إن كرم بيه اللي بعتها" ضيقت عيناها بحيرة وتعجب عند سماعها لاسم زوجها. ولكنها قالت بجدية وهي تأخذها منه:

"طيب ياسعيد روح إنت خلاص" أماء لها بإيجاب واستدار ليتجه إلى باب المنزل الرئيسي يكمل مهمته وهي الحراسة. أما هي فأغلقت الباب وعيناها معلقة على العلبة التي بيدها وتفكر بفضول مالذي بداخلها ولما يرسلها كرم! كانت على وشك أن تفتح الشريط الستان الملفوف حولها حتى تفتحها. ولكن سمعت رنة هاتفها الصاخبة بالغرفة فاسرعت إليه لتمسك به وتتطلع إلى اسم المتصل وتبتسم بتلقائية ثم تجيب عليه في رقة: "نعم! اتاها صوته الحاني وهو يقول بترقب:

"وصلت العلبة؟ نظرت إليها في يدها وهي تجيبه بتساؤل وعينان ضاحكة: "اممم وصلت فيها إيه دي بقى؟ تمتم بنبرة عاطفية قد تكون جديدة بعض الشيء وامتزجت ببعض المكر: "افتحيها وهتعرفي" همت بان تجيب عليه ولكن سمعته يهتف بنبرة متعجلة وخافتة: "شفق أنا هقفل دلوقتي، عشان في واحد تبع الشغل كنت مستنيه ووصل.. لما اخلص هكلمك" "تمام" انهت معه الاتصال وجلست على الفراش ثم بدأت في فك الشريط ورفعت الجزء العلوي من العلبة.

فرأت رداء مطوي بانتظام داخلها كان من اللون الرصاصي. ابتسمت باتساع واخرجته تفرده أمامها بتشويق لرؤيته كاملاً. كان قصير يصل للركبة ونصفه العلوي مطرز بورود من نفس لونه وبأكمام طويلة وشفافة ولديه فتحة ظهر واسعة قد تظهر نصف ظهرها. فغرت عيناها بإنبهار من جماله ووقفت تضعه على جسدها تنظر لنفسها في المرآة بوجه ضاحك. فصك سمعها صوت رسالة وصلت للتو على هاتفها منه لتفتحها وتقرأ ما دونه بها: "البسيه بليل يا أميرتي"

كادت ابتسامتها الخجلة تشق طريقها حتى اذنيها. وبداخلها تتساءل عن السبب الذي دفعه لشرائه! ولماذا ترتديه بالأمس خصوصًا؟ *** لا يمكن أن يكون هو!! هل كان يبحث عنه طوال هذه السنوات وهو قريب منه! والمشكلة الكبرى تكمن بزوجته كيف سيخبرها وسيبرر لها الأمر. كيف سيخبرها بأنه السبب في عذاب أخيها لعشر سنوات كاملين! هل ستتفهمه أم ستعصف وتغضب وتتركه؟

وماذا إن عرفت بأنه كان مدمن وفي تلك الليلة كان ليس بوعيه وعائدًا من سهرة مع اصدقائه! حتمًا لن يمر الأمر مرار الكرام وستقع الفجائع بسببه. وهو ليس لديه الجرأة ليخبرها بكل شيء! كان يقف بالمطبخ وبيده كوب الماء يرتشف منه وعيناه حمراء كالدم لا يرى أمامه من فرط غضبه ونقمه على نفسه المذنبة. ولو هلة تمنى في قرارة نفسه وقال: "ليتني لم اقابلك ولم اتزوجك! ليتنا تطلقنا!

تفاقم سخطه حتى وصل لذروته فالقى بالكوب الزجاج على الأرض في عنف ليتناثر إلى جزئيات صغيرة في كل مكان. أتت مهرولة على أثر صوت كسر الكوب وقبل أن تخطو خطوة واحدة إلى داخل المطبخ اتاها صوته الخشن وهو يهتف شبه آمرًا: "خليكي عندك متدخليش! ثم انحنى على الأرض وأخذ يلم قطع الزجاج الكبيرة بيده. فقالت هي باهتمام: "زين بتعمل إيه هتتعور!! نظرت على الأرض وسارت إليه في الداخل بحرص حتى لا تدخل زجاجة في قدمها.

وقبل أن تصل إليه وجدته يرفع يده عن الأرض بألم ويمسك بكفه الذي جرح وبدأ يذرف الدماء. فشهقت بهلع وانحنت إليه تهدر معاتبة في استياء من عناده: "شوفت أهو اتعورت! قوم تعالى معايا هحطلك مطهر ولازق طبي" هب واقفًا وفتح صنبور الماء يضع يده اسفله ليزيح الدماء هاتفًا بصلابة: "مش مستاهلة هيقف وحده" عقدت حاجبيها بريبة من أمره وقالت بحزم وهي تسحب كفه من أسفل الماء هاتفة: "كدا هيزيد مش هيقف.. تعالى يلا"

وجذبته من يده ناحية الغرفة شبه عنوة واجلسته على الفراش. ثم جذبت المطهر وقطنة وجلست بجواره تمسك بيده وتضع عليها القطنة التي سكبت القليل من المطهر فوقها. فاغمض هو عيناه متألمًا. ثم رفعت يدها ووضعت اللازق الطبي على الجرح وقالت بتدقيق وخفوت بعد أن ثبتت نظرها عليه: "مالك يازين إنت مضايق من حاجة؟ مسح على وجهه وقال مهمومًا بزفير قوي: "قولي في إيه مش مضايقك" اقتربت منه أكثر ومدت اناملها لذقنه تدير وجهه تجاهها هامسة

بنبرة حانية وأعين دافئة: "احكيلي ياحبيبي وارمي همومك عليا" لمعت عيناه بالدموع وغمغم بيأس وخوف: "ياريت اقدر احكيلك.. بس صدقيني مش هقدر! "ليه؟! سألت باستغراب فادرك هو ما قاله ولملم شتات نفسه ليظهر الثبات أمامها ويحتضن وجهها بين راحتي كفيه. ثم يقترب بشفتيه من جبهتها ويطبع عليها قبلة رقيقة. ويترك وجهها ليلف ذراع حول خصرها والأخر أعلى ظهرها يضمها إليه ويدفن وجهه بين ثنايا رقبتها يلثمها بقبلات متعددة وحانية هامسًا

بصوت عاشق: "بحبك أوي ياملاذي" ضيقت عيناها بحيرة من تصرفاته الغريبة ونبرته المختلفة. ولكنها ابتسمت بحب وهمست تبادله نفس المشاعر: "وأنا كمان بحبك ياروح ملاذك" *** انتهت من ارتداء ملابسها والقت نظرة أخيرة على مظهرها في المرآة قبل أن تستدير وتغادر الغرفة. هبطت الدرج بثقة وثبات حتى وصلت إلى آخر درجاته. فرأته يجلس على مقعد وبيده كوب الشاي خاصته يرتشف منه بهدوء. تصنعت عدم رؤيته وأكملت طريقها باتجاه الباب. ولكنها

سمعت صوته الرجولي يهتف: "يسر رايحة فين؟ وقفت وتأففت بخنق لتجيبه دون أن تلتفت له: "حاجة متخصكش" واستمرت بسيرها حتى وصلت إلى الباب ومدت يدها للمقبض. فجذبها هو قبل أن تفتحه هاتفًا بصرامة: "يعني إيه ميخصنيش!! سحبت يدها بعنف هاتفة بقوة: "لو فاكر الاتفاق اللي اتفقناه امبارح كان محدش ليه دعوة بالتاني صح ولا لا.. يعني إنت ملكش حق تسألني" ليس لديه حق!!! كان على لحظة وسيفقد أعصابه ويذكرها بأنه زوجها.

ولكنه هو الذي اختار هذا الاتفاق وسيضطر بأن يلتزم بشروطه إلى النهاية. تمتم بهدوء مزيف: "صح يا يسر.. بس مفهاش حاجة لو قولتيلي رايحة فين وخصوصًا إننا مش في مصر" لوت فمها وقالت باقتضاب: "رايحة لخالتو اتصلت بيا وكانت عايز تجيني وتاخدني هي وراسل.. بس قولتلها أنا هجيلك وهتكلم معاها وافهمها" تجاهل سماعه لاسم ذلك السمج. وقال بنبرة حازمة: "طيب تعالى هوصلك يلا" صاحت به مندفعة بغضب: "وتوصلني ليه!!

.. حسن ابعد عني أنا مش طيقاك أساسًا" ابتعد من أمامها وعاد إلى مكتبه ليجذب مفاتيحه وهاتفه ويلحق بها. كانت على وشك أن تقف سيارة أجرة ولكنه جذبها من ذراعها هاتفًا وهو يشير بعيناه على السيارة: "يلا" دفعته صارخة بانفعال: "متلمسنيش فاهم ولا لا" رفع كفيه عنها متمتمًا باستسلام واعتذار: "أنا آسف.. يلا اركبي" رمقته باشمئزاز ثم تحركت باتجاه الشارع واوقفت سيارة لتستقل بها غير مبالية له.

كور قبضة يده يجاهد في السيطرة على طوفانه العاتي وهو يرى تلك السيارة تتحرك بها. التفت باتجاه سيارته وركلها بقدمه في عنف يفرغ بها شحنة غيظه المكتظة بداخله ويتمتم متوعدًا وهو يفتح الباب ليستقل بمقعده المخصص للقيادة: "ماشي يايسر.. أنا وإنتي والزمن طويل لما نشوف أخرة عنادك ده" ثم حرك محرك السيارة وانطلق وهو يكمل وعيده لنفسه مهمهمًا: "قال اطلقك!! .. تبقى بتحلمي.. ودلوقتي جه دوري عشان اوريكي الجنان على أصله!! ***

انضم إليها وجلس على المقعد المقابل إليها في الطاولة. فتحات هي النظر إليه بارتباك ملحوظ في قسمات وجهها. مما جعل الشك يتعشش أكثر بداخله بأنها قد سمعت حواره مع صديقه. وبالرغم من ذلك لم يستمع لأفكاره واقنع نفسه بأن الأمر لا يخص ذلك الشيء. سألها بابتسامة هادئة: _ها وريني عشان اختار معاكي.

أماءت له برأسها وفتحت المجلة ثم وضعتها في منتصف الطاولة بينهم، وبدأت تملي عليه رأيها في بعض الأشياء ليشاركها هو برأيه الذي كان متفقاً معها في بعض الأشياء والآخر مختلفاً. وما لاحظه أن ارتباكها لم يهدأ، بل كما هي على وضعها، فانتابه الفضول بشدة حول السبب ليسألها بوضوح دون مراوغة: _رفيف، هو انتي سمعتي كنت بقول إيه في التليفون لما جيتي؟

تسارعت نبضات قلبها وشحب لون وجهها. انعقد لسانها ولم تجد الكلمات المناسبة لتجيبه بها. طال صمتها لثوانٍ طويلة وهي ما زالت في اضطرابها لا تتمكن من الفرار. فاصابتها حالة من الغضب.. ليست عليه بل من نفسها، حيث وجدت نفسها تهتف شبه منفعلة وبتلعثم: _اسـ.. اسمع إيه يعـ.. يعني؟ ثم إن قصدك إيه يا بشمهندس إني سمعت حاجة.. هكون بتصنت عليك مثلاً ولا إيه؟ قالت آخر جملها وهبت واقفة، ليسرع هو ويستقيم من مقعده متمتماً بصدق واعتذار:

_لا والله مش قصدي كدا أبداً. أنا آسف حقك عليا لو ضايقتك. ممكن تقعدي عشان نكمل الشغل. حدقته بأعين زائغة وبداخلها تحمد ربها بأنها تمكنت من الهرب منه!

ثم جلست مجدداً، وهو يقسم بداخله أن هناك شيئاً ليس بطبيعياً بها، وحتماً سمعت شيء ويجعلها متوترة هكذا. لم يشغل تفكيره كثيراً الآن بهذا الأمر حتى لا يزعجها أكثر، وأكملا عملهم برسمية شديدة كالعادة. وبعد انتهائهم، هي رحلت أولاً وتركته يفكر ويفكر.. ليس بما حدث اليوم فقط، بل بكيف سيفاتح "زين" بأمر الزواج وماذا سيفعل. وهل ستوافق وتقبل به أم سترفض كأي امرأة بمحلها! *** التقطت من كف خالتها كوب العصير وارتشفت منه بهدوء،

ليأتيها صوت خالتها الغاضب: _هو لعب عيال يعني إيه يطلقك ويردك؟ يسر بخفوت: _خالتي أنا مبقتش قادرة أعيش مع حسن، أو بالأحرى معنديش استعداد إني آجي على نفسي عشان خاطره تاني أو أغامر باللي باقيلي من كرامتي. وهو ميستهلش أساساً. قالت الخالة في ضجر: _ولما هو ميستاهلش بتقوليلي إنك هتقعدي معاه دلوقتي ليه؟ هيمن عليها الصمت للحظات وهي تبحث عن إجابة تقنع بها نفسها قبل محاولتها لإقناع خالتها. بلا جدوى! أجلفت نظرها أرضاً

وهي تقول بأسى: _مش عارفة. _لو بس تريحيني يا بنتي وتفهمني إيه اللي حصل بينكم. تنهدت طويلاً وقالت بنبرة بائسة: _مش هتفرق سواء حكيت أو لا يا خالتي.. أنا بس هشوف آخرتها معاه. وافقت أقعد معاه الفترة دي بس لغاية ما نتطلق. ملست على كفها بحنو هامسة في نظرات حانية: _ربنا يصلح حالكم يا بنتي.. أكيد ما يرضناش أنا وأبوكي وأمك نشوفك مطلقة. وطالما انتي عايزة تقعدي معاه وتديله فرصة تاني براحتك. تشدقت يسر بحدة وغيظ:

_لا أنا مقلتش هديله فرصة. ومستحيل اديله فرصة، قرار الطلاق قرار نهائي بنسبالي. ليه اديله فرصة تاني عديم الإحساس والغبي ده؟ أساساً هو ميستهلش الحب اللي حبتهوله واللي عملته عشانه. ضحكت خالتها بخفة على نقمها منه وطريقتها العدوانية وهي تتحدث عنه. ثم هبت واقفة وقالت وهي تتجه ناحية المطبخ: _طيب تعالي هوريكي كام حاجة عملتها. استقامت ولحقت بخالتها. وتتمتم لنفسها مستنكرة باستياء: "اديله فرصة!

هو أنا عبيطة عشان اسمحله تاني يستغل حبي ليه؟ " سمعت صوت خالتها وهي تصيح منادية عليها أن تأتي، فاسرعت في سيرها تجاه المطبخ. *** في المساء......... كان يجلس أمام المسبح وينزل قدميه في الماء. ينحني بظهره للخلف مستنداً على كفوفه الموضوعة على العشب القصير وعيناه معلقة على السماء يتابعها بشرود. فخرجت هي من المنزل وكانت ترتدي منامة قطنية قصيرة وضيقة تصل إلى فخذيها. اقتربت منه حتى جلست بجواره وانزلت هي الأخرى قدميها

في الماء متمتمة في رقة: _سرحان في إيه؟ لم ينزل نظره عن السماء حيث أجابها بهدوء تام ونبرة جادة: _فيكي. ضيقت عيناها ومن ثم رسمت ابتسامة عريضة على شفتيها لتجيبه بفضول: _بتفكر في إيه فيا بقى؟

لم تجد منه رد وكان ساكناً كما هو لا يتحرك. فلوت فمها بيأس وفهمت أنه لا يزال مهموماً. بالرغم من أنها لا تعرف سبب ضيقه إلا أنها لم تضغط عليه وفضلت تركه على راحته حتى يشعر بنفسه مستعداً لكي يسرد لها ما يغضبه. ولحين هذا الوقت بالتأكيد لن تتركه مهموماً هكذا. ابتسمت بخبث ثم لفت ذراعها حول ظهره من الخلف متصنعة معانقته وبحركة غدر منها لم يكن متوقعها.. ألقت به في الماء فالتقط أنفاسه بعد أن أخرج رأسه من أسفل الماء ومسح على وجهه يزيح الماء عنه ويرجع خصلات شعره للخلف. استقرت منه نظرة نارية عليها بالأخص بعدما

رآها تضحك وتقول بشماتة: _أيوة الميا حلوة وهتخليك تفك بدل ما أنت قالب وشك من الصبح في وشي وكأني أنا اللي مزعلاك. ثم انحنت للأسفل تضع يدها في الماء وترشها عليه وهي تضحك قائلة بمشاكسة: _اضحك اضحك! كانت نظراته لها مغتاظة فمد يده من أسفل الماء وجذبها من قدمها لتسقط معه فيسمع أنينها وهي تهتف: _اوووف الميا ساقعة أوي. نكزته في كتفه بقوة مغتاظة وهي تهدر: _طلعني طلعني بردانة. تمتم بلؤم مبتسماً: _اضحكي يلا مش الميا حلوة.

احتكت أسنانه ببعضهم وعادت تلكمه في كتفه من جديد وهي تصيح: _أنا غلطانة إني عايزة أفرّحك. أخيراً ضحك بصوت مرتفع ولف ذراعه حول خصرها يجذبها إليه ويبعد خصلات شعرها المبتلة عن وجهها وعيناها متمتماً في عشق وهو يلتصق بجبهته على جبهتها: _بحبك. تلاشى غضبها في لحظة ولاحت بشائر الابتسامة الواسعة على شفتيه وهمست بعاطفة جيّاشة: _وأنا كمان.

أغار عليها يدفن وجهه بين ثنايا رقبتها يلثمه بقبلات متفرقة، فاطلقت هي ضحكات متتالية ومرتفعة محاولة إبعاده وهي تهتف من بين ضحكاتها: _بس يا زين دقنك بتزغزغ والله. سمعت همسه الماكر مع ابتسامته الواسعة وغمزة عيناه: _دقني؟ أمسكها من خصرها ورفعها لأعلى لتجلس على حافة المسبح وخرج هو خلفها، ثم انحنى إليها وحملها متجهاً بها للداخل، فقالت هي بترقب لسماع الإجابة وبأعين زائغة: _في إيه؟

_في كل خير يا حبيبتي.. مش انتي اللي كنتي عايزة تفرفشيني. مالت برأسها للخلف وهي تضحك بعدم حيلة حين فهمت بأن هي من أيقظته من خموده وستتحمل النتائج. سار بها حتى وصلا للغرفة ودخلا لتبدأ ليلتهم الرومانسية! ***

ترجلت من السيارة أمام منزل مكون من طابقين أشبه بمنزل خالتها بالضبط. راته يتحرك باتجاه الباب الحديدي فسارت خلفه بخطوات ثابتة ووقفت تنتظره يخرج المفاتيح ليدخلها في القفل ويفتح الباب. سبقها هو أولاً بالدخول ثم لحقت به وأغلق الباب الحديدي من جديد. فرأت بمجرد دخولها باب شقة عريض من اللون البني وعلى الجانب سلم يرتفع للطابق الثاني والشقة الثانية. لفت رأسها ناحيته وقالت بقوة: _انت هتقعد هنا صح؟

هز رأسه بالإيجاب، وواضح عليه علامات الخنق من ذلك الوضع ولكنه مضطر حتى يستطيع إصلاح علاقتهما تدريجياً وليثبت لها ندمه الحقيقي. صعد الدرج متجهًا للطابق الثاني وهو يقول بصلابة: _تعالي عشان أوريكي الشقة اللي فوق.

صعدت الدرج خلفه حتى وصلا أمام باب الشقة الثانية، فأخرج المفتاح ووضعه في القفل لينفتح الباب وتدخل هي أولاً هذه المرة ثم هو. ترك الباب مفتوحاً ولحق بها وهي تتجول في أنحاء الشقة المكونة من غرفتين وحمام متوسط مع مطبخ كبير نسبياً. وقفت في منتصف المنزل وقالت بحزم: _تمام يبقى من بكرة إن شاء الله هتبدأ في الإجراءات ومتنساش اتفاقنا.

حدقها بصمت للحظات طويلة يدقق النظر في عيناها بحثاً عن أي نور يبعث الأمل في نفسه بأنها لا تزال تحمل له الحب في أعماقها. لكنه لم يرى سوى جمود مشاعر ونظرات جافة، فغمغم بأسى: _أنا مش وحش يا يسر. أنا يمكن أكون أناني وعندي عيوب كتير وإنتي مشوفتيش غير عيوبي، مشوفتيش غير حسن القاسي والمغرور والأناني. وأنا عايزك تديني فرصة عشان أخليكي تشوفي حسن مختلف تماماً عن اللي تعرفيه، واحد إنتي متعرفيهوش ومحدش أصلاً يعرفه.

رمقته بعينان عاجزة ومنكسرة لتجيبه هذه المرة برزانة وهدوء: _كل اللي حصل بينا غلطة بداية من جوازنا وحتى الآن. احنا منفعتش لبعض، أنا كنت باجي على نفسي عشان خاطرك وبقول هيتعدل وصبرت على معاملتك بس ملقتش منك فايدة. فمتقولش دلوقتي إنك عايز ترجعني وإنك هتكون شخص مختلف. اللي شوفته منك كفاية أوي وكافي إنه يخليني ما أثقش فيك أبداً. بالمختصر المفيد، أنا بقيت بكرهك يا حسن.

استفزته جملتها الأخيرة وهيجت عواصفه، حيث حاوطها من ذراعيها وهو يهزها ويثبت عيناه على عيناها هاتفاً باصرار: _متقوليش إنك بتكرهيني، مستحيل أصدق. قوليها وإنتي بتبصي في عيني.. قولي بكرهك! أطالت النظر في عيناه بسكون. أثرتها نظراته وعيناه وأحست بأنها ستعانقه بدلًا من أن تقل له أكرهك. ولو انتظرت للحظة أخرى لخرت بين ذراعيه مستسلمة لشوقها له. فانقذت نفسها ودفعته بعيداً عنها بعنف صارخة في انفعال هادر وتحذير لا يحمل التهاون:

_قولتلك مليون مرة متلمسنيش. إياك تقرب مني وإيدك دي لو لمستني تاني يا حسن هقطعالك.. اطلع برا وامشي يلا. لم تقلها، فشلت والسبب لا يحتاج لشرح. فهي لم تتمكن من نزعه من قلبها. ما زالت مشاعرها حية وقلبها ينبض كلما تراه. فقط كل ما في الأمر أنها رائعة في القسوة وتصنّع الكره والبغض. تنجح في إظهار مشاعر النقم بمهارة وتتمكن من التحكم في زمام عواطفها بإتقان! وجدها تدفعه بعصبية صائحة: _بقولك امشي.

لملم شتات قلبه الممزق واستدار مغادراً الشقة بأكملها، فاسرعت هي خلفه وأغلقت الباب بالمفتاح ثم جثت على الأرض وانفجرت باكية بعنف ثم وضعت كفها على بطنها وتمتمت بصوت مبحوح محدثة طفلها: _ميستهلش أديه فرص. ميستهلش يعرف بوجودك حتى.. كسرني وودمرني وكان عايز يقتل ابنه. ومنتظر مني دلوقتي أصدق ندمه وإنه اتغير!

وصل أمام باب شقته وفتح الباب ثم دخل وأغلقه خلفه متجهًا إلى الغرفة بوجه بائس وحزين، لكن سمع صوت رنين الهاتف. أمسك به وأجاب بعد أن رأى أنه رقم مصري. "الو." أتاه صوت طاهر الحازم وهو يهتف باستياء: "بتعمل إيه في أمريكا يا حسن؟ "أنا آسف يا عمي، عارف إني كان لازم أقولك بس... قاطعه طاهر وهو يصرخ بصوت جهوري: "بس إيه؟ هو لعب عيال عشان تطلق وقت ما تحب وترد وقت ما تحب؟ تنهد حسن بعبوس وتمتم بنبرة صادقة وبها بحة:

"غلطت لما طلقتها وندمت ندم عمري. مقدرتش أستحمل بعدها عني يا عمي، والله وحشتني أوي ومكنتش هقدر أكمل الإجراءات. ولما عرفت إنها سافرت مع راسل اتجننت وسافرت وراها على طول ورديتها." صمت لثلاث ثوانٍ ثم استرسل حديثه باعتراف لأول مرة يعترف به: "أنا بحب مراتي يا عمي ومش عايزها تبعد عني." يستطيع القول بأن عاصفة عمه الهائجة قد هدأت قليلًا وأكمل بغضب لكن أقل: "ومفكرتش في ده ليه قبل ما توصل الحال بينكم للوضع ده؟

أنا كنت شايف حالة بنتي إزاي كانت متدمرة ومستحيل اسمحلك توصلها للحال ده تاني." قال مسرعًا في صدق وهو يقطع الوعود: "لا صدقني مستحيل أزعلها وأكسرها تاني. أنا أساسًا جيت عشان أخليها تسامحني ومش هنرجع مصر إلا وكل حاجة بينا رجعت زي الأول. أنا عايزك بس تسمحلي وتصدقني، أنا المرة دي بجد عرفت قيمتها كويس ولا يمكن أخسرها تاني. وعد مني يا عمي مش هزعلها أبدًا." لم يجد إجابة من عمه للحظات، حتى هتف بقبول بعد أن أحس بأنه صادق حقًا:

"ماشي يا حسن. بس لو حصل واتكرر وبنتي جاتلي زي المرة اللي فاتت مش هيهمني، وأنا بنفسي اللي هاخدك على المأذون وهننهي كل حاجة في وقتها." "اطمن، مش هيتكرر تاني." "لو يسر جمبك اديني أكلمها." "لا مش جمبي. الصبح هتصل بيك وأخليك تكلمها. أنا أساسًا كنت بتكلم معاها وبحاول معاها بس هي رافضة تديني فرصة حتى، فسبتها ومشيت لما اتعصبت." هتف طاهر بحكمة وهدوء: "لو إنت بتحبها بجد يبقى اثبتلها ده بالأفعال مش بالكلام."

ثم أنهى الاتصال. أنزل حسن الهاتف من على أذنه وتطلع إلى شاشته بتفكير فيما قاله عمه بالآخير. *** وصل إلى المنزل. ترجل من سيارته وقاد خطواته باتجاه الباب. فتحه بهدوء ودخل لينزع عنه حذائه بجانب الباب ويضعه في الرفوف الصغيرة المصنوعة من الخشب (جزامة) . كالعادة سكون تام في المنزل، فهتف وهو يسير ناحية الغرفة: "شفق!

لم يجد إجابة منها. واصل سيره حتى وصل للغرفة وفتح الباب ببطء وأدخل جزءًا من رأسه ينظر لها. فرآها تجلس على الأريكة الصغيرة وترفع قدميها بجانبها ومستندة برأسها على ذراع الأريكة ونائمة. دخل بجسده كله وأغلق الباب بحرص شديد واقترب منها وهو يطالعها مبتسمًا بإعجاب. فقد ارتدت الرداء الذي قام بشرائه لها وتجهزت لعودته، ولكنها لم تتمكن من مقاومة النوم حين تأخر فغلبها ونامت. جلس القرفصاء أمامها وقد ارتفع الرداء قليلًا حتى أظهر عن نصف قدمها. شعرها المائل للكستنائي والناعم يغطي نصف وجهها. تمتلك ملامح طفولية بريئة ووجهًا صغيرًا ورائعًا. لديها شفاه صغيرة وردية مثيرة. مع عينين واسعتين بعض الشيء وبشرة نقية وناعمة. هي حقًا كالملاك.

قرر أن يهدم ذلك الحاجز الذي يصنعه هو بينهم. تمكنت من السيطرة عليه في فترة قصيرة وأصبح شبه متأكد من مشاعره تجاهها وما يؤكد له هذا رغبته الدائمة بها. انجذابه لرقتها وجمالها وفي كل مرة ينجح بصعوبة في السيطرة على رغباته. وفشل في ليلة عيد ميلاده وكالمغيب الذي لا يشعر بشيء فعلها. وليكون أكثر وضوحًا، تلك القبلة أيقظت فطرته الرجولية وأصبح لا يكتفي بمجرد قبلة. ولذلك أرسل لها ذلك الرداء حتى يشهد على بداية حياتهم واعترافه.

مد أنامله يبعد خصلات شعرها بلطف ففتحت هي عيناها واعتدلت حتى جلست وقالت وهي تفرك عينيها بخجل: "أنا آسفة. استنيتك كتير ومقدرتش أقوم والله." انتصب ووقف ثم جلس بجوارها وتمتم بحنو ونظرات ساحرة: "بتتأسفي على إيه؟ أنا اللي المفروض أتأسف لإني اتأخرت عليكي وأنا اللي قايلك البسي الفستان واستنيني." "أنا مش عارفة نمت إزاي. مكنش عليا النوم خالص."

رأته يمعن النظر بها بابتسامة ونظرات تراها لأول مرة. ورغم أن نظراته وابتسامته التي تسحرها جميلة، إلا أنها أربكتها وأخجلتها فقررت التخلص من هذا الوضع. وثبت واقفة وأرجعت خصلات شعرها خلف أذنها وتدور حول نفسها في حركة دائرية وهي تتمايل يمينًا ويسارًا هاتفة بسعادة وفرحة طفولية: "عجبني أوي الفستان وشكله حلو جدًا عليا مش كده؟

تأملها وهي تتمايل كالفراشة وقد زادت الابتسامة العاشقة اتساعًا على شفتيه. كأن الرداء صُنع خصيصًا لها. جمالها ليس طبيعيًا بل ساحر ومثير وجذاب. ولم تكتفِ بجمال الفستان عليها، بل تركت العنان لشعرها الرائع ليتطاير معها وهي تتمايل فيجننه أكثر. تجمدت بأرضها حين رأت نظراته وقد تفاقم خجلها ضعفين، فأرجعت ذراعيها للخلف تفرك بأناملها في استحياء وتوتر ملحوظ مع عينين مضطربتين. ضحك بخفة بعدما رأى توترها ووقف يقترب منها ويلف ذراعه حول خصرها هامسًا في هيام

ونظرة تأثر أقوى النساء: "شكله مش حلو بس. لا ده يسرق العقل هو واللي لابساه." طرق قلبها كالمطرقة وانعقد لسانها. فابتلعت ريقها بصعوبة وأحست بارتخاء أعصابها ولو استسلمت لسقطت بين ذراعيه فاقدة الوعي. ولكنها تمالكت نفسها وحاولت عدم إظهار تأثرها وخجلها حيث سألت بنبرة عادية مزيفة: "إنت اشمعنى اخترت اللون ده؟ "شوفتك قبل كده لابساه وعجبني أوي عليكي." سكتت تفكر وتستعيد ألوان وأشكال ملابسها ثم تجيبه باستغراب:

"بس أنا معيش اللون ده في هدومي خالص!! استقرت في عيناه نظرة لئيمة وهمس بنبرة تحمل معاني ليست بريئة: "معاكي." ضيقت عيناها بفضول حقيقي وقالت بحيرة ورغبة في معرفة الذي يقصده: "إيه هو؟ انحنى لمستواها قليلًا وهمس في أذنها بشيء جعلها تفغر فمها وعيناها بذهول ويتحول وجهها كله لبندورة حمراء وليس وجنتيها فقط. رجع برأسه للخلف وأجابها ضاحكًا يتصنع البراءة بعدما رأى تأثير ما قاله عليها:

"متفهمنيش غلط، أنا شفته بالصدفة مكنتش أقصد يعني." لا تزال على حالتها تطالعه بدهشة وحياء حتى سمعها تقول أخيرًا مصدومة: "كرم إنت طلعت منحط!!!! زم شفتيه بضحك يتصنع الحزن والأسف وهو يغمغم بإيجاز: "مع الأسف." رغم خجلها أحست بأن ابتسامتها ستنطلق على طريقته وهو يجيبها بأسف مزيف ويمثل البراءة أمامها. فاستدارت فورًا وفرت هاربة للحمام تختبئ به من وضعها المحرج. وكلما تتذكر همسه في أذنها تندهش أكثر ويتضاعف استحياؤها. ***

فتحت هدى الباب ودخلت وسارت ناحية فراش ابنتها التي كانت جالسة وتتصفح هاتفها الذكي اللمس. جلست بجانبها وقالت في صوت منخفض: "بتي يا رفيف." أجابتها دون أن تنظر لها: "نعم يا ماما." "إنتي كنتي قاعدة مع حسن قبل ما يسافر، ما قالكيش هو رايح أمريكا ليه؟ تركت هاتفها وابتسمت باستمتاع عندما اتخذ الحديث هذا المجرى. نظرت لأمها وقالت بخبث: "إنتي تتوقعي سافر ليه؟ "ليه؟ سألت هدى بكامل العفوية وعدم الفهم لتهتف رفيف بجدية:

"يا دودو ركزي. يسر سافرت يبقى هو هيكون سافر ليه؟ تهللت أساريرها واشرق وجهها بسعادة غامرة مردفة: "قصدك إنه راح وراها يعني؟ "آه، واسمعي الكبيرة كمان. أنا كنت بتكلم معاه وبقوله يسر سافرت مع راسل وهو أول ما سمع اسم راسل وشه جاب ألوان الطيف واتحول ولقيته بيقولي إنه هيسافر وراها والغيرة كانت بتاكل فيه أكل كدا. يعني كمان مش بعيد يكون ردها." انفرجت شفتيها وكادت أن تشق الابتسامة طريقها لأذنيها. ثم رفعت كفيها للسماء

هاتفة وهي تدعي بفرحة: "يا رب يكون ردها. ربنا يهديك يا ابني ويصلح حالك إنت ومراتك. ده أنا النهاردة هنام وأنا مرتاحة ومبسوطة بسبب الخبر ده." رتبت رفيف على صدرها وهي تقول بفخر: "البركة فيا طبعًا." هتفت هدى بانشكاح وحنو: "أيوة وعشان كده ليكي عندي صينية كيكة من اللي بتحبيها بكرة، إنما إيه هتاكلي صوابعك وراها." مطت شفتيها باحتجاج وهي تقول متذمرة: "إيه يا ماما، هي أي هدية عندك أكل؟

أنا عايزة حاجة حلوة، فلوس مثلًا أو هدية تشتريهالي." رتبت هدى على كتف ابنتها وهي تقول بابتسامة مزيفة: "لا يا حبيبتي الفلوس مضرة بالصحة. الأكل مفيد وأهو تتخني شوية بدل ما إنتي شبه عود القصب كده." "ماما مش عايزة منك حاجة خلاص، شكرًا جدًا!! قالتها بخنق بعدما شبهتها بعود القصب لتنفجر هدى ضاحكة وتهب واقفة متمتمة وهي تتجه لخارج الغرفة: "هعملها لكِ برضه!! *** داخل منزل طاهر العمايري.

الجميع مجتمع حول مائدة الطعام ويتناولون عشائهم في هدوء قاتل لا يصدر صوت أي منهم. حتى خرج صوت علاء أخيرًا وهو يسأل بخشونة: "كلمت حسن يا بابا؟ "أيوة كلمته وقالي إنه مش عايز يخسر يسر وردها عشان يحاول يصلح علاقتهم." عاد يسأل بملامح جامدة: "ويسر إيه رد فعلها؟ "هكلمها بكرة الصبح وأشوف."

"مع إني مش عاجبني الوضع ده من ساعة ما سابت بيتها وجات هنا وبحاول أتجنب حسن على قد ما أقدر عشان متحصلش مشكلة بينا. بس أهو خلينا نشوف آخر العناد والغباء اللي هما فيه هيوصل لفين." تحدثت الأم أخيرًا بنبرة حادة: "أنا مش هسمح لحسن يكسر بنتي ويزعلها تاني عشان يكون في علمكم. وأنا بنفسي هكلم بنتي الصبح ولو حسيت إنها مضايقها أو نبرة صوتها مش طبيعية مش هسكت." هتف طاهر بنبرة رجولية قوية:

"بنتك وحسن لسه شباب صغيرين وطبيعي تحصل مشاكل بينهم كده." أنا اللي خلاني وافقت ومشيت ورا كلام بنتي لما شوفتها إزاي مش عايزة تكمل ومتدمرة. لكن لو عليا أكيد مش هكون حابب أن الأمور بينهم توصل للوضع ده. وطالما هو متمسك بيها بالشكل ده خلاص نسيبهم يحلوا اللي بينهم مع بعض. وادعيلهم ربنا يهديهم. أجابت شبه مستنكرة باحتجاج: _آه خليك إنت في صف ابن اخوك كدا دايمًا كأنه ملاك مبيغلطش!

تأفف بصوت مسموع ونفاذ صبر، ولم يعيرها اهتمام كثيرًا حيث تجاهل ما قالته وغير مجرى الحديث عندما نظر لميار وقال بصوت أجش: _أنا قدمتلك في الجامعة اللي في القاهرة هنا عشان تكملي السنة اللي فاضلة ليكي. وأظن كدا موضوع المانيا ده ميتفتحش تاني أبدًا ياميار.

مجبرة ومضطرة على الخنوع لأوامر عمها، فليس أمامها سبيل غير الإذعان سواء له أو لزوجها. اطرقت رأسها أرضًا وأماءت بخفة في موافقة. بينما علاء فنقل نظره بين أبيه وبينها في أعين ملتهبة بشرارات الغضب وهدر بهدوء ما قبل العاصفة: _إنت قدمتلها من غير ماتقولي يابابا!! تشدق طاهر بثبات ونبرة صلبة: _أيوة قدمتلها عشان تكمل وتاخد شهادتها. أكيد مش هنعاقبها على الغلط اللي عملته بدراستها يعني. رمقها علاء بنظرة دبت الرعب في أوصالها

ثم هتف بلهجة صارمة وساخطة: _بس أنا مش موافق ومش هتكمل. تبادلوا جميعهم نظرات الاستغراب باستثناء ميار التي اعتاظت بشدة وهمت بأن تجيب عليه ولكن رأت عمها يرفع كفه يطلب منها عدم الحديث فسكتت. ليتحدث طاهر بنظرة حازمة: _وأنا اللي قولت هتكمل ولا إنت هتكسر كلمتي بقى يا أستاذ. هدأت نبرة علاء قليلًا احترامًا لوالده وقال بنبرة مهذبة واصرار على قراره: _لا مش بكسر كلمتك يابابا ولا حاجة. بس أنا مش عايزها ترجع الجامعة تاني.

استشاطت بشدة من تحكمه في مستقبلها دون أن يأخذ رأيها حتى. فهدرت ساخطة شبه منفعلة: _أنا دراستي أهم حاجة عندي ومستحيل مكملش. هنا انفجر البركان حيث صرخ بصوته الجهوري وهو يضرب بكفه على سطح المائدة وعيناه حمراء كالدم: _وأنا قولت مش هتكملي. أنا إيه ضمني تعملي إيه في الكلية ولا تتعرفي على مين. طول ما إنتي على ذمتي مش هتطلعي من البيت. كفاية الفضيحة اللي داريتها عليكي. لما اطلقك يبقى وقتها اعملي اللي تعمليه مـ.....

صاح طاهر منفعلًا وبنبرة عالية: _عـــــــــلاء. سكت تمامًا بعد صيحة أبيه وهو يزفر النيران من بين شفتيه. أما هي فطالعته بأعين دامعة تحمل الخزي. بالرغم من كل ماسردته له حول حياتها كيف وماحدث معها بالضبط واوضحت له أنها لم تفعل شيء بإرادتها بل ومن المستحيل أن تفعل شيء كهذا من الأساس. لم يصدقها ومازال يتهمها بالفسق وأنها قد تفعل أي شيء مخل. كل ما قالته له لم يثمر ذرة واحدة من الثقة بينهم.

رجعت بالمقعد للخلف وهبت واقفة لتهرول راكضة إلى غرفتها بالأعلى. بينما طاهر فوقف هو الآخر والقى نظرة غاصبة على ابنه يهتف بلهجة آمرة لا تقبل النقاش: _طيب احترم وجودي يابشمهندس حتى ولا كبرت علينا خلاص عشان تتكلم بالطريقة دي قدامي. ولعلمك أنا مكنتش باخد رأيك أصلًا في موضوع الجامعة وكلامي كان واضح لما قولت قدمتلها وهتكمل. يعني سواء وافقت أو رفضت. فاللي قولته هيتنفذ ياعلاء.

ثم استدرات واتجه لمكتبه لتهم الأم بمحادثة أبنها وتهدئتها قليلًا ولكنه هو أيضًا استقام وانصرف مغادرًا المنزل كله. لتلتفت هي حولها الثلاثة كل منهم ذهب في جهة وبقيت هي بمفردها على المائدة. ولكن هل هناك شهية للطعام بعد كل ماحدث. بدأت في توضيب المائدة ووجهها تمكن منه العبوس. *** خرجت من الغرفة واتجهت إليه حيث كان جالسًا على الأريكة بالصالون. بمجرد ما أن رآها قال باسمًا: _تعالى.

فرد ذراعه يحثها على الانضمام إليه لتطيل النظر بسكون دون أن تتحرك والخجل يستحوذها كليًا. فيتنهد شبه ضاحكًا ويعتدل قليلًا في جلسته ويجذبها من ذراعها لترتمي بين ذراعيه ويقول مشاكسًا: _مالك مكسوفة مني أوي كدا ليه؟ انزوت نظرها عنه باستحياء وتمتمت بنبرة تحمل الاستنكار: _المفروض متكسفش مثلًا بعد اللي قولته من شوية! قرب وجهه منها وحرك انفه على وجنتها يداعبها ويهمس بنفس نبرة المكر التي سمعتها منه منذ دقائق:

_أنا برأى وفري الكسوف ده للمراحل الجاية. يصدمها كلما يتحدث. فهذا لا يمكن أن يكون "كرم" الذي تعرفه حق المعرفة. أين حيائه وأخلاقه. صدمها من قبل عندما رأت جانبه المخيف والآن يصدمها الضعفين وهي ترى بشائر انحرافه معها! ابتعدت بعض الشيء عنه وقالت منذهلة بنظرات بريئة: _أنا اللي المفروض اسألك مالك ياكرم! لتكون شارب حاجة؟ قهقه بخفة وعاد يجذبها إليه مجددًا ويكمل ولكن هذه المرة بنبرة جادة بعض الشيء: _تعالي هحكيلك مالي.

سكنت وانتظرته حتى يبدأ في الكلام فسمعته يهتف في البداية بجمل غامضة لم تفهم منها شيء! _الأرض الزراعية لم صاحبها بيهملها بتجف وبتبقى صحراء. زيها زي لما تكوني مهتمة بوردة ويجي حد ينتف منها جزء بتدبل وبتموت. عشان أكون اوضح بظبط زي شخص مريض بائس وجروحه ملهاش علاج والدكاترة كلهم تنبأوا بموته القريب. وفجأة القدر يبعتله العلاج. عارفة إيه هو؟ رأى في عيناها التساؤلات وعدم الفهم فاسترسل في حديثه بعاطفة ونظرات متأثرة وحزينة:

_إنتي العلاج ياشفق. واروى هي الأرض الزراعية اللي بغبائي اهملتها وهي الوردة اللي محافظتش عليها وأنا الشخص المريض البائس. وإنتي كنتي علاج لجروحي. قدرتي تضمدي جروحي في فترة صغيرة جدًا. أنا يمكن مكنتش ببين لحد أوي بس صدقيني أنا مكنتش كدا أبدًا قبل ما اتجوزك. كنت بظهر القوة قدام الكل وإني ثابت وخلاص نسيت بس في الحقيقة موت اروى كان بيقتلني بالبطيء. شوقي ليها والنار اللي جوايا كل ما افتكر شكلها واللي حصلها كانوا مخليين

حياتي عذاب. لغاية ما ظهرتي إنتي معرفش عملتي فيا إيه وإزاي في فترة قليلة كدا قدرتي تغيري كله ده فيا وتسترجعي ذاتي اللي كنت متوقع إن خلاص مستحيل أكون كرم اللي كان قبل مايموت أبوه وأروى. كنتي كل مرة بتلمسيني فيها بتصحى حاجة مختلفة جوايا وأنا كنت بتجاهل وبعمل نفسي عبيط لما بتأثر بيكي وبقول عادي. أنا فعلًا بطبيعتي شخص خجول وبحرج جدًا. مفكرتيش أنا ليه كنت بتوتر كل ما تقربي مني مع إني مكنتش كدا مع اروى والدليل إنك لو شفتي

صورى معاها بعد ماكتبنا الكتاب هتلاقيني بتصرف بطبيعية جدًا من غير أي خجل. والسبب إني معاكي كنت مدرك تأثيرك عليا وإنك بتلمسي حجات جوايا خاصة جدًا فكنت بتوتر منك جدًا. بس بعدين سبت نفسي وحاولت اتصرف معاكي على طبيعيتي بدون حواجز أو توتر واكتشفت قد إيه إنتي غالية عليا وإني بحبك جدًا.

رغم كل ما سرده لها وكيف كانت سعيدة وهي يتحدث هكذا عنها وكانت تطالعه بأعين تطلق شرارات العشق والحب. ولكن عند آخر جملة قالها كطفلة صغيرة وساذجة عبست وقالت ساخرة: _آه ما أنا عارفة بتحبني زي اختك!! اطلق ضحكة مرتفعة وأجابها مندهشًا يسخر منها حقًا: _بلاش هبل متضحكيش الناس عليكي. هو في حد بيحب مراته زي اخته ياعبيطة؟ وبعدين أمال أنا كنت بحكي في إيه ده كله وبقول تأثر ولمس وحجات كدا وإنتي تقوليلي اختك!!!!

لمعت عيناها بوميض مختلف وأشرق وجهها بسعادة غامرة. لتقول بعدم استيعاب واستحياء بسيط امتزج بفرحتها العفوية: _يعني قصدك بتحبني زي ما أنا بحبك!! هز بحاجبيه وقال باسمًا وبمشاكسة: _وأكتر كمان. ضمت شفتيها تخفي ابتسامتها الخجلة ثم تكمل بدلال غير مقصود: _لا أنا أكتر! اقترب منها بحميمية شديدة وقال غامزًا بلؤم: _طيب ماتيجي نحكم ونشوف مين الأكتر.

ارتبكت وارتفع اللون الأحمر لوجنتيها ليقطع لحظاتهم الأولى رنين هاتفه الموضوع على سطح الطاولة الصغيرة بجانبهم. فثبتت هي نظرها على شاشته تقرأ الاسم وقالت مسرعة في خفوت لتتهرب من محاصرته لها: _سعيد بيتصل ياكرم (الحارس) التفت برأسه ناحية الهاتف وعقد حاجبه من اتصاله ثم التقطه يجيب عليه بخشونة: _أيوة ياسعيد في إيه؟ _كرم بيه في اتنين مصممين يدخلوا الڤيلا وواحد منهم بيقول أنه عم شفق هانم والتاني ابنه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...