خرجت نغم من غرفتها، تمشي على أصابعها ببطء، ودخلت غرفة والدها. وجدت والدها ما يزال يغط في نوم عميق، أخذت مفاتيح سيارة والدها من الدُرج، وأغلقت الباب بهدوء شديد. أكملت سيرها ببطء ونزلت الدرج بسرعة، وخرجت من باب المنزل. ركبت سيارة والدها وأدارت المحرك وانطلقت إلى وجهتها. وصلت أمام منزل كبير يبدو عليه الفخامة والثراء. نزلت من سيارتها، ووقفت أمام الباب تدق الجرس بتوتر. فتحت لها الخادمة، وسألت نغم عن ماجد.
دخلت نغم تنتظر أن ينزل إليها. سمعت صوت خطوات حذاء أنثوي يقترب منها. وقفت نغم بلهفة. دخلت سيدة أربعينية أنيقة، دخلت وتحدثت بشموخ إلى نغم: -إزيك يا رنيم؟ ما صدقتش لما قالوا لي إنك تحت. ما كنتش أعرف إن المجانين مسموح لهم الخروج من مستشفى الأمراض العقلية. ذهلت نغم من حديثها وقالت بذهول: -مجانين! أنا مش مجنونة. قالت والدة ماجد بضحكة: -عمرك شوفتي مجنون بيعترف بجنانه؟ ابتلعت نغم الإهانة قائلة: -ماجد فين؟
جلست السيدة ووضعت قدمًا على الأخرى وقالت: -ماجد مش هنا، خرج مع مراته. قالت نغم بصدمة: -مراته! هو ماجد اتجوز حد غيري؟ تحدثت السيدة بشموخ: -أكيد يا نغم، هيتجوز واحدة تليق بيه وبعائلته المرموقة، مش واحدة مجنونة زيك، عاشت سنة كاملة بين المجانين. أكيد مش هسمح له يتجوزك، وتجيبي له أطفال يكونوا مجانين زيك. هو دلوقتي مبسوط في حياته مع مراته وأم ابنه. تحدثت نغم بصدمة: -ابنه! ده مش حقيقي، أنا بحلم مش كده؟ تحدثت السيدة بكبرياء:
-آه أم ابنه، هي في شهرها الأخير من الحمل، وهتجيب له طفل يشيل اسمه قريب جدًا. اللي عايزاه منك دلوقتي تمشي من هنا، ماجد زمانه جاي دلوقتي معادهم عند الدكتور اللي بيتابع حمل مراته انتهى، وأنا مش عايزاه يشوفك، ومراته تضايق وتزعل وهي حامل. حاولت نغم إنقاذ المتبقي من كرامتها، وهي تتحدث: -ما تقلقيش، أنا جيت بس عشان أطلب من ماجد يطلقني، أنا مستحيل أكمل مع واحد تخلى عني في أكتر وقت كنت محتاجاه فيه. ضحكت السيدة عاليًا
وقالت بسخرية: -هو باباكي ما قالكيش إن ماجد طلقك، بعد دخولك المستشفى بـ 3 شهور؟ إلى هنا لم تعد تتحمل نغم أكثر من ذلك. غادرت المنزل بسرعة، ركبت سيارتها تحتمي بها، حتى تفرغ قهرها وحزنها. بكت بشدة، فلم يتحمل قلبها كل ما سمعته، صدمات تلو الأخرى. ها هي فقدت أمها وأخوتها، حتى زوجها تخلى عنها.
ظلت تبكي في السيارة، انتبهت إلى صوت سيارة تتوقف أمامها. وجدت ماجد ينزل منها، ويفتح الباب الآخر ويمسك بيد زوجته لكي يساعدها على النزول. نزلت زوجته وهي تبتسم له، وتضع يدها على بطنها المنتفخة. سار الاثنان إلى داخل المنزل، ويبدو على وجوههما السعادة. مسحت رنيم دموعها، وأدارت السيارة وانطلقت بسرعة. وصلت لمنزلها ودخلت مسرعة. وجدت والدها وزين يجلسون بقلق بسبب اختفائها. أسرع والدها باتجاهها وهو يحتضنها، ويقول:
-نغم، كنتِ فين يا بنتي؟ قلقتيني عليكي، إزاي تخرجي كده من غير ما تقولي لي. تحدث زين بقلق وقد رأى عينيها المنتفختين، وآثار الدموع على وجهها: -نغم، أنتِ كويسة؟ أنتِ كنتِ بتبكي! نظرت له نغم وقد تذكرت حديث والدة ماجد، دفنت وجهها في حضن أبيها، وبكت بشدة. ربت أبوها بيده على ظهرها لكي تهدأ، ونظر له زين بمعنى لما البكاء. شعر والد نغم أنها علمت بكل شيء وتحدث بقلق: -نغم، أنتِ كنتِ عند ماجد؟ روحتِ له!
رفعت نغم رأسها وحاولت أن تكف عن البكاء وتهدأ، كفكفت دموعها بيدها وقالت بحزن: -ليه خبّيت عني يا بابا؟ ليه ما قلتش إنه تخلى عني؟ قال والدها بحزن: -كنت خايف عليكي يا بنتي. قالت نغم بحزن: -يا ريتك قلت لي، ما كنتش حسيت بالإهانة، ولا كنت سمعت اللي مامة ماجد قالته. قال زين بحزن من حالتها: -قالت ليكي إيه يا نغم؟ قالت نغم بحزن وعينيها تهبط منها الدموع: -قالت إني مختلة عقليًا. وقصت نغم عليهم كل ما سمعته وأكملت بألم:
-أنا شوفته مع مراته وكان باين عليهم إنهم مبسوطين ونساني فعلًا. غضب زين مما سمعه وقال: -الكلام ده مش صح أبدًا! أنتِ مش مجنونة. الست دي هي وابنها اللي مكانهم في مستشفى المجانين. ما فيش حد عاقل يقول كلامها ده. أنتِ كان عندك اضطراب نفسي سبتي خوفك وإحساسك بالذنب يأثر عليكي، لكن أنتِ مش مجنونة يا نغم. الكلام اللي سمعتيه من والدة ماجد ده جهل لأنها ما عندهاش علم كافي، لا تعرف حاجة عن علم النفس. قال لها والدها:
-عشان خاطري يا نغم ما تزعليش، وما تخليش الحزن يأثر عليكي مرة تانية. قالت نغم وهي تحاول الثبات: -ما تقلقش يا بابي، أنا وعدت زين قبل كده إني مش هأخلي حزني يتمكن مني تاني. أنا هأكمل آخر سنة ليا في الجامعة، وهأفوق لمستقبلي، مش هأبص ورايا تاني. شعر زين بالسعادة من حديثها فحبيبته يبدو أنها فتاة قوية وعنيدة، لا تدع أحد يحاول التقليل من شأنها. قال لها والدها:
-طمنتِ قلبي يا بنتي عليكي، بعد كلامك ده، كنت خايف عليكي قوي، ما كنتش هأقدر أتحمل إني أخسرك. ابتسمت نغم لوالدها وطلبت منه أن تصعد إلى أعلى ترتاح قليلًا. صعدت لأعلى، وجلس زين مع والد نغم يخبره كيف يتعامل معها في الأيام القادمة حتى تتخطى حزنها بدون أن تمرض.
دخلت نغم غرفتها وأغلقت الباب عليها بالمفتاح، وجلست تبكي، فقد مثلت الصمود بالأسفل أمام والدها حتى لا يقلق عليها. نهضت وهي تبكي، فتحت خزانة وأخرجت منها صندوق، فتحته فكان يحتوي على صور تجمعها بماجد وأيضًا بعض الهدايا التي قدمها لها في مناسبات مختلفة. أفرغت محتويات الصندوق وقامت بتمزيق كل ما هو قابل للتمزق.
اتجهت للخزانة، وفتحت رف آخر وأخرجت فستان خطوبتهما فكانت تحتفظ به كذكرى مميزة لهما. أمسكت مقص وقامت بتمزيق كل قطعة به. أفرغت غضبها وحزنها هكذا، وفي لحظة متهورة أمسكت عودًا من الكبريت وقامت بإشعاله وألقته على الصور الممزقة وبقايا الفستان، فاشتعلا بسرعة. ولكن حدث ما لم يكن تحسبه، أمسكت إبريقًا من الماء لتسكبه لكي تطفئ النار، لم يطفئ لأنه ازداد ارتفاع النار لأعلى، واستطاعت النار التهام كل ما تقابلها. ابتعدت نغم بخوف شديد، حاولت فتح الباب ولم تستطع فقد علق المفتاح ولا يدور بيدها.
بالأسفل اشتم زين رائحة دخان نهض بقلق، وقال لوالد نغم: -في ريحة دخان. قال والد نغم بقلق: -فعلًا، بس فين؟ قلق زين وصعدت على الدرج بسرعة عندما اقترب من أعلى، سمع صراخ نغم الضعيف. أسرع بالصعود، ولحق بها والدها. وصل زين إلى باب الغرفة وجد الدخان يخرج من فتحات الباب قال بخوف: -نغم، أنتِ سامعاني؟ سمع نغم تقول بخوف: -زين الحقني، الباب مقفول مش بيفتح. قال لها زين بخوف: -حاولي تبعدي عن الباب، خلي بالك يا نغم.
رجع زين للوراء وقام بركل الباب عدة مرات، انفتح الباب ودخل وجد نغم تقف بخوف وأمسك بيدها وأخرجها. حمد ربه أن النار كانت قد التهمت جزءًا من الغرفة وليست بأكملها مما سهل عليه خروجها سالمة. في ذلك الوقت قد اتصل أحد الجيران بسيارة الإطفاء، عندما شاهد الدخان يخرج من شرفة الغرفة. وصلت سيارة الإطفاء وقامت بإطفاء الحريق من الخارج. بعد وقت جلست نغم بجانب والدها ترتعد من الخوف مما حدث، تحدث زين بغضب إليها:
-أنتِ إزاي تعملي في نفسك كده؟ هو لدرجة دي يستحق إنك تموتي نفسك بأبشع طريقة؟ ما فكرتيش بوالدك. هو سابك وفكر في حياته. أنتي قلتي إنك هتهتمي بمستقبلك، كنتي بتكدبي علينا. فهمت نغم أن زين ظن أنها أشعلت الحريق عمدًا، فقالت بسرعة: -أنا معملتش كده عن قصد، أنا قطعت الصور اللي بتجمعني بيه، وفستان خطوبتي، كنت بحرقهم، بس متخيلتش إن كل دا هيحصل، أنا مكنتش عايزة أموت نفسي. قال زين بتأوه وهي يجلس بإرهاق:
-آه آه يا نغم، تعبتي قلبي معاكي. في المساء جلست رنيم بغرفتها قلقة على آية منذ الصباح تحاول مهاتفتها، ولكنها لا تجيب، عاودت الاتصال مرة أخرى، أغلق هاتفها، مما جعلها تشعر بالقلق، حاولت أن تهدأ وتقول لنفسها: -ممكن تكون نايمة، الشغل كله كانت بتعمله لواحدة النهاردة، متقلقيش يا رنيم. أضاءت شاشة هاتفها باسم معتز، ابتسمت بحب، وفتحت الاتصال أتاها صوت معتز بلهفة: -ليه مجتيش النهاردة يا رنيم، وحشتيني. تحدثت رنيم بابتسامة خجلة:
-كنت مشغولة أوي النهاردة. تحدث معتز بابتسامة: -أنا كلمت عمك النهاردة، ووافق على خطوبتنا. تحدثت رنيم بخجل: -هتيجي إمتى؟ قال معتز بإحباط: -هنستنى أما عمك يخلص ضغط الشغل الفترة دي، بس أنا أخدت منه إذن إني أتكلم معاكي، ونخرج براحتنا. تعجبت رنيم وقالت: -وتاخد الإذن ليه! قال لها معتز بابتسامة: -عشان أنتي غالية يا رنيم عندي، مش من حق حد إنه يخرج معاكي بدون إذن، الحصول عليكي يا رنيم مش بيكون بالسهولة اللي أنتي فاكراها.
رفرف قلب رنيم من السعادة بسبب حديثه، فلأول مرة، يشعرها أحد أنها غالية هكذا، لم يهتم أحد بأخذ الإذن للخروج معها من قبل فكانت تفعل ما يحلو لها، دون الشعور بأهميتها. تحدث معتز بحنان: -ساكتة ليه، وحشني صوتك النهاردة، اجهزي هنخرج مع بعض النهاردة، هاجي أخدك.
وافقت رنيم وأنهت الاتصال بسعادة، نهضت بسرعة تنتقي فستانًا مناسبًا لها لكي تخرج به، اختارت فستانًا من اللون النبيتي ذو أكمام وينزل باتساع يصل إلى كاحلها، ارتدت عقدًا بسيطًا لكي يزين فستانها البسيط، اكتفت بوضع الماسكارا لتكثيف رموشها ووضعت ملمع شفاه، أرادت أن تتعود على ذلك وأيضًا حتى لا يشعر معتز بالغضب منها، انتهت من تجهيز نفسها ونظرت إلى المرآة برضا تام لبساطتها، أتاها اتصال من معتز يعلن عن وصوله بالأسفل أمام المنزل،
نزلت مسرعة للأسفل وجدت والدتها ترحب به، اصطحبها للخارج وركبت سيارته، كان كل ما يشغل عقلها، لما لم يبدِ رأيه بمظهرها، هل عندما أزالت مستحضرات التجميل أصبحت قبيحة، لهذا لم يقل لها شيئًا، شعرت بالحزن، لاحظ معتز تغير ملامح وجهها كان يعلم سبب هذا التغير، لكنه فضل الصمت حتى يصل إلى وجهته.
وصل رنيم ومعتز إلى مطعم يطل على النيل مباشرة. دخلت رنيم ومعتز إلى الداخل فكان المكان راقيًا جدًا، جلست رنيم بانبهار على الطاولة وهي تتطلع إلى النيل فكم كان شكله جميلًا، ونسمات الهواء تلفح وجهها، جلس معتز هو الآخر، فكانت الطاولة مجهزة بالطعام قبل وصولهم، تحدث معتز إلى رنيم: -المكان عجبك؟ قالت رنيم بإعجاب: -عجبني جدًا يا معتز، ومنظر النيل بالليل حلو أوي.
بدأ معتز ورنيم في تناول الطعام باستمتاع، انتهت رنيم واستمر معتز بتناول الطعام بنهم، جلست رنيم تنظر إليه بغيظ، شعر معتز بنظراتها، ابتسم بداخله لأنه يعلم سببها، انتهى معتز ونظر لها وجدها ما زالت تنظر له بغضب وقالت له: -معتز أنا عايزة أمشي. ابتسم معتز وقال: -ليه مش المكان عجبك؟ قالت رنيم بغضب: -المكان حلو يا معتز بس أنت.. أنت لم تستطع أن تقول له أنها تنتظر منه أن يبدي إعجابه بها وبملابسها كأي راجل يبدي إعجابه بحبيبته.
قال معتز بابتسامة يكمل ما تفكر به: -بس أنا ساكت ومقولتش ليكي أي كلمة حلوة. تفاجأت رنيم أنه علم ما بداخلها مما جعلها تهتف بخوف: -أنت.. أنت عرفت إزاي، حتى لما كذبت عليكي وكنت هخرج مع زياد عرفت إزاي؟ ضحك معتز عندما شعر بخوفها وقال: -أنتي خايفة مني ليه، هقولك قريب جدًا كل حاجة. عادت رنيم لغضبها منه مرة أخرى وقالت: -طب لما أنت عارف أنا من ضيقة ساكت ليه بقى؟ قال معتز وهو يبتسم لها بحب:
-عايزك تعرفي إنك حلوة في كل وقت، حتى بدون ما تحطي ميكب، أوعي تفقدي ثقتك في نفسك عشان كلمة مني أو من غيري، أنا قصدت إني أسكت وأعرف هتفكري إزاي، أنتي فكرتي لما غيرتي لبسك وشلتي الميكب وسكوتي إنك شكلك بقى وحش، عايز أقولك أول ما شوفتك انبهرت بيكي، وبملامحك الجميلة، اللي كنتي بتخفيها يا رنيم. لمعت عينيها بسعادة من حديثه، وقالت لنفسها: -معقول شايفني لسه حلوة؟ نظرت لمعتز بحب وقالت: شعر معتز بالسعادة من حديثها وقال:
-وليه مترجعيش زي الأول؟ ادمعت عينيها وقالت بحزن: -مش عارفة، ليه حياتي اتغيرت بالشكل دا؟ حزن معتز عليها وقال: -مش مهم يا رنيم اللي فات، المهم إنك عايزة تبدأي من جديد، وأنا معاكي وجمبك في أي قرار صح في حياتك ومش هسيبك أبدًا. كففت رنيم دموعها، ونظرت له بابتسامة وقالت بصدق: -معتز أنت أحلى حاجة حصلت في حياتي. ابتسم معتز لها بحب وقال: -أنتي أجمل حاجة في حياتي يا رنيم، إني شايف لمعة عيونك بحب ليا.
ابتسمت رنيم بخجل، أكملوا ليلتهم يتطلعون إلى النيل ويتحدثون معًا براحة، كان معتز يشعر بالسعادة، لقد تحقق الحلم الذي ظل يحلم به لسنوات، الآن هي أصبحت معه، وبجانبه، عندما تنظر إليه يجد لمعة في عينيها لا تظهر إلا له هو فقط، أما رنيم كانت تشعر براحة لم تعتد عليها من قبل، كل مرة تتحدث معه فيها، تشعر أنها تعرف هذا الشخص من قبل، يراودها شعور أنه روحه تشبه روح صديق طفولتها الغائب مما يجعلها تلوم نفسها أنها تفكر في أحد آخر،
لكن لا تستطيع أن تسيطر على هذا الشعور، تشعر أنه هو معتز نفسه ابن عمها تشعر به بجانبها، انتهت الليلة بسعادة وأوصل معتز رنيم إلى منزلها، وعاد هو إلى منزله بسعادة، تمنى أن يخرجهم من براثن رمزي في أقرب وقت ويخبر رنيم بحقيقته، يشعر بها ويعلم أنها في حيرة، لكن سينتظر الوقت المناسب، المهم أنها بجانبه الآن، ويشعر بحبها له.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!