الفصل 59 | من 61 فصل

رواية ديجور الهوى الفصل التاسع والخمسون 59 - بقلم فاطمة طه

المشاهدات
20
كلمة
10,023
وقت القراءة
51 د
التقدم في الرواية 97%
حجم الخط: 18

يا بنتي ما تبعتيله رقم أبوكي، أنتِ مخك تعبان يا ملك؟! كانت ملك تجلس مع بشرى اليوم في منزلها، بعدما تركها هلال أمام المنزل وذهب لتوصيل شمس إلى محطة القطار. تحدثت ملك مدافعة عن حالها وهي تنظر لها بضيقٍ: ليه تعبانة مالي؟! أردفت بشرى ساخطة على تصرفات صديقتها الغير مفهومة:

يعني الواد اشتكى لهلال، بعتلي رسالة، يقولي أنك مش عايزة تبعتيله رقم أبوكي ولما قالك هيدور على الاكونت بتاعه بلكتيه من الاكونت التاني، دي تصرفات طبيعية؟! هتفت ملك بصراحة: لا مش طبيعية، شكلي توكسيك ولا إيه؟! ردت عليها بشرى ساخرة وهي تقوم بتقطيع بعض الفواكه وتقف في المطبخ وبجانبها ملك التي أخذت قطعة من الموز:

لا مش شكلك، ده أكيد. أنتِ توكسيك لنفسك يا ملك مش ليه، شكلك حبيتي تفضلي تحبيه لوحدك وتفضلي مكملة العلاقة في خيالك ومش عايزاها على أرض الواقع. أردفت ملك بابتسامة واسعة وهي تتحدث بعفوية: شكلي كده، أصلي بخاف أبين مدلوقة و… قاطعتها بشرى بابتسامة عريضة وساخرة: لا مدلوقة إيه، هو شايفك هطلة دلوقتي، وشوية وهيزهق منك ومن تصرفاتك. قالت ملك ساخرة: شوفوا مين اللي بيتكلم وبينصح، الله يرحم. تحدثت بشرى بكبرياء:

أياكي تتكلمي لأني على الأقل كنت الأول مش فاهمة ومش حاسة، وكل حاجة جت بسرعة. لكن أنتِ بقالك سنين بتحبي الواد في صمت وهتموتي عشان يعبرك، ولما عبرك اتجننتي تقريبًا. أردفت ملك وهي تعقد ساعديها بعدما أخذت تفاحة ووضعتها في فمها لتأخذ منها قطعة: بتقل عليه. تحدثت بشرى ساخرة: لا التقل مش كده، ده كده هيفطس منك. سألتها ملك بجدية لا تليق بما تقوله: اصل افرضي هو جاي يخطبني شفقة منه وعلشان هو حس إنّي بحبه؟!

وبعدين بعد كام سنة يكتشف إنه مبيحبنيش يروح سايبني وأنا يجيلي تراما، وكمان.. قاطعتها بشرى ليس لها قدرة على سماع أي تفاهات أكثر من ذلك: اخرسي يا ملك علشان أنتِ اتجننتي، والله أنا هبعتله أقوله ملك مش عايزك وخلاص، الواد يريح دماغه منك. وخدي بالك لو مبعتيش الرقم خلال الأسبوع ده هو أقسم إنه ما هيفتح الموضوع تاني لأنه بقاله شهور على كده. أردفت ملك بانزعاج واضح وشحبت ملامحها: وهو ماله بيتفرعن أوي كده ليه، آخر قطعة يعني؟!

الرجالة على قفا مين يشيل. علشان كده أنا هقوله إن الرجالة على قفا مين يشيل، يشوف مصالحه بقى ويريح دماغه لغاية ما تلاقيلك راجل مش شايف نفسه ولا بيتفرعن عليكي. هتفت ملك بنواح: الله يسامحك يا بشرى، عايزة تكسري قلبي؟! قالت بشرى بعدم فهم: يا بنت الناس، أنتِ عايزة إيه؟ متعصبنيش، أنا جبت آخري منك. أنتِ بتحبيه؟! بصراحة مطلقة كانت تجيب عليها ملك: أوي يعني، دي مش حاجة باينة عليا يعني، أنتِ أكتر واحدة عارفة. سألتها بشرى بجنون:

أومال إيه المشكلة؟!!! مش عايزة أبين بحبه، فهماني. قالت بشرى بلهجة زائفة بعدما أخذت نفس طويل: خلاص، اديني رقم أبوكي علشان أتمسح من عندي وأنا هقوله إنك مغصوبة عليه؟! ضيقت ملك عيناها وهي تسألها باهتمام كبير وجدية: هو ده ينفع؟! هتعمليها إزاي طيب، اقنعيني الأول أشوف أدائك. *** تجلس الصغيرة نور معها بين أحضانها. تحاول تأهيل وتدريب نفسها على الأمر منذ ولادة نور، ابنة بكر ودعاء.

هي تقضي وقت طويل معها إذا كان في شقة دعاء، أو حينما يكون الجميع في شقة توفيق، أو حتى حينما تكون دعاء مشغولة تأخذها وتصعد بها إلى شقتها. كان الأمر جميلًا وجديدًا عليها. لم ترى فردوس طفل صغير يكبر أمامها، لم تمر بتلك المرحلة، لم يكن لها أقارب في أعمار أصغر منها، ولا أشقاء. لذلك كان الأمر لطيفًا جدًا مع نور التي تشكلت بينهما رابطة قوية جدًا، تحديدًا منذ أن حملتها بين ذراعيها حينما ولدت دعاء.

كان الذهاب مع العائلة بالنسبة لفردوس ليس شيء طبيعي، أو من الممكن أن تفعله هي. مازالت لا تعلم كيف من الممكن أن تكون علاقتها المستقبلية وتعاملاتها بوجود شريف. أن تتنازل شيء، وأن يكون شريف أمامها كل يوم شيئًا آخر. تحديدًا شريف الذي لم يعد شقيق زوجها فقط، بل أصبح يحمل دماء من تحمله في أحشائها. صلتها به لم تعد شيء أصبح من الممكن إنكاره أبدًا، لذلك التزمت الجلوس في شقتها.

تركت دعاء "نور" معها لأنها ذاهبة إلى المدرسة بسبب استدعاء لها من المدرسة من أجل ريم. لذلك تركت الصغيرة معها لغياب أغلب أفراد العائلة، وتحديدًا لأن الطقس اليوم غريب، الذي يحمل رياحًا محملة بالأتربة، وتقلبات جوية مختلفة. بسبب هذا الاستدعاء لم تذهب دعاء مع العائلة وذهبت إلى المدرسة، وها هي تجلس أمام فردوس بعدما أخذت الصغيرة في أحضانها: معلش بقى دوشتك بـ نور، سيبتهالك ومشيت. كادت فردوس أن تتحدث، لكن أسترسلت

دعاء حديثها مداعبة إياها: الصراحة أنا كنت عايزة أسيبها أكتر من كده وأكون بجحة، بس قلت بلاش يعني. إذا كان حبيبك عسل متلحسوش كله، يدوبك خليت ريم تستحمى وعملت ليها سندوتشين وأنا واقفة بهدومي، حتى مغيرتش وسيبتها تأكل ونازلة ليها من تاني. أردفت فردوس بفضول وقلق في الوقت نفسه: هو إيه بقى اللي حصل في المدرسة وعملوا لها استدعاء ولي أمر ليه؟! تمتمت دعاء باستنكار:

متفكرنيش، البت ضربت زميل ليها وعضته في إيده، الواد إيده مزرقة. أمه كانت هتعمل لينا محضر وكانت مبهدلة الدنيا. ضيقت فردوس عيناها وهي تسألها بدهشة: وايه اللي خلاها تعمل كده؟! يعني عمرها ما اتعاملت بالأسلوب ده مع فهد أو مع عيال أم شيماء. هتفت دعاء ساخرة: ولا حتى مع عيال اختي. سألتها عملتي كده ليه تقولي، الواد قالي: "أنتِ قصيرة"، كانت هيجيلي العصب السابع من الإجابة دي أصلًا. ضحكت فردوس رغمًا عنها متحدثة بعدم تصديق:

يعني عضت الواد بالشكل اللي بتتكلمي عليه ده علشان قالها إنها قصيرة، معقول؟! عقبت دعاء بنبرة جادة: قعدت أتكلم معاها كتير وفهمت إنه بقاله فترة بيتريق عليها لغاية ما جابت آخرها. وصحابهم في الفصل قالوا كده. روحت أنا بقى أديتهم في المدرسة إنه اتنمر عليها وإنه رد فعل طبيعي. وأنا روحت زعقت، راحت أمه زعقت هي التانية، وفي الآخر المديرة حاولت تلم الموضوع. ثم أسترسلت دعاء حديثها بكبريائها وثقتها المعهودة:

مهو في المواقف اللي زي دي بقى أنا أحب آخد اللي قدامي بالصوت، على صوتك حتى لو أنا وبنتي اللي غلطانين. وفي الآخر العيال اتصالحوا وأنا كلمتها كتير واحنا راجعين. ولسه نازلة ليها أنا قلت: "مسيبش نور أكتر من كده علشان كفايا كده". أردفت فردوس بتلقائية: ولا تعب ولا حاجة، أنتِ عارفة إن أنا بحبها تقعد معايا، وبالعكس هي هادية جدًا. داعبت دعاء وجه ابنتها متحدثة بتهكم:

والله يا فردوس، هي مش بتبقى هادية إلا مع الناس الغريبة. العفرتة كلها بتشيلها ليا أنا بليل. ثم أسترسلت حديثها بعفوية: أنا كلمت بكر وأنا في الطريق، قالي إنهم جايين. *** مُنذ أن عَرَفتكوَأنا أستشعِر مَعنىٰ أن يَبقىٰ المرءحاملًا في أطراف صدرهكُل هـٰذهِ الطمأنينة . أُحبُّكِ ، هَكذا متبوعةً بِفاصلة ، لأن حبُّكِ مُنهمِرٌ بِداخلي لا توقِف مَجراهُ النُقاط . ” بـنـي سـويـف ”

عادت شمس إلى المنزل بروح خائفة جدًا بأن كل تلك الأحلام التي انتظرتها في عقلها هي وحدها. في الواقع، هذه هي الحقيقة. لم يعدها شريف بأي شيء. لم يكن بينهما وعد. لكنها بقيت على أمل ضعيف جدًا بداخلها. حاولت في النهاية ألا تفكر بتلك الطريقة. هي فقط تريده بخير، ليس عليها بناء أوهام ليس لها أي داعي. بل حاولت وصف حبها له بأنه ربما تعلق وإعجاب به، وكانت تلك مسميات ضعيفة جدًا وباهتة أن تصف ما تشعر به تجاهه.

تخطت مشاعرها كل الحدود. بمجرد عودتها استقبلتها والدتها بوجه غاضب ومنزعج، وعلى الأغلب كان باكي خلال اليومين الماضيين. تحدثت شمس بنفاذ صبر: مالك يا أمي؟! قالت سوسن بعتاب واضح: مالي أنتِ كمان مش عارفة مالي؟! لما تسبيني زي الكلبة هنا لوحدي، ولا بشوف حد ولا معايا حد، قاعدة وشي في وش الحيطة علشان تقعدي مع ست بشرى، ده بالنسبالك عادي؟! خلاص أمك ملهاش لازمة في حياتك؟! تنهدت شمس باختناق. لما تصف سوسن نفسها بأنها أمها.

بل الحقيقة أنها تتصرف وكأنها هي التي تكون ابنة شمس ومسؤولة منها. ردت شمس عليها بمنطقية: أنتِ مضايقة علشان كنت سايباكي لوحدك، ولا مضايقة علشان كنت مع بشرى بالذات؟! نظرت لها سوسن باختناق وامتنعت عن الإجابة لتتحدث شمس بنبرة جادة: كده الإجابة وصلت، بشرى أختي ودي حقيقة لازم تتقبليها. ثم أسترسلت حديثها بنبرة عادية: أنا ملحقتش أبِيت مع بشرى أصلًا تقريبًا هي ليلة واحدة، ومش منطقي أروح أبِيت عندها لأن جوزها كان معاها.

قاطعتها سوسن بعدم فهم: إزاي يعني مش أنتِ قلتي إنه مسافر؟! هزت شمس رأسها نافية متحدثة بتوضيح: ده اللي قلته قدامك وقولته قدامه. أنا روحت هناك علشان أروح أشوف شريف يوم خروجه من السجن. قاطعتها سوسن شاهقة ثم تحدثت بعنف: يعني أنتِ سافرتي علشان تشوفيه وكمان جوز اختك عارف وهي عارفة؟! مفكرتيش هيقولوا عنك إيه. كانت المقاطعة تلك اللحظة من نصيب شمس متحدثة بسخرية:

أنا كان لازم أشوف شريف وهو حر بأي ثمن، وصدقيني مش هيقولوا أكتر من اللي ممكن يقولوه على واحدة كانت رقاصة. بلاش نفتح في القديم أحسن. أنقلب وجه سوسن وهي تتحدث بنبرة منطقية: محدش بيفتح في القديم غيرك يا شمس، وأنتِ شكلك مصممة على كده. يعني احنا بنحاول نخلي أبوكي ينسى اللي فات، فأنتِ تروحي تجري وراه برضو؟! وهو وعدك بحاجة لكل ده؟! قالت شمس بنبرة عفوية:

موعدنيش بحاجة، بس اللي جوايا ليه كفيل إنه يخليني أعوز أشوفه حر حتى ولو بمسافة بعيدة. هو ميعرفش إني كنت موجودة من الأساس، كنت بتفرج على صورة حلوة ليه مع عيلته، وجودي أنا اللي مبوظاها، زي ما أنا دخلت عيلة أبويا كنت الحاجة اللي بوظت شكل الصورة حتى ولو كانت مش أحسن حاجة، ودي أنا في حياة أي حد. نظرت لها سوسن بأسى واضح وكانت على وشك الحديث لتغمعم شمس بنبرة عادية لا ترغب في سماع أي شيء:

يلا قومي حضري لينا الغداء وبلاش دراما ملهاش لازمة، هنام ليا ساعتين عقبال ما تخلصي. *** حضر أحمد شقيق بشرى حفل زفافها. علم بأمر تلك الأخت التي ظهرت مرة واحدة. لم يحاول مواساة والدته. كما أنه لم يصدر منه رد فعل عاطفي تجاه شمس، بل تعرف عليها بطريقة سطحية كمن يتعرف على زميلة له في العمل. هذا الشيء أثر في نرمين بشكل كبير وأحزنها. لأول مرة تدرك بأن ابنها تغير مع الجميع، ليس مع والده فقط.

وكأن العيش في الدول الأوروبية قد يجردك في بعض الأحيان من المشاعر والود. يجعلك مرغمًا أن تصاب ببرودة تترسخ بداخلك مرة، بعد مرة، بعد مرة حتى تشعر في أحد المرات بأن الصفات المكتسبة طغت على أصولك. وتحديدًا إذا كانت الأصول مُدرة ومنهكة. انشغلت في البداية مع ابنتها بعد الزواج، تذهب لزيارتها مرة في الأسبوع وترافقها زينب. وكانت تأتي بشرى في البداية مع هلال، لكن في شهورها الأولى في الحمل لم تفضل الطبيبة سفرها كثيرًا.

لكن لا شك بأنه بالرغم من المسافة أنها مشغولة معها. يومياً يكون بينهما مكالمة (فيديو كول) وتطبق بشرى فيها نصائح أمها وجدتها من أجل الطعام التي تصنعه. في الحقيقة والدة هلال لم تؤثر في تلك النقطة، فهي تدرك جيدًا معنى أن تكن هناك فتاة مدللة متزوجة حديثًا، صغيرة السن كبشرى تقطن في محافظة غير محافظة أهلها. لذلك هي كل أسبوع تقريبًا تأتي محملة بالأطعمة المختلفة التي تتوقف على التسخين فقط.

وحتى إذا لم تأتي ترسل الطعام مع هلال، أو مع العاملة التي تساعدها في المنزل. وهذا الشيء جعل بشرى ممتنة لها جدًا، لكن في الوقت ذاته تحاول بين الحين والآخر فعل شيء بنفسها وطهي الطعام من أجل زوجها الذي بات يشكل جزء كبير جدًا من يومها بشكل خاص ومن حياتها بشكل عام. لا تصدق متى تمت الخطبة، متى حدث حفل الزفاف؟! والآن هي تحمل جنين في أحشائها!!!

لو أخبرها أحد بهذا من قبل بأن كل تلك الأشياء سوف تحدث لها بتلك السرعة لأخبرته بأنه مجنون. ولأنها في شهورها الأولى لا تذهب إلى العمل يوميًا، لكنها في المنزل تذاكر وتحاول الاجتهاد بشكل مختلف في دراساتها العليا. *** منير هذا قد فقد عقله. هذا ما تقوله نرمين هذا الأسبوع الخامس على التوالي الذي يرسل فيه منير باقة ورد إلى المنزل.

بالرغم من أنها تتشاجر معه يوميًا عبر الهاتف مخبره إياه بأنها ترغب في الطلاق ولا ترغب في أية حلول بديلة، لكنه يخبرها بأنه يرغب في فرصة لتغلق المكالمة في وجهه. الحياة بينهما أصبحت غريبة في الفترة الأخيرة. هو لم يهديها في شبابه باقة من الزهور ليفعلها في كبرها. لذلك قررت اليوم الذهاب إلى منزل والدته الشجار معه وجهًا لوجه. ذهبت واستقبلتها العاملة وبعدها استقبلت زينب متحدثة: أهلاً يا نرمين يا بنتي، تعالي اقعدي.

تحدثت نرمين بانزعاج واضح: منير فين؟! اندهشت زينب من غضبها ومن طريقة سؤالها عنه، لكنها عقبت بتوضيح: منير لسه ماشي من ساعة تقريبًا، راح في طريقه لاسكندرية عنده مشكلة تقريبًا في فرع من الفروع. على حظي مشي. قالت نرمين تلك الكلمات وهي تجلس على الأريكة باختناق. لم تكن تظن بأنها غير موجود. منذ أن خضع إلى تلك العملية وهو يقضي وقته هنا عكس السابق.

أصبح نادرًا ما يذهب إلى الإسكندرية، فقط يجلس ليهتم بعائلته، والدته، بشرى، وحتى شمس. حاول فعل المثل مع ابنه أحمد لكن محاولاته فاشلة جدًا معه ولكنه مستمر في المحاولة. جلست زينب بجانبها قائلة برفقٍ: مالك يا نرمين، حصل حاجة جديدة؟! تمتمت نرمين وهي تنظر لها: المشكلة إن مفيش حاجة جديدة، ابنك لسه مطلقنيش وكل شوية يبعتلي حاجات ويبعتلي ورد، آخرة الكلام ده إيه يعني؟ هو احنا عيال صغيرة؟! تحدثت زينب بتوضيح:

آخره إنه عايز يرجعلك ومتمسك بيكي، وبيحاول يصلح ما بينكم. أردفت نرمين بسخرية طفيفة: بيحاول يصلح اه، اللي فات صعب جدًا وطويل سنين مش هتيجي في عمر الواحد تاني. نظرت لها زينب بأسى متحدثة بنبرة هادئة: بس اللي جاي يستاهل نحاول علشانه. وبعدين أنا عارفة إيه اللي قالقك وشاغل تفكيرك من غير ما تقولي. سألتها نرمين بعدم فهم: هيكون إيه اللي قالقني يعني وأنتِ تعرفيه؟! عقبت زينب بنبرة جادة وحكيمة:

أنتِ قلقانة إن منير يرجع لام شمس، تحديدًا وأنتِ على ذمته. شعرت نرمين بأن هناك دلواً من الماء المثلج قد سكبه أحدهم عليها!! كيف؟! كيف استطاعت زينب أن تفهمها بهذا الشكل؟!!!!!! نعم، هذا شيء يزعجها ويجرح كرامتها بالإضافة إلى مشاكلها مع منير نفسه. قرأت زينب سؤالها في عينيها لذلك تحدثت:

أنا حاسة بيكي يا بنتي، احنا عِشرة سنين حتى لو فيهم مشاكل أو فيهم إيه، كلنا اطبعنا بطباع بعض وفهمنا بعض. أنا معاكي في أي قرار؛ بس أنا بأكدلك إن منير استحالة يرجع للست دي من تاني، أصلًا هو مش بيشوفها وشمس بتيجي هنا لوحدها لما بتيجي. ابتلعت زينب ريقها ثم غمغمت بنبرة جادة وواضحة ونصيحة صادقة من قلبها:

هو ملهوش أي علاقة بيها، ووالله ابني مكنش يعرف حاجة فعلًا. آه، ده صحيح، ميقللش من أخطائه لكن دي الحقيقة. وعلشان كده لو لسه في أي حاجة جواكي من ناحيته أو من ناحية بيتكم وإنك عايزة حياتكم تستمر حتى ولو واحد في المية، اديله فرصة بعد ما تعلميه الأدب. لو مش حابة روحي اخلعيه. قالت زينب حلها الثاني بنفاذ صبر. *** قرأت قبل قليل بأن : الحبّ رزق ليس مشقّة. انقطعت الأخبار عنه. منذ إتيانه إلى المعمل قبل عدة أشهر وهو قد اختفى.

لكنها حاولت قدر المستطاع بألا تهتم. ولا تجعل الأمر يشغل حيز كبير من تفكيرها. أعطت كامل تركيزها إلى يومها وعملها، عائلتها، دبلومتها التي بدأت بها حديثًا. يومها مشغول إلى درجة كبيرة، لم تصل يومًا أن يكون على عاتقها إنجاز كل تلك المهمات في يوم واحد. هي حتى حينما مرضت والدتها جلست من العمل لأنها لا تستطيع التركيز في أكثر من شيء وليس لها جهد يكفي لهذا.

لكن الآن الأمر مختلف تمامًا، هي مشغولة جدًا إلى الحد الذي يجب أن يجعلها ألا تفكر في أي شيء، لكنها كانت تفكر به رغمًا عن أنفها. كانت كلما تحاول مراقبته على مواقع التواصل الاجتماعي تقوم بتهذيب نفسها بأنه لا يجب عليها فعل هذا. ومن الغريب جدًا بأن خلال الأشهر الماضية خلال محادثاتها مع نورا والمكالمات الروتينية التي تدور بينهما بين الحين والآخر لا تتفوه نورا بحرف عنه، بل حتى لا تذكر اسمه عكس المعتاد.

وخجلها وتهذيبها لنفسها جعلها تتعقل. لم تحاول جعل نفسها أضحوكة، لذلك لم تحاول السؤال عنه رغم توقها لذلك. في يوم روتيني. بعدما انتهت من عملها مبكرًا وبعدها من محاضراتها، ذهبت لزيارة جهاد التي تمر بوعكة صحية طفيفة وتجلس في منزلها. حاولت مساعدتها في أي شيء، لكنها حينما ذهبت وجدت كل شيء على ما يرام. كانت شقيقة جهاد تمكث معها. بعدما قضت وقتًا معهما عادت إلى المنزل حتى تقوم بطهي الطعام الذي تأخر وأصبح الغداء عشاء.

تجلس الآن على السفرة بجانب والدها، كلاهما تناول الطعام بعدما سألها والدها عن حال جهاد وبعد الأسئلة التقليدية ختمت داليا الأمر: معلش أخرت الأكل النهاردة. هتف والدها بحنان: مش مهم يا بنتي، ربنا يعينك، أنتِ لفيتي البلد كلها النهاردة وتعبتي. ابتسمت داليا له ثم عادت تستكمل طعامها إلى حين أن توقف هو عن الطعام متحدثًا: في حد كلمني النهاردة. لا تفهم لما توقف!!

دون التصريح بهاوية المتصل على غير العادة، هو يتفوه مرة واحدة بما يريد قوله، ومع ذلك سألته داليا بهدوء: مين اللي اتصل بيك؟! أردف والدها بتوضيح وتكملة: واحد اسمه خالد بيقول كنتِ شغالة معاهم في المعمل القديم. توقفت عن الطعام، وفي منظر هزلي بالنسبة لها سقطت الملعقة منها على الطاولة وابتلعت ريقها وهي تسأله: وبعدين؟! غمغم والدها بدهشة من تصرفها الذي ظهر بأن هناك شيئًا ليس كما يعتقد، أنه ربما (عريس صالونات) كما يطلقون عليه:

طلب مني يجي هو ووالده وانه عايز ميعاد يجي فيه يزورنا لأنه حابب يتكلم في موضوع شخصي. طبعًا هو واضح هو قصده إيه، بس هو منمق في الكلام جدًا، بس يعني مش شكلك متعرفيش زي ما كنت متخيل. هل عليها أن تكذب؟! أم تكن صريحة معه؟! الاختيارات لم تكن كثيرة، وكلاهما يحمل قدرًا من المخاطرة، لكنها اختارت الثاني. كانت تعقيب والدها على الحديث هذا كله مُبهم: طيب وأنتِ رأيك إيه؟!

ومدام رفضناه من الأول ملهوش لازمة نجيبه بقى ونحرجه هو ووالده. قالت داليا بحيرة حقيقية: مش عارفة. الغريب شعورها من الممكن بالخسارة. عندما تم طلاقها في المرة الأولى قبل حفل زفافها لم تشعر بالخسارة أبدًا أو حتى تدرك حجمها. كانت رعايتها لوالدتها أهم من أي شيء بالنسبة لها بعدما قامت بحساب الأمر بعقلها ومنطقيًا. في المرة الثانية انفصالها عن كمال كان شيء منطقي بحت بالنسبة له.

حسنًا، ربما عاتبت نفسها على تسرعها، لكنها لم تندم لأنها اتخذت القرار الصحيح وفقًا حساباتها ومقاييسها المنطقية كما اعتادت دومًا. لكن الآن هي تشعر بالخوف من الخسارة. خسارة مشاعر حقيقية تولدت بداخلها مختلفة عن أي مرة، مشاعر تجعلها تشعر بالرهبة من رفضه تحديدًا أنها ستكون الأخيرة حسب وصفه لها، لن يحاول مرة أخرى. خوف من القبول الواضح أيضًا في الوقت ذاته، تحديدًا أنها ستكون التجربة الثالثة في حياتها.

وفي كل تجربة حتى في المعادلة والعملية الحسابية التي تصنعها مع عقلها تفقد شيئًا وجزء من داخلها. لكن تلك المرة هي تراهن على قلبها وهذا شيء مخيف بعض الشيء. أنقذها صوت والدها وهو يغمغم: إيه رأيك تصلي استخارة وتفكري، على العموم أنا اديتهم ميعاد بعد أسبوع لسه، فكري كويس يا داليا وادي نفسك الفرصة والوقت دول أهم حاجة يا بنتي، بلاش تتسرعي زي كل مرة. *** “‏تتوهجين بشكلٍ واضح عندما يُحبكِ رجلاً حنونًا يعتني بقلبكِ”

” في الحادية عشر مساءًا ” كانت تتناول العشاء معه بعدما عاد من العمل. تحدث هلال بنبرة هادئة: كلمتي شمس، شوفتيها وصلت ولا لا؟! أردفت بشرى موضحة: آه كلمتني أول ما وصلت وقالتلي إنها هتنام خلاص. وبعدين أنتَ لسه بتسأل دلوقتي، ده زمانها اتخطفت. ضحك هلال ثم تحدث مفسرًا: والله أنا وصلتها محطة القطار وبعدين رحت اتلهيت في المكتب في كذا، وعقبال ما افتكرت اتصل بيها لقيت موبايلها مقفول. قلت يمكن فاصل شحن أو حاجة. ردت

بشرى عليه بانزعاج واضح: آه هي قالتلي هتقفل موبايلها علشان هتنام وعايزة تفصل شوية، بس اعصابك في الثلاجة يا هلاف، أنا لو مكانك كنت حطيت مئة احتمال يخلوني اتجلط وأنا واقفة، وأنتَ مفكرتش حتى تتصل بيا تقولي موبايل اختك مقفول؟! أخذ ملعقة من الأرز المتواجد أمامها ثم غمغم: مبحبش اتوقع المصايب يعني. تجاهلت بشرى ما يتفوه له وأردفت بجدية واضحة: لولا إنها أصرت عليا أنا مكنتش قولتلك نوديها، وبعدين أنتَ قولتله إنها كانت موجودة؟!

أردف هلال بهدوء: لا طبعًا مكنش في وقت أقول وهو وسط أهله، وفي نفس الوقت دي حاجة أنا مبقاش ينفع أتكلم فيها بأن شمس بقت في مقام أخت ليا تحت أي اعتبار، ومينفعش أجيب سيرتها مع راجل غريب بالنسبة ليا، لكل وقت تصرفاته. عقدت بشرى حاجبيها وهي تنظر له بغموض أو تحاول فهمه. هلال لغز كبير بالنسبة لها، أحيانًا لا تستطيع تمييز تصرفاته من منها الصحيح ومن منها الخطأ؟! وأحيانًا تجد به صفات متناقضة تمامًا عن بعضها. لا تجتمع في شخص واحد.

شعر بأنها تنظر له بطريقة غريبة، سألها هلال باستغراب: باصة ليا كده ليه؟! وبعدين كلي، أنتِ عمالة تتكلمي على ملك وعلى شمس من ساعة ما قعدنا ومش بتأكلي يعتبر. يعني بحاول أفهمك. عقب هلال مداعبًا إياها وهو ينظر لها ببراءة: أعتقد أنك اتأخرتي أو أنك بطيئة في الاستيعاب، لأن المرحلة دي عدت خلاص. أنتِ حامل مني ولسه بتحاولي تفهميني؟! عقبت بشرى بانزعاج: وليه متقولش إنك غريب وغامض ساعات.

ترك الملعقة من بين يديه وتحدث معها وهو يمد يده والتقط راحة يديها الموضوعة على الطاولة: مش غريب ولا غامض، أنا عارف إنك بتقارني اللي بقوله دلوقتي وبين اللي عملته مع شريف. أشرحلك، أنا عملت كده علشان كنت بنقذ وضع وعارف إني غلطت، بس شريف حالته كانت غير أي حد. أنا مكنتش مشجع علاقة شريف وشمس ولا كنت مشجع أي علاقة شريف بيدخلها مع واحدة وهو هربان وعايش باسم حد تاني. ابتلع ريقه وهي تسمعه باهتمام وانصات:

ولما عرفت وضع شمس إنها بتدور على أبوها وإنها كانت إيه، أنا رفضت الموضوع أكتر من الأول، بس أنا مش وصي عليهم في النهاية. ووافقت إني أودي شمس علشانك أنتِ اللي أصريتي، لكن شمس بقت أخت مراتي، لذلك أنا من واجبي أحافظ عليها لأنها زي أختي، الأول مكنتش تخصني. تحدثت بشرى بنبرة مغتاظة: أنا مضايقة بجد إني بقتنع بكلامك. عقب هلال بنبرة مرحة: أنا مقنع فعلًا واكتشفت الموضوع ده معاكي أكتر.

غمغمت بشرى بخجل وحيرة كبيرة بعدما أخبرتها شمس تقريبًا قصتها مع شريف من البداية إلى النهاية: طب تفتكر هو ممكن يجي يتقدم ليها وينسى إنها كانت يعني رقاصة؟! هل ممكن في راجل ينسى حاجة زي دي؟! داعب أصابعها النحيلة والقصيرة بين يديه متحدثًا بتوضيح:

بصي يا بشرى، علاقات الحب معقدة جدًا، أو علاقات البشر عمومًا تحديدًا اللي بين راجل وست، مينفعش طرف بعيد يحكم ممكن ينسى ولا ممكن مينساش. طب ده ينفع وده مينفعش، ملهاش قانون ولا ليها قاعدة، ولا حتى اللي ساعات بيسامح على حاجة كبيرة ده معناه إنه بيحب أكتر واللي مبيسامحش ده محبش. بالعكس ساعات اللي بيمشي بيكون علشان هو أكتر واحد حب. سألته بشرى بعدم فهم، شعرت بالحيرة من حديثه: يعني قصدك إيه؟!

قصدي إني مقدرش أقول يا بشرى، في راجل يقبل بكده ولا لا. لإن لو قولت هقول من وجهة نظر حد تالت ممرش ولا حس بالمشاعر اللي بينهم ولا اتحط في الموقف نفسه، ولا يعرف مقدار تحمل وطاقة كل واحد فيهم. لكن لو على الحب، شريف محبش حد زي ما حب شمس، الباقي يرجع لطاقته وللنصيب. أردفت بشرى بانزعاج وهي تنهض من مكانها وتقف أمامه متحدثة باستنكار:

ماشي يا أسامة يا منير، اللي عمال تتغنى بالحب وعن العلاقات، واضح إنك خبرة في الموضوع أوي ومجرب كتير وعندك نظريات وأبحاث. قولي بقى جبت الكلام ده منين وبتحب مين؟! ضحك هلال وهو يعقب وهو ينظر لها رافعًا رأسه: هو لازم أكون عيشت العلاقات دي بنفسي، ده كفايا اللي بنشوفه. ثم حاوط خصرها متحدثًا بنبرة حقًا تذيبها وتخجلها: وبعدين أنا بحبك أنتِ، هحب مين يعني؟! انتهت الجلسة والنقاش لصالحه. واستطاع أن ينقذ نفسه.

لكنها كانت الحقيقة، هو يحبها جدًا. بشرى هي الإنسانة الوحيدة التي تناسبه ولا يوجد غيرها. *** “‏وإنّكِ مُسَكني وسَكَني وسَاكنَتي وسِكّتي وسُكّرتي.” في المساء. كان مساء مختلف ورائحته مختلفة. بالنسبة لكمال وجميع العائلة، شريف في المنزل، نائم في شقة والدته، هذا هو الحلم الذي حلم به الجميع، وفي بعض اللحظات ظنوا بأن تلك اللحظة لن تأتي لأنها طالت جدًا. تناول كمال الطعام بالأسفل.

كان هناك وليمة تقريبًا على شرف رجوع شريف إلى عائلته أخيرًا. كان الجميع يجلس على السفرة في شقة توفيق ما عدا فردوس. امتنعت حينما أخبرها كمال ولم يضغط عليها. يعرف بأن الأمر ليس سهلًا ولم يكن يومًا سهلًا. لكن يتمنى على الأقل في المستقبل القريب أن يكون الوضع ألطف من الآن. الزمن كفيل بإصلاح كل شيء.

على الرغم من حلاوة وكثرة الطعام لم يتناول كمال كثيرًا حتى يصعد ويتناول الطعام معها لأنه يعرف أن من عادات فردوس الجديدة بأنها لا تتناول الطعام بمفردها، تحديدًا بعدما أصبح نومها إلى حد ما منتظم معه. حتى أنها تستيقظ وتحضر الفطور لهما قبل أن يذهب إلى عمله. ظل كمال جالسًا مع عائلته إلى حين قرر شريف بأن يخلد إلى النوم، لأنه يشعر بالارهاق الشديد. لذلك أنسحب كل شخص إلى شقته، ومنهم كمال الذي صعد إلى الأعلى.

كانت فردوس تحضر الطعام في وقت متأخر لأنها في انتظاره، ولم يخب ظنها. هو جلس وتناول الطعام معها بهدوء، لكن لم يجمعهما حديث واضح أو طويل، بل كلها كلمات مختصرة من قبلها يرد عليها كمال بالمثل. في الحادية عشر قبل منتصف الليل. كانت هي تأخذ حمامها، وجاءت إلى الغرفة. أثناء إتيانها تسمع كمال يتحدث مع شخص في الهاتف، ولكنها لم تستطع تحديد هويته، رجل أم امرأة؟!

لا تعلم حقًا، كمال أحاديثه في الهاتف مبهمة ومختصرة جدًا في العموم حتى معها. بمجرد دخولها إلى الغرفة وجدته يتحدث: خلاص تمام، سلام. ثم وضع الهاتف بجانبه. وهنا نظرت له نظرة شك كأي زوجة أصيلة وهي ترفع المنشفة التي كانت تضعها فوق رأسها وأخذت تبحث عن مجفف الشعر وهي تسأله بتعليق سخيف: بتكلم مين وأول ما شوفتني قفلت ليه؟! تحدث كمال وهو يرفع حاجبيه بسبب تعليقها الغريب: بتكلميني أنا؟! أجابت عليه وهي تضع مجفف الشعر على

(التسريحة) أيوة بكلمك أنتَ على حد علمي يعني، مفيش حد غيري أنا وأنتَ في الشقة وأنا سمعاك بتتكلم وأول ما شوفتني قفلت. ضيق كمال عيناه وهو يعقب ساخرًا: أول ما شوفتك قفلت؟! ده خيالك رسم سيناريو ما شاء الله. عبست ملامحها وهي تنظر له باستهجان. لا شك بأنها تثق في كمال ثقة عمياء، لكن هناك شيء بداخلها ينزعج كلما تتذكر زواجه بأخرى، حتى ولو كان له أسبابه.

هي لا تنسى الأمر وهناك مقولة تحاول ألا تصدقها بأنه من يفعل مرة، يفعلها كل مرة حتى لو تغيرت الأوضاع. تحدث كمال بنبرة عادية: على العموم قبل ما دماغك تشتغل زيادة عن اللزوم وتاخدك لبعيد، أنا كنت بكلم داغر علشان جاي بعد بكرة ومش قايل لحد وهروح أخده من المطار. أما قفلت أول ما دخلتي ده علشان المكالمة خلصت في نفس الوقت. أردفت فردوس بحماقة: أنا بس كنت بسأل سؤال عابر مش قصدي حاجة. اه سؤال عابر.

مرت ساعة وكل شخص منهما يعبث في هاتفه، وفردوس تنظر على هاتفه بين الحين والآخر بطرف عينيها وهو يمسك هاتفه بيد واليد الأخرى فنجان القهوة الذي صنعه لنفسه. ودون مقدمات وهي تلمح هاتفه بطرف عينيها مد كمال يده لها بالهاتف بطريقة أفزعتها بعض الشيء: خدي شوفي عايزة تشوفي إيه؟! ، بدل عينك اللي شوية وهتخرج من مكانها دي. حاولت فردوس الدفاع عن نفسها متمتمة: بسم الله الرحمن الرحيم، هو أنتَ بتشوف من جنبك؟!

وبعدين أنا بس بشوفك بتتفرج على إيه، فضول، غلطت أنا في إيه؟! كان قد أنهى قهوته فترك الفنجان على الكوميدينو ثم مد إحدى ذراعيه ليجذبها ناحيتها وتكن في أحضانه واليد الأخرى ممسك بها هاتفه: اتفضلي شوفي عن قُرب بتفرج على، وبعدين أنا بقلب في الفيديوهات وخلاص مش بتفرج على حاجة معينة. أنا شكلي من الزهق دماغي لافة شوية، أنا مش قصدي حاجة عمومًا، أنا زهقانة أوي من القعدة في البيت طول الوقت، وحاسة إني… قاطعها وهو يغلق هاتفه

ويضعه بجانبهما على الفراش: متحسيش، مش يمكن علشان الدكتورة مسافرة بقالها أسبوعين ومبتروحيش الجلسات بتاعتك حاسة إنك مخنوقة مش أكتر؟! تحدثت فردوس بعدم اقتناع: يمكن. هتف كمال بعد دقيقة أخذ يفكر فيها في المهام التي تقع على عاتقه غدًا بعد عمله: خلاص هشوف كده، هكلمك لما أقرب أخلص شغل لو محصلش أي حاجة ومكنش ورايا حاجة تظهر ليا فجأة هخلص وأكلمك ونخرج، إيه رأيك؟! تنهدت ثم غمغمت بتقدير لمحاولته لإرضائها وسط تلك الظروف: يمكن.

ثم حاول أن يتجاذب معها أطراف الحديث متمتمًا: وبعدين راح فين حماسك، ده الدكتور هيقول لينا أول الشهر الجاي ولد ولا بنت. هتفت فردوس وهي تضع يدها على بطنها التي بدأت في البروز منذ بداية شهرها الرابع لكن ليست بشكل كبير تحديدًا حينما ترتدي ملابس فضفاضة، هو يظهر فقط حينما تكون في المنزل وترتدي ملابس بسيطة ولا تتكون من طبقات عدة:

أنا متحمسة أيوه، بس النهاردة فاقدة الشغف، هرجع بكرة لحماسي من تاني أكيد. أنا هحب اللي هييجي سواء ولد أو بنت، بس مش عارفة حاسة إنها بنت. ثم سألته بطريقة عفوية: أنتَ حاسس إيه؟! إيه اللي أنتَ حاسس إيه دي؟! يعني هتغيريه لو قولت حاجة وطلعت حاجة تانية. أردفت فردوس بسخرية: مين فينا بقى اللي بيضايق التاني؟! أنا غلطانة إني بسألك يعني؟! كل اللي يجيبه ربنا كويس، أهم حاجة تكوني صحتك وصحته أو صحتها كويسة.

قالت فردوس بعدما تثاءبت، من يصدق بأن فردوس باتت تشعر بالنعاس في منتصف الليل: يارب. احتضنها بحب واحتواء لتسأله بنبرة ناعسة وهي تعبث في ذقنه بأصابعها: أنتَ مبسوط؟! من طريقة سؤالها بعد صمت دام لدقائق رغم أنها لم توضح الأمر، لكنه يعلم بأنها تقصد شعوره بإتيان شريف وحريته أخيرًا.

مبسوط دي كلمة قليلة، أنا مرتاح، مرتاح بشكل مخليني لأول مرة خايف أنام علشان لو كل اللي بيحصل ده حلم حلو مصحهاش منه. رغم إني بقالي سنين بنام وبصحى على أمل إني كنت عايش في كابوس وهفوق منه. تمتمت فردوس بنبرة عاطفية مختنقة: نام وارتاح يا كمال، أنتَ تستحق ده إنك تنام ومطمن إنك هتصحى على واقع اتعدل وبقى منطقي يمكن. ترك قبلة على رأسها ووجنتيها ولم يتفوه أحد بحرف آخر، بل عرف النوم طريقه إليهما.

وللحق لم يكن كمال هو الذي يشعر بالراحة فقط، بل كانت فردوس مرتاحة الضمير رغم صعوبة الوضع. *** استيقظت في الخامسة صباحًا. للحديث مع داغر، في البلد الذي يقيم فيها تكن الساعة السابعة وهو موعد استيقاظه. تحب الحديث معه قبل أن يذهب إلى العمل. وحينما انتهت من المكالمة، خرجت من الغرفة لتطمئن بأن والدتها مازالت نائمة والوضع على ما يرام. خرجت إلى الخارج حينما شعرت بحركة خفيفة. ووجدت شريف يجلس على الأريكة وبين أصابعه تتواجد

(سيجارة) غمغمت أفنان وهي تضيق عيناها: إيه اللي مصحيك بدري أوي كده؟! أردف شريف بلامبالاة وهو يطفئ السيجارة: مش عارف، يمكن علشان نمت بدري زيادة عن اللزوم وفقت ومش عارف أنام تاني، وبرضو علشان لسه مش مرتاح هنا، مكان جديد جدًا بالنسبالي. هتفت أفنان بعفوية وهي تأتي لتجلس بجانبه: حاسة المكان هنا مريح كتير. تمتم شريف بهدوء: يمكن، هو فهد بيبات كتير عند جدك كده؟! قالت أفنان بنبرة هادئة وابتسامة مرتسمة على ثغرها:

في الغالب آه، بيبات معاه كتير من ساعة ما جينا هنا. بصراحة مكنتش متوقعة إن علاقته بجدو هتكون كده. عقب شريف بابتسامة هادئة مبادلًا إياها: كويس جدًا. حتى علاقته بفردوس ودعاء كويسة جدًا، الصراحة علاقته بفردوس بتخوفني ساعات، بس يعني واضح إن فردوس اتغيرت كتير ونسيت يمكن أو بتحاول تتعايش مع وضعها الجديد، واهي حامل ربنا يتمم حملها على خير. فردوس أصبحت لغز بالنسبة إلى شريف. لا يصدق حتى هذا اليوم بأنها تنازلت.

بالرغم من أنها عرفت الحقيقة لم يتوقع أن تفعل أبدًا. حتى أنه أحيانًا كان يستنكر ويبغض حب كمال لها ولا يجد هناك أي مبرر منطقي قد يجعله يستمر مع امرأة مثلها. فعل شقيقها هذا الفعل بأخته. كان يجد فردوس وحسن في نفس الكفة تقريبًا. وعلى ما يبدو أنه أخطأ في تقديره. قاطعته أفنان من شروده: سرحت في إيه؟! رد شريف عليها بنبرة خرجت منه عفوية: مفيش، بسمعك. بحاول أتعود على التغييرات الجديدة اللي حصلت في حياتكم كلكم.

يبدو أنه الوحيد الذي لا يمتلك أي إشعار جديد. أو حدث جديد. أردفت أفنان بنبرة خافتة: إيه رأيك أعمل شاي بلبن وسندوتشات نفطر مدام إحنا الاتنين مش جاي لينا نوم. هتف شريف بإيجاز: ماشي، بس استني الأول، أنا كنت عايز أسألك على حاجة. تمتمت أفنان بانتباه وأذان صاغية: أسأل. بس لو فضلتِ تقولي ليه ومش ليه هتعصبيني، مدام أنا مقولتش ليكي على حاجة لوحدي بلاش أسئلة. هتفت أفنان بعفوية: حاضر، وأنا من إمتى يعني ضغطت عليك؟!

نظر لها شريف بـشكٍ: طب احلفي. تمتمت أفنان بنبرة حانقة: يلا يا شريف، أنا مش عيلة صغيرة علشان تحلفني بقى، وبعدين هو سؤال في الجغرافيا السياسية يعني، ما تسأل. سألها شريف بتردد وهو ينظر لها: حصل أي نوع من أنواع الكلام بينك وبين شمس، يعني كلمتك، أنتِ كلمتيها، أي حاجة؟!!!! هزت أفنان رأسها متمتمة ببراءة: لا محصلش. خالص. أيوه خالص، بس أنتَ بتسأل ليه؟! صاح شريف مستنكرًا: يا بنتي أنتِ جنس ملتك إيه؟!!!

يعني لسه قايلك متسأليش ولا تقولي ليه، تروحي قايلها في وشي. هتفت أفنان مداعبة عن نفسها: خرجت مني بتلقائية، مكنش قصدي. نظر لها بانزعاج واضح، لكنه لم يكن منزعج منها ليكون صريحًا، بل هو منزعج من هلال، يرغب في قتله أو ضربه أو فعل أي شيء. عند رؤيته في الصباح حاول سؤاله عن شمس ليخبره بأنها في البلدة بالتأكيد.

حاول معرفة أي معلومة أو أي شيء منه لكنه كان غليظ لا يطاق اليوم، ليخبره بأنها أخت زوجته ولا يستطيع الحديث عنها مع رجل غريب عنها. وقتها كان يرغب شريف في لكمه لولا وجود عائلته. ألا تعلم موعد خروجه؟! هي تعرف أرقامه وإذا فقدتها، لو أرادت معرفتها لكانت فعلت. لو أرادت الوصول له كانت فعلت. لكن منذ عودته هو يضع الهاتف بجانبه يحاول أن يصبر روحه بأنها بالتأكيد سوف تتصل.

الشيء الذي أزعجه بأنه حينما اتصل بها أجابت عليه امرأة ذات صوت غريب، حينما سألها عن شمس أخبرته بأنه (الرقم غلط) يبدو أنها غيرت أرقامها. اللعنة. لا تهمه الأساس، يبدو أنه يعاني فراغ ليس أكثر ويجب أن يشغل نفسه في أقرب فرصة. حينما وجد أفنان تجلس بجانبه وتنظر له بعدما طال صمته محاولة أن تحلل أفكاره. تحدث شريف بنبرة أفزعت أفنان حقًا: أنتِ مبحلقة فيا كده ليه، يلا مش كنتي ناوية تعملي شاي بلبن ولا أدخل أنام؟! ***

يوم جديد استيقظت فيه أفنان مُبكرًا في موعد استيقاظ داغر حتى تتصل به، لكنه لم يجب عليها. أعادت الاتصال مرة أخرى ولا يوجد إجابة. ظلت جالسة على الأريكة بانزعاج وقلق في الوقت ذاته. “في البناية” كان كمال يصعد وهو يجر حقيبة معه وكذلك داغر. تحدث كمال بنبرة هادئة: باقي الشنط لما أرجع هحطها قدام شقة جدك وابقى خدها بقى، أنا أصلًا هروح متأخر ساعتين هحاول أنام شوية.

كانت الحقائب كثيرة أكثر من الوزن المسموح به وقام بالدفع من أجل هذا. لأنه يعتبر قد جاء بكل ما كان له في تلك البلدة. أصبحت شقته هناك فارغة تقريبًا من ملابسه ومتعلقاته الشخصية تمامًا، فقط ما يتواجد بها الأثاث من أجل الفترة التي سيذهب بها وهي شهر ونصف تقريبًا من كل عام. هتف داغر بنبرة معترضة: ما تسيبهم قبل ما تمشي، لأني مش هطول، أنا رايح البيت دلوقتي بعد ما أسلم عليهم. عقب كمال بعدم فهم: وليه كده؟!

ما تخليك شوية على الأقل لغاية الغداء. تحدث داغر باعتراض: لا أنا هروح البيت، أفنان وفهد ممكن يجوا براحتهم في آخر اليوم، لكن أنا هرتاح وأنا في بيتي. لا يريد كمال بعد القيادة الطويلة من هنا إلى القاهرة، ومن القاهرة إلى هنا. ومازال هناك الذهاب إلى عمله. آخر ما ينقصه في الصباح هو النقاش مع صديقه، يمتلك عقلًا صلبًا. الشيء الوحيد الذي يتشابه فيه شريف وداغر هو رأسهما الذي ستجعل من يحدثهما يرغب في كسرها. أردف كمال بهدوء:

ماشي يا داغر، أعمل اللي أنتَ عايزه واللي يريحك، بس على الأقل قبل ما تمشي شوف جدك صحي ولا لا وسلم عليه. يلا أنا هطلع علشان يدوبك أريح وأنام. ماشي. صعد كمال إلى شقته تاركًا صاحب العقل الصلب يفاجئ أفنان كما يرغب ودون أن يكون متطفلًا على تلك اللحظة التي يجب أن تحمل قدرًا من الخصوصية. ولا يظن بأنه من الممكن أن يحصل عليها بتواجد شريف ويتمنى أن يكون خالدًا في سابع نومه. ***

بداخل الشقة كانت تجلس على الأريكة بوجه عابس وهي ترسل له رسالة للمرة الثلاثين تقريبًا والعلامة التي تظهر هي علامة واحدة، ليس هناك تغطية. لا تعلم. لكن فجأة أصبحت العلامة علامتين. ثم تحولا إلى اللون الأزرق. ظهر لها أنه يكتب. كانت الرسالة الغير متوقعة: بتعملي إيه؟! أرسلت أفنان له: قاعدة، أنتَ لسه صاحي ولا إيه؟! راحت عليك نومه ولا إيه؟! الرد غير مناسب لأسئلتها: افتحي الباب. قرأت أفنان الرسالة أكثر من مرة.

تحاول فهم عن أي باب يتحدث؟!! أرسلت له بعدم تفكير: باب إيه؟! لكن مؤخرًا رسالتها كان يزينها علامة واحدة. عن أي باب يتحدث؟!! هل هو نائم ويرسل لها أي شيء؟! احتمالات غريبة جدًا تأتي في عقلها، إلا أنها سمعت طرقات خافتة ولحوحة تأتي من باب الشقة التي غالبًا ما كانت تجلس بالقرب منه. نهضت أفنان من مكانها وتجد كلما اقتربت من باب الشقة يظهر الصوت واضحًا بشكل دهشتها.

وضعت يدها على المقبض الخاص بالباب وفتحته بترقب لتجده هو أمامها بعد مدة طالت عن سنة تقريبًا. شهقت ووضعت يدها على فمها تحاول استيعاب تلك اللحظة وتفاقم الشوق تدريجيًا. لا يعلم من منهما الذي سارع باحتضان الآخر، لكنها بين أحضانه الآن خرجت منها ضحكات خافتة وسعيدة بحق. هذا ثاني شيء أسعدها بعد يومين من خروج شريف. ابتعدت عنه بعد دقيقتين تقريبًا متحدثة بسعادة وحماس رهيب رغم عدم تصديقها الكلي من أنه هنا: أنتَ هنا بجد؟!

ليه مقولتش ليا؟! ترك قبلة على جبهتها: حبيت أعملها ليكي مفاجأة، وحشتني جدًا جدًا. وأنتَ أكتر بكتير، إزاي تخبي عليا؟! ثم نظرت على الحقائب المتواجدة خلفه: أنتَ جيت لوحدك ولا إيه؟! أجابها بهدوء وهو يتأملها وهو يحاول أن يشبع عينه برؤيتها، لكن لا يظن بأن فقط الرؤية قد تكفي أو تعبر: كمال اللي جه جابني من المطار. عبست أفنان معقبة باعتراض: هو كمال كان يعرف وخَبّى عليا؟! مش كفايا أسرار بقى بينكم أنتم الاتنين.

ضحك داغر، ضحكة بدأت في الظهور منذ مدة معها هي وحدها: مقدرش، كمال حبيبي هو وأخته. ضحكت هي الأخرى بخجل على تعقيبه اللطيف ثم سمعته يسألها بلهفة حقيقية: فهد نايم طبعًا؟! لا تحت عند جدو، ادخل أحضرلك فطار شوية شريف وماما هيصحوا. تجاهل ما قالته وتحدث بشوق حقيقي لفهد، شوق أب يرغب في رؤية طفله: لو معاكي مفتاح تحت انزلي هاتيه وصحيه علشان عايز أشوفه، أو اتصلي بجدك. *** يعني إيه ترجع القاهرة؟! كان هذا تعقيب توفيق على حديث شريف.

بعد الغداء كان يجلس كمال وشريف سويًا مع توفيق في شقته. أصر توفيق في الصباح على داغر بأن يجلس حتى يتناول الغداء معهما وبعدها يرحل إلى منزله برفقة عائلته كما يشاء. وبعد صرامة توفيق وإصراره لم يجد داغر حل سوى القبول بالأمر. بعد رحيله جلس الثلاثة سويًا. حاول توفيق معرفة ما ينوي عليه شريف في حياته المستقبلية بعدما أصبح حرًا. أردف كمال بنبرة هادئة:

إزاي هترجع القاهرة وتشتغل في المقاولات وسمسار من تاني بعد ما خلاص ثائر اختفى من حياة الكل، إزاي ترجع للناس بـ اسم تاني بعد الاختفاء ده، ومشبعتش يا شريف بُعد عننا؟! عقب شريف موضحًا لهما:

يا جماعة أنا أكيد يعني هكون نص الأسبوع هنا ونص الأسبوع هناك. أما حوار ثائر وشريف يعني أنا كان ليا سمعة، مش كل اللي بيشوفني كنت بوريله بطاقتي يعني، أنا أصلًا نادرًا ما كنت أستعملها وحوار الأسماء ده له كذا حل، لكن أنا مش هعرف أبدأ من جديد هنا، العمر مفيهوش وقت لحاجة جديدة. هتف توفيق محتجًا على قرارات حفيده: يعني بدل ما تقعد مع جدك في آخر أيامه وأمك وعيلتك وتقعد وسطيهم وتفكر تستقر وتتجوز عايز لسه تلف شوية كمان. تحدث

شريف وكمال في الوقت ذاته: بعد الشر عليك. وأضاف كمال بهدوء: ربنا يطول لينا في عمرك ويخليك لينا. ثم حاول الحديث مع شقيقه بمنطقية: شريف، أنتَ قعادك في القاهرة من جديد ده أفشل قرار ممكن تاخده، وهتفضح نفسك بعد ما كل حاجة خلصت، والمفروض إنك عايز تروح تسكن في المنطقة اللي كنت متجوز اتنين منها. أبتلع ريقه ثم تحدث بتوضيح للوضع: أنتَ متخيل الستات دي ممكن تعمل فيك إيه؟!

ممكن تبلغ عنك، أنتَ بتعمل في نفسك مصيبة من جديد إنك تلبس في قضية تزوير؛ مكانك الصح إنك تبدأ من هنا، وخد رأي هلال. المشكلة بأن هلال كان يصرخ في وجهه في الهاتف مخبرًا إياه بأنه سوف يصيبه بجلطة في يوم من الأيام بسبب عناده، ولم يختلف رأيه عن كمال شيئًا. قال شريف مفكرًا بصوتٍ عالٍ: أبدأ من هنا إزاي؟!

وأعمل إيه، أكيد مش هروح اشتغل في شركة السياحة، ولا هشتغل محامي بعد ما بقيت رد سجون يعني ومبقاش ينفع عمومًا إني أفكر لنفسي بعد السن ده ممكن اشتغل إيه، أنا مبقتش عيل في العشرينات. صمت كمال وتوفيق لثواني. إلا أن تحدث كمال مقترحًا: تبدأ في اللي بتفهم فيه، مدام أنتَ عاجبك موضوع المقاولات اعمل شركة مقاولات هنا، وكلنا نساعدك، مدام أنتَ ليك خبرة في الموضوع حتى لو بسيطة، ليه متستغلهاش. هتف شريف معترضًا: من محافظة لمحافظة؟!

وبعدين أنا كده هبدأ من الصفر برضه هنا. تحدث كمال بعقلانية تحت نظرات توفيق التي تحاول استيعاب حديث حفيده كمال: مش من الصفر ولا حاجة، بالعكس أنتَ هنا ليك سمعة واسم وعيلة، واحنا هنساندك، حتى ولو من الصفر دي حاجة أنتَ فاهم فيها، وبعدين لو انتَ حطيت الموضوع في دماغك مش هتبقى حاجة صعبة، أنتَ اللي بتعقدها على نفسك. أردف شريف متهكمًا: سمعتي إني رد سجون. هنا تحدث توفيق بانزعاج:

الناس بتنسى، ودي مش أول قضية قتل حصلت في البلد، ولا أنتَ أول ولا آخر واحد اتسجن لأي سبب من الأسباب وخرج واشتغل وعمل لنفسه حياة من جديد. أنتَ بس معقد الموضوع زيادة. قال كمال بنبرة ذات معنى: متوجعش قلب أمك عليك يا شريف، هي لما صدقت إن كلنا هنبقى حواليها. عقب توفيق بعد كمال: وياريت تفرحها بيك بقى. ضيق شريف عيناه وعقد ساعديه وظهر في مظهر الطفل لمدة ثواني: أنا مبفكرش في الموضوع ده دلوقتي. *** سبعة أشهر تقريبًا.

نعم، سبعة أشهر يوميًا يحاول فيهما البدء من جديد بمساعدة عائلته، يحاول جعل شركته معروفة، يحاول كسب ثقة الناس، وهذا الأمر كان صعبًا جدًا بالنسبة لشخص خرج من السجن حديثًا، لكنه كان يحاول بمساعدة عمه وكما. اليوم شريف في طريقه إلى القاهرة. دعوة من هلال لحضور (سِبوع) حفل ولادة ابنته الأولى. الحماس يكاد يأكله. لأنه بالتأكيد سوف يراها. مر أكثر من سنة ونصف تقريبًا، أقترب على العامين لم يراها بهما.

وبالرغم من اتصالاته المستمرة بـ هلال وذهابه كثيرًا لمقابلته إلا أنه لا يتفوه بحرف جديد سوى أنها مع عائلتها. كاد أن يكسر أنفه لكن دون أي نتيجة. هو لا يعترف. وأخيرًا أرسل له دعوة هدية. “بيسان هلال عادل النشرتي” اختار هلال وبشرى الاسم بعناية شديدة بعدما كان الحيرة تأكلهما بينه وبين اسم كان ” بـيـان ” لكن وقع الاختيار على بيسان. طوال الطريق يسأل نفسه. كيف أصبحت؟! هل تغيرت؟! لا يعرف أي شيء.

الأشهر الماضية كان يحاول بشتى الطرق البحث عنها على مواقع التواصل الاجتماعي لكن كل المحاولات باءت بالفشل. هناك آلاف الحسابات باسم شمس منير، أغلبهم تضع صور شخصية لها جعلته يعلم بأنها ليست هي. وحسابات أخرى كثيرة تضع صور ليست شخصية ولكنها لا تظهر هوية صاحبتها. بحث في الأصدقاء عند هلال لكن ليس هناك أي فائدة، وحساب زوجته خاص لا يستطيع رؤية من يتواجد عندها. ذهب إلى المكان.

ليجد هلال برفقة زوجته يأخذون بعض الصور الفوتوغرافية بواسطة أحد الأشخاص. ألقى التحية على عادل وزوجته، وبعدها جلس على أحد المقاعد وعيناه تبحث عنها بين الجميع، لكن أين هي؟! لم تأتِ؟! خرجت منه تنهيدة منزعجة جدًا. لم يدم حزنه طويلًا وهو يسمع بشرى بصوت عالٍ بعدما توقفت الأغاني: شمس راحت فين؟! شوفوا شمس فين علشان تتصور معايا أنا وبيسان. أين هي؟! كان يبحث الجميع.

وراء الحواجز الذي تم وضعها، كـ جدار أو خلفية للصور الفوتوغرافية كانت شمس تقف مختبئة حينما رأته يأتي من بعيد مختفية بـ قلبها الذي كاد الجميع أن يسمعها، وتصبح أعلى وأوضح من تلك الأغاني الصاخبة والعالية. أجفلت شمس على صوت والدها الذي جاء من خلفها: شمس أنتِ بتعملي إيه هنا؟! تحدثت شمس بارتباك واضح: أنا بس بشوف الحاجات دي كويسة ولا لا، خايفة تقع على حد، حساها بتتهز. لم يفهم منير ما تقوله، لكن هيئتها كانت عجيبة.

تحدث بانزعاج: مش سامعة؟! اختك عمالة تنادي عليكي علشان تتصوري معاها، يلا. ظهر منير فجأة وخلفه تسير شمس تحت نظرات الجميع التي كانت طبيعية جدًا لولا نظرات أحدهم الذي كان يبحث عنها إلى أن كاد أن يسأل أي شخص يمر عنها. تركت نرمين مكان لـ شمس حتى تقف بجانب أختها بشرى، وكان نوعًا ما طريقة تعامل نرمين معها الفترة الأخيرة ألطف مقارنة بالسابق –لكن ليس بينهما ود طبعًا.

وبعد أشهر طويلة من التفكير عادت نرمين إلى منير الذي كان بدأ في التغيير تدريجيًا مقدرًا امرأة شاركته أكثر من ثلاثين عامًا من عمره ويكن لها الاحترام والحب، هذا ما أدركه بعد محاولات كثيرة وأفعال لم تجد جيدة بحقها. عاد بشروطها محاولًا تعويضها. كان شريف يتفحصها بشكل واضح تقريبًا. كانت هيئتها محتشمة وواثقة.

أنيقة لم تقصد بها تغيير شكلها، صدقًا كانت مختلفة بشكل كبير، وكأنها باتت تناسب الملابس التي ترتديها ليست فقط مجرد شيء تختفي فيه من أعين الناس. نفس التنهيدة التي تنهدتها شمس عن رؤيته منذ سبعة أشهر خرجت منه هو تلك المرة هامسًا باسمها لنفسه: شــمــس.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...