غمضت عيني أول ما سمعت صوت الأذان. فضلت وقت طويل على حالي ساندة على الحيط، وبعدها رميت قطعة الإزاز بتعب. "استغفر الله." حاولت أنسى إحساس الذنب وقمت اتوضيت وصليت ركعتين. بعد ما كملت حسيت إني أحسن شوية. مشيت بالراحة لحد ما وصلت للسرير. بصيت حواليا بهدوء، حسيت قد إيه أنا وحيدة. مديت إيدي للتليفون واتصلت بوالدتي. ردت بعد ما عدت اتصال مرة واتنين وتلاتة. حاولت أتكلم وأداري حزني: "عاملة إيه يا ماما." "الحمد لله."
ابتسمت بسخرية: "وأنا كمان كويسة. لو طلعت من المشفى هاجي ليكم زيارة." قالت بخضة: "ليه؟ متخانقة مع جوزك؟ البنت مالهاش إلا بيت جوزها في الآخر." قفلت فوشها. حقيقي معدتش طايقة حد منهم. لو واحدة تانية كانت على الأقل سألتني أنا في المشفى ليه. اتأكدت إني وحيدة فعلاً وقررت أعيش لنفسي وبس.
شهر تاني عدى والشهر بقى تلاتة وأنا محجوزة في المشفى. رفضت أشوف أي حد، حتى عزيز اللي كان بيشتغل في نفس المشفى. مكنتش بقبل أشوفه. اعتبرتهم مش موجودين. التحاليل كانت مبشرة إلى حد ما وقدرت أخرج وهكمل جلسات. نزلت ولقيته ورايا. "استني. ليه بتعملي كده؟ مردتش. خد مني الشنطة الصغيرة وطلب مني أمشي معاه. بعدت ولفيت أغير الطريق. أول ما مسك إيدي سحبتها وأنا بزعق:
"سيب إيدي وابعد عني. كفاية. اتخنقت منكم كلكم. لو كنت أقدر أهرب وأبعد كنت عملتها بس مقدرش. والدتك لي من يوم ما اتجوزت من أخوه وهي مكرهاني عيشتي. أخوك لي مكنش يقدر يخرج عن طوع مامته وينصفني ولو مرة واحدة. تعبت منكم كلكم. حتى لما اتجوزت فكرت إني هرتاح بس حصل إيه في الآخر؟ حبستوني وخلتوني أحس إني قريبة من الموت. دمرتوا شخصيتي وخلتوني بقيت إنسانة ضعيفة. بس آية القديمة ماتت. فاهم؟ ماتت."
كنت بنهج وبتنفس بسرعة. بس صدمني برضه فعله. كل اللي عمله إنه سحبني لحضنه وبس من غير ما يرد. خدني لمطعم قريب، طلبنا أكل. "حاولي تهدي. اخرجي من دور المظلومة اللي عايشاه. ليه الضعف ده؟ لو انتي ما فكرتيش في نفسك ومصلحتك محدش هيفكر فيكي." فكرت في كلامه. اتنهدت بتعب:
"تخيل تتقلب فجأة. كنت فاكرة اتجوزت الشخص المناسب. فجأة بيتغير عليك. زعيق وأحياناً إهانات. كل ده عشان يرضي والدته اللي من أول يوم محبتنيش. تضطر تتنازل عشان ترضيه وتمشي الحياة بينكم. بس مفيش فايدة. شايفاهم عايشين حياتهم طبيعي وأنا اللي اتدمرت." سكتت. مكنتش قادرة أكمل. فضل يطبطب على إيدي. ابتسمتله وسحبتها بحرج. مش عارفة حساه متغير ليه. فضلنا دقايق ساكتين وركبت العربية وأنا سرحانة. حياتي متلغبطة جداً.
"ولادي وحشوني جداً. هما عاملين إيه." وهو مركز في السواقة قال: "الحمد لله." لفيت عشان أتأكد. وبعدها قلت: "ده مش طريق البيت يا عزيز. انت واخدني فين." خفف سرعة العربية ولف لي بهدوء: "أنا نقلت لبيت تاني أكبر بعيد عن والدتي وسامر. ده أحسن حل حالياً." منكرش إني ارتحت فعلاً. خدت نفسي ورجعت أبص عالطريق. وصلنا ونزلت. كان لطيف وحتى قريب على مكان شغلي. دخلت البيت مبتسمة. كان مريح جداً. كفاية إنه بعيد عن حماتي الحيزبون وسامر.
"عجبك." "جداً." قرب مني وأنا ببصله بحيرة وضرب منخاري وبإبهامه بخفة وهو بيقول وابتسامة مرسومة على وشه: "عدي الجميل بقى. لولا المشاكل اللي بينك وبين مامتي مكنتش اشتريته." ابتسمتله مجاملة ودخلت. إلهام روحت سلمت عليها وخدت ولادي. كانو واحشيني جداً. قضيت وقت طويل معاهم. "ممكن تطلبي الطلاق من عزيز يا آية." ضحكتي اختفت وأنا بسمع جملتها. حطيت بنتي وقربت من إلهام: "ليه بتقولي كده؟ انتي مش واثقة فيا." هربت
بعينيها مني وفركت إيديها: "الموضوع مش كده بس." قاطعتها وأنا بتنهد ومسكت إيديها: "عارفة إنه حماتي مش سايباكي في حالك وعمال تسخنك عليا. بس انتي أكتر واحدة عارفاني. أنا مستحيل أخده منك. ده جوزك انتي وبس."
حسيتها ما اقتنعتش بكلامي واكتفت بأنها هزت راسها وبس. رجع عزيز وقت الغدا. وراحت إلهام ناحيته سلمت عليه وخدت الجاكيت منه. ابتسمت بتمني وأنا بشوف معاملتهم لبعض. كلها مودة وحب ورحمة. وفضلت أقارن بينها وبين حياتي السابقة مع سامر. فقت من سرحاني لقيته بيلاعب الولاد. عدى اليوم بسلام. وصحيت الصبح متجهزة عشان أروح الشغل لأني خدت إجازة. "يلا افطري وهوصلك في طريقي."
قالها عزيز واحنا بنفطر. رفعت راسي لإلهام بس كان باين إنها مدايقة. "لأ مفيش داعي. المكان قريب و... قام من غير ما يسمعني: "مش عايز نقاش في الموضوع." خدت نفس ومشيت. اليومين دول إلهام اتغيرت. مبقتش مرتاحة زي الأول. "أول ما تكملي شغل اتصلي بيا في موضوع عايز أكلمك فيه." البرود اللي اتكلم بيه خلاني أقلق. أول ما كملت شغل اتصلت بيه. ودقايق كان وصل. نزلنا في أقرب حديقة وقعدنا. "اتفضل. أنا سامعاك."
ثبت عينيها وهو بيبص جوا عيني جامد من غير ما يرفل جفن وقال بحزم: "عايز أتمم جوازنا ونعيش طبيعي." بصتله بصدمة من اللي قاله. وعدلت قعدتي: "انت بتقول إيه ده؟ مستحيل." شبك إيديه وبص قدامه: "متفهمنيش غلط. بس ده الطبيعي." وقفت متعصبة وأنا شايفاه إنسان خاين وقلت: "وأنا مش موافقة. أصلاً كنت بعد فترة هطلب منك الطلاق. مستحيل. لو انت عادي تخون مراتك أنا ما أقبلش أجرح ست غيري لأني جربت الوجع ده." وقف هو كمان قصادي:
"دي مش خيانة. هي اللي سمحت تدخل طرف ثالث بينا. فلازم تستحمل. أنا كنت حاسس بالذنب ناحيتك. انتي من حقك تعيشي بشكل طبيعي. ليه دايماً محسساني إنه الحياة عندك واقفة وانتهت؟ بس طالما شايفة كده مش هضغط عليكي." مسح وشي بعصبية ومشيت وأنا بقوله: "لو عايز تعاقب مراتك ماتعاقبهاش بيا. أنا. وحلوا مشاكلكم بعيد عني." وصلني البيت وشفنا عربية سامر مركونة قدام باب البيت. دخلنا بهدوء. كان سامر شايل الولاد. مشيت المطبخ عشان أشرب.
سمعت حماتي بتقول: "خافي من آية دي حية وهتلف على جوزك ومش هيرجعلك زي الأول. صدقيني. شفتي إزاي بدأت تلف عليه ويخرجوا وترميلك الولاد؟ من دلوقتي بنت الحرام ماتستغربيش لو حاب يتمم زواجه منها. هو لمح لي امبارح بده. اهو جبتلك السحر ده. اسمعي مني واعمليه. فاكرة المرض جالها كده. ده أنا اللي ساحراها وحصل لي كنت عايزاه. ابني طلقها واتجوز عليها والمرض بقا بينهش في لحمها. وأول ما طلقها ابني فكيته."
اتشليت من الصدمة ومحسيتش غير وأنا بهجم عليها ومسكتها من شعرها ونزلت فيها ضرب وعض. كنت بضرب بكل قوتي وأنا بصرخ وببكي. صحيح ضربتها جامد وطلعت كل القهر اللي كان في قلبي وهي بتصرخ تحتي. معرفش القوة جات لي منين. بس حرفياً وشها اتلسع كله. حاولت إلهام تسحبني. زقيتها. دخل كل من عزيز وسامر جري على صوت صريخنا. حاول عزيز يرفعني مكنش قادر. جات لي قوة رهيبة وفضلت متمسكة فيها. كنت بعيط بحرقة. كل اللي عشته عدى قصاد عيني فعلاً.
رفعني عزيز بالغصب وأنا بعافر عشان أرجع أمسكها وزعق بعلو صوته: "اهدي مالك. انتي اتجننتي." "آآآآآية." كنت بتنفس بسرعة وحاسة إني هتجنن. قلبي جواه شعلة نار مش هتطفي إلا لو أخدت حقي منهم. "بلا آية بلا زفت." كنت بزعق من غير ما أحس. إحساس صعب أوصفه. وحياتي بتمر قصاد عيني. لفيت حواليا وهو بيبص لي بريبة. وجبت أقرب سكين ليا. "هقتلك يا حقيرة. هقتلك."
كنت زي المجنونة. عقلي طار خلاص. حاولت أوصلها وقربت منها فعلاً. بس عزيز كان مانعني. فضلت أعافر وأعافر. "هجيب حقي منك يا حيزبون وهشرب من دمك. ابعد عني انت كمان." كل حاجة عدت بسرعة وبلمحة البرق والسكينة حسيتها اتغرست. بس في مين ما أعرفش.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!