وقف مندهشًا يحدق بذلك الغريب الذي يحتضن زوجته بين ذراعيه ويحاول إفاقتها وهي لم تكن ترتدي نقابها، فغلت دماء الغضب في عروقه وكاد أن يتحول لوحش كاسر، ولكن وضعها وهي فاقدة للوعي كان أهم الآن ليقلق حياله، فهرول راكضًا إليها وجذبها من بين ذراعيه يهز وجهها بلطف هاتفًا: _ملاذ
حملها واتجه بها إلى داخل المنزل لكي يخفيها عن أعين ذلك الغريب الذي لا يعرفه. شهقت الأم بزعر عندما رأت ابنتها وهي متغيبة عن الواقع وبين ذراعين زوجها، ودلته فورًا على غرفتها ليضعها بها، فاسرع ودخل وهي كانت خلفه مباشرة. وضعها على الفراش بحذر وعاد يهز رأسها من جديد يهتف بصوت قوي بعض الشيء: _ملاذ.. ملاذ ردي عليا إنتي سمعاني؟
التفتت أمها من الجهة الأخرى وأخذت تحاول إفاقتها أيضًا، بينما هو فامسك بكوب الماء الذي وجده بجانب الفراش ونثره على وجهها برفق، ثم مد إبهامه وسبابته إلى عصبة أنفها العلوية وجعل يفركها بلطف لكي تفيق. وبالفعل بعد لحظات قصيرة فتحت عيناها تدريجيًا. سمعت صوت والدتها أولًا وهي تقول بفزع: _إنتي كويسة ياحبيبتي؟ اعتدلت قليلًا في نومتها وهمست بصوت ضعيف: _كويسة ياماما الحمدلله. تمتم أبوها بقلق واهتمام:
_قومي يابنتي نوديكي لدكتور يلا. _لا يابابا مش مستاهلة أنا كويسة والله متقلقوش. كان زين في وسط كل هذا هادئًا بشكل مريب وكأنه ينتظر اللحظة لكي يفرغ كل جموحه. سمعته يهمس بترقب ونظرات أربكتها: _هو إيه اللي حصل معاكي؟ تجاهلت نظرته المريبة وقالت ببساطة: _أنا كنت طالعة استناك برا ودوخت مرة واحدة معرفش ليه! هبت الأم واقفة وقالت: _أنا هروح أعملك عصير تشربيه عشان تقدري حتى تقفي على رجلك.
ولم تنتظر ردها بالرفض أو الموافقة حيث اندفعت إلى الخارج وكذلك أبوها. فوجدها تهم بالقيام وهي تهتف: _هقوم أقعد مع طنط أحلام برا وأسلم على أيمن. كان يحارب بكل ما لديه من هدوء لكي يبقى ساكنًا ولا ينفجر بها. ونتيجة لكبحه لغضبه ظهرت في عيناه نظرات مرعبة وخرج صوته صلبًا وغريبًا: _متتحركيش من مكانك فاهمة ولا لا.. أنا رايح أقعد شوية مع عمي فراج وبعدين هنمشي ويارب ياملاذ رجلك تعتب برا عتبة الأوضة.
انكمشت في نفسها بارتياد من ملامحه وطريقته المخيفة، وتتساءل بداخلها مالذي أغضبه فقد كان طبيعيًا في الهاتف عندما حدثته. وقف وقال قبل أن ينصرف: _ولما نوصل بيتنا هنتكلم عن خروجك برا من غير نقاب. لم يخرج صوتها وبقت ساكنة حتى انصرافه. فاستعادت اللحظات الأخيرة قبل فقدانها الوعي وتذكرت بأنها رأت أيمن يترجل من سيارته ولا تتذكر شيء بعد ذلك!
ضربت على رأسها لاعنة سذاجتها وتوقعت تمامًا الذي حدث ولماذا هو يستشيط سخطًا بهذا الشكل. ولكنها لم تكن تقصد شيء عندما خرجت بدون نقابها. كانت تنتظره هو واعتقدت بأنه سيصل أولًا!! *** انتهى عرض الأوبرا وكانوا في طريقهم للمنزل باعتقادها، ولكنها وجدت السيارة تقف أمام مكان مرتفع وشبه مظلم وفي الأسفل الماء. فنظرت له باستغراب وقالت: _إنت جايبنا هنا ليه؟ حسن بخفوت: _لو ناسية احنا متفقين إننا هنتكلم. _وهنتكلم هنا يعني؟
هز رأسه بالإيجاب ثم فتح الباب ونزل. ففعلت هي كذلك. رأته يتحرك باتجاه الهضبة المرتفعة ويجلس على الأرض. فتحركت نحوه ووقفت خلفه هاتفة بمضض: _إنت ملقيتش مكان غير ده نتكلم فيه يعني! _أنا حابب يكون مكان هادي وبعيد عن الناس.. اقعدي يلا.
قال جملته الأخيرة وهو يشير بيده على الأرض بجواره. فتأففت بنفاذ صبر وجلست بجواره تعلق نظرها على الماء أمامها والنسيم البارد يلفح صفحة وجهها. ظلوا صامتين لدقائق هي تنتظر منه أن يتحدث وهو لا يعرف بماذا يبدأ. فتخترق هي فقاعة الصمت القاتلة وتهمس بثبات دون النظر إليه: _غيرت رأيك ليه بخصوص الطفل بعد ماكنت مش عايزه؟ وعايزة الحقيقة ياحسن طالما إنت عايز نتكلم يبقى هنتكلم بصراحة وعلى المكشوف. غمغم دون تردد وبصدق:
_الحقيقة إني خوفت عليكي.. قلبي مطاوعنيش أخليكي تدخلي عملية خطيرة زي دي. وللحظة حسيت إني حبيت الطفل ده وإني مستنيه. في الآخر ده ابني.. تصرفي واللي عملته معاكي ملوش مبرر غير إنه غباء مني. بس للأسف ندمت بعد فوات الأوان. ابتسمت بمرارة وهدرت تجيبه بقوة:
_مكنش غباء.. كان كره إنت مكنتش متخيل أن هيجي طفل ويربطك بيا وإنت أساسًا بتحاول تتخلص مني وعايز تطلقني. مكنتش عايز يكون في أي رابط بينا يخلينا مع بعض حتى لو انفصلنا. هي دي الحقيقة ياحسن مش كدا ولا لا ومتكذبش وتقول غلط! لا يستطيع إنكار ما قالته بالفعل هذا هو أول شيء فكر به عندما أخبرته بخبر حملها. ولكنه حينها لم يكن يدرك قيمتها كان أحمق ومتهور. لم يعترف لنفسه ويفهم أنه يحبها بشدة والآن هو نادم أشد الندم! حسن
بخزي من نفسه يؤكد كلامها: _صح! اتسعت ابتسامتها الحزينة أكثر وقالت ساخرة: _يبقى متقولش إنه غباء.. قول إني كنت بكرهك ومش عايزك. مسح على وجهه متأففًا بيأس وبدأ الحديث بهدوء تام يسرد لها كل شيء من بدايته:
_أنا عمري ماكرهتك يمكن كنت مش طايقك ومش عايزك فعلًا بس محسيتش تجاهك بكره أبدًا. أنا كنت شايف إننا مش مناسبين لبعض وإني مش هقدر أكمل حياتي معاكي. استخففت بحبك ليا ومشاعرك تجاهي ومأدركتش قيمة الحب ده إلا بعد ماخسرته. ندمان جدًا ونفسي الزمن يرجع بيا عشان أمنعك ماتنزلي الطفل. أحيانًا بحس إنه الطفل ده ربنا بعته فرصة ليا ولينا عشان يقربنا من بعض وأنا بدل ما استغلها ضيعتها بغبائي. وبفكر دلوقتي وبقول ياترى الفرصة دي هتجيني تاني ولا لا.
استمعت إلى حديثه عن طفلهم وتخيلت ردة فعله إذا عرف بأنها أخفت عنه الحقيقة ومازالت محتفظة بطفلهم. كيف ستكون ياترى؟ استرسل حديثه ينظر لها بأسف وأسى:
_لما طلبتي الطلاق رغم كل حاجة مكنتش قادر أطلقك. ولما روحت البيت عند عمي عشان أتكلم معاكي. وسمعت كلامك وطريقتك كرهت نفسي ونطقتها من غير وعي. حسيت إني مش هقدر أغصبك على حاجة إنتي مش عايزاها أكتر من كدا وكفاية اللي عملته معاكي. بس بعد كدا عشت في عذاب بعيد عنك. كنت بروح البيت وبحسه ناقص وجودك يا يسر وبشوفه زي البيوت المهجورة. ورغم كل ده كنت لسا بعاند لغاية ما جه راسل. كل اللي أقدر أقوله إني خوفت ياخدك مني ومكنتش هستحمل أشوفك مع راجل غيري. ورديتك لعصمتي لما جيتلك المستشفى في اليوم اللي ميار حاولت تنتحر فيه. في اللحظة اللي حضنتك فيها بعدها علطول رديتك.
دهشتها بكلماته الأخيرة وهتفت بذهول: _وليه مقولتش طول الفترة دي إنك رديتني؟ _كنت متوقع ردة فعلك إنها هتكون صعبة ومش هتقبلي. ففكرت إني أحاول أصلح ولو جزء بسيط من علاقتنا الأول وبعدين أقولك بس بعدها إنتي سافرتي وأنا سافرت وراكي كمان فكان لازم تعرفي وأقولك. غامت عيناها بالدموع الحارقة وهي تستمع لحديثه. كم كانت تود سماع كلمة واحدة يشعرها من خلالها أنه يريدها ويحاول من أجلهم ولكنه سمم سمعها دومًا بكلمات قاسية.
والآن بعد أن تدمر الخيط الرفيع الذي كان يربطهم وكانت هي المتمسكة به وتحافظ عليه. يترجاها والندم يقتله ويروي لها عن رغبته بها وأنه لا يريد ابتعادها عنه ولن يسمح بأن يأخذها رجل غيره! استقامت واقفة وقالت بصوت مبحوح وموجوع: _ياريتك قولت كلامك ده قبل ما تدمر كل حاجة بينا. أنا كنت بتمنى أسمع الكلام ده منك بس يفيد بإيه دلوقتي معدش له لزمة.
التفتت وسارت عائدة إلى السيارة ليثب هو واقفًا ويلحق بها ركضًا. فيجذبها من ذراعها بلطف ويرغمها على الوقوف هامسًا بتوسل وهو يقسم ويقطع الوعود الصادقة لها: _أوعدك إني هصلح كل اللي دمرته. بقسم بالله أن مفيش حاجة من اللي حصلت هتتكرر تاني وهتشوفي شخص مختلف. أنا من إيدك دي لإيدك دي وكل اللي هتطلبيه أنا مستعد أنفذه بدون تفكير. ومش هطلب منك تسامحيني بس كل اللي عايزه إنك تتراجعي عن الطلاق وتديني فرصة أخيرة واوعدك مش هتندمي.
حدقته بصمت لبرهة. تفكر بإمعان فقلبها مازال يلح عليها بأن توافق وتعطيه الفرصة الأخيرة. يترجاها بأن لا تتجاهل شوقها له ورغبتها به. وهناك جانب آخر منها يخشي أن يكسرها للمرة الثانية فبقت بين شقي الاختيار. تخشي أن تختاره فتندم وأيضًا تخشي أن ترفض فتخسر فرصتها الأخيرة في أن تعيش معه الحياة التي دومًا تمنتها! سحبت ذراعها من قبضته ببطء وهمت بالاستدارة لولا صوته وهو يسألها بترقب: _هااا موافقة ولا لا؟ _هفكر.
قالتها بحزم وأكملت سيرها نحو السيارة لتستقل بالمقعد الخلفي فيلحق هو بها ويبتسم باتساع بعدما قوى الأمل بداخله أنها وأخيرًا بدأت تلين قليلًا!! ........... *** ترجلا من السيارة وحملت هي بعض الأكياس والبعض الآخر حمله هو. وساروا باتجاه المنزل فقالت هي ضاحكة بمشاكسة تقلده: _قولتلك مش هروح ياميار!! وفي الآخر روحت برضوا غصب عنك. طالعها مستنكرًا بخنق ليجيبها مغتاظًا:
_أنا وافقت بس عشان أنا اللي قايل مفيش خروج لوحدك ورفيف مش هتروح معاكي وكمان يسر مش موجودة. قهقهت بخفة وأجابت ساخرة بعدم تصديق: _أيوة أيوة فعلًا مصدقك.. خلاص بقى ياعلاء إنت مش طايقني عشان أجبرتك تروح معايا. عرفنا إني بهدلتك في اللف بس أهو مرة من نفسي ياجدع. مالت شفتيه للجانب قليلًا وتصنع عدم الاكتراث لها ثم أنزل الأكياس على الأرض وأخرج المفاتيح ليهيم بوضعها في القفل ولكن أمه سبقته وفتحت الباب بعنف.
تحدقهم بأعين مشتعلة من الغيظ، وبالأخص لميار التي رأت في عيني زوجة عمها نظرات نارية كلها نقم، ففهمت سببها دون داعٍ لشرح. رمقتها ميار بنظرة قوية، ثم انحنت على الأرض وحملت جميع الأكياس لتقول بثبات موجهة حديثها لعلاء: _أنا طالعة فوق. عبرت من جانبها، وقبل أن تخطو خطوة أخرى، قبضت الأم على ذراعها تقول بصوت يحمل الشر: _استني، أنا عايزاكي إنتي.
نقلت ميار نظرها بين علاء الذي يتابعهم باستغراب، وبين الممسكة بذراعها وتحدقها بأعينها الحاقدة. ثم سحبت ذراعها بهدوء وهي تقول ببرود بعدما فهمت ما ستقوله جيدًا: _معلش أنا تعبانة يامرات عمي، هريح شوية وابقى انزلك. عادت تجذبها من ذراعها مجددًا وتقول بسخط صائحة: _وأنا قولت دلوقتي ياميار.. لأني لازم أفكرك بحجمك، شكلك كدا نسيتي نفسك. تدخل علاء وأبعد أمه عنها الهاتفًا بغلظة صوته الرجولي: _في إيه ياماما؟
_هتكلم معاها شوية ياعلاء، وهي عارفة كويس أنا هتكلم في إيه. رمق ميار الواقفة بثقة تامة وعدم مبالاة، ولا تنظر لهم حتى، ليهدر بلهجة آمر وخشنة: _اطلعي فوق. لم تتفوه ببنت شفة وامتثلت للأوامر بدون أي اعتراض، حيث استدارت وصعدت الدرج متجهة لغرفتهم بالأعلى، ولكنها عند آخر درجات الدرج في الأعلى تخفت ووقفت تستمع لما ستقوله أمه. صاحت الأم بعصبية: _لتكون غيرت رأيك خلاص ومش هتطلقها؟ عضن حاجبيه متعجبًا وغمغم بطبيعية:
_وإيه مناسبة الكلام ده دلوقتي؟ _عشان شايفة حضرتك اخدت عليها ونسيت اللي عملته ورايح تشتري معاها هدومها وجايين بتضحكوا وتهزروا. علاء بتوضيح وهو لا يزال هادئًا: _ماما أنا طلعت معاها لإني مبثقش أخليها تخرج وحدها، فاضطريت اطلع معاها. صرخت أمه بانفعال هادر:
_دي حرباية وبتتلون بمية لون وهتلف عليك زي الحية وتخدعك وتخليك تحبها وأنا عارفة ده كويس، وعشان كدا أنا بقولك من دلوقتي ياعلاء مش هسمح أبدًا إنك تكمل مع واحدة زيها بقية حياتك.. أنا مربتش ابني وتعبت فيه عشان تاجي في الآخر وتاخده بنت الله اعلم عملت إيه بالظبط ومع مين. امسك بكفها وطبع قبلة على ظهره هامسًا بدفء:
_اهدي ياست الكل.. تغيري مع ميار ليه أسبابه بس مش اللي في دماغك وإني حبيتها والكلام الفارغ ده. ومتقلقيش أنا أكيد مش هكمل معاها وقريب أوي هبدأ في إجراءات الطلاق.
لجمت الدهشة ميار بعد أنا استمعت لآخر جملة، فقد ظنت أنه بدأ ينجذب لها كما انجذبت هي أيضًا له، ونمت مشاعر الحب بداخلها تجاهه، ولكنه يتحدث الآن عن طلاق قريب وما إلى شابه، وحتى أنه لم يحاول الدفاع عنها أمام أمه عندما أشارت بكلماتها على أنها فتاة ساقطة وقامت بعلاقات مختلفة مع الرجال. فرت دمعتين حارقتين من عينيها، فجففتهما وقالت بأعين شيطانية ومتوعدة:
_أنا استحملت اهانات الكل ليا واتهامهم ليا بذنب معملتهوش، بس خلاص كفاية طالما هي بقت بالشكل ده.. يبقى مش هسمح لحد يدوس عليا أكتر من كدا. ومن هنا ورايح هتشوفوا ميار الحرباية بجد بقي. *** داخل منزل زين العمايري... دخلت هي الغرفة أولًا وهمت بغلق الباب لكي تبدل ملابسها، ولكنه أعاق غلقه ودخل يهتف بصرامة مريبة: _أظن أنا قولت لما نرجع البيت هنتكلم. ملاذ بحيرة من عصبيته الغريبة:
_زين أنا أكيد مكنتش قاصدة اطلع من غير نقابي يعني.. ليه العصبية دي كلها؟ صاح بصوت جهوري نفضها بأرضها: _سببها إني جيت لقيت مراتي في حضن راجل معرفهوش وبيتأمل فيها وهي مغمى عليها، وسيادتها طالعة تستنيني برا من غير نقاب. تمتمت محاولة تهدئته برفق: _أيمن مش كدا، إنت أكيد تهيأ ليك. أنا وهو متربيين مع بعض وهو مش بيشوفني غير أخت ليه. أخطأت في التوضيح والشرح، وبدل من أن تهدأ من ثورته، هيجتها أكثر، فوجدته
يصرخ بوجه تراه للوهلة به:
_مفيش حاجة اسمها أخوات ياهانم.. ده راجل أجنبي عنك وسواء كنتي متجوزة أو لا يبقى تحطي حدودك معاه. إنتي عارفة إني معنديش تهاون في المواضيع دي وقولتلك قبل كدا أنا راجل دمي حامي. يوم الخطوبة كان موجود وفضلتِ تضحكي وتهزري معاه وعديتها عشان مكنتش أقدر أقولك تعملي إيه ومتعمليش إيه مع إني اتعصبت جدًا وقتها. والنهردا رغم إنك عارفة إنه جاي في الطريق زي ما عرفت عندكم طلعتي من غير نقاب برضوا.. ونبهت عليكي متخرجيش من الأوضة برضوا خرجتي عشان تسلمي عليه هو ومامته قبل ما يمشوا وكأن كلامي ملوش أي ستين لزمة.
انفعلت هي الأخرى وهتفت بنبرة شبه مرتفعة: _كنت فاكرة إنك هتوصل قبله وطلعت عشان كدا، ولولا إني اغمي عليا كنت هدخل علطول طبعًا. ونيتي مش إني أكسر كلمتك بس أنا خلصت لبس وجهزت وطلعت على أساس إننا هنمشي ومينفعش أسلمش عليهم، وكل اللي قولته إني قولتله مع السلامة من غير سلام ولا أي حاجة. أنا مش فاهمة دي غيرة ولا إيه بالظبط. بعدين بدل ما تسألني وتطمن عليا بعد اللي حصلي بتزعقلي وحتى مهنش عليك تقولي لو تعبانة أوديكي للدكتور.
اقترب منها بأعين ثاقبة كالصقر وحمراء كالدم من فرط سخطه، ليخرج صوته مخيفًا ومنذرًا: _صوتك ميعلاش على جوزك يامدام يامحترمة وخصوصًا لما تكوني غلطانة. ثبتت نظرها في عينيه بقوة وقالت بعناد: _أنا مش غلطانة يازين! كور قبضة يده وضغط عليه بعنف يجاهد في تمالك انفعالاته ليهتف ببعض الدهشة من عنادها وعدم اعترافها بخطأها: _مش غلطانة!!! .. يعني عايزة تقولي إن أنا اللي غلطان؟ _أنا مقولتش كدا بس شايفة إنك مزودها أوي الصراحة.
ابتسم ساخرًا وقد أحس بأنه سيفقد زمام نفسه، فصاح محذرًا إياها بلهجة لا تحمل المزح ولا التهاون ونبرة رجولية مرعبة: _تمام.. من هنا ورايح الكلمة اللي هقولها تتسمع بالحرف ياملاذ، وأنا بحذرك أهو لأول مرة متختبريش صبري كتير وإلا صدقيني عندي استعداد أخليكي تشوفي زين اللي كنتي متوقعة تشوفيه يوم الفرح. ثم تركها وانصرف، فبقيت هي في صدمتها من الذي تفوه به. "هل كان يتحدث بجدية أم هذا من تأثير الغضب الذي جعله يتكلم بدون وعي؟
وماذا يقصد بآخر جملة؟ " في لحظة ذهول أحست بأنها ترى خطيبها السابق وليس زوجها وحبيبها!!! *** مع إشراقة شمس يوم جديد داخل منزل كرم العمايري... ضوء بسيط من أشعة الشمس متسلل من خلال الشرفة وهو يعلق نظره عليه، يده تعبث بشعرها في رقة وعقله مشغول بالتفكير. سبحان القدر الذي أخذ منه قطعة من قلبه فجأة ووضع مكانها قطعة أخرى ليعوض الفراغ الذي خلفته تلك القطعة. لا يزال حتى الآن كلما يتذكر أروى لا يصدق أنها لم تعد موجودة بعالمنا!
اعتقد بأن قلبه لن تتربع على عرشه امرأة سواه ولن يأتي بعدها، ولكن القطعة التي أرسلها الله له فريدة في كل شيء، دخلت في الفراغ وأملته، عوضته عن الحزن والعذاب الذي ذاقه منذ رحيل زوجته. كانت تمامًا كربيع يمحو صقيع الشتاء عن قلبه ويعيد البهجة والسعادة عليه. نجحت في أن تحتل مقصورة قلبه ليعترف وبكل صراحة أنه عشقها.
ليلة أمس أصبحت زوجته فعليًا وليس بمجرد القول. يستطيع أن يصفها بأنها أجمل ليلة في حياته على الإطلاق. كيف كانت ناعمة ورقيقة وهي بين ذراعيه. لا شيء على الإطلاق يضاهي ابتسامة بريئة منها مع همسة رومانسية في أذنه تقر فيها بحقيقة عشقها النقي له!
انحنى إليها وطبع قبلة دافئة على ذقنها ثم وجنتها ومن ثم أنفها وأخيرًا جبهتها. يقصد بأن يجعل قبلته قوية قليلاً لكي يوقظها، وبالفعل فتحت عينيها ببطء فرأت ابتسامته الساحرية التي تعشقها ونظرات غرامية. لتصعد الحمرة لوجنتيها واعتدلت بعض الشيء في نومتها هامسة باستحياء: _صباح الخير. عاد يخطف قبلته الثانية من وجنتها متمتمًا بهيام وغزل: _صباح العسل ياجميل. اعتدلت جالسة في الفراش وارجعت خصلات شعرها خلف أذنها مغمغمة بخجل:
_هي الساعة كام؟ مد ذراعه وجذبها إليه يهمس بمكر: _وإنتي عايزة تعرفي الساعة ليه؟ حاولت الهرب من محاصرته لها بذراعيه وتمتمت باضطراب: _أنا هقوم أحضر الفطار. _ومين قالك إني جعان! مازالت خجلة منه وستحتاج بعض الوقت لتعتاد على الوضع المختلف. لكنه لا يفهم ذلك وهي تريد الفرار منه بأي شكل، فلمعت في ذهنها فكرة وأطلقت صرخة بسيطة تقول بتألم وهي تبعد يده الملتفة حول خصرها: _براحة ياكرم!
أبعد ذراعيه عنها وهو يرفع حاجبه مستنكرًا توجعها المزيف. استغلت هي الفرصة ووثبت من الفراش وقبل أن تفر راكضة منه قبض على رسغها وجذبها فارتدت على الفراش للخلف ووجدته يهتف بحدة مزيفة يضمر خلفها مزاحه وابتسامته: _ماتهدي يابت واثبتي.. تعبتيني معاكي. انطلقت منها ضحكة أنوثية متأججة على طريقته الغريبة ومدت كفها تضعه على وجنته قائلة بضحك ومشاكسة رقيقة: _لا مليش حق معقول أعصب الكوكو بتاعي.
بضحكة وقطعة لطافة على كلمتين منها تحول فورًا واتمحت معالم الحدة لتخرج ابتسامته وهو يجيبها بخبث: _اهاا فعلًا أنا متعصب جدًا ولو مسمعتيش الكلام هتعصب أكتر. استمرت في ضحكها وقالت بعفوية: _وهو أنا اعترضت على حاجة أساسًا. هب واقفًا واتجه إلى باب الغرفة ثم أغلقه بالمفتاح ووضعه في جيب بنطاله وعاد يجذب هواتفهم ويغلقها تمامًا. ففغرت فمها وقالت بدهشة امتزجت ببعض الحياء وهي تضحك:
_لا كرم بلاش الحركات دي.. إنت حتى الفون بتاعك قفلته!! انحني إليها وهو واقف ليهمس أمام عينيها مباشرة بنظرات تلمع بوميض العشق: _ومفيش فون هيتفتح لمدة يومين. أنا مش عايز أي مصدر إزعاج وحابب أستجم مع أميرتي ونقضي وقت لطيف لوحدينا بعيد عن الناس. ممكن؟
أومأت له عدة مرات في عينين لامعتين بدموع السعادة وابتسامة عاشقة، فيثب هو فوق الفراش ويتمدد على ظهره ليحدق في السقف بسكون حتى تمددت بجواره ومدت يدها تعبث بخصلات شعره وتمرر أناملها بين خصلاته. تحدث هو بهدوء ونبرة خائفة: _إنتي كنتي بتقوليلي إنك خايفة أسيبك زي سيف ومامتك بس في الواقع إن أنا اللي خايف أخسرك. متبعديش عني ياشفق وضعت خجلها جانبًا وتصرفت كما تقودها مشاعرها المتيمة به حيث انحنت إلى جبهته
وقبلته هامسة بنعومة وحنو: _أنا دايمًا جمبك ياحبيبي ومستحيل ابعد عنك التقط كفها وقبّل باطنه بكامل اللطف والحب ثم رمقها بنظرات تتحدث عن الذي يخفيه في ثنايا قلبه. ابتسم ببساطة وسرعان ما اعتدل وأصبح نصف ممدد على الفراش يهل عليها بجسده وهي النائمة على ظهرها. قرب وجهه وداعبها بأنفه يهمس بحب ومداعبة: _عايز بنتين وولدين ويكونوا شبهك هتفت ضاحكة برقة واستغراب: _كلهم!!! هز رأسه بالإيجاب فأجابت هي بنفي ومرح:
_لا أنا عايزاهم يكونوا في حنيتك وجمالك وطيبتك عشان أنا مش مكفياني نسخة واحدة من الكوكو الصراحة قهقه بصوت مرتفع وهتف باسمها بلؤم: _طيب يلا بينا عشان ندخل على المستوي التاني ونجيب النسخ المصغرة دي لحظات رومانسية وغرامية يسرقونها من الوقت ولن تكون الأخيرة مطلقًا! *** تحركت ريماس باتجاه أخيها حتى توقفت أمامه وقالت بشجاعة: _أنا سمعتك إنت وبابا بتتكلموا على حاجة هتعملوها في كرم جاسر بخشونة:
_حاجة متخصكيش ياريماس ومتدخليش في اللي ملكيش فيه صاحت به غاضبة: _لا تخصني.. أنا مش فاهمة إيه اللي بتعملوه ده إنت وبابا ما تسيبوها في حالها كفاية ابتسم جاسر ساخرًا وأجابها بعدم مبالاة ونظرات كلها شر: _إيه الحب اللي ظهر عليكي فجأة كدا!! ثم إننا مش هنأذيها بالعكس أنا عايز شفق ومش قادر استنى اللحظة اللي تكون فيها معايا يعني اطمني عليها.. احنا بس هنقرص ودن ابن العمايري اللي فارد ريشه علينا وبيتحدانا
لن يفهموا ولن يقتنعوا حتى أنهم لن يتراجعوا عن أفعالهم الشنيعة. وقررت أن تأخذ الأمر لصالحها حيث أظهرت رضاها عن الذي سيفعلونه وقالت بفضول حقيقي: _تمام ياجاسر براحتكم.. ممكن بقى أعرف هتعملوا إيه معاه سار مبتعدًا عنها وهو يقول غير مكترث وبغلظة صوته الرجولي: _لا مش ممكن وخليكي برا المواضيع دي ياريماس أحسلك تأففت بخنق وضربت الأرض بكعب حذائها في غيظ وهناك صوت يلح عليها في نفسها يقول بلا توقف "لا تسكتي عن هذه المهزلة!! ***
ساعات من التفكير.. أعطيه فرصة أخيرة.. أم لا؟ وماذا سيحدث إذا أعطيته؟ فأنا لم أعد تلك الساذجة التي تنجر خلف قلبها كالحمقاء. يريد فرصة ولديه الاستعداد لفعل أي شيء حتى أرضى عنه. لماذا لا أستغل الموقف وأتلذذ به على راحتي؟ وإذا كان هو يريدني فليثبت لي هذا!
حديث طويل تخوضه مع نفسها منذ الأمس على هذا النحو تفكر وتفكر ماذا ستفعل معه. وبما إنها قررت مسامحته أخيرًا يجب أن لا تجعله يحصل عليها بسهولة. سيجعلها تصدق أنه حقًا يستحق ذلك الطفل الذي تحمله في أحشائها! كانت بالمطبخ تقوم بتحضير الإفطار لها فسمعت صوت رنين الباب. تنهدت بقوة وغسلت يديها ثم اتجهت نحوه وهي تعرف جيدًا أنه هو. أمسكت بالمقبض وفتحت لتجده يحمل بيده أكياس بها طعام وخضار وهتف هو بنبرة عادية:
_اشتريت لكِ شوية طلبات عشان متحتاجيش حاجة وتنزلي تجيبيها لوت فمها بامتعاض مصطنع ثم أفسحت له الطريق حتى يدخل ويضعهم في المطبخ وبمجرد ما أن دخل وهي استدارت لتغلق الباب ابتسمت ولكن أخفت ابتسامتها فورًا ولحقت به إلى المطبخ ثم همست بنبرة عادية دون أي تعبيرات وجه: _شكرًا مالت شفتيه لليسار بحب وقال: _أنا هروح أغسل إيدي في الحمام
أومأت بالإيجاب وذهب هو إلى الحمام. غرفة نومها أمام الحمام وهي قامت بشراء بعض الملابس لطفلها وتركتهم على الفراش بالتأكيد سيرى. فغرت عيناها وفمها بصدمة وهرولت راكضة خلفه هاتفة: _حسن توقف على أثر صوتها واقتربت تقف أمامه مباشرة لتخفي الغرفة عن أنظاره مغمغمة بتلعثم: _إنت ليه جبت الطلبات دي؟ تعجب سؤالها الذي هو أخبرها عن إجابته عند الباب فقال بحيرة:
_ما أنا قولتلك يايسر عشان متبقييش محتاجة حاجة ويبقى عندك في البيت فمتنزليش تشتري بنفسك _آهااا طيب ظلت متصلبة أمامه تتابعه حتى رأته دخل الحمام وتأكدت بأنه لم يرى شيئًا. فأسرعت للغرفة ولملمت الملابس وألقت بهم بعشوائية في الخزانة ثم خرجت وأغلقت الباب خلفها وهي تتنفس الصعداء بارتياح. خرج من الحمام بعد أن جفف يديه في المنشفة وذهب لها مجددًا بالمطبخ ليقف بجوارها ويقول مبتسمًا بترقب: _فكرتي في كلامنا امبارح ولا لسه؟
يسر بصوت قوي دون أن تنظر له وهي منشغلة بتقطيع الطماطم: _موافقة تهللت أساريره واختفى انقباض عينه ليحل محله البهجة والفرحة. هدر بمشاكسة: _كنت متأكد إنك لسا بتحبيني ومش هتقدري تعاندي كتير رفعت السكين في وجهه وهي ملطخة بالطماطم وهتفت بضجر وحدة: _أنا مقولتش إني مسمحاك أنا قولت موافقة أتراجع عن الطلاق ومؤقتًا يعني حط مية خط تحت مؤقتًا دي عشان الحماسة متخدكش معايا وتنسي نفسك كتم ضحكته وأجابها بخضوع
تام لها ونبرة مرحة ومغرمة: _وماله أهو أحسن من بلاش يامزتي. نزلي بس السكينة دي عشان الشيطان شاطر حركت حواجبها بصرامة ووسعت مقلتيها وهي تقول بلهجة آمرة: _اطلع برا ياحسن تجاهل جملتها الآمرة وقال يكمل مرحه: _طيب ومش ناوية تحني وتخليني أقعد معاكي في الشقة هنا!! عادت ترفع السكين مجددًا وهذه المرة قربتها من وجهها كثيرًا حيث قالت بتحذير وغيظ: _قولت اطلع برا وامشي يلا _ماشي طالع خلاص
قالها متأففًا باختناق واستدار ليبتعد ويغادر المنزل بأكمله فتضحك هي وتقول بمكر ووعيد له: _بعينك! ده إنت اللي شوفته كوم واللي هعمله فيك دلوقتي كوم تاني *** داخل منزل طاهر العمايري. كانت ميار تقف بالمطبخ وتقوم بتحضير كوب قهوة صباحي لها وبينما هي منشغلة في تحضيره وجدت زوجة عمها تقبض على ذراعها وتجذبها إليها هاتفة بنبرة صوت منخفضة حتى لا تصل لأذن ابنها وزوجها بالخارج مع نظرات منذرة كلها نقم:
_بقولك إيه ياميار عدي أيامك معانا على خير ومتحاوليش تتقربي من ابني لإني مش هسمحلك تخدعيه بكذبك _بس أنا مكذبتش في حاجة إنتوا ظلمتوني كلكم ومش عايزين تصدقوا الحقيقة ضغطت على لحمها بعنف وهي تصر على أسنانها مغتاظة وتهتف بإهانة واضحة لها: _إنهو حقيقة.. إن الصور كذب ولا إنك لسا بنت ومحدش لمسك؟ أنا مستحيل أخليكي تدمرى حياة ابني سامعة ولا لا
استشاطت ميار سخطًا ولم تكن تود أن تنشب مشاجرة بينهم الآن أو تفعل حركة ماكرة ولكن بما قالته أثارت بركانها الخامد. وهتفت بصوت مرتفع عمدًا لكي يسمعوا ويأتوا: _ومين قالك إني عايزاه ابنك ده أصلًا. اشبعي بيه بعيد عني صاحت الأخرى بعصبية بعدما سمعت نبرتها العالية: _لا وكمان ليكي عين وبتعلي صوتك عليا.. إنتي فعلاً متربتيش وعايزة تتربي من أول وجديد
ابتسمت ميار في داخلها من انفعالها وقد أحست بأن خطتها تسير كما يجب حيث استكملت في مهمة استفزازها أكثر وقالت بلؤم دفين: _لا أنا متربية كويس أوي والدليل إني ساكتة على اللي بتعمليه معايا ومقولتش حاجة لا لعمي ولا لعلاء اشتعلت كجمرة نيران متوهجة وفقدت السيطرة على نفسها فرفعت يدها في الهواء بينما ميار فتفادت بوجهها للجانب الآخر مغمضة عيناها وبداخلها تدعي أن لا تفشل خطتها وبالفعل سمعت صوت علاء وهو يقول بحدة:
_ماما بتعملي إيه؟!! فتحت عيناها وهي تخفي ابتسامة شيطانية ودت لو أطلقتها على ثغرها. رمقت زوجة عمها بخبث ونظرة نارية دون أن يلاحظ علاء. لتشتعل الأخرى أكثر في غضبها وتصيح بابنها الذي يمسك بكفها الذي كادت أن تهوي به على وجنتها: _دي عايزة تربية. لو شفتها بتكلمني وبتتكلم إزاي ياعلاء! ترك كف أمه وزغر ميار بنظرة مخيفة ليراها مجفلة نظرها أرضًا بإنكار. بدا له حقيقي ولكنه في الواقع مزيف. هدأت ثورته بعدما رأى
وضعها وقال بنبرة حازمة: _اطلعي فوق ياميار لم تتفوه ببنت شفة واتبعت الأوامر بدون نقاش حيث سارت للخارج وهي تبتسم بمكر وسمعته يلوم أمه ببعض الانزعاج: _مهما كان اللي عملته مينفعش اللي عملتيه ياماما برضوا. بالله عليكي أنا مش ناقص. لو عايزة تريحني بجد بلاش تعاندي إنتي وهي مع بعض أبوس إيدك وبلاش مشاكل لم تتحدث أمه وبقت تطالعه بذهول أنه بدل من أن يلوم زوجته ويغضب عليها. يلقي اللوم عليها هي ويراها مخطئة في فعلتها.
ابتعد علاء عنها وغادر المطبخ بأكمله تاركًا إياها تترنح من فرط غيظها ونقمها على تلك الحرباء!! *** تابعته وهو يستعد للخروج ويقف أمام المرآة يهندم ملابسه ويسرح شعره بالفرشاة الرجالية. لا يهتم لها وكأنها غير موجودة. يعاقبها كالعادة بعقاب قاسٍ على خطأها. وأقسى عقاب بالنسبة لها هو تجاهلها. ولكنها لم تخطأ ولم تكن تقصد الخروج عمدًا بدون نقابها أو خروجها لتسلم عليه لم يكن عمدًا فقد ظنت أنهم ذهبوا ولا يوجد بالمنزل سواه!
هو ينظر لخطأها ولا يلتفت لطريقته الذي حدثها بها بالأمس وتهديده بأنه سيرها شخصًا سيئًا لم تراه من قبل!! لسانها يأكلها أكل لكي تتحدث فالصمت وهي مغتاظة ليس من صفاتها. وأن سكتت ستنفجر من غيظها. قالت بمرارة وخنق: _طبعًا أنا بس اللي بغلط لكن حضرتك مش بتغلط أبدًا التفت لها برأسه ورمقها بصمت وقوة ثم أعاد رأسه لوضعه الطبيعي وتجاهلها. استفزها أكثر واسترسلت حديثها باستياء ملحوظ هذه المرة:
_سيادتك تزعق وتبهدلني وأنا هسكت وكل ده بسبب غيرتك اللي ملهاش مبرر إنك تكلمني بالطريقة دي. ثم إن إيه قصدك بـ هتخليني أشوف زين اللي كنت متوقعة أشوفه يوم الفرح؟ مسح على وجهه متأففًا وسمعت تمتمته بكلمات غير مفهومة. توقعت أنه يستغفر ربه كالعادة. استدار بكامل جسده لها وقال بجموح يكتمه عنها: _طريقتي!! وهي طريقتك اللي كلمتيني بيها كانت صح؟!! استشاطت ووثبت واقفة من فراشها تقف بمواجهته وتقول بتحدي وضجر:
_أنا انفعلت بسبب عصبيتك عليا، ما أنت مشوفتش نفسك كنت بتزعق إزاي فيا. _ماهو لو مكنتيش نرفزتيني مكنش ده هيحصل. ضحكت ساخرة وقالت بسخط وملامح متقرفة: _لا والله!! إنت اللي كنت بتدور على حاجة عشان تتعصب عليها فمتقولش إن أنا اللي عصبتك. كاد أن ينفعل مجددًا فابتعد عنها لينصرف ولكنها اعترضت طريقه عاقدة ذراعيها في خصرها وتهدر بعناد طفولي: _متطلعش من البيت. رفع حاجبه الأيسر بصرامة وقال مستنكرًا ما قالته: _نعم!!! عادت تؤكد
عليه ما تفوهت به بشموخ: _زي ما سمعت، أنا عايزة أخرج النهاردة. انطلقت على ثغره ضحكة مغلوبة وأجابها بغطرسة: _وبعد اللي بتعمليه واللي حصل امبارح أنا المفروض أوافق مثلًا. قوست وجهها بملامح طفل سمج وقالت ببرود: _ده حاجة وده حاجة، متربطش الأمور ببعضها. كتم ضحكة متأججة كانت ستصدر على طريقتها وقال ببرود مماثل لها قبل أن يتركها وينصرف: _لا مش موافق. صرت على أسنانها باغتياظ وصاحت عليه ليسمعها من الخارج:
_ماشي يازين براحتك على الآخر. ارتدى حذائه وضحك بخفة ثم فتح الباب وغادر المنزل بأكمله تاركًا إياها توعد له. *** _أيوة تمام، حط دي هنا.. بس كدا كويس أوي. قالتها رفيف التي كانت تتحدث مع أحد العمال ويضعون اللمسات الأخيرة قبل الافتتاح الذي سيكون بعد أيام قليلة. وصل إسلام وحدقها من بعيد مبتسمًا ثم اقترب نحوها وقال بعذوبة: _ماشاء الله عليكي يابشمهندسة. التفتت بجسدها اتجاهه وهتفت باشراقة وجه جميلة:
_ياااه، لا بجد مش مصدقة إننا خلاص خلصنا وهنفتتحه بعد كام يوم. إسلام بابتسامة رائعة ونبرة ذات معنى: _خلاص بقى بقيتي فاهمة كل حاجة ماشاء الله ومش محتاجاني. هدرت بنفي ونبرة مؤدبة: _لا إزاي، ده لولاك والله مكنتش هعرف أعمل حاجة.. ساعدتني جدًا والشراكة طلعت مفيدة يعني. قهقه ببساطة ثم قال بأعين تنضح بالإعجاب: _طيب أنا جايب فطار معايا، وبمناسبة انتهاء التجهيزات عازمك على الفطار معايا. رفيف بحياء جميل ورفض محترم:
_شكرًا، بس حقيقي أنا مش جعانة دلوقتي. _مفيش اعتراض يارفيف، يلا. قالها بلهجة شبه آمرة لا تقبل الجدال، لتصدر هي زفيرًا حارًا بعدم حيلة وتنضم له شبه مجبرة بسبب إصراره.. فمنذ أن سمعت حديثه في الهاتف وهي تحاول تجنبه وتتوتر منه بشدة ولكنه يتعمد التحدث معها وكأنه يعرف بأنها سمعت وتخجل منه!! ويعقد قراره النهائي بأنه لن ينتظر أكثر من ذلك وسيتحدث مع زين في طلب يدها للزواج! ***
الساعة تخطت التاسعة مساءً وكانت الجدة تجلس بالحديقة تتنسم بالهواء الطلق.. وبينما هي شاردة الذهن بحفيدتها التي اشتاقت لها أكثر من أي شيء آخر.. تود الذهاب إليها والاطمئنان عليها ولكن داخلها يمنعها وسخطها عليها يقف حاجزًا بين شوقها. رأت علاء يقترب منها بعد أن توقفت سيارته بالمكان المخصص داخل الحديقة.. فابتسمت بصفاء وعند وقوفه أمامها انحنى إليها وعانقته عناقًا حارًا بحنو متشدقًا:
_عامل إيه ياولا كدا ولا تسأل عليا طول الفترة دي. التقط علاء كفها وقبل ظاهره هامسًا بنبرة مهذبة: _غصب عني والله ياجدتي، كلنا مشغولين الفترة دي في الشغل ومش بلحق خالص. أشارت له بيدها على نصف الأريكة الفارغة هاتفة بدفء: _طيب اقعد، هنده على رفيف اخليها تعملك حاجة تشربها. _اشرب إيه بس، هو أنا غريب ياجدتي.. بعدين أنا جاي أتكلم معاكي في موضوع تاني ومهم. انتفض قلبها فزعًا وظنت بأن مكروهًا أصاب حفيدتها فأجابته بزعر وقلق:
_ميار عملت حاجة في نفسها تاني؟ _لا لا، هي كويسة متقلقيش. هدأت نفسها وارتاحت قليلًا ثم انتبهت له جيدًا بآذان صاغية حتى تستمع إلى ما يريد إخبارها به بتركيز. *** التقطت شفق هاتفها الذي يعطي رنينًا صاخبًا.. نظرت لشاشته وقرأت اسم المتصل فعقدت حاجبيها بحيرة امتزجت بالخنق وألقت بالهاتف على الأريكة بجوارها متجاهلة الاتصال ولكنه لم يتوقف عن الرنين.. في الأخير أجابت عليه بمضض هاتفة: _أيوه ياريماس خير. ريماس بنبرة مزعورة:
_شفق، هو كرم موجود في البيت ولا طلع؟ _مش موجود.. إنتي عايزة إيه؟ اشتد شعور القلق بداخل الأخرى فأبوها وأخوها وضعوا المكيدة وجهزوها له.. هتفت في اهتمام وهلع: _طيب اتصلي بيه وخليه ميركبش عربيته لاني سمعت بابا وجاسر بيقولوا إنهم عملوا حاجة في عربيته.. بس معرفتش إي هي الحاجة دي. شهقت شفق مفزوعة ووثبت واقفة تجيب عليها بصوت مرعوب: _عملوا إيه؟!! صدقيني ياريماس لو كرم حصله مش هرحم أخوكي وأبوكي.
أنزلت الهاتف من على أذنها وضغطت على الشاشة لتنهي الاتصال وبيد مرتعشة قامت بالاتصال به.. رنين.. رنين.. بلا رد!! مرة واثنين وثلاثة وهي تحاول الوصول له ولا يجيب.. فخرج همسها المتوسل وقد أدمعت عيناها: _رد ابوس إيدك ياكرم.. رد.. يارب احميه ويكون بخير. على الجانب الآخر توقف هو بسيارته أمام "كمين للشرطة" وانحنى الضابط عليه من نافذة السيارة يهتف بجدية: _البطاقة.
مد يده له بالبطاقة الشخصية كما طلب وجاب بنظره بين الكل فقد كانت المكان مزدحم والشرطة أكثر من العادة.. نظر للضابط وقال بتساؤل: _هو في حاجة حصلت هنا ولا إيه؟ _أهاا، في عملية سرقة كبيرة وأي عربية بتعدي بتتفتش.
أومأ له بالإيجاب في تفهم وانتظر بمكانه حتى ينتهوا من تفتيشهم ومهمتهم.. ولكنه سمع صوت العسكري الذي قام بتفتيش حقيبة السيارة الخلفية يصيح مناديًا على أحد الضباط.. نزل كرم من سيارته وإذا بالصدمة تلجمه بأرضه وهو يرى العسكري يحمل بيده أكياس ممنوعات كانت مخفية في السيارة!!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!