ظلت رنيم مستيقظة لساعة متأخرة من الليل، تتابع عملها بتركيز، وكان من الحين إلى الآخر يرسل إليها معتز رسالة للتأكد من أنها تتابع عملها، أعلن هاتفها عن وصول رسالة نصية محتواها: -خلصتي؟ بعثت له رسالة هي الأخرى قائلة: -آه الحمد لله. أتاها رسالة منه: -عارف إنك تعبتي. أجابته: -آه جدًا... وهموت وأنام... تصبح على خير... مع السلامة. كتب هو: -وأنتِ من أهل الخير يا حبيبتي. ثم قام بحذف الرسالة وأرسل لها رسالة أخرى محتواها:
-وأنتِ من أهل الخير... وظل هو مستيقظًا، يحلم باليوم الذي ستكون معه فيه وسوف يعترف لها بالحقيقة، وعن مدى حبه لها. في صباح اليوم التالي: كان معتز جالسًا يتابع عمله، قطع تركيزه اقتحام أحد مكتبه وما كانت إلا رنيم التي دخلت وهي غاضبة، اقتربت منه واستندت بكلتا يديها على مكتبه، وهي في مقابلته وهتفت بغضب: -أنت إزاي يا أستاذ أنت تقفل كل شوية في وشي، أنت بتهددني يا معتز! ... أنت مين أنت عشان تكلمني بالطريقة دي،...
أنت مالك أنت أخرج مع زياد ولا مخرجش وشغلك عندك وهخلصه، أنت مين أصلًا تكلمني بالطريقة دي امبارح، أنا مش عارفة أنا سكت لك إزاي. ابتسم لها معتز وتحدث ببرود: -خلصتي؟ يا ريت تخرجي وتقفلي الباب بهدوء، علشان مشغول مش فاضي ليكي دلوقتي. جن جنون رنيم من حديثه البارد وقالت له: -ده أنت إنسان بارد.
والتفتت لتغادر المكتب وأمسكت مقبض الباب وقبل أن تفتحه، وجدت من يغلق الباب بيده ويحاصرها شعرت بأنفاسه تلفح رقبتها، استدارت إليه لتجد رأسها بالكاد تصل لمنتصف صدره، رفعت رأسها كم هي صغيرة الحجم بالنسبة إليه وفارق الطول بينهما كبير، نظر لها بغضب وقال: -سمعيني كدا قلتي إيه؟ قالت رنيم بتوتر: -ما قلتش... ما قلتش حاجة. نظر في عينيها بغضب وتحدث بسخرية: -مالك بقيتي شبه الكتكوت المبلول كده ليه؟ فين شجاعتك اللي كانت من شوية؟
اغتاظت رنيم منه وتحدثت بشجاعة زائفة: -قلت إنك إنسان بارد، ومعندكش دم كمان. رفع إحدى حاجبيه وقال: -أمممم بارد! ... وما عنديش دم! ... أنتِ عارفة إن دي تاني مرة تهينيني فيها، لكن المرة دي أنا مش هعديهالك كده بسهولة. قالت له رنيم بعناد: -هتعمل إيه يعني؟ نظر لها معتز نظرة شرانية لكي يخيفها، ورفع يده يحل عقدة رقبته وهو يقول:
-لا هعمل حاجات أنا كان نفسي أعملها من أول يوم طولتي لسانك فيه، خافت رنيم منه وقامت بدفعه وفتحت الباب وغادرت بسرعة. ضحك معتز على فعلتها وقال لنفسه: -والله ما كنت هعمل حاجة، جبانة بس بموت فيها. بالخارج كانت رنيم تضع يدها على صدرها كان يعلو ويهبط من شدة الخوف، قابلتها آية وهي تقول: -فينك يا بنتي خرجتي من ساعتها ما جيتيش. ثم نظرت إلى وجه رنيم المذعور وهي تقول لها: -مالك يا رنيم أنتِ كويسة؟
أومأت لها رنيم بصمت دلالة على أنها بخير. فقالت آية: -أنتِ متأكدة يا رنيم وشك أحمر. قالت رنيم بتأكيد: -ما تقلقيش تعالي نشوف هنعمل إيه. قالت آية: -أنا كنت بدور عليكي عمك عايزنا في المكتب، ومعتز كمان قولي لمعتز على ما أجيب تليفوني من المكتب. هتفت رنيم بسرعة: -روحي أنتِ لمعتز وأنا هجيب تليفونك، أسرعت رنيم باتجاه المكتب قبل أن تعترض آية. واتجهت آية لمكتب معتز وهي تقول: -مالها دي النهاردة مش طبيعية.
اجتمعوا ثلاثتهم في مكتب رمزي، كان يسود الصمت المكان، آية تعبث بهاتفها، ورنيم ومعتز يختلس كل منهم النظر إلى الآخر، ومعتز يبتسم كلما يتذكر هروبها منه أما هي فتزحف الحمرة إلى وجنتها، ورمزي يتفحص الأوراق التي سهرت عليها رنيم وآية. خلع رمزي نظارته وأغلق الملف الذي كان يتفحصه وتحدث بإعجاب:
-برافو يا رنيم أنتِ كده فعلًا تربية عمك، ووجه حديثه إلى آية عجبني اقتراحاتك الجديدة يا آية وخطة التسويق اللي اقترحتها بجد ممتاز الخطة دي هتفرق معانا الفترة الجاية. دخلت سالي سكرتيرة رمزي وهي تقول: -رمزي باشا تليفون زياد باشا لسه مقفول وكلمت المكتب محدش بيرد. هتف رمزي بتأفف: -هيكون فين يعني كل ده محتاج إمضته على أوراق مهمة وعندنا اجتماع النهاردة من امبارح بكلمه مش بيرد. نظر إلى رنيم وقال: -رنيم متعرفيش حاجة عن زياد؟
متقابلتوش امبارح؟ هتفت رنيم: -كلمني امبارح عشان نخرج، لكن اعتذرت منه عشان كان عندي شغل، ومن بعده متكلمناش، أنهت حديثها وهي تنظر إلى معتز بغيظ شديد. قابل معتز نظراتها بابتسامة ونظرة ثقة تجعل قلبها يخفق بشدة، فهي تتعجب من نفسها كيف لها أن تعرفه من يومين فقط، يؤثر بها هكذا فلا تعلم هي أنه حبيبها الغائب عنها منذ سنوات، وينتظره قلبها بشوق ولهفة.
في هذه الأثناء انتبهت آية إلى حديث رنيم وسعدت بشدة أنها لم تخرج برفقة زياد أمس، فهي ظلت أمس تبكي وتلوم نفسها على حبها له. قال رمزي: -كده ما فيش غير حل واحد، نبعت حد يروحله الشركة بالأوراق دي ياخد إمضته ويبلغه بالاجتماع النهاردة. -وأنا مش هثق في حد غيركم يكون معاه الملفات. -عشان كده يا رنيم هتخدي الملفات وتروحي لزياد مكتبه. تحدث معتز بسرعة: -أنا هاخد الملفات معايا وأروح، بلاش نتعب البنات. تحدث رمزي:
-لا يا معتز أنا محتاجك معايا نجهز للاجتماع ما فيش وقت كفاية تأخير لحد كده الوفد الألماني على وصول. حاول معتز أن يجد حجة ليمنع رنيم من الذهاب قال بسرعة: -الحقيقة أنا محتاج رنيم معايا، الصبح جات بعض الإيميلات ومنتظرين الرد عليها، فباقترح المهمة دي نعتمد على آية فيها ولا إيه رأيك يا آية؟
قالت آية بتوتر من فكرة التعامل مع زياد فهي تخاف أن يتعلق قلبها به أكثر من ذلك فعندما تراه تتبخر كل محاولاتها في ألا يخفق قلبها له ويعاود قلبها بالخفقان له مجددًا: -ماشي يا معتز طالما ما فيش حل غير كده. ابتسم لها معتز: -وشكر ربه في سره، على نجاح حيلته.
نزلت آية من التاكسي أمام شركة زياد تخطو خطواتها إلى الداخل بتردد صعدت إلى مكتبه وجدت السكرتيرة غير موجودة وباب مكتبه مفتوح قليلًا وأصوات تصدر منه ترددت آية في الدخول فهي لا تعلم أتنتظر أم تدخل إلى الداخل حسمت أمرها واقتربت من الباب سمعت صوت أنثوي بالداخل تقول: -كده يا بيبي بقالك فترة مجتش تسهر معايا، وحشتني ولا أنا موحشتكش؟ سمعت صوت زياد أيضًا وهو يقول: -إزاي بس يا حبيبتي طبعًا وحشتيني، بس إيه الجمال ده كله؟
تحدثت نادين بتميع: -خلاص يبقى توعدني إنك تجيلي النهاردة، هنسهر مع بعض سهرة هتعجبك أوي. قال زياد: -مش عارف هقدر أجيلك ولا لأ. قالت نادين: -عشان خاطري يا حبيبي، صدقني مش هتندم. قال زياد بمراوغة: -أيوه كده دلعيني. ضحكت نادين ضحكة رنانة. سمعتها آية بالخارج وصور عقلها ما يفعلون بالداخل، شعرت آية أنها على وشك البكاء استدارت لتعود من حيث أتت، لم تنتبه إلى الموظفة التي كانت تسير خلفها اصطدمت آية بها وأوقعت ما كانت تحمله.
هتفت الفتاة: -إيه اللي عملتيه ده مش تشوفي أنتِ ماشية إزاي؟ قالت آية باعتذار: -أنا آسفة والله، ما خدتش بالي خالص، ثم انحنت تساعدها في لملمة أشيائها التي تساقطت بسببها. سمع زياد ونادين صوت عالي بالخارج، خرج مسرعًا وجد إحدى موظفيه تتحدث بصوت عالٍ مع فتاة ترتدي ملابس فضفاضة هتفت بصوت عالٍ: -إيه اللي بيحصل هنا؟ استدارت آية إليه وهي تقول: -أنا بجد ما كنتش أقصد أخبطها. قال زياد مسرعًا: -آية أنتِ بتعملي إيه هنا؟ أجابته آية:
-أنا كنت جاية عشان الملفات. أشار زياد إلى الموظفة أن تذهب وقال لآية: -تعالي معايا. دخلت آية إلى المكتب وجاء ليغلق الباب هتفت هي بسرعة قائلة: -من فضلك ما تقفلش الباب. تعجب من طلبها قائلًا: -ليه؟! تحدثت هي: -عشان حرام، دي تعتبر خلوة غير شرعية، وأنا مش عايزة نرتكب ذنب. اندهش من حديثها وهو ما زال واقفًا وقال: -نرتكب ذنب ليه إحنا هنعمل إيه يعني؟ فهمت ما يرمي إليه هو وتحدثت بنفاذ صبر قائلة: -أنت تفكيرك راح لفين، في حديث
بيقول إن رسول الله قال: «لا يخلون أحدكم بامرأة إلا مع ذي محرم». انصاع لأمرها وترك الباب مفتوحًا وتوجه إلى كرسيه وهو ما زال لا يستوعب تصرفها. سألها زياد: -أنتِ ليه كنتِ ماشية مدخلتيش ليه؟ هتفت هي بحرج: -كان الباب مفتوح و... شعرت بالخجل من أن تكمل ما سمعته. فهم زياد هو الآخر وشعر بالحرج منها، حاول تغيير الحديث قائلًا: -احم... إيه المطلوب مني للملفات دي؟ قالت آية: -هتمضي على الملفات، وكمان في اجتماع كمان نص ساعة.
تحدث زياد: -اجتماع وليه محدش قالي من بدري؟ هتفت آية بغيظ: -أونكل رمزي كلمك كتير مردتش على تليفونك وتليفون المكتب، يا حرام كنت مشغول أنت خالص. استشعر زياد سخريتها وعرف ما ترمي إليه، ابتسم ابتسامة خبيثة وهو يقول: -مشغول جداً جداً، ادعي لي أنتِ بس عشان هكون مشغول أوي بالليل في حاجات أهم. أنهى حديثه وغمز لها بطرف عينيه. أخفضت آية وجهها وغزت الحمرة وجنتها وتحدثت بصوت منخفض لم يسمعه هو: -بجح، وقليل الأدب.
رفعت وجهها وقالت بغيظ: -امضي الملفات عشان ألحق الاجتماع. لاحظ احمرار وجنتها، ابتسم على خجلها الذي يلاحظه لأول مرة وقام بإمضاء العقود وأعطاها إياها وقال: -استني هاجي معاكي. نزلا الاثنان إلى الأسفل، واقترب من سيارته وفتح الباب لها، وجدها تقف بجانبه غير مبالية له تشير إلى إحدى سيارات الأجرة. سألها: -أنتِ بتعملي إيه؟ تحدثت ببساطة: -بوقف تاكسي. تحدث هو الآخر باندهاش من معاملتها الغريبة بالنسبة له: -وأنا بعمل إيه؟
تحدثت بنفس البساطة: -بتركب عربيتك. تخلى عن هدوئه وتحدث بغضب: -أنتِ هتجننيني يا آية، اركبي خلينا نخلص طريقنا واحد. قالت له بهدوء: -لأ، مينفعش. تحدث هو بغيظ: -ليه إن شاء الله دي خلوة غير شرعية هي كمان؟ نظرت إليه وتحدثت بنفس الهدوء: -شطور حفظت بسرعة. فتح باب سيارته وقال لها: -اركبي يا آية ربنا يهديكي أنا مش هاكلك. أغلقت الباب وقالت بنفاذ صبر: -لأ يعني لأ.
فتح الباب مرة أخرى وأشار لها بالركوب، أغلقته هي، فتحه هو مرة أخرى وأشار لها بنفاذ صبر، كان يضع يده على حافة السيارة من الداخل لم تنتبه هي وأغلقت الباب بعنف على يده، صرخ هو من شدة الألم ممسكاً بيده وهو يتلوى، استوعبت آية فعلتها، واقتربت منه بسرعة قائلة وعيناها مليئة بالدموع: -آسفة آسفة مكنتش أقصد والله. شتمها هو في سره ونظر إليها، كانت عيناه حمراوين من الألم وتحدث بصوت عالٍ:
-مش عايز أسمع صوتك دلوقتي، اتزفتي اركبي أخلصي. كادت تعترض صرخ هو بها: -اركااااااابي. ركبت آية سيارته على الفور ونزلت دموعها فهي لم تكن تقصد فعل ذلك، ولم تعتد على صراخ أحد عليها هكذا. وقف هو يدلك يديه، هدأت قليلاً بينما كانت على يديه كدمة باللون الأزرق. زفر بغضب وركب سيارته، قاد سيارته بصمت. بعد مدة من الصمت، حانت منه نظرة إليها وجدها تمسح دموعها فكانت تبكي في صمت. تحدث إليها بتعجب: -أنتِ بتعيطي ليه دلوقتي؟
هو أنا جيت جمبك يا بنت الناس؟ لم تجبه وظلت هي تبكي في صمت، استفزه سكوتها أكثر وتحدث: -هو أنتِ ليه عايزة تستفزيني وخلاص؟ مش بكلمك تردي عليا. التفتت إليه هي بغضب: -بطل تزعق ليا، قولتك مرة أنا آسفة بتزعق ليه؟ تحدث وهو يعقد حاجبيه: -أنتِ عاملة المندبة دي كلها عشان عليت صوتي عليكي؟ نظرت له بطرف عينيها ثم أدارت وجهها وهي تضبط حجابها وتتأكد منه، مسح هو بكف يده المصابة على وجهه وحاول أن يبدو لطيفاً معها:
-إيه المطلوب مني دلوقتي يا ست البنات عشان أكفر عن غلطتي؟ ابتسمت آية بداخلها على اللقب الذي تفوه به، فكم أحبت طريقة نطقه لها وتمنت أن يأتي اليوم الذي يتحدث هو معها بحب، نظرت إليه وقالت ببساطة: تحدث وهو ينظر إلى الطريق قائلًا: -سامعيني قولتي كده إيه؟ قالت بنفس البساطة: -تعتذر. تحدث بذهول فاليوم تقريباً هو يوم الاندهاش بالنسبة له: -أعتذر ليه؟
يعني أنتِ اللي غلطانة وإيدي كانت هتبقى في ذمة الله بسببك، وصوتي كان عالي بسبب تصرفاتك الغريبة وأنا كمان اللي أعتذر. نظرت إليه بغيظ وتحدثت لتستفزه: -مش أنت اللي سألتني تعمل إيه عشان تكفر عن غلطتك؟ وأنا قولتلك اعتذر، طالما مش قد السؤال متسألش. نجحت في استفزازه وتحدث بغيظ: -آسف، مبسوطة كده؟ ابتسمت له قائلة: -فوق ما تتخيل.
نظر أمامه وأكمل القيادة وهو يبتسم على أفعالها، فاليوم يكتشف جزء من شخصيتها أثار فضوله كثيراً معرفتها أكثر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!