أثناء ذهاب حسين لشغله، مر بجانب معرض منصور. تفاجأ بلافتة كبيرة مكتوب عليها "معرض المعلم جبريل"، وأسفلها بخط واضح "تحت إدارة (المعلم صالح) فضل حسين واقفًا أمام المعرض، حاسسًا وكأن أحدًا ضربه قلمًا على غفلة. شغل سيارته وذهب إلى محله، وطلب مقابلة فارس. لكن أحد العمال أخبره أن فارس لم يأتِ. جلس حسين على المكتب يكلم نفسه: "معقول كانوا بيضحكوا عليا وفارس مشترك مع أخوه؟
ولو فعلاً فارس مشترك مع أخوه، إيه كان بيشتغل معايا ليه؟ وقف حسين وقرر أنه سيعمل جردًا للمخازن. نادى على أحد العمال وطلب منه أن يجمع له باقي العمال. راح العامل وجمع العمال المتواجدين. في نفس الوقت، كان حسين جالسًا وهو حاسس بنار بداخله. معنى كده إنه منصور بدأ الحرب عليه. أصبح منصور أقوى منه، والمحل لا يأتي أحد ليشتري منه، عكس معرض منصور الذي كان مليئًا بالناس.
التفكير كان مسيطرًا على رأس حسين، ومش عارف إزاي منصور قدر يعمل كده وجاب الفلوس منين؟ جابها من خاله ولا من والدته ولا شارك حد؟ لو كان شارك حد، ما كانش هيسمي المحل باسم جبريل، كان اختار اسم تاني. وصالح ما بيفهمش حاجة في الشغلانة ولا حاببها أصلًا. هل ممكن يكون عمل كده عشان يعانده ويخسره؟ بس لأ، لازم أتصرف. والمعرض ده لازم يتقفل بالذوق أو بالعافية. اجتمع العمال أمام مكتب حسين، مستنيين يعرفوا السبب اللي جمعهم عشانه.
لما طال الصمت، قرر أحد العمال أن يكسر الصمت: "معلم حسين، اتجمعنا زي ما طلبت." "إيه ده؟ آمال فين الباقي؟ "راحوا اشتغلوا عند منصور في المعرض." "وهما عرفوا إمتى؟ واشمعنى دول اللي راحوا، وليه انتوا مارحتوش معاهم؟ ظهر واحد من العمال وتكلم بخبث: "فارس يا معلم، كنت بشوفه بيقعد معاهم كل واحد لوحده وبيُقنعهم وينبه عليهم ما يقولوش حاجة لحد." "وأنت عرفت منين يا محمود؟
"مهو جه طلب مني، بس أنا رفضت. أنا لحم كتافي من خيرك يا معلم." "أصيل يا محمود." بعدها، بص للباقي وسألهم: "وفارس طلب منكم انتوا كمان تروحوا تشتغلوا عندهم؟ أجابوا كلهم في نفس اللحظة: "لأ يا معلم، إحنا علاقتنا مش قوية مع فارس ومنصور زي الباقي." "تمام، روحوا انتوا كملوا شغلكم، وعايزكم تعملوا لي جرد على المخازن." "حاضر يا معلم." "استنى انت يا محمود، عايزك." "اتفضل يا معلم." "أنت ليه كلام مع فارس ومنصور؟
"آه يا معلم، أنا اللي معلمهم الشغل." "جدع... بص بقى، أنا عايزك تعمل لي خدمة، وكله بحسابه." "اتفضل يا معلم." "عايزك تروح المعرض كأنك بتباركلهم، وعايز عينك تبقى كاميرا. تجيب لي كل أسعار قطع الغيار، ومين التجار اللي ورد لهم، ومين شريكهم. عايزك تجيب لي كل التفاصيل، بس من غير ما يحسوا." "سهلة يا معلم، قبل آخر اليوم هعدي عليهم وأقولك كل التفاصيل." خرج حسين وقرر إنه يروح لسميحة ويحاول يوقعها في الكلام.
وصل حسين عند بيت سميحة وخبط الباب. فتحتله سميحة ببرود. هي كان نفسها تشوف شكله وقت ما يعرف بموضوع المعرض، وربنا جابهولها لحد عندها. "خير يا حسين، عايز إيه؟ "هكون عايز منك إيه يا سميحة؟ "امال إيه سبب الزيارة الغير مرغوب فيها دي؟ "للدرجة دي يا سميحة مقهورة لأني طلقتك؟ وفضلت مشيرة عليكي وحبيتها أكتر منك وحبيت عيالها أكتر من عيالك؟
أنا أصلًا عمري ما اعتبرتك زوجة، كنتي عبارة عن كوبري بدوس عليه عشان أوصل لهدفي. بس مش مهم، المهم إني قدرت أقهرك وأوجعك. ولو فاكرة إن اللي عمله منصور ده هيعدي كده، تبقي غبية. والمفروض إنك تخافي على ابنك بدل ما ترميه في النار. أصل بعود كبريت كل حاجة هتبقى بح."
"والله ما في حد مقهور هنا غيرك، أنت اللي مقهور من ابنك عشان قدر ينجح، ولسه هتتقهر أكتر لما ترجع شحات تاني زي ما كنت. لو كنت نسيت، أفكرك لما جيت لأبويا جعان، عريان، وحافي، ولبسك ولمك من الشوارع. اوعى تكون فاكر لما تقول لي إنك بتحب مشيرة إني هغير أو هتأثر، أو جوازي منك وطلاقي فارق معايا. أنا كده كده عمري ما اعتبرتك جوزي. وسبب سكوتي هو بابا، خوفًا على صحته. ومن بعدها ولادك اللي عرفوا كل الحقيقة. يا حسين، أنت مش في بالي أصلًا، وولادي خلاص مابقوش يعتبروك أبوهم، عشان كده وجودك في حياتنا بقى غير مرغوب فيه."
خلصت كلامها وحاولت تقفل الباب، لكن حسين حاول يمنعها بعصبية: "إنتي اتجننتي؟ إنتي بتقولي لي أنا الكلام ده؟ حاول يزق الباب ويفتحه، لكن مقدرش. ولقى منصور واقف في ضهره وبيكلمه بسخرية: "إيه ده؟ معلم حسين هنا؟ خير يا معلم، جاى ليه؟ "المعرض اللي فتحته ده يتقفل يا منصور، بدل ما تشوف وش تاني مني." "أنا مستني أشوف الوش التاني ده. ومرة تانية ما تجيش هنا. هو أنت مش بتعرف تتكلم مع رجالة، فبتلف وتتكلم مع نسوان؟
"انت بتكلمني كده ليه؟ نسيت أنا مين؟ "لأ، أنسى إزاي؟ أنسى اللي نصب على أمي وخالي، وخد فلوسهم وراح ربا ولاد غير ولاده. ماتقلقش، مانستش أنت مين، ومش هنسى." بعدها، فتح الباب بالمفتاح ودخل وقفل الباب تاني، واعتبر حسين مش موجود. دخل لقى مامته في المطبخ وبتغرف الأكل. كان خايف يكون كلام حسين ساب أثر جواها، لكن اتفاجئ أنها بتتعامل عادي، ومافيش أي ملامح غضب أو حزن على ملامحها. "مساء الخير يا ست الكل."
"مساء الورد يا حبيبتي. هتغير هدومك ولا نازل تاني؟ "لأ، هتغدى وأنزل. عندي شغل كتير النهارده، الافتتاح والعروض نار. وما شاء الله المعرض مليان على آخره." "ربنا يستر، وابوك ما يعملش حاجة ينكد عليك." "ما يقدرش يا ست الكل، ولادك رجالة. أنا مش عايزك تقلقي، أنا مأمن نفسي كويس." "ربنا يستر، وبدعيلك ليل نهار، أنت وأخوك. فاضل بس تفرحني بعروسة." "لأ، انسى. مش دلوقتي. هو أنا عندي وقت أقعد معاكي؟
لما تقولي لي اتجوز، انسى. ركزي مع فارس وبنت أخوكي دلوقتي." ابتسمت سميحة على ابنها وفضلت تدعيله ربنا يسترها عليه. خلص منصور غدا وراح المعرض. لقى حد من العمال بيتكلم على المعلم عبد الظاهر. بعدها راح وقف جنبهم عشان يطمن عليه. "خير يا رجالة، ماله الحاج ظاهر؟ "من نص ساعة وقع في مكتبه وطلبوا له الإسعاف." "ومين معاه دلوقتي؟ "معاه حد من العمال وبنته." "تمام." سابلهم منصور وراح مكتبه. كان فارس قاعد بيراجع الإيرادات.
لقى منصور داخل وهو مستعجل وبياخد فلوس من الخزنة. "مالك يا منصور؟ مستعجل ليه كده؟ "المعلم عبد الظاهر وقع في مكتبه وفي المستشفى." "لا حول ولا قوة إلا بالله. طيب أنت هتروح له دلوقتي؟ "أكيد طبعًا." "والمعرض، أنت عارف الوضع عامل إزاي؟ "أنت هتقدر تسد يا فارس؟ الراجل لوحده ماينفعش نسيبه. وما عندوش ولاد رجالة. وما فيش حد معاه غير بنته، ماينفعش نسيبها لوحدها." "ماشي يا منصور، خد بالك من نفسك وابقى تابع معايا على التليفون."
وصل منصور المستشفى وسأل عن المعلم. بلغوه إنه في العناية المركزة. وصل قدام العناية ولقى بنت في أوائل العشرينات واقفة لوحدها وبتعيط. قرب منها ببطء وسألها: "أنتي بنت المعلم عبد الظاهر؟ "آه، أنا." كانت بتتكلم بشحتفة وعياط. "حالته عامل إيه دلوقتي؟ "معرفش حاجة خالص عنه. والدكاترة مش بتقول لي حاجة." "خلاص، ماتقلقيش. أنا معاه ومش هسيبه. اقعدي ارتاحي، وأنا هتصرف."
في الجهة الأخرى، رجع حسين تاني على المكتب وكان حاسس بغليان جواه من كلام منصور وأمه. وقرر إنه ياخد حقه. مر ساعتين، وبعدها دخل محمود المكتب. "يا معلم." "خير يا محمود، عرفت حاجة؟ "آه، بصراحة خايف أحكيلك تزعل." "لأ، قول."
"منصور اتفق مع تجار كبار وواخد البضايع بالقسط. والبضاعة اللي عنده أجدد من اللي هنا، والأسعار زي عندنا. والبضاعة اللي عندنا هو عارضها أرخص، تقريبًا بسعر الجملة. ولو بعناها زيه هنخسر، ولو سبناه محدش هيجيلنا هنا خالص. نعمل إيه؟ "نولع في المعرض، وانهارده." "أنت بتقول إيه يا معلم؟ "اللي سمعته. ولو مش قدها، عرفني." وقف محمود يفكر في كلام حسين، وبعدها رد عليه بطمع: "بس الموضوع ده هيتكلف كتير، منا مش هعمله لوحدي."
"هديك اللي أنت عايزه، وكاش." "تمام يا معلم، عايز ميت ألف جنيه." خرج حسين من الخزنة ٥٠.٠٠٠ ألف واداهم ليه. "ده نص المبلغ، ولما تخلص هديك الباقي. أهم حاجة محدش يعرف مين عمل كده، ولا اللي هيساعدوك يعرفوا إن أنا اللي مبلغك." "اعتبره حصل." أخد محمود الفلوس وخرج. تفتكروا محمود هينفذ؟ وهل مشيرة هتتدخل في المشاكل ولا هتكتفي إنها تبقى متفرجة؟ وهل هيكون لعبد الظاهر دور ولا خلاص كده؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!