عاصفة ثلجية ضربت قلبه فأنشأت صقيع لن يمحوه سوى دفء الشمس، وهذا لا يسميه بمعنى الهروب من الواقع كما يظنون، هو فقط بحاجة لفترة نقاء بعيدًا عن الكل، حتى يتمكن من التسامح مع نفسه أولًا ويقبلها بأخطائها الشنيعة.
كان جالسًا بشرفة أحد المنازل الأرضية التي استأجرها مؤخرًا لقضاء فترة نقائه فيها، قرر أن يفعل كما اعتاد قديمًا أن يخلو بنفسه كل فترة والأخرى ويتفرغ فقط لعبادة ربه، يبتعد عن كل شيء يشغله عن التفرغ التام لربه في هذه الفترة، بلا هاتف، بلا عمل، بلا تلفاز، وأخيرًا بلا أي وسائل تكنولوجية حديثة.
كان المنزل يعطي وجهه إلى البحر مباشرة وبمنطقة شبه معزولة قليلًا عن المنطقة المكتظة بالسكان، مما سيوفر له الراحة النفسية وعدم الإزعاج الذي يحتاجه، وبيده مسبحته الخاصة يذكر الله بقلبه قبل لسانه وشفتيه، وكلما يهمس بالذكر يرجع بإحدى حباتها إلى الخلف بينما عيناه معلقة على منظر المياه أمامه.
اشتاق لزوجته كثيرًا خلال فترة غيابه عن المنزل، لكن هذا هو أفضل حل لكليهما فإن عاد لها وهو مشوش ذهنيًا وليس بحالته الطبيعية لن يتمكن من مواجهتها بالطريقة الصحيحة والأمور ستزداد سوءًا بينهما بعدما يخبرها بكل شيء. بينما بمصر تحديدًا داخل غرفتها، وساوسها تنهشها نهش ولا تتوقف عن أسئلتها التي تتكرر بنفس المعنى في ذهنها، وهي لماذا لم يعد معهم ولما هاتفه مغلق؟
تحاول إيجاد سبب مقنع لبقائه هناك، فما العمل الذي سينهيه ويعود بعد ذلك؟ هو أساسًا لم يخبرها قط من قبل بأنه لديه أعمال في لندن. فتحت أمها الباب بعد طرقها الذي لم تسمعه بسبب شرودها واقتربت منها تهتف باستغراب: _مالك يا ملاذ دخلتي الأوضة وقفلتي على نفسك ليه؟ نظرت لأمها بأعين موهومة وغمغمت: _برن على زين تلفونه مقفول يا ماما.. ومش عارفة خايفة ومش مطمنة.
_يمكن تلفونه فاصل شحن يا بنتي بلاش توهمي نفسك بحاجات ملهاش لازمة.. اصبري شوية وجربي ورني عليه تاني. رمقت أمها بشرود وتفكير ثم استقامت واقفة بعد ثوانٍ وتمتمت: _طيب يا ماما اسبقيني برا وأنا هغير هدومي وأطلع لكم. هزت الأم رأسها بالموافقة وهي تبتسم بعذوبة ثم استدارت ورحلت وتركتها في أفكارها التساؤلية التي لا تتوقف. ***
وقف علاء خلف والده ينتظره أن يخرج المفتاح ليفتح الباب ويدخلوا، ثوانٍ قليلة ووضع طاهر المفتاح في القفل ثم أداره فانفتح الباب ودخل ومن بعده علاء، الذي توقف بمجرد دخوله عندما انتبه لصوت الضحك المنبعث من المطبخ. تبادل هو وطاهر نفس النظرات المستغربة والمدهوشة بنفس اللحظة بعدما سمعوا أصوات الكركره. تمتم طاهر قاطبًا حاجبيه: _دي مش ميار اللي قاعدة مع أمك جوا وبتضحك معاها؟
هز علاء رأسه بالإيجاب وقد اتخذت معالمه الصدمة، فلا يصدق أن تكون نجحت بكل هذه السهولة أن تحسن علاقتها بأمه من مرة واحدة ويصل الوضع إلى الضحك والمزاح كما يسمعون الآن. تقدم هو أولًا نحو المطبخ ولحق به طاهر، اقتحموا عليهم جلستهم النسائية وضحكهم، ليتوقفوا عن الضحك وتستقر عيونهم عليهم فيجدوا أنهم يقفون كالبلهة لا يفهمون شيئًا ولا يستوعبون ما يرونه. تحدث طاهر وهو يضحك على كم الود والحب الذي يراه أمامه بين زوجته وابنة أخيه:
_خير إن شاء الله ضحكونا معاكم؟ اكتفوا بالتحديق في بعضهم وهم يبتسمون ثم هتفت الأم بإشراقة وجه جميلة: _كويس إنكم جيتوا بدري كنا مستنينكم عشان الغدا.. يلا روحوا غيروا هدومكم وأنا وميار هنحط الأكل على السفرة على ما تنزلوا. نظر طاهر ناحية ابنه الذي لا يزال يرمقهم ببلاهة فقبض على ذراعه ساحبًا إياه معه للخارج وهو يهمس بالقرب من أذنه مبتسمًا: _تعالي تعالي متشغلش دماغك بمواضيع الحريم يا ابني عشان متتعبش.
كفكف علاء ضحكته وهمس مداعبًا: _أهاا إحنا خلينا في بطننا أهم حاجة الأكل يا حج. قهقه طاهر عاليًا وهو يجيبه بتأييد: _بالظبط. نصف ساعة تقريبًا مرت حتى التف الجميع حول مائدة الطعام، فكل من طاهر وعلاء أخذوا حمامًا دافئًا قبل أن ينزلوا، حتى ينعشوا جسدهم المرهق من ضغط العمل. بدأ علاء بتناول طعامه وكذلك الجميع باستثناء ميار التي ذهبت للمطبخ حتى تجلب الملح بعدما نسيت أن تضعه زوجة عمها على المائدة، عادت لها وناولتها (الملاحة)
وهي تهتف بصوت عذب وتلقائي: _اتفضلي يا ماما. بنفس اللحظة التي نطقت فيها هذه الجملة كان علاء يذهب بيده إلى فمه حتى يضع فيه اللقمة لكن يده وقفت في منتصف الطريق ورفع نظره يحدق بزوجته وأمه منذهلًا، وفمه كان لا يزال فيه الطعام الذي لم ينتهِ من مضغه جيدًا فنزل في حلقه ووقف. فانتفض الجميع جالسًا بزعر على صوت سعاله العنيف فجأة، لتربت أمه على ظهره هاتفة بقلق: _اسم الله عليك يا حبيبي.
رفع نظره إلى ميار التي تقف متسمرة بأرضها مخضوضة من سعاله القوي وأشار لها بيده على فمه وهو يضم أصابعه على شكل كأس الماء، ففهمت والتقطت زجاجة الماء الموضوعة على منضدة صغيرة بجانب المائدة وسكبت في الكأس الموجود بجانبها ثم مسكته وهرولت به إليه ليجذبه من يدها ويشربه كله دفعة واحدة، وهي تراقبه بعينيها إلى أن أنزل الكأس من فمه وسنده على سطح المائدة ورمقها بنظرة ثاقبة أربكتها. وفي لحظة غير متوقعة منه جذبها من ذراعها لتنحني
عليه ويهمس هو بجانب أذنها: _إنتي عملتي إيه في ماما؟ كانت ستنطلق منها ضحكة ولكنها تمالكت نفسها واعتدلت واقفة وهي تزغره بنظرها أن يهدأ إلى حين ذهابهم لمنزلهم وهي ستشرح له كل شيء. شد جسده في مقعده وجلس باعتدال ليحدق أمه بنظرات مريبة وهو يبتسم بتكلف حتى لا يوتر الأجواء أكثر من ذلك. *** في تمام الساعة التاسعة مساءً...
كان حسن بمكتبه الخاص في المنزل ينهي الأعمال المتبقية وغير منتبه للساعة وأنه استغرق حتى الآن ثلاث ساعات وربما أكثر وهو يعمل. فصك سمعه صياحها وهي تنده عليه بعصبية ليرفع نظره عن الورق ويقطب جبينه بتعجب وسرعان ما هب واقفًا وغادر المكتب متجهًا لها فيجدها تمسك بهاتفه بيد واليد الأخرى تعقدها في وسطها وقسمات وجهها تبشر بطوفان عاتي قادم، عيناها حمراء كالدم. كل هذا لم يكن سوى علامات لتفسير شيء واحد وهو الغيرة، فهو يحفظ هذه الحركات جيدًا عن ظهر قلب. رفعت الهاتف
وأدارته ناحيته تهتف بغضب: _مين دي؟ كان بالهاتف صورة تجمعه مع امرأة، لا تبدو أبدًا كصورة تسكع أو أي شيء آخر كما تتوقع، بل بالعكس كانت صورة رسمية والمرأة التي تشاركه إياها كانت بملامح حازمة وتقف بثبات وشموخ، وفوق كل هذا المسافة بينهم كانت قرابة نصف متر. حسن باستنكار: _طب أنا راضي ذمتك.. هي دي صورة تغيري منها يا شيخة اتقي الله. _مليش دعوة.. أنا سألتك مين دي وبتتصور معاك ليه ومستنية الرد يا حسن.
_يسر إنتي هرمونات الحمل مأثرة عليكي أوي والله بجد.. أصل مش معقول تصرفاتك دي! صرخت باندفاع تحذره بوضوح: _لا دي مش هرمونات الحمل.. وجاوب على السؤال متتهربش يا حسن، أصل إنت شكلك وحشتك يسر القديمة. رفع حاجبه متعجبًا من ردها ثم تقدم نحوها بخطوات بطيئة متمتمًا بأعين صارمة ونبرة رجولية خشنة: _وهتعملي إيه بقى لو مجاوبتش؟ تقهقهرت للخلف ورفعت سبابتها تهتف بارتباك وتهديد مصطنع:
_خليك مكانك ومتتحركش أحسن لك.. لاحسن والله أتعصب بجد وإنت حر بقى. مالت شفتيه لليسار في شبه ابتسامة وأكمل تقدمه نحوها هامسًا: _اتعصبي. ظلت تتراجع للخلف حتى اصطدمت بالأريكة فجلست عليها ورمقته بشجاعة وعدم مبالاة مزيفين، بالأخص عندما انحنى عليها بجسده وحاوطها بكلتا ذراعيه من الجهتين مستندًا بكفيه على الأريكة، فتراجعت عن طريقتها وقالت بلطافة غير معهودة منها في مثل هذه المواقف:
_على فكرة أنا كنت بس عايزة أعرف مين دي.. مكنش في نيتي حاجة تاني، إنت بس اللي كبرت الموضوع. رأته ينفجر ضاحكًا بصوته الرجولي ويهتف ساخرًا: _بقى هي دي يسر القديمة! شدت عضلاتها وهمست أمام وجهه مباشرة وتحديدًا شفتيه بمكر أنوثي ونظرات مثيرة تحمل الشراسة:
_ما أنا لو عايزة أوريهالك هوريهالك يا حبيبي.. بس مفيش واحدة تستاهل إننا نتخانق مع بعض عشانها، لأن باختصار شديد إنت ليا ومفيش مخلوقة تقدر تقرب منك لأن ساعتها هتكون جنت على نفسها. أثارت رجولته وأذابته فجعلته مغيبًا وفقط يحدقها بهيام وبأعين راغبة، فبآخر كلماتها تمكنت من إيقاظ نيران شهوته. رأته يميل برأسه إليها مختلسًا المسافة القصيرة بينهم فرجعت برأسها للخلف هاتفة بلؤم رافضة: _تؤتؤ لما تقول مين دي الأول؟
فتح عينيه على وسعهما وصاح بها منفعلًا على إفسادها للحظتهم واندماجه بالتركيز على خطوته القادمة: _ماتتحرق بجاز معفن أنا مالي بيها، أمال هو مفيش واحدة تستاهل نتخانق عشانها لكن في واحدة تستاهل نهدم لذاتنا عشانها. أغمضت عينيها كدليل على رفضها للاستسلام له، وهزت رأسها نافية تهدر بإصرار: _هو ده اللي عندي.. تقولي مين دي الأول وبعدين أفكر في الموضوع التاني. _ومين قالك إني هستناكي تفكري أصلًا.. وإن مكنش بالذوق يبقى بالعافية.
انحنى عليها مجددًا حتى يحصل على مبتغاه وهو القبلة ولكنها أخفت شفتيها بكفيها وهي تضحك بمشاكسة، فيجيبها مغتاظًا وبوعيد حقيقي: _يعني مش هتيجي بالذوق.. تمامًا براحتك! حملها على ظهره وسار بها باتجاه غرفتهم، ظلت تلوح بقدميها في الهواء وتهتف ضاحكة: _طيب خلاص نزلني وهنتفاهم والله. يجيبها فعادت تهتف من جديد: _طب أنت واخدني الأوضة ليه دلوقتي؟ استنكر سؤالها وأجابها باستهزاء منها: _هنشرب كوبايتين شاي في الهواء الطلق.
حاولت أن تعدل جسدها ولكن دون جدوى لتجيبه باقتضاب: _إنت كل المشروبات بنسبالك شاي.. إمتى هتفهم إني مبحبهوش؟ هتف بكل بساطة وبرود بعدما وصل إلى الغرفة: _لما تحبيه! دخل وأغلق الباب خلفه لتبدأ ليلتهما الغرامية التي لا يوجد فيها سوى عشقهما المتيم. ***
الأضواء الهادئة في كل جزء والصمت القاتل يملأ المنزل كله. وكانت هي تسير بخطوات خفيفة في الطرقة الطويلة المؤدية في آخرها إلى غرفة مكتبه. وقفت أمام الباب ثم مدت يدها لمقبض الباب وأنزلته لأسفل فانفتح. دفعت الباب ببطء ودخلت بهدوء. رأته يجلس على مقعد وثير في آخر الغرفة وعلى حجره يضع جهازه النقال، وبمجرد دخولها أغلق الحاسوب فورًا. فقطبت مابين حاجبيها باستغراب لكنها لم تظهر له اكتراثًا بالأمر حيث تصرفت بطبيعية واقتربت منه لتجلس على ذراع المقعد الجالس عليه وتلف ذراعها
حوله هامسة بابتسامة رقيقة: _بتعمل إيه يا حبيبي؟ أجابها وهو يبتسم بأسى وبنظرات زائغة: _كنت بتفرج على الصور القديمة. مدت كفها للحاسوب ورفعت غطاءه وهي تهمس بنعومة: _طيب ماتخليني أتفرج معاك. أدار وجهه للجهة الأخرى وهو يتنهد مغلوبًا على أمره، فلم يكن يريدها أن ترى الصور خشية أن تنجرح نفسيًا وتفهم الأمر بشكل خاطئ أو تنزعج بعض الشيء.
أضاءت الشاشة فاظهرت عن صورته مع أروى. حولت رأسها نحوه ترمقه بنظرة ظنت أنها ستغضب لكنها لم تفعل، حيث حملت الحاسوب على حجرها وهي تسأله بابتسامة نقية: _دي أروى مش كده؟ تلقت الرد منه بالصمت وهو يحدقها بحيرة من ردة فعلها، بينما هي فجعلت تشاهد صورهم كلها وهي تبتسم بعدما فهمت لماذا أغلقه بمجرد دخولها عليه المكتب. تمتم كرم بشيء من الريبة ليوضح لها الأمر أكثر:
_كنت بتفرج على صوري أنا وسيف الله يرحمه، ولقيت صورنا أنا وهي في نفس الملف. همست بعذوبة وصوت يفيض رقة وحنانًا مع ابتسامتها اللطيفة التي تحمل القليل من المكر: _إنت كنت فاكر إني لما أشوف صوركم هضايق وأغير؟ رقد عليه السكون يطالعها بترقب لحركتها القادمة بعد ردها الغريب. بالفعل استقامت وتحركت خطوتين بعيدًا عنه حتى تضع الحاسوب على سطح المكتب ثم عادت له وجلست على حجره تلف كلتا ذراعيها حول رقبته مهمهمة بصوت
رحب وأعين دافئة وصافية:
_أولًا أنا مش من حقي أمنعك إنك تحبها وعارفة إنها وحشتك، ومش من حقي أزعل منك.. ثم إني أكيد مش هغير من واحدة ميتة.. إن جيت للحق أنا شخصيًا لما بتيجي على بالي أحيانًا بتصعب عليا وبعذرك، الطريقة اللي ماتت بيها بشعة، بالأخص وأنا متخيلة اللي حست بيه وقتها.. كم الخوف والرعب ومشاعر كتير مش هعرف أوصفها لكن كلها أنا حسيت بيها لما حاول الحيوان ده يقرب مني مش بس يلمسني، ولولا إن ربنا أنقذني الحمدلله وإنت كنت معايا وقدرت تحميني منه كنت ممكن أكون ميتة زيها دلوقتي.. صدقني أنا أكتر واحدة فاهماك يا كرم، فمتخافش تحكيلي أي حاجة مهما كانت.. وتكون متأكد إني هفهمك صح وهتلاقيني جنبك وبساندك.
لمعت عيناه بوميض العشق النقي، فهي كما وصفها بالضبط "طوق النجاة". ربما لن تصدق إذا أخبرها أنه أحيانًا يظنها ليست حقيقية، ذهنه يوهمه بأفكار ساذجة حول الملاك غير البشري الذي أرسله الله له ليخرجه من محيط أحزانه. قد تكون أفكار سخيفة وحمقاء لكنه رغمًا عنه يتخيلها هكذا كلما يفكر في نعيم الحياة التي يعيشها مع امرأة لا يوجد لها مثيل بين كل نساء العالم في نظره. تمتم بنبرة هائمة ومسلوبة السيطرة: _إنتي إزاي كدا؟
ابتسمت بحب وهمهمت ببساطة: _إزاي كدا عشان لو كنت إنت مكاني مكنتش هتتصرف بالشكل ده يعني؟ _أكيد مكنتش هستحمل فكرة إن في مكان لراجل غيري في قلبك حتى لو كان ميت. رفعت كتفيها لأعلى بريبة وهي تضحك بخفة وتجيبه بعذوبة وصوت لين به براءة يعشقها: _معرفش أنا إزاي كدا يا كرم.. أروى هي الوحيدة اللي مبغيرش منها، ممكن أغير لو شفتك مع أي واحدة تانية لكن هي لا، بالرغم من إني عارفة إنها لسه مستحوذة على جزء من قلبك.
لحظة عابرة مرت بعد توقفها عن الكلام وهي تطالعه بغرام، ثم وضعت كفها على منطقة قلبه واستكملت حديثها بمشاعر جيَّاشة: _بس يمكن ده عشان أنا كمان عارفة مكانيتي في قلبك فين بالظبط، ومتأكدة إنك لو كنت بتشتقالها قراط فأنا عشرة، ولو بتحبها فأنا بتعشقني.. يعني من الآخر أنا مرتاحة لإني ضامنة عرشي في قلبك وإن لا يمكن تعتلي العرش ده ملكة غيري.
اتسع بؤبؤ عيناه وهو يثبته عليها كدليل على السيل الجارف من المشاعر التي تتملكه الآن، أو بالمعنى الأدق هو الخادم الذي يخر خاضعًا ومطيعًا أمام ملكة عرشه التي أثرته كليًا. ليس عاطفيًا فقط بل ذهنيًا وجسديًا أيضًا. همس بصوت خافض وذائبًا: _شفق هو إنتي حقيقية؟ انفرجت شفتيها في ابتسامة واسعة لتلتصق به أكثر وتهدر بدلال مغري: _إنت شايف إيه؟ كرم بصوت يقطر حبًا وحنانًا وبنظرات كلها رومانسية جميلة:
_أنا شايف ملاك قدامي.. ربنا بعتهولي من السما، وشايف أجمل ست في الوجود لدرجة إني مش قادر أستوعب إن اللي بيحصل معايا ده حقيقي. إنتي لما بتكوني في حضني وجمبي بحس بإحساس غريب وكأن بين إيديا الكون كله.. بكون في قمة سعادتي لما أشوف ضحكتك ولما نكون مع بعض. أنا سألتك السؤال ده قبل كده وهسأله تاني دلوقتي.. إنتي عملتي فيا إيه يا شفق؟
تلألأت الدموع العاشقة في عينيها فانحنت عليه واستندت بجبهتها على جبهته تجيبه بهمس أشبه بلحن غرام مميز وهي مغمضة عينيها: _حبيتك! كلمة واحدة كان لها دورها في هدم جميع أسوار صموده أمام كتلة الجمال الصارخ هذه، ليخر مهزومًا مستسلمًا لعواطفه المتيمة وشهواته تجاهها. سمعت همسه الرجولي والمتملك يقول: _أميرتي.
فتحت عينيها ورفعت جبهتها من عليه لتسلط عينيها على خاصته في لحظات مرت كالسهم قبل أن يأخذها معه ويبحر بها في عالمهما الخاص، مختسلين الوقت من الزمن لينعموا بلحظات رومانسية ليست الأولى ولا الأخيرة. *** نزع القميص عنه ثم التقط التيشيرت المنزلي وارتداه، وهي كانت جالسة على الفراش تتفحص هاتفها بتركيز. بينما هو فانتهى من تبديل ملابسه واقترب ليشاركها الفراش هاتفًا بفضول: _هااا قوليلي بقى عملتي إيه مع ماما؟ ميار بهدوء تام:
_اتكلمت معاها. _اتكلمتي معاها إيه يا ميار.. ده إنتي لسه كنتي مكلماني وبتقوليلي هروح وأحاول أصلح علاقتي بمامتك، مش معقول بالسرعة دي، يا شيخة ده أنا فكرتك عملتي لها عمل ولا حاجة! قهقهت ببساطة وتركت الهاتف من يدها ثم اعتدلت جالسة لتصبح في مواجهته تمامًا وتهمس برزانة:
_لا مفيش سرعة ولا حاجة يا علاء.. إنت عارف مامتك كانت بتكرهني إزاي ولما كنا قاعدين في البيت معاها حاولت كذا مرة أتكلم معاها وأخليها تحبني معرفتش وكنت بفشل. بس المرة دي تقدر تقول اتصرفت بذكاء معاها وقدرت أكسبها. غمغم علاء بعدم فهم ونظرات مستنكرة: _أيوه برضوا ما أنا مفهمتش إنتي عملتي إيه ولا قولتي لها إيه؟ غمزت بعينيها في لؤم أنوثي تجيبه برفض: _لا ملكش دعوة بقى قولتلها إيه.. دي حاجة بيني وبينها. هتف ساخرًا رافعًا حاجبه:
_لا والله! نكزته في كتفه بخفة وهي تهتف ضاحكة بمداعبة: _خلاص بقى يا علاء، إنت شاغل دماغك ليه مش المهم إننا اتصالحنا خلاص والمشاكل اتحلت. _تصدقي عندك حق.. أنا مالي بمواضيعكم دي ما تعملوا اللي تعملوه، ابعدي كده وفسحي شوية خليني أنام. تراجعت بجسدها للخلف في الفراش وهي تجيبه بتعجب: _أفسح!
لم يعرها اهتمام وسحب الغطاء على جسده ثم مد يده لكبس الكهرباء ليطفأ الضوء، فتلفتت هي حولها في الظلام الدامس الذي كسا الغرفة بأكملها. أصدرت تنهيدة حارة ودخلت أسفل الغطاء معه لتعانقه من الخلف هامسة بأنفاسها الحارة التي لفحت عنقه: _علاء أنا عايزة أنام في حضنك طيب. هدر بنبرة عادية دون أن يفتح عينه أو حتى يلتفت لها: _بكرا بكرا يا ميار.. مش كفاية لازقة في ضهري زي الجرادة!
لوت فمها بتذمر وغيظ، فضربته على ذراعه بشبه قوة وهتفت وهي تبتعد عنه وتوليه ظهرها: _إنت أصلًا بارد.. أهو بعدت عنك نام واشبع نوم. فتح عيناه وبقي على وضعه ينتظر أن يسمع أي حركة أو صوت منها لكنها سكنت تمامًا، مما أكد له أنها تضايقت كثيرًا حقًا. تأفف بعدم حيلة واستدار بجسده ناحيتها ليجده متمددة بجواره وتوليه ظهرها، اقترب منها وفعل مثل فعلت عندما عانقته من الخلف وهمس معتذرًا بلطافة:
_متزعليش مكنش قصدي والله.. أنا كنت بهزر وإنتي أخدتي الموضوع بجد وزعلتي. تملصت من بين محاصرته لها وابعدته عنها متشدقة بقرف مصطنع: _لو سمحت متلزقش فيا زي الجراد عشان مبحبوش وبخاف منه. كركر بصوته الرجولي عاليًا وعاد يجذبها إليه مجددًا وهو يقول مشاكسًا إياها: _ماهو الجراد لما بيمسك في حاجة مش بيسيبها بسهولة، وأنا خلاص مش هسيبك. ميار بوجه عابس ومختنق: _ابعد يا علاء عشان بجد أنا مضايقة مش بهزر.
دغدغها في أعلى وسطها فانتفضت بمكانها وهتفت بنظرة منذرة تتصنع من خلالها الحدة المزيفة وهي تكتم ابتسامتها: _لا بص اوعى! انكمشت على نفسها حتى لا تدع له مساحة لكي يدغدغها فيها ولكن قوته الجسمانية فاقت جسدها الناعم، حيث أغار عليه يدغدغها بيديه الاثنين في أماكن متفرقة من جسدها ودفن وجهه بين ثنايا رقبتها يلثمها وهي تتلوى بين يديه محاولة التملص منه وتضحك بهستيريا صائحة به: _بس يا علاء خلاص ابوس إيدك مش قادرة والله.. علااااء!
انفجر هو الآخر ضاحكًا على ضحكها الهستيري ورغم ذلك لا يحررها من بين براثينه. *** في تمام الساعة العاشرة صباحًا من يوم جديد... كانت تقف أمام المرآة وترتدي حجابها ونقابها بعد أن انتهت من ارتداء ملابسها بالكامل ولم يتبقى سوى حجابها. الأمر أصبح ليس مطمئنًا أبدًا، فمنذ صباح الأمس وهي تحاول الوصول له ولكن هاتفه مغلق، مما جعل الشك والوساوس السيئة تجد طريقًا للولوج إلى ذهنها، تتساءل عن سبب عدم عودته!
هل عرف بأنها عرفت الحقيقة ويخشي أن يأتي حتى لا يواجهها؟ أم لديه أسباب أخرى؟ أو أنه أصاب بمكروه؟ وهذه كانت أكثر فكرة ترعبها. فتحت أمها الباب ودخلت لتندهش بها وتهتف بريبة: _رايحة فين يا ملاذ؟ ملاذ بخوف يعتليها وقلق: _ماما زين تلفونه مغلق من امبارح وأنا هتجن من القلق عليه.. هروح عند طنط هدى يمكن يكونوا عارفين أو اتصل بحد من اخواته.
_وهو هيتصل بأخواته وأمه وميتصلش بيكي ليه يعني يا ملاذ.. ماهو أكيد هيطمنك زي ما هيطمنهم، ارتاحي يا بنتي واتصلي بيهم من البيت هنا اسأليهم.. متتعبيش نفسك وإنتي حامل لتؤذي نفسك وابنك. أجابت بإصرار: _معلش يا ماما خليني أروح بنفسي.. كده هرتاح أكتر ومتخافيش عليا أنا كويسة ومش هتعب نفسي. قالت أمها بنفاذ صبر من عنادها: _طيب استني هقول لأخوكي يوصلك متروحيش لوحدك.
_لا لا أنا هروح لوحدي بعدين إسلام اتفق مع خطيبته هيروح يشوفها.. بلاش أأخره على ميعاده مع رفيف، يلا مع السلامة. سحبت حقيبة يدها واندفعت إلى الخارج لتغادر المنزل بأكمله، فتقف أمها بمكانها مسلوبة الحيلة وهي تزفر بقوة. *** داخل مقر شركة عائلة العمايري...
طرق عدة طرقات خفيفة على الباب ولم يدخل إلا عندما سمع صوته الغليظ يسمح للطارق بالدخول، خطى إلى داخل الغرفة وأغلق الباب خلفه بهدوء تام. وكان طاهر نظره ثابت على الأوراق التي أمامه فهتف بصوت جاد بعدما ظن أن الذي دخل هو ابنه: _هااا يا علاء عملت إيه في اللي قولتك عليه؟
أخذ حسن نفسًا عميقًا وأخرجه زفيرًا متهملًا باضطراب، وهو متصلب بمكانه لا يصدر أي صوت ينتظر من عمه أن يرفع عينيه عن الورق، وبمجرد ما أن رفعها ورآه تهجمت ملامحه وتقوست لتأخذ ملامح الغضب. عاد يخفض نظره للورق مجددًا وهو يهتف بصرامة واستياء: _إنت لسه ليك عين تيجي تقف قدامي! تنهد حسن الصعداء واقترب خطوتين نحو مكتبه وهو يقول بندم صادق:
_عمي إنت في مقام بابا الله يرحمه بنسبالنا، وصدقني مش هقدر أخسرك لا إنت ولا علاء.. أنا آسف سامحني.. عارف إن اللي عملته ملوش مبرر ومتستاهلش تسامحني عليه، بس والله أنا ندمان وعرفت غلطتي وعقلت وفهمت ولا يمكن أغلط غلطة زي دي تاني. طاهر بجفاء وعصبية: _أوعى تفتكر إني خلاص نسيت موضوع الطلاق عشان يسر عايزاك.. أنا لسه عند قراري. حسن بشجن ويأس:
_أنا كلمتك لما كنت في أمريكا.. ولو فاكر قولتلك إني بحب مراتي ومش هطلقها، عندي استعداد أحلفلك على المصحف إني لا يمكن أذيها تاني وإني هشيلها في عيني وقلبي.. أنا عرفت قيمة يسر يا عمي ولا يمكن أعمل حركة غبية تاني تضيعها مني. هب طاهر واقفًا وهو يصرخ به بانفعال: _بعد كل اللي حكيته لينا مستني مني استأمنك على بنتي تاني إزاي! حسن بنبرة رخيمة وبوعيد رجالي حازم:
_عندك حق تخاف عليها مني.. بس اديني فرصة أخيرة واوعدك إني هكون قد الثقة المرة دي ومش هخون الأمانة تاني مهما حصل. استقرت في عينان طاهر نظرة مريبة وثاقبة كالصقر، مع قسمات وجه قاسية دون أن يجيبه بأي شيء. *** قادت هدى خطواتها في الردهة الطويلة المؤدية إلى الباب. وصلت وفتحت لتجد ملاذ أمامها فتستقبلها بوجه بشوش هاتفة: _ملاذ! أهلاً يا بنتي ادخلي. دخلت وتجولت بنظرها في الأرجاء لتتأكد من عدم وجود أحد، بينما هدى فاغلقت
الباب خلفها وتمتمت مبتسمة: _ارفعي النقاب محدش موجود اطمني. رفعت عن وجهها النقاب ونظرت لها تهدر بابتسامة عذبة: _عاملة إيه يا طنط وحشاني والله. _وإنتي أكتر يا حبيبتي والله.. حمدلله على سلامة إسلام. _الله يسلمك. تساءلت هدى بحسن نية وبنبرة طبيعية تمامًا: _أمال زين مجاش معاكي ليكي.. ليه أسبوع مسافر وكان قايل لي إنه لما يرجع هياجي يشوفني. اختفت ابتسامة ملاذ تدريجيًا بدهشة وقالت بعبوس وارتعاش:
_هو متصلش بيكي أو بكرم أو حسن حتى؟ ضيقت هدى عينيها وقالت بقلق مشابه لها بعدما أحست بأن هناك شيء سيء حدث: _لا متصلش.. ليه هو فيه إيه؟ مسحت ملاذ على وجهها متأففة بيأس واتجهت نحو الأريكة لتجلس عليها وتهتف بصوت متلقلق: _زين مرجعش مع بابا وإسلام.. قالهم إنه معاه شغل وهياجي وراهم وميعرفوش حاجة عنه وأنا من امبارح بحاول أوصله وتلفونه مغلق.. هتجن من الخوف عليه، قولت أجي هنا يمكن يكون كلمكم.
انقبض قلب هدى زعرًا، وتسارعت دقاته برعب جلي، حيث أجابتها بوجه خطف لونه ونبرة مزعورة: _شغل إيه ده اللي معاه هناك، أنا فاكرة رجع من امبارح مع أخوكي وابوكي وكنت مستنياه النهاردة ياجيلي، وهو لو معاه شغل فعلاً قافل تليفونه ليه؟ _ما هو ده اللي هيجنني.. ليه يقفل تليفونه لو معاه شغل فعلاً زي ما قالهم!!! التقطت هدى هاتفها وقالت بقسمات مرتعدة وصوت ليس عاديًا مطلقًا:
_لا لا في حاجة مش طبيعية.. زين مش بيقفل تليفونه أبدًا، أنا هتصل بكرم أخليه يشوف أخوه فين؟ *** فتح كرم عينيه على صوت رنين الهاتف المتكرر، فتململ في فراشه متأففًا ونظر إلى زوجته النائمة بجواره فمد يده على الهاتف وكتم الصوت حتى لا يوقظها ثم اعتدل جالسًا والتقطت عكازه وسار إلى الخارج مجيبًا على الهاتف بهدوء: _أيوة يا ماما. هتفت هدى بصوت مرتعد: _كرم أخوك متصلش بيك أو قالك حاجة. _مين حسن؟ _لا زين. أجابها
بالنفي ونبرة مستغربة: _هو مش مسافر مع إسلام عشان العملية والمفروض يكون رجع امبارح. هدى بخوف جلي وتوتر: _مرجعش يا كرم ومش عارفين نوصله.. تلفونه مغلق ومنعرفش بيعمل إيه، قالهم معاه شغل هناك وهيرجع وراهم.. إنتوا ليكم شغل في بلجيكا؟ ابتسم كرم بسخرية وهتف بجدية بعد أن بدأ القلق يتسرب لأعماقه هو أيضًا: _شغل إيه ده بس يا ماما اللي لينا في بلجيكا!! .. بصي متوتريش نفسك وأنا هكلم حسن وهنتصرف وهنشوفه فين، أنا مستغرب والله!!
.. أصل زين مش بتاع الحركات دي أبدًا! هدى بنبرة متوسلة وصوت تخنقه العبارات: _لو عرفت توصله طمني عليه يا ابني متسبنيش على أعصابي يا كرم. _حاضر يا ماما هكلمك متقلقيش. أغلق الاتصال وانزل الهاتف من على أذنه وهو يزفر بلا حيلة وهو يتمتم: _أوووف يا زين.. نفسي أفهم بتعمل في نفسك كده ليه! ***
السماء غربت وهو لم يتصل بها حتى الآن ولم يعتذر حتى عن تأخره عن موعدهم. اقسمت بين نفسها أنه عندما يتصل ستعنفه بقوة وستتشاجر معه، فهذا ليس تصرفًا لائقًا أبدًا منه أن يتركها بانتظاره كل هذه الساعات وبالأخير لا يأتي. وفوق هذا لم يكلف نفسه حتى ويتصل ليعتذر عن تأخره ويبرر لها موقفه. ها هو الهاتف أخيرًا أعلن عن اتصال من أحدهم، وبالتأكيد هذا المتصل هو.. هرولت ناحية الهاتف والتقطته لتقرأ اسم المتصل وكما توقعت،
أجابت عليه بمضض: _نعم. _أنا آسف. قالها بدون أي مقدمات فقط تفوه بها بعفوية لتهتف هي بضيق وضجر شديد:
_أسفك مش مقبول يا إسلام.. إنت كنت عارف إني قلقانة عليك لما كنت في بلجيكا ومهنش عليك تطمني أو حتى تتصل بيا قبل ما ترجع تقولي إنك راجع ولما رجعت برضوا متصلتش بيا غير النهاردة الصبح وقولتلي هتيجيلي في المطعم وهنقعد شوية ونتكلم، عديتها وقولت مطعم مطعم مش مهم، لكن إنك متعبرنيش وأفضل مستنياك ومتتصلش تقولي حتى اتأخرت ليه كده زودتها أوي! إسلام بأسف حقيقي ونفس مختنقة:
_أنا عارف إني لو قولت أنا آسف من هنا للصبح مش هيكفي يا رفيف.. بس أحلفلك بإيه إني كان معايا مشاكل وكنت مخنوق ومليش نفس أتكلم مع أي حد، أو بالأخص معاكي إنتي لإني كنت خايف أعمل تصرف غبي أو أجرحك بكلمة من غير ما أقصد فحبيت أبعد شوية عنك لغاية ما أهدى.. والنهاردة اللي عملته ملوش مبرر عارف بس صدقيني حصل معايا ظرف طارئ واتأخرت ومكنش معايا شاحن والتليفون فصل شحن مني برا فمعرفتش أكلمك.
سكنت تمامًا وانتبهت الفضول بسبب ما قاله وسط كل هذا الكلام الكثير حول المشاكل وأنه لم يتصل بها هي تحديدًا بسبب مشاكله، مما جعلها ترجح أن الأمر له علاقة بها بالتأكيد. رفيف بصوت مترقب وجاد: _مشاكل إيه وليه تجرحني بالكلام؟ مش فاهمة قصدك؟ زفر الهواء بقوة من فمه فبالطبع لن يخبرها بأمر أخيها، تمتم بخفوت وصوت رخيم مخترعًا شيئًا ليتهرب مما قاله:
_قصدي يعني إني كنت مضايق وخفت أكلمك وأنا مضايق فأقول حاجة من غير ما أحس وأضايقك مني. رفيف بصوت مقتضب وواضح عليه الانزعاج: _اممممم ماشي يا إسلام أنا هقفل عشان عايزة أنام. هدر هو معتذرًا للمرة الثالثة بندم: _رفيف أنا آسف أرجوكي مـ..... قاطعته بلهجة صارمة وجفاء: _مش زعلانة يا إسلام خلاص حصل خير، تصبح على خير.
ولم تنتظر رده حيث أنهت الاتصال فور انتهائه من كلامها، بينما هو فانزل الهاتف من على أذنه وهو يحدق بشاشته في خنق، ثم رفع كفه إلى وجهه ومسح عليه متأففًا. لم يكن يقصد أن يتجاهلها كل هذه الفترة ولكنه حقًا كان منزعجًا من كل شيء ولوهلة فكر بأن يفسخ الخطبة وتراجع باللحظة الأخيرة، وكان أفضل حل هو الابتعاد عنها حتى تهدأ نفسه الثائرة، مثلما يفعل أخوها الآن بالابتعاد عن الجميع. *** في إحدى بقاع الأرض تحديدًا بدولة بلجيكا...
الأشجار الضخمة والعشب يحاوطوه من كل جهة وأمامه مجموعة من الطوب وضعهم بجانب بعضهم ليشكلوا حلقة دائرية وفي نصف هذه الدائرة النار تعلو وتهبط كلما يعبث بها بالخطبة التي في يده، وتزداد توهجًا وارتفاعًا عندما يلقي المزيد من الخطب بداخلها.
لا يعرف ما الذي يفعله فهذه الأفعال ليست من شيمه ولكنه يشعر بالراحة هكذا، الراحة في البعد عن الجميع حتى عن أحبائه. فقد أدرك قيمة انفراده التي أعادت لنفسه الكثير مما فقدته، اليومين الذي قضهما مبتعدًا أفادوه وجعلوا من روحه الثائرة والتائهة التي تدور في نفس المتاهة ولا تجد طريقها، أن تسكن أخيرًا في مستقرها.
الانعزال عن الكل لفترة قد يفيد صاحبه وقد يؤذيه، لكن الأهم هو عدم الإفراط في العزلة، فقد تصبح مرضًا لك لن يداويه حتى لو تجمع كل من تعرفه حولك ليخرجونك من ظلمتك، سيفشلون. نظر إلى يده وبالأخص إصبعه الذي يحمل خاتم زواجه، أطال النظر فيه بشرود وهو يعبث بأنامل يده الأخرى في إصبعه والخاتم. بالأخير أخرجه وقلبه بين يديه أمام عينيه يمعن النظر فيه ثم ألقى به بين ثنايا النيران المتعطشة لأي شيء حتى تأكله.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!