وصل أخيرًا إلى المنزل وصعد الدرج ركضًا حتى وصل إلى الباب ودخل فورًا عندما وجده مفتوحًا. رأى الظابط يجلس على المقعد في الصالون، وبمجرد رؤيته لكرم، هب واقفًا وهو يقول بتعجب: "إنت مين؟ اقترب منه كرم وقال بتلهف ووجهه فرت منه الدماء: "أنا كرم العمايري، صديق سيف المقرب. قولي حصل إزاي ده ياحضرة الظابط؟ تنهد الضابط بحزن وشجن وقال بأسف:
"كانت في لحظة اشتباك قواتنا مع العدو، وسيف الله يرحمه اتصاب. والإصابة كانت خطيرة لدرجة إنه اتوفى في لحظتها فورًا. سيادة الرائد سيف كان حقيقي مثال للبطل، وكلنا في حالة صعبة من ساعة ما وصل لينا خبر وفاته. أنا من أصدقائه المقربين في الشغل، ومن وقت ما وصل ليا الخبر وأنا مش مصدق." أثارته كلمة "الله يرحمه"، فهو لا يزال يحاول تقبل وفاته. مسح على وجهه وهو يحبس دموعه التي على أتم الاستعداد للسقوط، وأشاح بوجهه للجهة
الأخرى وهو يردد آية واحدة: "والذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون.. إنا لله وإنا إليه راجعون." لملم أشلاء قلبه الممزقة واستعاد رباطة جأشه وقال بثبات مزيف: "طيب هي فين؟ قبل أن يكمل جملته، قاطعه وقال الآخر: "طلبت الدكتور وجالها، هي جوا من بنتها." أجابه كرم وهو يتصنع الظهور بطبيعية: "تمام، شكرًا ياحضرة الظابط. لو في أي حاجة هتصل بحضرتك أكيد." "تمام، البقاء لله وربنا يصبركم."
أماء له بتفهم وانتظر رحيله، ثم توجه نحو أحد الغرف وانتظر أمام الباب خروج الطبيب. وعند خروجه، هرول إليه وقال بتلهف حقيقي: "خير يادكتور، طمني عليها؟ "إنت ابنها؟ قال بدون تردد في قلق: "أيوه." "طيب، هي عندها انهيار عصبي وأنا ادتها حقنة عشان تهديها، وياريت تحاول تهديها عشان ضغطها ميعدش وتتعب أكتر لقدر الله. والبقاء لله، ربنا يصبركم." "سبحان من له الدوام."
ثم هم بإخراج النقود حق كشفه، فأخبره بأن الضابط دفع حقه قبل أن يأتي. فشكره كرم ثم استأذن الطبيب ورحل. فاقترب هو من باب الغرفة وطرق على الباب بلطف، ففتحت له شفق التي كان وجهها عبارة عن دموع فقط، وعيناها غارقة في دموعها كالبحر وحمراء كالدم. تمتم في صوت ممزق ومبحوح: "البقاء لله يا آنسة شفق."
لم تجبه، فقط اكتفت بالبكاء العنيف. فلم يعرف ماذا يقول لها حتى. ولكن كيف له أن يخفف عن ألمها وهو يحتاج من يخفف عن ألمه أيضًا. ولكن يتوجب عليه الثبات والقوة في مثل هذه المواقف كما اعتاد دومًا أن يظهر نفسه قويًا. فغمغم في ابتسامة متألمة وعيناه شبه دامعة: "سيف شهيد، وهو دايمًا كان بيتمنى الشهادة وربنا ناولها ليه. العياط مش هيفيده، أدعيله ربنا يرحمه، هو في مكان أحسن منينا كلنا." رفعت نظرها له وقالت ببكاء عنيف وصوت متقطع:
"أنا وماما ملناش غير سيف، منقدرش نعيش من غيره. وماما ممكن يحصلها حاجة من زعلها عليه." "لا، إن شاء الله هتبقى كويسة. اطمني، بس إنتي حاولي تمسكي نفسك قدامها وتواسيها. الدكتور قال الزعل الشديد وحش عليها. أنا هستنى برا، وأول ما تفوق اندهي عليا." أماءت له بالموافقة، وبمجرد رحيله انفجرت باكية بشدة وهي لا تلفظ سوى اسم شقيقها. ثم جثت على الأرض ضامة ساقيها لصدرها وتكمل بكائها وحزنها على حبيب قلبها وأخيها. ***
داخل مقر شركة العمايري...
قادت خطواتها الواثقة والثابتة نحو المصعد الكهربائي وضغطت على زر الطابق الثالث. وبعد لحظات، فُتح الباب وخرجت وهي تعبر الطريق الطويلة المؤدية لمكتبه. وعند وصوله، لم تنتظر سماحه لها بالدخول، حيث فتحت الباب بقوة بسيطة ودخلت. فوجدت الغرفة كأنها ثلاجة، وتلقائيًا رفعت نظرها للمكيف الذي في السقف وأدركت أنه على أعلى درجة. وكان هو مسترخي على مقعده مغمض العينين، وقام بفتح أول أزار قميصه وسترته الجلدية ملقية على الأريكة الصغيرة في آخر المكتب.
فتح عينيه على أثر صوت إغلاق الباب، وعندما وقع نظره عليها، قست ملامحه واعتدل في جلسته هاتفًا بحدة: "إزاي تدخلي كدا؟ مش في حاجة اسمها باب؟ لم تظهر أي تأثر بنبرته وحدته، وعلى العكس تمامًا، ابتسمت ساخرة واقتربت من مكتبه الخشبي ذو اللون الأسود، ثم جلست على المقعد وقالت بنظرة شرسة: "لو فضلت بالوضع ده، صدقني هتندم أوي ياحسن." أطلق ضحكة رجولية متأججة وقال باستنكار: "عايزة إيه يايسر؟!
استقامت ونزلت بكامل قوة يدها على سطح المكتب، فاختفت ابتسامته فورًا وأظهر مكانها الدهشة. ولكن دهشته لم تدُم طويلًا وتحولت إلى ضجر، حيث سمعها تهتف بعنف وغضب هادر: "أنا كنت متوقعة إنك هتقول عني كلام وحش، بس توصل بيك الوقاحة إنك تفكر بالقذارة دي. إنت مشوفتش مني حاجة لسه ياحسن. وإياك تقارني بـ...
اللي بتقعد معاهم في الكباريهات. وقبل ما تتكلم، اعرف إنت بتتكلم عن مين يا أستاذ.. بس معلش، أصل واحد زيك هيعرف الشرف والرجولة منين.. تقريبًا عمي محمد الله يرحمه مجابش رجالة غير كرم وزين، لكن إنت أشك إنك تعرف حاجة عن معنى الكلمة دي أساسًا." أيقظت بركانه الخامد، وهي تهين رجولته أمامه بجراءة. رجولته التي تراها معدومة!
ولا تعلم أنها ارتكبت خطأ لا يُغفر عندما فكرت تهينه بهذه الطريقة. فقد أثارت عواصفه وهيجت أمواج غضبه العاتية. فلم تجد منه إلا أنه وثب واقفًا وقبض على ذراعها، صائحًا بها بأعين نارية: "متخلنيش أوريكي الوقاحة والقذارة بجد يايسر. احترمي نفسك!! دفعت يده بعيدًا عن يده صارخة به بسخط شديد:
"أبعد إيدك. إياك تلمسني فاهم. ياخي يلعن اليوم اللي حبيتك فيه. واعتبر اللي هقوله دلوقتي ده تهديد أو أي مسمى ميفرقش معايا. بس صدقني ياحسن، مش هتردد لحظة إني أقول لمرات عمي عن قذاراتك وأقولها إنت قولت عليا إيه لو فكرت بس تضايقني بالكلام، مجرد بالكلام." لاحت ابتسامة مستهزئة على جانب ثغره وقال وهو لا يزال الغضب يستحوذ عليه: "وأنا قولت إيه بقى عنك؟!
أخرجت هاتفها ثم بدأت تريه صوره مع تلك الفتاة الساقطة. وقد اتسعت عيناه بدهشة واستياء. وزادت الوضع سوءًا عندما قامت بتشغيل التسجيل الصوتي له، والذي كان يقول فيه بحقها أبشع الكلام. وعند انتهاء التسجيل، نظرت له غمغمت بنظرات شيطانية: "مفكرتش لو بابا سمع التسجيل ده هيعمل إيه؟ ولا علاء لما يعرف؟ وزين لما يشوف صورك دي؟
أو سيبك من ده كله، أنا عارفة إنه مش هيفرق معاك قد ما هيفرق مامتك اللي هي مريضة قلب. يعني لقدر الله لو سمعت التسجيل ده أو شافت الصور دي ممكن يحصلها حاجة." لحظة ذكرها لاسم أمه، غضبه منذ قليل لم يكن شيء أمام ماهو عليه الآن، لدرجة أنها انكمشت قليلًا بخوف بسيط عندما سمعت تهديده الصريح له:
"اقسم بالله يايسر لو أمي عرفت بحاجة، مش هخليكي تشوفي يوم عدل في حياتك. وأنا لغاية اللحظة دي عامل حساب إنك بنت عمي، فمتخلنيش استخدم معاكي القذارة فعلًا." استعادت شجاعتها مجددًا وضحكت بسخرية وهمست بتحدي: "وأنا مبتهددش ومحدش يعرف يهددني. وحط اللي هعمله فيك ده تحت شعار انتقامي من كل كلمة قولتها في حقي. وتحت أسلوبك القذر معايا. واعتبره قرصة ودن بس ياحسن بيه."
ثم استدارت وانصرفت وهي تشعر بالنشوة تعتريها، فقد نجحت فيما تريده وهو إثارة غضبه ورؤية الخوف في عيناه. وبالطبع هي ليست حقيرة بقدره لكي تخبر المرأة المريضة بحقيقة ابنها البشعة وتتسبب في قتلها. ولكنها ستستمتع باللعب على أوتاره حتى تشفي غليلها منه! *** فتحت هدى باب غرفته دون سابق إنذار، فوجدته ساكنًا في فراشه ويقرأ القرآن بصوت منخفض. فاندفعت نحوه كسهم وابتسامتها كادت تشق طريقها لأذنها. وعندما جلست أمامه على الفراش
هتفت بحماس وسعادة غامرة: "ملاذ وافقت يازين."
توقف عن القراءة تلقائيًا وهمس "صدق الله العظيم"، ثم رفع نظره لأمه يطالعها بجمود وهو لا يستطيع مقاومة مشاعر الفرحة في نفسه. فإنه لا يمكن إنكار أن تلك الفتاة تركت في نفسه أثرًا كبيرًا منذ رؤيته لها. هو ليس من هؤلاء المراهقين الذين ينجذبون للشكل أول شيء، ولكن ما جذبه بها أنه شعر في قرارة نفسه أن هذه هي التي يريدها زوجة وأم لأبنائه. لا يعرف سبب شعوره، ولكنه حتى بعد أدائه صلاة الاستخارة لم يقل شعوره، بل ازداد وازدادت رغبته بها، وكان ينتظر إجابتها بالموافقة، وها هي وافقت أخيرًا!
"مالك ساكت كدا ليه؟ إنت مفرحتش ولا إيه؟ قال بثبات وبرود كعادته التي لا تظهر مشاعره للعامة: "خير إن شاء الله يا أمي." "يارب صبرني عليكم والله، أنا هتجرالي حاجة بسببكم." قالتها بنفاذ صبر، فانفجر هو ضاحكًا ومسك بكفها يقبله بلطف وحنو، هامسًا من بين ضحكاته مازحًا: "بعد الشر عليكي. بعدين إنتي عايزة تسمعي إيه يعني.. أيوة فرحان أوي أوي كمان ومش قادر استنى اللحظة اللي هتجوزها فيها، ارتحتي كدا." نزعت يده بغيظ وقالت بضيق:
"اتريق اتريق يابايخ." رتب على صدره كدليل على امتنانه لها وهو يقول مكملًا مشاكساته وضحكه: "تسلمي ياست الكل." ثم عاد لجديته وأكمل باسمًا بنعومة غامزًا لها: "شوفيهم بقى ياهدهد عشان نروح نتقدم رسمي." تهللت أساريرها مجددًا عندما رأت حماسه الذي فشل هو في إخفائه عنها، وقالت بموافقة: "بس كدا من عنيا ياقلب هدهد إنت." اقتحمت الغرفة رفيف وعلامات الزعر على وجهها، وهتفت بصدمة: "الحقي ياماما."
ثبت كل من أمها وأخيها نظرهم عليها في تعجب، بينما هي فأكملت بهلع: "كرم كلمني دلوقتي وصوته كان باين عليه إنه مضايق جدًا وقالي إن سيف اتوفى، وقالي كمان نروح أنا وإنتي على بيتهم لأن حالة أمه وأخته صعبة وهو مش هيعرف يتصرف لوحده." وثبت الأم واقفة وشهقت بزعر وهي تقول: "سيف مات!!! إزاي ده؟ "مش عارفة ياماما، أساسًا كرم كان صوته غريب أوي ومتكلمش معايا غير أنه طلب إننا نروحله."
مسحت هدى على وجهها ورددت بألم وحزن شديد على هذا الشاب الصغير. وقد أدمعت عيناها بالدموع: "إنا لله وإنا إليه راجعون." ربنا يرحمه يارب. روحي البسي طيب يارفيف، وأنا هلبس عشان نروحلهم. هرولت رفيف لغرفته، وكذلك هدى. همت بالرحيل ولكن زين قال بجدية: _أنا هلبس وآجي معاكم. قالت هدى بصوت باكي ومتأثر: _أيوة تعالى أقف مع أخوك ده، تلاقيه هيموت من حزنه على سيف. ربنا يرحمه يارب ويصبر أمه وأخته.
تنهد هو بحزن مماثل لأمه، فسيف كان صديق العائلة كلها، والجميع يعتبره فردًا منهم من شدة تعلقهم به بسبب علاقته القوية مع كرم. *** مرت أربعة أيام بدون أحداث جديدة.
الجميع في حالة حداد على فقيدهم العزيز، ويترددون كل يوم على منزله ليواسوا شقيقته التي انطفأت، فمن جهة فاجعة أخيها، ومن جهة والدتها التي عبارة عن إنسان آلي لا يفعل شيء، فقط عيناه مفتوحتان يحدق فيمن حوله. أما كرم، فكان يتردد عليهم أكثر من مرة في اليوم ليطمئن على أحوالهم.
مساء اليوم الرابع، لم يتبقى معهم سواه هو ووالدته وشقيقته في المنزل، وكان يقف في شرفة المنزل يتأمل كل شيء من حوله بشجن. فأربعة أيام بدون صديقه كانوا كالأربعة سنوات. وكل لحظة يتخيل أنه لن يراه مجددًا يحترق قلبه بنار الشوق له. ومع الأسف لم تحرق النار قلبه فقط، حتى وجهه انطفت بهجته وضوئه، والبسمة لم تعد تعرف لوجهه طريق، فقط الحزن هو اللي يظهر على محياه. وبينما هو واقف شاردًا، لفت نظره شفق التي كانت عائدة من الصيدلية، والتي أصرت على أن تذهب هي لتجلب بعض مستلزماتها هي وأمها، فلم يعارضها وتركها تذهب هي هذه المرة. ولكن جمد نظره عليها عندما رأى شابًا ينتظرها أمام باب المبنى، وعند وصولها له وقفت تتحدث معه في حوار لم يستطع سماعه.
كانت غائصة في جلبابها الأسود وحجابها كذلك، وتسمرت بأرضها فور رؤيتها له، وبعفوية هتفت: _عمر!! أجابها بخفوت ونبرة خشنة: _البقاء لله ياشفق. _سبحان من له الدوام. إنت بتعمل إيه هنا دلوقتي؟ بدا عليه جادًا وصارمًا على غير عادته، مما أصابها بالتعجب. وعندما هتف بوضوح: _أنا كنت بروح وباجي طول الأربع أيام بطمن عليكي وبسأل جارتكم عنك، وفي واحد كنت دايمًا بشوفه وبشوفك معاه علطول. مين ده؟ قالت بتلقائية وعفوية: _قصدك كرم؟
كان واضح عليه الغضب الشديد، وازداد غضبه عندما قالت اسمه بوضوح، حيث قال: _مليش دعوة باسمه. أنا سألتك مين ده ياشفق وبتقفي معاه ليه؟ ثم إني مرتحتلهوش الراجل ده وباين عليه إنه مش كويس!! حتى هي لم يكن لديها طاقة لتتحمل أي عبء آخر أو جدال. وقلبها يلتهب بالنيران وتجاهد في البقاء صامدة فقد من أجل والدتها. وهو الآن يلعب في عداد علاقتهم المحدودة، حيث صاحت به منفعلة وغاضبة، وأكثر ما أثارها هو إهانته لكرم:
_اللي بتتلكم عنه ده إنت متساويش ضفره أصلًا. لا وجاي بتحاسبني وعامل فيها بتحبني. بس إنت أساسًا عمرك ماحبتني. ووفاة أخويا وضحتلي مين حبيبي من عدوي. وبعدين أنا مشوفتكش في العزا ولا مرة. وكنت متوقعة إنك هتكون أول واحد تقف جمبي في المحنة دي. واللي بتقول عليه مش كويس ده طول الأربع أيام مسبناش لحظة واحدة. ده صديق سيف الله يرحمه من طفولته وطول السنين اللي فاتت مشوفناش منه أي حاجة غلط. فمتجيش تحاسبني على حاجة قبل ما تبص وتشوف نفسك بتعمل إيه ياعمر.
همت بأن ترحل، ولكنه اعترض طريقها وأخرج هاتفه وفتحه على صورة لها يريها إياها. فحدقت بالصورة بصدمة. أنها هي عندما ذهبت لمقابلة الرجل الذي يبتزها بصورها، وكانت الصورة غير لطيفة بتاتًا، حيث أنه كان قريبًا منها جدًا. ولم تصدمها الصورة بقدر ما صدمها هو برده الوضيع: _وده صاحب سيف كمان. ولا إنتي كنتي طول السنين دي عملالي فيها الشريفة وإنتي...
منعته من تكملة جملته بكفها الذي سقط على وجنته بقوة، وهي ترمقه بنظرة متقرفة ومشمئزة. امتزجت بخذلانها وأعينها الدامعة. ولكنه لم يكتفِ، ويبدو أنه يريد أقوى من مجرد صفعة، حيث قبض على ذراعها وهتف باستياء: _بتبصي كدا ليه؟ أنا اللي مصدوم فيكي ياشفق، إنتي آخر واحدة كنت أتوقع منها ده.
سالت دموعها بغزارة. فكما يقولون "في كل شر خير"، وما حدث معها أخرجها من محيط عميق كانت ستغرق فيه، وجعلها تدرك أنها مخطئة عندما ظنت أن هذا الرجل يمكن أن يكون زوجًا لها. كيف كانت ستكون بينهم علاقة وهو ليس لديه ذرة فقط من درجات الثقة فيها. لم يدم الوضع كثيرًا، حيث وجد عمر يد تقبض على ذراعه وتسحبه بعنف من على ذراعها. فرفع نظره لها، واتضح أنه هو الذي كان محور حديثهم منذ قليل. _شيل إيدك دي. إنت مين؟
انتصب عمر في وقفته وقال ساخرًا بشجاعة: _حاجة متخصكش أنا مين. وإنت مالك أشيل إيدي ولا مشيلهاش. لمحت شفق لمعة الشر والسخط تلمع في عيني كرم، فأسرت وهتفت محاولة تهدئة الأمر بتوسل، ولأول مرة تلفظ اسمه بدون مقدمات!! _كرم مفيش حاجة صدقني اهدى وبلاش تعمل مشكلة بالله عليك. ثم حولت نظرها إلى عمر وصاحت به بضجر: _امشي. ومتورنيش وشك تاني. _لا أنا حابب أشوف البيه هيعمل إيه.
قالها عمر بتحدٍ واستهزاء واضح، فلم يحرمه كرم من لكمة أطاحت به أرضًا وسالت دماء شفتيه على أثرها. وهاتفه وقع على الأرض بجانبه، وهم بأن يكمل لكماته له، ولكن الصورة الذي كان مفتوحًا عليها الهاتف أوقفته بأرضه وهو يحدق بها بذهول. فانتبهت هي إلى ما ينظر له، وارتعشت بخجل وتوتر، وهرولت إلى عمر، وأول شيء فعلته هو أنها التقطت الهاتف وأنهضته من على الأرض وهي تضع الهاتف بين يديه وتدفعه بعنف صائحة به: _امشي بقولك. منك لله ياخي.
هم بأن يقترب من كرم، فدفعته بعنف أكبر وهي تصرخ به: _امشي إنت مبتفهمش. رمق كرم بنظرة نارية أخيرة قبل أن يستدير ويرحل. فتنهدت هي بألم وأحست بأنها ستعاود البكاء مجددًا. وفي لحظة غضب تسأل الله لماذا يحدث معها كل هذا، ثم تعود وتستغفر ربها وتردد "الحمدلله على كل شيء". وقفت للحظات تتابعه وهو يتوارى عن ناظريهم وتفكر فيما ستبرره له عن هذه الصورة. وأخيرًا التفتت له لتقابل نظراته التي المندهشة وهو ينتظر منها تبريرًا،
فقالت مخترعة كذبة سخيفة: _دي صورة مفبركة! مسح على وجهه وهو يتأفف، ثم قال بخفوت ونبرة شبه حادة: _بصي ياشفق، أنا كنت ممكن أقولك إنك مش مضطرة تبرري حاجة وأنا مليش دعوة لو كان سيف لسا عايش. بس حاليًا إنتي مضطرة لإن أخوكي موصيني عليكي وإنتي مسئوليتي. ففهميني إيه الصورة دي ومتقوليش إنها متفبركة لإنها باينة أنها حقيقة جدًا. أطرقت أرضًا وسالت دموعها بحرقة وارتفع صوت شهقاتها. فلانت نبرته وقال بتفهم:
_من غير عياط، الموضوع ميستهلش عياط. أنا مش بقولك إنتي غلطانة ولا عملتي حاجة غلط. أنا واثق تمامًا إنك متعمليش حاجة زي كدا. فلو في حد بيضايقكي قوليلي عشان اساعدك! رفعت عيناها الدامعة لتنظر له بشيء من الصدمة. فالرجل الذي أحبته وكان يعرفها جيدًا لم يثق بها، وهو الذي لا يعرفها سوى بالشكل لسنوات. فكيف له أن يثق فيها. وجدت نفسها تطرح سؤالها بتلقائية تامة: _وإيه اللي يخليك واثق كدا؟
قال مبتسمًا بنفس نبرته السابقة، ولكنه قالها بشيء من الإحراج وهو يجفل نظره عنها: _لإني واثق في تربية سيف ووالدتك ليكي. وده سبب كافي اعتقد. ازداد حدة بكاءها وقالت بصوت مرتجف: _هو فعلًا في حد بيضايقني. بس أنا آسفة ياكرم، أنا حاليًا في وضع ميسمحش ليا بالكلام نهائي. بكرا إن شاء الله صدقني أنا بنفسي هتصل بيك وهقولك على كل حاجة. كرم بهدوء ورزانة، ولكن صوته برغم لطفه امتزج به شيء من الحزم:
_طيب براحتك. بس خلي في علمك موضوع زي ده مينفعش يتسكت عليه، فبكرا إن شاء الله لازم تكلميني وتفهميني إيه اللي بيحصل. أومأت له بالموافقة وجففت دموعها، ثم همت بالرحيل فوجدته لم يتحرك. لتنظر له باستغراب، فيبتسم بإحراج ويقول: _لا كفاية على كدا، الوقت اتأخر. ولما تطلعي فوق قولي لماما ورفيف إني مستنيهم تحت. بادلته الابتسامة وقالت بامتنان حقيقي: _طيب. شكرًا ياكرم.
لم يجيبها واكتفى بإيمائه البسيطة وهو لا يزال يرسم ابتسامته التي تخطف قلوب النساء دون أن يدري. أما هي فولته ظهرها وقادت خطواته إلى داخل المبنى، وبعد دقائق جاءت أمه وأخته، واستقلوا بسيارته ورحلوا، وكانت هي تتابعهم من الشرفة بالأعلى! ***
كان إسلام ساكنًا وهادئًا على مقعد في غرفته أمام النافذة يتأمل النجوم التي تنير في السماء. فقط عيناه معلقة في هذه السجادة السوداء، ولكن عقله على بعد أمتار بعيدة منه، ثابت عند تلك اللحظة الذي رأى فيها ذلك الملاك وعلق بمخيلته ولم يتمكن من إخراجه! ولكنه يحاول مقاومة ومحاربة هذه السخافة، فمن تلك التي ستقبل برجل عاجز، رجل ناقص!
ولهذا يكره أن يعرض نفسه لموقف انتظار موافقة فتاة بعد شفقة منها. أو ربما لأن عائلتها أقنعوها بأن عاهة قدمه ليست معضلة في حياتهم فوافقت مرغمة. هو كأي رجل لا يريد عيش حياة مجبرة أو حياة خالية من الحب والود والتضحية والتفاهم. لا يريد أن يكون لديه أبناء من امرأة قبلت به مجبورة. فقط يتمنى حياة زوجية طبيعية كباقي البشر!
فتحت ملاذ باب غرفته ببطء، فوجدته ساكنًا هكذا وشارد الذهن. ابتسمت بنعومة وأغلقت الباب بحرص، ثم تسللت خلفه ووضعت يديها على كتفيه هامسة بمداعبة: _سرحان في مين هااا؟ انتفض بفزع بسيط، ثم التفت برأسه لها وقال في اندفاع: _إيه ياملاذ هزارك البايخ زيك ده. فغرت شفتيها وعيناها بدهشة مزيفة، وقالت بتصنع الضيق: _بايخ زي!!! أخص عليك يا إسلام، وأنا اللي جاية افضفض معاك شوية. وقولت أخويا الكبير حبيبي هحكيله وهيفرفشني. لانت
نظرته ونبرته وقال بحب: _طيب اقعدي ياختي وقولي مالك؟ جلبت مقعدًا مماثل لمقعده وجلست بجانبه، ثم قالت بلؤم وابتسامة: _لا قولي إنت الأول كنت سرحان في إيه؟ رفع حاجبه الأيسر وأطال النظر في وجهها بغيظ، ثم قال في حدة مزيفة: _إنتي جاية عشان تفضفضي معايا مش تتطفلي عليا! قهقهت بصوت مرتفع وقالت معتذرة: _طيب خلاص مش هتكلم، حقك عليا. ساد الصمت بينهم للحظات، قبل أن تبدأ في سرد الكلمات التي تخنقها في صدرها بشجن:
_العريس جاي بكرا عشان يتقدم. كان نفسي بابا يكون قاعد. _ما إنتي عارفة الوضع ياملاذ، بابا ميقدرش ينزل بسبب الشغل. تنفست الصعداء بخنق وأسى، فدقق النظر في قسماتها ثم قال بترقب: _ملاذ، هو إنتي متأكدة إنك عايزة زين وموافقة عليه؟ طالعت أخيها بارتباك بسيط وقالت مسرعة بتأكيد: _أيوه طبعًا موافقة، هو لعب عيال ولا إيه ده؟ جواز يا إسلام. أنا بس خايفة يكون مش كويس زي أحمد ومكملش معاه. تمتم بنبرة رجولية خشنة وصوت رخيم:
_أحمد إنتي اللي صممتي عليه، ولا أنا ولا أبوكي كان عاجبنا. لكن دلوقتي أنا بقولك أهو، زين أحسن واحد مناسب ليكي وأنا واثق إنه هيحافظ عليكي إن شاء الله. وحتى أبوكي فرح أوي لما أمك قالتله إنه متقدملك، يعني المرة دي أنا وأبوكي اللي اخترنا مش إنتي، واختيارنا هيبقى في محله، اطمني.
هي تثق مثلهم أنه رجل يمكن لأي امرأة أن تتمناه، ولكنها ارتكبت جريمة بشعة في حقها وحقه حين قبلت الزواج به وعقلها وقلبها ملكا لرجل آخر. وستأخذ من زواجها منه انتقام وصفقة لكي ترضي به كرامتها التي بعثرها خطيبها السابق. هي تعلم أن الأمور ستصل لنقطة صعبة إن تم زواجهم وهو يعلم بسبب زواجها منه، ولكن الحقيقة أن الأمور ستفوق تخيلاتها تماما. ***
منزل ضخم وغرفة واسعة ذات ألوان رجولية صارمة، حيث أن الخزانة من اللون الأسود وكذلك الفراش، أما الحائط الأبيض فكان هو الشيء الوحيد المبهج في هذه الغرفة التي كل شيء فيها أسود. وبالرغم من كآبة الغرفة، إلا أن الأسود أعطاها لمسة عظمة وفخامة.
وكان حسن مستلقي على فراشه العريض ويعقد ذراعيه أسفل رأسه يحدق في السقف بشرود، فأن لعنته ترفض الرحيل عنه. وهو عجز ويأس أمام محاولاته للتخلص من لعنة هذا العشق الملوث والملطخ بالكذب والخداع. ليته لم يقابلها قط ولم ينصاع خلف قلبه مسبب المتاعب له. ليته أبى الخضوع لها وانسحب من هذه العلاقة قبل أن يخرج خاسرا. ولكنه أصر على الاستمرار بها وهذا هو ما حصده من علاقة حب فاشلة. حصد الخداع والكذب والاستغلال.
وبينما هو يسبح في ذكرياته المؤلمة، سمع صوت جرس باب المنزل. فعقد حاجبيه باستغراب وجعل يطرح سؤال واحد: "من الذي يعرف أنني هنا؟ ". لم يدم تعجبه كثيرا حيث هب واقفا والتقط قميصه وارتداه دون أن يغلق أزراره، واتجه نحو الباب وفتحه بقوة. ففوجئ بمن كانت تشغل تفكيره للتو. أما هي فحدقت بمظهره العلوي وبقميصه المفتوح الذي يبرز عضلات بطنه وصدره، ورفعت نظرها له بشيء من الدهشة بعد أن ظنت أنه بصحبة فتاة بالداخل. قرأ أفكارها من
نظراتها وتأفف بخنق قائلا: _أظن إني آخر مرة شوفتك فيها قولتلك متتورنيش وشك تاني، صح ولا لا؟ تجاهلت لهجته القاسية ونظرته النارية وحاولت اختراقه لتنظر داخل المنزل حتى تتأكد من شكوكها. فأجابها هو بحدة امتزجت بنظرة وضيعة ولئيمة: _مفيش حد جوا، بس لو إنتي حابة معنديش مانع. بما إنك جاية بيت راجل عازب في الساعة دي.
_حسن، بلاش تتكلم بالأسلوب ده ارجوك. إنت عارف إني بيتي قريب جدا من هنا، وأنا جيت اتكلم معاك شوية وكنت متأكدة إني هلاقيك هنا النهاردة. لإن النهاردة عيد ميلادي وإنت كنت بتجبني هنا كل سنة في عيد ميلادي وبتكون عاملي احتفال صغير، فتوقعت إني ممكن ألاقيك هنا. ضرب بكفة يده على جبهته وتصنع النسيان والضيق: _اووووه، هو النهاردة عيد ميلادك؟
نسيت خالص للأسف. وزي ما إنتي شايفة مفيش حفلة ولا حاجة. أصل أنا مبقتش أعترف بأعياد الميلاد دي. تشربت سخريته منها وقسوته وقالت بأعين دامعة: _طيب ممكن أدخل هنتكلم خمس دقايق وبعدين همشي. أصدر تنهيدة حارة ثم أفسح لها الطريق لتدخل وأغلق الباب خلفها. فتوجهت هي وجلست على الأريكة الصغيرة وجلب هو مقعد وجلس في مقابلتها على مسافة منتظر منها التحدث. فنهدت هي وقالت بصوت مبحوح:
_أنا مخدعتكش زي ما إنت فاهم. أنا عمري ما بصيت لفلوسك ولا مالك، أنا كنت بحبك فعلا يا حسن. اللي حصل إني سمعت إنك ناوي تخطب واحدة غيري وتخدعني. فساعتها حسيت إن إنت اللي خدعتني وقررت إني كمان انتقم منك. ولما جيت وقولتلك الكلام ده كنت بقوله عشان انتقم منك وانهي كل حاجة بينا. لكن والله ما خدعتك زي ما أنت فاهم.
أنهت حديثها وأخذت تنظر له في انتظار رده، ولكنه كان جامدا لا يصدر أي ردة فعل وتعبيرات وجهه طبيعية جدا. وفجأة وجدته ينفجر ضاحكا بقوة وصوت ضحكة ملأ الأركان. فطالعته بحيرة. ولكنه مثلما انفجر ضاحكا فجأة صمت فجأة وقال بنظرة شرسة ومميتة:
_واللي قالك اني خدعتك نسي يقولك إني مش عبيط عشان تاجي تألفي عليا قصة وأنا هندهش وأندم وأقولك اوووه أنا آسف ياحبيبتي ظلمتك سامحيني وانزل ابوس رجلك عشان تسامحيني. لا مليش في شغل الروايات والمسلسلات ده، احنا في الواقع والواقع بيقول إن اللي اتكسر مش بيتصلح. قالت مسرعة وهي تكمل كذبتها السخيفة ولكنها تتقنها باحترافية: _أنا مش بكدب عليك، صدقني ياحسن. جلس بإريحيه أكثر على مقعده مما جعل جزئه العلوي العاري يظهر أكثر
وغمز لها بوقاحة قائلا: _أنا ممكن أنسى اللي حصل ونبقى أنا وإنتي حبايب وزي السمنة على العسل. لأن الصراحة أنا خلاص شطبت مبقاش عندي صنف الجواز والحب والكلام الفارغ ده، أنا بخش على التقيل على طول. فلو حابة يبقى زي الفل ونبدأ من الليلة دي كمان وأهو نحتفل بعيد ميلادك ومتقلقيش هتطلعي الصبح بقرشين حلوين. فغرت شفتيها وعيناها بذهول واستقامت وهي تقول بغضب:
_أنا عارفة إنك بتقول كدا عشان تعصبني وتخليني أمشي وأكرهك، بس خليك فاهم ياحسن إني لآخر نفس فيا هفضل أحاول إني أخليك تسامحني. ثم استدارت وانصرفت من المنزل بأكمله. وتركته كما هو ساكن بمقعده ولكنه يضغط على قبضة يده بعنف ويجز على أسنانه بقوة في غيظ. فمازالت تحاول خداعه هذه الشيطانة. مازالت تحاول التلاعب بمشاعره. فقط لأنها تعلم أنها لا تزال تعيش في صميمه. *** مع صباح يوم جديد حافل بالمفاجآت والأحداث الدسمة.
كان كرم يجلس في أحد المقاهي يحتسي قهوته بشرود ووجه منطفئ. فصورة صديقه لا تفارق مخيلته. وفي كل لحظة يتذكر موقف مختلف لهم مع بعض فتزداد النار المشتعلة في صدره اشتعالا. جذبه من شروده جلوس شفق أمامه وهي تقول بصوتها الرقيق: _صباح الخير. أنا آسفة خليتك تطلع بدري كدا من البيت، بس مفيش وقت ينفع غير دلوقتي. لإن خليت أم مصطفى جيراني تقعد مع ماما لغاية ما آجي، وهي شوية كدا بيبقى معاها شغل و.... قاطعه مبتسما بنبرة رخيمة
ونظرة طبعت بصمتها عليها: _في إيه ياشفق؟ هو أنا اشتكيت؟ ليه ده كله؟ أطرقت أرضا خجلة وهمست بصوت يكاد لا يسمع: _أنا آسفة. بس خوفت تكون اتضايقت فحبيت أبررلك موقفي. لا زال يبتسم عليها ثم حاول أن يخفي ابتسامته تدريجيا وقال بجدية: _هااا، قوليلي بقى مين اللي بيضايقك وإيه موضوع الصورة دي؟
تنهدت بقوة وحاولت استجماع قواها لتسرد له القصة منذ بدايتها. كان الأمر صعبا ومرهقا للأعصاب. ففكرة أنها تجلس مع رجل لا تعرف عنه سوى أنه صديق أخيها الحميم كانت مربكة في حد ذاتها، ولكنها مرغمة. لعله يخرجها من وحلها ويساعدها. فهو الآن أملها الوحيد. أجفلت نظرها عنه وبدأت تسرد بتوتر واضح كالآتي:
_الموضوع بدأ يوم لما سافر سيف الله يرحمه للمأمورية دي. في نفس اليوم أنا كان عندي وحدة صحبتي منها لله أعرفها من زمان جدا سنين يعني. فهي جاتلي بليل وكانت جايبة معاها هدوم قالتلي إنها اشترتها جديد والهدوم كانت مش كويسة لبنت تلبسها في البيت حتى لو هي معهاش اخوات أولاد. وطلبت مني أقيسها وأنا رفضت رفضا قطعيا إني ألبسها أصلا. وبعدين وافقت قولت مفيهاش حاجة لنا قالتلي أنها عايزة تشوفها عليا. وبعد ما لبستها لقيتها عايزة تصورني
فزعقلتلها وقتها وبرضوا فضلت تحاول معايا لغاية ما وافقت لما قالتلي هتوريها لمامتها وتمسحها فورًا. ومامتها أنا عارفها كويس أوي وهي عارفاني وعارفة ماما. وأنا الحقيقة كنت واثقة فيها، قولت دي صحبتي ومستحيل تعمل حاجة تأذيني. وبعدها بيومين لقيت رقم غريب بعتلي صوري دي واتصل وبيا وابتزني بيها إني لو مقبلتوش هينشر صوري على النت. فأنا حاولت أخوفه بأن أخويا ظابط بس مأثرش فيه. فاضطريت أروح أقابله وكان المكان مهجور ومخيف وكان
بليل. وبعديها على طول أنا روحت لبيت صحبتي دي لقيت مامتها بتقولي إنها سافرت لجدها وجدتها. ولما سألتها هي ورتها صور ليا ولا لا قالتلي لا و......
همت بأن تستكمل سردها ولكنه قاطعها بنظرة مندهشة وحازمة: _روحتي بيته!!!!!! فهمت ما يدور في مخيلته فقالت مسرعة بخجل: _لا لا مفيش حاجة. أنا مدخلتش حتى وقفت على الباب بس ومتخطتش الخمس دقايق وقعد يقول كلام قذر كدا إنه.... توقفت فجأة ولم تتمكن من تكملة ما قاله هذا الوغد. فقد كانت كلماته تعبر عن مبتغاه القذر منها. عادت تتحدث من جديد قائلة:
_ما علينا مش شرط هو قال إيه. المهم إنه مقدرش يقربلي وأنا مشيت فورا. والصورة دي هو فيها ماسك إيدي لما كنت عايزة أمشي. وحد شكله صورها بزاوية جابت الصورة بالشكل اللي شوفتها. واللي استنتجته بعد اللي حصل امبارح إن هي عملت كل ده عشان تفرق بيني وبين الولد اللي شوفته امبارح لإنه كان بيحبني وهيكلم سيف عشان نتخطب وكدا وشكلها كانت عينها عليه فحبت تأذيني بأي شكل. وبعد ما صورتني بعتتله الصور عشان تفهمه إني مش كويسة. بس هي متعرفش إني خدمتني لأنها كشفتلي حقيقتها وحقيقته.
هتف كرم وهو يشعر بالتشتت: _شفق أنا مش فاهم وحدة وحدة عليا بالله عليكي. دلوقتي إيه حكاية الواد بتاع امبارح ده بالظبط؟ عادت تشرح له بتوضيح أكثر:
_عمر أنا أعرفه من زمان أوي واحنا نعرف عيلته وهو معايا في الكلية وهو كان بيحبني وحاول كذا مرة أنه يكلمني وأنا كنت برفض. وآخر حاجة طلبت منه إنه يكلم سيف ويتقدملي لو فعلا هو بيحبني. الكلام ده كان قبل ما يسافر سيف بيومين. وصحبتي دي كانت غيرانة مني بمعنى أصح فحبت تأذيني بالطريقة دي. _طيب والراجل ده كلمك تاني؟ هزت رأسها نافية وقالت: _لا متصلش تاني.
_طيب اسمعي لو كلمك تاني وطلبت منك تروحيله تقولي له موافقة وتتصلي بيا تقوليلي على المكان وأنا هتصرف. أومأت له بالموافقة بدون جدال أو نقاش ولكنه أكمل بنبرة واضح عليها الاستياء: _إنتي غلطانة من البداية يا شفق. إزاي توافقي تتصوري بهدوم زي دي؟ نفترض إن هي صحبتك فعلا ومكنش في نيتها حاجة ممكن يحصل أي حاجة تنسي ما تمسحهم وتلفونها يضيع منها أو حد يسرقه أو أي نيلة. لكن هي طلعت بنت...
ما تتصرفيش من دماغك تاني نهائي، لإن حاجة زي كده مش هزار. وإنتي روحتي لحيوان زي ده بيته، الحمد لله إنه محصلش مصيبة. من هنا ورايح مش هتعملي غير اللي هقولك عليه. حاضر. قالتها باستسلام تام، فأكمل هو بوجه واضح عليه الضجر: هاتي الرقم اللي كلمك منه، ورقم صحبتك دي كمان.
أخرجت هاتفها وأملته الأرقام، ثم ساد الصمت بينهم للحظات وهي تحدق أرضًا. فقد أصبحت كالشجرة الذي أهلكها الزمن، ومن أول رياح ستسقط بأوراقها الذابلة. أو كطائر ليس لديه عش لكي يحتمي ويلوذ به. جذبها من شردها صوته الهادئ وهو يقول: هنا في فطاير وكريب غير المشروبات. اطلبي اللي يعجبك من المنيو، أكيد مفطرتيش. هزت رأسها باعتراض وتمتمت بحزن: لا مش عايزة، شكرًا. أنا همشي عشان متأخرش على ماما. فهم سبب ضيقها وحزنها، فقال برزانة وحنو:
شفق، إنتي زي رفيف بنسبالي. متزعليش مني لو قسيت عليكي في الكلام شوية، ده عشان مصلحتك. متقلقيش، كل حاجة هتتحل. سيبيني إنتي بس الموضوع ده وأنا هتصرف مع الحيوان ده. يلا بقى اطلبي حاجة تاكليها أو حتى تشربي. كرم، والله مليش نفس بجد.. خليني أمشي أفضل. استقام وقال بعدم حيلة: طيب، براحتك. يلا هوصلك معايا. همت بأن تعترض أيضًا، فقال بشيء من الحزم وكأنه يلقي عليها أوامر مفروغ منها:
إنتي عارفة عربيتي طبعًا، استنيني برا وأنا هدفع حساب القهوة وآجي وراكي. تأففت بنفاذ صبر، ثم اندفعت إلى الخارج تنتظره أمام سيارته كما طلب منها أو أمرها بالأحرى. وبعد دقائق وجدته يقترب منها وفتح أبواب السيارة بجهاز التحكم الخاص بها، فاستقلت بالمقعد الخلفي وهو بمقعده المخصص. ونظر لها وابتسم عندما وجدها مغتاظة وكجمرة نيران مشتعلة، فحرك محرك السيارة وانطلق بها، ثم هتف مداعبًا: كل ده عشان قولتلك هوصلك!! ولا عشان اجبرتك!
هتفت وهي تفرغ به كل عيظها: أنا حكتلك عشان حسيتك عايز تساعدني فعلًا وعشان بثق فيك. لكن الأسلوب ده مش هسمحلك بيه. أصدر ضحكة بسيطة وقال يكمل مرحه: أنا مش شوية. قولتلك إنك زي رفيف، فاتعودي على أسلوبي ده لإننا هنتقابل كتير أوي من هنا ورايح. كرم، متخلنيش أندم إني حكتلك وسمحتلك تتكلم معايا أساسًا. اختفى مرحه فورًا وعاد لجديته وقال برجولية صارمة:
سيف الله يرحمه قبل ما يسافر جالي الشركة وقعد يقول كلام كده كتير. أنا اتعصبت منه ونهيت الموضوع. بمعنى أصح، هو كان حاسس إنه مش هيرجع فوصاني عليكم. وأنا بعمل بوصيته يا شفق، إنتي ووالدتك مسئوليتي دلوقتي وأنا هكون زي سيف بالظبط بنسبالك وبالنسبة لوالدتك. ولو مضايقة إني بتكلم معاكي بحرية شوية زي كأنك أختي، أنا آسف وحقك عليا. بس متتوقعيش إني هسيبكم وحدكم نهائي.
أشاحت بوجهها عنه وهي تتنهد بحيرة من أمرها. فهو لا يفهم سبب غضبها. لا يفهم أنه بدأ يلقي تعوذيته عليها بابتسامته الساحرة ولطافته وحتى خجله في بعض الأحيان. كل هذه الصفات تجرها لمحيطه تدريجيًا. فتحاول أن تجعل كل شيء بينهم رسمي حتى لا تسقط في تعويذة العشق. لأنها تعلم أن قلبها لا يختار من العشق إلا أصعبه. سقط هاتفه من يده في العربية، فانحنى لكي يلتقطه. وكانت هي قد أفاقت من شرودها، وبمجرد وقوع نظرها على الطريق صرخت بهلع:
كـــــــــــرم!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!