بعد العصر بساعة ونص، كان المقهى على قمة فندق ومتكدس بالعائلتين ومعارفهم المقربين. كانت خطبة ملوكية وهادئة خالية من الضجيج المعتاد على الأفراح. كان يود أن يجعلها دون أي موسيقى أو أغاني، وبعد محاولات من أمه وشقيقته وافق على موسيقى راقية وهادئة فقط لتضفي على الأجواء شيء من الفرحة والابتهاج.
كان الجميع منشغلًا بالحديث والضحك مع بعضهم البعض. والفتيات لا تمل من التقاط صور السيلفي لها، وبالأخص رفيف التي كانت مندمجة مع صديقاتها في الضحك والتصوير، غير منتبهة لذلك المضطرب الذي يخونه نظره ويخطف نظرات إليها سريعة بعد أن قامت بإعادة الكتاب وأبدت عن سعادتها به وقالت الكثير من الكلام المشجع والإيجابي. حسن كان يتجول هنا وهناك، وأغلب الوقت يقضيه مع ابن عمه وصديقه "علاء".
أما كرم، فكان على طاولة بمفرده يجلس واضعًا ساقًا فوق الأخرى وبيده كوب المشروب الغازي الذي طلبه، ويتابع الجميع في سكون يراقب ذاك تارة وتارة ذاك. اقتحمت جلسته الفردية وانسجامه مع الموسيقى الهادئة ومشروبه ابنة خاله. حيث جلست أمامه وهمهمت باسمه في رقة شبه متصنعة: "قاعد وحدك ليه؟ ابتسم لها بلطف وتمتم في نبرة هادئة كطلته وجلسته وطبيعته: "عادي حبيت جو الموسيقى بس." هتفت في تطفل كان في نظرها محاولة اقتراب منه،
ولكن في نظره تطفل: "طيب، هتمانع لو قعدت معاك؟ رسم ابتسامته، ولكن هذه المرة كانت ابتسامة متكلفة، حيث أجابها في استحياء منها: "لا أمانع، ليه براحتك يا حنين! اتسعت ابتسامتها. أما هو، فانتظر اللحظة التي نقلت بنظرها عنه وبحث بعينيه عن حسن حتى وقعت نظراته عليه وتلاقت عينيهما، فأشار له بيده على الجالسة أمامه في وجه مختنق، وكانت نظرته تتحدث قائلة: "تعالي خدها من قدامي، أنا مش ناقص رط." انفجر حسن ضاحكًا بقوة. فنظر له
علاء وهمهم باسمه على ضحكه: "ماله؟ عايز إيه؟ "حنين لزقت فيه زي العادة ومش عارف يتهرب منها وعايزني أنقذه! قهقه مثله وقال مستمتعًا: "والله أخوك ده مسخرة وحالته صعبة، روح له ليفرهد بين إيدها! ازداد ضحكه أكثر وجاهد في التوقف وهو يتوجه ناحيتهم حتى وقف وانحنى قليلًا ناحيتها هامسًا بنظرة خبيثة وهو يغمز لها: "حنين، ما تيجي أعزمك على حاجة حلوة ونتكلم شوية." هتفت في اعتراض بسيط وهي تلقي نظرة على كرم الذي يحاول
تجنب نظراتها لها وتفاديها: "ميرسي يا حسن، بس أنا مرتاحة كدا ومش قادرة أشرب أي حاجة والله." نظر لأخيه وهتف مشاكسًا وهو يضحك: "مرتاحة إيه بس يا شيخة.. إنتي إيه اللي مقعدك مع الكئيب ده؟ تعالي، ده الكل بيضحك وبيهرج وهو قاعد في ركن لوحده زي المطلقة. تعالي بس حتى اقعدي مع رفيف، كانت بتسألني عليكي من شوية."
ألقت نظرة أخيرة على كرم، وهذه المرة رأته ينظر لها ويبتسم ابتسامة صفراء. فكتم حسن ضحكته ونهضت هي مغلوبة على أمرها وسارت مع ابن خالها، ولكنها فضلت أن تذهب لرفيف وتنضم لصديقاتها. *** بعد دقائق، قرر حسن أن ينزل ليقوم بشراء شيء له وهرول ناحية المصعد الكهربائي قبل أن يغلق ووضع قدمه بينه حتى لا يغلق، فإذا به ينصدم بيسر. فتأفف بغضب ودخل مخنوقًا. فتطالعه هي بنظرات استحقار من تقززه منها وكأنها قمامة، ثم هتفت في استهزاء:
"أنا اللي المفروض أقرف منك أصلاً!! حدجها في نظرة تتصنع عدم الفهم وهو يضيق عينيه وقال بنبرة باردة كالثلج: "أفندم! جزت على أسنانها وكورت قبضة يدها وودت لو صفعته بها مرة أخرى، ولكنها جاهدت على الظهور بمظهر الغير مكترثة له وتمتمت في غيرة واضحة كشفت محاولتها الفاشلة في عدم الاكتراث: "متفتكرش إنك لما تقعد تتلزق في بنت خالك أنا كدا هغير مثلاً وهتغيظني أكتر." جلجلت ضحكته في المصعد وهتف ساخرًا في نظرة استحقار ونبرة فظة:
"وأنا مهتم بغيرتك مثلاً يعني؟ ما تولعي بجاز وأنا مالي بيكي! صاحت به في انفعال: "احترم نفسك واتكلم معايا بأسلوب كويس واحمد ربك إني مقولتش لحد لسا وصابرة عليك." أثارته واشعلت النيران في عينيه وبرزت عروق رقبته بسبب طريقتها المستفزة، وكأنها تخبره بوضوح أنها تقبض على ذراعه المصاب وإن أزعجها ستضغط عليه وتؤلمه بشدة. فقبض على ذراعها وصاح في استياء عارم:
"يابنت الناس اعقلي وبلاش تخليني أزعلك بجد مني.. أنا لغاية دلوقتي اللي حايشني عنك أخوكي وأبوكي وإلا كان.... قطع جملته فتح باب المصعد تلقائيًا عند وصوله، وكان ينتظر المصعد فتاة من أصدقاء العروس. وتصلبت بأرضها عند رؤيتها لوضعهم، فترك يدها فورًا ورمق يسر شزرًا، ثم اندفع للخارج وغادر. ولحقت هي به. *** داخل إحدى المستشفيات الخاصة.
متسطحة على الفراش وعيناها معلقة في السقف وتنهمر منهم الدموع بصمت. إلى متى ستظل تتخبط في الطرقات بمفردها؟ من جهة ألمها على فراق أخيها، ومن جهة أخرى قلبها الذي يتمزق وينزف دمًا حزنًا على حال والدتها. ويزيد بؤسها ذلك الرجل الذي لا يكف عن ملاحقتها وابتزازها بصورها. واليوم لولا ستر الله وحمايته لها لكانت تبكي دمًا الآن على ضياع كل ما تملك. "هل أخطأت حين لم أخبره؟ فهو مد لي يد العون وأنا أثق به ثقة عمياء، فلماذا رفضت عونه؟
" كانت تتساءل في قرارة نفسها بمرارة. وعقلها يكاد ينفجر من كثرة الهموم التي يحملها بداخله وعدم توقفه عن التفكير للحظة واحدة! سحبتا من فقاعة بؤسها صديقتها الحميمية التي فتحت الباب ودخلت مهرولة نحوها، فترتمي شفق داخل أحضانها تبكي بعنف وحرقة. ليزداد قلق الأخرى وتهتف في ارتياع جلي: "شفق، إنتي كويسة؟ حصل إيه؟ أجابتها من بين بكائها وصوتها المرتجف: "شفته وحاول يعتدي عليا يا نهلة." أبعدتها عنها فورًا وطالعتها بذهول ورعب،
ثم همست في ترقب وقلق: "يعني مقربش ليكي؟ هزت رأسها بالنفي وهمهمت في عينين مدمعتين ولكن بكاءها توقف: "لا. أنا روحت الكلية النهاردة وبعد الكلية روحت أزور سيف الله يرحمه. وطلع بيراقبني وحاول يعتدي عليا، وبصعوبة قدرت أهرب منه وطلعت أجري ومخدتش بالي من الشارع من كتر خوفي، فعربية خطفتني وصاحب العربية جابني هنا." ترنحت صديقتها من العصبية وأخذت تسير إيابًا وذهابًا وهي تقرض أظافرها من الغيظ. ثم التفتت لها وهتفت منفعلة:
"مش هينفع الوضع ده يا شفق. الحيوان ده لازم حد يوقفه عند حده. حسبي الله ونعم الوكيل في مروة. بعدين إنتي مش كرم قالك متطلعيش وحدك وإنه هو اللي هيوديكي الكلية؟
عبس وجهها بشدة بمجرد ذكر صديقتها لكرم. تخشى أن تقحمه معها في مشاكلها فيصيبه الأذى بسببها. وبجانب أنها تخجل منه أيضًا بعد كل ما فعله لأجلها ولهم. وتضيف لكل هذا السبب الرئيسي في محاولاتها لتجنبه وهو أنها بدأت تنجذب له تلقائيًا، وهي تريد أن تكسر قاعدة قلبها الذي لا يختار من العشق إلا أصعبه. خرج صوتها خافتًا وعابسًا:
"أهو كرم ده مشكلة كمان واحدة يا نهلة. كفاية اللي عمله معانا وبصراحة مكسوفة منه ومش عايزة أدخله في مشاكلي. أنا لولا الحيوان عمر اللي فضحني بالصور قدامه مكنتش هقوله أصلاً ولا هعرف حد بالموضوع ده." هذه الساذجة تجهل خطورة الأمر. هل هي مستعدة لأن تخسر نفسها للأبد بسبب ذلك الوغد والحقير؟ ترفض يد العون ومن ثم تبكي من الخوف عندما يصيبها مكروه. يالها من حمقاء!
ولابد من إرجاعها لصوابها، فإن كانت لا تخشى على نفسها، فهناك من يبالي بأمرها! صاحت بها نهلة في اندفاع وعصبية شديدة: "هو بنفسه اللي طلب يساعدك. لو مكنش حابب مكنش هيهتم بيكي أصلاً. عارفة إنه كتر خيره وأنه وقف معاكم كتير من وقت وفاة سيف الله يرحمه، بس مفهاش حاجة لو كمل جميله شوية لغاية ما تخلصي من الحيوان ده وبعدين ابقي انسيه تمامًا. وإنتي محتاجة لحد يكون جنبك دلوقتي، مينفعش تطلعي وتدخلي وحدك. كفاية استهتار يا شفق."
أجفلت نظرها أرضًا في أسى. فهي تدرك جيدًا خطورة الأمر، ولكنها أصبحت لا تبالي بشيء سوى والدتها، وأن كانت تحاول حماية نفسها فالأجلها فقط حتى لا تتركها بمفردها. ويجب عليها أن تدفع ثمن خطأها وثقتها في من لا يستحق الثقة. أشفقت عليها نهلة ولانت نظراتها لتلك المسكينة التي تحمل همومًا فوق طاقتها. فاقتربت منها وجلست بجوارها، ثم أمسكت بكفها تملس عليه بلطف هاتفة في حنو:
"يا شفق، أنا خايفة عليكي والله. خايفة الحيوان ده يأذيكي في مرة. عشان كدا بقولك قولي لكرم وخليه يساعدك." "أنا دلوقتي بفكر هقول إيه لماما لما تشوف راسي المربوطة بالشاش دي ورجلي اللي بمشي عليها بالعكاز؟ ولا كرم كمان لما يشوفني هيضايق جدًا لما يعرف إني طلعت ومقولتلوش لإنه منبه عليا أكتر من مرة." قررت نهلة أن تتخلى عن انفعالها قليلًا وتستخدم المرح لتخرجها من حزنها قليلًا. فغمزت لها بنظرات دقيقة وهي تردف بخبث:
"وإنتي خايفة على زعله أوي كدا ليه يعني! رمقتها شفق بارتباك وتلعثمت، فلم تعرف بماذا تجيبها لتخفي عليها حقيقة مشاعرها نحوه التي تنمو يومًا بعد يوم. فأجابتها بإيجاز ونبرة صوت مرتجفة: "هااا.. لا عادي عشان أنا وعدته إني مش هطلع من غير ما أقوله، فأكيد هيضايق." ضحكت على تعلثمها وأكملت ضغطها عليها بالكلام، فلن تتركها حتى تعترف بإعجابها به: "أيوة برضوا، أنا مفهمتش. إنتي مضايقة ليه لمجرد إنك فكرتي إنه هيضايق؟
حاولت إيجاد وسيلة للهرب من حصار صديقتها لها، فتصنعت السعال وأخذت تسعل بقوة وتقول بصوت ضعيف: "هاتيلي ميه يا نهلة معلش." أطلقت الأخرى ضحكة متأججة لكشفها خدعتها الفاشلة التي تحاول خداعها بها، ولكنها قررت أن تسير معها لآخر الطريق وترى إلى أين ستصل محاولاتها للفرار منها!
فنهضت ولتجلب لها الماء. وبينما هي تمر من جانب النافذة، لمحت رجلًا يقف أمام المستشفى بالأسفل، فتتسمر بأرضها وتحدق بها بتشكيك من مظهره الغير مهندم أو الراقي، وهتفت دون أن تبعد نظرها عن النافذة: "شفق، قوليلي كدا هو الراجل ده شكله إيه؟ استعجبت سؤالها ولكنها أجابت بهدوء: "طويل وأقرع وأسمر. ليه؟! اقتربت أكثر من النافذة وهي تدقق في ملامحه جيدًا بعينين ناريتين ومشتعلتين، وتكمل أسئلتها في جدية تامة: "متعور في وشه؟
بدأ الخوف يتسلسل إلى نفس شفق التي حاولت الاعتدال في نومتها، ولكنها لم تستطع بسبب قدمها، وأجابت على صديقتها بارتياع: "آه." هو قاعد تحت ولا إيه! التفتت لها بجسدها وقالت باستياء ونبرة تسللها القلق مثلها فقد يلحق بهم الأذي هم الأثنين من هذا الوغد: _أيوه قاعد تحت.. مستنيكي تطلعي أنا مش قولتلك الراجل ده مش هيسيبك في حالك ولازم نشوف حل معاه. طلعي تلفونك ياتكلمي كرم ياهكلمه أنا.
هتفت مسرعة في ارتباك ورفض قاطع للجوء إليه ومحاولة إيجاد أي حل للهرب والخروج من هذه المستشفى سالمين هي وصديقتها: _لا لا عشان خاطري متتصليش بيه يانهلة.. بصي الشاب اللي خبطتني بعريبته أنا طلعت أعرفه من بدري وهو راح مشوار بسرعة وقالي جاي تاني عشان يطمن عليا ويوصلني البيت فخلينا قاعدين لغاية ما ياجي ويوصلنا البيت.
طفح كيلها ولم تعد تحتمل سذاجتها. ولا تفهم أهذا بسبب إحراجها منه كما تقول أم أنها تخشي أن يصيبه مكروه أم تحاول الابتعاد عنه بسبب إعجابها به؟ ولكن ما تفهمه أنها ترتكب خطأ فادح في حق نفسها عندما ترفض الاحتماء به وتركه يساعدها. اندفعت نحوها وجذبت هاتفها من يدها قائلة في عزم وإصرار: _طالما مش هتكلميه يبقى أنا هكلمه! هتفت شفق برجاء متراجعة عن قرارها ورفضها القاطع لمحادثته:
_خلاص أنا هكلمه بس بشرط لما ياجي مش هتجبيله سيرة عن اللي حصل وأنا هقوله إني روحت الكلية وأنا وجاية في عربية خبطتني بس ومش هقوله اكتر من كدا. عشان أنا مش حابة حد يدخل في مشاكل بسببي.
ذعنت نهلة لها فعلى الأقل ستطمئن عليها حين يأتي ويرافقهم هو للمنزل وستتأكد بأن ذلك المترصد لها بالأسفل لن يتمكن من أذيتهم. أما هي فأخذت تفتش عن رقمه في قائمة الأسماء وحين وصلت له إخءت تحدق به بتردد تخجل ولا تريد محادثته ولكن ما باليد حيلة فإما هي أو صديقتها التي بالتأكيد ستفشي له بكل شيء إن حدثته. حسمت أمرها وضغطت على اتصال ثم وضعت الهاتف على اذنها تنتظر إجابته حتى أجاب بعد وقت محاولا الابتعاد عن صوت الموسيقي
والأزعاج الذي حوله: _أيوة ياشفق. ألقت نظرة مترددة على صديقتها حين أجاب ثم عادت تتطلع أمامها وقررت أن تدخل في الموضوع فوراً دون مقدمات حتى لا تتلعثم وتخطىء في شيء: _كرم تقدر تاجيلي دلوقتي؟ أنا في المستشفى. ابتعد عن حشد المعازيم تماماً حتى وقف أمام المصعد الكهربائي مغمغماً في هلع عندما ظن بأن والدتها قد اصابها مكروه: _مستشفى! مامتك تعبت ولا إيه؟ همست خفوت وتوتر بسيط امتزج بالحياء:
_لا أنا روحت الكلية وعربية خبطتني أنا وراجعة بس الحمدلله أنا كويسة. وكنت محتجاك تاجيلي بس عشان أنا وحدي ومعيش حد غير صحبتي. ضغط على المصعد الكهربائي حتي يستقل به ويصله إلى الطابق الأرضي هاتفاً على عجلة واهتمام: _طيب أنا جايلك أهو دلوقتي علطول.
دقائق من الانتظار كل منهم الخوف والرعب ينهشهم نهش خشية من إن يتسلل من بابا المستشفى خفية ويأتي لهم فيأذيهم. كانت نهلة تقف على النافذة تتابعه بتركيز دون أن تغفل عنه لحظة وشفق على فراشها تقرض في أظافرها بقلق كدليل على فرط توترها واضطرابها الذي سرعان ما انجلي حين التفتت لها نهلة وقالت مبتسمة في سعادة: _كرم جه.
أصدرت هي تنهيدة حارة بعد أن سكنت نفسها واطمأنت. فهي لا تنكر شعورها بالراحة حين يكون معها. ترى فيه الأمان التي افتقدته منذ وفاة أخيها. وتراه هو في كل تصرفاته باستثاء خجله الفريد بالطبع. طرق الباب نفضها نفضاً واعتدلت سريعاً في نومتها ورفعت الغطاء إلي أعلى صدرها أما نهلة فاتجهت هي لتفتح له التي استقبلته بابتسامة بشوشة ليبادلها هو إياها مع محاولاته لتجنب النظر إليها. دخل وجذب مقعد ثم جلس أمام فراشها وهتف باكتراث لأمرها:
_إنتي كويسة؟ اكتفت بإماءة رأسها له وتتحاشي النظر في وجهه استحياءً منه مٌهيأ نفسها لاستماع توبيخه الرقيق مثله لها. وبالفعل جاء صوته به شيء من الانزعاج: _ليه طلعتي وحدك؟ احنا مش متفقين إنك متطلعيش وحدك لغاية ما اوصل للحيوان ده. خرجه همسها مرتبكاً: _محبتش اتعبك معايا والله وأنا روحت وكنت هرجع البيت زي الفل لولا العربية االي خبطتني عند الكلية دي.
نظر لصديقتها التي تتابعهم غي نظرات متربكة مثلها ومترقبة لما سينتهي به مطاف هذا الحديث. ليعود بنظره لها ويهتف بصوت رجولي خشن: _امال ليه لما سألت تحت عند الاستقبال الحادث حصل فين قالولي عند المقابر؟ ياريت تقوليلي ياشفق حصل إيه بظبط؟
نقلت نظرها بينه وبين صديقتها التي تشير لها بعيناها أن تخبره ولكنها أبت وصممت على موقفها حيث هتفت مخترعة كذبة تحاول الهرب بها منه فما كان كذبها عليه إلا أنه زاده تأكيد بأن حصل شيء وهي لا تريد أخباره. وربما يكون لعدم ثقتها فيه أو أنها لا تريد تدخله أكثر من ذلك. هذا ما كان يحدث به نفسه. هتفت بتلعثم واضح في اضطراب كلماتها: _مقابر؟ لا يمكن هما غلطوا أنا مروحتش أصلًا غير الكلية!
هب واقفاً وقال بصلابة وضيق من محاولاتها الفاشلة للكذب. هل تظنه غبي وأحمق لكي يصدق كل هذا الحمق؟ ولكنه لا يتمكن من إجبارها على شيء لا تريده وإن كانت لا ترغب أن يساعدها فلها القرار. هو حاول اقصى جهده لكي يحميها ولكنها ترفض وليس له الحق في إعطائها اوامر: _طيب ياشفق لما تكوني محتجاني اتصلي بيا وأنا مش هتأخر عليكي. يلا عشان اوصلك إنت وصحبتك للبيت أمك قلقت عليكي وخلت جيرانكم اللي قاعدة معاها تكلمني.
أطرقت رأسها في خزي وخنق عندما لمست نبرة الغصب والانزعاج من كذبها عليه. لا تعرف بما فكر ولكن حتماً انزعج منها بشدة. اسرعت نهلة نحوها لتساعدها في الوقوف عندما انصرف هو من الغرفة لينتظرهم بالخارج. وتمتمت لها باغتياظ من غبائها: _غبية إنتي مش شيفاني بشاورلك عشان تقوليله؟ عنده حق يضايق الله اعلم فكر ازاي؟ انا الصراحة لو مكانه هقول إنك مش واثقة فيا.
رمقت صديقتها بنظرة ضعيفة وعاجزة عندما تفوهت بآخر كلماتها وداهمتها مشاعر الندم لكذبها عليه ولكنها تصنعت التجاهل واستندت عليها حتى لملموا أشيائهم وغادروا معه. واستقل هو بالمقعد الأمامي في السيارة وهما في الخلف ثم انطلق بالسيارة يشق بها الطرقات دون أن تنحرف عيناه حتى بالخطأ في المرآة العاكسة عليهم!
تتابع الجميع من حولها أهلها وأقاربها في كامل سعادتهم حتى أبيها الذي جاء صباح اليوم ليحضر خطبة ابنته. كان منذ قليل يتحدث مع كرم قبل رحيله ويضحك بقوة! وفرحة أمها وأبيها وأخيها تستطيع الوصول لها وتشعر بها ببساطة. ولما لا يفرحون!
فلقد اعطوها لرجل جميعهم على ثقة تامة به وربما هي أيضاً تثق به بأنه لن يكون كخطيبها. ولكن مع الأسف ستكون الضربة القاضية منها هي وليس هو. هي ليس لديها شك في إخلاصه لها طوال حياتهم. سيكرث حياته لأجلها ولأجل أولاده. بينما هي ستكون نموذج للخداع وعدم الثقة والكذب. وربما هذا هو الأمر الذي سيجعلها تفكر في أمر الارتباط به رسمياً فمازال لديها الفرصة قبل الزواج إما أن تقبل أن تكون الزوجة الخائنة أو تنسحب بهدوء!
انتفضت بخفة على أثر صوته الذي جذبها من محيط أفكارها العميقة. كانوا يجلسون على أريكة فاخرة متوسطة الحجم والمسافة بينهم تتسع لشخص آخر أن يجلس في المنتصف. التفتت له برأسها تسمعه وهو يهتف في خفوت بابتسامة صافية: _لو كنت أعرف إنك هتضايقي من الجو الهادئ كدا كنت قسمت الخطوبة وخليت الستات والرجالة وحدهم وكنتوا شغلتوا اغاني وفرحتوا مع بعضكم. هزت رأسها نافية فوراً وغمغمت وهي تبادله نفس الابتسامة:
_لا لا خالص مش مضايقة بالعكس أنا بحب الهدوء ومش بحب الأزعاج بتاع الأفراح.. بس تقسم ليه الرجالة والستات؟ أخذ شهيقاً قوي وقال في نبرة رجولية صلبة وجادة: _مش بحب اشوف أهل بيتي بيرقصوا قدام رجالة.. لإن اللي بيحصل في الأفراح دلوقتي كله غلط في غلط. وأنا أحب إننا نبدأ حياتنا صح عشان ربنا يباركلنا فيها.. صح ولا لا؟ " صح !!! " وماذا عن زوجة ستدخل منزله وتنام بجانبه على فراشه وهي تفكر برجل غيره؟
هل ستكون حياتهم بالشكل الصحيح الذي يريده؟ هل ستستمر علاقتهم كثير؟ غامت عيناها بالعبارات وخشت أن يراهم فلم تتمكن من الرد عليه وهبت واقفة واسرعت نحو الحمام تختبئ فيه من كل شيء فلاحظت إحدى صديقاتها المقربة انسحابها من جانبه فجأة واسرعت نحوها أما هو فوقف مستغرباً وأشار لشقيقته التي اسرعت نحوه وذهبت معه لها. هتفت صديقتها قبل أن تدخلها: _أنا هدخل وراها.
ثم فتحت الباب ودخلت وأغلقت الباب خلفها فوجدتها تقف أمام المرآة وعيناها ممتلئة بالدموع لتهمس بانفعال وصوت منخفض حتى لا يصل لمسماعهم: _في إيه ياملاذ؟ إيه عاوزة تبوظي خطوبتك؟ أجابتها بهمس ودموعها على وشك السقوط: _أيوه أنا مش هقدر أكمل معاه. أنا مستحيل أقدر أكون ليه الزوجة اللي عايزها.. مش هقدر اخدعه أنا هبقى كدا بخونه. لانت نظرات صديقتها لها وغمغمت في لطف وحنو:
_طيب متعيطيش عشان مكياجك.. ومتبقيش غبية دي فرصة جاتلك ومينفعش تضيعيها. طلعي أحمد القذر ده من دماغك وقلبك وادي لنفسك فرصة يمكن تحبي خطيبك.. امسحي يلا دموعك اللي في عينك دي واطلعي عشان هو واخته برا ومستنينك ولو اتأخرتي الباقي هياجيوا كمان لما يلاحظو غيابك. يلا ياحبيبتي ابوس ايدك.
ربما تكون فرصة ارسلها الله لها بالفعل. ولا يجب عليها تضيعها بهذه السهولة. ستحاول أن تستغل هذه الفرصة وإن لم تستطع ستنهي هذه المهزلة الذي بدأتها بنفسها فالتلاعب بالمشاعر ليس من شيمها! جففت دموعها بحذر شديد حتى لا تفسد المكياج ثم خرجت لهم فوجدت رفيف تهتف مسرعة في قلق: _مالك ياملاذ إنتي كويسة؟ اخترعت كذبة محترفة عليها مغمغمة في خفوت: _آه كويسة. أنا بس ماخدة دور برد في معدتي وعشان الجو برد فمستحملتش.
ثم نظرت للذي كان يبدو على وجهه القلق الممتزج بنظرات الشك في أمرها. فأرسلت له ابتسامة عذبة ثم عادت بصحبة رفيف وصديقتها إلى مكانها وهو لحق بهم. ثم رأته يشير لشقيقته بأن تأتي له وهمس لها في اذنها بشيء لم تسمعه نتيجة لصوت الموسيقى المرتفع قليلاً. ورحلت " رفيف " وعادت بعد دقائق وهي تحمل وشاحاً نسائياً رائعاً يبدو باهظ الثمن ولفته حول كتفيها هاتفة في رقة: _حطيها عليكي عشان البرد.
لفتها جيداً حول كتفيها ثم حولت نظرها له فتلقت منه ابتسامة لطيفة. وأدركت أن همسه في أذنها منذ قليل كان يطلب منها أن تأتي لها بالوشاح حتى لا تصاب بالبرد أكثر وهما في الهواء الطلق على قمة فندق. فأشاحت بنظرها عنه فوراً وهمست في نفسها بمرارة " لا تكون لطيفاً معي هكذا ارجوك. فلطفك سيجعلني انهي هذه المهزلة دون تردد للحظة واحدة في إني أضعت فرصة صائبة! مع صباح يوم جديد وداخل مقر شركة العمايري.
خرجت يسر من مكتب زين بعد أنتهت من حديث العمل معه وكانت في طريقها نحو مكتبها، ولكنها توقفت حين لمحت رحمة تقف مع السكرتيرة الخاصة لحسن وتحاول اقناعها بأن تقبل بدخولها له. والسكرتيرة تخبرها بوضوح أنه لا يريد رؤيتها، وإن تركتها تدخل قد تتعرض للعقاب والتوبيخ القاسي منه. فلاحت الابتسامة الشيطانية على ثغرها وتحركت نحوهم ثم وقفت بجوارهم ووجهت حديثها إلى السكرتيرة: _في إيه ياميرنا؟ أجابتها الفتاة بنفاذ صبر وخنق:
_عاوزة تدخل لحسن بيه وأنا لما قولتله قالي متدخليش حد، وهي مصممة تدخله. اعتدلت بجسدها ناحية الواقفة التي ترمقها شزر، فهي لم تنساها منذ آخر لقاء لهم حين هددتها بعدم الاقتراب. فقابلت يسر حقدها ببرود وسرعان ماتحول لشراسة وتشدقت في نظرة مريبة ونبرة صوت أخافتها بالفعل: _ما قالك مش عايز يشوفك ياقطة، ولا هو غصب؟ _وإنتي مالك أصلًا!! أنا مش هتحرك من هنا غير لما ادخل واشوفه، ولو مش هتدخلوني بالذوق يبقى هدخل بالعافية.
هيجت ثورتها واشعلتها في داخلها. تلك الشمطاء تقف أمامها وتتحداها وهي لا تدري ما قد تلحقه بها إن أثارت جنونها أكثر. فجذبتها من ذراعها بعنف صائحة بها بانفعال: _طيب امشي من هنا بكرامتك بدل ما اطلعك من غيرها. ورجلك متعتبش الشركة هنا تاني وإلا إنتي حرة.
أجابت السكرتيرة على رنين الهاتف الخاص بتواصلها مع حسن وكانت تومىء له بالإيجاب وتهتف "حاضر"، ثم أعطت الهاتف لرحمة لتحادثه. التي اجابت بتلهف محاولة التماس فرصة لها، ولكنها وجدته يصيح بها مستشيطًا غيظًا: _امشي يارحمة، مش عايز اشوف وشك حتى. لو ممشتيش هخلي الأمن يطردك برا.
لم يمهلها لحظة واحدة لتجيب عليه حيث اغلق الأتصال فورًا. فانزلت هي الهاتف من على اذنها ولململت أشلاء قلبها المبعثرة بيأس واستدارت ورحلت بصمت. لتبتسم يسر بتشفي وهمت هي الأخرى لتسدير وتذهب لمكتبها، ولكن اوقفها كلمات السكرتيرة: _أنسة يسر حسن بيه عايزك. لم تلتفت لها حتى وهتفت في عدم اكتراث مزيف وغرور: _قوليله مش فاضية.
ثم اتجهت صوب مكتبها وفتحت الباب وجلست على مقعدها الهزاز تنتظر اقتحامه عليها المكتب وتبتسم بمكر. فلقد قصدت أن تتجاهله حتى تثير جنونه أكثر ويأتي هو بنفسه فيتلقى نصيبه من جنونها أيضًا. وستكون هذه آخر محاولة له لتغير طريقة معها، وأن اخطأ معها بشيء بسيط تقسم بأنها ستسحقه بما لديها من صور وتسجيلات له. كما توقعت تمامًا فتح الباب على مصراعيه وأغلقه بعنف ثم اندفع نحوها يفرغ بها شحنة غضبه التي لم يجد شيء سواها ليفرغها بها:
_أول وآخر تحذير ليكي يا يسر، ملكيش دعوة برحمة نهائي، فاهمة ولا لا؟ استقامت وقد تأججت نيران الغيرة بداخلها. هل يفضل تلك المخادعة والساقطة ويدافع عنها رغم كل ما فعلته له؟ أدركت الآن أنه أغبي مما كانت تتوقعه. فهتفت في استنكار ونظرة مشتعلة: _ولما إنت محروق عليها أوي كدا ليه مخلتهاش تدخلك ولا طلعت وقولتلي الكلمتين دول قدامها، ولا كنت خايف تضعف قدامها؟
لما تفضل تتلزق فيك وتقولك أنا آسفة ياحسن وإنت زي الغبي بتضعفلها. عارف ليه بتضعف قدامها عشان إنت معندكش كرامة وحقير زيها وإنتوا الاتنين الو**** بتجري في دمكم. رأت عيناه تلتهب كجمرة نيران وبرزت عروق رقبته وانفاسه التي تخرج من انفه كانت تستطيع الشعور بحرارتها. ولا تنكر خوفها منه حيث غمغمت في اضطراب تحاول اخفائه: _اطلع برا ياحسن!
تحرك نحوها ببطء وحاربت هي عقلها الذي يرسل لها الإشارات بالتقهقر للخلف وبقيت ثابتة بأرضها حتى وقف أمامها مباشرة وجذبها من خصرها إليه هامسًا أمام شفتيها مباشرة بنبرة صوت مرعبة: _إيه آخر حاجة تتوقعيها مني يايسر؟ .. إني اقربلك مش كدا، ودي فعلًا آخر حاجة ممكن أفكر فيها عشان أنا مستنضفش أصلًا أقرب منك. بس ممكن اعصر على نفسي لمونة واوريكي اقذر حاجة عندي ومش هيهمني إنتي مين. تحبي اوريهالك ولا لا؟
انتابتها الرعشة من اقترابه وانفاسها التي تلفح صفحة وجهها ولوهلة أحست نفسها ستضعف له. فعشقها له لا يمكن لعقله الغبي ولقلبه الذي لم يذق طعم العشق الحقيقي أن يتخيله. ولكن ضربت صافرات الإنذار في عقلها واعادتها لرشدها وبكل ما اوتيت لها من قوة دفعته بشراسة بعيدًا عنها صارخة به وهي تخوض حرب عنيفة مع دموعها التي تود السقوط: _قولتلك برا ياحسن! رمقها بنظرات وضيعة وهتف باستهزاء قبل أن يستدر ويرحل:
_اعقلي وحطي عقلك في راسك عشان إنتي مش قدي.
جلست على المقعد بعد رحيله وانفجرت باكية بقوة. لعنت نفسها الحمقاء ألف مرة فكيف تسمح له باختراق مسافتها وكيف تنسحر من مجرد لمسه منه. فكم تتمني أن تتحول مشاعرها لنقم وبغيضة عليه. ولكنها لا تستطيع ولا تتمكن من الوقوف صامتة وتحارب لكي تظفر به في النهاية، فلقد عانت لسنوات من عشقه وأخذت العهود والمواثيق علي نفسها بأنها لن تجعله يكون لفتاة غيرها. وأنها ستحارب لأخر لحظة ولن تيأس حتى تحصل على ما تريد وهو قلبه!
انتهت من تحضير كوب القهوة. فهي لديها بعض المعلومات من أخيها عنه وحول إدمانه للقهوة. وقد أتى اليوم كما أعتاد أن يتردد عليهم يوميًا منذ وفاة أخيها الذي أتم بالأمس ثلاث أسابيع. كان سيرحل بعد أن اطمئن على والدتها ولكنها طلبت منه التريث قليلًا لكي تتحدث معه. فمنذ آخر مرة تقابلًا في المستشفى منذ يومين يحدثها قلبها بأنه لا يزال يحمل الضيق في صدره خصوصًا بعدما ارسل لها حارس شخصي يرافقها إينما ذهبت!!
فعدلت من وضعية حجابها وخرجت له فوجدته شارد في صورة أخيها المعلقة على الحائط أمامه. فنتحنحت بخفوت ليلتفت لها فورًا ويهمس معتذرًا بابتسامة تكاد لا ترى: _آسف سرحت شوية. لم تعلق وكانت اتبسامتها كافية وهي تضع فنجان القهوة على المنضدة أمامه فتسمع صوته الخافت يقول بإحراجه المألوف: _شكرًا.
توجهت وجلست على الأريكة المقابلة له ثم التفتت برأسها للخلف ورفعت نظرها لأعلى تتطلع لصورة أخيها. أما هو فرفع فنجان القهوة لشفتيه وارتشف منه رشفة واحدة ثم انزله حين وجدها تهتف وهي مازالت معلقة نظرها على الحائط: _بفكر اشيلها من هنا. ضيق عيناه وقال بحيرة: _ليه؟ همهمت في صوت يغالبه البكاء ونبرة شجينة:
_ماما زي ما إنت عارف مش بتتحرك كتير بسبب تعبها ولما بتكون كويسة بخليها تطلع تقعد معايا شوية هنا واشغلها التلفزيون عشان تفك عن نفسها. وأول ما بتشوفها بتنهار في العياط وبتتعب جدًا. مع إن أنا لما بكون قاعدة هنا في الصالة وحدي بحس صورته بتونسني وبفضل احكي معاه وأحيانًا كتير بنام هنا، ففكرت اشيلها واوديها اوضتي.
يشعر بمدي انهيارها الداخلي وقلبها الذي يمزقه الحزن والشوق تمزيقًا. ولكن للأسف فحاله ليس أفضل منها. ولا يستطيع حتى إبذال أقل جهد في تخفيف عنها فهذا الألم لم تخففه حتى ألف كلمة. ليجفل نظره أرضًا ويردد بصوت مسموع لها "ربنا يرحمه"، فتهمس هي بألم "آمين". ثم وضعت نظرها عليه وهتفت في تساءل حقيقي وفضول لمعرفة إجابته: _إنت ليه خليت واحد يحرسني؟ _عشان ده الافضل ليكي بعد اللي حصل.
كلماته تشير لمعنى واحد فقط وهو أنه عرف بالحقيقة كاملة التي اخفتها عنه. ولكن كيف عرف؟ بعد أن حاولت الكذب عليه وهو كان يعرف بأمر اخفائها عليه شيء. فتواصل مع صديقتها التي كانت معها وقصت له كل شيء حتى السبب الذي جعلها تخفي عنه الحقيقة وطلبت منه ألا يخبرها بأنها هي التي اخبرته حتى لا تنزعج منها بشدة. اتاها صوته الغليظ والجاد وهو يقول بشيء من الرفق واللين رغم غلظة صوته:
_عرفت وخلاص. المفروض إنك كنتي تقوليلي. لإن طالما عمل كدا مرة يبقى هيحاول يعمل كدا ألف مرة. وأنا وإنتي متفقين إنك هتقوليلي أي حاجة تحصل في الموضوع ده لإني بحاول الاقي أي حاجة توصلني ليه. فمكنش ينفع تخبي عليا لمصلحتك ياشفق. إنتي امانة واخوكي امني عليكي فلو جرتلك أي حاجة هبقى خنت الأمانة ومش هعرف بأي وش بعدين هقابله ولا اروح ازوره في قبره. من أين اتيت لي ياليتك لم تكن صديقه!!
فأنا احاول الفرار مش شبكاك التي تنصبها لي دون قصد كلما رأيتك. وإنت لا تكف عن ملاحقتي ولسوء الحظ إنك بالفعل اوشكت على تصويب الهدف. فارجوك توقف أنا لا اريد إرهاق قلبي بتجربة عشق جديدة ستكون أبشع من السابقة. وستكمن بشاعتها في استحالة الوصول إليك وسيظل عشقك ووفائك لزوجتك نقطة فاصلة بيني وبينك. اسعفت الكلمات بصعوبة من ارتجافة قلبها الذي يواجه صراعًا عنيفًا مع عقلها وتمتمت مجفلة نظرها أرضًا في حزن لا
يفهم سببه الحقيقي سواها: _أنا مقدرة خوفك وقلقك علينا ياكرم، وبذات أنا. بس أنا بجد مش عاوزة ادخلك في مشاكلي اكتر من كدا ولو حصلتلك حاجة بسببي مش هسامح نفسي إني دخلتك في مشكلتي. وضع فنجان القوة على سطح المنضدة وهب واقفًا حتى لا يأخذ أكثر من اللازم في الحديث معها وأيضًا بقائه في منزلهم أكثر من ربع ساعة لا يصح! هتف باسمها ببساطة:
_لا متقلقيش عليا. المهم إنتي تعملي زي ما قولتلك وأقل حاجة تحصل تتصلي بيا وتقوليلي. وشكرًا على القهوة. لا فائدة فلن يرحل عنها إلا حين يتأكد من أنها سقطت في وحله!! استقامت هي الاخرى ورافقته إلى الباب ثم تأففت بعدم حيلة من أمرها وذهبت لتطمئن على والدتها وترى إن كانت تحتاج شيء أو لا!!
منذ يومين وهو يفكر في حل لتلك المعضلة التي وقع بها فتلك "اليسر" لن تكف عن أفعالها التي أصبحت لا تطاق. وقد طفح كيله منها ولابد أن يجد الحل الذي سيسكتها للأبد. يريدها أن تبتعد عنه ولا يعلم كيف يفعلها. ولكن ماذا عن استخدام مبتغاها سبيلًا للوصول لمبتغاه هو؟ ماذا لو حقق لها ما تتمناه وتوده أكثر من أي شيء في الحياة فقط لتحقيق أهدافه في التخلص منها للأبد؟
أجل هذا هو أفضل حل ليتمكن من فعل بها ما يشاء دون أن يضع في الحسبان أي شيء! مجتمع مع عمه على طاولة واحدة الذي جاء لزيارتهم والاطمئنان على والدتهم التي تعبت مؤخرًا قليلًا وكانت يسر برفقته. يتبادلون النظرات النارية بين بعض، وهي تقسم في نفسها أن اليوم ستخبرهم بكل شيء حتى تنتقم على ما فعله بها منذ يومين.
انتظرت حتى انضمت لهم زوجة عمها، وألقت نظرة عليه أخيرة مليئة بالحقد والغل قبل أن تنظر لوالدها وتقول في شجاعة وأعين مشتعلة بنار الانتقام لمشاعرها التي يتلاعب بها هذا الفاسق: "بابا، أنا عايز أقولك حاجة. حسن بـ... التقط الجملة من بين شفتيها ليكملها هو كما خطط لها ويشكلها كما يريد. وهتف في نظرة ثابتة وثاقبة مع ابتسامة متصنعة أتقنها بمهارة، هي وقسمات وجهه الذي لونها بشكل مناسب لما سيقوله: "أنا طالب إيد يسر منك يا عمي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!