الفصل 44 | من 45 فصل

رواية ضروب العشق الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم ندى محمود توفيق

المشاهدات
18
كلمة
5,264
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 98%
حجم الخط: 18

فتحت شفق عيناها وتململت في الفراش بانزعاج من أشعة الشمس المتسللة إلى عينيها من النافذة. لمحته يقف أمام المرآة لكنها لم تدرك ما الذي يفعله في البداية فقالت بخمول: _اقفل الشباك ياكرم مش عارفة أنام! أتاها صوته الحاني وهو يقول مداعبًا: _تنامي إيه تاني! الساعة عشرة يا شفق. ده أنا بصحي بلاقيكي صاحية قبلي من الساعة سبعة. كفاية يلا قومي بلاش كسل. _اووووف ياكرم.

اعتدلت جالسة وهي تتأفف، وتفرك عينيها لتزيح عنهم آثار الخمول. فانتبهت أخيرًا إلى ملابسه وهو يقف يسرح شعره الغزير ويهندم من مظهره. ضيقت عينيها وقالت بحزم: _إيه ده! إنت رايح فين؟ كرم ببساطة وهو مستمر في تسريح شعره غير مبالٍ بنبرتها الحازمة: _رايح الشركة. هبت واقفة من الفراش واقتربت منه تهتف بنفاذ صبر وسخط: _يعني مفيش فايدة فيك! ده بدل ما تقعد في البيت وترتاح عشان متتعبش أكتر عايز تروح الشغل! استطرد ببرود

تام وعدم اكتراث لسخطها: _شفق إنتي مش شايفة إنك مزوداها شوية. ده الدكتور ذات نفسه لما كنا عنده امبارح قال إن وضعي الحمدلله كويس أوي وكلها أسبوعين ولا أكتر وهرجع أمشي على رجلي زي الأول. فملوش لزمة القلق ده كله. أشارت إلى نفسها بسبابتها بما جحظت عيناها من رده: _يعني أنا مزوداها عشان خايفة عليك! استدار لها وانحنى على وجنتها يلثمها برقة متمتمًا: _لا مش قصدي كدا ياحبيبتي أكيد. بس أنا خلاص جبت اخري من قعدة البيت.

تنهدت الصعداء بعدم حيلة ورفعت جسدها الضئيل لقامته الطويلة والعريضة لتطبع قبلة على وجنته المزينة باللحية الخفيفة وتمتمت: _طيب بس متتأخرش ياحبيبي ومترهش نفسك في الشغل. _حاضر ياقلب حبيبك. ثم مال عليه وهمس غامزًا بعينيه في لؤم ونظرات جريئة: _عايز أرجع ألاقي أميرتي مجهزالي سهرة صباحي حلوة كدا زيها. ابتسمت له بحب وهمست بدلال أنوثي جميل: _بس كدا من عيوني.

خطف قبلة سريعة قبل أن يستدير وينصرف، تاركًا إياها تتنهد بحرارة. ثم اتجهت للحمام حتى تأخذ حمامها الصباحي المعتاد. *** داخل مقر شركة عائلة العمايري. وأخيرًا بعد غياب دام لثلاث أيام هاتفه يعطي الرنين. تهللت أساير حسن الذي كان يتصل به حيث نظر إلى أخيه وقال بوجه مشرق: _بيرن الحمدلله. ردد كرم خلفه براحة وابتسامة عريضة: _الحمدلله. لما نشوف الأستاذ كان بيعمل إيه وقافل تليفونه ليه.

ظل حسن مترقبًا لإجابته على الهاتف، لكن الرنين طال ولا توجد إجابة منه. وعلى آخر رنة سمع صوته يهتف بهدوء: _أيوه ياحسن. هدر حسن بعصبية بسيطة معنفًا إياه بشراسة: _إنت بتستهبل يا زين! ليك تلات أيام قافل تليفونك ومحدش عارف يوصلك والكل قلقان عليك وأمك ومراتك هيتجنوا من الخوف عليك. أجاب عليه بصوت رخيم: _كنت عايز أقعد وحدي لكام يوم وقفلت تليفوني عشان محدش يزعجني ياحسن. ضحك حسن من الغيظ على إهماله ونظر لكرم ثم ناوله

الهاتف وقال بصوت صلب: _خد كلمه إنت عشان أنا لو اتكلمت أكتر من كدا هتخانق معاه. جذب كرم الهاتف منه وأجاب على أخيه بنبرة رزينة: _أيوه يازين. في إيه وإنت من إمتى بتقفل تليفونك يابني. يعني إنت مش عارف أمك بتقلق إزاي من أقل حاجة. ثم إن شغل إيه ده اللي معاك هناك! _كان معايا شوية حاجات خلصتهم وجاي بكرة متقلقوش. ابقى اتصل بماما وطمنها وأنا هكلم ملاذ. لمس نبرة الشجن في صوته فثبت نظره على حسن الذي كان

يحدق به بتركيز وقال بخفوت: _إنت قولت لإسلام ولا إيه؟ زين بصوت مهموم: _اممممم قولتله وكنت محتاج أقعد مع نفسي شوية عشان أستعد لما أرجع لردة فعل ملاذ كمان. هتف كرم بنبرة مشفقة عليه وبدفء: _أنا واثق إن ملاذ هتفهمك. بعدين أنا قولتلك قبل كدا إن إنت كمان كنت ضحية في اللي حصل يا زين. ارتفعت نبرة صوته وهو يقول في شبه صيحة مستاءً:

_متحاولش تقنعني إني مش غلطان ياكرم. أنا اللي عملت في نفسي وإسلام كدا. وأنا اللي خبيت عن مراتي لغاية ما وصلنا للمرحلة دي. ودلوقتي لازم أتحمل نتيجة أخطائي زي ما اتحملتها زمان. لوى فمه بأسى على أخيه وتمتم بخشوع: _طيب هدى نفسك خلاص ولما تيجي بكرة نبقى نقعد إحنا التلاتة ونتكلم. _سلام.

قالها بجفاء قبل أن ينهي الاتصال فورًا. فأنزل كرم الهاتف من على أذنه متنهدًا بضيق ليرمق حسن الذي كان حاله لا يختلف عنه كثيرًا. والوضع لم يكن يحتاج لشرح حيث أنه فهم كل شيء من آخر جملة قالها كرم. ***

تقوم بتحضير وجبة الغذاء في المطبخ، فقد اقترب موعد قدوم زوجها وهي اعتادت أن يعود من عمله يجد الغذاء جاهزًا. بالرغم من أنها لا تشعر نفسها بخير منذ الصباح ولكنها تتحامل على نفسها وتكمل مهامها، متجاهلة الألم الذي يمسك في بطنها وينغزها كالذي وجد سكينًا فيغرزها ويخرجها من معدتها بقوة.

وبينما هي مندمجة في تقطيع الطماطم اجتاحها ألم لا يحتمل. التوى ظهرها للأمام على أثره وهي تتأوه بقوة ممسكة ببطنها. وظلت ممسكة بها على أمل أن يذهب الألم ولكنه يزداد أكثر فأكثر. فتعالت صوت تأوهاتها وسارت للخارج بصعوبة حتى وصلت إلى هاتفها فالتقطته وأجرت اتصالًا به، بعدما جلست على الأريكة وهي تضغط على بطنها كاعتقاد منها أن الألم سيخف هكذا. لكن العكس! أجاب على الهاتف بصوت طبيعي ليأتيه صوتها المتأوه والذي يغلبه

البكاء وهي تستنجد به: _أيوه يا علاء تعالى الحقني بسرعة. تعبانة أوي. كان سيجيب عليها ليسألها مالذي بها بالضبط لكن صك سمعه صوت تأوهاتها المرتفعة فوثب من مقعده مزعورًا وقال بصوت متلهف: _حاضر حاضر أنا جايلك اهو ياميار. أنزل الهاتف من على أذنه والتقطت مفاتيحه الخاصة وغادر مكتبه مهرولًا إلى الخارج. بينما يسر كانت في طريقها إليه لكنها تصلبت مكانها بعدما رأته يركض بهذا الشكل لتصيح منادية عليه بقلق: _عـــــــلاء!

لم يجيبها وربما لم يسمعها حتى من فرط توتره على زوجته وهلعه. فقوست حاجبيها بريبة ومن داخلها تدعو ربها أن لا يكون هناك شيء سيء حدث. ثم غيرت وجهتها واتجهت نحو مكتب زوجها. *** فتحت الباب دون أن تطرق ودخلت فرأته يقف أمام النافذة الكبيرة واضعًا كفيه في جيبي بنطاله ويعطي للباب ظهره. التفتت خلفها تجاه الباب وأغلقته بحذر حتى لا يصدر أي صوت مزعج. ثم تحركت نحوه ووقفت بجواره ممسكة بكفه هامسة باهتمام: _مالك ياحبيبي!

سحب كفه بقسوة من بين يديها، لتستقر في عيناه نظرة مرعبة وهو يجيبها بغلظة صوته الرجولي: _إنتي إيه اللي جابك! ارتبكت قليلًا من لهجته ونظرته. هدرت بخفوت: _لقيت نفسي كويسة ياحسن فقولت آجي الشركة أصل الشغل وحشني. ومنها أساعدك شوية. تحول إلى جمرة نيران متوهجة حيث رأته وهو يعتدل في وقفته ليصبح مواجهًا لها تمامًا ويقول بلهجة أشد قسوة وخشونة من السابقة: _إنتي شاورتيني قبل ما تطلعي وقولتيلي إنك عايزة تاجي الشغل!

أخذت نفسًا عميقًا وتمتمت بطاعة تامة دون أن تدخل معه في أي جدال: _أنا آسفة كان لازم أشاورك الأول فعلًا. بس متوقعتش إنك هتتعصب يعني! أصبح كبركان على وشك الانفجار وهو يهتف بنظرة دبت الخوف في نفسها: _وهو أنا المفروض متعصبش لما تطلعي من غير ما تقوليلي مثلًا! تراجعت خطوة للخلف وأجابته بنظرات مستغربة: _في إيه ياحسن مالك!

تفحص ملابسها بعينيه التي كانت تطلق شرارات الغضب العاتية. ترتدي نفس الرداء الذي يثير جنونه ويعصبه. هتف في شبه صيحة عنيفة بها وهو يشير بعينيه على ملابسها: _بعدين أنا كام مرة هقول الفستان الزفت ده متلبسيهوش تاني. هبطت بنظرها على ملابسها ثم رفعته مرة أخرى وثبتته عليه تطالعه بريبة من عصبيته الغريبة. هي أخطأت بالفعل لكن يبدو أن الأمر ليس لمجرد خروجها بدون إذنه فقط. ومن حماقتها أنها لم تنتبه لكلامها وتحدثت

بعفوية وشيء من الخنق: _إنت متعصب كدا ليه. أنا مش كنت متفقة معاك امبارح إن ممكن أرجع الشغل النهاردة أو بكرة. بس لما لقيت راسل موجود قولت آجي وبالمر أسلم عليه. رسم ابتسامة مخيفة على شفتيه ولمعت عيناه بوميض ليس طبيعيًا. كأنه كان ينتظر منها هذا الرد! فور رؤيتها له على هذا الوضع أدركت فداحة الخطأ الذي ارتكبته بسذاجتها. فكيف تخبره أنها جاءت خصيصًا لرؤية أكثر شخص يكرهه ولا يطيقه!

رأى في عينيها نظرات مضطربة من مواجهة طوفانه. تقهقرت للخلف ولا تزيل نظرها عنه حتى اصطدمت بالمكتب فوقفت واستندت بكلتا كفيها على سطحه وانحنت بنصف جسدها للخلف بعدما وجدته يهل عليها بهيئته الضخمة وينحني للأمام عليها هامسًا وهو يصر على أسنانه بقوة وبهدوء ما قبل العاصفة: _آه يعني إنتي جاية عشان تشوفي راسل! هزت رأسها يمينًا ويسارًا عدة مرات متتالية تنفي إجابته بتوتر ملحوظ. فيستكمل هو استجوابه المخيف لها:

_كنت بتعملي إيه معاه تحت! يسر بابتسامة لطيفة تحاول تهدئة الأجواء المتوترة: _ولا حاجة ياحبيبي. أنا شوفته وأنا داخلة الشركة وهو كان طالع ووقفت سلمت عليه وسألته عن خالتو. وبس. تمتم مستنكرًا إجابتها: _وبس! رفعت كتفيها لأعلى تهمس برقة: _أه وبس. عادت نبرة صوته لترتفع من جديد وتاخذ عيناه اللون الأحمر مرة أخرى وهو يهتف محاولًا كتم غيظه: _ليكي ربع ساعة واقفة معاه وبتسأليه عن خالتك! ليه كان بيحكيلك يوميات أمه ولا إيه!

ضحكت بتكلف لتلطيف الجو وضربته على أعلى صدره بخفة هاتفة بمزاح: _دمك خفيف يابيبي والله. انتفضت واقفة على أثر صرخته بها منفعلًا من تعاملها مع الموقف ببساطة: _أنا مش بهزر يايـــســـر! لوت فمها بتذمر وتفادت النظر إليه لتقول بامتعاض: _حاضر ياحسن هقطع علاقتي بابن خالتي خالص عشان ترتاح.. حلو كدا! ثم همت بالاندفاع إلى خارج المكتب لولا يديه التي قبضت على ذراعيها وقال بلهجة صارمة: _خدي هنا رايحة فين؟ _رايحة مكتبي!

_مش هتروحي مكان.. اقعدي هنا على الكنبة وأنا هخلص شغلي وهاخدك ونروح البيت. همت بأن تعترض على أوامره فباغتها هو برده الأسرع منها وهو يحدجها بنظرات محذرة وقوية: _سمعتي قولت إيه ولا لا؟ جذبت ذراعها من بين قبضتيه بعنف وهي تتأفف بحنق ثم اتجهت إلى الأريكة وجلست عليها كما أمرها، فالقى هو عليها نظرة مشتعلة قبل أن يستدير ويعود ليجلس على مقعد مكتبه الخاص ويباشر أعماله من جديد، فتقول ببرود كنوع من إيجاد أي حجة حتى تخرج:

_طيب أنا عاوزة اروح الحمام. حسن بعدم اكتراث بها وهو يشير بسبابته على وجهة الحمام: _الحمام عندك اهو ادخلي. نظرت إلى الحمام الملحق بغرفته الذي يقصده فقالت بتمرد وضيق: _لا انا مبحبش ادخل الحمام بتاع مكتبك. رمقها بنظرة نارية ثم استقام واتجه إلى باب المكتب ليغلقه بالمفتاح ويقول باستياء: _مش هتتحركي من الأوضة ياهانم.. ورجلك مش هتعتب الشركة هنا نهائي طول ما ابن خالتك الملزق ده موجود.. فاهمة ولا لا.

حدجته بنظرات متقرفة تدل على عدم إعجابها بتلك التعليمات الصارمة، ولكن بمجرد ما أن اعطاها ظهره وعاد لمكتبه، ابتسمت على سخافة الموقف الذي وضعت فيه وعلى غيرته المفرطة وتصرفاته الغريبة التي بقدر انزعاجها منها إلا أنها تضحكها وتسعدها! *** عيناها عالقة على السقف وحوائط الغرفة المطلية جميعها باللون الأبيض، كل شيء في الغرفة لونه أبيض.. كأنهم يؤكدون للمريض بمجرد ما أن يفتح عيناه أنه بغرفة مستشفى.

رأت الباب ينفتح ويظهر من خلفه زوجها، اغلق الباب خلفه واقترب منها ليجلس بجوارها على حافة الفراش هامسة بنظرات حانية: _عاملة إيه دلوقتي ياحبيبتي. _كويسة الحمدلله ياعلاء.. قولي الدكتور قالك إيه؟ غمغم بخفوت وبابتسامة شبه خفيفة: _قال إنك حامل وكان هيحصل إجهاض بسبب إنك مكنتيش بتهتمي بنفسك بس الحمدلله ربنا ستر. وثبت جالسة بفرحة غامرة وهي تجيبه بعدم أستيعاب: _أنا حامل بجد ياعلاء! اجابها وهو يسخر من ردها بمزاح:

_آه معلش أصل اثناء ما كنا بنلعب لعبة عريس وعروسة خدتنا الجلالة وحصل حمل. ضربته بخفة على ذراعه وهي تضحك وتقول: _بلاش قلة أدب وغلاسة. _ماهو إنتي اللي غريبة.. هو اللي حامل بجد، أمال بهزار يعني! رفعت حاجبها وقالت بترقب ونظرة مدهوشة بعدما احست بعدم سعادته بهذا الخبر: _علاء أنت مفرحتش إني حامل؟ هرب بنظراته منها وقال بخوف مزيف وتوتر: _اقولك الحقيقة ومتزعليش.. الصراحة لا!

جحظت عيناها وفغرت فمها بصدمة من رده ليستكمل هو مغتاظًا: _أصل أنا مش فاهم العيل ده مستعجل على الدنيا كدا ليه! مش كان صبر شوية، ده انا حتى ملحقتش اشبع منك ياميار، كدا ظلم والله! ضحكت بقوة على آخر جملة وقالت بارتياح مداعبة إياه: _اوووف حضتني ياخي وأنا اللي افتكرتك مش فرحان بجد ومش عايز طفل مني. قال بقرف كانت ستظنه حقيقيًا لولا أنها تعرف أنه يمزح: _ما أنا مش فرحان بجد! اكملت مزاحها لتجيبه وهي تضحك بخفة:

_لا متخفش هتفرح بعدين، هي صدمة البدايات كدا بتكون قوية شوية معلش ياحبيبي.. بعدين متزعلش نفسك هنعوض الأيام دي كلها إن شاء الله بعد ما اولد. لوح بيده لها في استهزاء وخنق مجيبًا عليها مستنكرًا: _ده على اساس إنك هتكوني فضيالي أصلًا! ظهرت علامات الدهشة على محياها بعدما فكرت في هذا الشيء، وقالت وهي تضحك بصدمة: _علاء إنت بتغير من ابنك ومن قبل ما ياجي حتى!

قهقه بصوته الرجولي بعدما سمع منها هذه الجملة وضمها لصدره يقبل رأسها برقة متمتمًا بعاطفة جياشة: _لا مش للدرجة! هو آه أنا متغاظ بسبب إني ملحقتش اتهني زي البني آدمين بمراتي والباشا هينطلنا في النص بدري أوي، بس ده ميمنعش إني فرحت أوي بالخبر ده واول ما قالي الدكتور الفرحة مكنتش سيعاني. تشبثت به أكثر وهي تهمهم بحب وصوت ناعم: _ربنا يخليك لينا ياحبيبي.

اكتفي بالرد على جملتها بأنه عاد يلثم رأسها بعمق ويمسك بكفها يرفعه لشفتيه ليلثم باطنه أيضًا. *** في تمام الساعة الحادية عشر قبل منتصف الليل... كامنة في مضجعها مستندة بمرفقها على الوسادة وكفها أسفل وجنتها، عقلها لا يتوقف عن التفكير به.. ماذا حدث له؟ لماذا لا يتصل؟ هل هو مريض أم أنه مزعوج منها في شيء؟ ألا يعرف أنها ستكون قلقة عليه؟ على الأقل يتصل ويطمئنها بأنه بخير!

ربما تكون هي منزعجة منه بالفعل ولكن هذا لا يعني أن تتغاضي عن غيابه عنها طوال هذه المدة، وبإهماله وعدم اهتمامه بخوفها عليه، مما جعل غضبها منه يتفاقم للضعفين وعندما يعود ستحاسبه على أفعاله حسابًا عسيرًا، وبدلًا من استجوابها له على خطأ واحد سيكونوا أثنين!

رفعت أناملها تمسح دموعها المنهمرة على وجنتيها بغزارة، فقلبها يؤلمها وتحزن على الوضع الذي وصلوا إليه.. هي هنا تتحرق خوفًا وشوقًا له وهو ليس مهتمًا بشيء، ومن جهة أخرى انزعاجها منه بسبب ما اخفاه عنها بينما هو هناك يتخبط وحده بسبب أخطاء الماضي التي تلاحقه ولا تتركه ينعم بحياة مسالمة!

جذبها من قوقعة أحزانها صوت رنين الهاتف، تجاهلته في باديء الأمر ولم تهتم له، فهي ليست في الوضع الذي يسمح لها بالتحدث مع أحد، لكن الرنين لم يتوقف والمتصل مُصر على أزعاج صاحب الهاتف، فانتابها الفضول حول معرفة هوية ذلك المتصل المزعج لتلتقط الهاتف وتجيب بعصبية: _الو مين معايا؟ حبس أنفاسه لثلاث ثواني بالضبط وأخرجهم في زفير طويل سمعته هي في الهاتف ثم تحدث بخفوت: _عاملة إيه ياحبيبتي؟

تجمدت ملامحها للحظة فور سماعها لصوته، لتصبيها مشاعر متضاربة مابين السعادة والغضب والقلق.. لكن الغضب كان سيد الموقف حيث هتفت تجيبه عليه ساخرة وبانفعال: _حبيبتك! ليك تلات أيام قافل تلفونك ومنعرفش حاجة عنك ومش هامك أي حد.. حتى مهنش عليك تكلمني تطمني عليك يازين، أنا كنت هتجن من خوفي عليك. زين بشجن وأسف: _أنا آسف! عادت دموعها لتناسب على وجهها من جديد فتسأله هي بصوت يغلبه البكاء: _كنت بتعمل إيه يازين هناك وقافل تلفونك ليه؟

غمغم بنبرة خاشعة تنسدل كالحرير ناعمة: _لما اجي هفهمك كل حاجة والله متقلقيش. _وإنت سيادتك جاي إمتى بقى؟ _بكرا على العصر إن شاء الله.. ابقى روحي البيت من الصبح واستنيني عشان هنتكلم مع بعض في كام حاجة. ملاذ بنبرة عادية وامتثال لأوامره: _حاضر يازين.. توصل بالسلامة إن شاء الله. _في حفظ الله.

رددت نفس الجملة التي قالها قبل أن تنزل الهاتف من على أذنها وتنهي الأتصال وهي تضم حاجبيها بحيرة.. فهي الآن تأكدت أن به هم، صوته ليس طبيعيًا أبدًا، كان مهمومًا وحزينًا وبه لمسة الإنطفاء التي لم تشهدها أبدًا فيه منذ زواجهم! ***

كان كرم جالسًا على المقعد في غرفته ويعطي ظهره للباب وبيده كتابًا يقرأه، بينما هي فتسللت دون إن يشعر وأغلقت الباب بحرص شديد حتى لا يشعر بها، ثم سارت على أطراف أصابعها إلى كبس الكهرباء واطفأت الضوء، فاظلمت الغرفة بأكملها إلى ظلام دامس! ترك الكتاب من يده وعقد حاجبيه وهو يهتف باستغراب: _هي الكهرباء قطعت ولا إيه! كان على وشك أن يقف ولكن صك سمعه صوت موسيقة عربية قديمة.. إلا وأنه الموشح الاندلسي الشهير ( لما بدا يتثني )

، استدار بمقعده للخلف فإذا بضوء الغرفة يعود ويراها تقف توليه ظهرها وترتدي بذلة رقص من اللون الأسود وبقطعتين، تنورة طويلة بها نقشات ذهبية عند منطقة الخصر وتنسدل لأسفل باتساع لتعطي منظر انوثي مثير، وشعرها الأسود الحريري ينسدل على ظهرها ليغطي نصفه، وكانت هي ترفع كلتا ذراعيها لأعلى تلوي رسغيها وكفيها بشكل احترافي على الحان الموسيقى وخصرها يميل يمينًا ويسارًا برقة.

انعقد لسانه وبقى محملقًا بها في ذهول حتى وجدها تنزل ذراعيها تدريجيًا وتستدير له بجسدها كاملًا فور البدء في كلمات الأغنية وهي تبتسم بساحرية وكان على وجهها شيء يبدأ من أنفها ويتدلي من اليسار إلى اليمين بخيوط أشبه بالأسوار المطرزة بحبات من اللون الفضي تغطي نصف وجهها، وعيناها رسمتها بمساحيق الجمال الخاصة بالنساء في شكل مذهل.

في تلك اللحظة رأت فمه ينفتح بحركه تلقائية وتنزل شفته السفلي قليلًا للأسفل، وقرأت في عيناه نظرات الإعجاب والرغبة فكتمت ضحكتها واكملت تمايلها على الحان الموسيقى برقة وأنوثة أكثر لتزيد من جرعة الإغراء، بينما هو فاغلق فمه وازدرد ريقه متمتمًا بنظرات جريئة: _صحيح أنا اللي طلبت وقولت نفسي ترقصي، بس احنا متفقناش على كدا! تلاعبت بحاجبيها وهي تضحك بدلال، ليضيق هو عيناه بنظرات وقحة ويهمس بوعيد ماكر مبتسمًا:

_كملي كملي.. ليلتنا فل إن شاء الله! انطلقت منها ضحكة أنثوية متأججة تمكنت من إثارته أكثر، لكنه رغم كل هذا يتحكم في شهواته بصعوبة. رجع بظهره على المقعد للخلف، يجلس بإريحية أكثر، يتابعها وهي تتمايل أمامه وابتسامته المعجبة واللئيمة تزين شفتيه. سمعته يدندن مع الأغنية كالآتي وعيناه ثابتة عليها لا تتحرك: "وعدي وياحيرتي وعدي وياحيرتي من لي رحيم شكوتي في الحب من لوعتي إلا مليك الجمال إلا مليك الجمال"

استمرت في تمايلها وهي تسير باتجاهه حتى ولته ظهرها ومالت للخلف عليه بشعرها وتهز كتفيها برقة وعلى شفتيها ابتسامة تأثر أقوى وأعتى الرجال. لكنه كان يمتلك بثبات، بثبات انفعالي رهيب أمام كتلة الجمال الصارخ المتجسدة أمامه، ويكتفي بالمشاهدة والابتسام في نظرات ليست بريئة أبداً. كأنه ينتظر اللحظة ليعلن انقضاضه. أما هي، كلما ترى نظراته تضحك بقوة، وبالأخير توقفت بأرضها وهي تخفي ضحكها بكفها. فتسمعه يهمس بغمزة خبيثة:

"كملي لسا مخلصتش الأغنية! نزعت ذلك الشيء الذي يخفي نصف وجهها وقالت مبتسمة بحياء بسيط، فلا تنكر أن نظراته أخجلتها بعض الشيء: "لا كفاية كدا.. إنت أحمد ربك إني عملتها ورقصت أصلاً. دي في حد ذاتها معجزة. وأعمل حسابك هي أول مرة وآخر مرة." استقام واقفاً وسار إليها ببطء بسبب قدمه، حتى لف ذراعه حول خصرها وجذبها إليه هامساً بابتسامة عريضة: "ليه؟ ده أنا بحب آمان آمان دي أوي! بقى عندك المواهب الجامدة دي ومخبياها عني؟

كله ده يامفترية؟ دي ولا أجدعها صافينار." تهجمت ملامحها وأظهرت عن أنياب الأنثى الشرسة وهي تقول بغضب: "وإنت تعرف صافينار منين ياكرم؟! اختفت ابتسامته فوراً وأجابها بتوتر بعدما أدرك كم الحماقة والسخافة الذي تفوه بها للتو: "مين قال إني أعرفها ياحبيبتي.. ده أنا بس من كام سنة كدا ومرة يتيمة حصلت واتفرجت بالصدفة على فيلم من أفلامهم الهابطة دي وبعدها حرمت." طالعته بغيظ وهي تقول بقرف وضجر: "امممم فيلم صح!!

.. اخص.. قال وكان عاملي فيها محترم وبيتكسف وهو ماية من تحت تبن." دفعها بخفة وهو يقول بغضب مزيف مضيفاً نوعاً من المرح على حديثهم: "إنت بتبصيلي بقرف كدا ليه يابت! دفعته هي الأخرى في كتفه وهي تهتف بغيظ: "طاب متزقش! نظر لكتفه محل دفعها له ثم عاد بنظره لها وقال بوعيد لئيم: "يعني هي بقت كدا.. تمام إنتي اللي جبتيه لنفسك." وجدته يدفعها بقوة لتسقط فوق الفراش ثم مد يده ليطفئ الضوء. وبمجرد ما اظلمت الغرفة صاحت هي بطفولية:

"لا بخاف من الضلمة ياكرم افتح النور." أحست به ينحنى عليها يهمس ساخراً وهو يضحك: "وهي آمان آمان بس اللي حلوة في الضلمة يعني." قهقهت بقوة رغم أنفها، ليمد هو أنامله ويضيء المصباح الآخر الذي يعطي لوناً بنياً هادئاً وإضاءة رومانسية لطيفة. ثم همس لها بحب: "حلو كدا! هزت رأسها بالإيجاب وهي تبتسم باستحياء جميل، فانحنى عليها وهو يبادلها نفس الابتسامة ولكن بمشاعر كلها شوق وعشق، لينغمسوا معاً في لحظاتهم الخاصة. ***

في تمام الثالثة عصراً من اليوم التالي. كانت هي تقف أمام النافذة المطلة على الشارع تراقب الطريق منتظرة قدومه مثلما أخبرها أنه سيعود عصراً. عادت منزلها صباحاً ورتبت ملابسها في خزانتها وكذلك فعلت القليل من أعمال المنزل دون أن تضغط على نفسها خوفاً على طفلها.

أشرق وجهها ببريق لامع عندما رأته يترجل من سيارة أجرة، ثم فتح المقعد الخلفي وأخذ حقيبة سفره، وأخرج محفظته ليخرج أجرة السائق ويعطيها له، ثم استدار وحمل حقيبته يسير للداخل نحو المنزل. ابتعدت هي عن النافذة وهرولت راكضة باتجاه الباب ووضعت أذنها على الباب منتظرة سماع صوت خطواته على السلم. وبمجرد ما استمعت لخطواته فتحت الباب على أخره، بينما هو وقف بمكانه يطالعها لثوانٍ وهو مبتسم بدفء، ثم أكمل صعوده لآخر درجات السلم حتى وصل للباب. فرجعت هي خطوة للخلف حتى يتمكن من العبور. دخل وأغلق الباب ثم أسند الحقيبة على الأرض بجواره ووقف يحملق بها بنظرات تراها للوهلة الأولى منه. كانت كلها اعتذار وشوق وعشق واحتياج!

فقدت سيطرتها على نفسها، فأدمعت عيناها وهي تراه يقف أمامها سالماً، بعدما كان الرعب يمزقها لأيام خوفاً من أن يكون أصابه مكروه! وها هو الآن أمامها بعد غياب طال لما يقارب الأسبوعين. ارتمت عليه تعانقه بقوة تبث كل شوقها له في هذا العناق الحميمي، فيلف هو كلتا ذراعيه حولها يضمها إليه أكثر ويدفن وجهه بين ثنايا رقبتها يشم رائحتها ورائحة شعرها التي طالما يعشقها.

مجرد أسبوعين جعلت منهم بهذا الشوق. ربما هذا بسبب ما عاشوه في هذه الأيام وهما مبتعدان عن بعضهم! كلاهما أحس لوهلة أن سيخسر الثاني! لذلك لقائهم كان يحمل كل ضروب الشوق والعشق في ثناياه. سمع صوت شهقاتها وبكائها وهي متعلقة برقبته، فرفع وجهه قليلاً وقبل ما لحقه من شعرها ورأسها كاعتذار منه عن غيابه عنها دون أي خبر. ابتعدت عنه وضربته على صدره بجفاء وهي تصيح به باكية:

"طبعاً حضرتك مش عارف أنا قضيت التلات أيام دول إزاي، ومش مسمحاك وزعلانة أوي منك على اللي عملته ده يازين." احتضن وجهها بين كفيها وانحنى عليها يخطف قبلة من وجنتها هامساً بحزن ورجاء: "أنا آسف ياحبيبتي.. والله ما كان قصدي أقلقكم عليا ومتوقعتش إنكم هتقلقوا أوي كدا." ملاذ بغضب: "منقلقش إزاي يعني وإنت قافل تلفونك طول المدة دي ومحدش يعرف حاجة عنك.. ثم إنك من إمتى بتكذب يازين؟ ده إنت عمرك ما عملتها! "أنا كذبت!

"ايوة شغل إيه ده اللي معاك في بلجيكا؟ كنت بتعمل إيه هناك يازين؟! لمس في نبرتها الشك المعتاد في فطرة النساء والسخط الممزوج بالغيرة. فابتسم وقال ببساطة ونظرة حانية: "متخافيش متجوزتش عليكي يعني أكيد. بعدين أنا مكنتش بكذب. أنا كان معايا شغل فعلاً." عقدت ذراعيها في خصرها وأجابته مستهزئة من رده: "ياسلام شغل إيه ده بقى؟! أحنى شفتيه على جبهتها وطبع قبلة مطولة عليها ثم همس بلطف:

"هقولك شغل إيه وهنتكلم كتير. بس أدخل أغير هدومي الأول واخد دش وبعدين هنقعد وهحكيلك كل حاجة من الألف للياء." بقت مكانها تتابعه وهو يبتعد عنها، متنهدة بعمق وعبوس. ما يريد أن يسرده لها هي تعرفه جيداً، ولكنها ربما تحتاج أكثر للتفاصيل حقاً لعلها تشفع له عندها وتجعل انزعاجها من هذا الأمر يخف قليلاً! *** وقفت أمام باب الحمام واستندت بكتفها على الحائط منتظرة خروجه وهي تجهز وجهها بابتسامة عريضة لتستقبله بها عندما يخرج.

توقف صوت اندفاع المياه فعرفت أنه أنهى حمامه وسيخرج. وبالفعل ما هي إلا دقيقة بالضبط وفتح الباب. كان يلف المنشفة حول نصفه السفلي كالعادة وبيده منشفة أخرى صغيرة يجفف بها شعره. ارتد بجسده للخلف مزعوراً عندما اصطدم بها حين فتح الباب. استغرق ثلاث ثوانٍ وهو يقف يحملق بها بريبة من ابتسامتها السخيفة! ثم تأفف بقوة وخنق وابعدها من أمامه ليمر وهو يردد بنفاذ صبر: "استغفر الله العظيم."

اتبعت خطواته تماماً تسير على نفس خطاه خلفه في الغرفة. يشعر بها خلفه ولكنه يتصنع عدم المبالاة. توقف في منتصف الغرفة ونفض رأسه يميناً ويساراً حيث ينثر عنه قطرات الماء وعاد يضع المنشفة ويحركها على شعره بعنف بسيط. وأخيراً ألقى بها على الفراش والتفت برأسه للخلف فوجدها في ظهره تماماً ليعود برأسه إلى وضعها الطبيعي وهو يتأفف بخنق هامساً: "لا إله إلا الله!!

كتمت ضحكتها بصعوبة التي كانت ستنطلق بقوة بعد ردة فعله. واستمرت في متابعته حيث سار باتجاه الخزانة حتى يخرج ملابسه منها وهي تتبعه على نفس خطاه. وقف فوقفت خلفه مباشرة شبه ملتصقة بظهره. حاول تجاهلها قدر الإمكان متأملاً أنها ستحل من فوق رأسه. اخرج ملابسه والقاها على الفراش ثم التفت بجسده كاملاً لها وهز رأسه في ابتسامة سمجة بمعنى "إيه!

". قلدت نفس حركته وفعلت نفس الشيء وهي تبادله ابتسامة لكنها بلهاء. فعض شفاه السفلية وقال متمالكاً أعصابه: "هلبس هدومي يايسر.. إيه هتقفي تتفرجي عليا! هزت رأسها بنفور متصنعة الصدمة مما تفوه به وقالت بحزم مزيف: "لا لا استغفر الله اتفرج إيه.. أنا هقعد بس هغمض عيني واديك ضهري." رفع حاجبه وقال ساخراً بوقاحة: "متأكدة من القرار ده يعني؟! ارتبكت بعد اللهجة الوقحة التي لمستها في صوته وقالت متزمرة بغيظ: "خلاص طالعة."

ابتسم باتساع وهو يراها تغادر الغرفة ليقول بسعادة: "وياريت متدخليش تاني عشان أنا هنام هااا." وقفت والتفتت له برأسها ترمقه في ابتسامة خبيثة ونظرة نارية مهمة: "من عنيا ياحبيبي." رحلت واغلقت الباب خلفها فأصدر هو زفيراً حاراً بارتياح وبدأ في ارتداء ملابسه ثم تمدد على الفراش وتدثر بالغطاء مغمضاً عيناه. وما هي إلا دقائق معدودة وسمع صوت الباب ينفتح فخرج من بين شفتيه تأفف قوي سمعته هي لتقول بشراسة: "من غير أفأفة ياحبيبي."

اقتربت وانضمت بجواره على الفراش متمددة نصف تمديدة وتلتصق بظهره من الخلف، متطفلة عليه برأسها وتهتف بمشاكسة: "هتفضل مكشر في وشي كدا لغاية إمتي بقى؟! حسن بصوت خشن: "أنا عايز أنام يايسر.. ممكن؟! دفعته في كتفه بخفة متشدقة بانفعال بسيط وقسمات وجه مغتاظة: "جرا إيه يا ابو على متزودهاش بقى يا راجل. مكنوش كلمتين اللي اتكلمتهم معاه دول!! باغتها بنظرة مميتة منه أربكتها ثم اعتدل جالساً وقال بغلظة صوته الرجولي:

"قومي من جنبي عشان متغباش عليكي." صاحت به في عصبية مزيفة وكأنها تخفي خوفها واضطرابها من تحوله بصوتها المرتفع وطريقتها الهمجية التي أشبه بنساء الحواري: "ما أنت اللي عامل حوار على مفيش ياحسن.. ما قولنا مش هنتكلم معاه تاني ومش هنروح الزفت الشركة تاني. إيه نعمل أكتر من كدا." ننزل نبوس رجليك !! جز على أسنانه بشكل مخيف واطبق اصابعه على خصلات شعرها بلطف بعض الشيء يجذبها منه إليه وهو يهتف مغتاظًا منها:

_يعني غلطانة وبتعلي صوتك عليا كمان .. ده إنتي ليلتك طين النهردا

كان رأسها يميل للخلف بسبب شده لخصلاتها للخلف ووجها مقابل لوجهه تمامًا فرسمت الابتسامة الساحرة على شفتيها وغمزت بعيناها وهي تضم شفتيها لبعضهم وترسل له قبلة في الهواء بينما هو فبعد أن كان وجهه مقوس بقسمات الغضب الحقيقية لانت ملامحه بالتدريج وارتخت قبضته على شعرها .. كأنها ارسلت تعويذة سحرته بها وليست مجرد قبلة ثبت نظره على شفتيها فمال عليها لينل مبتغاه لكنها اسرعت وانتصبت جالسة قبل أن ينل منها ثم اقتربت منه تطبع قبلة

رقيقة على وجنته هامسة: _وهو أنا برضوا اقدر على زعل سنسونتي مال برأسه للجانب الآخر يحسها على طبع القبلة التالية على وجنته الأخرى ففعلت برقة أشد وهي تكمل همسها المغري: _مكنش في نيتي أبدًا إني اعمل كدا عشان اعصبك ونسيت خالص موضوع إنك مبتحبش راسل والله صدقني لو كنت افتكرت مكنتش هروح أبدًا بس اوعدك مش هتتكرر تاني همس بهيام وهو ذائب بالكامل أمام قبلاتها:

_حصل خير .. أنا نسيت إني كنت متعصب منك أصلًا وتعالي بقى نفتح صفحة جديدة اطلقت ضحكة انوثية متأججة وهي تضربه على صدره وتهب واقفة من الفراش تهدر وهي مغادرة: _أنا هروح اخلص اللي ورايا ونام إنت بقى طالما خلاص اتصالحنا بقى متسمرًا مكانه يحدق على أثرها فلوهلة احس أنه منغمس في نعيم الجنة ولكنها سلبته إياها في نفس اللحظة دون أن تمهله الوقت ليتمتع بها حتى !! .. فرك ذقنه وهو يقول بوعيد واغتياظ:

_اهربي اهربي .. كلها كام شهر وتولدي ومحدش هيحوشك مني وقتها

ترجلت رفيف من السيارة أمام المطعم ثم قادت خطواتها نحو الداخل وهي تتلفت حولها باستغراب لما الطاولات الخارجية فارغة وليس هناك زبائن .. اسرعت قليلًا في خطاها حتى وصلت عند باب المطعم الرئيسي لتجده مغلق ضيقت عيناها بريبة حقيقية وأشد ثم وضعت يدها في حقيبة يدها وكانت على وشك إخراج المفتاح وهي تستشيط سخطًا من تأخر الموظفين وأنه إلى الآن لم يفتح المطعم لكن أصابها الذهول الذي سمرها بأرضها حينما انتبهت إلى الطاولة الكبيرة المتوسطة في وسط المطعم وفوقها كعكة صغيرة الحجم نسبيًا ومن حولها بقية الطاولة مزينة دارت بنظرها في تدقيق أكثر لتلاحظ بقية المكان الذي كان كله مزين !

.. لم تكن دهشتها بمنظر المطعم وتزيننه تساوي شيء أمام صدمتها وفرحتها عندما رأته يخرج من الغرفة الداخلية الخاصة بها ويسير باتجاه الباب لا يمسك في يده عكازه الذي اعتادت أنه تراه به بل يسير كأي شخص طبيعي على قدماه بسهولة .. ظلت كما هي تستحوذ عليها الصدمة حتى وصل إلى الباب وفتحه من الداخل يستقبلها بابتسامة مشرقة ويفسح لها الطريق لتمر. لم تتحرك وبقت على وضعها تحدق به في دهشة ليضحك هو بخفة ويقول: _ادخلي يارفيف !!

انتبهت على نفسها ونفضت برأسها تنفر الأفكار التي راودتها الآن ودخلت على استحياء وهي تتجول بعيناها في كل أرجاء المكان ثم أخيرًا استقرت عيناها على قالب الكيك لتقول بابتسامة بسيطة شبه ساخرة: _والتورتة دي ليه بقى .. اعتقد إنت عارف إن عيد ميلادي عدي من بدري عقد كفيه في جيبي بنطاله ووقف بثبات يجيبها في نظرات كلها ثقة: _تقتدري تعتبريها رشوة صغيرة بعد شجارهم منذ يومين على الهاتف بالتأكيد يحاول تصليح الأمر أجابته بغطرسة:

_بس أنا مش بقبل الرشوة !! ضيق عيناه مبتسمًا باستمتاع ثم همس في خفوت ومشاكسة مدروسة: _خلاص اعتبريه تثبيت عادي برضوا طالما مش بتحبي الرشوة ! اشاحت بوجهها للجانب الآخر وهي تضحك بصوت مكتوم ثم انتصبت في وقفتها وقالت بجدية امتزجت بالخجل:

_طيب على العموم شكرًا جدًا على المفاجأة غير المتوقعة دي وبجد عجبتني أوي وفرحت بيها وثانيًا وده الأهم واللي فرحني اكتر من أي حاجة إني شيفاك قدامي واقف على رجلك ورجعت لحياتك الطبيعية من تاني الحمدلله وده شيء شيء كفيل يسعدني وهو المفاجأة الحقيقية بالنسبالي لاحت الابتسامة المغرمة على شفتيه ليجيبها بأعين تتحدث أكثر من شفتيه التي همست بلهجة مرحة: _افهم إن بعد الكلام الحلو ده خلاص صافي يالبن ومفيش زعل تاني

اضطربت من نظرته وكلامه فزاغت عيناها عنه وسارت باتجاه الطاولة التي فوقها الكعكة متهربة منه لتقول بمداعبة لطيفة: _ادوق التورتة الأول وبعدين افكر أذا كان صافي يالبن ولا لسا !! انطلقت منه ضحكة رجولية رنت في أذنها لتجعلها تبتسم تلقائيًا فهدر هو بنبرة لينة: _وماله فكري براحتك تخرج ملابسه من الحقيبة وتطويها بطريقة معينة خاصة بها ثم ترتبها في خزانته وهي شاردة الذهن .. وإذا بها تشعر به من خلفها يطبع قبلة على شعرها هامسًا

بحنو: _تعالي ياملاذ هنتكلم شوية التفتت له بجسدها كاملًا وقالت بعبوس واستهزاء مع نبرة جافة: _متتعبش نفسك أنا عارفة كل حاجة تجمد واتخذت معالمه قسمات الصدمة من ردها فبقي يحملق بها لبرهة وجيزة من الزمن وعيناه تكشف عن الصدمة وكم الاضطراب المهيمنان عليه حتى شفتيه المنفرجة تتحدث وتخبرها بين صمته عنه حالته ! خرج صوته أخيرًا وهو يسألها بتأكيد: _عارفة إيه ؟! ملاذ بنبرة قوية ونظرة ثاقبة:

_اللي إنت كنت مخبيه عني يازين عرفته وكنت اتمنى إني اسمعه منك مش من حد غيرك اجفل نظره لأسفل في خزي يجيبها بأسف وشجن: _صدقيني مكنش عندي الشجاعة إني اواجهك ياملاذ .. كنت خايف من ردة فعلك _إنت خبيت عني شيء مينفعش يتخبي يازين .. أنا كان من حقي اعرف كل ده ومنك إنت كمان أجابها بضيق من نفسه: _عندك حق أنا آسف سامحيني ملاذ بلهجة حازمة: _عايزة اعرف كل حاجة بالتفصيل ومن البداية اماء لها بالإيجاب وتمتم في نبرة عادية:

_طيب هحكيلك تعالي اقعدي اقتربت وجلست بجواره على الفراش ثم بدأ هو يسرد لها كافة التفاصيل دون أي نقص وهي تستمع بإذآن صاغية إلى أن انتهي وتوقف عن الكلام فرأى في عيناها دموع سابحة وهتفت في دهشة وعتاب: _كل ده ومتحكليش حاجة .. مش على اساس إننا مش هنخبي على بعض حاجة نهائي وهنرجع نبني الثقة بينا من تاني كذا مرة اسألك واقولك احكيلي يازين إيه اللي مضايقك وإنت كنت بتتهرب مني

_مكنتش بتهرب .. كنت منتظر الوقت المناسب اللي اكون جاهز فيه عشان احكيلك واقولك كل حاجة .. وموضوع اسلام أنا والله العظيم ما كنت اعرف إن هو اللي خبطته عرفت لما كنا في الرياض واعتقد إنتي فاكرة إني اخدت يومين بعيد عنك ومش بتكلم ومهموم وكان بسبب كدا بس متجرأتش اقولك في وقتها انهمرت دموعها على وجنتيها وهي تحدجه بأسى ولوم ثم استقامت واقفة وقالت بصوت مبحوح:

_في إسلام يمكن كان عندك حق تتردد ومتقوليش لأنه صعب فعلًا و حتى أنا مصدقتش لما عرفت بس موضوع إنك دخلت مصحة وكنت مدمن فمعندكش حق يازين كان لازم تقولي وتشاركني استدارت وهمت بالرحيل لكنه وقف وقبض على ذراعها لتقف هي وتلتفت له بجسدها بينما هو فهمس بنظرة بائسة ومنطفئة:

_ليكي الحق تزعلي مني أني خبيت عنك ومقدرش الومك وكمان مقدر أنك ممكن تكوني مضايقة على إسلام وإني كنت السبب في اللي حصل معاه بس إنتي فهمتي كل حاجة أهو وإني ندمان إزاي على كل حاجة عملتها وإني مكنتش في وعي لحظتها تمتمت بحزن وأعين تهيمان بالعبارات: _أنت اخترت متشاركنيش همومك وتبعدني عنك وتشيل الهم وحدك يازين مع إنك لو كنت قولتلي من البداية وحكتلي كل حاجة كنت هتفهم الوضع وهقف في ضهرك بس هيفيد بإيه اللي حصل حصل خلاص

ضيق عيناه ببعض الدهشة والألم ثم أجابها بلهجة تحمل التعجب: _وهو دلوقتي مش هتقفي جنبي يعني في أشد وقت أنا محتاجك فيه معايا وتقوليلي أنا في ضهرك ولا إيه ؟!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...