رافق الطبيب حتى الباب وشكره بامتنان، واستمع إلى تنبيهاته الصارمة تجاه بعض الأشياء حتى لا تتعب مجدداً. كان يعطيه نصائح خاصة يتبعها إذا شعر بأي تعب. فأجابه كرم بالموافقة. وبعد رحيله، وقف خلف الباب وهو يزفر القليل من الفزع الذي ترك في نفسه أثره، حتى بعد أن طمأنه الطبيب عليها.
فلقد عاد للمنزل بعد أن أجرت اتصالاً به ووجدها فاقدة الوعي على الأرض وحرارتها مرتفعة لدرجة أنه لم يستطع لمسها. فزعر وازداد خوفه وتوتره وحاول أن يوقظها ولكن دون فائدة. فحملها ووضعها على الفراش وألبسها شيئاً مناسباً ووضع حجابها على شعرها قبل أن يأتي الطبيب.
فحصها وأخبره بأنها تعرضت لحمى شديدة جداً. ووضع لها محلولاً طبياً وطلب منه أن يجهز لها طعاماً حتى تأكل وتأخذ الدواء عندما تستيقظ. وهدأ من روعه بأنها ستكون بخير بعد أخذ جرعة المحلول والدواء.
عاد للغرفة وأغلق الباب خلفه ليقترب ويجلس على الفراش بجوارها، يتأمل ملامح وجهها المتعبة وشفتيها وخديها اللتين تركت الحرارة المرتفعة آثارهما عليهما، فأعطتهم لوناً أحمر فاتح. مد يده يتحسس جبهتها ووجنتها، فأصدر تنهيدة حارة بارتياح حين وجد حرارتها هدأت قليلاً.
نزع عنها الحجاب بحرص شديد وأخذ يملس على شعرها بحنو وهو يطالعها مبتسماً. ثم انحنى إليها وطبع قبلة حانية على جبهتها وهم بأن ينهض ليجهز لها طعامها حتى تأخذ دوائها، ولكنه وجدها تنقلب على جنبها ناحيته وهي مازالت نائمة، تهلوس نتيجة لحرارتها المرتفعة. فسمعها تهمهم بصوت يكاد لا يسمع: "ليه سبتوني وحدي؟ حتى كرم مبيحبنيش." استمع لآخر كلماتها وعبست ملامح وجهه، بالأخص بعدما سمعها تكمل: "بحبه أوي."
تنهد الصعداء، فهو يعرف جيداً أنها تعشقه، وكان يتصنع عدم الفهم. ولكنه مسك بكفها، يرفعه لشفتيه ويقبله، هامساً بنبرة منخفضة وهو يحتضنه بين كفيه: "صدقيني، حتى أنا مبقتش عارف إنتي بتعملي فيا إيه. ردي وقوليلي عملتي إيه فيا ياشفق؟ إزاي قدرتي تعلقيني بيكي بالشكل ده وفي الفترة القصيرة دي؟ إزاي؟
نائمة لا تشعر به ولا تسمع كلامه، فقط تنام وتهلوس بين الحين والآخر. ليمسح على شعره نزولاً لوجهه وهو يصدر تأففاً محتاراً، ثم ينهض من جانبها ويتجه للمطبخ ويبدأ في تحضير الطعام. وبعد مرور نصف ساعة وأكثر، يعود لها وهو يحمل بيده صينية فوقها طعام مناسب لشخص مريض. ووضع الصينية على المنضدة بجوار الفراش وجلس بجانبها من جديد، يهمس وهو يملس على ذراعها بلطف: "شفق.. قومي ياشفق يلا عشان تاكلي وتاخدي العلاج."
لا تجيبه وفقط مغمضة عيناها بتعب. فيعود ويرفع يده إلى وجنتها، يمرر إبهامه عليه برقة ويهتف بصوت أوضح من السابق: "شـــفـق.. قومي! فتحت عيناها أخيراً، ولكن بصعوبة وعدم قدرة على فتحها كاملة. ليخرج همسها ضعيفاً وغير مسموع جيداً: "مش قادرة افتح عيني ياكرم." تمتم بحنو ونبرة دافئة: "مينفعش، لازم تاكلي الأول.. يلا قومي وأنا هساعدك."
اعتدلت في نومتها بصعوبة، فحاوطها هو بذراعيه وساعدها على الجلوس ووضع خلف ظهرها وسادة كبيرة حتى تستند عليها. ثم جلب صينية الطعام أمامها على الفراش. مدت يدها لتمسك بالملعقة، ولكن أعصابها مرتخية تماماً ولا تتمكن حتى من مسكها جيداً. فسحبها من يدها وقال بابتسامة ساحرة: "أنا هأكلك، هاتي." ملأ المعلقة من الصحن ثم مدها لفمها. وبمجرد ما أن أكلت أول معلقة قالت برفض: "لا مش قادرة آكل بجد."
عاد يملأ المعلقة من جديد ويمدها لفمها هاتفاً برفق: "معلش كلي حاجة بسيطة بس." أبدت عن نفورها وأشاحت بوجهها بعيداً هاتفة: "مليش نفس ياكرم والله." تحولت نبرته ونظرته إلى الحدة البسيطة وهو يقول: "وبعدين ياشفق، متخلنيش أضايق منك، كلي يلا.. تعالي على نفسك شوية."
زفرت بعدم حيلة وعادت بوجهها ناحيته مجدداً وأكلت مجبرة وعلى وجهها معالم النفور. ساد الصمت بينهم وهو يطعمها حتى انتهى. وأمسك بكوب الماء وأقراص الدواء وأعطاهم لها، لتضع القرص في فمها أولاً ومن ثم تشرب الماء فوقه وتعطيه الكوب من جديد. فوقف وذهب بالطعام للمطبخ، وغير ملابسه في الغرفة الأخرى، ثم رجع لغرفتهم واقترب يتمدد بجوارها على الفراش ويمد أنامله يبعد خصلات شعرها عن وجهها، هامساً بأعين تنضح بمشاعر مختلفة:
"حضنتيني عليكي.. أنا مكنتش هطلع من البيت لما لقيتك تعبانة وإنتي فضلتِ تقوليلي أنا كويسة وروح متقلقش عليا. بس العيب مش عليكي.. العيب عليا إني سمعت كلامك وسبتك." ابتسمت له بحب وهمست بنبرة رقيقة: "متوقعتش إني هتعب أوي كدا.. بس الحمدلله بقيت أحسن شوية وكمان لما أنام وأصحى الصبح هبقى أفضل بكتير." أطال النظر في ملامحها البريئة والجميلة، فازدادت ابتسامته اتساعاً. وفرد ذراعه لها هامساً بأعين تتحدث بالمشاعر ونبرة جذابة:
"تعالي هنا." فهمت أنه يحسها على الانضمام لحضنه الدافئ، فأخفت ابتسامة خجلة كانت على وشك أن تخرج لشفتيها. ورأته يشير لها بعينيه بمعنى "يلا". فاقتربت باضطراب واستندت برأسها على صدره. ليلف هو ذراعه حول خصرها ويقرب شفتيه مقبلاً شعرها، هامساً بنبرة جديدة تماماً: "متقوليش إني مبحبكيش تاني هااا." رفعت عيناها إليه قائلة بتعجب: "إمتى قولت كدا؟ "كنتي بتهلوسي وإنتي نايمة." اعتدلت في نومتها ورفعت رأسها عن صدره فوراً
لتقول بزعر وارتباك: "قولت إيه تاني غير ده؟ ابتسم بهدوء وهو يتذكر اعترافها له، ثم نظر لها وغمغم بخفوت محاولاً الظهور بطبيعية: "مقولتيش حاجة." "كرم قول بجد، قولت إيه؟ ضحك بقوة هذه المرة وقال بنبرة بدت لها صادقة: "هلوستي شوية بسيف ومامتك، بس مش أكتر." تنهدت الصعداء بارتياح وعادت برأسها على صدره من جديد متمتمة بخفوت جميل: "الحمدلله."
لم تستغرق دقائق طويلة حتى ذهبت في ثبات عميق. وظل هو يحدق في السقف بشرود ويده تعبث في خصلات شعرها برقة ورفق شديد. ثم غلبه النوم هو الآخر. *** تحركت ملاذ باتجاهه عندما رأته جالساً في حديقة المنزل وعيناه معلقة على السماء، وكأن عقله مشغول بشيء مهم للغاية. فاقتربت منه حتى جلست بجواره وخطفت قبلة سريعة من وجنته، هامسة بعبوس أنوثي ومدلل: "سايبني وحدي ليه؟ وقاعد بتفكر في إيه هنا؟ لم ينزل نظره عن السماء وظل معلقاً في الأعلى،
لتسمعه يسألها بنبرة مشتتة: "ملاذ، هو إنتي ممكن تكرهيني وتسبيني لو سمعتي عني في يوم كلام أو حاجات مكنتيش تتوقعيها؟ لم تفهم سبب هذا السؤال. بل كان السؤال غامضاً بالنسبة لها ولا تفهم منه شيئاً. ماذا يقصد بأشياء لم تتوقعها منه؟ وهل هو سؤال فارغ أم خلفه خفايا وأسرار لم يفصح لها عنها؟ سألته بريبة حقيقية واستغراب: "حاجات زي إيه يعني مثلاً؟
مازال لا يملك الجرأة ليخبرها بماضيه الذي لا يتقبله هو حتى الآن. يخشى أن تتغير نظرتها فيه أو تبغضه وتفقد ثقتها فيه. يخشى من شيء لا يعرف تحديداً ماهو. ولكن هناك صوت بقلبه يلح عليه بأن الأفضل أن تظل الحقيقة غامضة لفترة أخرى. هتف بنفي وابتسامة متصنعة: "لا خلاص متشغليش بالك. سؤال ملوش لازمة." تنهدت بعمق ومسكت بكفه تضمه بين يديها الناعمة وتهمس برزانة ونظرات عاشقة:
"زين، أنا حاسة إنك مخبي عني حاجة من وقت ما رحنا بيت العيلة وقولتلي إن في حاجة حصلتلك وبعدين باباك أخدكم لبيت منفصل. وزي ما حاسة بده، حاسة كمان إنك خايف ماتقولي، بس صدقني أي كان الشيء ده عمره ما هيقدر يقلل من حبي ليك. إنت سندي وحبيبي وجوزي ومفيش حاجة هتقدر تفرقنا عن بعض. وزي ما تخطينا صعاب كتير من بداية جوازنا وعلاقتنا، هنتخطى كل حاجة جاية كمان. ووقت ما تحس نفسك حابب تتكلم، أنا موجودة. متخفش، أنا معاك ومش هسيبك."
"لا يمكنها أن تكون بكل هذا التفهم والحكمة وهي تعرف أني أخفي شيئاً عنها. كيف تفعلها؟! " كان يسأل نفسه بذهول من ردها عليه ورزانتها. وتلقائياً وجد ابتسامته تخرج لشفتيه بدون إذن، وتستقر في عينيه نظرة عاشقة. فهي كالملاذ حقاً الذي أرسله الله له لكي يحتمي به ويجد فيه الراحة والسكينة والحب والتفاهم كما كان يبحث عنه. اقترب منها وقبل جبهتها هامساً بنبرة حانية: "بحبك ياملاذي." قررت إضفاء القليل من المرح على جلستهم،
فأجابته بمداعبة: "عارفة.. قولتلي كدا أول إمبارح." فهم مداعبتها، فضحك بخفة وغمغم غامزاً بحب: "وفيها إيه! نقول تاني وتالت ورابع وعاشر كمان.. ولا إنتي عندك اعتراض؟ هزت رأسها بالنفي وتعلقت به تلف ذراعها حول رقبته وتقول بغنج ومياعة أنوثية مغرية: "إنت تقول اللي عايزه ياقلب ملاذك." مالت شفتيه لليسار في لؤم وإعجاب بتدللها عليه. لتلمع عيناه بوميض فهمته جيداً، وهب واقفاً وحملها على ذراعيه متجهاً بها نحو الداخل
وهو يقول بابتسامة عريضة: "طالما كدا يبقى هقولك حاجة سر جوا." تعلقت برقبته ضاحكة وقالت بتذمر وهي تزم شفتيها للأمام: "زينو، إنت مش هتخرجني ولا إيه أتسوح؟ أجابها بتصنع الجدية كامت ابتسامته: "كل دي فسح ومش عجباكي." "والله!! هي فين الفسح دي بقى؟ _تصدقي إنك ناكرة للجميل وعقاب ليكي هناخد يومين اعتكاف في الأوضة. اطلقت ضحكة انوثية متأججة فدخل الغرفة واغلق الباب بقدمه هاتفاً بضحكة بسيطة وخبيثة: _وبعد الضحكة دي هخليهم تلاتة!
*** كان طاهر بمكتبه في المنزل يباشر بعض أعماله على حاسوبه النقال الخاص به، فدخلت عليه زوجته وهي تحمل بيدها كوب الشاي الذي طلبه منها وتضعه أمامه على سطح المكتب، هامسة بتردد: _طاهر عايزة اتكلم معاك شوية. أجابها وهو مازال يعلق نظره على شاشة الحاسوب أمامه: _قولي خير! أخذت نفسًا طويلًا واخرجته زفيرًا متهملًا متمتمة بثبات بسيط: _يسر اتكلمت معايا في موضوع السفر و..... قاطعها بحدة ونبرة حازمة لا تقبل النقاش:
_وأنا رديت عليها ورفضت متحاوليش تقنعيني أوافق. قالت بهدوء وصوت رخيم به بحة حزينة: _ولا أنا موافقة والله، بس لما بصيت من جهة تانية لقيت إن هي فعلًا محتاجة تبعد شوية.. البنت تفسيتها متدمرة يا طاهر من ساعة طلاقها، أنا بقيت أحس إنها مش بنتي.. لا بتضحك ولا بتهزر زي الأول وعلطول حابسة نفسها في اوضتها. صاح بانفعال وغضب: _آه ولما تسافر وتبقى بعيدة عن عنينا هنبقى مطمنين عليها كدا مثلًا؟
قوليلي كدا هتقعد فين ولا هتتعامل إزاي هناك؟ _لا ما أنا هشترط عليها لو هتسافر يبقى هتقعد مع خالتها هناك، وراسل موجود هناك كمان وهيكون معاها علطول يعني متقلقش عليها.. خليها تروح تاخدلها شهر ولا حاجة وتيجي يا طاهر.
سكت وهو يفكر بكلامها وبنقطة اقامتها عند خالتها وإنها ستكون مع ابن خالتها أيضًا في العمل وهو يثق براسل جيدًا ويعرف أنه سيكون معها دومًا، ولكن مازال خائفًا من أن يتركها تذهب بمفردها وتكون بعيدة عن نظره. رأى نظرات زوجته المترقبة لموافقته أو رفضه ليجيبها باستسلام: _طيب. أماءت له بالإيجاب واستدارت وبمجرد ما أن غادرت المكتب واغلقت الباب اغارت عليها يسر التي كانت تتصنت لحديثهم وعانقتها بقوة هامسة بصوت منخفض في امتنان:
_حبيبة قلبي ياماما بحبك والله. أشارت الأم بسبابتها على فمها هاتفة بخفوت: _هش! اكتمي ليسمعنا، أنا خليته يوافق بس تعرفي يايسر لو عملتي حركة كدا ولا كدا هناك خالتك هتقولي وزي ما خليت أبوكي يوديكي هخليه يرجعك في لحظتها. تأففت وقالت بخنق: _ياماما أنا مش هرتاح عند خالتوا وراسل موجود. أجابتها أمها بغضب: _خلاص يبقى مفيش سفر. قالت مسرعة بتراجع وهي تزفر مغلوبة على أمرها:
_خلاص خلاص ماشي، أنا هبقى اتصرف واخلي خالتوا تقعدني في الدور اللي فوق وحدي. رمقتها أمها بطرف عينها في استنكار ثم تركتها ورحلت، لتنطلق من يسر ابتسامة منطفئة وهي تأمل في قرارة نفسها أن تكون هذه الرحلة ذات آثار إيجابية عليها وتتمكن من نسيان الألم الذي تركه في قلبها ولا تستطيع التخلص منه مهما فعلت! *** دخل ثم أغلق الباب خلفه ووقف يحدق بالمنزل، بات لا يطيق البقاء فيه بدونها ولا يستطيع مفارقته أيضًا ويحس بها في كل جزء منه!
اتجه نحو غرفتها ونزع عنه سترته ثم ألقاها على الفراش واقترب منه ليرمي بجسده على فراشها يحاول اشتمام رائحتها فيه وهو يهمس بمرارة وسخرية من ذاته الغبية:
_يارتني صدقتهم لما قالولي هتندم لو خسرتها، واديني خسرتك وندمان ندم عمري ماندمته في حياتي ومش عارف إزاي ارجعك ليا، وإذا كنت أنا مش قادر أسامح نفسي هخليكي تسامحيني إزاي وضميري بيموتني وبيفكرني في كل لحظة إني السبب في موت ابني وإني لو مكنتش عملت معاكي كدا مكنتيش هتنزليه ومكنش ده كله هيحصل بينا وكمان مكنش ده هيبقى حالي في بعدك عني.
كان باب الخزانة مواربًا وانتبه هو لقطعة من ملابسها الموجودة بداخله، يبدو أنها نسيت أن تأخذها معها يوم ذهابها، فهب واقفًا والتقطه يحدق به جيدًا فتذكر أنه نفس الرداء الذي كانت ترتديه عندما جاء للمنزل ثملًا وقضى معها أول ليلة بينهم، فضحك بأسى وقد فهم الآن لما هذا الرداء لم تأخذه معها، فقد أبت أخذ أي شيء يذكرها بما حدث بينهم، تريد أن تنسى كل شيء وكأنه لم يكن، وهو أول هذه الأشياء!
عاد وجلس على الفراش ثم قرب الرداء من وجهه يشم رائحتها ويغمغم بصوت يغلبه البكاء وندم: _أنا آسف سامحيني. أجهش في بكاء حار وهو يهتف بصدق وقلب يمزقه الاشتياق: _وحشتيني أوي. دامت حالته هكذا للحظات طويلة حتى تمدد بجسده على الفراش ونام حتى الصباح دون أن يشعر بأي شيء، وإذا به يثب فزعًا عندما سمع صوتها وهي تهتف "حــســـن!
"، تلفت حوله كالمجنون بحثًا عنها ولكنها ليست موجودة، تأفف ومسح على وجهه بعد أن أدرك أنه خيل له وعقله بدأ يطلق الهلاوس، لينهض ويتجه للحمام وهو لا يدري أن علقه لم يكن يتخيل وأنها موجودة بالفعل!
خرجت هي من خلف الباب وهي تصدر زفيرًا بارتياح وتلعن نفسها الغبية التي نطقت باسمه، ولكن ماذا تفعل فقد أتت للمنزل مجبرة حتى تأخذ جواز السفر بعدما اكتشفت أنها نسيته ولم تكن تتوقع أنه يأتي للمنزل أساسًا منذ ذهابها فجاءت مطمئنة بأنها لن تجده ولكن صدمت به بل وكانت الصدمة الأكبر حين رأته في فراشها وبيده ردائها، فوجدت نفسها تهتف باسمه من صدمتها بدون وعي!
سمعت صوت رذاذ المياه في الحمام فحمدت ربها أنه يستحم وسيكون لديها الوقت لتبحث عن ما جاءت لأجله وتذهب قبل أن يراها، اندفعت واخذت تبحث في الادراج والخزانة فلم تجده، خرجت واخذت تبحث ببقية المنزل في عجلة وخوف كلص دخل يسرق منزلًا ويخشى أن يمسك به صاحب المنزل، هتفت بغضب: _أووووف فينه! هيطلع من الحمام يلا بقى.
عادت لغرفتها مجددًا لعلها تكون نسيت مكان لم تبحث به جيدًا، وظلت تبحث بكل قطعة في الغرفة حتى أسفل الخزانة والفراش وبالفعل وجدته أسفل الخزانة، يبدو أنه سقط منها وهي تأخذ ملابسها في يوم رحيلها ولم تنتبه له، هبت واقفة وهي تبتسم ثم التفتت خلفها لتدهش به يخرج من الحمام وهو يلف المنشفة حول نصفه السفلي فتشهق بزعر وتستدير مجددًا وهي تغمض عيناها بقوة تلعن حظها السيء، أما هو فتصلب بأرضه منذهلًا وهمس بعدم استيعاب لما يراه أمامه ولوهلة خيل له
أن لا زال عقله يهلوس بها: _يسر!!!! ضغطت على شفتها السفلي بغيظ من نفسها وتحركت باتجاه الباب مسرعة لكي تهرب وتغادر المنزل بأكمله ولا تضطر أنه تكون في موقف معه، ولكنه ركض خلفها وجذبها من ذراعها قبل أن تفر هاتفًا: _خدي هنا إنتي جيتي إمتي؟ سحبت ذراعها من قبضته بعنف هادرة بقرف: _دلوقتي، نسيت حاجة وجيت أخدها. _يعني أنا مكنتش بتخيل لما سمعت صوتك من شوية. أنا شلت كل حاجة من الأوضة! أجابت بمنتهى البساطة وهدوء الأعصاب:
_كان في دولابي باخد منه لما بحس بصداع. ثم إن أنا لو عايزة انتحر في مليون طريقة غير إني أشرب برشام. برأي متتعبش راسك بيا. علاء بنظرة حادة ومستاءة: _ميار اعقلي وبلاش جنان أنا مش ناقص. تأففت بعدم اقتناع وبسطت كفها له هاتفة بخفوت: _طيب ممكن تديني الشريط عشان آخد قرص. التفت وولاها ظهره بعد أن وضع الشريط في جيبه وقال برفض قاطع وهو يتجه للخارج: _لما تفطري الأول.. مينفعش على معدة فاضية. تأففت بصوت مسموع وهي تهتف: _أوووووف.
سمعت صوته وهو يهتف بعد أن غادر من الباب: _من غير أفأفة.. يلا تعالي ورايا عشان الفطار. زفرت بخنق واقتربت من الباب تغلقه ثم بدأت في تبديل ملابسها ورفعت شعرها بمشبك وتركت نصفه ينسدل على ظهرها من الخلف. ثم خرجت خلفه كما أمرها للتو بأن تلحق به. ***
فتحت الباب ودخلت ثم أغلقته خلفها. كانت ترتدي منامة تصل إلى الركبة وبحمالات رفيعة. فرفع هو نظره لها وابتسم بلطف وبيده مسبحة يمر على حباتها بأنامله ويذكر الله بهمس منخفض. وجدها تقترب منه وتنضم إلى أحضانه فيلف هو ذراعه حولها وتسمع همهمته وهو مستمر بالتسبيح. سكنت للحظات بين ذراعيه وهي تستند برأسها على صدره حتى خرج همسها: _زينو! سمعته وهو يجيبها بـ "امممممم" لتتنهد بعمق وتقول برقة: _أنا عايزة أحفظ قرآن. حدجها ببعض
الاستغراب وقال باسمها: _ده بجد يعني ولا هي لحظة حماس كدا جاتلك فجأة. _لا لا بجد والله. ومستنية نرجع القاهرة عشان أروح مقرئة وأتعلم أحكام التجويد الأول وبعدين أبدأ في الحفظ. إنت أكيد معندكش اعتراض طبعاً. افتر على ابتسامة واسعة أظهرت عن أسنانه البيضاء ثم انحنى برأسه إلى وجهها وطبع قبلة رقيقة على جانب ثغرها متمتماً بغرام: _وهي حاجة زي كدا ينفع فيها الاعتراض برضوا!! نرجع بإذن الله وهنبقى نشوف مكان كويس وتروحي تحفظي فيه.
سألت بفضول ونبرة ناعمة: _هو إحنا إمتى هنرجع؟ غمز لها بلؤم وهتف في خفوت أربكها: _لو عليا مش عايز أرجع خالص.. إيه رأيك ناخد شهر؟ _شهر!! طيب والشغل وبعدين إنت من هيمل لما تقعد شهر في البيت مبتخرجش. اعتدل وأصبح يهل عليها بهيئته ليقول بمكر أشد ونظرات راغبة: _مفيش حاجة أهم منك! ولو على الملل فإحنا هنسلي بعض متقلقيش.
توترت من اقترابه وخجلت ولكن حين سمعت صوت رنين الهاتف ظنته المنقذ لها فكادت أن تمد يدها وتلتقطه وإذا بها تجد يده تقبض على يدها وهو يقول بحزم مزيف: _وهو ده وقت التلفونات يعني. أشارت بأصبعها ناحية الهاتف وهدرت بأعين زائغة ومستحية: _طيب هشوف مين حتى. أجابها بضحكة تبشر باقتراب الهجوم ونظرة كلها خبث: _سبيه يرن براحته. وبالفعل أغار عليها ينل منها ما يستطيع لتطلق هي ضحكة متأججة هاتفة من بين ضحكاتها القوية "زين بس بقى!!
" وتعود ضحكاتها لتتعالى أكثر فيطلق هو ضحكة رجولية مرتفعة على ضحكها! ***
الساعة تخطت العاشرة مساءً وكانت عيناها معلقة على الشارع من النافذة تنتظر مجيئه. منذ أيام وهي تستعد لهذا اليوم وها هو أتى. كانت ترتدي رداء طويل من اللون الأسود وبأكمام طويلة. ضيق بعض الشيء على جسدها المتناسق ولديه فتحة ظهر واسعة من الخلف ولكن شعرها الحريري الذي تركت العنان له يخفي ظهرها. وقد وضعت بعض مساحيق الجمال البسيطة التي زادتها جمالاً. لم يعد هناك أي آثار للحمي عليها فقد تحسنت كثيراً بعد أن أخذت الدواء والآن هي في أفضل حال وتنتظره لكي يحتفلوا بيوم ميلاده!
ظلت على وضعها تارة تنظر من النافذة وتارة ترفع نظرها للساعة تتفقدها. إلى أن رأت سيارته تتوقف أمام المنزل فاتسعت ابتسامتها وهرولت ناحية الأضواء واغلقتها جميعاً ثم اتجهت نحو كعكة عيد الميلاد التي أعدتها له خصيصاً واشعلت الشمع وهرولت نحو الغرفة تختبئ فيها. وماهي إلا لحظات معدودة حتى فتح الباب وغضن حاجبيه عندما وجد المنزل في ظلام دامس فهتف بقلق: _شـــفـــق!!
اضطرب بشدة فهو يعرف خوفها الشديد من الظلام. ويستحيل أن تغلق الأضواء بهذا الشكل وتنام. فنزع حذائه عنه بجوار الباب وهرول باتجاه غرفتهم مسرعاً ولكن توقف حين رأى الطاولة المتوسطة في منتصف الصالة وفوقها كعكة متوسطة الحجم والشموع عليها. اقترب منها بخطوات بسيطة وابتسم بساحرية حين تذكر بأن اليوم هو يوم ميلاده. وقف يحدق بالشموع والكعكة بابتسامة واسعة حتى سمع صوتها من خلفه وهي تهتف بنبرة مرحة ورقيقة في نفس ذات اللحظة:
_Happy birthday to you.. Happy birthday to you. التفت بجسده ناحيتها وطالعها بنظرات تحمل معاني مختلفة في جوفها لتستمر هي في الغناء حتى انتهت وقالت بحماس: _يلا اطفي الشمع. عاد بجسده ناحية الطاولة وانحنى ينفخ في الشمع لينطفأ فتمد هي يدها وتفتح الضوء ثم تقترب وتلف ذراعها حول رقبته هامسة بغنج ومداعبة محببة لقلبه منها: _كل سنة وإنت طيب ياكوكو. _وإنتي طيبة يا أميرتي.. بس مش هنبطل كوكو دي! هزت رأسها بالنفي وهي
تضحك بخفة وتقول بمشاكسة: _أبدًأ! أنا بحب أدلعك بيه. وعشان أنا مش أي حد لازم يكون دلعي ليك مختلف ومميز. _يعني مفيش فايدة! _تؤتؤتؤ. خالص. أطلق ضحكة بسيطة. ثم انتبه لمظهرها الجديد والرداء الأسود الجميل الذي ترتديه مع قصة شعرها ومكياجها. رمقها بنظرة متفحصة بعد أن رجع بخطوة للخلف لكي يتمكن من رؤيتها أوضح وقال باسمها بإعجاب حقيقي: _إيه الجمال ده!
أجفلت نظرها عنه أرضاً في استحياء من تغزله الصريح بها. لتجده يمسك بكفها ويرفع يدها لأعلى لكي تلف حول نفسها ففعلت. لتزداد نظرات الإعجاب في عيناه وهو يجيبها: _مغلطتش لما قولت إن أي حاجة بتلبسيها بتحليها أكتر. صعدت الحمرة لوجنتيها في ظرف لحظة ففكرت في التخلص من جو التوتر والحياء المهيمن عليها وانحنت على الأريكة تلتقط الكوفية التي صنعتها بيدها له وكانت تعمل عليها منذ أيام. هتفت في خفوت جميل وخجل لا يزال يستحوذ عليها:
_معرفتش أجيبلك إيه هدية الصراحة. ففكرت وعملتلك دي هي حاجة بسيطة بس حسيت إنها هتعجبك أكتر من أي حاجة تاني. التقطها من يدها. وكانت من اللون الرصاصي ومجهزة بإحكام شديد ودقة. أعجبته كثيراً وخصوصاً أنها من نفس لونه المفضل. رفع نظره لها وقال بحنو وهو يقترب يطبع قبلة حانية على شعرها: _فعلًا عجبتني جدًا. شكرًا على الهدية الحلوة دي يا شفق. رمقته بأعين تتحدث بالعشق ثم جذبتها من يده ولفتها حول رقبته ثم قالت بوجه مبتسم:
_جميلة أوي عليك. تمتم برقته المعهودة ونظراته التي تسحبها لعالم آخر: _لازم تبقى حلوة طالما إنتي اللي عاملاها بإيدك. ماذا به اليوم لما يتغزل بها بشكل زائد عن العادة ونظراته مختلفة حتى نبرته. بل بالأحرى هي تشعر بتغيره الجذري منذ الأمس ولكنها فسرته على أنه خوف وقلق عليها. ولكن الآن ماذا يحدث؟!
لم تهتم كثيراً أيضاً هذه المرة وطردت أي أفكار قد تكون ساذجة بالنسبة لها. لتجده ينحني ناحية الكعكة ويقرأ بصوت مسموع ما كتبته عليه "شكراً لإنك معايا". فتتسع ابتسامته أضعافها وينتصب في وقفته ثم يمد يديه ويلفهم حول خصرها جاذبهاً إياها إليه ويهمس في عينين تحمل مشاعر جديدة ونبرة دافئة:
_في الحقيقة أنا اللي المفروض أشكرك. أشكرك لوجودك في حياتي. وأشكرك لإنك متخليتيش عني وسمحتي لعلاقتنا بفرصة تاني. وكمان لإنك بتعالجي جروح جوايا مكنتش متوقع إن في حد هيقدر يعالجها. وأخيرًا لإنك دواء لهمي لما أكون مضايق.
تلألأت الدموع في عيناها من سعادتها بما تسمعه منه لأول مرة. واندجت فرحتها بدهشتها بما يقوله لها ولم تكن تتوقعه منه أبداً. ولكن الدهشة الحقيقية حين وجدته يقترب بوجهه منها فتجمد جسدها ككتلة ثلج ومجرد التفكير فيما سيفعله كان كفيل بأن يشعرها بأنها على وشك فقدان وعيها. فأغمضت عيناها بقوة تقنع نفسها بأنه لن يفعلها فقط سيقبلها من وجنتها أو جبهتها. ولكنه فعلها!
شعرت بارتخاء أعصابها ولو كان الوضع استمر لثانية أخرى لكانت حتمًا فقدت وعيها. ابتعد بعد لحظات طويلة نسبيًا وهو يطالعها بترقب ينتظر أن تفتح عيناها ولكن انتظاره طال فهمس في لطف: _شفق!!!! استفاقت من غيبوبتها وانتفضت على صوته. فارتدت للخلف وقد رأى وجهها أحمر كلون الدم وصدرها يعلو ويهبط كأنها كانت في سباق للعدو للتو! رمقته بخجل وارتباك بالغ لتقول بصوت متلعثم: _إنت... إنت قليل الأدب على فكرة.
قالتها وفرت هاربة للغرفة في لحظة من فرط توترها. وتركته مندهشًا قليلًا من جملتها حتى ضحك بصوت منخفض على عفويتها وبرائتها الذي يعشقهم أكثر شيء! *** بمنزل محمد العمايري. انضمت هدى لجلسة الجدة المنفردة في غرفتها وبمجرد ما أن جلست بجوارها نظرت لها الجدة وقالت بقلق: _طاهر ليه يومين مجاش. حاسة قلبي مش مطمن عليه ياهدى. صمتت لبرهة وهي تطالعها بتردد ولكنها حسمت أمرها وقالت في خفوت:
_طاهر تعبان ياما. كان اليومين اللي فاتوا ومجاش عشان محبش يقلقك عليه. انتفضت في جلستها وقالت بزعر: _تعبان!! ماله ياهدى انطقي؟ تنفست الصعداء وقالت بعدم حيلة: _لما جاتلك ميار من يومين كانت قبلها على طول في المستشفى. حاولت تنتحر ولحقوها على آخر لحظة وطاهر تعب معاها هناك من الخضة. أنا عرفت من علاء وقالي مقولكيش عشان متاخديش. _تنتحر!! إزاي متقوليش الكلام ده! ياماما خوفنا عليكي لتتعبي ولا حاجة. وثبت واقفة وقد أدمعت
عيناها وهي تقول بحزم: أنا هروح أشوف ابني وميار. استقامت هدى وقبضت على ذراعها تهدئها قائلة برزانة: اطمني والله هما كويسين دلوقتي ومفيش أي حاجة. هدرت في حدة ونظرة ثاقبة: قولت هروح ياهدى. طيب حتى اصبري للصبح وهنروح والله بكرا.. اهدى ابوس إيدك وصدقيني أنا بنفسي هاخدك ونروح بكرا الصبح.
أطالت الجدة النظر في فيها لتنفجر باكية وهي تهمهم بكلمات لم تفهمها جيدًا، ولكنها عانقتها وهي تربت على ظهرها بحنو تهتف بكلمات تحاول من خلالها أن تهدأ نفسها الوجلة. أما بالأسفل فكان كل من حسن ورفيف يجلسون في الحديقة الخارجية للمنزل. كان هو يعلق عيناه على السماء في سكون تام وهي تارة تنظر له وتارة تعبث بهاتفها. حتى سئمت الصمت وقالت بضيق:
هتفضل تعاند لغاية إمتى ياحسن.. مش معقول لسا مأدركتش إنك بتحب يسر ومتقولش لأ.. لإنك مش شايف حالك بقى إزاي. ابتسم لشقيقته وقال باستنكار ونبرة مهمومة: ماله حالي! تأففت بصوت مسموع واعتدلت في جلستها أكثر لتقول في غضب وعفوية: حسن يسر سافرت وإنت لسا بتعاند هتفضل كدا لغاية امتى! وقعت كلمة "سافرت" وقع الصاعقة عليه، واستيقظت جميع حواسه حيث انتصب جالسًا وهو يجيبها بعدم استيعاب وذهول: سافرت فين! إنت متعرفش ولا إيه!
قالتها باندهاش بسيط ليجيبها بعد أن بدأ الضجر يتملك منه ويهتف بنبرة خشنة: معرفش إيه يارفيف! تنفست الصعداء وقالت بأسى: يسر سافرت النهاردة المغرب مع راسل هتقعد في امريكا هناك لفترة معرفش قد إيه، وهتمسك الإدارة في الشركة اللي هناك بدل عمي. تحول لجمرة نيران متوهجة وأظلمت عيناه بشكل مخيف بالأخص بعدما قالت: ذهبت مع ذلك السمج ابن خالتها. وجدته يهتف بغضب عارم: نعم! وأنا آخر من يعلم يعني!
إزاي تسافر من غير ما تقولي.. لا ومع راسل كمان! ماشي يايسر. ابتسمت رفيف بمكر واقتربت منه تقول في خبث ضاحكة: ومالك متعصب كدا ليه! مش مشكلة يعني سافر وراها بكرا. حسن بنظرات مشتعلة: ماهو ده اللي هيحصل فعلًا. قال مع راسل قال ده أنا هطين عيشتها هي والملزق ده.
أشاحت بوجهها للجانب الآخر وهي تضحك بصمت دون أن يصل صوت ضحكها إليه. أما هو فكان يستشيط من الغيظ وكلما يفكر بأنها مع ذلك الـ "راسل" الآن تتأجج نيران الغيرة في صدره أكثر ويود لو يذهب الآن قبل الغد ويفتك به، فقط لأنه يقترب من شيء لا يخصه. ***
مع صباح اليوم التالي وفي تمام الساعة التاسعة صباحًا كان حسن بالفعل في مطار القاهرة بانتظار النداء لاقتلاع الطائرة الخاصة به. لم يخبر أحد بسفره وفقط شقيقته تعرف بهذا. وقد تعهد بأنه لن يعود إلا وهي معه. عقد العهود مع نفسه على أنه سيصلح كل شيء بينهم. فمنذ الأمس وهو يفكر بماذا سيفعل حتى تغفر له وتسامحه. وكان الحل الأمثل هو كما قالت شقيقته أن يتوقف عن العناد ويتصرف بحقيقة مشاعره دون أي إخفاء.
وأخيرًا بعد ما يقارب نصف ساعة استقل بمقعده في الطائرة وعقد حزام الأمان حول خصره. وما هي إلا دقائق واقتلعت الطائرة من مطار القاهرة متجهة إلى الولايات المتحدة الأمريكية. دامت الرحلة لساعات حتى وصل واستقل بسيارة أجرة وطلب من السائق أن يتجه به لمكان معين متحدثًا الإنجليزية بطلاقة.
توقفت السيارة أمام فيلا فخمة ذات طراز عصري ومذهل. فترجل هو ودفع للسائق حقه ثم أمسك بحقيبة ملابسه واتجه إلى الداخل. كان المنزل نظيف تمامًا من الداخل والأثاث غاية الجمال. فابتسم بإعجاب وصعد الدرج متجهًا إلى غرفة النوم وألقى بالحقيبة على الفراش. ثم دخل الحمام ليأخذ حمامًا دافئًا وسريعًا وخرج بعد دقائق ليبدأ في ارتداء ملابسه التي كانت عبارة عن بنطال من اللون الأسود وقميص أبيض فوقهم سترة جلدية من نفس لون البنطال. صفف شعره أخيرًا ونثر عطره الرجولي على ملابسه ورقبته ثم غادر ليجد السيارة الذي طلبها بانتظاره ويقف أمامها حارس المنزل. فنظر له
حسن وتمتم بابتسامة عذبة: Thank you شكرًا لك. أماء له الرجل إيماءة خفيفة وهو يبادله نفس الابتسامة. ليستقل حسن بالسيارة وينطلق بها نحو منزل خالتها وعيناه معلقة على الشاشة الصغيرة في السيارة التي تدله على الطريق بالضبط.
ترجل من السيارة بعد دقائق طويلة من السير في طرق أمريكا. وقف يحدق بالمنزل الكبير المكون من طابقين ثم تحرك باتجاه الباب الرئيسي والحديدي وفتحه ليدخل ويهم بصعود الدرج للطابق الثاني بعدما أخبرته رفيف بأنها حين تحدثت معها قالت لها أنها ستقطن في الطابق الثاني من منزل خالتها. ولكن قبل أن تخطو قدمه خطوة واحدة على الدرج سمع صوت قهقهتها وهي تنزل الدرج وتتحدث مع راسل بتلقائية شديدة. فوقف ينتظرها وهو يصر على أسنانه ويستعد لكي ينقض على ذلك السمج الذي لا يطيقه. وبمجرد ما أن وصلا لمقدمة الدرج الذي هو يقف في آخره بالأسفل. تصلبت بأرضها وفغرت عيناها بذهول تحدق به في عدم استيعاب ليخرج همسها مدهوشًا:
حسن!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!