حسن بانفعال وغضب: _يسر أنا بسألك إيه ده! .. ردي عليا ابتسمت بمرارة وتمتمت بأسى: _فارق معاك ومهتم أوي إنك تعرف يعني! القى بالبنطال على الفراش في عدم اهتمام وتحرك ناحيتها وهو يهمس بأعين منذهلة: _إنتي لسا حامل!!! اخذت نفسًا عميقًا وأماءت له برأسها فغضن حاجبيه بصدمة وهتف في خفوت وخزي واضح في عيناه: _ليه عملتي فيا كدا .. عملتي فينا كدا ليه!! صاحت بأعين تلمع بالعبارات المتجمعة فيهم: _مش دي كانت رغبتك وإنت مكنتش عايزاه
صرخ هو الآخر ولكن بصوت ينفض البدن وانفعال مرعب: _كنت وتراجعت وحاولت اوصلك عشان امنعك ومتنزلهوش. اللي عملته كان في لحظة تهور مني وبعدين ادركت إن ده مهما كان هيفضل ابني ومقدرتش افرط فيه أو فيكي.. إنتي متعرفيش حاجة عن اللي كنت عايشه بسبب عذاب ضميري وندمي وأنا كنت فاكر إني خسرت ابني وخسرتك. ازاي تخبي حاجة زي كدا عننا وعني بذات.. ده مش ابنك وحدك ده ابني كمان وأنا ابوه وليا حق أعرف. كنتي هتفضلي مخبية لغاية إمتى مثلاً!!!
انسابت دموعها بغزارة على وجنتيها وابتسمت بمرارة ونظرات منكسرة مع همس مبحوح: _اممممم ابوه!! .. ابوه اللي في أول ليلة لينا حملني أنا الذنب وقالي إني استغليت الفرصة وكنت السبب في اللي حصل.. ابوه اللي أول ما عرف إني حامل اتجنن واهاني وذلني.. ابوه اللي مد ايده عليا عشان يخليني اروح انزله وقالي لو منزلتهوش أنا اللي هسقطك.. وفي الآخر ابوه جاي بيقولي أنا ليا حق اعرف بوجوده وإني تراجعت وندمت وعايز ابني
كانت كلماتها في الهدف تمامًا، حيث اسكتته وابلعته لسانه فلم يجرؤ على التكلم بعد الحقيقة المؤلمة التي واجهته بها، وهي أنه فعل معها مايستحق لكي تخفي عنه وجود طفله. تقهقر للخلف وهو يثبت نظره عليها يطالعها بيأس وأسف. توقف عند الباب والقى عليها نظرة أخيرة قبل أن يستدير بجسده وينصرف عن المنزل بأكمله وليس الغرفة فقط! جلست على الفراش ودفنت وجهها بين ثنايا كفيها مجهشة في بكاء قوي!!
تململك في الفراش وهي مغمضة عيناها ويغلب عليها النعاس ولكنها احست بيد على جسدها ففتحت عيناها فورًا واعتدلت في نومتها لتراه نائم بجوارها وذراعه يلتف حول خصرها. ابتسمت وهي تتنهد الصعداء متذكرة ليلة أمس! خرجت من الحمام بعد أن بدلت ملابسها فوجدته متمدد على الفراش ويرفع الغطاء على نصف جسده. فاقتربت ووقفت امامه متمتمة: _إنت هتنام على السرير جمبي؟ علاء بكامل الهدوء: _أمال هنام فين يعني.. إنتي شايفة في مكان تاني غير السرير؟
_مهو أنا عشان كدا قولت نحجز اوضتين أو اوضة بسريرين على الأقل بس واضح إن حضرتك اللي عايز ده تقلب على جانبه الأيمين يولي الجزء الفارغ في الفراش ظهره وتمتم ببرود مثير للأعصاب: _تصبحي على خير ياميار تأففت بصوت مسموع ونفاذ صبر ثم اقتربت من الفراش وتمددت على طرفه بعيدًا عنه تمامًا وهتفت بمضض: _ممكن تروح على آخر السرير
لم يبدي أي ردة فعل وامتثل لطلبه بصمت وهو يبتسم دون أن تراه. لتأخذ راحتها أكثر بعدما افسح لترك مسافة كبيرة نسبيًا بينهم وشدت الغطاء على جسدها مغمضة عيناها لتذهب في ثبات عميق وهي الأخرى توليه ظهرها!!
عادت لواقعها عندما احست بحركته وأنه على وشك الاستيقاظ. اغلقت عيناها فورًا متصنعة النوم وماهي إلا ثواني قصيرة وفتح عيناه ثم رفع كفه يفرك عينه ويعتدل في نومته جالسًا. التفت برأسه إليها يمعن النظر في معالم وجهها الهادئة. ومد انامله ليبعد خصلات شعرها عن وجهها. فاحس بغزة اجتاحت جسدها عندما لمسها. رفع حاجبه باستنكار وابتسم بلؤم بعدما فهم أنها تتصنع النوم. انحنى إليها بابتسامة شيطانية وخبيثة ثم طبع قبلة على وجنتها وانتظر أن يرى ردة فعلها. لم يجد منها شيء سوى انفاسها التي تسارعت بعد أن كانت منتظمة. اتسعت ابتسامته حتى أظهرت عن أسنانه ونزل بشفتيه إلى رقبتها فانتفضت وفتحت عيناها
على أخرهم بصدمة هاتفة: _بتعمل إيه؟ ضحك بصوت مكتوم عندما فتحت عيناها وتراجع برأسه للخلف هامسًا وهو يغمز بمكر: _لا كنت بتأكد من حاجة بس.. قومي يلا عشان متتأخريش على كليتك اعتدلت جالسة على الفراش وهتفت بارتباك ملحوظ: _معنديش محاضرات النهاردة أماء برأسه في إيجاب ثم نهض وسار ناحية الحمام. ولكنه توقف عندما سمع صوتها الخافت وهي تهتف بنبرة متضايقة: _علاء، ممكن متقربش مني تاني!
تسمر بأرضه كالصنم فلم يكن قط يتوقع منها رد كهذا. التفت برأسه إليها وحدجها بنظرات كلها حيرة وعدم فهم. فاشاحت بوجهها على الجانب الآخر تتفادى النظر إليه وماهي إلا لحظات ووجدته يجلس بجوارها ويهتف بصوت رجولي جاد ورزين: _ممكن إنتي اللي تفهميني في إيه بظبط معاكي!!! ليكي كام يوم بتتصرفي معايا بطريقة مش عجباني. لو لسا مضايقة من موضوع الدكتور قوليلي! عادت بوجهها إليه وثبتت نظرها على عيناه بصعوبة وبثبات مزيف هتفت:
_أنا عايزة اطلق _احنا لينا اكتر من شهرين مع بعض ومطلبتيش الطلاق ده أبدًا إيه اللي اتغير دلوقتي؟ ميار بأعين دامعة وأسى: _بوفر عليك اللي هتعمله وأنا بطلب الطلاق أهو عشان تريح نفسك وتريح مرات عمي وتريحني أنا كمان _انتي سمعتي كلامنا أنا وماما؟ اطالت النظر في عيناه بسكون ثم استقامت وهمت بالابتعاد فقبض على ذراعها وتمتم بدفء: _أنا غيرت رأي ياميار ومش عايز اطلقك ضحكت باستهزاء وجذبت يدها بعنف مهمهمة بمرارة:
_وياترى رأيك ده كان هيتغير ولا لا لو مكنتش روحت للدكتور واتأكدت إنت ونينا إني معملتش حاجة الكلام كثير الذي سيبرر لها من خلاله أنها على خطأ بشأنه. ولكنه لا يعرف بأيهم يبدأ هل بالتبرير أم الاعتذار أم الحقيقة وهي أنه يريدها وأنها بدأت بالفعل تؤثره. بقى صامتًا يحدجها دون أن يتفوه بأي كلمة فوصلت لها الإجابة من صمته كما شكلها لها عقلها. ورمقته بانفطار قلب قبل أن تتركه لتذهب للحمام!!!
انتهت من ارتداء ملابسها فمن المفترض أن تكون بعيادة الطبيبة بعد ساعة بالضبط على حسب موعدها معها. خرجت من الغرفة وكان زين بانتظارها بالخارج وعندما رآها هب واقفًا فرمقته هي بنظرة منزعجة وغير مهتمة لتهتف بنبرة جافة بعض الشيء: _وصلني عند الدكتورة وروح شغلك عشان متتأخرش و..... أجابها بكل هدوء وثبات: _ملاذ! أنا رايح معاكي عند الدكتورة يلا
_على اساس مش موافق إني كنت اروحلها ووافقت مغصوب لما أنا اصريت.. هتروح معايا ليه دلوقتي؟ اقترب منها وانحنى يخطف قبلة سريعة من وجنتها متمتمًا: _حبيبتي أنا مش معترض بالعكس أنا نفسي في طفل ويمكن أكتر منك كمان. بس أنا كنت حابب نعيش يومين حلوين لكن طالما إنتي مستعجلة أوي كدا وزعلانة أوي إني مكنتش محبز فكرة الدكتورة.. يبقى خلاص ياحياتي أنا مقدرش على زعلك أصلًا
أشرق وجهها بإبتسامة عاشقة تدل على صفائها الكامل تجاهه ونكزته في صدره بلطف ثم لفت كلتا ذراعيها حول رقبته ومالت عليه بغنج انوثي هامسة: _ربنا يخليك ليا يازينو.. بس برضوا لسا حاسة إنك فيك حاجة غريبة وهتحكيلي مالك وده اجباري مش اختياري طبع قبلة رقيقة على جبهتها وابتسم بأعين منطفئة مغمغمًا بصوت رجولي غليظ: _هقولك متقلقيش.. مسيري هحكيلك أنا بس مستني أكون جاهز ووقتها أكيد هاجي وأقولك
_يااا هي حاجة كبيرة للدرجة دي.. تخص الشغل ولا إيه؟ تنهد بأسى وخنق ثم زين وجهه ببشاشة مصطنعة وهتف: _يلا عشان منتأخرش على الدكتورة وعشان معايا شغل كمان في الشركة بعدين لم تعقب كثيرًا على تجاهله لسؤالها وقررت أن تسير معه في الخط لنهايته حتى يأتي هو بنفسه ويسرد همه كما قال للتو. أماءت له بإيجاب وابتعدت عنه ليغادر هو أولًا وتلحق به بعد لحظات قصيرة جدًا.
نزلت من الدرج وهي تقابلهم بوجه سمح وابتسامة مشرقة. كانت كل من الجدة وهدى على مائدة الطعام بانتظارها باستثناء رفيف التي ذهبت للعمل وكذلك كرم. انضمت لهم على المائدة وسحبت أحد المقاعد لتجلس عليه وهي تهتف برقة: _صباح الخير ردوا الأثنين بنفس اللحظة: _صباح النور تحدثت هدى بسعادة وحنو: _والله كنتي وحشاني اوعي ياشفق.. والبيه كرم جاي عندي عشان يروح الشغل لما ياجي هربيه _غصب عنه والله ياطنط الشغل كتير عليه هو وزين اليومين دول
تمتمت هدى بإشفاق وحنان أمومي: _ربنا يقويهم يارب ويحفظهم.. بس برضوا متحاوليش تهديني وتدافعي عنه تحدثت الجدة بضحكة بسيطة: _ماهي لازم تدافع عنه ياهدى مش جوزها.. إنتي كمان كنتي بتعملي كدا مع محمد الله يرحمه قدامي تمتموا جميعهم في حزن "ربنا يرحمه" ثم هدرت شفق بمداعبة ومرح امتزجت ببعض المكر: _بس ولا تزعلي نفسك.. سيبهولي وأنا هاخدلك حقك منه
وبينما هم في جلستهم يتبادلون الأحاديث والضحك فتح الباب ودخل. التفتوا جميعهم برأسهم إليه فقابلهم بإبتسامة عريضة وتمتم: _السلام عليكم ردوا عليه السلام في نبرة عادية باستثناء شفق التي هتفت بسخط مصتنع: _إنتي مش قولتلي هتخلص اجتماع وراك وتاجي ليه اتأخرت؟ هو احنا مش جايين عشان نقعد مع مامتك وجدتك ولا عشان تروح تقضي اليوم في الشغل
تصلب مكانه واختفت ابتسامته لتتقوس معالم وجهه بحزم وهو يرفع حاجة مستنكرًا طريقتها غير اللائقة معه. تراجعت فورًا عن سخطها المزيف وتوترت من نظرته لتهمس باضطراب بسيط: _ماما هدى زعلانة منك!! عشان روحت الشغل والمفروض تقعد معاها. انفجرت هدى والجدة بضحك على منظرها واستسلامها بنظرة واحدة منه. ليتنهد هو الصعداء ويكتم ابتسامته، ثم يقترب من والدته ويقبل رأسها هاتفًا بحب:
_حقك عليا ياست الكل والله هو جه مرة واحدة الشغل ده.. أنا كنت عامل حسابي إني هاخد النهردا أجازة منه بس أعمل إيه بقى. رتبت هدى على كفه بحنو وهمست: _ولا يهمك ياحبيبي ربنا يقويك إنت واخواتك. انتقل إلى جدته وفعل معها المثل هامسًا بمرح: _لازم ناخد رضاكي كمان ياكبيرتنا. ضربته الجدة على كتفه بخفة متشدقة بضحكة خفيفة: _امشي ياولا. ضحك بقوة، ثم نظر لزوجته وعاد لحدة ملامحه وهو يسألها بصوت غليظ ومقتصد: _وإنتي كمان زعلانة؟
ازداد توترها أكثر وهزت بكتفيها في نفي وهي تقول بابتسامة مرتبكة وتشير بسبابتها على نفسها: _أنا! لا لا خالص. جميعهم حجبوا ضحكتهم بصعوبة، وكذلك هو الذي استمر في تصنع الحدة وتحرك ناحية الدرج. وأثناء مروره من جانبها انحنى إليها وخطف قبلة سريعة من وجنتها واستكمل سيره للأعلى وهو يقول مبتسمًا: _هغير هدومي وانزلكم.
احمرت وجنتيها بخجل من الذي فعله أمام أمه وجدته. ووضعت عيناها في صحن طعامها تقلب بالمعلقة دون أن تأكل كوسيلة للتهرب من استحيائها أمامهم. وكل من هدى والجدة تبادلوا النظرات وهم يبتسموا بدفء. وبالأخص هدى التي وجدت السعادة طريقها إلى قلبها بأنها وأخيرًا رأت أبنها سعيدًا في حياته ولم تخطأ عندما راهنت أمام الجميع بأنه سينسى كل شيء وسيبدأ بداية جديدة مع زوجته بعشق مختلف ونقي! كيف تخفي عنه؟
كيف تكذب عليه وتخبر الحميع بأن طفلهم لم يعد موجودًا؟ هو معترف بخطأه ولكن خطأها لا يمكن التغاطي عنه. فهمها وصل نقمها وغضبها منه لا يحق لها أخفاء شيء هكذا عنهم. أو أن الذي فعلته معها جعلها تفقد ثقتها بالكامل بي وخشيت من أن تخبرني بالحقيقة فأؤذيها وأؤذي طفلي؟
أنا ليس بعديم الإنسانية لهذا الحد.. لست قاسي ولا أملك قلبًا بهذه الصورة التي تصورتني بها بعد الذي فعلته. ربما كنت بلا مشاعر معها ولكن بالطبع لن يصل بي الوضع لكي أؤذيها أو أؤذي ابني!
داخلي يحترق من الألم، فلقد كنت اعاني لفترة طويلة وأنا أظن أنني خسرت ابني وبسببي. وهي كانت تكذب علي دون أي مرعاة. أو أنها كذبت وأخفت عني لأنها تعرف أنني أذا عرفت بأنها لازالت تحمل طفلي بأحشائها لن اسمح بطلاقنا أبدًا. ولهذا اخترقت هذه الكذبة حتى تتمكن من الطلاق مني؟ كلها أسئلة تدور في حلقة ذهنه ولا يجد إجابة مباشرة لها. وفقط ضجره وسخطه يهمينان عليه ويستحوذانه بالكامل!
إذا به يسمع باب المنزل الخارج يفتح فوثب واقفًا وهرول إلى باب شقته ليفتح ويفاجئ بها وهي على وشك الخروج. فيندفع نحوها ويجذبها من ذراعها هاتفًا بعصبية: _رايحة فين؟ يسر بامتعاض وهي تسحب يدها من قبضته ببطء: _رايحة عند خالتو. جذبها إليه واغلق الباب هادرًا بنبرة شبه مرتفعة: _مفيش خروج من البيت يايسر اطلعي على الشقة فوق يلا. استاءت بشدة وهتفت: _إنت هتحبسني يعني ولا إيه؟
_اعتبريه زي ما تعتبريه.. أنا قولت مش هتخرجي يبقى مش هتخرجي ومش هكرر كلامي تاني. صاحت به بصوت مرتفع ومنفعل: _إنت مضايق ليه ده أقل حاجة أعملها بعد اللي عملته معايا إني اخبي عليك إني لسا حامل. صرخ بصوت رجولي نفضها بأرضها: _ملكيش حق تخبي عليا.. فاهمة ولا لا ده ابني وأنا ابوه. نظرت لكفه الذي يقبض على ذراعها بقوة وقالت بألم مكتوم: _سيب إيدي ياحسن.. ممكن؟ ترك يدها ولا تزال نظراته مشتعلة تجاهها. فرمقته بنفسها
وهتفت بقوة كطبيعتها: _أنا هسكت عن اللي بتعمله عشان أنا فعلًا غلطانة ومعترفة بغلطي بس متنساش برضوا إن أنت اللي وصلتني لكدا. اندفعت إلى الدرج ولكنها توقفت واستندت على الحائط بسرعة عندما داهمها دوار فجأة واحست بأنها ستسقط للخلف. اقترب منها ووقف بجانبها هاتفًا بقلق: _مالك.. إنتي كويسة؟ هزت رأسها بالإيجاب وهمت بالسير ولكن الدوار لا يزال موجود فانحنى هو وحملها على ذراعها متجهًا بها للأعلى. يسر بخنق: _نزلني ياحسن لو سمحت.
أجابها بقرف وعدم اكتراث بما قالته: _بس يابت اسكتي بلا نزلني بلا قرف. ضربته على صدره مغتاظة وهدرت: _انتي بتكلمني كدا ليه؟ حسن بوجه سمج وبرود: _معلش. تأففت بخنق بينما هو وصل بها إلى الغرفة ووضعها على الفراش برفق هاتفًا بصوت خشن: _اكلتي حاجة من الصبح ولا لا. رمقته شزرًا بغيظ وهزت رأسها بالنفي فصاح مستاءً: _يعني إيه مكلتيش؟
إنتي حامل ولازم تهتمي بأكلك وصحتك أنا مش عايز إهمال يايسر عشانك وعشان ابني. من هنا ورايح مفيش تقصير في الأكل مفهووم.. خليكي هنا هروح اعملك حاجة تاكليها واجيلك. يسر بتسرع وسخط على طريقته القاسية ونبرته المرتفعة: _مش عايزة منك حاجة.
استقرت في عيناه نظرة مخيفة على اعتراضها فلوت فمها ممتغضة واشاحت بوجهها بعيدًا عنه معبرة عن خنوعها له بالأخير أمام نظراته المريبة. فاستدار هو وغادر الغرفة تاركًا إياها ساخطة على طريقته وبنفس اللحظة فرحة على أهتمامه بها وخوفه على ابنه! في مساء ذلك اليوم. كانت تقف أمام المرآة وتسرح شعرها وصورته معكوسة في المرآة وهو متمدد على الفراش. سمعت صوته يقول مبتسمًا:
_إنتي بس لو تسمعي كلامي.. ادينا روحنا للدكتورة وقالت مفيش حاجة بتمنع. _طيب وأنا إيه عرفني أنا خوفت يكون في حاجة عشان كدا صممت اروحلها. استقام من الفراش وتحرك باتجاهها حتى وقف خلفها مباشرة ولف ذراعيه حول خصرها يجذبها إليه وينحنى عليها من الخلف يقبل كتفها ويهمس غامزًا بحب: _سبيه ياجي في وقته إنتي قلقانة ليه ياحبيبتي.. ثم إني لسا مشبعتش منك. التفتت له بكامل جسدها وهمست بدلال أنوثي: _وياترى هتشبع إمتى بقى؟
تمتم بنظرات خبيثة: _وهو البحر بيشبع برضوا. غيرت مجرى الحديث بطريقة استفزته حيث قالت بفرحة غامرة: _هتبقى قراية فاتحة وخطوبة بعد بكرا مش كدا؟ فرحانة أوي والله لرفيف وإسلام. اختفت ابتسامته بلحظة وحل محلها الخنق وهو يجيبها متأففًا: _إسلام ورفيف إيه دلوقتي ياملاذ.. احنا بنتكلم في إيه وإنتي بتقولي إيه! لم تهتم لانزعاجه واكملت تسأله بعد أن لفت ذراعيها حول رقبته: _هو حسن هياجي هو ويسر ولا لا صح؟ زين بنفاذ صبر:
_جايين بكرا بليل ياملاذ.. وممكن بقى نسيبنا من الناس ونركز مع نفسنا! ضحكت بقوة وشدت نفسها لتصل لمستواه وتقبله من وجنته هامسة بغنج ونظرة مغرية: _عيوني.. أساسًا مفيش حد أهم منك ياحبيبي. عادت الابتسامة لشفتيه وتمتم بمكر: _ومين فهمك إني هسمح يكون في حد أهم مني أصلًا.. وتعالى بقى عشان إنتي وحشاني أوي.
حملها وسار بها إلى الفراش بعد أن احنى رأسه وأخذ يهمس لها في أذنها بكلمات تبدو منحرفة فتضحك هي بخجل وتنكزه في صدره برفق من بين ضحكاتها المرتفعة!
الجميع نائم وليس هناك أي مصدر صوت بالمنزل الكبير. حتى الأضواء مغلقة. اغلق الباب خلفه وهم بالاتجاه إلى الدرج ليصعد ويذهب لغرفته ولكنه لمح ظل غريب لشيء يجلس على المقعد أمام النافذة الكبيرة في الظلام. فمد يده بسرعة إلى زر الكهرباء واضاء المصباح. فعقد حاجبيه بحيرة ودهشة عندما وجد " ميار " الجالسة في ذلك الظلام الدامس بمفردها. لوهلة اعتقد أن أصابها مكروه فهرول إليها وهو يهتف بقلق: _ميار إنتي كويسة؟
مدت اناملها إلى عيناها لتجفف دموعها وهي تشيح بوجهها لجانب الآخر عنه وتهز له رأسها بالإيجاب دون التفوه بكلمة واحدة. انتابته الريبة أكثر حول أمرها فجذب مقعد وجلس بجوارها ثم مد يده وامسك بذقنها يدير وجهها إليه ويقول بلطف: _بتعيطي ليه؟ وإيه اللي مقعدك في الضلمة وحدك كدا؟ همت بالوقوف مجيبة إياه بجفاء: _مفيش حاجة ياعلاء.. أنا هطلع أنام تصبح على خير. قبل أن تستدير وتتحرك خطوة واحدة احست بقبضة يده القوية تقبض على
ذراعها ويهدر بنبرة غليظة: _اقعدي وقولي في إيه مالك.. إيه اللي مضايقك؟ _إنت مضايقني ياعلاء. تشدق باستغراب وهو يشير بسبابته على نفسه: _أنا!!! ليه أنا عملت إيه؟ ميار بقسوة قوية وعدم اكتراث باهتمامه وأنه يحاول التقرب منها بكل الوسائل: _عشان رافض تطلقني وتخليني ارجع المانيا. ترك يده ومسح على وجهه متأففًا بانزعاج شامل ويردد بين شفتيه " استغفر الله العظيم يارب ". نظر لها من جديد وقال بهدوء تصنعه بعدما أثارته كلمة " طلاق ":
_طيب اقعدي هوريكي حاجة أنا كنت جاي عشان اورهالك بس افتكرتك نايمة لما لقيت البيت كله مضلم. وبما إنك صاحية فده أفضل وقت تشوفي فيه الفديو ده. _فديو إيه؟ أشار لها على المقعد وغمغم: _اقعدي وهتشوفي. جلست بجواره وانتظرته يخرج هاتفه ثم وضعه في النصف بينهم ليتمكنوا كلاهما من الرؤية. وبدأ الفديو فاتسعت عيناها بصدمة حين رأت ذلك الوغد الذي حاول الاعتداء عليها وصورها ثم ارسل الصور لعائلتها.
كان بالفيديو ثلاث رجال، اثنان وهو الثالث. الرجلان أبراحوه ضربًا، وأمام الضرب العنيف الذي تلقاه منهم اعترف بكل شيء، وأنه حاول الاعتداء عليها. ثم بالأخير تركوه ملقى على الأرض يتألم ولا يتمكن من الحركة. انتهى الفيديو وهي لا تزال تحدق بشاشة الهاتف مذهولة، حتى أكمل علاء بصوت رجولي صلب:
_كمان كان شغال في شركة كبيرة جدًا في ألمانيا. خليتهم يطردوه من الشغل، وبما إن الـ *** ده عايش لوحده بعيد عن أهله، فمش هيقدر يلاقي حتى الأكل. رفعت نظرها عن الهاتف أخيرًا ونظرت إليه، تهتف بخفوت وتوتر: _بس ياعلاء، لو راح واشتكى على الرجالة اللي ضربوه دول هيتحبسوا، وممكن الموضوع يوصل ليك كمان بما إنك السبب في اللي حصله، وإنت اللي بعت الرجالة.
_ميقدرش يتكلم، لأنه لو اتكلم الفيديو هيوصل للشرطة هناك، وهيتحبس هو كمان بتهمة محاولة الاعتداء. عم الصمت للحظات قصيرة، حتى قطعته وهي تحدق به بامتنان حقيقي ونظرات تحمل العاطفة: _شكرًا ياعلاء. _على إيه؟ _على اللي عملته عشاني. ابتسم بدفء، وملس على ظهر كفها بلين، هامسًا بصوت يحمل الحنو والخشونة بنفس ذات اللحظة: _أنا معملتش حاجة، أنا بس أخدت جزء من حق بنت عمي ومراتي.
سحبت يدها ببطء، وبادلته الابتسامة، ثم استقامت من جديد وقالت بنبرة لطيفة وليست جافة كما كانت منذ قليل: _أنا هطلع أنام. سألها بترقب وتعجب: _هو إنتي مفرحتيش ولا إيه؟ لفت كفيها خلف ظهرها وأخذت تفركهم، وقالت بارتباك بسيط: _بالعكس فرحت جدًا، فرحانة إن أخيرًا الحق بقى ظاهر علني قدام الكل، والكل هيتأكد إني مليش ذنب في حاجة. وأكيد كمان فرحت باللي عملته عشاني، بس للأسف أنا مش بعرف أعبر عن مشاعري كويس في كل المواقف.
استقام هو الآخر ولف ذراعه حول خصرها وجذبها إليه فجأة، فأصدرت شهقة مفزوعة وطالعته بحيرة امتزجت بالسخط، بينما هو فهمس بكامل الهدوء وبابتسامة مغرمة: _وبما إنك فرحتي باللي عملته، يبقى نقفل بقى على موضوع الطلاق وألمانيا ده نهائي تمام؟ رفعت حاجبها باستنكار وقالت بنظرة ثاقبة وقوية: _علاء، إنت ليه مش عايز تطلقني؟
لم تختفي ابتسامته، وظل يحلق بها مبتسمًا للحظات كانت شبه طويلة، حتى هتف وكأنه يسألها ويسأل نفسه، وعيناه ليست ثابتة عليها كدليل على حيرته وخبثه: _يمكن عشان بدأت أحبك مثلًا؟ انفرجت شفتيها بتلقائية وصدمة، رمشت بعينيها عدة مرات وهي لا تستوعب، وتسأله بحزم عندما ظنت أنه يمزح معها: _إنت بتهزر صح؟ وكأنه وجد الحجة ليفعل ما يدور في ذهنه الآن، حيث هتف بمكر وهو يضحك: _شكلك مش مصدقة، طيب تعالي أنا هثبتلك.
وجدته ينحني عليها، يهم بتقبيلها، ففزعت وارتبكت بشدة، ثم رفعت كفها فورًا وكتمت على شفتيه بيدها، هاتفة بحدة ممزوجة بالخجل، وعينان تدوران في كل مكان كالسارق الذي يخشى أن يمسك به صاحب المنزل: _إيه اللي بتعمله ده، إنت اتجننت؟ أفرض عمي ولا مامتك شافونا دلوقتي، تقدر تقولي منظرنا هيبقى إزاي قدامهم؟ تراجع برأسه وتمتم مؤيدًا رأيها: _لا تصدقي، عندك حق، يبقى تعالي هثبتلك في أوضتنا فوق.
كان على وشك أن يحملها، فدفعته هي برفق بعيدًا عنها، وقالت بعناد وتصنع الجفاء لتخفي ابتسامتها الخجلة والسعيدة التي تخوض المعارك لكي تنطلق على شفتيها: _لا شكرًا، مش عايزة إثبات. وبظرف لحظة فرت هاربة على الدرج متجهة إلى الغرفة، وهي تتوق للحظة التي ستنفرد بها مع نفسها حتى تطلق العنان لضحكتها وابتسامتها. ***
بيدها سندوتش تقوم بحشوه مربى فراولة، وتتندم على ألحان أغنية هادئة ورومانسية لأصالة، غير منتبهة لذلك الذي يتسلل من خلفها ببطء شديد. وإذا بها من بين اندماجها بالدندنة وحشوها للسندوتش، أحست بأصابع نغزتها في خصرها من الخلف، فشهقت مفزوعة والتفتت له فورًا، ثم ضربته على صدره مغتاظة وهتفت: _ياخي مش هتبطل حركاتك البايخة دي. هز رأسه بالنفي وهو يضحك، ثم سألها بخفوت: _بتعملي إيه؟
_بعملي سندوتش مربى، أصل لقيت نفسي جعانة وأنا ما أكلتش كويس في العشا. إنت مش كنت نايم؟ كرم بنبرة عادية ونظرة مريبة قليلًا: _أيوة وصحيت، عندك مانع ولا إيه؟ ولته ظهرها وقالت ببرود: _آه عندي، روح كمل نومك. التصق بها وهمس بجانب أذنها بصوت به لمسة الخبث والاستمتاع: _طيب ما تدوقيني من المربى دي الأول. تنهدت بعدم حيلة، ورفعت السندوتش إلى فمه حتى يأكل، فأبدى هو عن نفوره وهو يهتف بأعين راغبة وجريئة: _لا أنا مش عايز المربى دي.
ضيقت عيناها باستغراب وسألته بحيرة: _أمال عايز إيه؟ قبلة سريعة خطفت من وجنتها، هامسًا بمداعبة: _عايز دي. دفعته بعيدًا عنها برفق، وهتفت بصرامة شبه جادة: _كرم احترم نفسك الله، إحنا مش بيتنا، ممكن حد يشوفنا. لم يبالي واقترب منك مجددًا، مغمغمًا بغمزة وقحة: _كله نايم، اطمني. حاولت ردعه وإبعاده بين ضحكها وصوتها التحذيري: _كرم بس بقى، اطلع طيب وأنا هخلص وآجي وراك. _لا أنا طلبت معايا هنا وهاخدها هنا.
فغرت عيناها بصدمة ورجعت برأسها للخلف محاولة تفادي محاصرته حتى لا ينال منها بالقبلة. انحنى بوجهه عليها وكان على وشك، ولكنها دارت بوجهها للجانب الآخر. فحرك هو رأسه ناحيتها لتدير رأسها مجددًا على الجانب الآخر، ليزفر هو بخنق وينحني برأسه أكثر فينال من رقبتها يثلمها وسط ضحكها المكتوم وكذلك ضحكه. وفي وسط اللحظات الغرامية، أفسدتها الجدة بدخولها المطبخ فجأة، فانتصب هو واقفًا كالذي لدغته عقرب، والتفت بجسده ناحية جدته يطالعها بابتسامة صفراء مضطربة، والأخرى اختبأت خلفه تخفي خجلها فيه.
بقيت الجدة ثابتة تحملق بهم بملامح جامدة صنعتها بصعوبة أمام ابتسامتها التي ترغب بالانطلاق، فتنحنح هو بإحراج، هامسًا: _احم، منورة ياكبيرة. كتمت شفق ضحكتها بكفها، حيث كانت في وضع صعب لا تدري أتضحك على منظره أم تخجل على الوضع المخرج الذي بقوا فيه أمام الجدة. تحرك هو بخطوات مضطربة ناحية الباب وهو يهتف بارتباك: _أنا هطلع أكمل شغل في الأوضة. شغل؟ عن أي عمل يتحدث؟ فلقد كان نائمًا!
ولكن ليس مهمًا، فقد تكون هذه حجة جيدة لتفر هي الأخرى هاربة من نظرات الجدة الثاقبة عليها. التقطت السندوتش وقالت على عجلة وهي تسرع باتجاه الباب: _وأنا هروح أساعده، أااقصد هروح أطلع له ورق الشغل، أصل أنا شلته وهيفضل يدور عليه. وبسرعة البرق فرت مهرولة إلى الخارج، فانفجرت الجدة ضاحكة بقوة وهي تضرب كفًا على كف. ما معنى تقبيلها بمنتصف المنزل في المطبخ؟ أليست هناك غرفة خاصة بهم وبها باب يغلق عليهم حتى لا يراهم أحد؟
لكن شبابهم ليس كشباب هؤلاء أبناء الجيل الجديد. ***
أطفأ جميع الأضواء ولم يترك سوى ضوء الصالة الهادئ، واقترب من النافذة ينظر إلى المطر الذي يهطل بغزارة منذ وقت. وضع كلتا قبضتيه في جيبي بنطاله وتأمل لوحة السماء بشرود. بداخله سعادة عظيمة بأنه لم يخسر ابنه وفرصته في أن يكون أب لم يفقدها. وبنفس ذات اللحظة مشاعر الضجر تحتل جزء كبير منه. يغضب عليها ثم يعود ويعطيها القليل من الحق عندما يفكر بعقلانية في الأمر الذي دفع بها لأختراع كذبة كهذه. كل هذا في جانب، وهناك جانب آخر من
قلبه يخبره بوضوح وغضب أن يكف عن هذه الحركات، فالآن يجب عليه فعل شيء واحد وهو أن يكون سعيدًا ومطمئنًا بعد أن حصل على الذي طالما أراده. سيرزق بطفل قريبًا وزوجته سامحته ولم يعد هناك عوائق في حياتهم. إذا من المفترض أن ينظر لنصف الكأس الممتلئ وليس الفارغ!
سمع صوتها الضعيف وهي تصيح عليه: _حــــســــن
أسرع إليها في الغرفة فوجدها نائمة في الفراش بثبات عميق ومتدثرة بالغطاء. فابتسم بسخرية من نفسه التي بدأت تهلوس بسماع صوتها حتى عندما تكون معه. أغلق الباب بحرص شديد حتى لا يوقظها واتجه إلى النافذة وسحب الستار على الزجاج، ثم عاد إليها والتف من الجهة الأخرى للفراش ليمدد نصف جسده ويستند بمرفقه على الوسادة، واضعًا كفه أسفل وجنته ويمعن النظر بها بأعين عاشقة وكلها حنو. مد يده الأخرى وأبعد خصلات شعرها عن وجهها وانحنى يطبع
قبلة رقيقة على جبهتها، ثم نزل بكفه إلى بطنها يملس عليها بلطف وعيناه معلقة على كفه وهو يبتسم بحب. تململت في الفراش ففتحت جزء صغير من عينيها ورأته، لتصعد الابتسامة المغرمة لشفتيها تحت تأثير النوم وتغمض عينيها مجددًا لتقترب منه وتلتصق به تلف ذراعها حول خصره هامسة بخفوت
وعشق تحت تأثير النوم: _وحشتني أوي ياحسن. انفرجت شفتيه عن ابتسامة أشبه بضحكة واعتدل في نومته ليمدد كامل جسده على الفراش ويضمها أكثر لأحضانه، مغمغمًا بهيام وشوق وهو يلثم رأسها بعدة قبلات متتالية: _وأنا مشتقالك لدرجة لا يمكن عقلك يقدر يتخيلها. بس خلاص من النهاردة مفيش بعد تاني ومستحيل اسمحلك تبعدي عني إنتي وابني تاني.
لا يوجد إجابة منها فقد أكملت نومها ولم تستمع لأي شيء قاله بعد جملتها التي تفوهت بها، بينما هو فأكمل إمعانه بها وكأنه يملأ عيناه منها للمرة الأخيرة. ولكن الحقيقة أنها المرة الأولى التي يملأ عيناه منها وربما إن استيقظت لن تسمح له بسرق هذه اللحظات وهو يتأملها بهدوء. بقى على وضعه لدقائق طويلة حتى غلبه النوم واستسلم أيضًا لسلطان نومه.
مع طلوع ضوء يوم جديد فتحت هي عينيها تدريجيًا ورفعت كفها تفرك عينيها، ثم انتبهت أنها بين ذراعيه. دهشت بالبداية ولكن انطلقت على شفتيها ابتسامة عريضة ورفعت شفتيها تلثم وجنته بثلاث قبلات. انزعج في نومه على أثرهم وهز رأسه، فوضعت هي رأسها على صدره مسرعة وأغمضت عينيها متصنعة النوم.
فتح عيناه ونظر لها ولوهلة كان سيصدق أنها نائمة ولكن عندما لاحظ رموشها التي تتحرك بقوة، فهم أنها تتصنع. ضحك بصوت مكتوم وأبعدها عن صدره لتستقر رأسها على الوسادة، ثم أصبح هو شبه فوقها وينحنى برأسه عليها. يلمس كل جزء من وجهها حتى رقبتها وهو يهمس بمشاكسة وغرام: _صباح الفل والعسل والقشطة والياسمين يامزتي. كان يزيد من قوة قبلاته عمدًا حتى تفتح عيناها. وأخيرًا همس بجانب أذنها في صوت ينسدل كالحرير ناعمًا: _بحبك أوي يايسر.
أبعد وجهه عنها وتطلع إليها، فعقد حاجبيه بريبة وقلق حين رأى دموعها تنساب بصمت. _يسر بتعيطي ليه ياحبيبتي؟ إنتي اضايقتي؟ فتحت عيناها أخيرًا وطالعته بأعين غارقة في الدموع، ولكن لم تكن دموع ضيق أو حزن، بل كانت أخرى لم يفهمها جيدًا. حتى خرج صوتها المبحوح: _أنا خايفة أكون بحلم.. فوقني ياحسن ابوس إيدك لو أنا بحلم. كفاية مش عايزة أعيش في أحلام مش هتتحقق تاني. مد أنامله يجفف دموعها ثم ينحنى ويقبل جفونها برقة هامسًا
في عشق جارف: _أولًا إنتي مش بتحلمي وكل ده حقيقة. ثانيًا وده الأهم مش عايز اشوف دموعك تاني وبذات لو بسببي. هتفت بأعين تائهة ومندهشة، مع فرحة أشبه بفرحة طفل: _يعني إنت بتحبني بجد؟ امسك بكفها ووضعه على يساره يهمس بأعين ثابتة على عيناها: _حطي إيدك هنا وإنتي هتعرفي. احست بقلبه ينبض بقوة كالمطرقة، ثم وجدته ينحني عليها ويهمس في أذنها بنبرة لا يمكن وصفها سوى أنها تذيب القلوب: _عارفة بيقول إيه؟
بيقول سقطت في عشق أنثى وصفت العشق على أنه يقود للجنون، ففعلت كل ما يمكن فعله لتحصل عليه، وبالأخير حصلت عليه بالفعل. انسابت دموعها بغزارة أكثر، تشعر بأنها ليست في واقع أو ربما تتخيل، لكنه حقيقة وهذا من يذهلها بشدة. انفجرت باكية بحرارة وعانقته بحميمية هاتفة من بين بكائها: _وأنا كمان بعشقك فوق ماتتخيل. متسبنيش تاني، أنا كنت بموت في بعدك عني. _اطمني، أنا قاعد على قلبك لغاية ماتزهقي منك.
ابتسمت بين دموعها وتمتمت بعاطفة جيّاشة: _لا يمكن أزهق منك.
اليوم المنتظر لكل من إسلام ورفيف، هاهو قد أتى. انتهوا من تحضيرات الافتتاح، وكذلك زينوه حتى يكون مناسبًا لحفل الخطبة العائلية التي ستتم فيه. حرص إسلام على إقامة الخطبة بالمطعم إيمانًا بأن هذا المكان هو السبب في اجتماعهم. تعرفا فيه على بعضهما البعض، تعلق بها أكثر وهو يراها كل يوم. رغم أن تعاملهم كان فيه قواعد صارمة وحازمة تحدده، إلا أن القلب لا حاكم عليه. كلاهما انغرسا في وحل مشاعرهم التي تحركت تجاه بعضهم.
حسن ويسر وصلا لأرض الوطن مساء الأمس، ورغم أن الجميع تعجب من تصالحهم السريع، إلا أن طاهر لم يبدِ أي ردة فعل مغايرة. كان مرتاحًا وسعيدًا لرؤية ابنته مطمئنة وفرحة بقربها من زوجها. لكن أبدت الأم بعض الضيق والاعتراض خوفًا على ابنتها من أن يحزنها مجددًا، ولكن طاهر أسكتها ومنعها قائلًا: "لا يجوز التدخل بين الزوجين، وطالما ابنتنا سعيدة وهو كذلك فلا حاجة لإثارة الجدل والمشاكل. ستدعي لهم بأن يسعدهم الله دومًا وليس أن يفرقهم!
". هناك عائق أمامهم وهو إخبار الجميع بحملها وأنها كذبت عليهم، لكن كيف ستبرر لهم كذبتها دون أن يؤثر على علاقتها بزوجها؟ لا تعرف حتى الآن! داخل منزل محمد العمايري، تحديدًا بغرفة رفيف.
كانت يسر تتولى مهمة تزينها ووضع مساحيق الجمال لها. والجلسة لم تكن تقتصر عليهم فقط، بل كل من ملاذ وشفق يشاركونهم الجلسة مع تبادل الأحاديث الممتعة وضحكهم لا يتوقف للحظة. تارة هذه تقول شيئًا فيضحكون، وتارة أخرى. إلى أن انتهوا من تجهيز العروس. وقفت رفيف تتأمل بنفسها في المرآة وهي تبتسم بحياء، فقالت شفق بوجه بشوش: _يلا عشان كرم مستنينا تحت وحسن وزين في المطعم هناك مع العريس.
ألقت نظرة أخيرة على نفسها ورحلوا جميعًا مستقلين بسيارة كرم. استقلت بجواره زوجته، وبقية الفتيات كانوا من الخلف. التفت برأسه تجاه شقيقته وحدجها بنظرة دافئة وحانية ليهمس مبتسمًا بحب: _إيه القمر ده بس ياحبيبتي. هتفت يسر بمشاكسة كنوع من تلطيف الجو: _أنا اللي حطالها المكياج على فكرة. ضحك ونظر أمامه يحرك محرك السيارة ويجيبها مشاكسًا إياها بمكر: _هي حلوة من غير أي حاجة أساسًا. _لا والله.. ماشي يا أستاذ كرم.
همست رفيف في أذنها ضاحكة: _سيبك منه ده بيغيظك.
تبادلوا الحديث جميعهم في السيارة طوال الطريق بضحك ومرح، فيما عدا ملاذ التي كانت تتابعهم وتضحك بصمت لوجود كرم واستحيائها منه. وصلوا إلى المطعم وكان الجميع بانتظارهم. فرحوا وأعجبوا برفيف، وبالأخص إسلام الذي أشرق وجهه بابتسامة عريضة كادت تشق طريقها إلى أذنه. بدأ الحفل واستمر لساعات طويلة حتى أتت لحظة ارتداء خاتم الخطوبة، فتولت هدى المهمة وألبست هي ابنتها الخاتم كما فعلت تمامًا مع حسن وزين في خطبتهم، وبالأخص زين الذي حرص على أن تلبسه الخاتم أمه حتى لا يلمس يد خطيبته. انطلقت الزغاريد والتصفيق فور انتهائهم من ارتداء الخواتم. فرحة الجميع كانت لا توصف، خصوصًا هدى التي أدمعت عيناها فرحًا على ابنتها وهي تراها سعيدة ومسرورة!
أخرج كرم هاتفه من جيبه بعد أن شعر باهتزازه ونظر للمتصل الذي كان رقمًا مجهولًا. هم بأن ينهض من جوار شفق فقبضت على كفه تسأله بتعجب: _رايح فين؟ _هروح أرد على التلفون برا. _طيب متتأخرش. منذ دخولها لذلك المطعم وقد شعرت بغزة في قلبها لا تعرف سببها. حاولت تجاهلها، ولكن كلما يمر الوقت تزداد شدتها أكثر، والآن أصبحت الضعيفة عندما خرج وتركها! ذهب إلى الخارج تمامًا حتى يستطيع الرد بعيدًا عن ضجة الموسيقى.
وضع الهاتف على أذنه وهتف: _ألو.... انتظر الإجابة ولكن ليس هناك أجابة، فعاد يهتف بحيرة: _الووو؟ مين معايا.. الو.
وعلى غفلة دون أو يكون في تخيله حتى أنه فخ نصب له. أحس بأن روحه خرجت عندما طعنه أحدهم من الخلف في ظهره، وبنفس ذات اللحظة أخرج السكين من جسده بكل عنف. فوضع كرم كفه موضع الدماء التي بدأت في السيلان من جسده، وعلت ملامح وجهه الألم وهو لا يتمكن حتى من سحب أنفاسه. تحامل على نفسه والتفت للخلف بصعوبة، فوجده رجل ملثم رفع يده حتى ينزع القماش الذي يخفي به وجهه. فأتته الطعنة الثانية في معدته، ثم يفر ذلك الرجل هاربًا يستقل بإحدى السيارات وينطلق. ويسقط كرم على الأرض كالجثة الهامدة التي لا حياة فيها، ومن حوله الدماء تحوطه!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!