وقف حسين يبص حواليه وهو مذهول من اللي بيحصل ومش عارف فيه إيه. مش شايف غير عبد الظاهر واقف وماسك إيد سميحة وبيقول: "دي مراتي". بص لسميحة بضحكة مهزوزة: "ده مقلب صح يا سميحة؟ فضلت سميحة ساكتة وبتضحك من جانب فمها بسخرية. استعجب كل الحاضرين من كلام حسين وإيه اللي جابه، وليه بيعمل كده. وقرر منصور إنه يدخل في الكلام: "فيه إيه يا بابا ومقلب إيه اللي بتقول عليه؟ "أنا اللي عايز أفهم، فيه إيه بيحصل دلوقتي؟
"ماما اتجوزت من المعلم عبد الظاهر." "إزاي ده يحصل؟ اتكلم صالح بعصبية مع حسين: "إنت مالك يا حسين، يخصك في إيه سميحة تتجوز ولا لأ؟ هو إنت لما أكلت ورث أبوها واتجوزت عليها ورميت ولادك، كان حد اتدخل؟ "أنا ندمت وكلمت سميحة وهي قالت إنها سامحتني." قرب من سميحة وبيحاول يستعطفها: "مش صح يا سميحة؟ مش إنتي سامحتيني وأنا رجعتلك حقك وكان المفروض إننا نتجوز النهارده، وإنتي قولتيلي إننا خلاص نبدأ صفحة جديدة."
سكتت سميحة لحظة، والضحكة الساخرة لسه مرسومة على وشها، لكن عينيها كانت مليانة وجع قديم. "سامحتك يا حسين؟ "أيوه يا سميحة، سامحتيني وقالتيلي بنفسك إننا نبدأ صفحة جديدة." ضحكت سميحة ضحكة قصيرة فيها وجع: "أيوه قلتلك نبدأ صفحة جديدة... بس ما قلتلكش إنك هتكون فيها." "إيه؟! "الصفحة دي أنا اللي كتباها، مش إنت... واسمك اتحذف منها من زمان." قاطعهم
عبد الظاهر بصوته القوي: "بقولك إيه يا حسين، خد بعضك وامشي وبلاش جو الصعفانية ده هنا عشان ما تزعلش من اللي هيحصل." حاول حسين يتقدم ناحية سميحة، لكن عبد الظاهر مد إيده يمنعه: "خطوتك دي لو كملتها، هتبقى آخر خطوة في حياتك يا حسين." "إنت بتهددني؟ "لأ، أنا بحمي مراتي." صالح وقف بينهم بسرعة: "خلاص يا جماعة كفاية فضايح، اللي حصل حصل، وكل واحد يشوف طريقه." لكن حسين كان منهار، صوته اتكسر وهو بيقول: "بعد العمر ده كله يا سميحة؟
بعد ما رجعتلك ندمان؟ ردت وهي بصاله بنظرة حاسمة: "اتأخرت يا حسين... 'فات أوان الندم'." وساد الصمت، الكل بصّ لها بدهشة. أما عبد الظاهر فمسك إيدها بقوة، وكأنه بيعلن قدام الدنيا كلها إنها اختارته هي المرة دي، مش العكس. قرب منصور من باباه وبدأ يسأله. ورد عليه حسين بصوت يشبه البكاء خلى قلب منصور يلين: "إيه اللي حصل يا بابا؟ أنا مش فاهم حاجة."
"أنا بعد طلاق أمك وخسارة كل اللي كان معايا حسيت بندم كبير. كلمت سميحة وطلبت منها تسامحيني وأني أرجع لها تاني. وافقت بس بشرط إنها ترجع لها محل ومخزن أبوها الله يرحمه. وأنا الصبح قابلتها ونفذت كلامي وعملتلها بيع وشرا عنهم والمفروض إن المأذون ده يكتب كتابي عليها." قرب حسين من منصور واتكلم ببكاء: "صدقني يا منصور، أنا ندمت والله ندمت. خليها ترجع لي وأنا هعوضها." دخل صالح في الكلام بعصبية مكتومة،
عينيه مولعة غضب: "تعوضها عن إيه؟ لما ما كنتش بتصرف عليها؟ ولا لما أخدت ورثها وورثي في محل أبونا؟ تسامحك على إيه يا حسين؟ على خيانتك للأمانة؟ ولا على ولادك اللي اتخليت عنهم ومارضيتش حتى تعلمهم؟ إزاي ليك عين تطلب منها تسامحك وإنت اللي حر**قتها بإيدك؟ بصّ لهم حسين بعينين مكسورة، حاول يتكلم، يبرر، بس كل كلمة كانت بتخونه، كل مبرر بيطلع من بقه كان بيقع قبل ما يوصل. اتكتم صوته، وغلبته الدموع.
كان بيكلم نفسه بصوت واطي: "كنت فاكر الزمن هينسى… بس الظاهر إن الزمن بيفكرني كل يوم أنا كنت قد إيه ظالم." منصور وفارس بصّوا له بشفقة ممزوجة بالوجع، مش قادرين يكرهوه ولا يحنّوا له، إحساسهم متلخبط زيه. ده أبوهم… بس مش هو نفس الراجل اللي كانوا بيخافوا منه زمان، ده راجل مكسور، ندم بعد فوات الأوان.
خرج حسين من الشقة وهو مش شايف طريقه، دموعه مغرقة وشه، وكتافه منحنية كأنه شايل عمر من الندم فوق ضهره. كل خطوة كان حاسس إنها بتنزله درجة تحت الأرض. خسر كل حاجة… مراته، ولاده، شغله، وحتى نفسه. مشيرة اللي اتجوزها وهي طماعة فيه، وولادها اللي كانوا شايفينه بنك بيتسحب منه الفلوس… كلهم اختفوا أول ما الفلوس خلصت.
نزل قعد على الرصيف، إيده على راسه، بيبكي من قلبه، بكا مش بكا ندم بس… بكا وجع سنين فاكر إنها كانت رجولة، واتضح إنها كانت غرور. منصور خرج بعده، وقف على بُعد، بيبصله بحزن وقله حيلة. مش عارف يقوله إيه… من ناحية، شايف راجل اتكسر قدامه بعد ما كان جبل… ومن الناحية التانية، عارف إن اللي بيحصله ده تمن الغلطات اللي هو نفسه كان شاهد عليها. وقف ساكت، قلبه واجعه، ولسانه عاجز. كل اللي قدر يقوله لنفسه:
قرر منصور يسيبه ويطلع لمامته بس مش عارف يقولها إيه. يعاتبها على اللي عملته ولا يكمل كأن مافيش حاجة حصلت. طلع منصور لقى فارس واقف على السلم متعصب وفجر بتحاول تهديه. قرب منه منصور وكلمه بهدوء: "خير يا فارس، فيه إيه واقف كده ليه؟ "يعني إنت مش شايف اللي حصل يا منصور؟ ماشوفتش اللي حصل جوه إيه؟ "شفت يا فارس بس بأيدينا إيه نعمله." "عاجبك كسر بابا واللي ماما عملته ده؟
"إيه ده يا فارس، اهدى. أولًا أنا مش مع اللي حصل جوه، بس للأسف ما تنساش اللي حصل ده حصل لماما قبل كده لما بابا كان بيظلمها وإحنا ما كناش بنلومه، بالعكس كنا بنقول لها هي تستحمل عشان خاطرنا." "يعني إيه؟ وأبوك اللي نازل بيعيط ده زي الطفل الصغير؟ "بص يا فارس، تعالي دلوقتي ندخل ونقف مع ماما، بلاش نكسر فرحتها. وبالنسبة لبابا هيكون لينا كلام تاني معاه. أبوك مسؤول مننا إحنا مش منها هي." "أنا عايز أمشي."
"ادخل يا فارس وتعالى على نفسك. ماما يا ما حت على نفسها عشان خاطرنا." دخل فارس وكان بيحاول يرسم الضحكة لكن ملامح الغضب كانت ظاهرة على وشه. حاول صالح أو عبد الظاهر يتكلموا معاها لكن هي رفضت إنها تتكلم في أي حاجة دلوقتي وقالت لهم بعدين هفهمكم كل حاجة. وافق صالح والمعلم، وخصوصاً المعلم. وفارس ومنصور برضوا اتمنوا اليوم يخلص بسرعة عشان اللي حصل وعايزين يقعدوا مع نفسهم يفكروا هيعملوا إيه مع أبوهم.
"طب يا جماعة أعتقد الوقت اتأخر، مش يلا بقى ولا إيه؟ اتكلم صالح وهو موافق على رأيه: "عندك حق. ألف مليون مبروك وبإذن الله جوازة السعد." خرج في البداية صالح ومراته، وبعدها الباقي. وسميحة وعبد الظاهر خرجوا أخر ناس، وتأكدت سميحة إن الشقة اتقفلت كويس. ركبت سميحة مع صالح ووصلوا لبيتهم الجديد. طول الطريق كان عبد الظاهر ماسك إيد سميحة زي المراهقين. وطلعوا شقتهم سوا. أول ما دخلوا الشقة، قرب من سميحة أكتر وكان
صوته واطي ومليان إحساس: "أخيرًا الحلم اتحقق... أنا حاسس إني ملكت الدنيا وأنا معاكي." ابتسمت وهي مكسوفة: "قولتلك قبل كده متبالغش كده." "أبالغ؟ ده أنا لو أقدر أخلي الدنيا كلها تعرف قد إيه بحبك، كنت عملت كده من زمان." قرب منها أكتر، صوته بقى واطي، فيه نغمة حنين: "كنت حلمي، وكنت فاكر الحلم ده مستحيل... بس هو جه، وإنتي دلوقتي إيدك في إيدي أهو." ضمها بهدوء، وصوته اتكتم عند ودنها: "بصي... بكلمك وإنتِ في حضني يا سميحة...
احضنيني يا سميحة، خليني أحس إني بطير... خليني أحس إن الكمال لسه ليه طعم وأنا في حضنك." سكتت هي، صوت نفسها متلخبط، مش قادرة ترد. كمل هو، ولسه حضنها كأنه خايف تفلت منه: "أنا بحبك... بحبك حب عمرك ما تتخيلي ولا تتصوري قد إيه. لسه مش قادر أستوعب إنك بقيتِ ليا خلاص." بعدت سميحة شوية، حطت وشه بين إيديها: "ارتاح يا حسين... أنا أهو قدامك، بقيت مراتك." ضحك بخفة وهو بيبص في عينيها: "أرتاح؟ وأنا لسه مش مصدق إنك بقيتِ ليا؟
فاكرة أول مرة شفتك؟ كنتِ بتضحكي... ومن ساعتها قلبي اتسحب، وما رجعش لحد النهارده. رجع النهارده... لصاحبته." تنهدت سميحة بخفة، صوتها مبحوح ومليان خجل: "حرام عليك يا حسين... كده هعيط. بص، هقوم أحضّرك العشا." مسك إيدها اللي كانت على وشه، وباس كفها من جوه ببطء. "لأ، إنتي تقعدي هانم يا سميحة... وأنا اللي هجبلك الأكل لحد عندك." ضحكت بخجل، بس جواها كانت موجة دفء بتتحرك. كلامه دخل قلبها وخلاه يدق من جديد. "حسين أنا...
قطع كلامها وهو بيبص فيها بحب مالوش آخر: "ما تقوليش حاجة... مش عايز منك وعود، ولا أي كلام. أنا بس عايز أحبك، وأفضل جمبك... عايز أشبع منك، وأنا عارف ومتأكد... إني مهما عدّى العمر، مش هشبع منك أبدًا." قام حسين وقلها: "لحظة يا سميحة وراجعالك تاني." دخل عبد الظاهر وحط الأكل على صنية ومعاه ظرف فيه ورق ودخله لمكان سميحة وقعد جمبها. "إيه ده برضه؟ تعبت نفسك."
"أنا أتعب ويا سميحة وإنتي لأ، وبمجرد ما هنزل الشغل هتيجي ست تساعدك في شغل البيت وعايزك تقعدي هانم، ما تمديش إيدك في حاجة. أي حاجة تعوزيها مش محتاجة حتى تطلبيها، إنتي تشاوري بس وهتكون تحت رجلك." بدأت سميحة تاكل لكن وقفها عبد الظاهر: "مش قولتلك ما تتعبيش نفسك، أنا هأكلك." اتحرجت سميحة واصر عبد الظاهر على كلامه وبالفعل بدأ يأكلها ويغازلها وهو بيأكلها لحد ما شبعوا وبعدين...
عند حسين فضل يلف في الشارع بدون أي هدف مش عارف يعمل إيه ورد فعل مشيرة لما تعرف هيكون إيه. تعب حسين من اللف وراح لبيته مع مشيرة وطلع البيت. لقى مشيرة وولادها قاعدين بيأزأزوا لب ويتفرجوا على التليفزيون. بصتله مشيرة بسخرية: "مش قولتلك هترجع وقفاك يأمر عيش." "اسكتي يا مشيرة، اسكتي." "اسكت إنت غبي يا حسين، اسكت إيه؟ ده أنا هسمعك اللي يفوقك." زقها حسين وجه يدخل أوضته وقفته مشيرة وولادها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!