سقط هاتفه من يده في السيارة فانحنى لكي يلتقطه، وكانت هي قد أفاقت من شرودها. بمجرد وقوع نظرها على الطريق، صرخت بهلع: "كـــــــــــرم! رفع نظره على أثر صرختها وانحرف بالسيارة بقوة عن الطريق، وأوقفها على الجانب. ثم أصدر تنهيدة حارة واضعًا كفه على وجهه وقال دون أن ينظر لها: "أنا آسف.. إنتي بخير؟ أخرجت هي الأخرى زفيرًا براحة وتمتمت برقة غير مقصودة: "حصل خير، الحمدلله أنها جت سليمة.. خلي بالك إنت وبتسوق بعد كدا!
استغفر ربه مرارًا وتكرارًا، ثم قال البسملة وحرك محرك السيارة من جديد وانطلق بها، ولكن كان أكثر حذرًا ويقود بهدوء. بعد دقائق توقف أمام منزل صديقه، وقبل أن تترجل من السيارة، آتاها صوته الخافت: "زي ما قولتلك ياشفق، اتصلي بيا." أردفت بإيجاب: "حاضر! *** خرجت من إحدى محلات مستلزمات التجميل وهي تحمل بيدها أكياس بها ملابس وأكياس أخرى بها مستلزمات مختلفة. كانت على وشك استقلال سيارة الأجرة لولا يده التي
قبضت على ذراعها وهو يقول: "ملاذ! التفتت خلفها وطالعته بدهشة، وسرعان ما سحبت يدها بعنف صائحة به: "إنت إزاي تمسك إيدي كدا! طبعًا ما أنت حقير وماخد على السفالة دي! غمغم أحمد بنبرة شبه راجية: "ملاذ بلاش كلامك ده ابوس ايدك، والله أنا ندمان ندم عمري. اديني فرصة اثبتلك إني ندمان وإني استاهل ثقتك مرة تاني." ابتسمت ساخرة وأجابته باستهزاء: "ثقتي مرة واحدة! أنا آسفة يا أحمد بيه، اتأخرت أوي!
"ملاذ أنا والله بحبك أوي، أنا كنت حيوان فعلًا لإني ضيعتك من إيدي. ابوس إيدك سامحيني واديني فرصة تانية." هي أيضًا لا تزال تحبه، ولكن حبها صادق، أما حبه ملوث ومدنس بماء عكر امتلأ بالكذب والخداع والخيانة. هذا إن لم يكن حبه الذي يدعيه كذبًا أساسًا. وهي اقتربت من انتقامها لكرامتها، وإن كان يحبها بالفعل فستكون حققت نصرًا ساحقًا بزواجها من زين. فقط كي تشعره بنفس شعورها وتلهب نيران الغيرة في صميمه! خرج صوتها صارمًا وجافًا:
"وللأسف مازلت حيوان في نظري وهتفضل كدا طول عمرك." ثم استدارت وأوقفت سيارة أجرة، ثم استقلت بها وانصرفت من أمامه، بينما فبقى هو يفكر في طريقة لإعادة المياه لمجاريها! ***
وصلت رفيف إلى النادي الخاص بها بعدما قررت أن تشاركها اليوم إحدى صديقاتها والتي ستأتي بعدها. عبرت باب النادي الرئيسي وكانت في طريقها للحديقة العامة، وقبل أن تتجه ناحية إحدى الطاولات لمحت الجالس بمفرده على نفس الطاولة، فتسمرت بأرضها. بدأ هرمون السعادة في الإفراز، وتذكرت مقابلتهم منذ فترة قليلة فازدادت ابتسامتها وإحراجها، ولكنها قررت بأخذها وسيلة للتحدث معه!
لم تنسَ إعجابها به منذ فترة عندما رأته صدفة مع والدته. ربما هي مشاعر زائفة وليس لها أساسًا، ولكنها حتى الآن تراه جديرًا بهذه المشاعر. وهناك شيء مجهول يجذبها إليه! تحركت نحوه بتردد في بادئ الأمر، وكان هو مندمجًا في قراءة إحدى الكتب حتى وقفت أمامه وتمتمت بابتسامة مرتبكة: "السلام عليكم." رفع نظره لها وتجمدت ملامح وجهه لثوانٍ، ثم استقام فورًا ومد يده مصافحًا إياها بلباقة مع ابتسامة مرحبة:
"وعليكم السلام، أهلًا وسهلًا يا آنسة رفيف.. أخبارك إيه؟ ردت عليه بنفس ابتسامتها السابقة وصوتها اللطيف: "الحمدلله بخير.. أنا شوفتك بالصدفة وقولت أسلم عليك." "طيب اتفضلي اقعدي ولا إنتي مستنية حد؟ قالها إسلام بنبرة مهذبة، فأجابته هي بحرج بسيط، أو شديد ولكنها تتغلب عليه فقط من أجل محادثته! "آه صحبتي جاية في الطريق، بس مفيش مشكلة ممكن أقعد لغاية ما تيجي."
أومأ لها بابتسامة صافية، ثم جلست على المقعد المقابل له وهو على مقعده. بدأت هي الحديث بنبرة تحمل الاعتذار: "طيب بمناسبة اللي حصل المرة اللي فاتت تسمحلي أعزمك على حاجة كعتذار مني." "اعتذار إيه! الموضوع بسيط والله مش مستاهل ده كله." "أنا خفت تكون اتضايقت جامد عشان القميص وكدا يعني؟ أصدر ضحكة صامتة وغمغم برقة تليق بصوته الرجولي:
"لا والله عادي خالص، وبعدين أنا معايا غيره كتير مش هتفرق معايا القميص ده يعني. على العموم لو حابة تعزميني معنديش مانع مع إن أنا اللي المفروض أعزمك بس مش هكسفك." كان لديها كامل الحق بالإعجاب بهذا الكائن الجميل. ويبدو أن الأمر سيتخطى الإعجاب إن استمرت هكذا!
حاولت الظهور بمظهر عدم التوتر وقامت بطلب كوب من الكاكاو كما قال، وطلبت لنفسها مشروبًا غازيًا. ثم ساد الصمت بينهم للحظات، فوقع نظرها على الكتاب الموضوع فوق سطح الطاولة وقرأت اسم الكاتب. ففوجئت باسمه، وبدون تردد رفعت نظرها له وقالت بحماس وفرح: "إنت اللي كاتب الرواية دي؟ نقل نظره بين الكتاب وبينها وغمغم بخفوت باسمها: "آه أنا! قالت بعفوية في سعادة غامرة وتشوق: "إنت بتكتب روايات بجد!
أنا بحب أقرأها جدًا. ممكن أغلس عليك وأطلب منك الكتاب أقرأه وهرجعه تاني والله بعد يومين؟ انطلقت منه ضحكة تلقائية مرتفعة على طريقتها وكلامها، وغمغم بخفة وبساطة: "اتفضليه طبعًا واعتبريه هدية كمان مش عايزة." "لا لا هرجعه طبعًا أو هدفع تمنه! "أنا بكسب متابع فده مصلحة ليا برضوا! ضحكت بخفة على مشاكسته وقالت باسمة: "لا اعتبر المتابع كسبته من دلوقتي! بس برضوا هقراه وهرجعه والله." تنهد بعدم حيلة ورسم الابتسامة
العذبة على ثغره وأردف: "طيب اقريه الأول وبعدين نشوف موضوع ترجعيه ده." قالها وهو يمده لها، فالتقطته من بين يديه واستقامت وهي تمسك بيد زجاج المشروب الغازي وباليد الأخرى الكتاب، وتهتف في جدية: "إن شاء الله هرجعهولك في خطوبة زين وملاذ ده لو مخلصتهوش قبل كدا."
أومأ لها مبتسمًا، فبادلته الإيماءة كتحية وداع واتجهت نحو طاولتها التي كانت بعيدة عنه. وجعل ينظر لها مبتسمًا بعد أن بدأت مشاعره تتخبط داخل قلبه. وأحس هو الآخر بأن هناك شيء مجهول يجذبه لها! ولكن حين نظر لقدمه العاجزة ولعكازه المسنود على المقعد المجاور له، ابتسم ساخرًا ووبخ نفسه بشدة ولام مشاعره السخيفة، فليس هناك من ستقبل به وهو عاجز وضعيف! *** ظلام كاحل!
وسماء صافية تزينها النجوم الساهرة، مع ضوء قمر شارد. ويزيد من جمال الأجواء الهادئة نسيم الهواء البارد وهو يلفح بشرته وشعره، وعدم اكتراث منه للأجواء الباردة. فكان يتأمل السماء بشرود. تارة يعيد ذكرياته مع زوجته وتارة مع صديقه الذي لم يمر على وفاته أسبوع!
أحس بألم مميت يأكل في صدره وبالأخص في قلبه. يأكل الأخضر واليابس وعلى وشك جعله أرضًا يباب لا حياة فيها، أرض تحتاج للتعمير من جديد. وربما التعمير يستغرق سنوات عمره الباقية ويموت دون أن يكمل إعادة تعميره. في بداية الأمر فقدانه لأبيه، ومن ثم زوجته، والآن صديقه. صديقه الذي لا يعلم أحد عن نيران قلبه التي لا تنطفئ. لا أحد يرى مدى دماره الداخلي حينما يذهب لزيارة قبره فينكب أمامه باكيًا كالأطفال. فقد كانوا كشيئين من المستحيل انفصالهم عن بعض سوى الموت، ولقد فصل الموت أحدهم عن الآخر دون سابق إنذار!
اقتحم حسن خلوته مع أحزانه وجلس بجواره مداعبًا: "نزل عليك الإلهام ولا لسا؟ نظر له ورفع حاجبه هاتفًا ببرود كشيء من المشاكسة بينهم: "اهااا وبيسلم عليك ياخفة! لم يعلق حسن على ما قاله ولكنه قال ساخرًا: "عيني عليك البت حنين جاية بكرة، يابني قولي لو حابب مساعدة والله أخليها تصرف نظر عنك خالص بدل ما إنت في المرار ده." "كان القرد نفع نفسه! قالها وهو يبتسم بمكر، فالتزم الصمت للحظات حتى قال وقد تبدلت ملامح وجهه للحقد:
"لا يسر دي عايزة حاجة تظبطها بجد." "إن جيت للحق أنا اتخنقت من حنين ومبقتش عارف أعملها إيه دي لزقة ياعم. دي ناقص تدخل ورايا الحمام. مكان ما أروح ألاقيها في ديلي! قهقه بصوته المرتفع وغمغم بمكر: "ما أنت غلبان وعلى قد نياتك وهي عارفة إنك بتتكثف ومش هتكسفها بس أنا صايع سيبهالي بكرة وأنا هظبطهالك." أبدى كرم الجدية وهتف: "طيب بمناسبة الصياعة مش ناوي تلم نفسك ياحسن؟
أنا كنت متوقع إن أخرك صحاب والكلام بس شكله الموضوع تخطى الحاجات دي." "كرم أنا مش صغير وعارف كويس أوي بعمل إيه. أكيد مش هتوصل بيا للي في دماغك. ومتحاولش تفهمني إنك إنت وحضرة الشيخ زين كنتوا قمة في البراءة." عاد لابتسامته وهو يداعبه ولكن بطريقة رزينة:
"إنت عارف كويس إني مليش في مواضيع البنات دي أصلًا وببذل مجهود عشان أتعامل مع أي بنت. أما زين فلو كان ليه في الكلام ده كان زي أي شاب طايش وده بعد اللي كان بيحصل له، فزين وضعه مختلف وكان بيعمل حاجات وهو مش في وعيه ودلوقتي الحمدلله ربنا هداه. فاعقل كدا ياحسن، إحنا لينا سمعتنا ومعروفين ومش ناقصين فضايح وأمك لو عرفت بعمايلك دي هيجرالها حاجة." تأفف بعنف وهتف في ضجر شديد وانزعاج:
"وفر نصايحك لنفسك ياكرم، أنا عارف كل ده كويس ومش محتاج حد يذكرني بيه." "لا مش عارف يا أستاذ. ومتفتكرش إني عبيط، أنا عارف كل المخاريب اللي بتروحها وبتسهر فين. ورغم كل ده بقول إنك هتعقل بس مفيش فايدة واضح. إنت مش مدرك عظمة الذنب اللي بترتكبه وأنا بحاول أبعد زين عنك بقدر الإمكان لأني عارف إنكم مش بتتفاهموا مع بعض وفي كل مرة بتتخانقوا. بس كفاية اعقل كدا وبطل القرف ده، أنا خايف على مصلحتك."
هب واقفًا ورمقه بخنق وامتعاض كدليل على عدم اقتناعه بما حاول نصحه به أخيه، ثم استدار وانصرف، فأصدر كرم تنهيدة بنفاذ صبر ويأس. *** كان زين مستغرقًا في النوم وكذلك في الأحلام، لكنها أحلام مفزعة باتت تسبب له حالة نفسية وتذهب بعقله! كان بؤبؤا عيناه يتحرك بعنف تحت جفنيه وانفاسه سريعة وغير منتظمة كأنه يجاهد في الفرار من شيء، شيء مرعب كأشباح أو ما إلى ذلك! ولكن ياليته شبح!
هو صديقه الذي رحل عنه بسببه. هو من أطاح به لحافة الموت فقط من أجل شعور باللذة سيدوم لساعات. ولكن الأمر لم يدم لساعات بل للأبد. فذهب هو لرب كريم واستمر هو في مسيرة حياته. تطيح به الحياة تارة من هنا وتارة من هنا ويتخبط في أزماتها مقاومًا دواماتها. فيذهب ويأتي للحياة مرات عديدة. والآن هدأت الحياة من سهامها التي تطلقها عليه متتابعة ولكن ضميره لم يهدأ. وسيظل يعاني من آلام الضمير في كثير من ذنوبه. ولن تتركه كوابيسه المزعجة مطلقًا حتى يتصالح مع نفسه!
فتح عينيه دفعة واحدة مفزوعًا وهو يلهث من الهلع. وهب جالسًا على فراشه. ثم أنزل قدميه في الأرض ودفن وجهه بين راحتي كفيه ويستغفر ربه مرارًا وتكرارًا. محاربًا شعورًا يمزقه ويضغط على أنفاسه التي تخرج متقطعة. فعجز عن مقاومة دموعه التي تصرخ مطالبة بالنزول. فسمح لها بالسقوط واجهش بالبكاء في صوت شبه مرتفع مرددًا من بين بكائه وصوته المبحوح: _سامحني يا وائل .. سامحني !!
نفضه في مكانه طرق الباب. فجفف دموعه فورًا وسمح للطارق بالدخول. وكان الطارق كرم. حيث دخل وأغلق الباب هاتفًا: _هو في حد بينام دلوقتي يابني!!! حاول جاهدًا إظهار صوته طبيعيًا وهو يزيح بعينيه عنه ويتمتم: _ما أنت كنت معايا في الشركة وشوفت كان الشغل إزاي النهردا كتير ومتعب. تقدم ناحية الأريكة الصغيرة وجلس عليها بارتياحية مغمغمًا في جدية ونبرة حازمة:
_طيب أنا ظبطت كل حاجة عشان البضاعة جاية بكرا. قبل ما تستلمها يازين تتأكد كويس إن كل حاجة مظبوطة مش عايزين يحصل زي المرة اللي فاتت. _متقلقش!! دقق كرم النظر في وجهه متفحصًا ملامحه. فتوقع أن كوابيسه قد عادت تطارده من جديد أو مازالت! ليصدر تنهيدة حارة قبل أن يسأله باهتمام: _إنت لسا بتحلم بوائل؟ ابتسم بمرارة وأجابه بخفوت وعجز عن مقاومة أي شيء. فهو كطائر مكسور الأجنحة ينتظر حتفه:
_وأنا من إمتى ارتحت. أنا في العذاب ده من عشر سنين ياكرم. لا أنا قادر أسامح نفسي ولا هو بيسبني ارتاح. انتصب في جلسته وانحنى للأمام قليلًا هاتفًا في زمجرة مفرطة بعد أن استفزته كلماته التي كلها ضعف وعجز:
_إنت ملكش ذنب في أي حاجة يازين. إنت كنت ضحية زيه. وسامح نفسك عشان ترتاح. كفاية تأنيب في نفسك. إنت غلطان أكيد بس غلطك كان عن غير وعي. وهو مات بسببك. ده قدره ويومه وساعته. تعددت الأسباب والموت واحد. يعني ده كان سبب. وبيك أو منغيرك كان هيموت بأي سبب تاني.
أشاح بوجهه للجهة الأخرى وهو يجز على أسنانه بقسوة. هو أكبر مذنب في كل هذا. هو من أطاح بنفسه لهذا الطريق. لم يجبره عليه أحد. هو من كان سبب كل ما حدث في حياته ويستحق أن يدفع الثمن. عاد بوجهه لأخيه وصاح به في صيحة متألمة: _أنا مليش ذنب في وائل. ومليش ذنب في الراجل اللي خبطته بالمخروبة بتاعتي ومعرفش عايش ولا ميت. ومليش ذنب في اللي بيجرالي!
لا أحب أقولك أن أنا استاهل كل اللي جرالي واللي بيجرالي. لإنه محدش جبرني على حاجة. أنا اللي اخترت أمشي في طريق المخدرات والإدمان بنفسي. لغاية ما وائل مات بسببي.
_وإنت ندمت وتوبت واتعالجت وأخدت سنة في المصحة وربنا هداك. وإذا كان بخصوص الراجل فقدامك. احنا قلبنا مستشفيات القاهرة كلها وملقناش اسمه. لا في سجلات الوفيات ولا المصابين. حتى عشان نعرف نوصله. لو ليك نصيب تقابله وتعرف مين هو هتقابله. وقتها هيبقى ربنا بيحبك وبعتهولك عشان تكفر عن ذنبك ويريحك من العذاب. بس باللي بتعمله ده هتأذي نفسك أكتر وعمرك ما هترتاح.
اكتفى بالصمت وهو يطرق رأسه أرضًا. فأكثر من يحب التحدث معه هو أخيه. من شدة قربهم لبعض لا يوجد شيء لا يعرفه أحد عن الآخر. ولهذا هو أكثر من يفهمه والعكس. ربما كرم هو ملجأ كل من يود البوح بشيء يخنقه. وتطلق عليه والدته (المصلح الاجتماعي) لرزانته وحكمته في حل الأمور. ولكن حين يسمعها تناديه بهذا الاسم ينفجر ضاحكًا ويوبخها توبيخًا لطيفًا. فتبادله الضحك هي وبقية أشقائه! هب واقفًا واقترب من أخيه ورتب على كتفه هامسًا بلطف:
_قوم اتوضى يلا. إنت مصليتش العشا في الجامع بسبب إنك نايم بعد المغرب زي الفراخ. وأنا كمان هروح اتوضى وأقول لماما ورفيف يتوضوا كمان عشان تصلي بينا جماعة. يلا قوم. أومأ لأخيه بابتسامة طيبة. فبادله إياها وانصرف مغادرًا لغرفته لكي يتوضأ كما قال له منذ قليل. فعاد هو يستغفر ربه بحزن وشجن. ثم وقف واتجه للحمام هو الآخر ليتوضأ... ***
مع إشراقة شمس يوم جديد. كانت العائلة مجتمعة في المنزل وجميعهم على طاولة طعام الغذاء يتبادلون الأحاديث ويضحكون ويمرحون. وكان على مقدمة الطاولة هدى وعند ذيلها يجلس كبير العائلة طاهر العمايري. كان الجميع في مرح وسعادة ما عدا يسر التي تتطلع بحسن في غل وحقد وأعين نارية. ولن تتمكن من حجب نفسها وإلا ستنفجر بهم جميعًا. ألقت نظرة على حسن الذي منشغل بالتحدث مع ابنة خاله التي أتت من السفر صباحًا. وكان هذا سبب في اندلاع نيران الغيرة بقلبها أكثر. حيث هتفت بابتسامة
صفراء ونظرة ماكرة: _طيب بما إننا كلنا متجمعين كدا ماشاء الله. حابة أقولكم حاجة تخص حسن عشان أفرح طنط هدى بيه!! وقفت اللقمة في حلقه وأخذ يسعل بقوة. فناولته هي كوب الماء هامسة بنظرة لئيمة ومتشفية: _على مهلك. زجره بنظرة نارية ومتوعدة وهو يزأر من بين أسنانه. ثم تناول الكوب من يدها وشربه دفعة واحدة. ثم نقل نظره بين العائلة وهو يرى نظرات الاستعجاب في أعينهم والاستفهام!
فلم تمهله هي الفرصة لينقذ نفسه حيث أكملت ببراءة متصنعة وهي تعطيه نظراتها الشيطانية: _أصل حسن رجع الشركة من كام يوم. فقولت أما أفرح مرات عمي بالخبر ده. بما إننا كلنا قاعدين. ظل يحدق بها شزرًا وعيناه تطلق شرارات ملتهبة. وكانوا يتبادلون النظرات بابتسامات لا يفهم ما تضمره هذه الابتسامات في الخلف سواهم. ولكن كرم كان يتابع الموقف ويبتسم لفهمه ما يجري بينهم. فدق هاتفه رنينه. ونظر للمتصل. ثم هب واقفًا وغمغم:
_طيب يا جماعة عن إذنكم. _ما تكمل أكلك يابني. _شبعت يا أمي. عن إذنك يا عمي. _إذنك معاك يابني. ثم نقل العم نظره لحسن وهتف باسمه بسعادة: _أيوه كدا ياحسن. ربنا يهديك يابني. اقف مع إخواتك وساعدهم. فرحتني والله! رتبت أمه على كتفه بابتسامة فخورة ومحبة. ثم استقام زين واستأذن من الجالسين حتى لا يتأخر على موعد العمل المهم. *** أجاب كرم على الهاتف في هدوء نبرته المعتادة. ولكن جاءه صوتها المفزوع وهي تهتف مستنجدة به:
_الحقني يا كرم. ماما تعبانة أوي ورافضة ما تاخد علاجها ولا تاكل حتى. ومش عارفة أعمل معاها إيه؟ أثارت قلقه وخوفها من نبرته المتلهفة والمرتعدة. فأجابها بخفوت محاولًا تهدئتها: _طيب اهدي ياشفق. مش راضية تاخد علاجها ليه؟ _مش راضية يا كرم والله. دي من امبارح رافضة. وأنا سبتها محبتش أضغط عليها. والنهردا تعبت أوي. وحتى الأكل مش عايزة تاكل. تعال يمكن تعرف تقنعها. هي بتسمع منك.
_طيب حاضر. أنا هلبس وهاجي دلوقتي. وحاولي معاها لغاية ما آجي يمكن توافق. أجابته بالموافقة في صوت به شيء من الرجفة. فاندفع هو ناحية غرفته ليرتدي ملابسه ويرحل فورًا.
أما داخل المنزل فقد انتهت يسر من طعامها وجلست بحديقة المنزل تنتظرهم حتى ينتهون من طعامهم. فانتبه لها حسن من النافذة واستقام مدعيًا الشبع واتجه لها بالخارج. رأته يندفع نحوها كالثور الهائج. فلاحت ابتسامتها المتشفية على ثغرها. وفي أقل من لحظة كان يقف أمامها ويجذبها من ذراعها خلفه حتى أدخلها بغرفة خارجية في الحديقة وأغلق الباب. ثم تحدث وهو يحاول التحكم في نبرة صوته: _إنتي بتشتغليني يعني وبتلعبي بيا؟
ما بلاش أنا يايسر. ده أنا وسخ وممكن أخليكي تكرهيني بجد. أطالت النظر به وشفتيها تميلان للجانب في استنكار. ثم تمتمت وهي تمر من جواره متجهة ناحية الباب: _وريني هتعمل إيه!! قبض على رسغها بعنف ودفعها بقوة. فاصطدمت بالحائط وتكمت تأوهًا. رغبت في إخراجه. فازدادت حمرة عينيها غضبًا وهو كذلك وصل لزروته. حيث حاوطها بين الحائط وبينه بيديه. وهمس في وقاحة معتادة عليه امتزجت بضجره:
_طالما إنتي دايبة فيا كدا وهتموتي على نظرة مني بس. اضايقتي ليه لما قولت عليكي الكلام ده؟ أنا أراهن بالعشرة إنك من عينك ده يحصل بينا!
لم تخجلها وقاحته. ولما تدهشها كثيرًا. ولكنها هيجت عواصفها وبرزت عن مخالبها القوية. هي تعرف أنه لم يتمكن من فعل شيء مما يقوله. ولكن مجرد القول يثيرها بالكامل. هذا الفاسق يتحدث وكأنها فتاة من الشارع وليست ابنة عمه الذي كان يتحدث معه بالداخل ويجلس معه على طاولة واحدة. فلم ترد على انحطاطه بالكلمات بل بيدها التي هوت على وجنته بقسوة وهي تهتف باشمئزاز:
_حيوان صحيح ومش راجل. عرفت إن اللي بعمله فيك تستاهله. ولسا هتشوف مني ياحسن. عشان أنا مبسبش حقي. ثم دفعته من أمامها واندفعت للخارج. وتركت العنان لدموعها المريرة والمنكسرة. نزلت الدموع حارقة كالنيران. فقلبها يتحرق من حبه وهو وغد لا يستحق عشقها له. فقط يستحق الكره. وهي تفشل في إعطائه الكره. فكل ما تفعله به هو بدافع عشقها له. وتضعه تحت راية انتقامها. انتقامها الكاذب! ***
متكورة في إحدى زوايا المنزل بجانب الحائط ومجهشة بالبكاء العنيف. مع حرصها على عدم وصول صوت بكائها لأذن أمها المريضة. تركهم أخيه فجأة ووالدتها بين الحياة والموت. حالتها الصحية تزداد سوءًا مع مرور الوقت منذ فجيعة أخيها. إن تركتها هي أيضًا فحتمًا ستلحق بهم. لم يتبقى لها سواها. وبدونها ستصبح وحيدة بلا عائلة أو ملجأ. ستصبح كالطائر الذي بلا عش وتأخذه الرياح وتلقي به حيثما تريد!
اليوم هو الخامس منذ وفاته. وسئمت من التظاهر بالقوة والثبات. وهي في أشد الحاجة للصراخ والبكاء. في أمس الحاجة لإخراج الألم الذي يأكل ويفتت قلبها. ولكنها تتحمل من أجل والدتها. وتفرغ عن ما في فؤادها ببكائها المنخفض والمتخفي بعيدًا عنها! أخرجها من موجة بكائها صوت رنين الباب. فوثبت واقفة وجففت دموعها عن وجنتيها. ولكن لا يزال أثر البكاء في عينيها. ارتدت حجابها ثم توجهت وفتحت الباب بتلهف بعد أن توقعت من الطارق.
فنظر هو لها وقال بقلق: _بقت كويسة؟ أجفلت نظرها أرضًا وهزت رأسها بالرفض في مرارة وأعين تستعد بالانفجار مجددًا. فهمس هو بإحراج وارتباك: _وليه العياط ده كله؟ إن شاء الله هتبقى كويسة. قوليلها بس إني جيت عشان أدخل أتكلم معاها. أماءت له وبسطت يدها تسمح له بالدخول، فدخل هو على استحياء. وجففت دموعها وتوجهت لوالدتها التي اشرقت من السعادة لعلمها بقدومه. وخرجت لتخبره بأنه ينتظره، فطلب منها أن تلحقه بالطعام والدواء خاصتها.
فتح الباب بعد أن طرقه بلطف ودخل، فاستقبلته هي بابتسامة مشرقة وسعيدة. ليقترب هو بعد أن بادلها الابتسامة العذبة وجذب مقعد وجلس قبالتها مغمغمًا برقة تليق بصوته الرجولي: _كدا برضوا تقلقينا عليكي يا أمي. التقطت الورقة والقلم وبدأت تدون له ما تود قوله. فقد فقدت قدرتها على التحدث نتيجة لصدمتها بخبر وفاة وحيدها. فأخذ من يدها الورقة وقرأ ما كتبت عليها والذي كان كالآتي: "مجيتش ليه امبارح؟ فأظهر الأسى والتأسف وتمتم باحترام:
_أنا آسف حقك عليا. كان معايا شغل كتير خالص والله ورجعت متأخر فمكنش ينفع أجيلكم. أماءت له مبتسمة كدليل على مسامحتها له ورتبت على كفه بحنو. دخلت في هذه اللحظة شفق واتبسمت براحة حينما رأت سعادة والدتها. وتأكدت أنها لم تخطىء عندما طلبت منه المساعدة. أما الأم فقد عادت تكتب من جديد: "أنا حلمت بسيف امبارح". قرأ ما كتبته وحارب عيناه التي كادت إن تدمع. ثم رفع نظره لها ورسم ابتسامة حانية على ثغره متشدقًا: _وقالك إيه؟
بدأت تكتب الحلم بالتفصيل في الورقة ودموعها تنهمر في صمت: "كنا بنتغدي وكنت إنت معانا وأنا كنت لابسة أسود أنا وشفق فهو اضايق وقلنا ليه لابسين اسود وطلب مننا نلبس الوان ولما بصلك ولقيك قاعد ساكت وزعلان خالص حط ايده على كتفك وابتسم زي كأنه بيقولك متزعلش وبعدين قالك وهو شبه مضايق إنت مش فرحان ليا ولا إيه!
قرأ الورقة وتلاشت ابتسامته لتحل محلها التوجع والحزن ولم يتمكن من حجب دموعه. ففرت من عيناه دمعة متمردة واسرع بمسحها. فقد آلمه قلبه كثيرًا بعد رسالته له الذي يخبره فيها بوضوح أن حزنه أو حزنهم جميعًا على وفاته أصبح يألمه ويعذبه. رفع نظره لها وأمسك بيدها يملس عليها بحنو وبابتسامة مريرة ثم أردف بخفوت:
_طيب وأهو جالك بنفسه وقالك إنه مضايق. ولما يلاقيكي مش بتاخدي علاجك ومش عايزة تاكلي وبتعيطي كدا هيضايق أكتر. يلا كلي وخدي العلاج مينفعش تقعدي كدا. اقتربت شفق منها وجلست على الفراش وهي تمد لها الطعام بتوسل: _يلا يا ماما عشان خاطري كلي. أمام إصرارهم استسلمت أخيرًا وبدأت في تناول الطعام من يده ابنتها التي كانت تختلس النظر إليه خفية وهو شارد بشجن في الورقة التي لا تعرف مضمونها حتى الآن سوى أنه حلم عن أخيها روته له أمها!
وبعد دقائق ليست بطويلة استأذن هو منها ليغادر ثم خرج وتبتعه هي لتودعه. فتوقف عند الباب وسألها: _لسا متصلش بيكي؟ فهمت أنه يقصد ذلك القذر الذي يبتزها، فهزت رأسها بالنفي ليكمل هو بجدية ممزوجة باللين: _طيب معلش ياشفق استحملي اليومين دول عشان مصلحتك. لو حابة تروحي كليتك أو أي مكان اتصلي بيا وأنا هوديكي وأجيبك. انفرجت شفتيها بذهول وأجابته في حياء شديد وتوتر:
_لا ملوش لزمة مش للدرجة. كفاية أوي اللي بتعمله معانا أنا مش عارفة اشكرك إزاي والله. _لا ليه لزمة وأوي كمان. احنا مش ضامنين الحيوان ده يعمل إيه. فاسمعي الكلام بالله عليكي ومتطلعيش وحدك لغاية ما أعرف مكانه. أنا حاولت أعرف مكانه من خلال الرقم اللي ادتهوني بس طلع بيتكلم من رقم كشك في الشارع. تمتمت بخجل بسيط وإحراج: _بس أنا مش عايزة أتعبك معايا. كفاية أنه لما يتصل هتصل بيك بلاش تدخل نفسك في مشاكل بسببي.
لم يبتسم ولكن نبرته ونظرته العفوية في لين. سرقت الكلمات من فمها ووسمت وسامه على يسارها وطالعته ببلاهة: _وهو لو رفيف مكانك كنت هسبها مثلًا؟ إنتي متعرفيش ممكن يعمل إيه متستهونيش بالموضوع. ولو عليا مفيش تعب ولا حاجة اطمني. بس خلينا نحل المشكلة دي من غير ما تتأذي.
كان يخبرها بشكل غير مباشر أنه يرى اهتمامه بها كاهتمامه بشقيقته وأنها ليست سوى شقيقة له. ولكن شرودها به عكس الآية وتوتر هو وشعر بالإحراج كعادته. ثم اشاح بنظره عنها وغمغم على عجالة كأنه يتهرب من وضعهم: _طيب لو حصل أي حاجة لمامتك كلميني وياريت زي ما قولتلك على خروجك وكدا.
لاحظت هي شرودها به فلعنت نفسها وخجلت ثم اماءت له بالموافقة لتنهي هي الأخرى هذا الحديث. فاستدار وانصرف فورًا. ولكن بعد خروجه رغم الكآبة التي تعم عليها ابتسمت مستنكرة وبتعجب من خجله وتذكرت كيف أشاح بعيناه ووجهه عنها بتوتر بعد أن رآها شاردة به. كيف لرجل أن يخجل هكذا! فهي لم يسبق لها رؤية رجل مثله ويبدو أن هناك خفايا أعجب من الخجل في شخصية هذا الرجل! ***
مع حلول المساء وهدوء الأجواء والظلام عم كل مكان. كانت الساعة تقارب على الحادية عشر وكانوا مجتمعين في الصالون العائلي يتبادلون الأحاديث باستثناء كرم الذي لم يعد للآن. تحدث زين في وجه صارم وحاد موجهًا حديثه لأمه: _بصي بقى ياست الكل متحطنيش قدام الأمر الواقع قدام الناس بعد الخطوبة وشغل اقعد مع خطيبتك واتكلموا. أنا معنديش الكلام ده. نظرت هدى لابنها وضربت كف على كف متأففة وقالت في نفاذ صبر: _إنت مصمم تنقطني يازين!!!
تدخل حسن وهتف بنبرة تحمل السخرية وهو يكتم ضحكته: _بص يامعلم الصراحة إنت غلطان. مكنش ينفع نروح نشوفها إنت كنت تخدتها زي ماهي ويوم الفرح تصدم بيها. طالعته هدى بنصف عينه هامسة بخبث: _ويتصدم ليه دي البنت ماشاء الله قمر ده حتى هو عجبته! غمز بعينه اليسار في لؤم وهتف ضاحكًا باستنكار: _ايوة بقى امال عاملنا فيها قال الله وقال الرسول ليه! رمقه شزرًا وهتف بحزم: _ما تتلم يالا! انحت رفيف على حسن وهمست في أذنه وهي تكتم ضحكتها:
_بس ياحسن لياكلنا.. احنا مش ناقصين. وضع يده على فمه يخفي ابتسامته التي انطلت منه رغمًا عنه. فتكمل هدى في رزانة وحنو محاولة اقناعه: _ياحبيبي لازم تقعد مع خطيبتك بعد الخطوبة وتتكلموا كدا عشان تتعرفوا على بعض. هتف شبه منفعلًا: _ماما متجننيش بلا اقعد واتكلم معاها ليه واتكلم معاها ليه ما اخدها في الشقة ونقفل على نفسنا احسن. أنا لما اقعد معاها وحدنا ده اسمه خلوة ودي حرام. _خلاص خلي رفيف تقعد معاكم أظن كدا معندكش حجة! صاحت
رفيف مسرعة في توتر وخوف: _لا اقعد مع مين أنا إيه يقعدني وسط مخطوبين وبعدين أنا لو قولت كلمة غلط وابنك معجبتهوش ممكن ياكلني. قال زين مبتسمًا ليتهرب من إصرار أمه: _ايوة عندها حق. نزعت هدى الشبشب والقت به على ابنتها صائحة باغتياظ: _اكتمي ياحيوانة يعني مش كفاية بحاول اقنع فيه! انفجر حسن ضاحكًا بقوة فنكزته رفيف في كتفه بضيق ويتابعهم زين وهو يبتسم. ثم هتف حسن من بين ضحكاته: _يا أمي احمدي ربك أنه تكرم وهيحضر خطوبته اصلًا.
بادل أخيه في المزاح قاصدًا إثارة غيظ أمه وتمتم يجاريه في الحديث: _قولها! .. ما تروح تخطب إنت بدالي ياحسن! دخل كرم من الباب وهتف مبتسمًا عندما رأى تجمعهم وضحكهم: _متجمعين عند النبي إن شاء الله. ردوا جميعهم بـ "آمين" ثم عاد زين ونظر لحسن كأنه يأخذ رأيه فيما طرحه عليه للتو. فهب واقفًا وقال وهو ينصرف بعيدًا عنهم: _اخطب مين صلي على النبي ياعم. أنا مش ناقص وجع دماغ. أجابه زين بنظرة مشتعلة ومغتاظة:
_آهاا ما أنت عجباك الصياعة. امشي متورنيش وشك بدل ما احدفك بالسكينة. تشدق ضاحكًا بمشاكسة: _الشيخ زين بجلالة قدره يقول هحدفك بالسكينة لا مكنتش متوقعها منك دي ياشيخنا. نزعت هدى حذائها الآخر وصاحت به: _ولو ممشتش ياحسن هحدفك أنا بالشبشب. _لا وعلى إيه امشي بكرامتي أحسن!!!
قالها ضاحكًا ومداعبًا. بينما كرم انحني على رفيف وهو يسألها عن ما يجري فبدأت تقص له حوراهم منذ البداية فيبادلها الضحك. بينما أكثر من يستشيط غيظًا بينهم هي هدى! *** أيام مرت بروتينية بعض الشيء على البعض. وباختلاف بسيط على البعض الآخر!
زين كان في الاستعداد لخطبته التي ستقام اليوم في إحدى المقاهي الفخمة وستكون بين العائلتان فقط وذلك بعد موافقة العروس والجميع وعدم ابداء أي اعتراض على اقتراحه. كان يستعد لهذه الخطبة وكأن يد تقبض على فؤاده وتعصره ومن الناحية الأخرى يد تربت على كتفه بحنو محاولة دفع الطمأنينة لنفسه المضطربة والوجلة!
أما كرم فكان يتخبط في أحزانه كما أعتاد. لا يقطع زيارة صديقه الحميم هو وزوجته كل يوم والتالي. ويلازم على زيارة منزل صديقه ليطمئن على أمه يوميًا حتى لا تبدي له ضيقها من عدم قدومه. وقلت محادثته لتلك الشفق التي جعلت من قدومه يوميًا حجة لتحادثه!
فتلوم وتعنف نفسها بشدة بعد رحيله وتقسم بأنها ستتصرف بحزم وستجعل الحديث مقتصر على إلقاء التحية فقط. ولكن في كل يوم تنكث وعدها لنفسها وتخترع حديث مختلف لتحادثه به. ربما ما يدفعها لفعل تلك الأمور المنافية لطبيعتها الملتزمة معه هو أنها بدأت تنتبه لتفاصيله أكثر واصبحت تفهم أن عندما يتكلم وعيناه تقعان على كل شيء إلا عليها يكون مضطرب أو مستحي!
وربما ايضا أنها بدأت تلذذ برؤية خجله الغير مألوف لها على رجل من قبل. مع ابتسامته الساحرية عندما تميل شفتيه لليسار في لطف فتحلق في جمالها ونظرات عيناه الرمادتين كانت كسهام صائد محترف يصوبها نحو يسارها بإحترافية. " مهلا هل اتغزل به!!! " قالتها لنفسها في ذهول. فعادت تعنف نفسه بقسوة " عودي لرشدك ايتها الحمقاء وكفاكي تصرفات فاسقة!! الرجال بالألوف ألم تجدي رجل سواه لتعجبي به؟!
" فتعود وتجيب في هيام " وكيف لامرأة تملك عقل تستطيع مقاومة هذا الرجل الفريد".
أما عن حسن فلا يزال في حياته الفاسدة، بالنهار عمل لا يتقنه على أكمل وجه وبالليل سهرات وفتيات. وأصبح في حرب حقيقة مع ابنة العم، وصارت كعدو لدود تسعى لتدمير حياته في وجهة نظره. فلم يحرمها من مزيد من معاملة المرء لخصمه، ولا يمل من إظهار جانبه الفاسق أمامها ووقاحته المألوفة. فتارة تقابله ببرود وتارة بغضب، ولكن كل هذا يزيد من إصرارها على تلقيه الدرس الذي يستحقه. مع إصراره هو على كسر أنفه العالي وجرح كرامته عن طريق محاولاته الوقحة في الاقتراب منها وكلماته الفظة والوضيعة لها، بالأخص بعد الصفعة التي تلقاها منها وزادت من لهيب النيران اشتعالاً داخله وجعلته أكثر إلحاحاً في خوض هذه المعركة التي سيخرج منها حتماً منتصراً كما هو متصور.
ورفيف منسجمة في تلك الرواية التي استعارتها من إسلام، تقرأها مرة واثنان وثلاثة حتى قاربت على حفظها. وتتشوق ليوم الخطبة أكثر من أخيها حتى تراه وتعيدها له وتخبره عن مدى سعادتها بقرائته وأنها جميلة بالفعل.
على الجانب الآخر كانت شفق تستعد للخروج للذهاب لكليتها بعد غياب دام لأسبوعين منذ وفاة شقيقها. ولم تلتزم بتنبيهات كرم لها المتكررة بعدم الخروج بمفردها. وبعد ساعات دامت لآذان العصر في كليتها خرجت أخيراً وقررت أن تذهب لزيارة قبر أخيها. واستقلت بإحدى سيارات الأجرة وبعد دقائق نزلت منها أمام المقابر وقادت خطواتها نحو الداخل حتى وقفت أمام باب مرقده. وفتحت الباب الحديدي ودخلت وأخذت تتطلع إليه لا تستوعب أنه في التراب. وحين
تتحدث إليه الآن لن يجيبها ولن يضمها ويجفف دموعها. لن يشاطرها أحداث يومه بعد الآن ويخبرها عن مغامراته الشرطية وعن الجرائم التي تمر عليه يومياً. باختصار شديد هو لم يعد موجود جسدياً، ولكنها تشعر بروحه تتنقل حولهم في كل مكان وبالأخص في المنزل وغرفته مفعمة برائحة عطره الرجولية. حتى الآن تراه في كل جزء منها.
خرت أمامه ببكاء عنيف ونشيج مسموع تتحدث إليه من بين بكائها بكلمات غير واضحة. وتتلمس على التراب الذي يتوارى جسده أسفله بتحسر وهمس في صوت متقطع:
"وحشتني يا سيف أنا بموت من بعدك. لا أنا ولا ماما لينا غيرك. أنا بقيت بحس بيك في كل مكان حواليا. وحشني حضنك وضحكك وهزارك معانا وحكاوينا طول الليل. ليه سبتني وحدي أنا ضهري اتكسر من بعدك يا حبيبي. عارفة إنك بتتضايق لما نشوفنا بنعيط كدا بس غصب عني مش قادرة اتصنع القوة أكتر من كدا أنا...
شعرت بيد توضع على كتفها. فلل وهلة ظنته كرم لعلمه أنه هو الوحيد الذي لا يفارق قبر أخيها وملازم على زيارته وعلى إسقاء الأزهار الصغيرة والصبار الذي زرعه حول قبره. فكادت أن تبتسم، ولكن حين وقفت واستدارت بجسدها بالكامل فرت دماء وجهها وتملك الرعب منها بمجرد رؤيتها لهذا الوغد الذي يبتزها. فتراجعت للجانب هاتفة بفزع: "إنت بتراقبني؟ أجابها باسماً بشيطانية:
"أنا سبتك أسبوعين وقولت أخوها مات وحرام. مش هو ده الظابط اللي كان هيودني في داهية برضوا. خلاص يا مزة معدش في حد هينقذك مني والصراحة بقى أنا صبرت عليكي كتير. يا تديني اللي أنا عاوزه بالذوق يا أفضحك. فتدهوني بالتراضي لإني كدا كدا هاخده حتى لو بالغصب وساعتها هبقى أخدت اللي عاوزه وفضحتك." ثم أخذ يقترب منها وهي تتراجع حتى التصقت بالحائط ومال نحوها ببطء قاصداً تقبيلها. وهي تحاول أن تتفاداه وتهتف بتحذير كان فاشلاً
في تحريك شعرة منه: "ابعد عني بدل ما أصوت وألم عليك الناس." "مفيش حد في المقابر يا مزة غيرنا وزي ما إنتي شايفة دي مقابر أوض يعني محدش هيشوفنا."
بدأت ترتجف برعب وهي تراه يقترب أكثر. ففكرت في أي طريقة لتهرب منه ولم تجد سوى طريقة واحدة. فرفعت قدمها وركلته أسفل الحزام واندفعت للخارج تركض كالسارق الذي يهرب من مالك المحل الذي سرقه. تركض وتلتفت خلفها في رعب حتى وصلت للشارع العام. ومن رعبها لم تتمهل عند عبورها فلم تشعر بنفسها سوى وهي تفقد وعيها تدريجياً على الأرض وصوت فوقها يردد في ارتياع: "يا آنسة ردي عليا إنتي كويسة. يا آنسة!!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!