الفصل 23 | من 25 فصل

رواية فارس من الماضي الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم ايمان البساطي

المشاهدات
16
كلمة
1,612
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 92%
حجم الخط: 18

بعد مرور عدة أشهر، تغيرت في هذه الأشهر كثير من الأشياء. أقام زين وزياد حفل زفافهما في موعده من أجل عمل زين، وسافر معه زياد وآية لقضاء شهر العسل. أصرت آية على البقاء في إيطاليا وقتًا أطول، فهي لم تسافر خارج مصر من قبل، ووافق زياد على رغبتها. وقد علم مؤخرًا بخبر حمل آية ونغم، وهما الآن في شهرهما الثاني من الحمل. أما نغم فقد أكملت دراستها بمساعدة زين لها، فهو لا يحملها فوق طاقتها بسبب الحمل، ويحاول تخفيف الضغط النفسي

عليها. وها هي لم يتبق سوى امتحان واحد لها، وتنهي مرحلتها الجامعية، وتبدأ في عملها برفقة زين بعد عودتهما من مصر. فخلال هذه الأيام سيعقد حفل زفاف رنيم ومعتز بعد طول انتظار هذه المدة بأكملها، فأصبحت رنيم علاقتها بمعتز أكثر ترابطًا واستقرارًا. أصبح معتز يقضي معظم وقته برفقة رنيم ووالدتها وحليمة، يسترجعون ما فاتهم طوال هذه السنوات. كل منهم يقص للآخر ما فعله في حياته. وقد استعاد معتز ورنيم ثروتهما بعد أن أصبح ميراث رمزي من

حقهما، ولكن رنيم رفضت أن تعود لمنزلها وتعيش هناك، وفضلت البقاء في بيت معتز، وكذلك داليا لم تود أن تعود إلى هذا المنزل الذي دمر حياتهم.

فتح معتز الباب ودخل وهو يحمل عدة حقائب، وضعهم أرضًا بإهمال فصرخت رنيم به: -معتز براحة، أنت بتعمل إيه! تحدث معتز بلا مبالاة: -اهدي محصلش حاجة، أعمل إيه أنتي اشتريتي حاجات كتير، أنا زهقت من اللف طول اليوم معاكي، أنتي مبتزهقيش! تحدثت رنيم بغضب: -معتز أنا بجد تعبت، وأنا بدور على الحاجات دي، أوعى حاجة منهم تتكسر، بكرة هنروح نجيب بقية حاجاتي، ومش هتعترض. نظر لها معتز بذهول وقال: -هو لسه هتشتري تاني!

تحدثت رنيم بتأكيد قائلة: -أكيد، في حاجات تانية عجباني بس هطلبها أونلاين متقلقش. اقتربت منهم داليا وهي تبتسم قائلة: -فرحكم قرب، ولسه برضه بتتخانقوا. تحدث معتز وهو ينظر إلى رنيم بغيظ: -أنا مش بتخانق، هي اللي بتتعمد تضايقني، زهقت كل يوم أخرج نشتري حاجة، مش متعود على كده، إمتى نخلص بقى. تحدثت رنيم إلى أمها: -متصدقيش معتز، هو اللي دايماً بيزعق ليا، لو كانت آية ونغم هنا كنا روحنا مع بعض. تحدث معتز بحسرة:

-محظوظين زين وزياد قربوا يجيبوا أحفادهم على الدنيا وأنا وأنتِ لسه بنجهز لفرحنا وبنتخانق هنا. طرق الباب فصاحت رنيم بلهفة: -حاجتي وصلت. نظر لها معتز بيأس، فضحكت داليا على ابنتها، واقتربت حليمة توقف رنيم قائلة: -استني يا رنيم هفتح أنا الباب. فتحت دادة حليمة الباب، وجدت عامل البناية يدلف وبيده عدة حقائب، ووضعهم هو الآخر أرضًا قائلاً بتعب وهو ينظر إلى رنيم: -حاجتك وصلت يا أستاذة رنيم. قالت له رنيم:

-شكرًا يا عم رضا، اتأخرت ليه كده. قال العم رضا: -حاجاتك كتيرة يا بنتي، والمصعد عطلان. قالت رنيم بتذكر: -آه صح، نسيت أمر المصعد، شكرًا يا عم رضا، ارتاح شوية من طلوعك السلم، أجيب ليك حاجة تشربها؟ نظر العم رضا إلى السيدة حليمة بهيام قائلاً: -يا ريت كوباية مايه يكون من إيد الست حليمة.

ضحكت رنيم، فالعم رضا لا يفوت فرصة لمغازلة السيدة حليمة، ويتعمد الصعود لهم عدة مرات في اليوم بحجة إذا يحتاجون لشيء لكي يجلبه، ويأتيه نفس الرد الغاضب من حليمة في كل مرة بالرفض وأنها لا تريد أي شيء منه.

دخلت حليمة بغضب تجلب لهذا الرجل المسن كوب الماء لعله يرحل ويحل عنها قليلاً. جلبت السيدة حليمة كوب الماء، ووضعته أمامه بنفاذ صبر. تناول العم رضا كوب الماء رشفة تلو الأخرى ببطء شديد، مما جعل معتز ورنيم يفلت منهم ضحكاتهم الذي يحاولون عدم إظهارها، نظرت لهم حليمة بغضب، وكذلك داليا، فقالت حليمة بنفاذ صبر: -أنت باشرب براحة كده ليه هو عصير! خلص، خلينا نشوف اللي ورانا.

تصنع العم رضا عدم السمع، وظل يرتشف من الكوب ببطء شديد. أنهى تناول الماء ووضع الكوب على الطاولة، وقال لحليمة برومانسية: –عقبال لما أشرب شربات فرحنا. شهقت السيدة حليمة بخضة وقالت: –أنت قولت إيه يا راجل يا خايب؟ أنت تخرس خالص، ده أنت شكلك كبرت وخرفت، وعايز دار مسنين تقعد فيه وتحل عني. تحدث العم رضا وهو مستمر في غزله بها: –عندك حقك، أنا عايز حد يرعاني، ومش هلاقي أحسن منك. قالت حليمة بنفاذ صبر:

–امشي من هنا، متجننيش يا راجل قليل الأدب. وقف العم رضا وهو يرتب جلبابه، ويتحدث بغضب: –مش فاهم رفضانى ليه؟ وأكمل بفخر: –ده أنا بواب قد الدنيا وماسك رئيس البوابين هنا، ومعايا فلوس تعيشنا أنا وإنتِ. أنهى حديثه وأخرج حفنة من المال من جيب جلبابه ونظر إلى معتز الذي يتابع ما يحدث أمامه، محاولًا تمالك نفسه من الضحك حتى لا تغضب منه السيدة حليمة ككل مرة، فقال العم رضا: –معتز يا ابني، أنت مش راجل البيت ده؟

أنا طالب منك إيد الست حليمة، وده مهرها لو عايزة أكتر أعطيها. إلى هنا لم تعد تتحمل حليمة، وحملت المال من على الطاولة، ووضعته في يد العم رضا بعنف، ودفعته إلى الخارج وهي تقول: –اخرج من هنا وإلا أقول لمراتك وولادك يا راجل يا ناقص، خد فلوسك وعالج نفسك شكلك كبرت وخرفت. ودفعته خارج الشقة بعنف، وقامت بغلق الباب في وجهه بعنف.

وقفت تلتقط أنفاسها لكي تهدأ بعدما أغضبها هذا الرجل بحديثه، في هذه الأثناء ارتمت رنيم ومعتز أرضًا، يضحكون بشدة، فما فعله العم رضا اليوم فاق توقعهم عن كل مرة يأتي فيها. وقفت حليمة تنظر لهم بغضب حتى يتوقفوا عن الضحك، ولكن لم يتوقفوا، وجهة نظرها إلى داليا، وجدتها واقفة تضحك بخفوت هي الأخرى، شتمت في سرها هذا العجوز الذي جعلها أضحوكة، في هذا السن هل بعد أن وصلت إلى عقدها الخمسين يأتي الرجل العجوز لطلب يدها؟

ومن من رنيم ومعتز الذين تعتبرهم بمثابة أولادها! عند هذه النقطة، تخلت هي الأخرى عن غضبها، وشاركتهم بالضحك، وهي تتذكر وجه العجوز وهو يتحدث بجدية عن زواجهم، وطريقة طلبه للزواج من معتز. توقفت رنيم عن الضحك، واقتربت من حليمة وهي تقول لها بمرح: –ليه يا دادة متوفقيش، وتعملي فرحك معايا؟ قامت حليمة بضربها على رأسها برفق قائلة: –أنتي بتقولي إيه يا بت أنتي؟

بعد العمر ده كله أتجوز وأعمل فرح كمان يا دي الخيبة، اعملي أنتي فرحك على الواد الغلبان اللي خلل جنبك ده الأول. اقترب معتز هو الآخر من حليمة، وقام بتقبيل رأسها وهو يهتف بمرح: –قوليلها يا دادة، أنا خللت جنبها. ثم نظر إلى رنيم وقال: –اسمعي كلام دادة، وركزي في فرحنا أولًا. أنهى حديثه بغمز عابثة من طرف عيناه. خجلت رنيم وقالت له: –اسكت يا معتز، ما عادش غير أيام قليلة. قال معتز بمرح لدادة حليمة:

–بعد ما نتجوز، أفكر في طلب عم رضا إذا كنت هوافق ولا لاء إنه يتجوزك يا دادة، من هنا لوقتها متكلميش مع الراجل ده. ضحكت داليا، وقالت: –أنتم مش هتسكتوا، إلا لما تزعل منكم، وتقضوا اليوم بتترجوها تسامحكم، زي كل مرة. قالت حليمة وهي تبعد رنيم ومعتز عنها، وتتجه للجلوس على المقعد: –سيبيهم يا داليا، مش هسامحهم المرة دي. ركضت إليها رنيم بسرعة وقالت: –خلاص يا دادة سكتنا، آخر مرة أنتي كنتي بتحبي جوزك أوي كده.

ابتسمت حليمة لها وهي تتذكر زوجها الراحل منذ سنوات كثيرة قبل أن تعمل في منزل عائلة رنيم، وقبل ولادة معتز فقالت لها:

–ما كانش في حد حنين عليّ زي زوجي الله يرحمه، كان ونعم الزوج والرفيق، بعد جوازنا لما قعدت فترة طويلة بدون خلفة وروحت لدكتور، عرفت إني مش بخلف، وقتها حسيت بقهرة ودمعتي ما نشفتش، لكن جوزي الله يرحمه كان راضي بقضاء ربنا، ومن بعدها ما فتحش معايا موضوع الخلفه ده تاني عشان ما أزعلش، لكن في يوم تعب جامد وكان سخن جدًا، والحرارة مش بتنزل وأنا كنت هنا في بلد غريبة ما أعرفش دكتور ولا أروح فين، روحت لجارتي قالت لي استني لما جوزها

يرجع من الشغل، وياخده لدكتور، لكن جوزها اتأخر، ووقتها ربنا استرد أمانته وجوزي مات، جارتي دلتني على بيت جدك الله يرحمه اشتغل عنده، ما كانش ليا حد أروح له ولا يصرف عليّ، لكن جدك الله يرحمه فتح لي بيته لما عرف إني مقطوعة من شجرة، وفضلت شغالة عندكم طول السنين دي، أول لما اتولدت يا معتز حسيتك إنك حتة مني ربنا يعلم إني حبيتك أنت ورنيم، وربيتكم كأنكم أولادي، وعشت حياتي مكتفية بيكم، وما فكرتش أتجوز بعد جوزي الله يرحمه.

أنهت حليمة حديثها بحزن على زوجها، فوضعت رنيم رأسها على كتف حليمة وهي تقول بتأثر: –وأنا كمان بحبك جدًا يا دادة، أنتي أحسن أم في الدنيا، كفاية حنيتك وخوفك عليّ ربنا يخليكي ليّ. ربتت السيدة حليمة على كتفها بحب وقالت: –ربنا عالم أنا بحبكم إزاي يا بنتي، أنتوا عوضي في الدنيا. نظرت حليمة إلى معتز بحنان وقالت: –وأنت يا معتز، ابني الكبير، كبرت وبقيت راجل عايشين تحت حمايتك، ويعتمد عليك، وفرحتي بيكم هتكمل لما تتجوزا بإذن الله.

مال معتز وقبل يدها وتحدث بحنان قائلًا: –ربنا يبارك في عمرك يا دادة، وتعيشي وتربي ولادنا أنا ورنيم. نظرت له حليمة بابتسامة، ثم نظرت إلى داليا قائلة: –كفاية عليّ كده، داليا تتعب شوية وتربي هي ولادكم. ابتسمت داليا قائلة: –لا يا حليمة مش هتهربي، هتربي ولادهم معايا، ربنا يطول في عمرك، وتشوفى أولادهم ويكبروا قدامك.

أمنت حليمة على دعائها، ونهضت لكي تنام فقد تأخر الوقت، ولحقت بها داليا هي الأخرى، فهذه الأيام ترهقهم، بسبب تحضيرهم لزفاف. بقي رنيم ومعتز جالسين ينظرون إلى بعض، فجأت رنيم معتز بسؤالها قائلة: –معتز أنت هتحبني زي ما زوج دادة حليمة كان بيحبها؟ قال معتز بابتسامة: –أنتي عندك شك في حبي ليكي؟ أجابته رنيم ببساطة: –لا، لكن لو حصل معايا زي دادة حليمة، هتفضل جنبي، ولا هتتخلى عني وتتجوز واحدة تانية عشان تجيب ليك أطفال؟

قالت رنيم براحة: –كنت عارفة إنك مش هتسيبني وتتجوز. تحدث معتز بابتسامة: –لا قصدي كنت هروح أدور على زوجة، تجيب ليا أطفال. نظرت له رنيم بذهول وأمسكت الوسادة التي كانت بجانبها، وألقتها على معتز بغضب، تفادى معتز الوسادة وهو يضحك وقال: –ريحي قلبك يا رنيم، قلبي ما يقدرش يحب حد غيرك، ولو ربنا ما أرادش إن يكون عندنا أطفال، مش هعترض على قضاءه، كفاية إنك هتكون موجودة في حياتي ومعايا.

شعرت رنيم بالرضا من حديثه، هو يعرف كيف يخمد نار قلبها، ويخمد حواسها، فقالت رنيم له بحب: –وأنا كمان يا معتز، عمري ما أحب حد غيرك، وكان عندي استعداد أستناك طول حياتي ولا أكون لحد غيرك. نظر معتز في عينيها بعمق وقال: –قومي يا رنيم ادخلي أوضتك، إحنا قاعدين لوحدنا، وبعد كلامك ده أنا في دايرة الخطر. لم تفهم رنيم حديثه، أهذا رده عليها بعد حديثها الذي جاهدت لكي تخبره به؟

لحظات وفهمت مغزى حديثه العابث، نظرت له بأعين متسعة، ونهضت تركض إلى غرفتها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...