استدار موليا إياها ظهره وقبل أن يخطو خطوة واحدة استوقفه صوتها وهي تقول: _على فكرة محصلتش حاجة بينا أنا لسا عذراء! سمرته الدهشة للحظات طويلة، كيف عذراء وماذا عن الصور الذي رآها الجميع؟ التفت بجسده كاملا لها من جديد وهتف بذهول ملحوظ: _نعم! ميار بنبرة صادقة واستحياء بسيط: _أيوة محصلتش حاجة أكتر من اللي في الصور.
هيمنت عليه الدهشة لخمس ثوان وهو يحدجها ساكنا تماما، وعيناه تطلق تساؤلات كثيرة وعقله يرفض تصديقها ويقنعه بأنها كاذبة، وفقط تفعل ذلك حتى تخرج نفسها من الوحل الملطخ بشرفها. وقد استمع لصوت عقله الذي يردد "كاذبة لا تدعها تخدعك". فرأت ضحكة مستهزئة تنطلق من بين شفتيه ونظرة وضيعة استقرت بعيناه. ثم خرج صوته صلبا بجراءة: _لا والله! محصلش حاجة! امال قضيتوا الليلة إيه بقى!
صدمها رده الجريء والصارم غير المتوقع، فخجلت وسرعان ما اجفلت نظرها عنه بارتباك. ليلقى هو عليها نظرة ساخرة ونافرة، ثم يستدير ويتجه نحو فراشه ليتسطح عليه ويسحب الغطاء على جسده. فظلت هي واقفة تتطلع إليه وبعيناها تجول بين أرجاء الغرفة تبحث عن مكان لتنام فيه، وحين وقع نظرها على الشيء الوحيد الموجود وهو الأريكة، فأبت بشدة أن تنام على هذه الأريكة غير المريحة والصغيرة. رجعت بنظراتها التائهة له لترى شفتيه تبتسم ببرود وعدم مبالاة، ويشير بعيناه على الأريكة هاتفاً
بقسوة: _كان نفسي اتنازل وأخليكي تنامي مكاني، بس أنا مستنضفش إنك تنامي على سريري أصلا.
تشربت إهانته اللاذعة لها بنفس منكسرة، ثم انحنت إلى حقيبتها المسنودة على الأرض وفتحتها لتخرج لها ملابس حتى تبدل هذه العبائة التي باتت تخنقها، وذهبت للحمام. وبعد دقائق خرجت وهي ترتدي بيجامة منزلية مريحة، فوجدته أغمض عينيه ويبدو أنه انخرط في النوم. توجهت نحو الأريكة ومددت جسدها عليها مغمضة عيناها محاولة النوم بعد كل ما مرت به منذ الأمس حتى الآن! *** في صباح اليوم التالي...
ترجلت يسر من سيارتها التي اشتراها لها أبوها حديثا، وقادت خطواتها نحو ذلك المقهى الصغير. وبعدما عبرت الباب وقفت تتنقل بنظرها بين الجالسين باحثة عن أحدهم. فابتسمت فوراً بعذوبة حين رأتها تلوح لها بيدها، فتحركت إليها وسحبت المقعد المقابل لها وجلست قائلة باعتذار لطيف: _اتأخرت عليكي مش كدا؟ _لا، أنا يدوب جاية من عشر دقايق. احكيلي بقى حصل إيه. قالت جملتها الأخيرة بجدية تامة وفضول، لتطلق يسر تنهيدة طويلة وتقول بمرارة:
_طلقني. أطالت ريم النظر في عيناها بوجه عابس ومشفق، ثم مدت يدها وامسكت بكفها متمتمة في نقم على ذلك "الحسن": _ده الأفضل ليكي يايسر. إنتي مخدتيش منه حاجة غير وجع القلب. هو مستاهلكيش ولا يستاهل حبك ليه، وحتى حزنك عليه ميستهلهوش. غامت عينا يسر بالعبارات وقالت بصوت مبحوح: _اللي واجعني ياريم إنه كان كاره ابنه لمجرد إنه مني. أنا كنت عارفة إنه بيكرهني، بس متوقعتش للدرجة دي. ده كان بيقولي هسقطك أنا لو منزلتهوش.
استشاطت ريم غيظا وبغضا عليه، حيث هتف بغضب عارم: _وهو كان ميستهلوش أصلا الطفل ده! ده واحد حيوان معندهوش قلب. أنا مش فاهمة إزاي حبيته، لا وبعد ده كله لسا بتحبيه!
فرت دمعة حارة من عيناها. تكره قلبها الذي يرفض الاستماع لها ويصر على هذا العشق الذي أمات الكثير في داخلها. هي ترغب في بغضه أكثر منهم، ولكنها لا تستطيع. تتمنى أن تتحرر من تعويذته وتحلق حرة في السماء، وتتزوج من رجل آخر يستحقها ويستحق حبها له، ويكون تماما كما تود. ولكن ليس بسلطان على القلب! يسر بأعين دامعة ونبرة يائسة: _حاولت كتير ياريم أطلعه من قلبي معرفتش، وعارفة إنه ميستهلش ذرة من الحب ده.
_هتكرهيه يايسر أنا متأكدة، وإياكي تسمحيله يتلاعب بمشاعرك تاني لو حاول يرجعلك. اقنعي نفسك إنك بتكرهيه، ومع الوقت هتكرهيه بالفعل صدقيني. مدت يسر أناملها وجففت دموعها متمتمة ساخرة، ونظرة حازمة لا تحمل المزح: _ومين قالك إني هسمحله أصلا! من هنا ورايح هيشوف يسر مختلفة تماما. هخليه في كل لحظة يحتكر نفسه، وهعرفه حجمه بجد. لإني كنت مدياه قيمة وحجم أكبر من حجمه، وهو أساسا نكرة.
تأففت ريم بعبوس من هذا الحديث السلبي والمثير للأعصاب، فأردفت باهتمام ونبرة حانية: _طمنيني عليكي، إنتي كويسة يعني مش حاسة بأي تعب؟ رسمت ابتسامة منطفئة على شفتيها وهمست بهدوء: _لا متقلقيش، الحمد لله كويسة. واطمني خطتنا ماشية زي ماهي ومحدش هيعرف حاجة. هزت ريم رأسها بالإيجاب وهي تبادلها الابتسامة وتربت على كفها برفق وحنو كنوع من إبعاث الطمأنينة وبعض المشاعر الإيجابية لنفسها البائسة! *** بمكان آخر في مدينة (مرسى مطروح)
تحديداً في إحدى الفنادق الفاخرة، قد وصل زين بصحبة زوجته بعد رحلة سفر طويلة قليلا.
ترجلت ملاذ من السيارة أولا ورفعت رأسها لأعلى تقيس طول ذلك الفندق الضخم، بينما هو فالتف لحقيبة السيارة الخلفية وأخرج منها حقيبة ملابسهم السوداء، ورفع ذراعها لأعلى يجرها خلفه وهو يشير لها برأسه أن تتحرك، فسارت معه فوراً وهي لا تتمكن من إخفاء ابتسامتها التي كانت عريضة وواسعة على شفتيها، ولكن نقابها يخفيها عن أعين الناس. سارت بجواره حتى وقفوا أمام الاستقبال، وأخذ هو يتحدث معهم وهي تتفحص الفندق الساحر من داخله. كانت فرحتها كفرحة طفل صغير أتى لقضاء عطلة نهاية السنة مع عائلته.
لم تعرف كم مر من الوقت وهي تتجول بنظرها بين أرجاء الفندق وتتابع حركات الناس، الذي كان بعضهم نساء أجنبيات ويرتدين ملابس قصيرة وفاضحة، فكانت ترمقهم بنظرات متقرفة بها القليل من كيد النساء على مياعتهم في سيرهم. وبتلقائية نظرت لزين فوجدته يتحدث مع الرجل الذي يقف في الاستقبال بجانب الفتاة التي كانت لا ترفع نظرها عن زوجها، فحدجتها بنارية فانتبهت الفتاة لها ولنظرتها الملتهبة وعلى الفور أشاحت بنظرها عن زين. اقتربت ملاذ من زين ورتبت على كتفه برفق، فاحني رأسه لمستواها
لتهمس هي في أذنه باختناق: _يلا يازين أنا تعبت من الوقفة. _حاضر، ثانية. عاد بنظره للرجل مجددا وأخذ منه الكارت الخاص بالدخول لغرفتهم، وتحرك هو قبلها، فالقت ملاذ نظرة مستشيطة أخيرة على تلك الفتاة ثم لحقت به. وقفا أمام المصعد الكهربائي حتى فتح وانتظرها حتى دخلت هي أولا ومن ثم هو. انغلق الباب وبدأ المصعد في الصعود، فرفعت النقاب عن وجهها وهي تقول بضيق: _إنت ملقيتش غير الفندق ده!
_لا، في كتير أكيد، بس الخدمة في الفندق ده كويسة جدا ومريحة. إنتي معجبكيش ولا إيه؟ هتفت بغيظ وغيرة ملحوظة: _لا عجبني، بس مش عاجبني البنات اللي فيه. رمقها بنظرات مستغربة ومستفهمة، فأكملت هي باندفاع: _البنت الغلسة اللي في الاستقبال دي، ولا البنات الأجانب اللي لبسهم حاجة مقرفة. انفتح باب المصعد فانزلت نقابها على وجهها فوراً وخرجوا. وسمعته يهتف باسمها باستنكار:
_ملاذ دي مدينة ساحلية وسياحية، فلازم هيكون في سياح في الفنادق. أنا متعود وبروح دايمًا أماكن زي كدا بسبب الشغل أحيانًا. وصلوا أمام الغرفة، فرفع الكارت وأدخله في قفل الباب وأخرجه، ثم أمسك بالمقبض وأداره لينفتح ويدخل. ثم هي التي أغلقت الباب خلفها وسمعته يهتف شبه ضاحكا:
_أول مرة دخلت فنادق في الغردقة تقريبا كان مع بابا من سنين، ومكنتش متوقع إني هلاقي المناظر دي، فدخلت بنية صافية طبعًا، وبمجرد ما بصيت وركزت في أشكال البنات واللبس ذهلت وصممت بعدها إني همشي ومش هقعد في الفندق ده، فبابا بهدلني وقتها وقالي إنت هتمنع الناس تلبس اللي هي عايزاه، وغصبني أقعد معاه، كنا جايين لشغل وكان عندي وقتها 25 سنة. بس ومن ساعتها حرمت، بقيت لما أدخل أي فندق مبرفعش عيني ومبصش على حد نهائي عشان مشوفش المناظر اللي تقرف دي تاني.
نزعت حاجبيها ونقابها عنها تماما وألقت بهم على الفراش المتوسط، لتكشف له عن وجهها المبتسم بساحرية وتقترب منه، ثم تلف ذراعيها حول رقبته متمتمة بدلال أنوثة رقيق: _إنت عندك مشكلة واحدة تعرف إيه هي؟ اخفض نظره ليديها الملفوفتين حول رقبته، فمالت شفتيه لليسار بخفة وعاد بعينيه لها مجددا يجيبها بفضول: _إيه؟ التصقت به أكثر وهي تثبت ذراعيها حوله جيدا وتكمل بدلال أشد من سابقة: _إنك قمور!
وفي الآخر تاجي واحدة زي البنت الملزقة اللي في الريسبشن تحت وتبصلك. غضن حاجبيه باستغراب حقيقي وهدر: _بنت! طيب هتصدقيني لو قولتلك إني مخدتش بالي إن في بنت واقفة أصلا والله. تحولت نظرته من الرقة إلى الحدة ونبرتها أصبحت مستاءة وكلها غيرة وهي تتشدق: _كانت بتصبلك وشغالة تبتسم زي المعزة! قومت أنا زغرتلها بعيني، فاتعدلت علطول. هما كدا الناس دي مينفعش معاهم غير العين الحمرا.
رفع حاجبه وخرجت منه ضحكة بسيطة على تشبيهها للفتاة بـ "المعزة" وقولها "زغرتلها"!! لا ينكر سعادته بغيرتها التي يراها للوهلة الأولى، واقترابها وتدللها عليه الذي أطلق سهامه في قلبه بقوة! زين بابتسامة عريضة وشبه مستنكرا: _معزة وزغرتيلها!
هزت رأسها بالإيجاب وهي تبادله الابتسامة الناعمة، وقد شعرت به يلف ذراعيه حول خصرها يضمها إليه أكثر، وعلى عكس المعتاد لم تخجل منه، بل شقت ابتسامتها الطريق أكثر وكادت أن تصل لأذنيها من فرط السعادة. وأكمل هو متسائلا بحيرة ومتلذذا بحرارة الحديث: _زغرتيلها إزاي بقى؟ _كدا.
وسعت بؤبؤي عيناها بصرامة وضمت شفتيها تمدها للأمام قليلا، فخرجت لوحة وجهها طفولية وكوميدية، وهذا ما كانت تسعى له، حيث سمعت صوت ضحكته الرجولية التي انطلقت وجلجلت الغرفة، فعاد وجهها لطبيعته ورسمت الابتسامة على شفتيها بتلقائية وهي تراه يضحك وتأملته بأعين مغرمة، حتى وجدت أنه يفلت ذراعيه من حول خصرها ويقول والابتسامة لا تزال تزين شفتيه الجميلتين: _لا عجبتيني! أنا هروح آخد حمام سريع عشان أريح جسمي من تعب السفر.
ابتعد عنها واتجه إلى الحمام، بينما هي فضلت متصلبة في مكانها تحدق على آثاره بعشق. ***
كانت تجلس تشاهد التلفاز على إحدى القنوات المعروفة، تعرض مسلسل مصري كلاسيكي. تارة تصدر تفاعلاً بضحكة بسيطة، وأخرى تصبح ملامحها جامدة. في لحظة عابرة تذكرته وأنه لم يخرج من الغرفة منذ أن استيقظ، فاستقامت من مكانها وذهبت لغرفتهم. سمعت صوتًا منبعثًا من الحمام، تحركت نحوه. كان الحمام مفتوحاً ورأته يقف ويلف حول رقبته منشفة صغيرة وبيده آلة الحلاقة، وقد وضع على لحيته ذلك الشيء الأبيض الذي لا تعرف ماذا يسمى، ولكنه حسب اعتقادها أنه يخفف ألم إزالة شعر اللحية. بمجرد أن وقعت عيناها عليه،
غرت فمها مندهشة وقالت: _إنت هتحلق دقنك!!! نظر لها كرم بعينين متعجبتين وأومأ لها بالإيجاب، ليسمعها تكمل بانزعاج وتوسل وقد دخلت ووقفت بجواره تماماً: _لا متحلقهاش، شكلك حلو بيها أوي والله. عاد يرفع الآلة لذقنه ويقول بهدوء: _أنا متعود كل فترة بحلق دقني. قبضت على يده قبل أن يضع الآلة على وجهه، تناهه بلطف وبأعين دافئة بعد أن قفزت في عقلها فكرة لطيفة: _لا لا متحلقهاش.. بص، أنا هعملك حاجة حلوة وهتنعشك. إيه رأيك؟
_حاجة إيه دي؟ أردفت بحماس ملحوظ في نبرتها ونظرتها: _اغسل وشك الأول بس! أطال النظر في وجهها بريبة وسكوت ويفكر فيما تريد فعله ويطرح العديد من الأسئلة، ولكنها نكزته في ذراعه برفق تحثه على فعل ما طلبت للتو. ليأخذ نفساً عميقاً ويحني رأسه على صنبور الماء ويبدأ في غسل وجهه. وبعد أن انتهى، رآها تمسك بكفه وتسحبه خلفها هاتفة: _تعالى في الحمام اللي برا هنا مش هينفع.
ضيق عينيه بحيرة ورغم عنه عصفت في ذهنه فكرة منحرفة، ليقول لها مستفهماً بنبرة تحمل الاستنكار: _هو إيه ده اللي مش هينفع هنا؟ _تعالى بس! سار معها مغلوباً على أمره حتى وصلوا للحمام الخارجي، وفتحت الباب. وقد كان حماماً واسعاً به حوض استحمام واسع وحوائطه من اللون البني الفاتح، وفي آخره مرآة كبيرة. أسفل المرآة بالضبط حوض شامبو متوسط الحجم من اللون الأسود، وأمامه مقعد وثير وطويل بعض الشيء.
لم تمهله اللحظة ليحاول توقع ما يدور في ذهنها، وإذا به يجدها تجذبه مجدداً من يده وتجلسه على ذلك المقعد. ثم ابتعدت عنه لتجلب شامبو خاص، فسمعت صوته الغليظ وهو يتأفف بنفاذ صبر ونبرة حانقة: _شفق، ممكن تفهميني بتعملي إيه عشان أنا بدأت أتعصب! عادت له وقالت في رقة وبمشاكسة: _إنت بقيت بتتعصب على أي حاجة الفترة دي أساساً.. إنت مش كنت بتقول لما صحيت من النوم إنك مصدع وراسك وجعاك؟ أنا بقى هعملك مساج بس بطريقة مختلفة. خرجت
نبرته الخشنة والحازمة: _وإيه الطريقة المختلفة دي بقى؟ اغتاظت من طريقته الجافة بالرغم من أنها تعرف أن مزاجه معكر منذ الصباح الباكر. ولكنها أبدت عن احتجاجها على طريقته حيث زمت شفتيها باغتياظ وهتفت ممتعضة وغاضبة: _إنت بتكلمني كدا ليه يعني؟ ده جزاتي إني عايزة أخففلك الصداع اللي عندك. ثم استدارت بكامل جسدها توليه ظهرها. وقبل أن تهم بالرحيل، قالت في خنق وعبوس:
_خلاص طالما إنت مضايق مش هعمل حاجة.. وآسفة إني عصبتك يا كرم بيه. رفع حاجبه الأيسر باحترافية وأجابها مستنكراً باندهاش: _بــيــه!!!! وجدها ستهم بالانصراف حقاً، ولم يكن غضبها تدللاً كما ظنه للتو. بل كانت ملامح وجهها البريئة تثبت أنها استاءت بالفعل من حدته معها. وبسرعة اعتدل في جلسته ومد ذراعه يجذبها من يدها برفق متمتماً باعتذار جميل: _خدي خلاص أنا آسف، متزعليش. مكنش قصدي والله!
رمقته بطرف عينها بنظرة متضايقة وسرعان ما أشاحت بوجهها للجهة الأخرى محتجة عن الكلام معه. فضيق عينيه باستغراب وقال بحنو: _تعالي يلا اعملي المساج اللي قولتي عليه ده. أبعدت كفه الذي يقبض على رسغها وعقدت ذراعيها أمام صدرها مردفة بتذمر طفولي بعض الشيء: _واعملك ليه؟ ما إنت مش طايقني ولا طايق مني كلمة! بات يفهم مدى تأثير ابتسامته عليها، فاتخذها كسلاح في هذه اللحظة وابتسم لها بساحرية هامساً في دفء:
_تعمليلي عشان أنا عايز وبطلب منك أهو.. ممكن؟ سحق سخطها ومحاه برقته وابتسامته كأنه لم يكن. وكالعادة، فشلت هي في إخفاء ابتسامتها التي صعدت لشفتيها تدريجياً وقالت باستحياء بسيط وابتسامة جانبية: _ماشي!
استرخى في جلسته تماماً ورجع برأسه للوراء يضعها بالجزء المخصص في الحوض لوضع الرأس وأغمض عينيه. لتبتسم هي بعاطفية وتقترب منه ثم تبدأ أول شيء بالماء الدافئ الذي وضعته على شعره البني والناعم. ومن ثم سكبت القليل من الشامبو على يدها وبدأت تغلغل أصابعها بين خصلات شعره وتارة تبسطها وتفتحها بين خصلاته وتارة تدلك رأسه بكامل الرفق واللين. وتثبت نظرها عليه تنتظر منه أي ردة فعل، ولكنه كان مستسلماً لها تماماً ويغمض عينيه. وبتلقائية ابتسمت حين رأت شفتيه تميل للجانب قليلاً كدليل على استمتاعه بما تفعله،
فقالت في صوت أنوثي خافت: _هااا إيه رأيك؟ اتسعت ابتسامته وغمم دون أن يفتح عينيه حتى لا يفسد لحظات تلذذه واسترخائه: _اممممم كملي.. شكلي هخليكي تعمليلي البتاع ده كل يوم! قهقهت ببساطة وقالت مداعبة إياه: _بتاع!! .. ده مساج للشعر وليه فوايد كتير منها تخفيف الصداع وآلام الرأس والتخلص من التوتر والعصبية، وحط خطوط كتير تحت العصبية دي هااا! سمعت صوت ضحكته المنخفضة وفتح عينيه الرماديتين يطالعها بلطف ويتمتم
وهو يشاركها حس المداعبة: _في دي معندكيش حق.. بقى أنا عصبي!! هزت رأسها بالنفي قائلة بوجه مشرق ويداها لا تزال تعمل في تدليك فروة شعره: _لا فشر، ده إنت كيوت.
عاد يغمض عينيه من جديد وهو يضحك لتكمل هي جلسة تدليكها ببطء شديد واحترافية لكل جزء في رأسه حتى عنقه، بينما هو في كامل استرخائه. كانت تقف بجانبه مباشرة ولا يفصلهما عن بعض شيء وتنحني بجذعها للأمام حتى تتمكن من رأسه وتستطيع القيام بالمساج بدقة. واقترابها الحميمي منه أشعره بأنفاسها الدافئة تلفح صفحة وجهه ورائحة العطر النسائي المثير الذي نثرته على ملابسها تغلغل إلى أنفه، فهيج بداخله مشاعر مختلطة. وحاول بصعوبة عدم التركيز
على رائحتها أو أنفاسها، وإذا به يجد شعرها الذي تحركت خصلاته للأسفل على وجهه بسبب انحنائها ودغدغته. ففتح عينيه ورفع يديه من الجهتين لشعرها باضطراب بسيط، وأرجعه للخلف يثبته جيداً على ظهرها حتى لا يتحرك مجدداً وهو يرمقها في ابتسامة شبه خفية. فبادلته هي إياها بنفس مشاعر الاضطراب!
استمرت جلسة المساج إلى ما يقارب العشر دقائق، ثم بدأت تغسل شعره بالماء وتعاد تدليكه لدقيقتين بالضبط وتعود تغسل بالماء مجدداً. وأخيراً جذبت المنشفة ورفع هو رأسه قليلاً عن الحوض، فوضعت المنشفة على شعره تجففه بإحكام ورفق شديد. شفق بنبرة رقيقة وأعين جذابة: _يارب يكون الصداع خف شوية. قال بضحكة خفيفة: _أنا نسيت أصلًا إني كنت مصدع.. بس ياترى بقى عندك كام موهبة تاني يا شفق هانم؟ تشدقت مشاكسة إياه بشيء من الفخر وهي تضحك:
_كتيييير مبعدش يا جيمي! انطلقت منه ضحكة مرتفعة نسبياً لتتابعه هي بأعين تطلق شرارات العشق المتيم! *** داخل منزل طاهر العمايري...
كان علاء يقف أمام المرآة يهندم ملابسه ويستعد للخروج، غير منتبه لنظرات ميار له وهي تحدجه بشيء من الخنق والقرف. وحين لاحظ عينيها التي تتابعه، فالتفت برأسه لها في عينين ثاقبتين كالصقر، وسرعان ما أشاحت بوجهها للجانب الآخر في ارتباك امتزج بالخوف. فعاد هو بنظرة للمرآة مجدداً وسمعت صوته الأجش وهو يقول بلهجة آمرة لا تقبل النقاش:
_عشان يكون في علمك، خروج من البيت مفيش. ولو شميت خبر إن رجلك عتبت برا عتبة البيت محدش هيرحمك مني، لا عمك ولا غيره. رمقته بطرف عينيها مستنكرة وهمست بصوت لا يسمع: _وجاي على نفسك كدا ليه؟ ماتحبسني في الأوضة أحسن. استمع إلى همهمات خافتة تخرج من بين شفتيها، فقال بتدقيق وصرامة: _بتقولي حاجة؟ ثبتت نظرها عليها وأردفت بنبرة محتجة: _بقول ليه؟ إيه السبب إنك تحبسني في البيت؟ لاحت ابتسامة متشفية على شفتيه وقال بقسوة
ملحوظة في نبرته ونظرته: _مزاجي كدا! عندك اعتراض؟ حدقت به باستفهام، فهي حقاً لا تفهم سبب تعامله القاسي معها بهذا الشكل. بالتأكيد هو لا يهتم لأمر الخطأ الفادح الذي ارتكبته، وحتى إن كان يهتم فلا يحق له أن يعذبها على هذا الشكل. كانت هذه الكلمات تدور جميعها في حلقة واحدة ولا تفهم لهم أي سبب. وقررت أن تواجهه بما يدور بداخل عقلها، حيث قالت بشجاعة بسيطة: _إنت بتعمل معايا كدا ليه؟
سؤالها كان في المكان والوقت المناسب تماماً، حيث ابتسم بنظرات شرانية واستدار ناحيتها بجسده كاملاً. ثم تحرك إليها وجلس على حافة الفراش أمامها متمتماً بنبرة مريبة دبّت الرعب في أوصالها: _بعمل كدا ليه؟ سؤال حلو وأنا كنت منتظره منك!
متفتكريش إني بعمل كدا عشان اللي عملتيه ولا بعاقبك عليه والكلام العبيط ده. أنا أساساً ميهمنيش، ولو قولتيلي دلوقتي إنك حامل من الـ**** اللي عملتي معاه العلاقة برضوا مش هيفرق معايا. كل ما في الموضوع إني مش طايقك وقرفان منك واتجبرت اتجوزك عشان سمعة عيلة العمايري اللي إحنا منتشرفش إن يكون عندنا بنت في العيلة فـ **** زيك.
خنجر مسموم رشقه في يسارها بكلماته التي لا تحمل أي رحمة أو رفق. فكتم صوتها ولم تجد ما تقوله، فقط شعرت بالدموع تتجمع في مقلتيها. وطال صمتها للحظات وهو يحدقها بنظراته المشمئزة منها، حتى قالت بصوت يغلبه البكاء: _وأنا قولتلك إمبارح إن محصلش حاجة بينا! خرج عن إطار الهدوء حيث صاح بها بصوت جهوري: _كذابة يا ميار ومش مصدقك ومش هصدقك. انسابت دموعها على وجنتيها غزيرة وهي تجيبه بنبرة ضعيفة: _أنا مش كذابة يا علاء.
لوى فمه باستهزاء، وبداخله ليس هناك أدنى شك بأنها تكذب، فقط لتكسب تعاطف الجميع. وقرر إنهاء هذا الحديث بجملة يعلم أنها ستسكتها تماماً. انحنى للأمام إليها وخرج صوته خافتاً وجريئاً وهو يقول متغطرسًا: _طيب تحبي أتأكد بنفسي؟ دقات قلبها دقاته بقوة وارتبكت، ودون أن تجيب عليه استقامت واقفة بأعين زائغة وأسرعت نحو الحمام تختبئ منه. فابتسم هو ساخراً عندما تأكد بأنها تكذب.
غربت الشمس وارتفع ضوء القمر في السماء ليزينها بأجمل وأبدع لوحة رسمها الخالق عز وجل. داخل غرفة أبطالنا، كان يجلس على الفراش الواسع وبيده المسبحة المكونة من 99 حبة. وكلما يردد "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر"، يعود بحبة من الحبات للخلف. واستمر هكذا لدقائق طويلة حتى قطع تسبيحه وهو يهدر بنفاذ صبر على تلك القابعة في الحمام منذ ما يقارب العشرين دقيقة: _يلا يا ملاذ! _حاضر طالعة أهو.
لحظات قليلة وخرجت له وهي ترتدي رداء فضفاضاً من اللون الأسود المنقط بالأبيض، ونقابها الماليزي يأخذ نفس لون خمارها وهو الفوشيا الغامق، مما زادها عفة وجمالاً. فرأت ابتسامة دافئة تنطلق على شفتيه، ولكنها اختفت تدريجياً عندما دقق النظر في وجهها جيداً، ووجدته يستقيم واقفاً ويتقدم نحوها حتى رفع حاجبه وهو يثبت نظره على أحد أجزاء وجهها ألا وهو شفتيها. وعلى الفور قفزت في عقله ذكر يوم قرآنهم عندما أخذها لمكتبته الخاصة في العمل. ول اضطرابها لم تركز جيداً في نظرته حتى تفهم إن كانت نظرة حازمة ومستاءة أم تضمر الإعجاب خلفها،
حيث هتفت بتلعثم: _من غير ما تقول أي حاجة همسحه خلاص. همت بالاستدارة والفرار إلى الحمام، فاستوقفتها يده التي قبضت على ذراعها ترغمها على الوقوف وهو يقول بنبرة تحمل في طياتها إشارات الغرام: _لا متمسحوش، شكله حلو عليكي. تسارعت نبضات قلبها وأحست به يتراقص حبوراً وفرحاً في مسكنه. ودون أي درجة من التحكم صعدت الابتسامة لشفتيها بعفوية، لتستدير له وتحاول إخفائها في محاولة بائسة، هامسة بترقب لرده:
_يعني مش مضايق زي المرة اللي فاتت؟ خرج صوته هادئاً وحانياً به شيء من الخشونة: _يوم الفرح أنا اتعصبت عشان إنتي كنتي حاطة مكياج وأمة لا إله إلا الله بتتفرج عليكي، لكن دلوقتي الوضع يختلف، إنتي منقبة واللي حطاه ده حطاه ليا أنا بس ومحدش هيشوفك. ازدردت ريقها باستحياء ملحوظ وقد تورّدت وجنتاها. ففكرت في الهرب من هذا الوضع وتحدثت، ولكن لسانها المتلعثم لم يسعفها: _ط.. طيب مش هنمشي ولا إيه؟
ضحك بخفة حين أدرك خجلها، ورفع يده ينزل نقابها على وجهها مجيباً إياها في لطف: _يلا. غادرت معه الغرفة ومنها الفندق بأكمله، لتستقل بسيارته وينطلق هو بها يشق الطرقات قاصداً قاعة الأفراح الذي سيقام فيها حفل الخطبة الخاص بأحد أصدقائه.
سارت معه وهي تشبك ذراعها بذراعه كنوع من إظهار الملكية أمام جميع أنظار الفتيات المعجبة، حتى وجدته يقف أمام رجل كهل في العمر يبدو أنه والد العريس، وعانقه عناقاً حاراً يهنئه على حفل خطبة ابنه بأدب ولطف. رأت ذلك العجوز ينظر لها ويقول بتهذيب ونبرة كلها مودة مرحباً بها في عذوبة: _أهلاً وسهلاً، عقبالك يا بنتي.
نظرت لزين باستعجاب وضحكة عيناها كانت تكشف عن ضحكة شفتيها الخفية. بينما هو اتسعت ابتسامته وانحنى إلى ذلك الرجل الهرم الذي طالما اعتبره بمقام والده وهتف بنبرة مرتفعة قليلاً ليسمعه من وسط ضجة الموسيقى الصاخبة: _دي مراتي يا عمي سالم. أبدى العجوز عن دهشته وهو يفغر شفتيه وتتسع عيناه ويهتف ضاحكاً بسعادة غامرة معانقاً إياه للمرة الثانية: _إنت اتجوزت؟
الــــف مبروك يا ابني. لا ده أنا ليا كلام مع رامي بقى وهربيه إزاي ميقوليش إنك اتجوزت. _أنا كنت هتصل بيك بنفسي والله بس انشغلت يا عمي، انت عارف بقى مواضيع الجواز وكمان الموضوع تم في فترة قليلة فملحقتش.
عاد يهنئه من جديد ببشاشة ونظرات محبة وهو يتمنى لهم سنوات سعيدة. وبعد لحظات من الحديث المتبادل بينهم، اتجهوا نحو طاولة صغيرة بعيدة عن حشد الناس، وهي تتابع بنظراتها حركات الجميع وأشكالهم وكأنها ستقابلهم مجدداً. فنظرت له ووجدته لا ينظر لشيء، فقط عيناه معلقة على سطح الطاولة أمامهم يحدق بها بشرود. ليشعر بكف يدها على كفه وهي تهمس في أذنه برقة: _سرحان في إيه؟ _مفيش، افتكرت حاجة في الشغل بس. مش يلا بقى ولا إيه؟
وأنا هقوم أسلم على رامي وأباركله ونمشي. هتفت محتجة بدهشة من فتوره السريع: _نمشي! احنا مقعدناش دقيقتين على بعض يا زين! _ما أنا قولتلك مش هنقعد، أنا مبحبش الأغاني وجو الأفراح بتاع اليومين دول. _طيب نقعد ربع ساعة بس على الأقل ونمشي.
تنهد بعدم حيلة بعد أن استسلم لرغبتها في البقاء. فعادت هي تتابع الناس كما كانت تفعل. وبعد مرور ما يقارب الخمس دقائق وقع نظرها على أحدهم والذي كان لا يرفع نظره عنها. إنه خطيبها السابق "أحمد". ماذا أتى به إلى هنا؟
تعرف عليها بمجرد رؤية زوجها بجوارها فعرف أنها هي. رأته يبتسم بشيطانية حين نظرت له وتأكد من شكوكه حولها. فتوترت بشدة وشعرت باضطراب قلبها الذي بدأ يدق بخوف وقلق. خوف من أن يراه "زين" فيغضب وينشب شجار عنيف بينهم. وهي لا تود إفساد رحلتهم بسبب ذلك الحقير. نظرت لزين وعادت تمسك بيده مجدداً قائلة في عينين قلقة: _يلا نمشي يا زين. غضن حاجبيه بريبة وأجابها ساخراً: _إنتي مش لسا قايلة نقعد ربع ساعة؟ هتفت بإصرار ونبرة ليست طبيعية:
_لا لا كفاية، أنا حاسة نفسي تعبت وعايزة أمشي. لم يعلق. فهو أيضاً لم تعجبه الأجواء وكان يجلس مضطراً حتى يرضيها. استقام وهو يقول: _أنا هسلم على رامي وأجي استنيني هنا. تشبثت بذراعه كالطفل الذي يخاف الافتراق عن والده وقالت مضطربة: _لا أنا هروح معاك متسبنيش لوحدي.
أحس بأن بها شيء ليس طبيعياً وخطط لسؤالها عن سبب اضطرابها الواضح. ولكن عند مغادرتهم الحفل، وبالفعل سارت معه وهي تخطف نظرات سريعة لذلك القابع في أحد الأركان ولا يزال يعلق نظره عليها. فدعت ربها مراراً وتكراراً لكي لا يراه زوجها وأن يغادروا ويعودوا إلى الفندق دون أي مشاكل. هبت ميار واقفة فزعة عند سماعها طرق الباب وخرج صوتها متقلقلاً: _ادخل!
انفتح الباب وظهرت من خلفه يسر التي كانت تحدق بها بجمود ثم دخلت وأغلقت الباب خلفها. فتوترت ميار في البداية ولكنها جمعت شجاعتها لتواجه بها مكر تلك يسر التي لا ترغب بالخير لها أبداً من شدة بغضها عليها. رآتها تقترب منها وتجلس على الفراش هاتفة بضحكة مستغطرسة: _ما تقعدي يا ميار، إنتي خايفة مني ولا إيه؟ _عايزة إيه يا يسر؟ قالتها بنبرة حانقة ليأتيها الرد بارداً منها كالثلج: _ولا حاجة، أنا حبيت أتكلم معاكي شوية بس. ابتسمت
ميار باستنكار واردفت بخنق: _وهو إيه ده بقى اللي هتتكلمي فيه معايا؟ ده على أساس إنك بتحبيني حب فظيع. هزت رأسها بالإيجاب توافقها الرأي على جملتها الأخيرة وهي تبتسم ببساطة وتقول بجفاء: _فعلاً أنا مش بحبك لإن إنتي اللي بتخلي الناس تكرهك يا ميار بسبب عمايلك. بس إن جيتي للحق أنا اشفقت عليكي بجد وعلى اللي عملتيه في نفسك. ثم سكتت لبرهة واسترسلت حديثها بشيء من الإشفاق واللين الحقيقي:
_ده جزاء شر أعمالك. إنتي وتيتة حاولتوا تعملوا مشاكل بين زين ومراته عشان تخلوه يطلقها بس محلقتوش واتكشف موضوع علاقتك ده. _وأنا مش محتاجة أبرر ليكي موقفي يا يسر لإني ميهمنيش أصلاً تصدقي أو لا. استقامت يسر واقفة واطلقت تنهيدة حارة وهي تقول بنظرة تحذيرية ومخيفة: _ولا أنا يهمني كمان!
أنا كل اللي يهمني اخويا. متحاوليش تتقربي منه وخلي فترة الجواز دي تعدي على خير لأن محدش منا هيقبل إن علاء يكمل معاكي بعد اللي عملتيه وأنا أول واحدة مش هسمحلك تدمري حياة اخويا، سامعة ولا لا؟ كفاية إنه اتجوزك غصب وشايل الهم وهو مش عايزك. لم تنتظر منها الإجابة بل تحركت نحو الباب وانصرفت تاركة إياها تحدق على آثارها بتفكير عميق ووجه عابس وحزين. فدومًا كانت تسعى لكسب محبة الآخرين لها ولكنها حتى المحبة لم تحظى بها.
لماذا لا تتركني وشأني؟ لماذا تصر على أن تجعل من حياتي جحيم؟ ألا بحق لقلبي الشفاء من السقم الذي أصبتني به؟ فلقد ذقت أشد أنواع الخيانة والغدر في عهدك. وعندما وجدت من يداوي جرحك ويعود لقلبي نبضه من جديد، لا تتركني أنعم بتفاصيل العشق معه الذي سلبتني إياها بكامل الوحشية والقسوة. حتى مجرد تذكرك يجنني ويثير عواصفي بشدة. فأنا على يقين أنك لا تدري إلى أي درجة أصبحت أبغضك ولا أريد حتى سماع صوتك.
كتمت صوت شهيق بكائها بيديها حتى لا يصل لمسامعه وداخلها يصيح بألم وبكاء "لا أريد اصطناع فجوة أخرى بيننا. اخشى أن يظهر ذلك المؤذي في حياتنا من جديد فيفسد كل ما بنيته في الفترة السابقة. اخشى أن يعود معي كالسابق. أريد أن أشعر بعشقه لي وأخاف كل الخوف من خسارته. أكره حياتي المدنسة بخطأ ارتكبته ولم ترحل آثاره حتى الآن ومازلت أحاول في تطهيره حتى أعيش معه بسلام وسعادة وحب. بعدما أدركت حقيقة واحدة وهي إنني أعشقه بشدة."
انتفضت واقفة حين سمعت صوته وهو يطرق على الباب فاسرعت وفتحت صنبور الماء ونثرت القليل من الماء على وجهها حتى تمحي آثار دموعها وهتفت بارتباك بسيط: _أيوة يا زين طالعة أهو لحظة! اغلقت الصنبور وجففت وجهها بالمنشفة ثم ألقت نظرة فاحصة على نفسها في المرآة. وقفت أمام الباب تمسك بالمقبض وتأخذ شهيقًا طويلًا تزفره على مهل. ثم ضغطت بيدها على المقبض لتفتحه وتجذب الباب إليها. فتراه يقف بانتظارها ويطالعها متعجبًا وقلقًا في نفس الوقت.
حيث استطرد: "إنتي كويسة ياملاذ؟ هزت رأسها بإيماءة خفيفة وتمتمت في صوت مبحوح وجسدها يرتجف، ليس بردًا ولكن من فرط توترها واضطراب نفسها الخائفة: "كويسة الحمدلله. أنا بس شكلي داخلة على دور برد لإني مش بتقل في اللبس." لاحظ ارتجافتها فتقوس وجهه بحزم وقال بشيء من الغضب الممتزج باللين الذي يحمل نبرة الاهتمام: "أنا قولتلك مليون مرة البسي تقيل عشان متتعبيش، لكن إنتي عنيدة."
وفي لحظتها انحنى إليها وحملها على ذراعيه متجهًا بها نحو الفراش. ووضعها عليه برفق شديد ثم سحب الغطاء عليها يدثرها به جيدًا. وهمس في نبرة مهتمة: "اجبلك حاجة دافية عشان تدفي جسمك؟ هزت رأسها بالرفض وقبضت على كفه تهتف متوسلة إياه بنظراتها: "لا تعالى جمبي بس ارجوك."
طالت نظرته المستغربة من أفعالها لبرهة من الزمن ولكنه في النهاية لبى لها طلبها. ومدد جسده على الفراش بجوارها ويشاركها في نفس الغطاء. فاعتدلت هي في نومتها ناحيته واقتربت حتى وجدها تمسك بذراعه وترفعه لتنضم لأحضانه واضعة رأسها على صدره الواسع. ولم تكن فعلتها إلا أنها زادت شكوكه وقلقه ليسألها بصلابة وترقب لردها: "ملاذ إنتي متأكدة إن محصلتش حاجة في الفرح؟
نفت برأسها وهي تهزها بلطف ليتنهد هو بعدم حيلة ويلف ذراعه حول جسدها مبتسمًا بحب. ويهم الصمت بينهم لدقائق حتى رفعت هي رأسها لمقابلة وجهه وهمست بنظرة تائهة وبائسة: "زين هو إنت خلاص بقيت تثق فيا تاني؟ ادهشه سؤالها قليلًا فأمعن النظر في قسمات وجهها وعيناها الزرقاوتين بدفء. ليأخذ نفسًا عميقًا ويجيبها بخفوت وحيرة:
"مش عارف ياملاذ بس اللي اقدر اقولهولك إني ادركت إنك فعلًا ندمانة وعايزة تصلحي غلطك وإني يعتبر خلاص سامحتك. بس برضوا أنا حاسس إننا محتاجين وقت اطول عشان نفهم بعض فيه اكتر. وحاليًا أنا مش عايز اتسرع في أي حاجة وعايز ادي لحبنا فرصته كاملة عشان لما ناخد قرار نكون متأكدين منه."
لمعت عيناها بوميض جديد حقًا ولم يره من قبل. كانت لمعتها تخبره بشكل مباشر بعشقها له ولكنه رأى في نظرتها أيضًا بعض الخوف من الخسارة أو البعد. وكان سيقترب بشفتيه من جبهتها ليطبع قبلة دافئة عليها ولكنها سبقته. حيث وضعت شفتيها على وجنته تقبله بعمق ورقة للحظات طويلة وهي تبتسم بغرام. ثم عادت تدفن وجهها بين ثنايا صدره وتغمض عيناها لتترك روحها العاشقة تنعم لأول مرة بالنوم بين ذراعيه! ***
خرجت له وهي تحمل بيدها صحن كبير ممتلئ بالفشار وتلتقط الحبات وتأكلهم وهي في طريقها إليه. بينما هو فكان يشاهد التلفاز على إحدى قنوات كرة القدم. فانضمت بجواره على الأريكة وهي تهز بكتفها لينظر لما بيدها. فالتفت برأسه لها وابتسم ثم مد يده لصحن الفشار والتقط حبتين وألقى بهما في فمه. ثبتت نظرها على قناة التلفاز المملة وقالت برقة جميلة: "كرم ما تغير القناة وتجيب فيلم رعب أجنبي." حدجها وقد ارتفع حاجبه وهدر بخشونة:
"رعب تاني!!! كتمت ضحكتها عندما فهمت مقصده من أن الأفلام المرعبة هي السبب في فزعها وخوفها ذلك اليوم عندما ظنت أن هناك شبحًا بالغرفة السفلية بالمنزل. ولكنها دافعت عن نفسها ببراءة قائلة: "لا أنا بخاف لما أكون وحدي لكن طالما إنت هتتفرجه معايا عادي. واساسًا بمجرد ما انام واصحى الصبح هنسى أنا اتفرجت إيه! لوى فمه بنفاذ صبر من عنادها. ثم أمسك بجهاز التحكم ووجه نحو التلفاز هاتفًا بهدوء: "ماشي ياشفق لما نشوف."
اتسعت ابتسامتها وجلست بإرياحية أكثر على الأريكة وبدأت تشاهد الفيلم معه. وكعادة الأفلام الأجنبية كان الفيلم في بدايته هادئًا بعض الشيء لا يوجد أي شيء مرعب. ولكن مع مرور نصفه بدأت المشاهد المرعبة تظهر. وكان هو قد اندمج في المشاهدة فلم ينتبه لها مطلقًا وهي تخفي عيناها بكف يدها وتوسع بين أصابعها قليلًا جدًا حتى ترى شيئًا بسيطًا من شاشة التلفاز. وحين يظهر وجه الشبح تضم أصابعها بقوة وتحجب الرؤية تمامًا. واستمر وضعها على هذا النحو حتى انتهى الفيلم.
رأته يتثاوب ويقول بعينان يغلب عليها النعاس: "أنا هروح أنام.. هتنامي؟ بالطبع لن تبقى بمفردها في المنزل بعد كم المشاهد المرعبة التي شاهدتها للتو! هبت واقفة وقالت بإيجاب: "آه هشرب وآجي وراك." ذهب هو للغرفة وبعد أقل من دقيقتين انضمت بجواره في الفراش وتدثرت بالغطاء جيدًا. فمد هو يده ليطفئ الضوء ليجدها تناهه بنبرة مرتبكة وابتسامة مترددة: "لا متطفيش النور!! مسح على وجهه وقال متنهدًا:
"اممممم ابتدينا بقى.. تصدقي أنا اللي غلطان إني سمعت كلامك وخليتك تسمعي! انطلقت منها ضحكة جلجلت الغرفة نجحت من خلالها أن ترسم الابتسامة على شفتيه رغم اغتياظه منها. وسمعها تتشدق بلطافة طفل وليس امرأة راشدة: "لا أنا مش خايفة أنا بس بتخيل حاجات في الضلمة." "اممممم وبعدين!! رمشت بعيناها عدة مرات متتالية وبنظرة لا ترفض تستعطفه من خلالها مع ابتسامة شفتيها الآسرة قالت: "يعني متقفلش النور ياكوكو."
لمعت عيناه بشرارات الغضب عند نطقها لذلك الاسم الذي يستفزه. ومد يده يطفئ الضوء عنادًا بها ويهتف محاولًا كتم غيظه: "نامي ياشفق." ولاها ظهره واغمض عيناه. فاقتربت هي والتصقت به من الخلف تستند بكفيها على كتفه مردفة بضحكة مرتفعة: "خلاص متتضايقش مش هقوله تاني افتح النور بقى بالله عليك والله خايفة." "لا، ونامي يلا!! "ياكرم بقولك خايفة حرام عليك ههون عليك تخليني أنام وأنا وخايفة." قال ببرود يتصنع عدم المبالاة بأمرها:
"متخافيش أنا جمبك مش هتطلعلك عفاريت يعني." ضمت شفتيها بحزن وابتعدت عنه وهي توليه أيضًا ظهرها قائلة بلؤم متصنعة الضيق لعلمها جيدًا بطرق التأثير عليه وجعله يذعن لرغبتها: "ماشي ياكرم شكرًا! مرت لحظات قليلة حتى أضاءت الغرفة بالنور. فابتسمت باتساع وسمعته يهمس مغلوبًا على أمره: "عارف إنك بتستغلي نقطة إني مش بحب أزعلك وللأسف بسمحلك تستغليني وبضعف قدامك." التفتت له بجسده كاملًا تقول بسعادة غامرة ومداعبة:
"عشان إنت كيوت وكوكو!! "تاني!!! كتمت فمها بيدها تقول بضحكة على وشك الانفجار: "أهو مش هتكلم خالص.. تصبح على خير." أجابها بنظرة حانية ورقيقة: "وإنتي من أهله." ثم عادت توليه ظهرها وتغمض عيناها وهي لا تتحكم في ابتسامتها التي لا تريد الاختفاء!! *** مع إشراقة شمس يوم جديد وسط سماء ملبدة بالغيوم والنسائم الباردة تلفح وجهه، كان يقف أمام الزجاج الشفاف في مكتبه الخاص بمقر شركة العمايري. يحدق في اللاشيء أمامه بفراغ!
شعور السعادة والراحة ينتابه كلما يتذكر بأنه تخلص من البلاء الذي سقط فوق رأسه دون أي إنذار أو تخطيط. بدأت بمشاجرات كلامية بينهم ومد وجزر طبيعي بين امرأة عاشقة قوية وبين رجل يبغضها بشدة. تطورت الأحداث حتى ظهر في نصف الحكاية صور وتسجيلات قلبت الموازين، جعلته ينصاع خلف أفكار عقله المتهورة وانتهي بهم المطاف زوجة وزوجة! وليلة مشؤومة تسببت في طلاقهم بالأخير!
ولكنه مع الأسف يعجز عن تجاهل الصوت الذي لا يصمت بداخله ويخبره باستمرار أن رغم السعادة فهناك قطعة ناقصة تجعل نشوة السعادة لديه لا تصل لذروتها! ماهو ذلك الشيء ولما يمنعه من الراحة؟ لا يعرف!
وقع نظره بتلقائية على السيارة التي توقفت بالأسفل وترجل منها شاب يبدو أنه يسبقه في العمر بسنوات قليلة. دقق النظر به جيدًا محاولًا التعرف على وجهه المألوف. ففشل عقله في استحضار اسمه أو هويته. اتسعت عدسة عيناه باستغراب حين رآها تخرج من الجانب الآخر للسيارة وهي ترتدي بنطال أسود أعلاه بلوزة جميلة طويلة من اللون الأبيض تصل إلى أعلى ركبتيها وحجابها يأخذ لونًا بنيًا فاتحًا.
تابعها بترقب وهي تقترب وتقف تتحدث مع ذلك الرجل بانفتاح دون رسمية. فرفع حاجبه مستنكرًا بنظرات ثاقبة. وبينما هو منشغل بمتابعتهم دخلت مساعدته واقتربت من المكتب ووضعت عليه أوراقًا خاصة بالعمل وهمت بالرحيل لولا صوته الأجش وهو يقول: "ميرنا تعالى." تحركت نحوه دون سؤال ووقفت بجانبه تلقي بنظرها إلى ماينظر له باهتمام حتى أكمل هو طرح أسئلة قائلًا بصوت رجولي: "هي يسر رجعت إمتى الشركة! ميرنا بنبرة رسمية بعض الشيء:
"إمبارح.. هو حضرتك متعرفش؟ رفع نظره أخيرًا عنهم ونظر للواقفة بجانبه يبتسم بريبة متمتمًا: "وهو أنا لو عارف هسألك ليه." تذكرت بأنه لم يأتِ لمقر الشركة البارحة فهزت رأسها بتفهم وعادت تنظر مجددًا حين رأته يعود ينظر لهم. وبعد دقيقة بالضبط هتف يسألها للمرة الثالثة وهو لا يزيح بنظره: "تعرفي مين ده اللي واقفة معاه؟ حركت رأسها نحوه وقالت مندهشة: "حضرتك متعرفهوش بجد؟ صر على أسنانه مغتاظًا وهتف بنفاذ صبر: "مــــيـــرنا!!!!
"أنا آسفة! قالتها بخوف وارتباك بسيط ثم أكملت تجيب على سؤاله ببساطة بالغة: "ده راسل ابن جمال بيه وصل إمبارح من أمريكا تقريبًا جاي ياخد إجازة وراجع تاني عشان الشغل في شركة طاهر بيه زي ما حضرتك عارف." "اممممم راسل.. هو ده بقى راسل!! طيب ياميرنا خلاص تقدري تتفضلي."
أومأت له بالموافقة واستدارت مغادرة امتثالًا لأوامره. أما هو فوضع كلتا قبضتيه في جيبي بنطاله وعيناه معلقة عليهم وعلى حديثهم الذي زاد عن حده فاظلمت عيناه حين رآها تضحك بقوة. في ضحكة حقيقية ليست متكلفة أو عادية. سأل في قرارة نفسه "على ماذا تضحك هذه!! *** خرجت ملاذ من الحمام على أثر سماعها لصوت رنين هاتفها. التقطت الهاتف وحدقت بشاشته فوجدته رقم مجهول. فتحت الاتصال ووضعته على أذنها تجيب برسمية: _الو مين؟ _ازيك ياملاذ.
لن يتركها وشأنها كما توقعت وبالضبط. غلت دماؤها في عروقها وصاحت به بعنف، وما ساعدها على التحدث بحرية هو عدم وجود زين الذي خرج لعمل ما سريع وسيعود: _عايز إيه يازفت إنت! ابعد عني يا أحمد ومتحاولش تتواصل معايا تاني وإلا صدقني هقول لزين وهو هيتصرف معاك بطريقته. تجاهل تهديدها وانفعالها وهتف بوقاحة: _لا بس مكنش حلو عليكي النقاب على فكرة.. كان عندي نظر برضوا لما رفضت اخليكي تلبسيه.
_إنت قذر وحيوان أساسا. جاتك القرف.. آخر تحذير ليك يا أحمد متتصلش بيا تاني. سمعته يهدر بنبرة مرتفعة واستياء: _إنتي هتمثلي عليا. أنا عارف إنك لسا بتحبيني وأنا أهو لسا بقولك في فرصة نرجع لبعض.. اطلقي وارجعيلي ياملاذ بلاش تتعبي نفسك. كانت ستجيب عليه ولكن أحست باليد التي قبضت على الهاتف من الخلف وجذبته من يدها بقوة. فاستدارت مذعورة فورًا وتسمرت بأرضها حين رأته يقف أمامها وبيده الهاتف!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!