الفصل 7 | من 45 فصل

رواية ضروب العشق الفصل السابع 7 - بقلم ندى محمود توفيق

المشاهدات
18
كلمة
5,727
وقت القراءة
29 د
التقدم في الرواية 16%
حجم الخط: 18

تتخيل!! حتمًا هذا ينبع من خيالها المريض به. هل طلبها للزواج للتو؟ من سابع المستحيلات أن تخرج منه هذه الكلمات أو أنه يفكر في الزواج منها بكامل إرادته. أتحلم أم ماذا؟ ليقرصها أحد لتتأكد بأنها في الواقع وليس حلمًا! لم تكن هي وحدها المصدومة، فكذلك أمه وأبيها الذي لجمت الدهشة سنتهم. فساد الصمت بينهم للحظات وهم يحدقون به فاغرين فمهم بذهول. حتى اخترق هو فقاعة الصمت المريب بينهم وغمغم متصنعًا الأسف والضيق:

_أنا آسف يا عمي.. عارف إن كان لازم أفاتحك إنت وعلاء الأول في الموضوع ده. بس أنا محبتش آخد الخطوة دي غير وأنا متأكد من رأي يسر في الأول. هي مقالتش موافقة بس ردها شجعني إني أفاتحك. كانت هدى تتطلع لابنها بصدمة، فهي تعرف أنه لا يحب ابنة عمه مطلقًا. من أين جاء بعرض الزواج المفاجئ هذا دون أن يفاتحها هي أو أشقائه في الأمر. أما طاهر، فاستجمع نفسه وعاد لطبيعته هاتفًا بجدية وريبة: _وإنت فجأة كده طلبت في دماغك الجواز؟

أجابه نافيًا بنبرة خشنة وصلبة: _لا طبعًا. أنا ليا فترة بفكر في الموضوع ومخدتش خطوة غير لما اتأكدت إني هكون قدها. وأنا عارف إني مش هلاقي أفضل من يسر زوجة ليا بعد إذن حضرتك أكيد.

لازالت يسر على وضعها، نظرها معلق عليه. لا تستوعب ما يدخل من أذنها لعقلها الذي يرفض تصديق كل هذا الهراء. ولا ترفع نظرها عنه، فقط تحملق به كالصنم حين يضعوه أمام الشخص فتكون عيناه مباشرة على ما أمامه. حتى أنها لم تسمع اسمها الذي نطق به أبيها إلا حين هزها بخفة في ذراعها لتنتفض وتنظر له هاتفة في تلعثم وتوتر غير واعية لما تقوله:

_موافقة.. أقصد أيـ..وة حسـ..ن فاتحني من يومين في الموضوع وأنا قولتلُه يكلمك إنت وعلاء الأول ومدتوش رد. نقل نظره بينهم ثم سألها في جدية: _يعني هو ده الموضوع اللي كنتي عاوزة تقوليلي عليه؟ قالت وقد زاد تلعثمها وارتباكها، فقد كانت الكلمات تأتي لشفتيها وتخرج مبعثرة: _آااه.. قصدي لا حاجة تاني بس خلاص هبقى أقولك بعدين.

حاول منع ابتسامته الماكرة من الانطلاق حيث أخفى وجهه وهو يحك ذقنه شبه النامية. بينما هي، فطلبت منهم الأذن واستقامت مسرعة نحو المطبخ لتشرب بعض الماء قبل أن تسقط مغشية عليها. فيهتف طاهر مبتسمًا بحب وحنو: _وهو أنا هلاقي لبنتي مين أحسن منك! ده إنت ابن الغالي يا حسن.. بس اصبر كام يوم وهديك الرد النهائي بإذن الله. _براحتك يا عمي أنا مش مستعجل.

ثم أنزل هاتفه تحت الطاولة وقام بتشغيل نغمة رنينه وهب واقفًا وهو يستأذن بعد أن وضع الهاتف على أذنه متصنعًا أنه يحادث أحد. وانتظر حتى اندمج هو وأمه في الحديث وتسلل دون أن يشعروا به إلى المطبخ حيث هي. وتحرك على أطراف أصابعه حتى وقف خلفها مباشرة. فالتفت هي بعفوية غير متوقعة وجوده، فانتفضت واقفة وفتحت فمها على وشك إصدار صرخة من أثر فزعها. ولكنه أسرع وكتم على فمها مشيرًا بسبابته على فمه بمعنى "لا تصدري أي صوت". فهدأت ضربات قلبها سريعًا وارتخى جسدها المنتصب بسبب الخضة. لتجده يهمس مبتسمًا بلؤم ونظرة تحمل في

طياتها الوعيد والانتقام: _مش كنتي بتعملي ده كله عشان رفضتك وعشان هتموتي وتتجوزيني؟ واديني هتجوزك أهو. ويؤسفني إني أقولك إن إنتي اللي هتطلبي الطلاق مني بعد الجواز وهوريكي العذاب ألوان وأشكال. تكره اقترابه منها الذي يضعف قوتها ويجعلها مسلوبة الإرادة. هذا الحمق يعتقد بأنه انتصر عليها وهو لا يعلم أن الانتقام لكرامتها التي بعثرها لما يبدأ بعد!

يعتقد أن الزواج ستكون نتيجته في صالحه وسيخرج من حربه معها بانتصاره مفتخرًا. ولكنه للأسف لا يدري أنه سيخرج بهزيمة نكراء وستسلبه هي كل شيء. ففي كل مرة يستهين بها يندم. والآن هي في أقصى درجات سعادتها، فقد أعطاها فرصة على طبق من ذهب ولن ترفضها. وستحقق كل أهدافها بفضل غبائه! *** كانت تتحدث إليه في عنف وعصبية شديدة نتيجة لنقضه لاتفاقهم: _يعني إيه لغاية دلوقتي معملتش اللي متفقين عليه! أمّال أنا مدياك فلوس ليه!

أجابها ضاحكًا بسخرية وهو يشاطرها انفعالها: _عشان تاخدي الواد اللي عينك عليه يا قطة واهو معاكي. ثم إن إنتي اللي ضحكتي عليا ومقولتيش إن البت دي تبع كرم العمايري ومكان ما تروح بيكون معاها. ولولا إني شوفته في المستشفى ولحقت نفسي قبل ما يشوفني كان زماني دلوقتي مع الأموات. _وإيه يعني كرم؟ إنت مالك بيه وتعرفه منين؟ غمغم في شراسة: _أعرفه عز المعرفة. وهو لو عتر فيا هو وإخواته مش هيخلوني عايش يوم زيادة.

قطبت حاجبيها وهتفت بحيرة من أمره وسرعان ما تحولت لصدمة: _ليه إنت عملتلهم إيه؟ لتكون إنت اللي... يانهار أبوك أسود! _بقولك إيه يابت إنتي اطلعي من نفوخي. أنا عملتلك اللي إنتي عاوزاه والبت دي تبعي أنا وأنا اللي أفكر هعمل فيها إيه وامتى وإزاي. ولو كلمتيني تاني مش هيحصلك طيب. وعارفة لو جبتي سيرة لكرم عليا مش هتردد لحظة في إني أخلي نهايتك زي نهايتها. وإنتي فهماني أنا قصدي على مين!

أغلقت الخط فورًا في وجهه وهي تنتفض من الخوف. وقد فضلت الابتعاد عن هذا الرجل المريب تمامًا. فهو الآن ليس في حاجة لتوصية، فيبدو أنه ينوي بتلك "الشفق" الحمقاء الشر. وستشفي هي غليلها منها بلا أدنى تعب وسيقوم هو بكل شيء... *** ..شهر!

تركض الأيام كسيارات سباق وتمر حتى دون أن يشعروا بها. والمواعيد تقترب. ومنهم من يخشى من هذه السرعة التي تمر بها الأيام ويتوسل الأيام أن تتمهل قليلًا خشية من أن يجد نفسه أمام المحتوم والذي لا مفر منه. ومنهم من يتوسلها لتسرع أكثر، فلقد طال انتظاره وهو يتحرق شوقًا لينال ما تطوق نفسه له من شهر أو سنوات. والبعض الآخر تمر عليه الأيام كسابقيها لا تختلف كثيرًا. وروتينها لم يتغير، فقط يستيقظ وينام على نفس أحواله المملة والتي تقتله بالبطيء!

فقد واجه حسن الاستنكار والاستهجان من جميع إخوته بعدما عرفوا برغبته في الزواج من ابنة عمه. ليس حقدًا ونقمة عليها ولكن سخرية من أنه فكر بالزواج ومن أكثر امرأة لا يطيقها!

وحاولت هدى محاولات فاشلة أن تجعله يتراجع ولكن بلا فائدة. وقد حصل هو على الموافقة من عمه وتجهزوا جميعًا لحفل الزفاف. وكان بينهم من يحسب الأيام بالساعات والدقائق من فرط تشوقه لقدوم هذا اليوم وبالطبع هي غنية عن التعريف. تتجهز لزواجها وسعيدة كأنها عروس حظيت بالزواج من الرجل الذي سقط في عشقها من الوهلة الأولى. وليس مجرد زواج سيكون تحقيقًا لرغباته الشيطانية والانتقامية منها وحربًا ستخوضها هي معه لتنتصر في النهاية وترفع شعارها على قلبه.

أما زين، فلقد اتفقوا مؤخرًا أن يكون عقد قرانهما في نفس ليلة زواج أخيه بعد أن وافق الجميع وحتى ملاذ!

فخطبتهما دامت لشهر وكان هو كل يومين يحادثها بالرسائل كالعادة يطمئن عليها. وفكرت هي في البداية ألف مرة في إنهاء هذه الخطبة. ولكن هناك قوى خفية تمنعها لا تعرف ماهي. وداهمها شعور يخبرها بأن ربما هذه العلاقة تنجح إن أعطتها الفرصة كما أخبرتها صديقتها. وقررت أن تمنح نفسها فرصة ثانية لتنعم بالعشق مجددًا. فلقد أحست في قرارة نفسها أنها ربما تقع في عشقه إن تزوجته. حتى وإن كانت حتى الآن لا يوجد أي مشاعر تجاهه. فهي متأكدة بأن هذه المشاعر ستوجد مع الوقت. وما عليها سوى أن تدعه يعشقها وأن تثق برجل مجددًا وتتركه يستحوذ على مفاتيح قلبها حتى يفتحه حيثما شاء!

كرم لا يزال حتى الآن يتردد عليهم يوميًا. ويشفق على تلك المسكينة التي وضعها النفسي يزداد سوءًا كلما ترى وضع والدتها الذي لا يتحسن وفقط يسوء أكثر مع الوقت!

وكان يطلب من شقيقته أن تأخذها ويخرجوا للتسوق أو التنزه مع بعضهم لعلها تخرج من حالتها المزاجية الكئيبة. وكانت "رفيف" من أشد المرحبين بهذه الفكرة، فهي أحبت "شفق" كثيرًا وأحستها كأخت لها خصوصًا مع تقارب سنهم الذي لا يتخطي السنة. وفي ذلك الشهر تقاربت علاقتهم كثيرًا وأصبحوا أصدقاء. والمتضرر الأكبر من كل هذا كانت شفق!

ومعاناتها تزداد يوم بعد يوم والنقطة الصغيرة في قلبها تجاه ذلك "الكرم" تنمو كل يوم أكثر من سابقه. تخشى أن يستحوذها بالكامل ولا يكون لها ضوء حتى للخروج فيتم الحكم عليها بالسجن الأبدي في ظلام عشقه المستحيل. وتكون قد أثبتت لنفسها وللجميع أن قلبها لا يختار من العشق إلا أصعبه!

إنه معاده كل يوم والباب يدق في الوقت المحدد كما اعتادت عليه منذ ما يقارب الشهرين. فوضعت حجابها على شعرها ولفته بانتظام ثم خرجت وفتحت. فقطبت حاجبيها باستغراب وهي ترى "رفيف" تقف أمامها وترتدي رداء يناسب السهرات والحفلات المسائية. كانت رائعة وفائقة الجمال به. _رفيف! دخلت رفيف وأغلقت الباب وهي تقول بعجلة من أمرها:

_يلا يلا ادخلي البسي عشان ها تيجي معايا وهتحضري فرح حسن وكتب كتاب زين وخلاص كتب الكتاب بعد العشاء يعني يدوب تلحقي تلبسي وده مش اختياري في أوامر صدرت بكده! قالت آخر كلماتها غامزة بلؤم. فزداد تعجبها وقد أصابتها الدهشة من دخولها عليها المفاجئ وهي تطلب منها حضور عرس أخويها. لا لم يكن طلب بل أمر كما قالت. حيث تشدقت بعدم فهم: _أوامر إيه دي؟ قالت رفيف باسمة بنظرات ماكرة:

_كرم هو اللي جابني وقالي أطلع أقولك تلبسي عشان تا جي معانا ومستنينا تحت بالعربية. يلا بقى. تجمدت الدماء في عروقها وتسارعت أنفاسها تلقائيًا. حين قالت بأنه هو الذي يرغب في حضورها. ولكنها لملمت أشلاءها التي بعثرت بمجرد نطق اسمه أمامها وهتفت متلعثمة في توتر: _لا فرح إيه يا رفيف أنا معملتش حسابي. ثم إني مقلعتش الأسود لغاية دلوقتي على سيف الله يرحمه. _ياستي وهو حد قالك اقلعيه ولا اتزيني وحطي مكياج والبسي فستان!

تعالي بهدومك السودا احنا عايزينك تحضري معانا عشان تفكي شوية وتفرفشي.

تنفست الصعداء بعدم حيلة ثم اتجهت نحو غرفة والدتها لتأخذ الأذن منها وترى رأيها هل توافق أم لا. فتجدها تبتسم لها باتساع وتومئ لها برأسها بالموافقة. ثم تشير إلى ملابسها السوداء بمعنى أن تبدلها بملابس تناسب سنها. فرفضت هي في البداية. ولكن حين شعرت بانزعاج أمها انصاعت لأوامرها وذهبت لتستعد وتلبس شيء مناسب. أما رفيف، فقد جالست المرأة المريضة وأخذت تتحدث معها عبر كتاباتها التي تكتبها على الورقة فلم تستعد صوتها حتى الآن.

كتبت لها على ملاحظة صغيرة عبارة " كرم ليه مطلعش معاكي " أجابتها رفيف مبتسمة في حنو: _هو قالي إنه هيطلعلك بعد الفرح لما يجيب شفق البيت. ابتسمت ودونت على الورقة كالآتي: " تعرفي هو اللي مصبرني على اللي أنا فيه واللي مخليني كويسة إنه بيجيني كل يوم يطمن عليا. بمجرد ما اشوفه بحس إن سيف قدامي وهو اللي مصبرني على فراقه."

قرأت ما دونته وادمعت عيناها بتأثر وشفقة على هذه المرأة التي شقيت ألم فراق وحيدها وعزيز قلبها، وقلبها ينزف الدماء كل يوم على فراقه وتحاول إيجاده في أخيها وتلهم نفسها الصبر بتخيله مكان عزيزها. فاقتربت وطبعت قبلة على جبهتها مغمغمة في نبرة تغلبها البكاء: _وكرم والله بيحبك جدا وبيعتبرك أمه التانية ومش بيقدر يتأخر عليكي يوم واحد من غير ما يجيلك. حضنت كفها بين ثنايا كفها ورتبت عليه بحنو، ثم عادت تكتب من جديد

بابتسامة متسعة ومشرقة: " مبروك لحسن وزين. عقبالك." هتفت رفيف وهي تبادلها نفس سمات وجهها المشرقة: _آمين أنا وشفق يارب. ارتدت رداء بسيط من الألوان الغامقة ولفت حجابها ببساطة أيضا فوق شعرها دون أن تضع أي مساحيق جمال. ثم توجهت نحو نافذتها ونظرت منها، فتجده يقف مستندا على السيارة وينظر لساعة يده متفقدا الوقت.

ثم رفع نظره للأعلى، فـتراجعت هي للخلف فورا بفزع وامسكت بهاتفها تجري اتصال بجارتهم المقربة التي تقارب أمها في السن تطلب منها أن ترافق والدتها قليلا حتى تعود من الزفاف. فعلت هي على الفور وبعد دقائق أتت لهم. فودعت شفق أمها وذهبت بصحبة رفيف وصعدت بالمقعد الخلفي في السيارة، بينما استقلت الأخت بجانب أخيها في الأمام! ... *** ردهة طويلة والبساط الأحمر على الأرض من بداية الردهة لنهايتها.

وكانوا قد تأخروا على عقد القرآن والجميع ينتظرهم حتى يبدأوا. فسبقها كرم ورفيف للداخل التي كانت تتلفت برأسها لها طالبة منها الإسراع. وبقيت هي تسير بهدوء وتتلفت حولها تحدق في هذه الردهة الفخمة والملوكية. إن كانت هذه الردهة فما حال الباقي. لحقت بهم ثم وقفت بعيدا تشاهد مراسم عقد القرآن لكل من حسن وزين. والذي ما إن انتهى ارتفعت نبرة المأذون وهو يقول: " بارك الله لكم وبارك عليكم وجمع بينكم في خير."

فانطلقت التهنيئات من الجميع. وكانت هي تتابع ما يحدث بابتسامة بسيطة حتى وجدت رفيف تسحبها معها وجلسوا جميعهم على طاولة واحدة. وضع حسن كلتا يديه حول خصرها، وهي بدورها لفت ذراعيها حول عنقه يرقصون على ألحان أغنية قامت رفيف باختيارها. وتطالعه يسر بابتسامة متسعة بها شيء من الثقة. ليتلتفت هو حوله ثم يقترب من أذنها ويهمس ساخرا:

_افرحي واضحكي براحتك عشان لما نخلص من الفرح المستفز ده ونروح البيت معتقدش إني هشوف الابتسامة دي على وشك تاني. لم تؤثر بها كلماته التهديدية والشرانية، بل بالعكس زادتها حماس وزادت ابتسامتها اتساعا وهي تجيبه بدورها في أذنه هامسة بثقة تامة: _متقدرش تعمل حاجة. وأنا بقول منستعجلش ونشوف النتيجة هتكون في صالح مين في النهاية. رأت عيناه التي تحولت إلى جمرة نيران وقسمات وجهه الملتهبة وحمراء كالدم وهو يصر على أسنانه.

فتوقعت ما يدور في ذهنه وما يود فعله بها بهذه اللحظة. لتعود وتهمس مجددا في أذنه ببرود أثار براكينه التي على وشك الانفجار: _ابتسم يابيبي عشان الناس مينفعش كدا!! شعرت بقبضته على خصرها تشتد ويضغط عليها بعنف. لتشتد عضلات جسدها وتصدر شهقة خافتة متألمة. ثم يقترب هو ويهتف متوعدا لها بنظرة مخيفة: _وحياة أمي يا يسر لاوريكي اللي ميقدرش يعمل حاجة ده بس نوصل البيت. *** الآن الخطر أشد بعد إن أصبحت زوجته.

تحاول توقع فعله إن عرف بمخططها الدنيء للزواج منه الذي لا يحقق سوى مصالحها الشخصية الأنانية. كيف ياترى سيتقبل الأمر؟ هل سيسامحها ويتغاضي عن الأمر أم أنه هو الذي سينهي كل شيء بينهم ويطلقها؟ ولكنها تقسم له ألف مرة أنها حاولت مرارا وتكرارا أن تبتعد ولا تعرف ما الذي يمنعها من محادثته إلى أن انتهى بها المطاف زوجة له. عليها واجبات ولها حقوق ومن أول واجباتها الإخلاص له.

ولكن كيف وهي حتى الآن لم تتخلص وتتمكن من نزع ذلك العشق المدنس من قلبها. أما هو فكان في ذروة سعادته يشعر بقلبه يتراقص فرحا، فهي لا تدري ما مدى الفوضى التي صنعتها بداخله منذ أول لقاء بينهم. وفي شهر واحد بعثرته أكثر وأسقطته في وحل عميق. والآن فقط أعادت ترتيب قلبه الفوضوي حين باتت زوجة له.

وهذا يعني لا حدود في المعاملة. لا حذر. لا خوف من ارتكاب ذنوب. لا حرج في معانقتها وامطارها بوابل من كلمات العشق وستكون حلاله في كل شيء. ولكن للأسف فمازالت حتى الآن بعض الحدود قائمة إلى حين زفافهم ودخولها منزله. وهنا تنقشع كل الحواجز وتزول جميع الحدود! لاحظ شرودها لدرجة أنها لم تلاحظ توقف السيارة ووصولهم. فهتف متسائلا برفق: _ملاذ إنتي كويسة؟ انتفضت على أثر صوته والتفتت له فورا راسمـة ابتسامة رقيقة على شفتيها.

ليكمل هو ببساطة: _يلا وصلنا انزلي. إماءت لها بالإيجاب وفتحت الباب ثم ترجلت ورفعت نظرها لأعلى تتطلع لمبنى الشركة الضخم. ثم التفتت له برأسها مغمغمة في استغراب: _إنت ليه جايبني الشركة؟ احتضن كفها الرقيق بين كفه هاتفـا في مشاكسة جميلة: _قولتلك مفاجأة.. يلا. قاومت الشعور الغريب الذي راودها بمجرد لمسته ليدها وسارت معه ناحية الباب بدون أن تلفظ ببنت شفة.

فرأت ابتسامة الحراس على الباب الرئيسي بمجرد رؤيته وسارعوا في فتح الباب لهم. وقادت هي خطواتها معه للداخل ثم استقلوا بالمصعد الكهربائي ووصلوا للطابق الأخير. ومازالت مستمرة في السير معه وهي تتلفت حولها في خوف من الظلام الذي يعم أركان الشركة بأكملها ولا تستطيع حتى رؤية كل شيء بوضوح. فغمغمت في نظرات مرتعدة: _زين المكان ضلمة أوي أنا بخاف من الضلمة.. إنت جايبني هنا ليه؟ ترك كفها ولف ذراعه حول كتفيها ضامـا إياها لصدره.

كنوع من بث الاطمئنان لنفسها الخائفة وإخبارها من خلاله أنه معها. فلعنت نفسها بأنها تفوهت بهذه الكلمات ووضعت نفسها في هذا الوضع المحرج. وأكملت السير معه بصمت حتى توقفوا أمام باب إحدى الغرف وابتعد هو عنها. ثم أخرج المفاتيح الخاصة به من جيبه ووضع المفتاح المخصص لهذا الباب ثم لفه عدة مرات وبعدها انفتح. ودخل هو أولا ثم هي خلفه. فتلفتت حولها تحاول رؤية أي شيء ولكن الظلام كان أشد من أن يساعدها على الرؤية.

وحين لم تشعر به بجوارها تلفتت حولها بارتعاد حتى سكنت روحها المرتعدة لما انفتح الضوء. وتجولت بنظرها في أرجاء الغرفة التي هي عبارة عن مكتبة صغيرة جميع حوائطها ممتلئة بالكتب. فتحركت هي نحو أحدهم تتلمسها بابتسامة منذهلة. ثم استدارت حول نفسها تحدق في كل هذه الكتب بانبهار. ولكن صوته الدافئ من خلفها جعلها تلتفت له فورا وتستمع لما يقوله وابتسامتها لا تزال على شفتيها:

_أنا عرفت من إسلام إنك من عشاق القراءة والكتب فقولت أجيبك تشوفي ده وتعرفي إنك مش لوحدك اللي مجنونة كتب. والأوضة اللي في بيتنا اللي قولتلك محدش يفتحها لما تروحوا هناك إنتي ومامتك وأهلك دي ناوي أعملها زي دي بس نخلص من الحجات الأهم الأول وبعدين إنتي تعمليها على ذوقك وتختاري الوانها والخشب وكل حاجة. فغرت شفتيها وعيناها بصدمة. ورمشت عدة مرات بعدم تصديق. ثم خرج صوتها المنذهل فور رؤيتها عيناها التي تضحك بدلا عن شفتيها:

_بتتكلم جد هتبقى عندنا اوضة في البيت زي دي؟ كان صمته وابتسامته إجابة توكد لها سؤالها. فوضعت كفها على فمها تكتم ضحكتها التي انطلقت من فرط سعادتها بما أخبرها به للتو. وبعد ثواني تهتف من بين ضحكاتها بعفوية لما تتحدث به معه من قبل: _إنت كدا هتلاقيني معتكفة في الأوضة دي اليوم كله!! أجابها مشاكسـا بنظرة اربكتها كثيرا: _هعتكف معاكي!

تلاشت ابتسامتها تدريجيـا من نظرته وحاولت الفرار منه عن طريق تجولها في جميع أركان الغرفة تتفحص كل الأرفف. المقسمة بانتظام إلى قسم يحوي كتب الدين والسيرة النبوية وإلى قسم الفلسفة وعلم النفس وإلى قسم العلوم البيئية المختلفة وغيره كثيرا من الأقسام. ولكنها توقفت حين رأت القسم الذي يضم كتب باللغة الإنجليزية. فالتفتت له برأسها وقالت باسمة: _وبتقرى English كمان!! ضحك بخفة وأردف بخفوت يسرد لها قصة هذه الغرفة:

_مكنتش بحب آجي الشركة هنا أبدا. كان عندي حاولي عشرين سنة وأنا من صغري بحب الكتب فبابا الله يرحمه عشان يحببني في الشغل وإني آجي هنا عمل لي المكتبة دي ومن وقتها وأنا مبقتش اتأخر على الشركة يوم واحد ولغاية دلوقتي بخلص الشغل في المكتب وباجي أقعد هنا وأحيانا برجع البيت بعد الفجر بكون ماخد الليل كله هنا. ولما بيأذن الفجر بروح اصلي في الجامع وبعدين برجع البيت.

ومش عايز أصدمك وأقولك إني قريت الكتب دي كلها أكتر من تلات مرات يعني حافظها. اتسع بؤبؤ عيناها بذهول ولكنها ابتسمت بإعجاب وتوجهت نحو الأريكة الصغيرة وجلست عليها هاتفة بتساؤل وجدية: _طيب والوقت اللي كنت بتقضيه في قراية الكتب دي مكنش بيخليك تقصر في فروضك ولا حق ربنا عليك بما إني أعرف إنك ماشاء الله عليك ملتزم في كل حاجة. أصدر تنهيدة حارة ثم اقترب وجلس بجوارها مجيبـا بهدوء:

_لا بالعكس أنا كنت بفضل الوقت اللي باخده هنا وأغلب الساعات اللي بقعدها هنا مش بكون بقرأ الكتب لا بستغل الوقت لإن زي ما قولتي إنا مش بحب أقصر في حق ربنا عليا وكنت دايمـا بقرأ القرآن أو بسبح وبقول أذكار يعني أغلب الوقت اللي بقضيه هنا بيكون للعبادة وفي نفس الوقت بخصص وقت محدد للكتب بس. عشر سنين كثار أوي وكافيين جدا إنهم يخلوني أخلص ده كله وأعيد قرايته من أول وجديد حتى لو مكنتش بستغل كل وقت فراغي في القراية.

كل ما في الموضوع إني برتاح في القعدة هنا جدا. ذلك الرجل كلما تتحدث معه تنكشف شيء في شخصيته يجعلها تتمسك به ويثبت العكس لعقلها الذي يصرخ بها باستمرار أنها أخطأت حين سمحت لهذه العلاقة بالاستمرار. وفي كل مرة يعلو شأنه لديها ويكبر في نظرها أكثر. وهذه المشاعر لا تزعجها بل بالعكس تسعدها لأنها تعطيها الأمل في ما توده وهو أن يحل عشقه هو محل العشق الذي بات يخنقها ولا تتحمله نفسها.

عادت لواقعها واستندت بذراعها على حافة الأريكة المرتفعة وكفها مكانه على وجنتها قائلة وهي متشبعة بحرارة الحديث معه محاولة التصرف بطبيعية وإقناع عقلها وقلبها بأنها تحبه. طبعًا مش محتاجة تفكير إن أكتر رف محبب لقلبك هو رف كتب الدين والسيرة. ضحك لطريقتها الجديدة في التحدث وتأكد مؤكدًا ما قالته: أكيد، أهو ده بقى بذات أنا حافظه زي اسمي بالظبط من كتر ما قريته كذا مرة. عم الصمت بينهم للحظات وهي تعود وتعلق نظرها على الكتب لتسمع

صوته المترقب والرخيم يقول: منتظمة في الصلاة يا ملاذ؟ استقر نظرها عليه ولكن سرعان ما أجفلته وقالت بضيق وحياء: مش أوي، أحيانًا بقطع. وحاولت كذا مرة انتظم بس باخد فترة زي شهرين أو أكتر وبرجع أقطع تاني ومش عارفة أعمل إيه! أخذت نفسًا عميقًا ثم أخرجته زفيرًا متمهلًا وهتف برفق به شيء من الحزم:

غالبًا ده بيبقى بسبب إنك متعودتيش على الصلاة من صغرك فبتلاقي صعوبة في الالتزام، لكن أكتر حاجة تخلي قلبك يجري على الصلاة جري إن الله سبحانه وتعالى بينادي عليكي ويقولك يلا تعالي. حي على الصلاة يعني يلا جري على الصلاة. الفلاح اللي هو فلاح الدنيا والآخرة. ووقت ما تسمعي حي على الفلاح دي تجري على الصلاة. فهل يصح أو يحق أو يجوز إن الله عز وجل بينادي عليكي ومتروحيش له؟ وعايزة تعرفي تعملي إيه؟

تسيبي اللي في إيدك أول ما تسمعي الأذان وتقومي فورًا تتوضي وتصلي. سواء إيه كانت الحاجة اللي بتعمليها مش هتكون أهم من لقاء ربنا والصلاة. ومتقوليش لا خمس دقايق هخلص اللي بعمله وأروح أصلي. لا في لحظتها على طول. فمينفعش إن ربنا سبحانه وتعالى يكون بينادي علينا واحنا ننْشغل عنه بأي عرض من أعراض الدنيا. دي دنيا يعني زايلة وحاجة ملناش دعوة بيها. فحي على الصلاة دي يعني يلا على فلاح قلبك، يلا على صلاحك، يلا على الرزق وعلى الخير

والبركة والهداية. وعشان لما تطلبي حاجة من ربك يعطيكي. فمينفعش تكوني إنتي مش بتصلي وتقولي أعطيني يارب وأديني ومعرفش إيه. ده من عظم ومكانة الصلاة إنها مفرضتش في الأرض لا ده سيدنا جبريل طلع بالرسول صلى عليه وسلم فوق وفرضت فوق لقدسية وعلو مكانة الصلاة. فإنتي خلي ضميرك يأنبك دايمًا وافتكري الكلام ده وأنا هعينك وأشجعك متقلقيش. أنا معنديش تهاون في النقطة دي بالذات يعني لما نكون في البيت والآذان يأذن وأقولك يلا قومي عشان

نصلي فورًا تقومي ومتقوليش إيدي مش فاضية.

كانت تستمع لحديثه وهي تعاني في تفاصيله وتحملق به بشرود. كيف له أن يكون بكل هذا الحسن واللطف؟ ماذا فعلت هي ليرزقها الله بزوج مثله حتى وإن كانت لا تحبه؟ ولكنها الآن فقط أدركت هذا "الزين" لا يمكن أن يُرفض وستكون أحمق النساء إن ضيعته من بين يديها. وستحاول جاهدة أن تحبه وهي متأكدة بأنها لن تعاني كثيرًا في محاولات عشقه، فبالفعل هي بدأت تعجب بشخصيته الفريدة. همست في صوت رقيق ونظرة ممتنة لاهتمامه ولكل نصائحه

التي ستعمل بها بالتأكيد: حاضر، متقلقش مش هقولك كدا. وأوعدك إن شاء الله هنتظم وهعمل زي ما قولتلي بالظبط. أرسل لها ابتسامة محبة ونظرة غرامية ثم التهم المسافة التي بينهم في الأريكة حتى أصبح ملاصقًا لها واقترب منها طابعًا قبلة ناعمة على وجنتها مغمغمًا في عاطفة: ربنا يهديكي يا حبيبتي ويجعلكِ من مقيمي الصلاة.

تجمد جسدها وانكمشت عضلاته هو ووجهها. وسرت رعشة في جميع أنحاء جسدها أثر ملامسة شفتيه لبشرتها ولحيته الكثيفة كان لها دور بالتأكيد فيما أصابها الآن. ثم رأته يبتعد سنتيمترات لا تُحسب ويثبت نظره على شفتيها المزينة بأحمر شفاه فابتلعت ريقها بصعوبة وتوتر حين توقعت ما سيفعله. وشعرت بانحباس أنفاسها في صدرها وجفاف حلقها. ولم تهدأ فوضتها إلا عندما رأت عينيه تنطلق منها نظرات صارمة ويهمس في حدة محاولًا تزيينها بابتسامة متصنعة:

وحاجة تاني كمان معنديش تهاون فيها المكياج.. الروج ده في بيتك ولجوزك بس. أنا محبتش أتكلم لما شوفتك بيه في الفرح وسكت عشان أول مرة بس مش عاوز أشوفه تاني. أولًا حرام ولما أسمحلك تطلعي بيه عشان اللي رايح واللي جاي يبص على شفايفك أبقى مش راجل. ثانيًا أنا بغير جدًا وغيرتي وحشة وبغير على أهل بيتي وحتى رفيف ممنوع عليها منعًا باتًا إنها تحط مكياج. ثم أخرج منديلًا من جيبه وتولى مهمة إزالته عن شفتيها برفق

وهو يكمل بنبرة أقل حدة: جيبي كل أشكال وألوان المكياج اللي تحبيها بس تحطيها ليا أنا بس وفي بيتك. ومفيش مانع لو حطيتي حاجة بسيطة في الفرح بما إنه هيكون منفصل والرجالة لوحدهم والستات لوحدهم. وبعدين إنتي حلوة لوحدك يا حبيبتي مش محتاجة تحطي الحاجات دي عشان تحلوي أكتر!

خافت قليلًا من نبرته ونظرته العجيبة وتأكدت بأنه لا يكذب حين قال إن غيرته سيئة، فمن الواضح أنه يشتعل من الغيرة ويحاول تمالك أعصابه أمامها. سحبت من يده المنديل بهدوء وأكملت مسحه هي دون أن تجيبه، فقط تخطف إليه نظرات مرتعدة بعد أن اتضح لها أنه لديه غضب مدمر وهي بالطبع لا تريد رؤيته في يوم من الأيام، على الأقل إلى حين تتمكن من حبه. كان يتابعها بصمت حتى انتهت. وألقت المنديل في صندوق القمامة الصغير بجانب الأريكة ونظرت

لها متمتمة في توتر واضح: يلا نرجع الفرح عشان منتأخرش عليهم. أومأ لها بالموافقة ثم هب واقفًا وسبقته هي للخارج فأغلق الضوء وقفل الباب بالمفتاح ثم لحق بها. واقترب من رأسها طابعًا قبلة حانية عليها وكأنه يعتذر بطريقة غير مباشرة عن طريقته الحادة واللاإرادية معها منذ قليل ولف ذراعه حول خصرها يسيران معًا في الطريق المؤدي للباب الرئيسي. فلم ترفع هي نظرها له بتاتًا وانشغلت بعقلها الذي يهتف ساخرًا بشيء من الانفعال: "أرأيتِ؟

أخبرتكِ أنه لا يصلح لكِ، فأنتِ لا تحبين السيطرة ويبدو أنه ذو ميول تسلطية! كيف ستتحملين تحكماته التسلطية هذه؟!! " ولكنها رفضت هذه الأفكار بعنف وأبت الاستماع لكلمات عقلها المريض الذي يحاول تخريب كل شيء جميل. وحين أفاقت وجدت نفسها أمام السيارة ويفتح لها الباب فاستقلت بها ثم التف هو وأخذ مكانه المخصص للقيادة بجوارها. *** اقترب الحفل من نهايته وقد قاربت الساعة على الحادية عشر.

لم تتحرك من على الطاولة بجوار هدى وكانت عيناها معلقة عليه تتابعه وهو يقف مع رجل خمسيني ويتحدث معه بجدية تامة وملامح وجهه حازمة بشدة، ولكن لا يهمها كل هذا. هي مكتفية بالنظر إليه فقط وتأمله. كم يبدو اليوم جذابًا وكله وقار وشموخ بملابسه التي تزيده فخامة. حيث كان يرتدي بنطالًا من اللون الأسود يعلوه قميص أبيض اللون وفوقهم سترته الجليدية الطويلة من إحدى درجات اللون البني (الكافيه)

. ويضعها على كتفيه دون أن يغلق ذراعيه داخل الأذرع الخاصة بالسترة مما أعطاه لمسة رجولية مذهلة. كان عقلها يصرخ بها محاولًا إيقاظها من أحلامها الوهمية التي لا صحة لها في الواقع ولن تجلب لها سوى المتاعب. هذا الرجل هو آخر رجل في الكون قد يكون من نصيبها أو أن تحظى بعشقه لها. لهذا يجب عليها التوقف عن عشقه قبل أن تكون سببًا في دمار نفسي لها.

حاولت إزاحة نظرها عنه ولكنها لا تستطيع. وفجأة وجدته يلتفت برأسه ناحية طاولتهم بحركة عفوية منه فوقعت عيناه على التي تتأمله بهيام. لتشهق هي بزعر وتشيح بوجهها بعيدًا مغمغمة لنفسها في اغتياظ منها: شافني.. شافني! غبية.. أنا غبية!

أخذت تخطف إليه نظرات خلسة تتأكد هل ما زال ينظر ناحيتها أم لا، فوجدته عاد يكمل حديثه مع هذا الرجل لتتنفس بارتياح وهي تقسم بأنها لن تنظر له مجددًا أبدًا إلى حين رحيلها الذي لابد أن يكون الآن قبل أن تقع في موقف أكثر إحراجًا. انضمت لها رفيف وهي تهتف باسمة: هاا إيه رأيك؟ أنا أعتقد إنك فكيتي شوية. نظرت لها وتمتمت برقة: آها فعلًا، طلعت شوية من الطاقة السلبية اللي جوايا. ميرسي يا رفيف جدًا إنك فكرتي فيا وجبتيني.

نقلت رفيف نظرها لأخيها وهتفت في صوت منخفض بأذنها به شيء من الخبث ويحمل تلميحات فهمتها جيدًا: بس دي مش فكرتي! يعني الشخص اللي المفروض تشكريه مش أنا! نظرت بدورها إلى مكان استقرار نظراتها ثم عادت لها وقالت بإحراج امتزج بخنقها البسيط: ممكن تبطلي تلميحاتك دي عشان أنا فاهماكِ. كرم زي سيف الله يرحمه بالنسبالي يعني أخويا. رفعت حاجبها باستنكار على كذبها الساذج وأصدرت ضحكة مرتفعة ثم عادت تهمس في أذنها بنبرة أكثر لؤمًا:

لا والله وهو أخوكي برضوا هتفضلي تتأملي فيه ومتشليش عينك من عليه. إنتي مفضوحة أوي على فكرة! ضمت عيناها بتوتر واضطراب وفورًا تخلت عن محاولاتها الفاشلة لإقناعها بأنها ليست معجبة به وقالت بعفوية واضطراب: بجد!! يعني ممكن يكون لاحظ أو حس؟ قالت مندهشة وهي تضحك بتلقائية: كرم مين ده اللي يلاحظ؟

عارفة لو كان حسن أو زين كنت أقولك كانوا زمانهم كشفوكي مش زمان عشان دول مش ساهلين، لكن كرم ده خايب. أراهنك إن كان شك للحظة أصلًا. انتي احمدي ربك إنه بيتكلم معاكي طبيعي من غير ما يتوتر دي معجزة في حد ذاتها. بس تعرفي أنا عذراكي. إنتي عندك حق هو أخويا يتحب فعلًا. رمقتها شزرًا باغتياظ وغمغمت محاولة إخفاء خجلها: أنا عايزة أمشي الوقت اتأخر! حاضر هروح أندهولك. قالتها بمشاكسة وهي تهم بالقيام ولكنها قبضت

على ذراعها هاتفة بصرامة: لا متروحيش مش عايزاه يوصلني أنا همشي لوحدي. تركت رفيف مزاحها جانبًا وأجابتها بقوة جادة: أولًا مش هيرضى يسيبك تمشي لوحدك. ثانيًا الساعة 11 يعني الوقت متأخر. هل لا تهتم بكل هذا؟

فقط لا تريد أن تكون معه، فقربها منه يبعثرها ويشتت ذهنها ويزيد من ترسيخه في قلبها. وهي ترفض شعور استسلامها له على الرغم ما أنها تعرف أن هذا العشق لن يجدي نفعًا عليها. ولكنها تركتها تذهب لتخبره واستقامت فورًا تتسلل إلى الخارج دون أن يروها محاولة الهرب منه وأن تستقل بأي سيارة أجرة قبل أن يأتي خلفها. ولكنها تسمرت واقفة في نصف الردهة الطويلة والحمراء المؤدية للشارع الرئيسي حين سمعت صوته المرتفع نسبيًا ينده عليها:

شـــفــــق !!! تأففت بيأس وأخذت نفسًا عميقًا لتحبسه لثانية في صدرها وتخرجه زفيرًا متمهلًا، وتجاهد في لملمة قلبها الذي تبعثر بمجرد سماعها لصوته. وأخيرًا التفتت له مغلوبة على أمرها لتجده أمامها مباشرة ويردف متسائلًا: _رايحة فين؟ رسمت ابتسامة مزيفة وخلفها كانت تخفي قناع هزيمتها للمرة الألف في الفرار منه. فيخرج صوتها رقيقًا كهيئتها الضئيلة والصغيرة: _مش رايحة مكان. كنت هستناك عند العربية لغاية ما تيجي. _اممم طيب يلا.

سارت معه نحو السيارة الخاصة به واستقلت بالمقعد الأمامي بجواره واستقل هو بمقعده ثم انطلق بها يشق الطرقات، وهي تتابع الطريق بسكون تام مستندة برأسها على زجاج السيارة. أتاها صوته الهادئ يسألها باهتمام: _شوفتيه تاني أو كلمك؟ تمتمت بنفي وهي لا تزال على نفس وضعيتها: _تؤتؤ.. من ساعة الحادثة ومشفتوش تاني والمفروض إني أطمن وأفرح بس قلقانة أكتر. ثم اعتدلت في جلستها وطالعته مغمغمة في ثبات وحرارة:

_فاكر صحبتي اللي كانت معايا في المستشفى؟ _آه فاكرها، ليه؟ قالت بتوجس وقلق: _إنت أكيد عرفت طبعًا إنه كان مستنينا في الشارع لغاية ما نطلع. فهي شافتك لما وصلت وقالتلي إنه أول ما شافك كأنه شاف عفريت واتنفض واستخبى بسرعة قبل ما تشوفه وبتقولي إنه خوفه كان غريب. كان مركز نظره على الطريق وقد كان قلقها بالنسبة له مبالغًا فيه قليلًا ولا داعي لكل هذا الخوف حيث أجابها مبتسمًا في عدم اقتناع:

_طبيعي يا شفق يخاف ماهو عارف أكيد أنا مين وإني دايما معاكي وإني بحاول أوصله. تأففت بضجر من تصرفه على أنها طفلة وتخشي من أي شيء وغمغمت في نبرة مستاءة وهي تنتصب في جلستها وتعتدل لتكون مواجهة له تمامًا:

_كرم افهمني أنا قصدي غير كدا. خوفه مش طبيعي هو عارفك ودي حاجة إحنا مختلفناش فيها، بس هو كمان عارف إنك أكيد متعرفهوش شكله، وإلا كان هيخاف كدا ليه أوي. تصرفه بيوحي بحاجة واحدة وهي إنه عارف إنك لو لمحته بس هتعرفه فورًا وهو يعرفك كويس. والصراحة أنا خوفي زاد أوي وبذات بعد ما شكيت إنه ممكن يكون...

توقفت عن الكلمات ولم تتمكن من البوح له بما يدور في ذهنها منذ شهر كامل وهي تعاني من رعبها أن يكون ماتظنه صحيحًا. فإن كان هو بالفعل لن يلحقها من الأذى بقدر ما قد يلحقه هو. ومن جهة أخرى تخشى أن تكون نهايتها مشابهة لها بالأخص بعدما اتضحت رغباته القذرة بها. أما هو فكلامها قد أيقظ عاصفة القلق الكامنة بداخله وبدت له كلماتها مقنعة جدًا، ولكن توقفها في النهاية أثار فضوله بشدة حيث هتف في ترقب وحزم: _شاكة في إيه؟

أشاحت بوجهها عنه وعادت لجلستها الطبيعية تنظر للطريق أمامها هاتفة في تصنع عدم المبالاة بالأمر ونبرة صوت قوية وجديدة تمامًا: _لا متركزش، حاجة تافهة أساسًا ومش مقنعة. بس أنا مش عاوزاك تتدخل في الموضوع ده تاني لو سمحت. ملكش دعوة وأنا هتصرف لوحدي لإنه ممكن يأذيك.

استعجب من نبرتها وطريقتها مما جعل الشك في أنها تخفي أمرًا خطرًا عنه ينمو ويسقتر في أعماقه أكثر. وأخذ يفكر ما الذي قد تخفيه عنه ولكن كان شكها أبعد من أن يتمكن هو من توقعه. حاول تمالك أعصابه فهي لا تكف عن طلب الشيء الذي لا يمكنه تنفيذه لها وغمغم في صوت أجش:

_شفق إحنا اتكلمنا في الموضوع ده كذا مرة وقولتلك إني مش هقدر أتصرف كأني معرفش حاجة وهقولهالك تاني، إنتي أمانة وأخوكي موصيني عليكم ولو إنتي شيفاني من النوع اللي بيخون الأمانة فأنا عندي استعداد أسيبك تتصرفي لوحدك زي ما بتقولي. ثم إني مش فاهم إيه سبب خوفك ده! تمكن هو من تمالك أعصابه ولكنها فشلت حيث صاحت مندفعة من فرط خوفها عليه فهذا الأحمق سيؤدي بنفسه للهلاك وهو لا يشعر. وهي لن تسمح بأن تكون سببًا في أي أذى يصيبه:

_بقولك هيأذيك أنا متأكدة مش عايز تفهم ليه! وبذات بعد ما عرف إنك تعرفني ومعايا ولو كان اللي في دماغي صح فأنا مش هسمحلك تتدخل في أي حاجة تخص الموضوع ده تاني نهائي لإنه كدا هيبقى بنسبة 100% بيخططلك عشان يبعدك عن طريقه!

أصدر زفيرًا حارًا، وهو حقًا لا يفهم ماتحاول تلميحه بكلماتها الغامضة هذه. ولكن انفعالها المفاجئ جعله يتأكد من أنها تعاني من الضغط العصبي والنفسي منذ فترة. فقرر أن يتعامل معها بلطف ورقة كما اعتادت منه حيث أوقف السيارة جانبًا وغمغم مبتسمًا برزانة: _طيب وأنا سامعك أهو قوليلي إيه اللي في دماغك عشان نعرف نتكلم بدل ما إنتي متعصبة كدا.

أدركت فداحة الخطأ الذي ارتكبته للتو بانفعالها الغير لائق عليه فمهما كانت معاناتها وضغطها العصبي وخوفها عليه، لا يشفعوا لها حين تتحدث إليه بهذه الطريقة وبالأخص حين تقابل منه هذا الرد اللطيف والجميل مثله تمامًا. وضعت كفها على وجهها مغمغمة في إحراج شديد منه: _أنا آسفة يا كرم انفعلت غصب عني والله بس أنا اعصابي تعبانة جدًا الأيام دي. ممكن نقفل على السيرة دي دلوقتي ارجوك وتوصلني البيت لإني تعبانة وعايزة أنام.

تفهم رغبتها في عدم التحدث والعودة للمنزل. فعاد يحرك محرك السيارة وينطلق بها متممًا في خفوت مازحًا ليحاول تلطيف الأجواء المشحونة بالطاقة السلبية: _ماشي بس أنا رأي إنه أي كان اللي في دماغك فهو أكيد ميستهلش كل القلق والتعب العصبي ده. ولا يستاهل قلقك عليا كمان.. يعني ميغركيش الوش البرئ ده لإن وراه بلاوي!

حاولت قدر الإمكان منع ابتسامتها ولكنها فشلت بعدما فهمت ما يقصده من آخر جملة. وأن قلقها عليها ليس في محله وإنه يخفي خلف رقته ولطافته وحسن معاملته مع الجميع أشياء لا يتوقعها أحد منه. أي أن لا قلق عليه فهو يحسن التصرف في هذه المواقف. ولكن مهما حاول أقناعها بأنه يخفي شخصية مرعبة في داخله لن تصدق. فكيف لكتلة اللطافة والرقة هذه أن تكون في وجه الشر والانتقام. وهي تشك إن كان يستطيع أذية نملة من الأساس!!

ولكن لا مانع في المثل الشهير (اتق شر الحليم إذا غضب) *** انتهى الحفل وعاد الجميع لمنزله وكانت يسر في غرفتها بمنزلها الجديد (منزل زوجها! . كان يقسم لها في الزفاف إن حين ذهابهم للمنزل ستنال من عقابه ما تستحقه وهي حقًا تتساءل بسخرية عن عقابه هذا أين ذهب. فلقد أتوا للمنزل منذ ما يقارب النصف وهي دخلت الغرفة ولم تسمع له صوت حتى. ولا تعرف أنام أم ماذا يفعل؟ ولكن ما تثق به أنه فقط يقول كلمات ولا يمكنه التنفيذ!

ثم بدأت في خلع الفستان عنها وارتدت منامة قطنية قصيرة وكانت على وشك أن ترتدي فوقها رداء منزلي طويل فهي لا تأمن شر هذا الفاسق. ولا تود أن تكون أول ليلة بينهم على هذا النحو فلديها خطط لهذه الليلة يجب أن لا تفسد أبدًا. انتفضت واقفة بزعر حين وجدته يقتحم الغرفة عليها ويدخل ثم يغلق الباب بالمفتاح لتتراجع هي للخلف وتلتقط أقرب شيء لها وهو الروب المنزلي وتلفه حولها محاولة ستر أجزاء جسدها العارية وتهتف بخوف كان حقيقي هذه المرة:

_بتعمل إيه؟ التفت لها وقال بنظرات شرانية ونبرة تحمل كل معاني الغل والانتقام لأفعالها معه. وكانت نظراته كصياد صبر كثيرًا حتى ظفر أخيرًا بفريسته بين قبضتيه ولن ينقذها منه أحد: _هوريكي اللي ميقدرش يعمل حاجة ده! هل سيحاول تعذيبها وضربها أم أنه سيستغل فرصة زواجهم ويحاول كسرها وقهرها بالنيل منها رغمًا عنها؟

كلها تساؤلات تدور في حلقة ذهنها ولا تجد لها أجابة سوى أنها في مأزق حقيقي الآن ويجب أن تتصرف قبل أن تجعله يحصل على مايريد!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...